مقدمة
يعتز الأمريكيون بعظمة وطنهم، ولكن الكثيرين منهم لا يدركون مدى اتساع ومدى عمق التحولات التي تحدث الآن في القيم الأخلاقية الأساسية الأمتنا، وفي خطابها العام، وفي فلسفتها السياسية.
لقد كان شعبنا فخوراً فخراً له ما . يبرره وهو يرى قوة أمريكا وتأثيرها يستخدمان من أجل صون السلام لأنفسنا وللآخرين، ومن أجل تعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل رفع راية الحرية وحقوق الإنسان عالياً ومن أجل حماية نوعية بيئتنا، ومن أجل تخفيف المعاناة الإنسانية، ومن أجل تعزيز حكم القانون، ومن أجل التعاون مع الشعوب الأخرى للوصول إلى هذه الغايات المشتركة.
ومع وجود أكثر السكان تنوعاً وإبداعاً على الأرض، تعلمنا قيمة تزويد مواطنينا بالمعلومات الصحيحة، ومعاملة الأصوات والمعتقدات المخالفة باحترام وتوفير المناقشة الحرة والمفتوحة للقضايا الخلافية. وقد أشاد معظم قادتنا السياسيين بالحكم الذاتي الولائي والمحلي، وحاولوا أن يضبطوا الصرف مع العجز، وتجنبوا المغامرة الخارجية، وقللوا إلى الحد الأدنى التزامات حفظ السلام طويلة الأمد، وصانوا الفصل بين الكنيسة والدولة وحموا الحريات المدنية والخصوصية الشخصية.
ومعظم القضايا الحاسمة والخلافية التي نواجهها اليوم سبق أن نوقشت قبل وقت طويل من وصولي إلى الرئاسة. وهذه المسائل الخلافية طبيعية ومعظمها لا يمكن تجنبه. وتشمل الإجهاض، وعقوبة الإعدام، والعلم في مقابل الدين، وحقوق النساء، وفصل الدين عن السياسة واللواط، وسياسة أمريكا الخارجية، وصورتنا الكوكبية، والحريات المدنية، وتهديد الإرهاب، والانتشار النووي، وانتشار الأسلحة، والاختيار بين الحرب والسلام، ونوعية البيئة والعدالة للفقراء.
ومعظم المناقشات الحديثة التي دارت حول هذه القضايا نفسها تسببت تقريباً في إحداث انقسامات غير مسبوقة في بلادنا، وقام كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري بالاعتماد على الإعلانات التجارية المقذعة لكسب الانتخابات، واتسمت المداولات في مجلس الشيوخ بشكل متزايد بالعداوة الحزبية، وتبنى كل سكاننا ""الأحمر"" و""الأزرق"" بوصفهما التعبيرين الوصفيين
المعتادين في الولايات وفيما بينها.
ما الذي أثار هذه الخصومات الحادة، وولد، في الوقت نفسه، مثل هذه التحولات عن القيم التقليدية لأمريكا؟ أحد العوامل هو رد فعل أمتنا على الهجوم الإرهابي الذي وقع في 11 أيلول / سبتمبر 2001، حين أدركنا شدة الإرهاب، ودوامه، والطبيعة الكوكبية له. والتغيير الآخر هو تلك المبالغ الضخمة من المال التي يجري إدخالها في العملية السياسية، مع تأثير غير مسبوق للمصالح الخاصة داخل المداولات الحكومية التي يزداد ميلها إلى الكتمان.
وأهم عامل هو أن الأصوليين صاروا مؤثرين على نحو متزايد في كل من الدين والحكومة معاً، ونجحوا في تغيير الفروق الدقيقة والفروق البعيدة الغور في معاني الحوار التاريخي وتحويلها إلى صلابة لا ترى إلا الأسود والأبيض وإلى الانتقاص الشخصي من أولئك الذين يجرؤون على الاختلاف وعدم الموافقة. وفي الوقت نفسه، فإن هؤلاء المحافظين الدينيين والسياسيين قد خلطوا جهودهم، وهم يبنون الجسور فوق الفصل السابق المحترم بين الكنيسة والدولة. وهذا قد خول سلطة التصرف لجماعة من المحافظين الجدد المؤثرين الذين كانوا قادرين على تنفيذ فلسفتهم المحبطة منذ زمن طويل في السياسة المحلية والخارجية معاً.
إن تأثير هذه الاتجاهات المختلفة يشكل تهديداً للكثير من الأعراف التاريخية والالتزامات الأخلاقية لأمتنا، في الحكومة وفي دور العبادة على حد سواء.
وقد تم تبني معتقدات لاهوتية معرفة تعريفاً ضيقاً بوصفها جدول أعمال جامد الحزب سياسي. وقام أعضاء جماعات الضغط الأقوياء، في داخل الحكومة وخارجها معاً، بتحريف معتقد أمريكي مثير للإعجاب في المشروع الحر وحولوه إلى حق المواطنين الأغنياء غنى فاحشاً في تكديس واستبقاء المزيد المزيد من الثروة ونقلها إلى نسلهم. والأرباح المكتسبة من المتاجرة بالأسهم والدخل المكتسب من أرباح الأسهم يجري إعطاؤها وضع ضريبة الامتياز مقارنة بالأجور التي يكتسبها معلمو المدارس ورجال الإطفاء. وأتمثل هنا بقول صديق مسيحي: إن الفلسفة الاقتصادية الجديدة في واشنطن هي أن المد المرتفع يرفع كل اليخوت.
والاختلافات في الرأي غير القابلة للحل في موضوعات الإجهاض. واللواط، وقضايا اجتماعية حساسة أخرى ازدادت سوءاً بإصرار المتصليين في آرائهم الملتزمين التزاماً شديداً بها على فرض أرائهم، آراء الأقلية، على أكثرية أكثر اعتدالاً.
وأعلنت أمتنا استقلالها عن قيود المنظمات العالمية وتنصلت من الكثير من الاتفاقات الكوكبية التي كانت ثابتة منذ مدة طويلة، ومن جملة ذلك قرارات قضائية، واتفاقات أسلحة نووية، وضوابط على الأسلحة الحيوية وحماية البيئة والنظام الدولي للعدالة والمعاملة الإنسانية للأسرى. وفوق ذلك، وبعد أن اشتبكت قواتنا بالقتال وبدأت أمريكا تواجه تهديداً بالمزيد من الهجمات الإرهابية أهملنا أحلافنا مع معظم الأمم التي نحتاج إلى أن تكون قد التحقت بنا في القتال الطويل الأمد ضد الإرهاب الكوكبي. والذين الفوا بين جميع هذه الأعمال السياسية ونسقوها هم الذين يعتقدون أن استخدام قدرة أمتنا وتأثيرها الهائلين يجب ألا يكون مقيداً من الأجانب. وبغض النظر عن التكاليف، فإن بعض القادة يحاولون صراحة أن يخلقوا إمبراطورية
أمريكية مهيمنة في كل أنحاء العالم.
وبناء على هذه المقدمات، لم يبق معتبراً من الضروري بعد الآن الامتثال للقيود الموضوعة على مهاجمة الأمم الأخرى عسكرياً، بشرط أن تدعي المصادر الاستخباراتية غير المتيقنة في الغالب أن القوة العسكرية لتلك الأمم أو خططها السياسية قد تكون في نهاية المطاف خطرة على الولايات المتحدة. وعندما توصم تلك الأمم بأنها محور الشر فإنها تكون منبوذة وليست مقبولة بعد ذلك لتكون شريكاً في المفاوضات، وتهون حياة شعوبها وتميل إلى أن تصير عديمة الشأن.
ومن حسن الطالع، فإن هذه السياسات القومية وعدم التوافق هذا لم تصل كلها بعد إلى أن تصير دائمة، وذلك لأن أعضاء كثيرين من الجمهور العام، ومن المشرعين، ومن القضاة الفيدراليين، ومن المسيحيين، ومن المؤمنين الآخرين ما يزالون يبحثون عن أجوبة متوافقة لمعظم الأسئلة الدينية والسياسية الخلافية، وحرصاً على أفضل مصالح أمريكا يجب أن يفهم أحدنا الآخر ويجب أن نجد أوسع أرضية مشتركة بيننا .
وأنا أستطيع بعد مشاركة استغرقت مدة عمري كلها في الشؤون الدينية والسياسية، أن أفهم مدى إخلاص أولئك الذين روجوا لهذه التغيرات الجديدة. لقد خبرت حدة الوطنية حين كنت ضابط بحرية، وخبرت طموحات رجل الأعمال المنافس، وخبرت حدة الحوار السياسي. وقد تم إغرائي بشكل شديد لشن هجوم عسكري على الأجانب، وشعرت بإحباط الاضطرار إلى التفاوض مع الحلفاء أو مع الأعداء السابقين للوصول إلى إجماع بدلاً من اتخاذ المزيد من العمل الأحادي الجانب الحاسم.
لقد كان صراعاً بالنسبة إلى لأثبت ضد الضغوط الموجهة من الناخبين الأعزاء في قراراتي السياسية بوصفي عضو مجلس الشيوخ عن ولاية وحاكماً، ورئيساً . وبرغم ما أعتبره متطلباً متعلقاً بالدستور وبالكتاب المقدس من أجل فصل الكنيسة والدولة، فيجب علي أن أعترف بأن معتقداتي الدينية الخاصة بي قد انضفرت بشكل لا يمكن فكه مع المبادئ السياسية التي تبنيتها .
وبوصفي مواطناً عادياً، فسوف أمزج الدين والسياسة عن قصد في هذا الكتاب. وفي جزء من النص، سوف أحلل القيم الأخلاقية من وجهة نظر دينية، وسأضم إلى هذا التحليل بعدئذ تقديري للتأثير الضار للقرارات السياسية الحديثة على هذه القيم نفسها. وسوف أعبر عن آرائي بأصرح ما يمكن، بوصفي مسيحياً إنجيلياً مولوداً ثانية وقائداً سياسياً سابقاً. وفي المجال الديني، سوف أعتمد على الكتب المقدسة كما فسرتها كلمات عيسى المسيح وأفعاله. وفي القضايا السياسية، سوف أعتمد إلى أبعد حد ممكن على خبراتي الشخصية وملاحظاتي.
وأنا أقدر أن قراء كثيرين، ومنهم أولئك الذي يشاطرونني خلفية دينية وسياسية مشابهة، سوف يجدون بعض آرائي مختلفة عن آرائهم. ويحتمل تماماً، أن الكثيرين منهم لا يدركون ما يجري في أمريكا، وأنه قد يكون من المفيد رفع القضايا إلى مستوى الحوار المتزايد.
