القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (14-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (14-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل التحدي الأكبر في الألفية الجديدة، وهو التفاوت المتزايد بين الأغنياء والفقراء عالميًا ومحليًا. يسلط الضوء على معاناة الملايين في الفقر المدقع مقابل رفاهية الأثرياء في الدول الصناعية، ويشير إلى أن المساعدات الموجهة للدول النامية غالبًا ما تكون غير فعالة، حيث تُنفق على المستشارين واللوجستيات بدلاً من تلبية الاحتياجات المباشرة. كما ينتقد السياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة التي تفاقم الفجوة بين الطبقات، مثل تخفيض الضرائب للأثرياء ودعم الشركات الكبرى على حساب الفقراء. يدعو الفصل إلى تعزيز العدالة الاقتصادية عبر تخفيف الديون، وتقديم مساعدات عادلة، ودعم برامج تمكين الفقراء لتحقيق حياة أفضل، مشددًا على أن محاربة الفقر واجب أخلاقي وإنساني للجميع.

أكبر تحد للعالم
في الألفية الجديدة

هناك عهد ديني غامر يتجاهله الأصوليون في الغالب، وهو تخفيف البلوي عن أولئك الذين يعيشون في عوز ويروي جيم وولليس، محرر مجلة سوجورترز (قصيرو الإقامة)، أنه قام هو ومجموعة من الطلاب الآخرين في كلية لاهوت بالبحث في الإنجيل ليجدوا كل آية أشارت إلى الثروة والفقر، وتأثروا حين اكتشفوا أن آية من كل ست عشرة آية في العهد الجديد، وآية من كل عشر آيات في الأناجيل الثلاثة، وآية من كل سبع آيات في إنجيل لوقا أشارت إلى المال أو إلى الفقراء، وفي الكتب العبرية المقدسة، لم تذكر إلا الوثنية فقط مرات أكثر من العلاقة بين الأغنياء وبين الفقراء.
ونحن حين نتلو صلاة الرب وتصلي من أجل مملكة الله لتنزل على الأرض. فنحن نطلب نهاية للظلم السياسي والاقتصادي داخل انظمة الحكم الدنيوية. وفي الحقيقة، فإن كل أنواع الإيمان الديني الكبيرة شكلتها عهود نبوية للقيام بالعدل، وحب الرحمة، وحماية الأرامل واليتامى والعناية بهم، والاقتداء برحمة الله للفقراء وأهل الابتلاء. ومن الواضح أن المعاملة الملائمة للفقراء يجب أن تكون ذات أسبقية عالية للغاية في صفوف أولئك الذين يشكلون السياسات الأمريكية. وفي الحقيقة، فإن هذا المعيار قد يكون هو القابل غاية القابلية للقياس الدقيق، لكي يمكن عمل المقارنة المباشرة بين أولئك الذين يتظاهرون بأنهم يتبنون القيم الأخلاقية الأساسية لأمتنا.

وكنت قد دعيت مع اقتراب عام 2000 لأتحدث في منتدى كبير وطلب مني أن أعالج هذه المسألة: ما هو أكبر تحد للعالم في الألفية الجديدة؟ وكانت مهمة مثيرة للاهتمام، وأجبت بقليل من الشك، إن أكبر تحد نواجهه هو الصدع المتزايد بين الأغنياء والفقراء في سكان الأرض، فليس هناك عدم مساواة كبيرة بين الطرفين فقط، بل إن الفجوة بينهما تتوسع توسعاً مطرداً. ففي بداية القرن السابق، كانت البلاد العشرة التي تعتبر أغنى الأمم أثرى بتسع مرات من البلاد العشرة التي تعتبر أفقر الأمم. وفي عام 1960 كانت النسبة 30: 1 . وفي بداية هذا القرن، كان متوسط الدخل للفرد في أغنى عشرين دول هو 27.591 دولارا وكان في أفقر الدول 211 دولاراً، بنسبة 131 : 11.

وإنه لمصدر فخر لنا أن تمتلك الأسرة المتوسطة في الولايات المتحدة دخلاً يصل إلى حوالي 55.000 دولار في السنة، ولكن يجب علينا أن نتذكر أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وأن 1.2 بليون نسمة من الناس يجب عليهم أن يبقوا على قيد الحياة على نصف ذلك المبلغ. تخيلوا للحظة أننا نملك دولاراً واحداً فقط في اليوم، للطعام، وللمسكن وللملابس، ولن يتبقى هناك، كما هو واضح، أي شيء للرعاية الصحية أو للتعليم، وسيكون من العسير علينا الاحتفاظ باحترام الذات أو بالأمل في مستقبل أكثر إشراقاً .

جميع قرائي الأمريكيين تقريباً وأسرتي الخاصة هم من بين أولئك الذين يمتلكون دخولاً كافية، ولكن قلة قليلة جداً منا أحاطوا علماً واطلعوا على أحوال الفقراء. وفي أثناء العقدين السابقين مثلنا زوجتي وأنا، مركز كارتر في زيارات إلى أكثر من 120 بلداً لكي نعرف من هي شعوب هذه البلاد؟ وما هي أفضل السبل من أجل الوفاء ببعض احتياجاتهم؟ ولدينا الآن برامج في 65 بلداً، وليس مثيراً للدهشة أن يكون 35 منها في جنوب الصحراء الإفريقية. ونحن نتذكر دائماً أن في الإعلان العام لحقوق الإنسان واحداً من الضمانات لجميع الأفراد. وهو مستوى كاف من المعيشة للصحة ولصلاح الحال للأفراد ولأسرهم.

في خطابي الذي ألقيته في بداية الألفية، لخصت بضعة مقترحات للوفاء بهذا المستوى من المعيشة، ومن جملتها زيادة مساعدة التطوير مع شروط أقل. والتسامح بالديون الأجنبية لأفقر الأمم في العالم. والبحث عن حلول سلمية حين يكون هناك تهديدات للسلام والسعي إلى معرفة الفقراء، وإعطاء الشعب السلطة والمسؤولية عن قضاياه الخاصة، وتعزيز التعاون بين المانحين، والاعتراف بالأثر الحتمي للفقر المدقع على الحقوق الإنسانية، والعنف، وقابلية التأثر والتجنيد للقيام بالأعمال العنيفة.

وقد أظهرت برامج مركزنا أن الفقراء للغاية قد برهنوا بالاستخدام الحكيم للموارد ولو كانت محدودة، على ذكاء يلفت الأنظار، وعلى تجديد، وفاعلية. يوجد 150 فقط من العاملين في مركز كارتر، وفي جملتهم العاملون في الحدائق وموظفو الاستقبال، إضافة إلى خبراء منتشرين في القرى الإفريقية، ولذلك فإن علينا أن نعتمد على الناس الآخرين لنضخم فاعلية عملنا . وبالنسبة إلى معظم المشاريع، أقوم أنا بالتفاوض مقدماً على عقد مع كبار القادة في البلاد، وهم يوافقون عادة على أن نقوم نحن بتقديم خبير أجنبي واحد والمواطنون المحليون الذين تدربهم هم الذين يجب أن يؤدوا الواجبات الضرورية ويجب أن تدفع لهم حكوماتهم عن ذلك العمل. وقد وجدناهم مخلصين جداً وقديرين.

وفي تعليمنا للمزارعين الأفارقة أن ينتجوا حبوب طعام أكثر وبالمقام الأول الذرة، أو الأرز، أو القمح، أو الدخن الهندي، أو الذرة الصغيرة الحب) كان مستوى مساهمتنا في العادة في كل بلد في أثناء مواسم الإنتاج العشرين الماضية، مقتصراً على حوالي ستين ألف أسرة. وكان ذلك في الغالب بتكلفة سنوية لا تزيد على 10 دولارات للأسرة الواحدة، وكانوا يتعرفون على أفضل بذور متوافرة مناسبة لموقعهم على خطوط الطول والعرض، ثم يتعلمون كيف يزرعون في صفوف وفق خطوط المناسيب (الكنتورية)، وأن يسيطروا على الأعشاب الضارة، وأن يحصدوا في أفضل زمان، وأن يخزنوا المحصول الذي جمعوه، وأن يستخدموا ما يكفي من الأسمدة المخصبة لصيانة خصوبة التربة. ومع استمرارهم في استخدام الأدوات اليدوية البسيطة والعمل اليدوي، فهم قادرون مع ذلك على مضاعفة إنتاجهم مرتين أو ثلاث مرات.

 

وقررنا كذلك أن تساعد في استئصال مرض مقعد يدعى دودة غينيا (التنينات)، وقد أصاب الناس في كل التاريخ المسجل. فالفلاحون، الذين يعتمدون من أجل الحصول على مياه الشرب على البرك التي تمتلئ في موسم المطر، يرتشفون مع الماء بيض الدودة التي تنمو في الماء الراكد . وبعد عام تنمو البيضة داخل الجسم لتصير دودة تصل إلى طول حوالي ثلاثين إنشاً، وتقوم بعدئذ بالوخز في الجهة الداخلية من الجلد، وتشكل تقرحاً واسعاً يدمر النسيج العضلي وتصيب المريض بالعجز من الألم الشديد. وتستغرق الدودة شهراً لتبرز وتضع عدداً لا يحصى من البيض حين يخوض المريض في بركة ليحصل على المزيد من الماء أو لتخفيف آلامه.

ورأينا، روزالين وأنا، لأول مرة مصائب دودة غينيا في قرى صغيرة ومعزولة في غانا، وكان ثلثا الناس فيها مصابين بالديدان البارزة من أجسادهم. وبعضهم لم يكن قادراً على أن يجر نفسه من كوخه إلى أرض القرية العامة ليشارك في تحيتنا . والحالة التي إن أنس لا أنساها كانت حالة فتاة شابة جميلة كانت الدودة تبرز من جسدها واكتشفت فيها لاحقاً إحدى عشرة دودة أخرى تبرز من أماكن مختلفة من جسدها .

ووجدنا 3.5 مليون حالة من المرض في 23.000 ألف قرية في الهند. وباكستان، واليمن، وثماني عشرة دولة في جنوب الصحراء الإفريقية، وبدأنا الواجب البطيء المنهجي في تعليم الناس في كل قرية مصابة الخطوات الضرورية لحماية أنفسهم. فقد كانوا يستطيعون تنقية كل شربة ماء (من خلال قماش خاص قدمته شركة ديو بونت) واستئصال البيض من بركهم الراكدة بالمبيد الحشري، أو بتأمين الماء من بئر عميقة. فإذا قام كل قروي يفعل ذلك لمدة عام وبقي الناس المصابون بعيدين عن مصادر الماء، فإن البرك لن تتلقى بعد ذلك أي بيض جديد ولن تحضن المرض، وتنكسر بذلك دورة المرض انكساراً دائماً ، وكانت نتيجة التزام الناس رائعة على نطاق واسع، ولم يبق الآن إلا نصف من 1 بالمائة من الحالات التي كانت موجودة، ونحن الآن قادرون على أن تركز على الحالات المتبقية في قرى مصابة قليلة فقط.

وقام مركز كارتر، لمنع فقدان البصر بسبب عمى النهر ( داء كتابيات الذنب). بمعالجة أكثر من 10 ملايين نسمة من الناس في إفريقية وفي أمريكا اللاتينية في أثناء عام 2004 بدواء مجاني قدمته لنا شركة ميرك وشركاه. ومع أن المشكلة في إفريقية كانت أعمق تمكناً بكثير وأشد إلحاحاً منها في مواقع أخرى، إضافة إلى قيام الحاجة إلى جرعات سنوية متكررة، فقد وجدنا أن معالجتين في كل عام تعطيان لأكثر من 85 بالمائة من السكان المصابين كانتا ستستأصلان المرض استئصالاً كاملاً من ذلك القسم من العالم. وهذه غاية نتوقع أن نصل إليها في عام 2007.

ومن بين المشاريع الصحية الأخرى التي يقوم بها مرکز کارتر مشروع السيطرة على التهاب الملتحمة في العين (التراخوما) وهي تثير اهتماماً خاصاً. فهذا المرض عدوى تسببه العين الوسخة، وهو السبب الأول للعمى الذي يمكن منع حدوثه، وحين نظرنا في البداية من مسافة إلى أطفال قرية قبائل ماساي أو دنكا ظننا أن الأطفال في هذه القرية كانوا يضعون نظارات على عيونهم، ولكن مع الاقتراب منهم أدركنا أن الذي على عيونهم كان حلقات من الذباب الأسود الذي يحيط عيونهم بشكل دائم تقريباً للحصول على الرطوبة، وحين يصاب الجفن العلوي من العين بالتهاب الملتحمة فإنه يدور إلى داخل العين وتضرب أهداب العين بالقرنية وتجرحها كلما طرفت العين، وهو ما يسبب العمى، وكنتُ قد عرفت حالات قليلة من هذا المرض حين كنت طفلاً في جورجيا الجنوبية الغربية، حين كانت قلة قليلة جداً من جيراننا الفقراء المعدمين تنعم بوجود كنيف (مرحاض) خارج البيت مثل الذي كنا نمتلكه في الفناء الخلفي من بيتنا، وكان الذباب كثيراً .

وقدمنا أقراصاً من المضاد الحيوي (وفرته شركة بفايزر)، وتعليماً عن تغسيل الوجه وكيفية إجراء جراحة بسيطة للجفون، ونصائح بشأن نظافة القرية لتقليل غيمة الذباب. وكانت العادة المعتادة هي أن يبول الناس ويتغوطوا على الأرض القريبة من بيوتهم وحولها، مثلما كان ذلك يتم في بقية أنحاء العالم في السنين الخوالي. ومنذ ثلاث سنوات فقط، بدأنا نعلم القرويين كيف يحفرون حفرة في الأرض، ويضعون حولها أجراً من الطين أو حلقة من الإسمنت، ويبنون حولها أي نوع من الستارة.

وقد أخذتنا الدهشة من استجابة الناس لهذه الكنف الجديدة، وخصوصاً في إثيوبيا، وذلك حين علمنا أن الاندفاع الرئيسي للبناء جاء من النساء. والسبب في ذلك هو أن الرجال كانوا يقضون حاجتهم عادة في أي وقت من النهار وبشكل علني، وأما بالنسبة إلى النساء فقد كان هذا الامتياز نفسه ممنوعاً عليهن إلا في الليل. وقد دبت الحياة الآن في تحرير النساء، وتم بناء 89.500 كنيف في منطقة واحدة من إثيوبيا في أثناء هذه الفترة القصيرة من الزمن والغرض من هذه الحكايات هو أن نشدد على الحاجات الإنسانية العميقة التي توجد لدى الفقراء المعدمين من الناس، وعلى حماستهم واستجاباتهم الفعالة حين يعطيهم ( الأغنياء) فرصة متواضعة لتحسين حياتهم.

إن مجتمعنا كله يسير نحو الانقسام بشكل متزايد لا بين الأبيض والأسود بالضرورة، أو الهسباني، بل هو في المقام الأول انقسام بين الأغنياء والفقراء. وكثيرون منا لا يعرفون ولو شخصاً فقيراً واحداً. وإذا كان لدينا خادمة أو عامل في ساحة الدار فليس من المحتمل أن نذهب إلى بيتهم ونتناول فنجاناً من القهوة في مطبخهم أو أن نعرف أسماء أبنائهم دون العشرين، أو لا قدر الله، ندعوهم ليأتوا إلى بيتنا أو نأخذ أطفالهم إلى لعبة بيسبول مع أطفالنا، والذين منا يقبلون المسيح مخلصاً يشمل الجميع هم أيضاً ميالون ميلاً شديداً إلى العيش حياة منفصلة ويتجنبون إقامة علاقات شخصية متماسكة مع جيرانهم. وكنا، روزالين وأنا متأثرين تأثراً شديداً متساوياً بهذا الإخفاق.

كانت إحدى الطرق الطبيعية للغاية في الوصول إلى الناس المعوزين هي التي أنت من خلال مؤسسة بيت للإنسانية، وهي تقع قيادتها على بعد عشرة أميال فقط من بيتنا . وقد صارت هذه مظهراً معروفاً معرفة جيدة مثيرة للدهشة في سنواتنا بعد البيت الأبيض، مع أننا كنا نرسل فقط بعض الرسائل لجمع التمويل ونقود مجموعة من المتطوعين لمدة أسبوع واحد في كل عام لبناء البيوت في مكان ما من العالم. لقد فعلنا هذا طوال أكثر من عشرين عاماً في المناطق المعزولة (غيتو)، وفي المدن الريفية، وفي الأرض المخصصة للأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة، وكذلك في المكسيك، وكندا، وكوريا، والفلبين، وهنجاريا وجنوب إفريقية. ونحن نخطط لبناء بيوت في الهند في عام 2006.

ونحن نعمل جنباً إلى جنب مع العائلات الفقيرة التي ستكون قادرة على امتلاك بيوتها لأن (مؤسسة بيت للإنسانية) تتبع تعاليم الإنجيل في تحريم أخذ الفوائد الربوية. وكانت هذه فرصة ممتعة وتسر القلب بالنسبة إلينا وإلى كثيرين غيرنا، لكي نضع إيماننا الديني موضع ممارسة عملية، وهي تظهر إظهاراً حياً أيضاً أهمية الوصول إلى الناس المعوزين وصعوبة ذلك.

وأتذكر دائماً صورة مرسومة في واحدة من صحف ""أخبار بيت للإنسانية"". وهي صورة لمنظر عمومي شامل لقرية، ربما كانت قد أخذت من طائرة تطير فوق المنطقة. بعض الناس يلعبون التنس، وبعضهم يركبون الدراجات، وآخرون في السيارات، أو يعلمون في المدارس، وربما كان بعضهم الآخر يحرث بالجرارات وكلهم توجد فوق رؤوسهم فقاعات، وعليها السؤال: ماذا يستطيع شخص واحد فقط أن يفعل ؟ وحين نتعاون نستطيع أن تشكل من الإسهامات الفردية الصغيرة من العناية والصداقة، والتسامح، والحب، وكل منا مختلف عن جاره القريب فيلقاً، لا بل جيشاً يمتلك قدرة كبيرة.

ومع كل النوايا الطيبة والكرم الموجود في صفوف المواطنين الأمريكيين، فإن كمية المساعدة الأجنبية التي تذهب من حكومتنا إلى الفقراء ما تزال ضئيلة ضآلة تثير الإحراج. والكثير من العون الأجنبي من حكومتنا يذهب، كما هو متوقع، إلى الأمم الصديقة وإلى الحلفاء العسكريين، وتقوم واشنطن كذلك بتحديد أنواع كثيرة أخرى من المساعدة بكل أنواع القيود السياسية، وإنه الأمر مؤلم للنفس أن نرى أمتنا العظيمة تتخلف وتقصر في التزامها في المشاركة بنصيب محترم من ثروتنا مع المعدمين للغاية من سكان الأرض.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، حين كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يتنافسان لتقديم المعونة إلى أفقر الأمم في العالم لحثها على الانضمام إلى المدارات السياسية والعسكرية لكل منا حصرياً ، كانت بلادة الإحساس نحو هذه الحاجات الإنسانية فشلاً يجمع عليه الحزبان...

في شهر آذار / مارس 2002 مثلت مركز كارتر في مؤتمر دولي في مونتيرري، في المكسيك، عقدته الأمم المتحدة لمعالجة المشكلات المتصلة بالفقر الشديد ووفيات الأطفال. وشارك في المؤتمر عدد كبير من كبار القادة السياسيين شخصياً، ومنهم رئيس الولايات المتحدة، وتعهدوا بتقديم زيادة كبيرة في الأرصدة اللازمة لمواجهة تحدي الألفية . وكثيرون منا اهتزوا فرحاً من هذه الالتزامات، ولكن هناك إحساس بخيبة الأمل الآن بأداء أمريكا .

مشاركة الثروة مع أولئك الذين يتضورون جوعاً ويعانون معاناة لا ضرورة لها هي قيمة تقاس بها القيم الأخلاقية للأمة، وهناك موقف غريب ومثير للإزعاج نوعاً ما في بلادنا . فالأمريكيون راغبون في أن يكونوا كرماء في مساعدة الآخرين، وهم يعتقدون أن حكومتنا تعطي ما يصل إلى 15 بالمائة من ميزانيتا الفيدرالية في شكل إعانة أجنبية. ولكننا في الحقيقة، أبخل أمة من الأمم الصناعية كلها . إننا نخصص حوالي واحد من ثلاثين من القدر الذي يعتقد أنه مخصص عموماً . ودخلنا القومي الإجمالي هو حوالي 11 تريليون دولار ونتقاسم منها مع الأمم الفقيرة ستة عشر سنتاً من كل 100 دولار من الدخل القومي.

وحين يواجه الكثيرون من الأمريكيين المطلعين اطلاعاً حسناً بهذه الحقائق المحرجة يجيبون بأننا كرماء تماماً في الاستجابة للكوارث، من مثل ما جرى حديثاً من أضرار في آسيا من الأمواج البحرية الزلزالية البركانية (تسونامي).

وهذا صحيح، وهي خاصية مثيرة للإعجاب في مواطنينا، ولكن معظم الناس لا يدركون أن التعامل مع المعاناة الدائمة هو على المستوى نفسه من الأهمية التي نواجه بها الكوارث. كانت هناك حوالي 200.000 وفاة في إحدى عشرة أمة ضربتها موجة المد، ولكن هناك 165.000 يموتون من الملاريا، و 140.000 يموتون من الإسهال، و 240.000 يموتون من الإيدز في كل شهر إن حوالي 2.5 دولار من كل مواطن أمريكي وأوروبي في العام تستطيع أن تشن حرباً كونية فعالة ضد الملاريا .

وهذه الأرقام المنخفضة المثيرة للإزعاج حول العون الأجنبي هي أيضاً أرقام مضللة، لأنها تتضمن المساعدة الخاصة المقدمة إلى البلاد الإستراتيجية (والكثير منها متوسطة الدخل ولكنها تعتبر من الشركاء السياسيين القيمين) ونصيب جيد من عوننا الأجنبي هو من فائض الحبوب التي لا يمكن أن تباع في الولايات المتحدة. (وحوالي نصف تكاليف هذه الحبوب الغذائية هي من أجل النقل). لا بل إن النزر اليسير المتبقي من المال لمثل هذه البرامج مثل التعليم، أو الصحة، أو الإسكان، أو النظافة العامة نادراً ما يذهب إلى السكان المحليين أنفسهم، ولكنه يذهب في معظمه إلى المستشارين الأمريكيين الذين عينوا أنفسهم في الأمم المحتاجة.

في شهر حزيران / يونيو 2005، أعلن الرئيس بوش خطة لتقديم 1.2 بليون دولار من أجل حملة تدوم خمس سنوات لمكافحة الملاريا في خمسة عشر بلداً يسكنها 175 مليون نسمة معرضين للخطر. وسيكون هذا إسهاماً كبيراً، إذا تم الوفاء بالوعد. إن ادعاءات الكرم شائعة كثيراً على مستوى الوطن وفي الخارج معاً، ولكن معظم الالتزامات السابقة تخلى عنها البيت الأبيض، أو قطعها مجلس الشيوخ، أو تعثرت ووقفت في التعقيدات الإدارية، وهذا ما جعل القليل من المساندة هي التي تصل فعلاً إلى الناس المحتاجين.

وبعد مؤتمر مونتيرري في عام 2002 مباشرة، أعلن الرئيس جورج دبليو. بوش رصيداً للوفاء بالتزام تحدي الألفية بقيمة 5 بلايين سنوياً من أجل معونة التطوير، ولكن بعد ثلاث سنوات لاحقة كان مبلغ 400.000 دولار فقط هو الذي وزع ( وهو أقل من 1 بالمائة) فعلاً. والمثال الآخر هو الإعلان الرسمي من واشنطن عن واحد من إنجازاتها المهمة للغاية وهو أن أكثر من إحدى وأربعين ألف ضحية للإيدز في بوتسوانا قد تلقوا علاجات تمد بأعمارهم من الولايات المتحدة. وكان كبار المديرين في برنامج العلاج في بوتسوانا غاضبين جداً، وأعلنوا أن أي نقود أمريكية لم تصل وقالوا عن المزاعم الأمريكية إنها كاذبة، وتمويه فاحش للحقائق . والرقم الأدق عن عدد المرضى في بوتسوانا الذين وضعوا على قائمة العلاج بفضل المساعدة الأمريكية هو صفر.

إن ميزانية الولايات المتحدة السنوية للعون الخارجي من أجل مكافحة الملاريا كانت على سبيل المثال، 90 مليون دولار، ولكن 95 بالمائة من هذا المال يجري صرفه على المستشارين وأقل من 5 بالمائة يجري صرفها على الناموسيات والأدوية، ورش المبيدات الحشرية لمكافحة المرض. وقد شكا عضو مجلس الشيوخ سام براونباك، وهو محافظ جمهوري من كنساس من هذه السياسة، وقدم مشروع قانون لإرغام الإدارة على صرف نصف ميزانيتها لمكافحة الملاريا على المعالجة. وأشار براونباك إلى أن قائمة الحكومة من المقاولين الموجودة على موقعها في الشبكة العالمية للمعلومات لم تتجدد طوال أربع سنوات. وقال عضو مجلس الشيوخ إنه تلقى وصفاً غامضاً وحساباً لا يجتمع فقط، وطالب بتدقيق حسابات مالية يقوم به مكتب محاسبة الحكومة.

وطبقاً لما يقوله جيفري ساخس، مدير مشروع الألفية في الأمم المتحدة والذي أنشئ من أجل تنفيذ الوعود التي أعطيت في مونترري، فإن العون الأمريكي السنوي الإفريقية جنوب الصحراء كان حوالي 3 بلايين دولار في عام 2003، ومنه 118 مليون دولار فقط تركت للولايات المتحدة للعمليات داخل البلاد وللدعم المباشر للبرنامج الذي تديره الحكومات الإفريقية والمجتمعات الإفريقية، و18 سنتاً فقط لكل واحد من 650 مليون نسمة في أمم منخفضة الدخل من أجل الاستثمارات في الصحة والتعليم، والطرق، والطاقة، والماء والنظافة العامة والمؤسسات الديمقراطية في المنطقة .

قدر مشروع الألفية أن الأرصدة اللازمة للوفاء بالالتزامات للناس المحتاجين ستبلغ أربعة وأربعين سنتاً في كل 100 دولار من الدخل القومي الإجمالي في عام 2006 وتزداد لتصل إلى حوالي سبعين سنتاً في عام 2015. ولوضع هذا في منظور، فإن الزيادة في الصرف الدفاعي منذ عام 2001 فقط كانت 1.70 دولار في كل 100 دولار من الدخل القومي الإجمالي، في حين أن تخفيضات الضريبة (ومعظمها للأمريكيين الأغنياء) قد وصلت إلى 3.30 دولار في كل 100 دولار من الدخل القومي الإجمالي.

أما الدول الكريمة دائماً وهي بلجيكا، والسويد، والبلاد المنخفضة واللوكسمبورغ، والدنمارك، والنرويج فقد تجاوزت الرقم المتوقع عام 2015 ووافقت إيطاليا، وفرنسا وألمانيا، وإنجلترا، على الوفاء بالهدف نفسه، ولا مناص من أن يتضح فشلنا في الوفاء بالمسؤوليات وضوحاً متزايداً للناس في الأمم الأخرى. ويتوقع لهذه الاختلافات أن تصير معلنة أكثر فأكثر، بل ربما تصير مصدراً للنقد أو الإدانة في الأعوام القادمة، وذلك بدلاً من تصوير أمريكا بوصفها أمة قوية تمتلك قيماً أخلاقياً قوية. وفي المدة الحديثة القريبة، التحقت حكومتنا مع الأمم الأخرى في الإعلان عن التسامح بالدين الطويل الأمد، ولكنها سوف توازن حصتها من هذه التكلفة بقطع المعونة الأخرى. وليس هناك أدنى شك في أن شعب بلادنا، مع القيادة القوية من واشنطن، سوف يستجيب بكرم أكبر.

إن الاختلاف المتنامي تنامياً حاداً بين المعاملة النسبية من حكومتنا للأغنياء وللفقراء في بلادنا الخاصة بنا هو اختلاف ظاهر ظهورا أكبر للمواطنين الأمريكيين. فأمتنا قد صار فيها اختلاف واسع للغاية في الدخل، وهذا التفاوت ينمو نمواً سريعاً. وأحد المؤشرات على هذا التفاوت هو الفجوة الموجودة في معدل الدخول بين الخمس الأعلى والخمس الأدنى من سكان الأمة، وهو معدل يبلغ أربعة لواحد في اليابان، وسبعة لواحد في فرنسا، وأحد عشر لواحد في الولايات المتحدة. وإضافة إلى ذلك، فإن كل قرار اتخذ في واشنطن تقريباً منذ عام 2000 كان يحابي الأثرياء، وكان ذلك في الغالب على حساب الأسر العاملة من الطبقة الوسطى ومن المعوزين، وكان التشريع الأساسي في الضرائب وفي المصروفات مصمماً لإدامة هذه الاتجاهات. ومع افتراض أن الحاجات الأمنية وبرامج الخدمات المستحقة سوف يتوجب أن تبقى ممولة، فإن عجوزاتنا المالية غير المسبوقة تعني أنه سيكون هناك أرصدة أقل من أجل إدامة، وأقل من ذلك من أجل زيادة المستويات الموجودة من أجل الصحة، أو التعليم، أو الرفاهية، أو الإسكان، أو الجودة البيئية، أو فتح وظائف.

ما حدث منذ عام 2000 لا يكاد يصدق تقريباً. ففي ذلك الوقت، خطط مكتب الميزانية في مجلس الشيوخ لفائض قدره 281 بليون دولار في عام 2001 ولتراكم من 506 تريليونات دولار أخرى في غضون السنوات العشر القادمة. وبدلاً من ذلك، سيكون العجز الفيدرالي تقريباً 400 بليون دولار في عام 2005 مع بقاء الصرف في حول المستوى نفسه ولكن مع تخفيضات غير عادية للعائد بسبب سلسلة تخفيضات ضخمة في الضرائب من أجل الأمريكيين الأثرياء. وتشير التوقعات إلى أن هذا المستوى من الصرف مع العجز المالي سوف يستمر. وزاد الدين القومي من تريليون واحد من الدولارات إلى 4 تريليونات من الدولارات في أثناء السنوات الاثنتي عشرة من إدارتي ريغان - بوش، ومنذ عام 2001 كان على مجلس الشيوخ أن يزيد سقف الدين إلى 8 تريليونات من الدولارات، وهو يتجه في سنوات أربع قادمة نحو أكثر من 10 تريليونات من الدولارات!

وكان هذا المدخل المالي، والذي سوف يعتصر البرامج المحلية، هدفاً مفهوماً فهماً حسناً لبعض المؤمنين الحقيقيين المحافظين منذ بدء برامج الأمن الاجتماعي، والمعونة الطبية، والرعاية الطبية، والإعانة الأولية للمحرومين والبرامج الإنسانية الأخرى تحت حكم فرانكلين روزفلت وهاري ترومان، وليندون جونسون، وكانت ضريبة الميراث في الأصل قد بدأ بها الرئيس الجمهوري ثيودور روزفلت، وهي الآن هدف إضافي للاستئصال، وهو تخفيض ضخم آخر في عبء الضريبة من أجل أغنى العائلات في أمريكا .

العجوزات المالية غير العادية لم تسببها زيادات الصرف في الوطن أو في الخارج، ففي عام 1962، بلغ الصرف الفيدرالي 19 بالمائة تماماً من مخرجاتنا الاقتصادية، وكانت في الغالب فوق 20 بالمائة في أوقات مختلفة. والآن، ما تزال المصروفات 20 بالمائة فقط، مع أنها تشتمل على المصروفات الضخمة من أجل الحرب العراقية والدفاع عن أرض الوطن المشكلة هي أن التخفيضات الحديثة في الضريبة قد خفضت العوائد الفيدرالية إلى 16 بالمائة فقط، وهي إلى حد بعيد في أخفض مستوى لها في التاريخ الحديث والفرق بين هذين الرقمين يشير إلى ضخامة العجز المالي.

بموجب تخفيضات الضرائب التي دفعت وتلاحقت من خلال مجلس الشيوخ منذ عام 2000، وفي مقابل كل دولار في التخفيض تم من أجل عائلة من طبقة وسطى، فإن العائلات العليا التي تمثل 1 بالمائة سوف تستلم 54 دولاراً، وأولئك الذين يملكون مليوناً واحداً من الدولارات أو أكثر في الدخل سوف يستفيدون بمبلغ 191 دولار!  وفي أثناء السنوات الثلاث الأولى، زاد عدد الأمريكيين الذين يعيشون في فقر بمقدار 3.5 مليون نسمة، في حين أن الدخل لأغنى أربعمائة أمريكي قفز بنسبة 10 بالمائة في عام 2002 فقط. ومؤشر آخر على تنامي الانقسام بين الأغنياء وبين الفقراء في الأعوام الحديثة القريبة هو أن رواتب الموظفين التنفيذيين الرئيسيين في الشركات قد ارتفعت من أربعين ضعفاً بالنسبة إلى متوسط راتب العامل إلى أربعمائة ضعف. وبالرغم من وجود نمو قوي في أرباح الشركات، فإن أجور العامل المتوسط نزلت في عام 2004، وبعد تسويته بالنسبة إلى التضخم، يكون أول هبوط مثل هذا في عدة سنوات.

 

وبالإضافة إلى هذه التغيرات الجذرية في داخل اقتصادنا المحلي، فقد أثار ديننا الدولي المتراكم بسرعة مخاوف جادة في صفوف الخبراء الماليين المستقلين.

فما يدين به الأمريكيون للأجانب عال للغاية، ويتوقع أن يتضاعف في غضون أربع سنوات أو خمس في شهر آذار / مارس 2005، نص التقرير السنوي من وارن بيوفيت مد مدير شركة بيركشاير هاثاواي على ما يلي: الملكية الصافية من الولايات المتحدة التي تملكها الدول الأخرى ومواطنوها بعد عقد من الآن سوف يبلغ تقريباً 11 تريليون دولار (ويساوي تقريباً دخلنا القومي الإجمالي الحالي) (...) إن بلداً يطمح الآن إلى (مجتمع ملكية) لن يجد السعادة، وأنا سأستخدم المجاز هنا للتأكيد في (مجتمع المزارعة)، ولكن ذلك هو بدقة الوجهة التي تأخذنا إليها سياساتنا التجارية المدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء .

وبالتلاؤم مع الفلسفة الاقتصادية الكلية، صارت رغبة وول ستريت في استثمارات أرصدة التأمين الاجتماعي في سوق الأوراق المالية غاية كبيرة لكبار القادة السياسيين، ولكن المواطنين الأمريكيين رفضوا حملة على نطاق قومي من الرئيس وأجبروا مجلس الشيوخ حتى الآن على الأقل على التخلي عن هذا الاقتراح.

ولزيادة تعزيز امتياز الشركات، فإن فاتورة الدواء من الرعاية الصحية في عام 2003 تمنع الحكومة الأمريكية من التفاوض من أجل الحصول على أخفض أسعار للدواء، وتستطيع الشركات الصيدلانية أن تستمر في تحميل حساب الزبائن الأمريكيين أكثر بكثير من زبائنها في كندا وفي البلدان الأخرى. ويقول مكتب الميزانية في مجلس الشيوخ إن أسعار الدواء الأجنبي تراوح بين 35 بالمائة و 55 بالمائة تحت مستويات أسعار الولايات المتحدة. وإدارة شؤون المحاربين القدماء، وهي غير مشمولة بهذا الشرط الخاص، تفاوض على حسومات تصل إلى نسبة 50 بالمائة أو أكثر. وبهذا كان يمكن لفاتورة مسؤولة أن تعطي غطاء مضاعفاً مقابل السعر نفسه.

من الواضح أن الإسهامات السياسية وجماعات الضغط الفعالة تدفع عوائد ثرية، مثلما استبان استبانة حية من صناعة التبغ. ويتفاقم هذا بالنسبة إلي على نحو خاص لأن أبي وأمي، وأختي كلتيهما، وأخي الوحيد ماتوا جميعاً بالسرطان بعد أن صاروا جميعهم مدمنين على تدخين التبغ. وحدث بعض التقدم في السنوات القريبة في الطلب من الصانعين لهذا المنتج القاتل أن يعوضوا ضحاياهم وأن يقدموا تمويلاً من أجل التثقيف الصحي (والكثير منه استخدم الأغراض أخرى لا علاقة لها بالموضوع). وفي الوقت نفسه، كسبت شركات التبغ أهم معركة وذلك بإعاقة أي تنظيم فيدرالي فعال للمواد المسرطنة في منتجات هذه الشركات التي يعلن عنها إعلاناً شديداً.

ومع ذلك فقد اندهش المديرون التنفيذيون لشركات التبغ في شهر حزيران / يونيو 2005، حين أهملت وزارة العدل الأمريكية وهي سياسية للغاية جهود الحكومة التي بذلتها طوال ست سنوات لإجبار الصناعة على تمويل الجهود الداعية إلى التوقف عن التدخين. وبعد صرف أكثر من 100 مليون دولار على القضية القانونية وعلى تقديم شهادة الخبرة على أن مبلغ 130 بليون دولار سيكون مطلوباً طوال مدة السنوات الخمس والعشرين القادمة، كان هناك إعلان مقتضب في الدقيقة الأخيرة بأن الطلب سيخفض إلى 10 بلايين فقط في السنوات الخمس القادمة، وعبر القاضي الفيدرالي المترئس عن شكه بشأن العوامل السياسية المنطوية ضمناً في هذه الخيانة التي لا يمكن تفسيرها لصالح صناعة التبغ.

وعلى الرغم من الاهتمام الملح من أجل الأمريكيين العاملين والملكية الخاصة في الوطن، فإن القادة السياسيين الرئيسيين في واشنطن قد أعاقوا بنجاح أي زيادة في الحد الأدنى للأجور، وهو الحد الذي ثبت عند 5.15 دولار لكل ساعة طوال ثمانية أعوام ولم يجعل له دليل مؤشر ليتلاءم مع التضخم. (وبالمقارنة بالدولارات الأمريكية وبالاستناد إلى قيمة النقد في شهر نيسان / إبريل 2005 كان الحد الأدنى للأجور في أستراليا 8.66 دولار، وفي فرنسا 8.88 دولار، وفي إيطاليا 9.18 دولار، وفي انجلترا 9.20 دولار، وفي ألمانيا 12.74 دولار).

وبافتراض خمسين أسبوعاً بمعدل أربعين ساعة أسبوعياً، فإن هذا يضع الحد الأدنى للدخل السنوي في الولايات المتحدة عند مبلغ 10.300 دولار، تحت خط الفقر، لعشرات الملايين من الأمريكيين الذي يعملون أعمالاً بكامل الدوام. وخط الفقر الرسمي في عام 2004 لأب أو لأم مع طفل واحد كان عند مستوى 12.490 دولاراً في الولايات المتحدة القارية، وعند مستوى 14.360 دولاراً في هاواي، وعند مستوى 15.610 دولارات في ألاسكا . فليس مثيراً للاستغراب أن أفقر الناس من شعبنا يعانون وأن المواطنين الأمريكيين عند كل المستويات من الدخل يحصلون الآن على نسبة مئوية من العدل في بيوتهم أخفض من أي وقت في التاريخ.

ومثال آخر فاضح عن إعانة الأثرياء يتصل بمهنة عمري الخاصة وهي الفلاحة. وقد كانت الإعانات الزراعية عاملاً حاسماً في بقاء العديد من العائلات المزارعة في أثناء الكساد الكبير، وكانت الإعانات مصممة لتحقيق ذلك الغرض على وجه الخصوص. وهذه الأنواع من الإعانات ما تزال مبررة، ولكن ربما ليس مثيراً للعجب. أن المزارعين الأغنياء قد حصدوا إعانات حكومية فيدرالية أكثر على مر السنين، في حين أن العائلات الفقيرة لم تكن قادرة على المنافسة في واشنطن. وفي أثناء العقد الزمني الأخير، كان علينا، نحن دافعي الضرائب أن ندفع ما متوسطه 14 بليون دولار سنوياً للإعانات، ذهب منها 70 بالمائة إلى 10 بالمائة فقط من المزارعين ونصف المعونة إلى 3 بالمائة هم الكبار في القمة، وربع المعونة إلى 1 بالمائة هم الكبار في القمة من المستلمين لها . و المزارع الأمريكي المحظوظ للغاية استلم 7 ملايين دولار في عام 2002، وفي جورجيا، استلم سبعة ""مزارعين"" إعانات سنوية من أكثر من 1 مليون دولار شكراً لجماعات الضغط القوية، أما المثل الأعلى القيم الذي يساعد العائلات المزارعة المكافحة للبقاء فقد تم التخلي عنه. وقدرت وزارة الزراعة الأمريكية في تقرير نشر في شهر حزيران / يونيو عام 2005، أن أقل من 25 بالمائة من المزارع تتلقى دفعات دعم.

وعلاوة على هذا التفاوت الذي لا يصدق، فإن الإعانات الأمريكية في البلاد النامية مدمرة والمثال النموذجي في مالي، حيث كان المركز كارتر مشروع كبير المساعدة التطور الاقتصادي فيها . إن ثلاثة أرباع الماليين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، و 90 بالمائة على أقل من 2 دولارين، والربع من سكانها البالغ عددهم 12 مليون نسمة يعتمدون مباشرة على القطن من أجل معيشتهم والأسر المحظوظة حظاً كافياً ليجعلها تمتلك المتوسط القومي للملكية المكون من خمسة فدادين يكسبون دخلاً من 280 دولاراً في السنة. والعائق الرئيسي أمام تحسين حياتهم هو المساعدات التي تقدمها بلادنا للقطن، والتي تهبط في بعض السنوات بالسعر العالمي للقطن إلى ما تحت تكلفة الإنتاج في مالي. ولنضع هذا في منظور، فإن دفعات الإعانة الأمريكية لمزارعي القطن في بلادنا هي أكبر من إجمالي الدخل القومي في دولة مالي، وهي ضعف كل مبالغ المساعدة الأمريكية التطويرية لإفريقية جنوب الصحراء. وقد قضت منظمة التجارة العالمية أن مساعداتنا للقطن هي غير قانونية، ولهذا فإن هذا البرنامج الخيري، وفي المقام الأول للمزارعين الأثرياء، قد يتوجب علينا أن نصلحه.

ليس من السهل أن نشرح هذه الأنواع من الخطط السياسية والاقتصادية الأصولية أو أن نصدقها، وهي هجوم مباشر على القيم الأخلاقية الأمريكية، في كل من المجالين السياسي والديني من الحياة.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة