ماذا أعرف عن عملية التغيير ؟
يتغير العالم من حولنا في كل لحظة كل شيء حيوي يتغير باستمرار، سواء أرغبنا في ذلك أم لم ترغب أو شاركنا في العملية أم لم تشارك، فنحن جزء من هذا العالم، وحياتنا إما أن تتوسع استجابة للأوضاع المحيطة بنا باختلاف الفصول، أو تنكمش عند مقاومتنا للتغيير الحاصل
مسارات التغيير الثلاثة
تتغير حياتنا لثلاثة أسباب، هي:
السبب الأول الذي تخبره من وقت إلى آخر طوال حياتنا، عائد إلى التغيرات الحيوية التي تتعرض لها كلما تقدمنا في السن، والمراحل التي نمر بها في دورة حياتنا، والقوى الخفية التي تعمل على جذبنا، جاعلة منا أشخاصا مختلفين عما كنا عليه من قبل. يتعلم الطفل كيف يحبو، وكيف يمشي، ثم كيف يركض مدفوعا برغبته في الحركة خلال تلك المراحل، ولا نستطيع تجاهل التغيرات التي تطرأ على أجسامنا عند البلوغ، بفعل الهرمونات حتى لو وددنا ذلك.والمصير المحتوم المتمثل في الوقوع في حب شخص ما بصورة مؤثرة، سيوسع مداركنا في الحياة بطرق لم نكن لنعرفها من دون تلك التجربة. فالتودد، والزواج، وولادة الأطفال ومغادرتهم المنزل عندما يكبرون وبداية خريف العمر جميعها تمنحنا فرصا متعددة للتطور والنمو.
مرارا وتكرارا، نجذب نحو التغيير عندما نستلهم رؤية جديدة بما يمكن أن تكون عليه وكيف سيصبح العالم بمجهوداتنا، فمن الصعب على سبيل المثال، أن تقرأ كتاب النموذج الموجود من دون أن تشعر بأنك مجبر على صنع فارق جوهري في هذا العالم باتباع شغفك تماما كما حدث مع المؤلفة أن فيرث موراي عندما أسست الصندوق العالمي لتمويل المرأة.
وفي بعض الأحيان، على الرغم من ندرة ذلك، تتغير لأننا مدفوعون من قبل شخص آخر لتصبح أناسا مختلفين عما نحن عليه. فإذا كان ذلك الشخص رئيسنا في العمل، وكان التغيير في بعض عاداتنا وصفاتنا الشخصية مهما للتماشي مع متطلبات الوظيفة، فإن احتمال أن تعدل من سلوكنا وارد جدا، شرط ألا يتجاوز الأمر حدا معينا تتغير معه طريقة نظرنا إلى أنفسنا. وفي أحيان أخرى. يكون تغيير الوظيفة أسهل في بعض الحالات من تغيير أسلوب التعامل الذي تعودناه.
اسأل نفسك عن التغيير:
ما التغيير الأبرز الذي أجريته في حياتي؟
هل كان الحافز وراء التغيير رغبة شخص ما؟
أم الشد الناجم عن الإلهام نحو التطور؟
أم هل كان نتيجة ألم بدني ونفسي أو أحدهما؟
فكر في الأمر بعض الوقت كم مرة نجحت في تغيير شخص آخر، سواء عن طريق الإلحاح، أو التضرع، أو التملق، أو الطلب، أو التوسل، أو غيرها من الأساليب دافعا ذلك الشخص نحو درب التغيير الذي تريده أن يسلك؟ ليس كثيرا على ما أعتقد. لقد قمت أنا شخصيا بالإلحاح، وعلى الرغم من قناعتي أن التغيير الذي أطلب إلى الآخرين إحداثه سيكون له أثر إيجابي فيهم وبالتأكيد سيجعل حياتي أسهل، فقد قاوموه إضافة إلى أنني جربت أسلوب المضايقة لكني نادرا ما أفلحت.
يعد الألم المحفز السبب الثالث للتغيير، فالألم، سواء نفسيا كان أم جسديا. يشجعنا على العمل للحصول على الراحة، وقد يأتي من مصادر عدة: فقد تفقد عملك لأن شركتك نقلت عملها إلى دولة أخرى توفيرا للمال، أو قد يتركك شريك حياتك من أجل شخص آخر، أو قد تكتشف أنك تعاني مرضا خطيرا، أو أن مشكلات معينة لدى شريكك قد تفاقمت عندها، يكون من الصعب الاستمرار في العيش على النهج نفسه في تلك الحالات كلها. بعضنا ماهر في التغاضي عن الأمور، وتجاهل حالات قد تدفع بغيرهم إلى طريق مسدود لكننا جميعا، نملك نقطة ندرك عندها أننا لم نعد نحتمل. وأننا في حالة انهيار. لذا، وضعت أسئلة هذا الكتاب لتشمل الأسباب وراء التغيير جميعها، سواء أتم دفعك أم شدك في اتجاه التغيير، أو أن الألم الذي صبرت عليه إلى الآن، أصبح لا يمكن التغاضي عنه.
كيمياء التغيير
يتم كل التغيير في الدماغ، ذلك العضو الغض الذي يبلغ وزنه كيلوجرامين تقريبا، وهو مركز التحكم في الطريقة التي نحيا وفقها. إن الدماغ أعقد آلة في الكون، فهو يتكون من شبكة تضم عشرين مليار خلية عصبية مرتبطة بعشرة آلاف خلية أخرى تقريبا، ولو قدر لك تشريح الدماغ وتفكيك أجزائه عن بعضها. فستجد تريليونات من الوصلات العصبية المذهلة والمعقدة التي تبدو مثل شبكة عنكبوت متعددة الطبقات يقدر عدد مرات ومضات كل خلية، والناتجة عن حركة السيالات العصبية المارة عبر الموصلات العصبية، بمئة مليون مرفوعة للأس عشرة، أو عشرة مرفوعة للأس مليون .
وفي الحقيقة، نميل نحو استخدام الخلايا العصبية نفسها مرارا وتكرارا. ممررين الأفكار والتصرفات نفسها، والمواقف وردات الفعل العاطفية والمعتقدات جيئة وذهابا، عبر الطريق نفسه.
يتيح لنا هذا النمط المنسق أن نعي آلاف التجارب التي خضناها على مر السنين، لو حلل الدماغ وعالج كل حدث يحدث لنا، وكل كلمة تسمعها. وكل صورة نراها، وكل شعور نحسه من الصفر، فسيحتاج إلى وقت طويل على الرغم من سرعة السيالات العصبية اللامتناهية، وبذا، سيكون الدماغ أكثر كفاية عندما يحدد معنى معينا لتجربة ما، ثم يقارن التجارب اللاحقة بناء على تلك التجربة، وتحديد هل كانت التجربة الجديدة جيدة؟
سرعان ما ستجعلنا قناعاتنا ( الأفكار التي تغمرنا عندما تعمل خلايا عصبية معينة) تتصرف ( استجابة الجسم عن طريق الكلام والأفعال بسبب عمل خلايا عصبية أخرى مرتبطة بالخلايا العصبية المسؤولة عن القناعات) بطرق تمنحنا نتائج نتوقعها، ومن ثم نفسرها بطريقة من شأنها تعزيز القناعات التي لدينا ) .
ولكن ما الذي سيحدث إذا كانت النتائج) الناجمة عن أفعالنا لا تتناسب مع قناعاتنا؟ مع الأسف، سيميل معظمنا، ومن أجل المحافظة على شعورنا الداخلي الحالي، إلى تفسير ما قد حصل لنا بطرق تتجاوب مع قناعاته، إذ إن من الطبيعي أن نرى العالم بالطريقة نفسها : لأننا جميعا نضع نظارات ملونة، مع أن بعضها أكثر دكنة من غيره. مع الأسف، فإن الاستنتاجات المبنية على دورة ( المعتقدات، والتصرفات والنواتج والمعتقدات لا تترك مجالا كبيرا للمناورة أو الانفتاح على المعتقدات الجديدة ما يؤدي إلى إيجاد ) منطقة آمنة ) نبرمج أنفسنا داخلها كالآلات، وهذا يجعل الدماغ يقوم بما اعتاد القيام به دائما، بإرسال الأفكار نفسها إلينا بالطرق نفسها. صحيح أن هذا الدوران سيعود إلى نقطة بدايته، وقد يبدو ممتعا، لكننا لا تعرف حق المعرفة غير هذه الدورة وما دامت أن الأمور سالكة فلن يكون لدينا مبرر للخروج منها.
لكن عندما نشعر بالألم أو تتعرض للدفع أو الجذب، بطريقة نشعر من خلالها بأن علينا تغيير حياتنا عندها، على الدماغ إغلاق بعض الروابط التي كان يستعملها لشغل الممرات القديمة وإنشاء روابط جديدة. فإذا استطعنا إغلاق عدد كاف من الروابط المقيدة بالمعتقدات القديمة، سنسمح عندها الخلايا عصبية جديدة بالعمل، وهذا سيفسح المجال أمام الدماغ لتشغيل آلته الجينية قدرة الجسم على إنتاج البروتينات لبناء خلايا عصبية جديدة وتغيير روابطه الداخلية. وعبر عملية إقفال الروابط القديمة وبناء روابط جديدة، تبني بيئات أدمغتنا البيوكيميائية ممرات جديدة مترابطة. إن الرغبة في رؤية الأمور بمنظور مختلف ( كأن تجرب نظارة جديدة أقل تعتيما من سابقتها إذا أحببت تحفز الخلايا العصبية التي تسمح لنا بتفسير تجاربنا بطرق جديدة ( أي تبني معتقدات جديدة عن الحياة)، ما يسمح لنا بالتصرف بطريقة نتوقع أن نحصل من خلالها على نتائج مختلفة، لا أن نكتشف بطريقة مفاجئة أنها مختلفة. فنحن مع مرور الزمن، تغير حياتنا على وفق التغييرات الكيميائية في أدمغتنا. من حسن الحظ، أن أحد الطرق للتأثير في عملية تكوين الممرات الجديدة هو طرح الأسئلة على نفسك. فكما ذكرت في المقدمة، فإن الأسئلة من شأنها قلب طريقة تفكيرك من سلبية إلى إيجابية، وإذا أراد الدماغ الإجابة عن سؤال خارج إطار المألوف لديه، فإنه لا يستطيع استعمال الروابط المتشابكة عبر الممرات القديمة كما كان يفعل دائما، فهي لا تجدي نفعا خارج الإطار المألوف الذي حيسنا أنفسنا داخله. وعليه، فإن الطريق نحو الأفكار الجديدة موصد. إنك تمنح دماغك تجربة جديدة عندما تطرح على نفسك الأسئلة الموجودة في هذا الكتاب. صحيح أن تأثير الأسئلة لن يكون صادما في حد ذاته، لكن التجربة التي ستمنحها لدماغك عبر إجابتها، ستجعله ينتقل من حالة التفكير الآلية، ويستحدث وصلات عصبية كفيلة بصنع التغيير الذي تنشده في حياتك خطوة بعد أخرى. سيقودك هذا البناء التدريجي للممرات الجديدة إلى قناعات جديدة تقودك بدورها إلى تصرفات جديدة، توصلك حتما إلى نتائج جديدة، وهي تبعات ما يسميه بعض الناس خطوات (كايزن) وكلمة (كايزن) ذات أصول يابانية تضم معنيين اثنين الأول التغيير. والآخر الفضيلة، تستند الكلمة إلى الاعتقاد بأن الاختراعات والتغيير العظيمين لا يأتيان في أغلب الحالات من فراغ بل هما نتاج خطوات ثانوية صغيرة تصنع تغييرا عظيمًا، إذا ضم بعضها إلى بعض. فكر في خطوات (كايزن) هذه بصفتها تغييرات أولية صغيرة، تأخذ بيدك نحو هدف مميز.
اسأل نفسك عن معتقداتك وأرائك
- هل أؤمن أنّ ما أعرفه الآن هو كل ما أنا في حاجة إليه؛ لأعيش حياتي على نحو جيد، ولماذا ؟
- إذا تيقنت بوجود مزيد لأتعلمه، فهل أنا على استعداد لإيجاد طريقة لتعلمه؟
- هل أؤمن أنني أكون على صواب غالبًا، وأود أن يعرف الآخرون أني على صواب، ولماذا؟
- إذا كان شخص ما يؤمن بشدة بشيء يختلف عما أعتقده صوابا ، فإلى أي مدى أنا على استعداد للاعتقاد أن هذا الشخص لديه شيء يمكنني تعلمه؟
- هل أنا على استعداد للشك في الآراء التي أعتز بها
كن مراقبا موضوعياً لما حولك مثل كاميرا التصوير تماما، التي ترى الأشياء دون الحكم عليها | جيدة أم سيئة سيساعدك هذا التمرين، إن واظبت عليه على رؤية الأمور بمنظور جديد ويجعلك منفتحا على معتقدات جديدة، وسيمنحك شعوراً من الطمأنينة الداخلية التي تفتقدها. حين تحكم على كل شيء تقوله، وتفعله أنت. ومن حولك، وتقومه. التغييرات الظاهرية والجوهريةقد تكون هذه أول مرة تسمع فيها بمصطلحي ( التغييرات الظاهرية) و ( التغييرات الجوهرية)، لكن من المؤكد أنك شاهدت هذه الظاهرة تحدث عند وضع قدر من الماء عند درجة حرارة الغرفة على الموقد، فإنه سيسخن تدريجيا حتى يغلي. وفي المقابل، لو وضع طبق يحوي ماء عند درجة حرارة الغرفة في الثلاجة، فسيتحول الماء تدريجيا إلى ثلج. يعد تغير درجة الحرارة بعد أن كانت مساوية لدرجة حرارة الغرفة إلى درجة الغليان أو التجمد تقريبا من ( التغييرات الظاهرية). فالماء لم يغير من صفاته الأساسية وما زال ماء، والفرق الوحيد أنه أصبح أسخن مما كان عليه أو أبرد. فالتغيير هنا بسيط، وليس كالتغيير الحاصل إذا غيرت بيتك، بطلائه بألوان زاهية غرفة تلو أخرى بدل الألوان القائمة التي كانت عليها، أو أن تخسر كيلوجراما أو اثنين من وزنك كل شهر لتصل إلى الوزن الذي تريد وبكلمات أخرى، فإننا نعيش التغيير الظاهري، عندما نتقدم بأسلوب ممنهج، ومغاير للطريقة التي تعبر فيها عن أنفسنا خلال مدة معينة من الزمن عن طريق فعل شيء أكثر أو أقل مما فعلنا سابقا، وبصورة أسرع أو أبطأ، أو إنجازه بدقة أكبر، وكي تصبح شخصا مختلفًا عبر هذا النوع من التغيير، عليك اتباع طريق الممارسة والدعم من خلال خطوات ملموسة ويمكن قياسها. وبذلك تغير أدمغتنا تدريجيا بتشغيل خلايا عصبية جديدة وهجر القديمة منها، حيث تسمح التغييرات الظاهرية في العائلة أو المؤسسة للفرد، بتعود تغيير نمط معين، قبل أن يطلب إليهم تقبل التغيير الذي تنجز التقدم التدريجي غالبا، من دون أن يليه. من دون أن نحس به، حتى يأتي يوم نرى فيه صديقا قديما لم تره منذ مدة طويلة، فيقول: يا إلهي، لقد تغيرت فعلا. حيث لم يكن لديك الجرأة لفعل ذلك آخر مرة التقينا فيها - بغض النظر عما فعلته - فما الذي دفعك لتتغير؟ ولكن من المستبعد أن يكون ردك لقد اتخذت خطوات التغيير الظاهرية، ولكن عندما تفكر في الأمر. ستدرك أنك كسبت الثقة شيئًا فشيئًا، لفعل شيء لم تكن شخصيتك القديمة لتفعله.
وفي الجهة المقابلة، فإن التغيير الجوهري هو ما يحدث للماء في اللحظة التي تفصله بين حالتي شبه الغليان والغليان الكامل، وحالة شبه التجمد والتجمد الكامل. فهذا التغيير ليس بسيطا، بل هو تغيير جذري، وتحوّل كلي من السيولة إلى الغازية، ومن السيولة إلى الصلابة. هذا الأسلوب غير الممنهج في التغيير، تتبعه المؤسسات في بعض الأحيان، لكن ليس كثيرا، كما يتبعه بعض الأشخاص في مناسبات قليلة. يحدث هذا التغيير عندما تتغير طريقة وجودهم في العالم من طريقة إلى أخرى، خلال وقت أقل من الوقت الذي تتطلبه عملية التغيير الظاهرية. ولحدوث مثل هذا التغيير على أي حال، نحتاج إلى التفكير والشعور على نحو مختلف جدا خلال مدة وجيزة كي يمكن التصرف على نحو مختلف وملحوظ. ويتطلب ذلك عملية إعادة ضبط كبيرة في الدماغ، وتكون نتائجه أقل من المنشود.بعد التغيير الفوري المثل الأعلى للأمريكيين، وإذا لم تتغير بسرعة فسيخيب ظننا بأنفسنا. من الممكن أن يلهمك خطيب أو واعظ، أو كاتب فجأة. وعندما يخطر ببالك شيء ما، فسترى الأمور بمنظور مختلف تماما، وتحول طريقة تفكيرك لتتمخض أفعالاً ووجهات نظر جديدة ومنتظمة. ولكن إن كنت تصبو إلى تغيير جذري وسريع، فقد يخيب ظنك، ولاسيما إن كنت تنتظر أن تصدمك موجة من الإلهام تغير مكانك ومن أنت، وتضعك في مكان آخر بصفتك إنسانًا جديدًا كليا.وبكلمات أخرى، تخيل أنك تريد التخلص من الكآبة التي تنتابك، أو التخلص من شعور بأنه يجب عليك أن تكون مسيطرا على كل شيء. على الرغم من سمو هذه الأحاسيس، فإنك لا تستطيع التحول من إنسان كثيب إلى شخص يملؤه التفاؤل قبل ارتداد طرفك، أو من إنسان دائم الجدال مع شريكه إلى شخص هادئ ومتزن، فالأمر ببساطة لا يحدث بهذه الطريقة.تحدث الأمور على النحو الآتي: ابدأ باختيار هدف يمكن تحقيقه، ويقع في اتجاه الحياة التي تنشدها وحققه حينئذ تكون قد حققت خطوة من خطوات (كايزن)، ثم اختر هدفًا آخر يمكن تحقيقه ونفذه. عندئذ، تكون قد حققت خطوة ( كايزن) أخرى، وهلم جرا....وعلى الرغم من أنك قد لا تلاحظ الخطوة المحددة التي اتخذتها لتحقيق التحول النهائي، ولكنك ستحصل على مفاجأة سارة لاحقا، عندما تلاحظ أن حياتك قد تغيرت عما كانت عليه، عندما خطوت أول خطوة نحو التغيير. قد تشعر بالكآبة بين فينة وأخرى، أو قد تغضب لسبب تافه، لكنك في الغالب قد وصلت إلى حيث تريد: سعادة أكبر، وغضب أقل .
من عالم الأمنيات إلى عالم تحقيق الذات
قد يتطلب تنفيذ خطوات (كايزن) لإيصالك إلى حيث ترغب كثيرا من الوقت. وقد يفصل بين إدراكك أنك في حاجة إلى التغيير وتنفيذك للخطوة الأولى وقت طويل أيضًا. فمثلا ، قضيت سنوات أحاول عمل مقاربة مرثية توضح هذه الملاحظة، وفي يوم من الأيام. استيقظت من النوم بصورة في مخيلتي حولتها إلى فيلم كرتوني على شبكة الاتصالات العالمية ( الإنترنت) يدعى المرور عبر بوابة التغيير)، على مثل هذا تجري الأمور.
تخيل أن المنطقة الآمنة التي وصفتها سابقا عندما تحدثت عن الدماغ. موجودة وسط مكان ما سنطلق عليه اسم أرض الأمنيات، وهناك أنت في رضا عن وضعك، وإذا ظهرت مشكلات تلوح في الأفق، فأنت لا تعلم عنها شيئا، أو أنها لا تأخذ حيزا واسعا من تفكيرك. لا توجد لديك نية لتغيير تصرفاتك في هذه اللحظة، ولماذا تتغير أصلا؟ فحتى الآن، نجحت في تعديل مسار حياتك ليتواءم مع العقبات التي تمر بها، فما الذي جد الآن لتتغير؟
على أي حال، لن تتمكن في نهاية الأمر من تجنب الضغط الواقع عليك من ( شيء ما ) يحاول دفعك إلى اتجاه جديد، على الرغم من أنك في بادئ الأمر قد لا تعرف مصدر هذا (الشيء)، أو أن الأمر يتعلق بألم نفسي أو جسدي تتعرض له، يجعلك تدرك أن الحياة ليست مريحة كما اعتقدت أو كما ينبغي لها أن تكون. إذا كانت القوة التي تجبرك على تغيير مسارك خارج منطقتك الآمنة هي الإلهام فإنك لن تتردد في التوجه نحو الحالة المثالية التي من شأنها جعل الحياة أفضل لك ولمن حولك، أما إذا كان الدافع شخصا ما، فإنك قد تعدل من مواقفك وتصرفاتك مؤقتا، لكن الاحتمال الأكبر أنك ستجد طريقة لتعود لفعل الأمور كما كنت تتعامل معها سابقا، ويعود الفضل بذلك إلى السهولة التي يستخدم فيها الدماغ الممرات القديمة، والتشجيع الذي يتطلبه لصنع أخرى جديدة.
وفي حالة معاناتك ألما جسميا أو إعاقة ما، فمن الواضح وجود كثير من الدوافع لإيجاد طريقة لجعل نفسك تشعر بتحسن. أما في حالة الألم النفسي، فعادة ما ستبدأ في التمني أن يزول ذلك الألم مهما كان سببه، أو أن يفعل الآخرون شيئًا مختلفا كي لا تضطر أنت إلى ذلك. وستبني الآمال - ولو إلى حين - في أن الأمور ستتحسن من تلقاء نفسها، وستبدأ في ترويض نفسك على الوضع الراهن.
ولكن عندما تسوء الأمور، أو في الأقل لا تبدأ بالتحسن، ستتولد لديك قناعة في أن الوضع يجب أن يتغير بطريقة أو بأخرى، وأنه لا التمني ولا الرجاء يجعلان الأمور أفضل، وكذلك الاعتقاد بقدرتهما على ذلك لا يفيد بشيء أيضًا. عندها، تبدأ بالشك في أن التغيير قد يتطلب جهدا من قبلك أنت. لذا، ستبدأ بإخبار الجميع بأنك تريد للأمور أن تتغير، وأنك ستتخذ الخطوات اللازمة لذلك قريبا، ومن الآن فصاعدا ستأخذ الأمور منحى جديا. صحيح أنك لست مستعدا للالتزام يعمل معين بعد، لكنك في الأقل، تمنح نفسك الشجاعة التي ستحتاج إليها، إذا أردت استكشاف الأمور الواجب عملها لتتغير حقا.
يجدر بك الملاحظة أنك لن تبدأ بخطوة (كايزن) الأولى الكفيلة بتضييق الهوة بينك وبين النجاح، حتى تصل إلى قناعة أنك تنوي فعل ما يلزم لتحقيق ذلك الهدف. تماما كأنك تقوم بخطوات تحضيرية عدة في عالم الأمنيات، قبل الوصول إلى بوابة في الجدار الفاصل بين هذه الخطوات، وما أسميه عالم تحقيق الذات، ستصل بعد العبور من بوابة التغيير إلى نقطة تحول، حيث يصبح التغيير ممكناً، وهذا يحدث عندما يبدأ عدد كاف من الخلايا العصبية بالعمل: كي يتمكن دماغك من بناء ممرات عصبية ذات كفاية قادرة على تطوير اعتقاد أن بإمكان الحياة أن تكون مختلفة، وأن التصرفات الجديدة لا بد من أن تنتج نتائج جديدة، عندها فقط سيحدث التغيير الجذري بعيد الأمد.
الرحلة البطولية
إن أفضل الوسائل لوصف تحول مثل هذا يتم عبر قصة (رحلة بطولية). لسنا هنا في معرض الحديث عن الأبطال بالطريقة المتداولة هذه الأيام، حين تعد أحدهم بطلا لإنقاذه أناسًا من بيت اشتعلت فيه النيران، تقول مديرة مدرسة حكومية محاطة بالعصابات والعنف والفقر في لوس أنجلوس) لطلبتها: «إن الجهد الذي يبذلونه للوصول إلى المدرسة يجعل منهم أبطالا، وتكرم ذلك الجهد بإيجاد بيئة يجب عليهم فيها مراعاة معايير عالية جدا، هناك كثير من الأمثلة لأبطال وبطلات برزوا وتعاملوا بشجاعة في اللحظات الحرجة، وتخطوا التوقعات كلها لجعل العالم مكانا أفضل للعيش. ولست بصدد الحديث هنا عن قصة شخص يغدو بطلا (أو بطلة) ، بعملية تغییر شخصية وصفت في الآلاف من الأساطير والقصص الخرافية على من العصور. تبدأ الرحلة ببساطة، ببطل أو بطلة محتملين - مثل هاري بوتر في مغامراته، أو دوروثي في كتاب ( ساحر أوز) - أو أي شخص يصبح في النهاية بطلا أو بطلة، حيث يبدأ حياته إنسانًا عاديا يعيش حياة عادية، نعم، هاري ليس شخصا عاديا تماما، لكنه يعيش حياة أقل ما يمكن وصفها بالعادية، أو حتى بالتعيسة. تسير الأمور بسلاسة إلى حد ما داخل المنطقة الآمنة، وفجأة يحدث أمر غير متوقع يقلب الأمور، مثل إعصار، أو زائر من بعد آخر، أو عجوز حكيمة تحمل سرا، أو فارس على حصان أبيض، أو تحد يقدمه شخص غريب، أو تهديد يواجه المجتمع. وبغض النظر عما يحدث، فإن الأبطال أو البطلات المحتملين. في موقف يحتم عليهم الإجابة بنعم أو لا عما يسمى (نداء التحرك) أو (نداء المغامرة) أو (نداء الحياة). أما أنا فأفضل تسميته نداء ( الحركة والعمل) : لأن ذلك ما يجب حدوثه إذا أردت لحياتك أن تتغير، على الرغم من أنك ستتذوق طعم (المغامرة) في مرحلة ما على الطريق.
يقدم المفكر ( جوزف كاميل) في كتابه المعروف ( البطل ذو الألف وجه) . وصفا رائعا لما يحدث للبطل أو البطلة في بداية قصتهم، إذ يقول: هذه المرحلة الأولى من الرحلة الأسطورية ترمز إلى أن القدر قد استدعى البطل. ونقل مركز جاذبيته الروحي من مجتمعه الباهت إلى منطقة مجهولة.
ستجد مثالاً على هذا النوع من التغيير في الكتاب لاحقا، عندما تتعرف إلى (روجر)، الشاب الذي عاش إبان العصور الوسطى، وأصبح بطلا عندما لبى نداء التحرك). إني متأكدة أنك إذا فكرت في نفسك وأنت تتبع قصته، ستجد نفسك تخوض هذه الرحلة، وأنك ربما في ( المنطقة المجهولة) فعلا.
مغادرة المنزل حاملا حقيبة ظهر
توجد مقاربة مجازية أخرى، من شأنها مساعدتنا على تفسير صعوبة اتخاذ الخطوات اللازمة للوصول إلى بوابة التغيير والعبور منها، فكما تعلم، تولد جميعا بأحلام وتقاليد، ومعتقدات وتعليم، وتجربة بيتية، مبنية على ما علمنا إياه والدانا، أو من قاموا برعايتنا. فقد بنيت ركائز هذا البيت لتناسب الثقافة التي ترعرع عليها أهلنا، والزمن الذي عاشوا فيه. ولهذا، نتقبل حياتنا عادة على ما هي لجهلنا بأي شيء آخر، وحتى لو شاب عائلتنا بعض النزاعات، فإن الأمور تكون مألوفة بالنسبة إلينا لأننا - ببساطة - في ( البيت ) .
من الضروري الانتباه إلى أنه على الرغم من حقيقة أن البيئة التي ترعرعنا بها في البيت تختلف من شخص إلى آخر، فإن الثابت أنه توجد - مجازيا - نافذة في كل غرفة تطل على اتجاه واحد شمال أو جنوب، شرق أو غرب حتى إن وجدت غرف تطل على أكثر من جهة، فإن أهلنا - كحال معظم الأهل - كانوا يميلون إلى استخدام غرف بعينها أكثر من البقية، ويفضلون إطلالة في اتجاه أو اثنين، وشجعونا على حب وجهة النظر تلك في الحياة، هذا لا يعني أن ما نظر إليه أهلنا كان خطأ، بل محدودا فقط. وعلى الرغم من توسع آفاقنا عندما غادرنا إلى العالم الخارجي، فقد شجعنا على إنعام النظر على أجزاء معينة من العالم دون أخرى. لذا، أخذنا إلى أماكن بعينها، ولم تؤخذ إلى غيرها، وذهبنا إلى بيت العبادة نفسه، وإلى مدرسة بعينها، ولعبنا مع مجموعة أطفال، وليس مع أخرى، لم تكن هذه التجربة الانتقائية للعالم الخارجي بالشيء الغريب بالنسبة إلينا في المحصلة، لما نجحت تجارب أهلنا معهم، فلم لا تنجح معنا؟
وعندما سمح لنا بمغادرة البيت بمفردنا بذل أهلنا جهدهم للتيقن من أننا سنستمر في تطبيق أفكارهم هم في كيفية تسيير حياتنا، وقد فعلوا ذلك بابتكار مستودع أقحموا به كل معتقداتهم ووصاياهم وتعليماتهم، وأنا أعد مستودع الأهل هذا المليء بالأحلام والأهداف، حقيبة ظهر خفية قابلة للتمدد، حملناها حيثما ذهبنا صغارًا، وما زلنا نحملها إلى الآن.
يمكن أن نجد في هذه الحقيبة قوانين أهلنا التي ترشدنا إلى كيفية التعامل مع الآخرين، ونوع التعليم الذي يجب أن تحصله. والمعتقدات الدينية التي يجب أن نتبعها، والطعام الذي يجب أن نتناوله، والكتب التي علينا قراءتها أو تلك الواجب الابتعاد عنها، وطبيعة الوظيفة التي تتناسب مع القدرات التي رآها أهلنا فينا، إضافة إلى نوع الأصدقاء الواجب اتخاذهم، ومواصفات شريك حياتنا.
وفي أثناء خوضنا عمار العالم، بدأنا بالتواصل مع الأقارب، والجيران والأصدقاء، والواعظين والمعلمين والنقاد، والخبراء والمشاهير، وحتى مؤلفي كتب التنمية الذاتية، حيث دس جميعهم آراءهم في حقيبتنا. هكذا يجب أن تصوت في الانتخابات، وهذا ما يجب أن تلبس، وهذه المعتقدات التي عليك أن تتبعها، وتلك الجمعيات الخيرية التي يجب أن تدعمها. كل واحد من هؤلاء مستعد الإخبارنا كيف تغير الطريقة التي نحيا بها، سواء كنا غير راضين عنها أم راضين بها، والجدير بالذكر أن قبول أراء الآخرين في كيفية عيشنا دون تفكير، من شأنه إضافة وزن فائض عن الحاجة على كاهلنا الذي تحمله أينما ذهبنا.
تصبح حقيبة الظهر المخصوصة بنا في هذه الحالة مملوءة، ليس فقط بآراء الآخرين ونصائحهم، بل نضيف إليها أحلامنا، وإنجازاتنا، والقناعات الداخلية التي اكتسبناها على مر السنين، إضافة إلى القيم التي تحاول أن نعيش على وفقها والمهارات والقوى، حيث تخضع جميعها لمزاجنا، ولا تنسى الفشل. والامتعاض، والندم، والذنب، والمخاوف، والذكريات التي تخلفها الصدمات التي تمر بها، وآثار الأمراض التي تلم بنا. وتتأكد من وضع لائحة لكل ممتلكات نقتنيها، ولاسيما تلك التي تتعلق بها أكثر.
ومع كثير مما تراكم على مر السنين، تتولد لدينا قناعة أن كل هذه المحتويات المتراكمة في حقيبتنا تحدد شخصيتنا، وباقتناعنا أن ما نؤمن به. وما تملكه، وما نقوله، وما نفعله هو ( هويتنا) ، ما هو إلا محاولتنا - لا شعوريا - الضمان مكان لنا في هذا العالم لأنه لا وجود لحقيبتي ظهر متشابهتين.
فالأنا ( حب الذات)، التي تتلخص وظيفتها في حماية هويتنا، جعلتنا على يقين أن محتويات حقيبتنا تحدد هويتنا، وبذلك تجعلنا الأنا نستعمل ضمائر المتكلم (أنا) و (لي) و ( الياء) بحرية مفرطة كلما تحدثنا، وبالنتيجة، فإن محتويات الحقيبة مهمة جدا للأنا المخصوصة بكل منا.
لكن ماذا سيحدث إن لم نستطع البقاء أكثر في منطقتنا الآمنة، ووجدنا أنفسنا على طريق التغيير، ولا تعرف ما خطوتنا المقبلة، ولا نستطيع إيجاد الإجابات في حقيبة الظهر لدينا؟ ماذا سيحدث إن أصبح الوزن ما لا طاقة لنا بحمله؟ ربما عندها يحين الوقت لفرز محتويات الحقيبة، ومعرفة أكانت المعتقدات والنصائح التي طالما حملناها على مر السنين ما زالت تتناسب مع حياتنا؟ هل توجد طريقة للتخلص من الأشياء غير المفيدة في هذه الحقبة الثقيلة من ماضينا والاستعاضة عنها بأشياء تعبر عما نريد أن نكون بصورة أدق؟ الجواب: (نعم). هل نحن في حاجة إلى رأي خبير المعرفة الأشياء الواجب التخلص منها، وتلك الواجب الاحتفاظ بها؟ الجواب: (لا). نحن الخبراء هنا، وقرار التعامل مع كل ( الخردة) الموجودة في حقائبنا يعود إلينا وحدنا.
غرفة ذات إطلالة
لتستخدم تعبيرا مجازيا آخر لوصف كيفية صنع ممرات جديدة في دماغك، والاحتفاظ بالتجارب الناجحة من ماضيك، والخروج من منطقتك الآمنة، وأخذ بعض خطوات (كايزن)، والتوجه نحو مستقبل جديد. هب أنك اكتشفت بابا في بيتك أو شقتك التي تسكنها حاليا، لم تره من قبل. وتوجد عليه لافتة تقول: (الرجاء التزام الصمت عند دخول هذا المكان حيث الإبداع والتغيير). أنت لست على يقين مما ستجده خلف ذلك الباب، لكنك تقرر أن تستكشف الأمر فتفتح الباب لترى درجا يؤدي إلى غرفة صغيرة هادئة فيها نوافذ صافية تطل على الاتجاهات جميعها. يوجد في منتصف الغرفة كرسي دوار، حيث تستطيع الجلوس بكل أريحية لتشاهد العالم على ما هو، وتتخيل كيف سيصبح في المستقبل، ويا لحظك، توجد طاولة تستطيع فتح حقيبة ظهرك عليها، ورفوف تساعدك على فرز العبء الذي حملته مدة طويلة.
وفي حين تضع الحقيبة على الطاولة، تنظر عبر النوافذ، وفي الاتجاهات جميعها، ستشاهد في هذه اللحظة أمورًا لم تلاحظها من قبل: أولها، ستدرك أن الأشياء والأشخاص جميعهم مرتبطون بالأشياء الأخرى وبالأشخاص الآخرين جميعهم، وفيهم أنت، ثم ستلاحظ أن كل شخص لديه حقيبة ظهر. وحتى هذه اللحظة، كانت الحقائب التي على ظهور هؤلاء الأشخاص عندما تقابلهم في الشارع غير مرئية، كحقيبتك تماما. كنت تعرف أن لديك حقيبة ظهر لأنك ترزح تحت ثقلها، لكنك كنت تعتقد أنك الوحيد الذي يملك عبنا من الماضي. أما الآن، فتعرف أن الجميع يحمل على كاهله عبئًا ما. فبعض الأشخاص بالكاد قادرون على الحركة من ثقل حملهم، عدا عن الصندوق الذي يجرونه خلفهم. ولكن آخرين ملكوا الشجاعة لتخفيف حقائبهم مع مرور الزمن، فقد تدير - هذا الصنف الأخير - الأمور ليصبح حمله حقيبة ظهر صغيرة أو واحدة من تلك الحقائب الصغيرة التي تلبس على الخصر، وتحركوا بسهولة ورشاقة لإنجاز أمورهم اليومية.
إن مجرد التفكير في أنك قادر على تخفيف الوزن الذي طالما حملته يشعرك بالإثارة وأنت تفتح جيوب الحقيبة وتخرج محتوياتها واحدا تلو الآخر. وتطمئن نفسك، أن الأمر سيكون سهلا، وتقول: أخيرا، أصبح لدي مكان أطرح فيه الأشياء التي لا أرغب فيها، وأحتفظ بتلك التي أريدها. ولكن لسوء الحظ، فقد دخلت الأنا معك إلى الغرفة نفسها، وستبقى تهمس في أذنك باستمرار، متجاهلة لافتة ممنوع الكلام مذكرة أياك أن ما في داخل الحقيبة هو هويتك، فإذا لاحظت الأنا أنك تولي الأمور المادية أهمية كبيرة. فستحتك على عدم التخلص من شيء يقلل من ممتلكاتك، وإن كنت ذا مكانة اجتماعية مرموقة، فستذكرك بأهمية موقعك في المجتمع، وإن كنت ممن يعتزون بأرائهم، فستصعب عليك الأنا التخلص من أي شيء يتعارض مع هذه الآراء، وإذا كنت مقتنعًا أن وظيفتك هي التي تحدد أهميتك في الحياة، فستبذل الأنا أقصى جهدها كي تنشيث بمنصبك، ولهذا ليس من السهل التخلص من محتويات حقيبة الظهر مع وجود الأنا بجانبك. عليك تنحية الأنا جانبا كي تستغل الفرصة التي تمنحك إياها الغرفة. وتتعلم كيف تتواصل مع الأشخاص الذين تراهم من هذا المكان الخاص بسهولة. وتخطو نحو المستقبل بعقبات أقل. عليك أن تعبر عن شخصيتك الحقيقية لفعل ذلك. ذاك هو جوهرك. الجزء الأساس والمميز في مكنوناتك، أطلق عليها أسماء عدة (قوة الحياة الكامنة) و (الجانب الحكيم ) و ( هويتك الحقيقية) و ( حدسك ) و (روحك ) ، أما أنا فسأشير إليها في هذا الكتاب بـ الشخصية الحقيقية. وبغض النظر عن التسمية. ففي ذلك المكان الهادئ يحدث التغيير والإبداع. ويصبح مركز انطلاقك لتجربة ماهية أن تذهب لما هو أبعد من (الفعل) و ( التملك ) . وتصل إلى أن ( تكون).
توقع أن تتزعزع الأنا عند مخاطبتك شخصيتك الحقيقية، وتتخبط عندما تحاول وضع تعليمات لا تتعلق بما تملك أو بمدى قوتك أو بأرائك.... إلخ. عليك اتخاذ قرارات عدة مبنية على شخصيتك الحقيقية كي ترخي الأنا قبضتها التي أحكمتها عليك طوال السنين. وعندما تفلت من قبضة الأنا بفضل عودتك المتكررة إلى تلك الغرفة ذات الإطلالة، ستكتشف أن (إرادتك ) موجودة داخل شخصيتك الحقيقية، وستحتاج إلى هذا التصميم الداخلي لتعزيز القوة اللازمة للوصول إلى هدفك. وستكون - في الفصل السادس من الكتاب - مطالبا باستدعاء هذه الإرادة لتعرف ما إذا كنت مستعدا لعبور البوابة في اتجاه التغيير، وعمل ما يلزم للوصول إلى هدفك المتمثل في صنع تغيير جوهري في حياتك. ومع تكرار زياراتك إلى غرفة التغيير والإبداع وملاحظتك للصوت الخافت بداخلك، ستتعلم كيفية تقبل صفات الروح الإنسانية اللازمة للوصول إلى أهدافك مثل الصبر، والبهجة، والامتنان والسكينة، واللطف، والتسامح والعفو، والشجاعة على سبيل المثال لا الحصر. وستتعلم في الفصل السابع كيفية استخدام هذه الصفات بصورة يومية للوصول إلى هدفك بسهولة وثقة.
أنت تعرف أكثر مما تظن
عندما تقف على الدرب الواصل بين الحاضر والمستقبل، وتتخيل مشكلاتك، قد لا يكون لديك سوى فكرة غامضة عن كيفية اجتياز هذا الدرب العبور البوابة إلى المستقبل. وقد لا تعرف حتى كيف تبدأ. ومن حسن الحظ، فإنك لست جاهلا كما تظن، فقد سبق لك اتخاذ كثير من الخيارات التي غيرت حياتك، بعضها كان ناجحا، في حين أثيت بعضها الآخر فشله، لكنك تعلمت شيئًا بعد كل خيار.
أمل أنك سترى - عندما تفرغ من قراءة الفصل الأول - كيف أن عملية التغيير - على الرغم من أنها تبدو تدريجية ولا شعورية - يمكن تطبيقها على حياتك في الماضي، واحتمالية حياة جديدة في المستقبل.
أنا على قناعة من أنك مع استمرارك في القراءة وتناول الأسئلة في هذا الكتاب، ستسهم الإجابات التي تقدمها في مساعدتك على التواصل مع شخصيتك الحقيقية بصورة أفضل، وستساعدك على اختيار الاتجاه الذي تود أن تغير حياتك من خلاله، إذا ما تناولتها على محمل الجد. عندئذ. ستتمكن من تحديد الأهداف التي تتناسب مع جوهرك وتحقيقها، ورغباتك في الحياة، وما تود منحه للآخرين.
إذا أردت تغيير حياتك، ففكر مليا في هذا السؤال الموجود في الفصل الأول :
ماذا أعرف عن عملية التغيير ؟
