القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (8-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (8-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل الثامن ""الأصولية في الحكومة"" تصاعد النفوذ الأصولي في السياسة الأمريكية وتأثيره على توازن السلطات، خصوصاً في العلاقة بين السلطة التشريعية والقضائية. يبرز تدخل بعض القادة المحافظين في القضايا القضائية، مثل قضية تيري شيافو، واستغلالهم للقضايا المثيرة لتحدي استقلال المحاكم. كما يناقش تعيين الشخصيات المثيرة للجدل، مثل جون بولتون، وسياستهم القائمة على رفض القانون الدولي وتعزيز النفوذ الأمريكي بالقوة. يربط الفصل بين هذه السياسات وصعود المحافظين الجدد، الذين يروجون للتدخل الأحادي والقوة العسكرية، مع تأثيرهم السلبي على صورة أمريكا عالمياً. ويختم الفصل بدعوة لإعادة التوازن إلى القيم الديمقراطية والتعايش، لمواجهة الانقسامات المتزايدة داخل المجتمع الأمريكي.

الأصولية في الحكومة

في صفوف القادة السياسيين الكبار الأمريكا أمثلة حية أخرى عن التهديدات الموجهة إلى فصل السلطات السياسي الدستوري الأساسي في بلادنا .
وقد أظهر بعض المسؤولين المحافظين أكثر من غيرهم في واشنطن خيبة ظنهم باستقلال المحاكم القضائية فأقحموا أنفسهم في آخر لحظة في قضية تيري شيافو، وهي قضية خلافية إلى حد بعيد، بعد أن كان عشرون قاضياً تقريباً، ومعظمهم فقهاء بالقانون محافظون عينهم الجمهوريون، قد حافظوا طوال خمسة عشر عاماً على رفضهم لتمديد حياتها اصطناعياً.

وحين تحدث بيل فريست زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ أوضح بجلاء أنه كان يتحدث بصفته جراح قلب، وأعلن لزملائه أنه أدان الإجماع القضائي بالاستناد إلى استعراض شريط الصور الذي قضيت ساعة أو نحو ذلك أنظر إليه في الليلة الماضية في مكتبي هنا في مبنى الكابتول. وذلك الشريط بالنسبة إلي، صوّر شيئاً ما مختلفاً جداً عن الحالة النباتية المتواصلة"". وكان هذا التشخيص مناقضاً لتشريح الجثة الميتة الذي أجراه الفاحص الطبي لاحقاً على السيدة شيافو، والذي قدم تقريراً بأنها كانت عمياء وأن مخها كان شاذاً بوضوح ، وحجمه أقل من نصف الحجم الطبيعي.

وقام زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب توم ديلي، بعد أن احتدم غضباً من القضاة، بإصدار تهديدات لفرض السيطرة التشريعية فوق محاكم الولاية والمحاكم الفيدرالية وأمر بالتحقيق في مجلس الشيوخ عن القضاة وأصدر سلسلة من الإعلانات الحانقة: ""الاستقلال القضائي ليس مساوياً للسيادة القضائية"". وهذه (الأحكام) ليست أمثلة للمجتمع الناضج، بل للهياج القضائي"". وأضاف، مجلس الشيوخ أهمل طوال العديد من السنوات مسؤولياته لجعل القضاء موضع محاسبة. ليس بعد الآن. لقد كان رد فعل الفرع التشريعي في معظم الأحوال هو أن يشتكي . هناك طريقة أخرى، أيها السيدات والسادة وهي أن يعاد التشديد على سلطتنا الدستورية فوق المحاكم"" . وقال أيضاً : ""نحن نعين المحاكم. ونحن نستطيع أن لا نعين المحاكم. نحن نملك سلطة المال .

وقدم عدد من مشاريع القوانين في مجلس الشيوخ للتدخل مباشرة في الشؤون القضائية بعد أن قامت المحكمة العليا بشطب حكم الإعدام للأطفال وفشلت في الموافقة على عرض الوصايا العشر في الممتلكات العامة، وأصدرت قراراً بتنفيذ حكم الإعدام بالمواطنين المكسيكيين في تكساس. وقدم الجمهوريون في مجلس النواب قراراً يعلن أن القانون الدولي يجب ألا يؤخذ بالحسبان في تفسير الدستور، ومشروع قانون في مجلس الشيوخ يمنع المحاكم الفيدرالية من تطبيق التعديل الأول في مسائل خلافية تتصل بالفصل بين الكنيسة والدولة. وأحد أسس القانون الدستوري هو سلطة أمر الإحضار للمحاكم الفيدرالية لتقرر إن كان قد حكم بالموت على مدعى عليه فقير حكماً غير منصف في محاكم الولاية. وهناك حركة قوية في مجلس الشيوخ لتحويل هذه السلطة إلى وزير العدل، وهو المدعي العام الرئيسي في أمريكا !

حين قتل قاض في غرفة محكمة في أطلنطا على يد مجرم غاضب وحين اغتيلت أم قاضية من شيكاغو وزوجها بسبب رفضها النظر في دعوى قانونية قام جمهوري من تكساس وشرح في مجلس الشيوخ أن الإحباط يتزايد ثم يتزايد إلى النقطة التي يحدث فيها العنف ضد القضاة الذين يتخذون قرارات سياسية وهم مع ذلك غير مسؤولين أمام الجمهور . ومع أنه هو نفسه كان قاضياً سابقاً، فقد اقترح أن الدور المحدود للمحكمة العليا يجب أن يكون منفذاً للقرارات السياسية التي يتخذها ممثلو الشعب المنتخبون ولقد كان من أجل تجنب هذا النوع من الإرهاب لهيئة القضاة أن فصل آباؤنا المؤسسون الفروع الثلاثة للحكومة، مع تعيين القضاة الفدراليين مدى حياتهم والدعم الواسع المطلوب من أجل الموافقة على المعينين القضائيين الجدد.

هناك توافق وثيق الصلة بين هذا النمط الثوري الحديث في مجلس شيوخنا الأمريكي وأولئك الذين اختيروا ليخدموا في مناصب تنفيذية عالية. بعضهم حاز على الإعجاب وكان موضع ثقة هنا وفي الخارج معاً ، ولكن تعيين آخرين خلق رد فعل معاكساً وكانت حالة من الحالات المثيرة المحيرة والموضحة في الوقت نفسه هي حالة رجل صريح لا يتحفظ في كلامه اسمه جون بولتون، وكان هو الاختيار المبكر في عام 2001 المنصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون ضبط التسليح. وحين كنت أقود بعثة من مركز كارتر إلى هافانا في العام التالي، أعلن بولتون بشكل كاذب أن صناعة الصيدلانيات الكوبية كانت متورطة في إنتاج أسلحة الدمار الشامل الحيوية. فعرض الكوبيون فوراً أن يسمحوا للعلماء الأمريكيين بتفتيش
المنشآت، ولكن لم يكن هناك أي رد فعل من واشنطن. فحين لم يستطع أن يجبر محللي الاستخبارات أن يثبتوا تصريحاته، حاول بولتون أن يفصلهم أو أن يحولهم إلى مواقع أخرى. إن هذا العمل قد لخص التسييس الذي قام به صناع السياسة في القمة للمعلومات الاستخبارية، وهو الذي قاد إلى الفشل الذريع بشأن المزاعم غير الصحيحة التي زعمت أن العراق كان يمتلك ترسانات ضخمة من أسلحة الدمار الشامل.
وفي وزارة الخارجية، عمل بولتون على أن يعكس رأساً على عقب عقوداً من السياسات الأمريكية في عدم انتشار الأسلحة وضبطها، زاعماً أن نظام معاهدات الأسلحة الذي تأسس منذ الحرب العالمية الثانية، ومنها الاتفاقيات التي تفاوض عليها جميع رؤساء الولايات المتحدة ابتداء من دوايت إيزنهاور إلى جورج اتش دبليو بوش، قد قيدت قوة الولايات المتحدة وانتهكت السيادة الأمريكية من دون الحصول على منافع مساوية . ومن سوء الطالع أن رؤساءه في البيت الأبيض كانوا يشاركونه في هذا الاعتقاد وكان قد تم تبنيه بوصفه السياسة الأمريكية الرسمية.

وفلسفة بولتون وتصريحاته التي عبر عنها علانية بشأن الأمم المتحدة كانت منذ زمن طويل مسألة اهتمام أو تندر مضحك، وكان اختياره ليكون سفير أمتنا إلى الأمم المتحدة صدمة لكل واحد يحترم المؤسسة والغرض من عملها في السنوات الستين الماضية. وبخصوص الخضوع للاتفاقيات الدولية الموجودة، عبر بولتون عن آرائه بوضوح: ""إنها غلطة كبيرة بالنسبة إلينا أن نمنح أي صحة للقانون الدولي ولو كان قد يبدو أن من مصلحتنا القصيرة الأمد أن نفعل ذلك والسبب هو أن الغاية التي يتغيّاها الذين يعتقدون أن القانون الدولي يعني شيئاً حقيقياً هي أنهم على الأمد الطويل، يريدون أن يضيقوا على الولايات المتحدة"".
وقد أصر على أن الأمم المتحدة ذات قيمة فقط حين تخدم الولايات المتحدة خدمة مباشرة . وحين سئل عن المفاوضات بوصفها طريقة لحل النزاعات الدولية أجاب ""أنا لا أقدم الجزر"".

وقد أدان اختياره تسعة وخمسون من دبلوماسيي أمريكا المتميزين بسبب هذه المواقف المعروفة عنه جيداً، ولكنهم، على وجه الخصوص، تناولوا بإسهاب أداءه المنخفض انخفاضاً عميقاً في عمله مسؤولاً كبيراً لأمتنا عن ضبط الأسلحة. وقالوا إنه كان يمتلك سجلاً استثنائياً في معارضة الجهود الأمريكية لتحسين الأمن القومي من خلال ضبط الأسلحة.

والحقيقة المزعجة هي أن بولتون، في كل هذه المواقف، قد مثل تمثيلاً دقيقاً السياسات الخارجية الجديدة الثورية للولايات المتحدة وجواباً على التعبير عن القلق الذي أبداه الدبلوماسيون، صرحت مجموعة من شاغلي الوظائف حالياً ومن المسؤولين الجمهوريين السابقين أن نقاد رأيه في الحقيقة قد ضللوا"" لأن وجهات نظره كانت متطابقة مع وجهات نظر الرئيس وأن خلافاتهم على ما يبدو كانت مع رجل انتخب مرتين من الشعب الأمريكي ليصمم ولينفذ السياسات الأمنية، وليست خلافاتهم مع واحد من أفعل وأوضح مسؤوليه في ترقية تلك السياسات"" . وحين لم يستطع الرئيس بوش أن يحصل على تأكيد لتسمية بولتون من مجلس الشيوخ، أرسله إلى الأمم المتحدة في تعيين تم في أثناء توقف جلسات مجلس الشيوخ.

وصار تعبير المحافظون الجدد مستخدماً استخداماً شائعاً لوصف أولئك الذين شكلوا الفلسفة الجديدة لحكومتنا . والمعنى المأخوذ من معجم قديم تماماً ولكنه تقليدي هو ""ليبرالي سابق يتبنى المحافظة السياسية المعتدلة""، أو ""قادم جديد إلى المحافظة . وكانت أول مواجهة لي مع التسمية حين اتهمتني سفيرة الرئيس ريجان إلى الأمم المتحدة، جين كيركباترك، وهي محافظة جديدة، بأنني قد حاولت أن أفرض اللبرلة ونشر الديمقراطية على البلاد الأخرى. وسخرت من الاعتقاد أن من الممكن تحويل الحكومات إلى الديمقراطية في أي زمان، وفي أي مكان، وتحت أي ظروف. وقالت إن الديمقراطية تعتمد على ظروف اجتماعية، وثقافية، واقتصادية معقدة، وتستغرق عقوداً، إن لم تكن قروناً .

وتابعت في تبجيل الدكتاتوريات التقليدية المستبدة مثل نيكاراغوا تحت حكم سوموزا، والفلبين تحت حكم ماركوس، وتشيلي تحت بينوشيه. وأتذكر أن واحدة من أولى المهام الدبلوماسية لكيركباتريك كانت مع الحكام المستبدين في تشيلي وفي الأرجنتين لتؤكد لهم أن سياستي الدخيلة في حقوق الإنسان لن تكون بعد ذلك الوقت مشكلة بالنسبة إليهم.

ومنذ ذلك الوقت، كنت محتاراً بشأن تعريف المحافظين الجدد الذين قاموا على ما يبدو بإدانة الخطط السياسية لمعظم الرؤساء الآخرين، الديمقراطيين منهم والجمهوريين، ولم يكن لهم تحالفات دائمة مع اللبراليين أو مع المحافظين. ومع أن التعريف معقد وقابل للتغيير كما هو واضح فإن ""المحافظين الجدد الآن على ما يبدو يعتنقون التدخل العدواني والأحادي الجانب في الشؤون الخارجية وخصوصاً لتعزيز النفوذ الأمريكي العسكري والسياسي في الشرق الأوسط.

يهيمن بعض المحافظين الجدد الآن على أعلى مجالس الحكومة، ويبدو أنهم عازمون على ممارسة الهيمنة الأمريكية في كل أنحاء العالم، وعلى تحسين الحرب الاستباقية بوصفها طريقاً مقبولة للوصول إلى هذه الغاية الإمبراطورية. وقبل ثماني سنوات من تولي ريتشارد ديك تشيني منصب نائب الرئيس أوضح هذه الفرضية في إستراتيجيته، إستراتيجية الدفاع للتسعينيات من 1990. وإما قبل 9/11 أو بعدها في الحال، اختار هو وزملاؤه المقربون العراق ليكون أول هدف كبير، ليزيلوا على ما يظهر التهديد لإسرائيل ولجعل العراق يخدم بصفة قاعدتنا الدائمة عسكرياً، واقتصادياً وسياسياً في الشرق الأوسط.

هذا الاعتماد على القوة العسكرية لتوسيع نفوذ أمريكا إضافة إلى الانحرافات الحديثة الأخرى عن القيم التقليدية قد خفض تخفيضاً مؤثراً جاذبية عروضنا السياسية والثقافية والدينية للعالم. ومع أن معظم الأمريكيين مقتنعون بتفوق هذه الصفات التي يتحلى بها مجتمعنا الغربي، فقد صار واضحاً على نحو متزايد أن ذلك الجهد الأخرق لفرضها على الشعوب الأخرى يمكن أن يكون معيقاً ويأتي بالنتائج المضادة.

بعض المحافظين الجدد والناطقين التاريخيين باسم القضايا المحافظة هم الآن يشجبون تلك التسمية بالكامل، زاعمين أنهم ليسوا محافظين جدداً ولا مرتبطين بسياسات الحكومة المحلية والدولية الحديثة، بما فيها العجوزات المالية العالية، وإقحام الحكومة الفيدرالية في الشؤون الولائية والفردية، والمغامرات الإمبراطورية. لقد اخترت أن أستخدم ""الأصولي"" لوصف خليط من الخصائص يقبل بعضها أن يعزى إلى المحافظين الجدد أو الجناح اليميني المتطرف، وأنا مدرك أنه لا يوجد تعريفات مقبولة على وجه العموم لهذه الكلمات الوصفية.

هناك كما هو واضح اختلافات مخلصة في الرأي داخل الحياة الدينية والسياسية لأمتنا، وهذا متوقع. إن الأثر المشترك غير المسبوق للأصولية في الدين والسياسة هو الذي ساعد على خلق الانقسامات المقلقة العميقة والمتزايدة بين شعبنا . إن هذا تحد أساسي سوف يتوجب على مواطني بلادنا أن يواجهوه وأن يحلوه، لكي يشكلوا قلب أمريكا وروحها في المستقبل.

أنا مقتنع أن أمتنا العظيمة تستطيع أن تحقق كل الأحلام المعقولة في التأثير الكوني إذا قمنا على النحو الصحيح باستغلال القيم المفيدة لإيماننا الديني ولمثلنا العليا التاريخية المتصلة بالسلام، وبالحرية الاقتصادية والسياسية وبالديمقراطية، وبحقوق الإنسان.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة