مقدمة وأسس تصوّرية
«يتطلب الأمر قرية بأكملها لتنشئة طفل واحد». تكررت هذه الفكرة مرارًا في الأعوام القليلة الماضية، كما كانت موضوعًا للعديد من المقالات والكتب، بما فيها الكتاب الأول من سلسلة معهد الأبحاث عن المجموعات والمجتمعات اليقظة تنمويا. وفي الواقع، وبمطالعة هذا الكتاب، «الأصول التنموية ومجتمعات بناء الأصول: الآثار المترتبة على الأبحاث العلمية والسياسات والممارسات»Developmental Assets and Asset-Building Communities Implications for Research, Policy, and Practice من تحرير كل من ريتشارد إم. ليرنر وبيتر إل. بنسون عام ۲۰۰۳ ، نلاحظ أنه تم تكريسه للأسس العلمية والممارسة التطبيقية للفرضية التي تنطوي عليها العبارة الاستهلالية: إنّ التنمية الصحية للأطفال والمراهقين ترتبط بالمجتمع أو المجتمعات التي يعيشون فيها. وقد وثق العديد من مؤلفي الكتاب الأول الأساس التجريبي لأهمية الدعم التنموي أو الأصول التنموية المشتقة من مجموعة واسعة من المصادر بالمجتمعات (مثل العائلات والمدارس والأقران والأحياء السكنية والمؤسسات الدينية وغيرها من شرائح المجتمع)، من أجل اكتساب الخصائص والمهارات القيمة. كما وصف مؤلفون آخرون محاولات المجتمعات أو بعض شرائح المجتمع الترجمة مفاهيم الدعم التنموي أو الأصول التنموية إلى ممارسات واقعية.
وفي الكتاب الثاني من تحرير بيتر سي. سكيلز عام ۲۰۰۳ بعنوان أطفال الآخرين: «التوقعات الاجتماعية والتزام الراشدين الأمريكيين بالأطفال والمراهقين»، نطالع نتائج استطلاع وطني يظهر اتفاقا واسع النطاق على أهمية تقديم الراشدين بالمجتمع للدعائم والأصول التنموية إلى الأطفال والمراهقين الذين لا تجمعهم بهم روابط أسرية. يكشف هذا الاستطلاع عن أنه رغم إدراك العديد من الراشدين لأهمية العلاقة الوثيقة والشخصية مع جيل الشباب إلا أن عددًا أقل بكثير منهم مستعد للعمل على تطوير هذه العلاقات. توضيحا لذلك، يُظهر الاستطلاع أن ٧٥% من الراشدين قالوا إنه من المهم إجراء محادثات مفيدة مع الأطفال والشباب، بينما أعرب أقل من ٣٥% عن إجراء هذه المحادثات فعليا. يتعمق سكيلز في أسباب هذا الانفصال بين النوايا والأفعال، ملقيا الضوء على الأساس النفسي للإهمال النسبي لفئة الشباب من مواطنينا وراسما خطةً لوسائل معالجة هذا الإهمال. كما يقترح سكيلز أن السبب وراء تضاؤل أعداد الراشدين الذين يوفرون الرعاية لهذه الفئة لا يقتصر فقط على تغيير المجتمعات أو المدارس أو العائلات، وإنما يرجع أيضًا إلى الازدواجية الثقافية العميقة التي نشأت فيما يخص معنى التواصل مع أطفال الآخرين في المجتمعات الغربية أصبح الآباء يعتبرون هم المسؤولين وحدهم عن أطفالهم، وأصبح تدخل الراشدين الآخرين يقابل بالشك وعدم الراحة. ويكشف سكيلز عن أدلة معتبرة على وجود فجوة كبيرة بين معتقدات الراشدين حول تقديم الدعائم والأصول للشباب الذين لا تجمعهم بهم روابط أسرية وبين سلوكهم الذي يمثل هذه الدعائم والأصول.
الكتاب الذي بين أيديكم هو الرابع في هذه السلسلة، وقد تم تكريسه للاستراتيجيات والتكتيكات المصممة لسد الفجوات بين المعتقدات والأفعال، أو بطريقة أخرى للاستراتيجيات التي تسعى إلى تهيئة الراشدين للإسهام في التنمية الشبابية الإيجابية. لنكون أكثر تحديدا، يركز هذا الكتاب على العمل التصوّري والتجريبي المتعلق باستراتيجيات التأثير الاجتماعي، بمفهومها الواسع النطاق، والتي من شأنها أن تساعد الأفراد والمجتمعات على الانتقال من الحالة الراهنة، كما هو موثق في كتاب سكيلز أطفال الآخرين»، إلى مجتمع يقدم فيه الأفراد والمجتمعات الدعائم والأصول التي تحتاج إليها فئة الشباب من أجل التنمية الإيجابية، كما هو موثق في كتاب ليرنر وبنسون الأصول التنموية ومجتمعات بناء الأصول». سنتناول أولا في النقاش التالي ما المقصود بتهيئة الراشدين من الذين سيتم تهيئتهم وكيف سيتحقق هذا بأفضل الوسائل الممكنة؛ وسنتأمل ثانيًا في معنى التنمية الشبابية الإيجابية واحتياجات فئة الشباب. باختصار، ما أهداف التنمية الإيجابية وماذا يمكن للراشدين فعله للمساعدة في تحقيق التنمية الإيجابية؟
تهيئة الراشدين للعمل
إن المسألة الرئيسة المقرر بحثها في هذا الكتاب هي الطريقة المثلى لتشجيع الراشدين على التصرف، ولا سيما على تحويل نواياهم الحسنة إلى سلوك يعزز التنمية الشبابية الإيجابية. علاوة على ذلك، فإن هذه المسألة تنطبق على تصرفات الأفراد والمجموعات الصغيرة والأحياء السكنية والبلديات وأماكن العمل والتجمعات المدرسية والمعاهد الدينية، كما تنطبق على المجموعات الكبيرة المتمثلة في المجتمع. على الرغم من أن كل فصل من هذا الكتاب قد يركز على هدف واحد أو هدفين من أهداف التأثير، فإننا نؤكد على ضرورة العمل على كافة المستويات من أجل إيجاد مجتمع يقظ تنموياً.
توجد الفجوات بين النوايا والأفعال في العديد من مجالات الحياة؛ فعلى المستوى الفردي ينوي الأشخاص اتباع نظام غذائي صحي وممارسة نشاط بدني والإقلاع عن التدخين وتطبيق معتقداتهم الأخلاقية وما شابه ذلك، لكنهم يفشلون بشكل متكرر في تحقيق هذه الأهداف. وغالبا ما تواجه المجموعات المنظمة من أفراد في تشجيع أعضائها أو حتى الضغط عليهم للتصرف بطرق تساعد على تحقيق أهداف المجموعة، بما في ذلك حضور الاجتماعات والمشاركة في أعمال اللجان وجمع الأموال واستقطاب الأعضاء لطالما انشغل علماء السلوك بالمسائل المتعلقة بالتأثير على الأفعال، ولا سيما المتعلقة بسد الفجوة بين معتقدات الناس وأفعالهم، محاولين فهم الظروف المهيئة لتحويل مواقف الإنسان وسلوكه لتكون قاعدة للعمل الفعلي أو التي تحول دون ذلك أولسون، وزانا، (۱۹۹۳).
في ظاهرها، تبدو مسألة تهيئة الراشدين من أجل التنمية الشبابية الإيجابية مسألة بسيطة، بالنظر إلى أن معتقدات الأشخاص الراشدين هي أولاً مؤيدة للغاية لقضية التنمية الشبابية الإيجابية وثانيًا يتشاركها عدد كبير من الراشدين، وأن هذه المعتقدات تعتبر أعرافا اجتماعية (سكيلز، ۲۰۰۳). في الوقت نفسه، يبدو أن قوة ما أو مجموعة من القوى تمنع التعبير السلوكي عن هذه المعتقدات. بشكل عام، يمكن أن تكون هذه القوى من نوعين: غياب عامل أو أكثر من العوامل الحاسمة (مثل الدافعية أو الوقت أو الأماكن الملائمة الضرورية لحدوث الفعل؛ ووجود عوامل تشكل عوائق أو عقبات أمام الفعل، أو من ناحية أخرى كبت النزعة السلوكية للمساهمة في التنمية الشبابية. بالطبع تثير هذه الاعتبارات تساؤلات حول ماهية هذه العناصر المفقودة والعوائق التي تحول دون العمل.
إحدى الإجابات الممكنة على السؤال عن العقبات التي تسببها العناصر المفقودة تأتي من بحث يسأل عن الدافع الضروري للشخص كي يطبق معتقداته عمليا على أرض الواقع. يشير أحد النهج التصورية لتناول هذه المسألة، النهج الوظيفي في المواقف والسلوك (مثلا: كاتز، ١٩٦٠ ؛ سميث وبرونر ووايت، ١٩٥٦) ، إلى أن كلا من المواقف والسلوكات تؤدي وظائف شخصية واجتماعية مهمة وأن الأفراد المختلفين قد يتخذون مواقف متشابهة أو يسلكون سلوكا متشابها لأسباب مختلفة كليا. وهذا يعني أن مجرد الاعتقاد ( دون ممارسة الفعل المنسجم معه) قد يشبع غاية الفرد. وهكذا، يبدو أن الدوافع تؤدي دورًا أساسيا في تحويل المعتقدات إلى أفعال وهي عملية يتناولها العديد من المساهمين في هذا الكتاب بمزيد من التعمق والتفصيل.
ثمة إجابة أخرى ممكنة على الأسئلة المتعلقة بالعناصر المفقودة تأتي من سلسة أقدم من الأبحاث عن البديهيات وقابلية خضوعها للتحديات (ماغواير ١٩٦٤) والجهود الأحدث لتطبيق هذه الأفكار والنتائج على القيم (برنارد ومايو وأولسن، ۲۰۰۳؛ مايو، وأولسن ۱۹۹۸). دعم بحث مايو وأولسن القيم بصفتها فرضية بديهية، ولا سيما فكرة أن قيما مثل الإيثار والمساواة ومساعدة الغير تفتقر أحيانًا للدعم المعرفي أو الحجج المؤيدة لأهميتها. علاوة على ذلك، قدم برنارد و آخرون أدلة على أن مثل هذه القيم تكون عرضة للهجوم، إلا أن مواجهتها للتحديات يمكن تعزيزها إما عن طريق توفير حجج داعمة لها أو عن طريق دحض الانتقادات الأولية لها قبل حدوث الهجوم الجوهري عليها (عملية التحصين).
ربما تنطبق هذه المخاوف على قيم كالتي يشير إليها المثل الاستهلالي: يتطلب الأمر قرية بأكملها لتنشئة طفل، أي القيم التي تتمتع بتأييد وقبول على نطاق واسع (سکیلز، ۲۰۰۳). وكما هو الحال مع العوامل المعروضة في دراسات مايو وأولسن (۱۹۹۸)، قد لا تحتوي القيم المتعلقة بالتنمية الشبابية الإيجابية على مجموعة مدروسة من الدعائم المعرفية، وربما لم تلق تفكيرا مكثفًا، ونادرا ما تخضع للشك فيها. بعبارة أخرى، قد يكون أساس هذا الاعتقاد ضعيفًا وسطحيا، وقد لا يعلم الكثير منا المعاني الدقيقة لهذه العبارات. فمثلا، في مجتمعنا الذي تسيطر عليه النزعة الفردية، ما مسؤوليات «القرية»؟ وما مسؤوليات أي فرد من أفراد هذه القرية؟ وكيف ينبغي أن تتحول مسؤوليات الفرد إلى أفعال؟ إن ثمرة هذه المعتقدات هي أنها بقدر ما تتناسب مع هذا السياق، فهي تفتقر للدعائم التي تجعلها مقاومة للقوى المضادة.
إلى جانب الدعم المفقود، والذي ربما يكون ضروريا لترجمة المعتقدات والقيم إلى أفعال واقعية، يمكن أن تكون هناك عوائق وعقبات فعلية تحول دون المشاركة. وقد اقترح أحد الأبحاث التي ناقشناها سابقا هذه الاحتمالية؛ إذ يشير إلى أن القيم البديهية يمكن أن يكون لها قيم مضادة؛ وفي الواقع، فقد استخدم بحث مايو وأولسن (۱۹۹۸) هذه الأسباب المتعلقة بالقيم المضادة حيث يمكن أن يتعرض الشخص للمشاكل إذا كان يعمل وفق قيمة مثالية من المستحيل الوصول إليها واقعيا. يبدو أن هذه الحجج المضادة تنطبق هنا على موضوع الكتاب، إلى جانب قيم مثل أن تنمية الطفل هي مسؤولية والديه وأهمية أن يهتم كل ذي شأن بشأنه.
إضافة إلى هذه الحجج المضادة النظرية والقائمة على القيمة، توجد عوائق ملموسة تعيق التصرف بما يتوافق مع المعتقدات والقيم. إن مجموعة العوائق الأولى التي تنبغي مراعاتها هي مجموعة عامة تواجه الأشخاص الذين يعانون عادات التقاعس عن العمل في الوقت الحالي والقوى التي تحافظ على التقاعس وتثني عن العمل. تبدأ عادات الممارسة العملية وكذلك المبادرة بما يصب في مصلحة الشباب بحالة من الجمود السلوكي التي يجب التغلب عليها.
وفي العديد من الحالات، ولا سيما اليوم، ينطوي العائق على ضيق الوقت الذي يحول دون ممارسة نشاط جديد. وفقا لشور (۱۹۹۱)، فإن الأمريكيين عملوا في أواخر الثمانينات ١٦٠ ساعة إضافية في المتوسط كل عام بالمقارنة مع ما كان عليه الحال في أواخر الستينات - أي ما يعادل قرابة شهر إضافي من العمل بدوام كامل. ونظرًا لأن نسبة أكبر من عائلات المتزوجين تتكون من أب وأم عاملين، فإن هؤلاء الأفراد يشعرون بضغوط إضافية لتحقيق التوازن بين متطلبات العمل والمنزل. في الواقع، إن انضمام المزيد من النساء إلى القوى العاملة في الثلاثين عاما الأخيرة، قد غير مشهد العائلات الأمريكية؛ مما زاد من صعوبة مبادرة الراشدين بما يصب في مصلحة الشباب الذين لا تربطهم بهم صلة (انظر: تيهين ،۲۰۰۰). أخيرا، ينبغي لنا على الأقل أن ندرك الصعوبات التي تنشأ بشكل دائم تقريبا عندما تحدث أفعال الأشخاص ضمن مجموعة أو مجتمع، بما فيها مشاكل تنسيق الجهود واختيار خطة العمل دون غيرها التي ستحقق أهداف المجموعة.
تنمية الشباب: مساعدة الراشدين للشباب
لقد تناولنا حتى هذه النقطة القضية العامة المتمثلة في تشجيع الراشدين على المبادرة بما يصب في مصلحة الأطفال والمراهقين؛ لكن ما الذي ندعو إليه هنا تحديدا؟ ما معنى أن نطلب من الراشدين المبادرة بما يصب في مصلحة فئة الشباب الذين لا تربطهم بهم صلة؟ بمعنى آخر، لماذا يتم تهيئة الراشدين؟ في الواقع، فإن هذه النشاطات التي يقوم بها الراشدون لصالح فئة الشباب تعتبر شكلا من أشكال السلوك المساعد أو خدمة المجتمع أو الإسهام في الصالح العام أو النشاط الإيجابي اجتماعيا، كما هو معروف في دراسات العلوم السلوكية. وكما تعني هذه المصطلحات، فإن الجهود موضع الدراسة هنا تشمل مشاركة الراشدين بشكل مباشر أو غير مباشر لوقتهم أو طاقتهم أو معارفهم أو مهاراتهم أو أموالهم أو جميع ما سبق - على سبيل المثال لا الحصر - مع فئة الشباب، والقيام بذلك لمصلحة الشباب الذين يتلقون هذه الموارد المشتركة تمثل الأصول التنموية الأربعون لمعهد الأبحاث ( سكيلز وليفيرت، ٢٠٠٤) إطارا هاما لاستعراض التنمية الشبابية الإيجابية، ويحدد هذا الإطار كلا من أهداف التنمية الشبابية الإيجابية ووسائل تحقيق هذه الأهداف. يؤكد هذا المنظور على مجموعة من المزايا أو نقاط القوة الإيجابية في حياة فئة الشباب والمرتبطة بنتائج لها قيمة اجتماعية مرتفعة (بنسون وليفيرت وبليث، ۲۰۰۰). علاوةً على ذلك، وكما يتضح من الجدول ، فإن الأصول التنموية الأربعين تصنف إلى عشرين أصلاً خارجياً وعشرين أصلا داخليا، وذلك اعتمادا على ما إذا كانت نقاط القوة أو الدعائم تعتبر قادمة من بيئة هذا الشاب أو أنها مزايا قد استنبطناها. وفي إطار نقاشنا، فإن إطار العمل هذا واللغة التي يقدمها يعتبران نقطة الانطلاق لدراسات أهداف وأغراض التنمية الشبابية الإيجابية (الأصول الداخلية ونشاطات الراشدين من الآباء وغيرهم والتي من شأنها تيسير عملية اكتساب هذه الأصول.
احتياجات الشباب
تمثل الأصول الداخلية العشرون تصوّرًا واحدًا للتنمية الإيجابية للشباب، وبالتالي، هي هدف ممكن لأنشطة الراشدين التي تصب في مصلحة فئة الشباب. ويتضح أن العديد من الأهداف تتركز على التعليم، وتدور الأهداف الأخرى حول مفهوم الذات الإيجابي، في حين يُعنى بعضها بطرق التعامل مع الآخرين والتفاعل معهم. يمكن العثور على نسخة مزيدة إلى حد ما ومعاد تجميعها لهذه المكونات في تعريف « المتطلبات الخمسة للتنمية الإيجابية للشباب: الكفاءة، الثقة، والتواصل مع (العائلة والأقران والمجتمع)، والشخصية، والرعاية/ التعاطف» (ليرنر، ۲۰۰۳، ص ۸).
توجد بالطبع تصورات أخرى تؤكد على مميزات مختلفة أو تطرح تسميات مختلفة أو كلاهما ولكنها، في جوهرها، متشابهة إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، يركز بعضها على المزايا التي يحتاج إليها الشاب حتى يبلغ سن الرشد ويكون منتجا، بما فيها التعليم والاستعداد للعمل والممارسات الصحية المفيدة والاستعداد لتربية الأولاد والمواطنة (سكيلز، ۲۰۰۳؛ تاكانيشي ومورتيمر وماغورثي ،۱۹۹۷). ويركز البعض الآخر على عملية التنمية الشبابية وأنواع التجارب التي قد توفرها المدارس، كما يظهر من العمل على مشروع تنمية الطفل، وهو تحقيق بحثي تطبيقي يقوم بتهيئة وتقييم نوع من البيئات المدرسية من المرجح أن يؤدي إلى تنمية إيجابية للشباب عن طريق تلبية الاحتياجات الأساسية للطلاب (سولومون وباتيستيتش وواطسن وشابس ولويس ،۲۰۰۰). من وجهة نظر هذا المشروع، «تدعم البيئة المدرسية الفعالة احتياجات الطلاب النفسية الأساسية من أجل: (أ) الانتماء إلى مجموعة اجتماعية يدعم أعضاؤها بعضهم ويهتمون ببعضهم، و (ب) الوصول لفرص مناسبة لسنّهم ليتمتعوا بالاستقلال والتأثير والإدارة الذاتية، و(جـ) الشعور بالكفاءة والفاعلية في الأنشطة القيمة» (سولومون وآخرين، ٢٠٠٠ ، ص ٤٠).
وأخيرا وليس آخرًا، وفي محاولة لتحديد الهدف الأولي قبل غيره للتنمية الشبابية الإيجابية، يشير لارسون (۲۰۰۰) إلى أن اكتساب المبادرة هو الهدف الأساسي للتنمية الإيجابية للمراهقين والميزة الأهم في القدرة على التصرف كشخص راشد في المجتمعات الغربية. علاوة على ذلك، يحدد تصوره للمبادرة ثلاث ميزات وهي الدافعية الداخلية، واستخدام هذه الدافعية في المواجهات النشطة مع البيئة، والمرور بهذه المواجهات على مر الزمان. بحسب لارسون، الكي يكون الشخص راشدًا فاعلا، عليه أن يكون قادرًا على تركيز انتباهه وقدراته العقلية على مسار عمل مدروس، دون أن يمنعه أول عائق يواجهه المبادرة هي تكريس الجهد التراكمي مع مرور الوقت لتحقيق هدف من الأهداف (ص. ۱۷۲).
نجد قدرًا كبيرًا من التوافق بين هذه التصورات فيما يتعلق باحتياجات الشباب. أولا، تلقي كل هذه المنظورات الضوء على أهمية تنمية الكفاءة، القدرة على أداء الوظائف في عالم الراشدين، أو الفاعلية ثانيًا، يبدو أن جميع وجهات النظر تشير إلى جانب ما من مفهوم الذات الإيجابي، على الرغم من تأكيدها على ميزات مختلفة مثل (التأثير، والعادات الصحية، والشخصية، وتقدير الذات). وفي النهاية، إن معظم هذه المنظورات تشدد على تكوين الصلات الإيجابية مع أشخاص آخرين، وفي بعض الحالات الانتماء إلى شبكة اجتماعية وفي حالات أخرى التواصل مع المجتمع.
أنشطة الراشدين
الأصول الخارجية التي حددها معهد الأبحاث هي نقطة الانطلاق لدراسات أنواع الأنشطة التي يمكن أن يُطلب من المتطوعين المشاركة فيها مع الأطفال والمراهقين الذين لا تربطهم بهم روابط أسرية. وكما هو مبين في الجدول 1، فإن العديد من هذه الأصول الخارجية تتعلق بالأفعال المتوقع من الأبوين القيام بها، بالرغم من أن العديد من الأصول الأخرى تتضمن مشاركة الراشدين من غير الأبوين. وتتمركز الكثير من هذه الأصول حول العلاقات الداعمة التي يمكن أن يكونها الراشدون مع الأطفال والمراهقين في حيهم السكني أو شبكة علاقاتهم الاجتماعية أو كليهما (مثل: رعاية الحي، والعلاقات مع الراشدين الآخرين، والتوقعات المرتفعة) ومع والدي الشباب (مثل: حدود الحي). وتكتنف الأصول الأخرى المساهمات التي يمكن أن يقوم بها الراشد أو الراشدة تجاه مجتمعه أو مجتمعها، على سبيل المثال، صياغة نموذج للسلوك المسؤول، وتوفير طرق المشاركة الشباب في المجتمع، وتقدير فئة الشباب، والمساعدة على إيجاد بيئة آمنة، وتهيئة وتنظيم فرص للشباب للمشاركة في البرامج الشبابية بالمجتمع (مثل: النشاط الكشفي، وشبكة المنظمات الشبابية الأمريكية (4H CLUPS )، والأندية الرياضية) وفي المؤسسات الدينية وفي المدرسة.
في الوقت نفسه، لا تشتمل التنمية الشبابية الإيجابية على التطوع الرسمي في مؤسسة تخدم فئة الشباب وحسب، بل أيضًا تتضمن المشاركة في مجموعة أوسع نطاقا من الأنشطة. لتكوين نظرة عامة عن هذه الأنشطة، ربما سيكون من المفيد التفكر في تصرفات الراشدين من منطلق التنمية الشبابية الإيجابية التي تختلف في بعدين: أولا، إذا كانت هذه التصرفات تحدث في سياق رسمي أو غير رسمي، وثانيا، إذا كانت هذه التصرفات تتضمن علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع الشاب. باستخدام المخطط الموضح في الجدول 2 ، يمكننا البدء في تصنيف بعض الأصول التنموية التي وضعها معهد الأبحاث إلى الفئات التالية، وكذلك يمكننا اقتراح بعض الأنشطة الإضافية.
لعل النوع الأوضح من أنشطة التنمية الشبابية الإيجابية هو النوع الذي ينطوي على علاقة مباشرة بين شخص راشد و فرد شاب. ويمكن أن ينشأ هذا النوع من العلاقات إما في سياق رسمي أو غير رسمي العديد من الشباب تربطهم علاقة توجيهية مع شخص راشد من حيهم أو من مؤسستهم الدينية أو من العائلة الممتدة؛ وتشير بعض الأبحاث إلى أن العلاقات التوجيهية الطبيعية هذه يمكن أن يكون لها أثر وقائي هام على الشباب (كولينز، ۱۹۸۷).
بالإضافة إلى ذلك، يشارك أكثر من ۲٫٥ مليون شاب أمريكي في برامج التوجيه التطوعي المدرسية أو المجتمعية كل عام، وهذا العدد في ازدياد بمعدل لم يسبق له مثيل. وما زال عدد متنام من الأطفال يكون روابط توجيهية غير رسمية مع الراشدين الذين يوفرون لهم الرعاية في مدارسهم ومجموعاتهم ومجتمعاتهم. في الوقت نفسه، هناك بعض المخاوف من أن هذه الأنواع الأخيرة من العلاقات أقل انتشارًا مما كانت عليه في الماضي، كما أن انتشار الخدمات الإنسانية المهنية على مدار الثلاثين عاما الماضية قد أعاق نمو العلاقات التوجيهية غير الرسمية، وعلى وجه الخصوص، أدى تزايد تقلد الوظائف المهنية في هذه المجالات بالعديد من الراشدين إلى الشك في قدرتهم الجماعية على توفير الرعاية فامتنعوا عن الإرشاد والدعم نتيجة الاعتقاد الخاطئ بأن قطاع الخدمات الاجتماعية سيوفر برامج تدخل تستوعب تراخيهم عن أداء وظائفهم مكنايت، 1995 ، 9-10). إن تغيير أنماط العائلة والزواج والتوظيف والمدارس المكتظة والمجتمعات الأقل تماسكًا قد قلل بشكل كبير من وجود الراشدين المهتمين في حياة الشباب( إكلز وغروتمان ۲۰۰۲ ؛ بوتنام ،۲۰۰۰). يضعف تماسك النسيج الاجتماعي في المراكز الحضرية؛ وهي تفتقر لحد كبير إلى الراشدين بالطبقة الوسطى الذين كانوا ذات يوم شخصيات محترمة في المجتمع (أندرسون، ۱۹۹۹).
تحظى البرامج التوجيهية بتأييد متزايد بصفتها وسيلة لتدارك تراجع توفر دعم وتوجيه الراشدين في حياة الشباب )جروسمان وتيرني ۱۹۹۸ ؛ رودز، ۲۰۰۲). وعلى الرغم من اختلاف البنية والأهداف بشكل كبير، فإنّ التركيز قد يكون على الرفقة في بعض الحالات أو على المهارات الأكاديمية أو التطور الوظيفي في حالات أخرى أو على تنمية الشخصية في حالات غيرها - وتتميز جميع برامج التوجيه الرسمية باجتماعات منتظمة بين الموجه والشخص المستفيد من التوجيه وبتكوين علاقة بينهما يشير عدد متزايد من التقييمات إلى أن العلاقات التوجيهية التطوعية يمكن أن تؤثر إيجابيا على مجموعة من النتائج، بما فيها تحسين العلاقات بين الأقران والعلاقة مع الأبوين، والتحصيل الأكاديمي، ومفهوم الذات، والسلوك (أسلتين ودوبري ولاملين ،۲۰۰۰؛ دوبوا وهولواي وفالنتاين وكوبر، ۲۰۰۲؛ جروسمان وتيرني، ۱۹۹۸). ولكن كما هو الحال مع العلاقات الأخرى، يمكن أن تختلف علاقات توجيه الشباب من حيث مستوى القرب وطول المدة بطرق تؤثر على فاعلية هذه العلاقات. وفي حين يمكن لبعض العلاقات التوجيهية أن تكون مؤثرة بشكل استثنائي، فغيرها قد يكون تأثيره هامشيًا أو يكون غير مرض وحتى مؤذ.
إحدى الخطوات التي تمت إزالتها من توفير أحد الأصول أو الدعائم مباشرة لفرد شاب هي تقديم الدعم أو الأصل إلى أحد أبويه أو ولي أمره. هنا مرة أخرى، يمكن أن يتم هذا بشكل رسمي أو غير رسمي. وكما هو الحال مع توجيه الشاب بواسطة أحد أفراد العائلة الممتدة أو أحد الجيران، يمكن أن نتوقع أن العديد من الآباء سيتلقون التوجيه والنصح والدعم التربية الأطفال من عائلاتهم الممتدة أو من الحي السكني في الواقع، إن العديد من المجتمعات تتمتع بما يسمى المساعدين الطبيعيين المعروفين بقدرتهم على حل المشاكل( باترسون، ۱۹۷۷؛ باترسون و برینان، ۱۹۸۳)، ولن يكون من المفاجئ إن كانت مشاكل أحد الجيران تتعلق بالأبوة والأمومة وتنشئة الأطفال.
رسميا، يوجد أفراد ومؤسسات تقدم هذه الأنواع من الخدمات وغيرها للأبوين على أساس أكثر احترافية. توفر العديد من المجتمعات فصولاً لتعليم التربية للأبوين، ومجموعات المساعدة الذاتية، وخبرات إثراء العائلة علاوة على ذلك، توفر بعض المجتمعات خدمات رعاية الأطفال، سواء على أساس طارئ أو كمساعدة منتظمة للعائلات (انظر: رولكيبارتين وسكيلز ورولكيبارتين وروود ،۲۰۰۲). أخيرًا، وفي دراسة أجرتها مؤسسة «كاون آند كاون» عام ۲۰۰۲ ، قدم المعالجون المحترفون للأزواج تدريبا يركز إما على مهارات الأبوة والأمومة أو الزواج؛ وبالمقارنة مع مجموعة ضابطة لم تتلق التدريب، وجد أن لهذا التدريب أثرًا إيجابيا على الأداء الأكاديمي للأطفال وعلى مهاراتهم الاجتماعية.
في النهاية، توجد أنشطة يمكن للراشدين أداؤها ولا تشتمل على تواصل مباشر مع الشباب لكن من شأنها الإسهام في التنمية الشبابية الإيجابية بالمجتمع. تتضمن هذه الأنشطة في العموم إجراءات تؤثر على المجتمع ككل، بداية من سلوك الراشد بطرق ملائمة ومرغوبة اجتماعيا. وقد ظهرت أهمية هذا النوع من الجهود مؤخرًا في سلسلة أبحاث أجراها سيالديني وزملاؤه عن المعايير الاجتماعية، ولا سيما المعايير الزجرية التي تحدد الأفعال المقبولة اجتماعيا وتلك المرفوضة منها. في العديد من الدراسات التي تتقصى المعايير الزجرية في مكافحة رمي القمامة بالشارع اكتشف هؤلاء الباحثون أن إبراز معيار من المعايير (مثل نموذج الشخص يلتقط قطعة من القمامة )كان له أثر مهم على سلوك المراقب لهذا النموذج في رمي القمامة (كالغرين ورينو وسيالديني، 2000). وبالتالي، يكون الراشد الذي يتصرف بطريقة مسؤولة اجتماعيا ومتوافقة مع معايير المجتمع بمثابة القدوة وتذكير قوي للشباب ليحذوا حذوه.
بشكل أكثر رسمية، يمكن أن ينشئ الراشد أو مجموعة من الراشدين برنامجا أو مؤسسة مخصصة لشباب المجتمع، أو يدعم بفاعلية السياسات العامة التي تعود بالنفع على شباب المجتمع، أو يصوّت وحسب لصالح سياسات المرشحين الصديقة للشباب. على سبيل المثال، قدم المجلس الوطني لشبكة المنظمات الشبابية الأمريكية البرامج والمساعدة للعاملين الذين يقدمون العون للشباب في إيجاد حلول للتحديات التي يواجهونها. وهذا المسعى ينشئ شراكات مع الشركات والمؤسسات ومنظومة الإرشاد التعاوني وغيرها من المنظمات التعبئة الموارد مثل (التدريب والمناهج والمساعدة الفنية، ومنتديات الشباب) ويوظف مجموعة متنوعة من الأساليب( أنشطة خدمة المجتمع ،الأندية، وبرامج الإثراء) بهدف التنمية الشبابية بوصفهم أفرادا ومواطنين مسؤولين ومنتجين( ليرنر، ۲۰۰۲).
إجمالا، تتنوع وتتعدد الأنشطة التي يمكن للراشدين المشاركة بها والتي من شأنها أن تخدم فئة الشباب بالمجتمع وتمثل تنمية إيجابية لهذه الفئة. يمكن أن تشمل إجراءات الراشدين الاتصال المباشر أو غير المباشر مع الشاب، ويمكن أداؤها بشكل رسمي أو غير رسمي. بالإضافة إلى ذلك، وإلى جانب مجموعة الأنشطة المتنوعة من المهم استمرار واستدامة هذه الإجراءات على مدار الوقت؛ وهذا هو الحال عموما مع أنشطة التنمية الشبابية الإيجابية ذات الطابع الرسمي والمباشر، حيث المتوقع فيها أن يقدم الموجه أو قائد الشباب المتطوع خدماته على مر الزمان، ومن المرجح أيضًا أن تكون هذه الفكرة مهمة لفئات الأنشطة الأخرى. ولعل الأهم من سياق محدد هو أنه تزداد احتمالات تحقيق التنمية الشبابية الإيجابية إذا أجريت كل هذه الأنشطة في مجتمع من المجتمعات وعلى نطاق ممتد. تكشف تحليلات إطار العمل المتعلق بالأصول التنموية الأربعين عن أن النتائج المرجوة (مثل: انخفاض معدلات السلوكات المحفوفة بالمخاطر وارتفاع معدلات السلوكات الإنمائية) مرتبطة إيجابيا بعدد الأصول في حياة الشباب (ليفيرت و آخرون ۱۹۹۸ ؛ سکیلز و آخرون ،۲۰۰۰). وهذا النوع من التركيز المجتمعي هو الأساس لفكرة ميثاق الشباب الذي يعتبر إجماعًا على التوقعات الواضحة المشتركة بين الأشخاص المهمين في حياة الشاب والتي يتم إيصالها إلى الشاب بطرق متعددة (دامون وجريجوري، ۲۰۰۳ ، ص ٥٥). يحدد ميثاق الشباب، الذي ينشأ عن مناقشات تدور رحاها في المجتمع، مواقع التربية الأخلاقية للشباب بالمجتمع.
الكتاب بين أيديكم
حتى هذه النقطة، عرضنا نظرة شاملة على أهداف التنمية الشبابية الإيجابية وعلى أنواع الأنشطة التي يمكن أن يشارك بها الكبار لتحقيق هذه الأهداف. علاوة على ذلك، فقد رأينا أن هناك دلائل تشير إلى أن عدد الراشدين الذين يشاركون في هذه الأنشطة أقل من المطلوب: يبدو أن عددًا أكبر من الشباب يمكنهم الاستفادة من العلاقة التوجيهية أكثر من الذين يخوضون حاليا هذا النوع من العلاقات ويتوافر عدد أقل من الراشدين في المجتمع ممن يمكنهم العمل كموجهين غير رسميين؛ كما توجد فجوة بين المعتقدات والأفعال فيما يخص أطفال الأشخاص الآخرين. السؤال المقرر تناوله بالدراسة في هذا الكتاب هو: كيف يمكننا تشجيع الراشدين بأكثر الطرق فاعلية، على الصعيدين الفردي والجماعي، لتحفيز السلوك بمسلك مختلف فيما يخص فئة الشباب بالمجتمع وبوتيرة متسقة وبطرق متنوعة ؟
بالجمع بين فصول هذا الكتاب، فإنها تتعمق بإسهاب في وسائل تهيئة نوع من الحراك الاجتماعي من أجل التنمية الشبابية الإيجابية. يمكن رؤية هذا الجانب من تهيئة الراشدين من أجل تنمية شبابية إيجابية في مفهوم مواثيق الشباب المذكور سابقا، حيث إن كل مجتمع سينشئ شراكات بين مختلف شرائح المجتمع من أجل تطوير إطار عمل للتنمية السليمة (دامون، ۱۹۹۷). وأنواع التغيير موضع الدراسة، بوصف التغيير حراكا اجتماعيا، سوف يحدث تقريبا على كافة مستويات وميادين المجتمع لدى الأشخاص الراشدين والأحياء السكنية؛ بين مجموعات الراشدين الآخرين على المستوى المحلي، بما فيها أماكن العمل والمؤسسات الدينية والمؤسسات التعليمية؛ وفي المجتمعات المحلية وعلى مستوى المجتمع الأكبر والمجتمع العالمي.
وفقا لذلك، فإن جميع المؤلفين المشاركين في هذا الكتاب يتمتعون بالخبرة في التغيير على مستوى واحد أو أكثر من هذه المستويات بالمجتمع، وقد طلب منهم تطبيق هذه الخبرة على مسألة تهيئة الراشدين من أجل التنمية الشبابية الإيجابية في الوقت نفسه، تنبغي معرفة أن العديد من هؤلاء المؤلفين لا يجرون أبحاثا عن التنمية الشبابية إنما طلبت مشاركتهم هنا بسبب إلمامهم ببعض جوانب تشجيع الراشدين على المشاركة في خدمة المجتمع. إيضاحا لخطة هذا الكتاب، دعونا نتخيل موظفا عاملا في مجال التنمية الشبابية على متن طائرة، يجد نفسه جالسا بجانب شخص يتمتع بالخبرة في مجال تهيئة الراشدين. بعد أن يعبر العامل في مجال التنمية الشبابية عن شواغله - الوضع الحالي لتنمية الشباب والوضع المرجو في المستقبل والانتقال من الحاضر إلى المستقبل - يطلب العامل رأي الخبير في الوصول إلى هذا المستقبل المرجو. بمعنى آخر، نحن نحاول من هذا الكتاب أن نوثق بعضًا من أفضل الأفكار في موضوع تهيئة الراشدين أو تغييرهم، ومن ثم تطبيق هذه الأفكار على المسألة المحددة المتمثلة في تهيئة الراشدين لتقديم مساهمة فعالة في التنمية السليمة للأطفال والمراهقين.
هذا الكتاب معني في الأساس بتطبيق مفردات فهم التأثير الاجتماعي على الهدف المتمثل في تضييق الفجوة بين المعتقدات التي تدعم التنمية الشبابية والسلوك الذي يعزز هذه التنمية عن قصد. تساهم جميع فصول هذا الكتاب بطريقة أو بأخرى في هذا الهدف، إما عن طريق مناقشة مبادئ واستراتيجيات أساسية للتأثير والتهيئة، أو عن طريق تحليل بعض القوى الشخصية أو الاجتماعية التي يمكن الاستفادة منها لتحفيز مشاركة الراشدين أو معالجة بعض العقبات التي تحول دون هذه المشاركة أو كليهما، أو عن طريق النظر في الفرص والعوائق لدى الشباب الذين يعتبرون الهدف النهائي لكل هذه الجهود، أو عن طريق التفكير بجهود عملية لتشجيع الراشدين على المزيد من المشاركة في حياة الشباب.
بعبارة أخرى، نعتقد أن الجهود المبذولة لتهيئة الراشدين لتنمية الشباب يمكن أن تستفيد من فهم أكبر لما يلي:
- .استراتيجيات التأثير الاجتماعي والاستراتيجيات التي يمكن تطبيقها على مختلف مستويات المجتمع .
- أهداف الراشدين من هذا التأثير الاجتماعي .
- طبيعة العمل الذي سيطلب من الراشدين أداؤه أي ما يفترض أن يقوم به الكبار مع الشباب)،
- والجهود السابقة لتهيئة الراشدين.
