القائمة الرئيسية

كتاب كسب الثقة

كتاب كسب الثقة
ملخص الكتاب

يتناول الفصل الأول من الكتاب تحديات التعليم العالي في الجامعات الأمريكية، مشيرًا إلى تراجع الثقة في كفاءة النظام التعليمي بسبب تصاعد الأسئلة حول فعاليته في تلبية احتياجات الطلاب والمجتمع. يركز الفصل على تأثير ارتفاع التكاليف الجامعية ويطرح ضرورة إعادة التفكير في كيفية تخصيص الموارد بشكل أفضل لتحسين جودة التعليم. كما يناقش تحول الجامعات من التركيز على التدريس إلى البحث الأكاديمي كمقياس أساسي للنجاح، وهو ما أثر على جودة التعليم. ويعرض الكتاب أيضًا أهمية الحفاظ على الاستقلالية الأكاديمية والحرية الفكرية كأساس للحفاظ على هوية الجامعات وقيمها الأكاديمية في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية.

تراجع الثقة

يبقى النموذج الأمريكي للتعليم الجامعي من أكثر النماذج شهرة وأكثرها تقليدا في العالم، ومع ذلك، معاز الت الكليات والجامعات الأمريكية تشعر بقلق كبير نتيجة لتقلص الفرص وانخفاض القدرات، وهناك تساؤلات مهمة مطروحة. التعلق بجودة التعليم والمضمون وبتكاليف الكليات والجامعات داخل وخارج التعليم الأكاديمي على حد سواء. لا تمثل تلك الكلمات هجوما على الأكاديميات بل هي أقرب إلى صوت عميق من الداخل - من 19 باحثا ومراقبا من التعليم العالي كنت أنا من بينهم في اجتماع العقد ية ربيع عام 1908 هو الاجتماع التمهيدي الاجتماع المائدة المستديرة للتعليم العالي وبالرغم من ظهور معارضات شديدة وتضارب في الآراء، إلا أن المحادثات كانت مفعمة بالحيوية، وكان هناك إجماع على أن الجامعات والكليات الأمريكية قد تكون جيدة، إلا أنها من الممكن أن تكون أفضل بكثير. ولأن العالم بتغير فإنه يمكن للأخطار المستقيلية أن تحيط بما يبدو جيدا في الوقت الراهن، ربما يكون بيتر در اكر Peter Drunker قد نعم المسألة حينما قال إن الجامعات ستبدو كالخرائب في أثناء 30 عاما، لكن التعليم العالي لن يستمر بأخذ قيمه وامتيازاته بوصفها مسألة مسلّم بها إن الاستسلام إلى فكرة جيدة بما يكفي سيؤدي إلى تراجع ثقة الشعب الأمريكي بالتعليم العالي، ويضع المؤسسات التعليمية في منطقة الخطر. فإن الشعب الأمريكي يصف التعليم العالي بعد مرور 15 عاما على نبوءة ""دراكر"" بأنه على درجة عالية من الجودة وفي الحقيقة، إنه أفضل بكثير من المدارس الابتدائية والثانوية، ولكنه بالكاد يكون ممتازا تقول الدراسات إن جذب أفضل المدرسين والباحثين والتأكيد على عمل الطلاب الجاد لنيل أفضل المعايير الأكاديمية، يمثلان أهم أهداف المشروع التعليمي. وعند السؤال عما يجب القيام به من أجل تحسين الجامعات والكليات، أكدت الإجابات على الأهمية البالغة لتطوير الكفاية وتخفيض الأسعار، والأمر الجدير بالملاحظة هو أن نسبة الذين يشعرون بعدم جدوى التعليم العالي تزداد بحسب مستوى الدرجات العلمية المحققة، وبكلمات أخرى، الألفة مع الأكاديمية. وفي حين لا تكون مثل هذه الآراء أزمات للتعليم العالي في أمريكا، فإنه لا يجب استخدامها لتبرير هذا الرضا الذاتي، فلم تعد الكليات والجامعات الحكومية تكون هيبة في النفوس، بل أصبح ينظر إليها على أنها مجرد نشاط آخر يحتوي على عناصر جيدة وسيئة من الأداء، ربما تكون الكلية هي تذكرة الدخول إلى الحياة الجيدة، ولكن فوائدها فيما يخص الديمقراطية والثقافة لم تعد تكون أولوية بالنسبة إلى جيوب الناس، وينظر إلى التعليم العالي على أنه ذو منافع خاصة وليست عامة على نحو متزايد : فهو مهم جدا للذين حصلوا عليه، ولكنه شيء يستطيع معظم الموظفين الحكوميين الحصول عليه بوصفه مسألة مسلما بها. ويستطيع المرء كمنفعة خاصة أن يثبت أن الأرباح الاقتصادية، التي تمنحها الكلية للأشخاص، هي كافية للتعويض عن أقساط التعليم ورسومه، حتى لو كانت التكاليف أعلى مما يجب، ولا عجب إذا أن للتعليم العالي أصغر حصة من نفقات الناس أو المؤسسات التي هي عادة أهم مصدر تقليدي لدعم التطور المؤسساتي، إن هذه الدلالات لا تعني أن الكليات والجامعات هي في طريقها إلى أن تصبح أطلالا، بل إنها تشير إلى تراجع في المستويات السابقة للثقة العالية التي كانت تتمتع بها تلك المؤسسات التعليمية. من المنطقي أن يتساءل المرء هل كان الأداء بدرجة ، كاف لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين إن المعرفة الاقتصادية تتطلب متطلبات ضخمة من القوى العاملة الأمريكية، وهذا يمكن أن يزداد فقط عندما تقوم الشعوب الأخرى ببناء خبرة وكفاءة تقنية منافسة في هذا المضمار، وتصبح المسائل السياسية والاجتماعية معقدة أكثر من ذي قبل، مثل مسائل علم الأخلاق التنظيمي، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، وأخيرا الإرهاب الدولي، إن مثل هذه المسائل تتطلب مداولات ومشاورات عميقة، وليس مجرد ملاحقة سريعة من أجل المبدأ أو المتعة الشخصية، وتصبح القيمة الذاتية والقضايا التي تتعلق بطبيعة الحياة معقدة على نحو مشابه مع تزايد الخيارات المتاحة على نحو سريع، وتهيمن فوق كل هذه الأمور هذه الحقيقة الساحقة: إن كل ما يتعلمه المرة داخل أسوار الجامعة ما هو إلا نقطة البداية بالنسبة إلى الأمور التي سيتعلمها على طول دروب الحياة. يجب على الطلاب أن يتعلموا مهارات اكتشاف الحقائق وحل مختلف المسائل إضافة إلى إتقان مجالات معينة من المعرفة، فهل يقدم الأداء بدرجة B النتائج المطلوبة؟ 

 

يبقى الوصول إلى المجموعات الضعيفة ماديا هو الأولوية الرئيسة للكليات والجامعات بالنسبة إلى المؤسسات الفاعلة في هذا المجال وبالنسبة إلى عدد من المرشحين السياسيين، إن حلول مشكلة الوصول تكمن، على نحو أساسي، في الظروف المالية: كيفية تقديم الإعانة للطلاب الفقراء بحيث يستطيعون في النهاية المشاركة في الأرباح الاقتصادية المترافقة مع الشهادة الجامعية، ولكن عندما تقوم حقيقة الوصول بتحسين العدالة الاجتماعية، فإن بإمكان المرء أن يتساءل على نحو منطقي الوصول إلى ماذا؟ إن معدلات التناقص عالية على نحو ينذر بالخطر، والشواهد توحي بأن جامعات عديدة لا تفهم بدقة احتياجات الطلاب الفقراء، وهذا بالتأكيد توضيح آخر للأداء بدرجة.

يتبنى هذا الكتاب وجهة النظر التي تقول إن بإمكان الكليات والجامعات أن تصبح أفضل مما هي عليه، وإن بإمكان المستوى المقبول بدرجة 13» أن يتحول إلى ممتاز أو ا متينة دون إدخال عناصر جديدة وضخمة من التمويل، فالقضية بمظهرها الخارجي هي على النحو الآتي: ارتفعت معدلات المشاركة، ولكن الجامعات لم تحتضن على نحو كامل الاحتياجات والكفاءات التعليمية لكياناتها الواسعة، فالسلوك المؤسساتي أصبح محكوما بالسوق على نحو أكبر، ولكن السوق عادة يكافئ الجامعات ذوات السمعة والمكانة العاليتين. فهو لا يحكم على الجودة الحقيقية للتعليم، ولهذا يقدم أصحاب السوق مجموعة حوافز غير ملائمة. إن صناع السياسة لا يفهمون السلوك الاقتصادي للجامعات، والجامعات نفسها لا تعرف إلا القليل عن تكاليفها وعن درجة الإعانات المالية الحكومية للبرامج. وتحتاج الهيئات التدريسية إلى ضرورة فهم جودة التعليم وكيفية تقديمه بمستويات كلفة مثالية، فهم لا يعرفون كيف يقيسون تلك المستويات، ثم إن نظام الحوافز لديهم لا يشجع الجهود المبذولة كي تتقدم وتتطور، وأخيرا، فإن التقنية تعطل الوضع الراهن، وذلك بتغيير كل شيء من إنتاج التعليم إلى مجال المنافسة وشدتها. وسوف تجري مناقشة كل من هذه الموضوعات إضافة إلى عدة موضوعات جانبية، وذلك في الفصول اللاحقة. ويستطيع المرء بالتحقق من الأسباب الرئيسة للمشكلة أن يرى كيفية القيام بتطوير جودة التعليم وضبط النفقات.

يفكر المرء في الجامعات على أنها مؤسسات متميزة في التعليم العالي وفي البحث والمعرفة والخدمة الحكومية، ومع ذلك، فإن هناك سبيا يدعو إلى الشك في حقيقة الكفاية الجامعية في التعليم، فمثل هذه الكفاية تعنى القدرة على إيصال أفضل التعليم الممكن واستثمار الموارد المتوافرة. وهذا الكتاب يبرهن بأن الكليات والجامعات ليست كلها على المستوى المطلوب، وأنها تستطيع تحسين جودة التعليم دون إنفاق المزيد ودون إضعاف مشروعات البحث أو الحط من القيم الأكاديمية الأساسية. وعنوان هذا الكتاب يؤكد أن الفجوة تعبر عن خلل بالثقة التي تحتاج إلى إصلاح.

يركز هذا الكتاب على المرحلة التعليمية الجامعية بالرغم من أن أفكاره تنطبق أيضا على برامج التخصص وبرامج الماجستير. ويبين القسم الأول كيف أن بيئة التعليم العالي والسياسات الجامعية أدت إلى عجز في الكفاءات التعليمية، وكيف يعزز هذا العجز الحالة الراهنة. سوف نستعرض الوضع الأكاديمي في العالم الحديث، وتحلل الجامعات بوصفها مشروعات اقتصادية، وسنأخذ بالحسبان كيفية تفسير المعلومات المهمة والمبهمة المتعلقة بالتكاليف والمعونات المالية، وسنقوم بتقويم التوتر القائم بين عمليتي التدريس والقيام بالبحث العلمي، ثم إننا سنأخذ بالحسبان أيضا التأثير المثير للفوضى التقانة المعلومات.

ويقدم القسم الثاني البرنامج العملي لتطوير جودة التعليم ومنها النفقات سنوجه العملية بحيث يجري تطوير الجامعات والكليات، وبحيث تضمن تقديم النوعية الجيدة من التدريس، كما نضمن القيام بتبني تقنية التغيير النموذجي، وإدخال المنهجيات إلى تحليل النفقات واستيعابها، لتتخيل ما كان يمكن إنجازه على نحو أكبر لو جرى تنفيذ مثل هذا البرنامج للمساهمة في إثبات وجود عجز في الكفاية.

ويلخص الفصل الأخير توصيات جدول الأعمال ما الذي يستطيع رؤساء الأكاديميات وأعضاء المجالس عمله لإعادة بناء الكفاءات الجامعية الحقيقية. أنا أعرف المصاعب التي من الممكن أن يواجهها المعنيون فقد واجهت مثل هذه الصعوبات بنفسي، وعلى كل حال. فإن المكاسب المتوقعة تجعل ذلك العمل الشاق يستحق ما يبذل فيه من جهد وكلي أمل أن يتمكن هذا الكتاب من تشجيع أولئك الذين يتمنون أخذ تلك المهمة على عاتقهم وتوجيههم. كان بإمكاني كتابة ملحوظاتي المتعلقة بنفقات التعليم العالي منذ عدة سنين مضت. ولكني انتظرت حتى استطعت أن أدرج توصيات واضحة بشأن النهج الواجب اتباعه. إن عشر سنوات من البحث وتقديم الاستشارة وتبني مسؤولية تنفيذ الإصلاحات تستند إلى عشرين عاما من الوظيفة الجامعية إضافة إلى سنوات سابقة من الخبرة في العمل أستاذا قد ساعدتني في التوصل إلى هذه النتائج، والأمر الذي لم أستطع التنبؤ به هو درجة التغيير الذي حصل نتيجة المنافسة وثورة تقنية المعلومات، مما زاد من ضرورة ما أحاول قوله وطرحه.

تساؤلات عن الكفاية

إن نظرة متمعنة تكشف الكفاية الحقيقية للجامعة التقليدية، التي تتجلى في إيجاد المعرفة ونشرها، وليس القيام بتعليم الطلاب ضمن أعلى درجة ممكنة من الجودة في ظل توافر الموارد يقوم الأساتذة بإجراء البحث المعرفي لجعل الطلاب يحصلون على المعرفة، ولكن معظمهم يصرف وقتاً ضئيلا في عمليات التعليم والتعلم، فهم لا يقومون بالتركيز على نحو كاف على احتياجات الطالب أو على محيطه السابق وأساليب التعلم السابقة التي كان قد حصل عليها، وهم لا ينظرون بعمق إلى تقويم نتائج التعليم، ثم إنهم لا يحاولون استخدام عمليات قليلة الكلفة بدلا من العمليات ذات الكلفة المرتفعة المترافقة بالجودة، إن الكفاية الحقيقية في التعليم يجب أن تتضمن جميع هذه الأمور. والجامعات التقليدية لا تمتلك إلا عنصرًا واحدا فقط من عناصر الكفاية التعليمية في حين تفتقر إلى عناصر عدة أخرى.

إن كفاية ذات بعد واحد بدت كافية حتى عهد قريب فأولا ، لقد وضع ازدهار الأبحاث في المدة التي تبعث الحرب العالمية الثانية الإبداع المعرفي على المنصة، وهذا الأمر لم ينطبق على الأبحاث التابعة لمائة جامعة حكومية رئيسة فقط، بل شمل أيضا جميع الجامعات التي تتطلب الدراسة فيها مدة أربع سنوات. وقد أصبح إحراز المكانة الأكاديمية والوعي المتعلق بجودة التعليم يعتمد على القيام بالأبحاث، ما أدى إلى ارتفاع الكلفة وتراجع جهود التدريس من قبل الهيئة التدريسية، لكن المؤسسات الاحتكارية المحلية التي استفادت من الكليات والجامعات، وصعوبة قياس القيمة التعليمية المقدمة حمت الأساتذة والجامعات من تحمل عاقبة أعمالهم واعتمدت أعداد المتقدمين إلى الجامعات على سمعة ومكانة تلك الجامعات، كما اعتمد إحراز المكانة على القيام بالأبحاث، واعتمدت أعمال الهيئات التدريسية أيضا على القيام بالأبحاث، كما هو حال القسم الأعظم من التمويل المؤسساتي، حتى إن التمويل كان يقدم باسم التعليم. لماذا النظر إذا إلى ما هو أبعد من المحتوى في ظل مثل هذه الظروف؟

قدمت صعوبة إدراك بدائل سببا آخر لتعريف المحتوى على أنه مرادف للكفاية التعليمية، لم تكن هناك مراسم نظامية لتأكيد وتحسين جودة التعليم. كان ينظر إلى التدريس المتميز بصورة رئيسة بحسب الأداء داخل غرفة الصف الأمر الذي يمكن دحضه بالقول: إن بعض الأساتذة يملكون موهبة قوية أكثر من غيرهم، وكان من المعتقد أن مثل هذه الموهبة نقل أهمية عن المعرفة بمحتوى المادة والقدرة على نشرها، ومن الممكن بالطبع القيام ببعض الجهد لتطوير تلك الموهبة وفضلا عن ذلك، فإنه قد جرى استخدام الأساليب التقليدية في التدريس العقود أو قرون مضت. واعتقد الناس، بعيدا عن الحث على البحث أن الطريقة الوحيدة لتعزيز جودة التعليم كانت في تحسين نسبة الطلاب الجامعيين وزيادة الإنفاق على الأعمال التي تدعم التعليم، في حين استطاع البعض فقط من تخيل حدوث ابتكارات مغايرة للنموذج الأصلي.

ظهر نوع من الاستياء لبعض الوقت حيال النموذج التقليدي ولكن التقدم في تقانة المعلومات وضمان الجودة قد دفع الأمور إلى الغليان فالتقنية تقدم العديد من الخيارات الجديدة، ومعرفة المحتوى ليست كافية ليجري اختيارها من بين تلك الخيارات، وبدلا من ذلك، علينا أن نفهم عملية تعلم الطالب وكيف تحقق اقتصادا في النفقات، وهناك عملية تقدير درجة تعلم الطالب التي تحتل مكانة مهمة، فربما بسبب غياب المعلومات المتعلقة بهذا الشأن فإن التغيير التقني قد يسبب ضررا بالغا دون أن تنتبه لذلك، فالتقدير الجيد يعتمد على القرارات الواضحة التي يجب إيصالها عن طريق تفهم احتياجات الطالب والمتعلقة بالأهداف. وبكلمات أخرى، فإن تصميم تقنية تغيير النموذج السائد وتطبيقها يتطلب أصولا تعليمية جيدة ومتطورة إضافة إلى نظم الإدارة النفقات ومعرفة بالمحتوى ومهارة فائقة في استخدام التقنية. برزت منهجيات ضمان الجودة مع ارتفاع مستويات المشاركة وظهور طاقات لتحسين قيمة التعليم من أجل المال ولكن خارج أمريكا غالبا، فلم يعرف العديد من مثل هذه الابتكارات في هذا المجال داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي جرت مناقشته با نفتاح متزايد في الاجتماعات الدولية المتعلقة بجودة التعليم. وقامت أمريكا بمشاركات عديدة وذلك قبل ابتكار مثل هذه النظم. وقد أصبح لدينا مثل كل المبدعين الناجحين اكتفاء ذاتي بإنجازاتنا. وعلى كل حال، فإن موجة جديدة تكتسح العالم، وبوصفها نظما جديدة تثبت نفسها، فإن الطلاب الواعدين ومقومى الجودة الدوليين من الدول الخارجية. سيطلبون من الجامعات الأمريكية القيام بدعم مطالبهم المتعلقة بالجودة بالبيانات والحقائق بدلا من السمعة.

ويبدو أن الجامعات الأمريكية لا تقوم حتى الآن بتصدير خدمات التعليم العالي إلى الخارج؛ إذ تشتد المنافسة بوجه خاص في القسم الجنوبي الشرقي من قارة آسيا الذي أصبح يسيطر على 60% من السوق في السنوات الأخيرة، فمثلا ، تطلق 90% من الجامعات الأسترالية نحو 500 برنامجا خارجيا وخصوصا في الصين، واليابان، وماليزيا وسنغافورة، وفيتنام، كما تسجل أستراليا تزايدا هائلا في عدد طلابها الأجانب، حيث يكون عدد الطلاب القادمين من أمريكا وكندا نسبة كبيرة.

وتقوم الباحثة روزا بيت موس كانتور Rosabeth Moss Cantor بتلخيص المشكلة على النحو الآتي: 

يبدأ الاقتصاد العالمي في تحريك القوى التي تنقل القوة إلى المستهلكين. إن القدرة على تجاوز المؤسسات بسبب الخيارات الجديدة في الخارج والتقنية تعني أن الأشخاص المسيطرين الذين كانوا يقومون بالاحتكار، أخذوا يفقدون القوة. ربما لا تكون السيطرة التقليدية الأمريكية على التعليم في خطر مباشر، لكن نظرا إلى الاقتصاد الجديد فإن جامعاتنا لا تستطيع المضى بالارتكاز على مجدها القديم. هناك معنيان تحملهما الصور المستعملة في نظام الكتابة الصينية لكلمة ، أزمة. مشكلة، وفرصة إن تلازم المشكلة مع الفرصة على نحو ملائم هو ما يميز التعليم العالي الأمريكي في بداية القرن الواحد والعشرين، فالتعليم العالي في الولايات المتحدة لم يصل بعد إلى مرحلة الأزمة، ولكن الفشل في مواكبة كل الأمور قد يجره إلى ذلك الوضع فبالرغم من وجود بعض المشكلات الخطرة، إلا أن هناك بعض الفرص الحقيقية. والقيام بسد الثغرات التعليمية المتعلقة بالكفاية يمثل الفرصة الكبرى.

أصوات ناقدة

كثر هم من يتذكرون بداية تكون الشك بشأن الكفاية الحقيقية للتعليم الأكاديمي. فعلى سبيل المثال، صرح حكام الولايات عام 1986 أن خريجي الجامعات ليسوا بنفس المستوى التعليمي الذي كان عليه الخريجون في العقود الماضية، قامت جمعية الكليات الأمريكية بنشر تصريح مؤثر تحت عنوان الكمال في منهاج الكلية. ذكرت فيه أن الكليات والجامعات الأمريكية لم تعد تتمسك بأهدافها ورسالاتها، وذلك لأن تقيد الكليات بالقواعد الأكاديمية أقوى من اهتمامها بالتدريس أو بكيان الجامعات التي يعملون بهاء. كما أكد الان بلوم Allan Bloom في كتابه انغلاق العقل الأمريكي، أن أعضاء الهيئة التدريسية قد تخلوا، لأسباب سياسية أو شخصية، عن دورهم بوصفهم معلمين ناصحين للطلاب . ولقد لاقى هجومه هذا تجاوبا من قبل الشعب الأمريكي وجرى بيع 80000 نسخة من هذا الكتاب.

فتح كتاب بلوم الباب على مصراعيه فقد أكد الصحفي تشارلز سايكس Charles Sykes في مقالة له: إن المدرسين قد قاموا بتخريب الجامعات التي هي مراكز للتعليم كما قام الأكاديميان بول غروس Paul Gross و نورمان ليفيت Norman Levit بالهجوم بوجه أكثر ضراوة في كتابهما المعتقد الخرافية العالي: اليسار الأكاديمي ومعاركه مع )Higher Superstition: The Academic Left And Its Quarrels With Science العلم بمناقشة فكرة عدم تحقيق المراكز التعليمية للموضوعية في التدريس وعدم مساعدتها على نيل المعرفة هذا ما أفقدها المصداقية. وبالرغم من أن هذين الكاتبين كانا من الحزب المحافظ إلا أننا نرى أن اهتمامهما العميق قد ذهب بهما إلى ما هو أبعد من السياسة .

لم تتحدد الاهتمامات الضرورية بالجودة فقط، بل شملت نفقات التعليم أيضا: فقد قام وزير التعليم ويليام بينيت William Bennett في خطابه الذي ألقاه في شهر تشرين الأول 1986 في جامعة هارفارد، بمهاجمة ارتفاع رسوم التعليم الجامعي وتعنت الجامعات في الأمور المالية قائلا : إنها قد اكتسبت سوء السمعة نتيجة التناقض بين حضها الدائم على التقشف وتمسكها بالماديات والأمور الدنيوية، وهي بذلك تشبه الكنائس القديمة. وبوجه مشابه، فإن التعليم العالي في أمريكا يرفض الاعتراف بالحقيقة الواضحة الدالة بوجه عام على أنه باهظ، وزيادة على ذلك، في ترديد المخاوف نقاد الجودة، فإن دفع المزيد من المال يتيح الفرصة لعدد كبير من الأشخاص في الجامعات لتجنب القيام بأعمال أخرى، أي رفض القيام بتدريس عدد كبير من الطلاب أو رفض القيام في بعض الحالات بتدريس أي طالب على الإطلاق، والبديهة التي يسلم بينيت بها تقول: بعد نقطة معينة، سيتناقص عدد المدرسين المتميزين كلما ازداد الطلب على المال.

ونتيجة للأدلة المتجمعة، فقد خلص اجتماع المائدة المستديرة، إلى النتيجة الآتية: على الجامعات والكليات الأمريكية أن تقوم بتوظيف الاستثمارات المالية في موضوع مراقية الجودة . ولأننا أخذنا بالحسيان الطلاب غير التقليديين، فإننا نقول: إنه يجب على المؤسسات التعليمية أن تبذل المزيد من الجهد لتعديل مناهجها ونظمها، لتكون في خدمة هذه الأغلبية الجديدة من طلاب العلم. لقد قمنا بوصف الكيفية التي تحل بها هذه المؤسسات مشكلاتها عن طريق توسيع نطاق أعمال فريق عملها، ونعني بذلك الشبكة الإدارية) ، وكيف يقوم الأساتذة بتبديل أوقاتهم وفقا للعمل في مجال الأبحاث ( الكماشة الأكاديمية Academic Ratchet ) . وبدلا من إلقاء اللوم على نطاق ضيق من الأشخاص.

قمنا بالتأكيد على أن القيام بالبحث المكثف هو مسؤولية كل شخصص: فالمسؤولية لا تقع على هيئة التدريس فقط، بل على المؤسسات التعليمية، وعلى الأقل، وبوجه غير مباشر على الناس الذين يعطون مكانة متقدمة للبحث والنشر على حساب فاعلية التدريس.

وتوالت الدلائل بعد ذلك فقد قام بيج سميث Page Smith، أستاذ قديم الجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وواحد من كبار مؤسسي جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز في مقالته قتل الروح / Killing The Spirit، بشجب المدرسين بشأن تجنب التدريس باسم البحث، كما قام في محاولة منه لتوجيه الاتهام بوجه أكثر تحديدا بالتأكيد على أن كفة ما هو تقليدي وعادي ( البحث) ترجح على كفة ما هو لامع وأصيل ذلك بأن البحث التقليدي والممل لا يستوجب مجرد الكلفة العالية فقط، بل هو عائق أخلاقي وروحي في المؤسسات التعليمية التي يوجد فيها، هذا ما يسبب تشوها خطراً في طبيعة الحياة الفكرية والثقافية. 

ولأن التكاليف الاقتصادية ارتفعت بوجه مشين، فقد قام ريتشارد هابر Richard Huber في مقالته كيف يقوم الأساتذة بلعب دور القطط التي تحمي القشدة How Professors Play The Cat Guarding The Cream ، بدعوة أعضاء الإدارة والهيئة التدريسية للبدء بالتفكير مليا فيما لم يفكروا فيه من قبل: كيف يجب أن تمضي الهيئة التدريسية وقتها.

ربما كانت أكثر الدلائل جدية تلك التي أتى بها هنري روسوفسكي Henry Rosovsky عميد كلية العلوم والفنون في جامعة هارفرد الذي لم يتطرق من قبل الانتقاد التعليم العالي، حيث ناقش في مقالته الجامعة دليل المالكين The University: The Owners Manual محاسن أنشطة المدرسين ومساوتها خارج نطاق التدريس كالخدمة وتقديم الاستشارة المهنية على سبيل المثال، وميل البعض للتغيب عن الجامعة بهدف البحث . ولكن اتجه بوجه غير واضح في أثناء ربيع 1991، وفي تقريره السنوي الأخير للكلية، إلى النقد فقد قال: إن عقدة المسألة هي أن كلية العلوم والآداب أصبحت مجتمعا كبيرا دون قواعد، أو لنقل: لقد قام أعضاء الكلية - بصورة فردية غالبا - بوضع قواعدهم الخاصة.. ولكنه سرعان ما فسر تصرف أعضاء الهيئة على أنه مفهوم وعقلاني تماما في ظل غياب الضوابط وزيادة على ذلك، فهو عندما يصف شعور زملائه الكبار والقدامي يقول: على الإدارة أن تتحمل معظم اللوم تحديداً بسبب عدم استعدادنا الواضح لوضع مهمات وحدود واضحة.

للنظر في هذا التقويم الأخير الذي قدمه الأستاذ دونالد كينيدي Donald Kennedy رئيس جامعة ستانفورد الحاصل على لقب أستاذ مدى الحياة لثلا يظن أحد أن هذه الانتقادات تعود لتاريخ محدد:

تزايدت حدة أصوات العامة الناقدة للتعليم العالي. إن الهجوم يأتي من مصادر مختلفة من اليسار ومن اليمين على حد سواء. إنها تبدو على شكل تنوع في الموضوعات: فشل الدراسات العلمية والسياسية في تقديم الإجابات التي تحتاجها بوجه ملح ( مثلا ، لماذا لم يصبح مرض الإيدز شيئًا من الماضي، ولماذا يكون التعليم المدرسي على هذا الوجه السيئ ؟ ) : وعدم التكافؤ في مستوى التعليم الجامعي ( لماذا لا تتمكن مدرسة مادة التفاضل والتكامل من نطق الإنكليزية بطريقة سليمة كما تفعل تلميذتها ؟) والفشل في التجاوب مع الأزمة الاقتصادية لماذا تقلص المؤسسات في كل مكان أعمالها ؟ لماذا لا تتحسن الإنتاجية في التعليم العالي ؟). لقد بتنا نشعر بالهجوم الصريح، وتراجعت الثقة في التعليم الأكاديمي.

إن الفكرة القائلة إن الأكاديميات هي نظام بلا ضوابط قد أثارت أسئلة جدية عن كفاءة التعليم. ثم إن الفوضى تهدد قدرة المؤسسات التعليمية على التلاؤم مع التغييرات الكاسحة التي تواجه الكليات والجامعات حاليا، وأصبحت الأصوات الناقدة، التي أتيت على ذكر بعض منها، كثيرة بما يكفي ومنطقية لدرجة لا يستطيع أي شخص عاقل معها القيام بتجاهلها، إذ لا دخان بلا نار، ومع ذلك، فما زال معظم الأشخاص داخل الأكاديميات لا يعترفون أنهم على خطأ، فهم يعتقدون أن هذه المشكلات ستزول بطريقة ما، فيما لو جرى التعامل مع قضيتهم بوجه أكثر فاعلية، وفيما لو أصغى الناس بوجه أفضل.

لا يمكن في الواقع أن تسير الأمور على هذا النحو؛ فالمشكلات حقيقية، وقد أصبح ينظر بوجه متزايد إلى المدافعين عن الأكاديميات على أنهم مجرد منتفعين 24. وناقش مؤتمر المائدة المستديرة تحت عنوان «النهاية إلى الملاذ » أنه من المتوقع من التعليم العالي، والمواجهة تلك المحنة، أن يشجب عدم الاعتدال في التعامل مع مثل تلك الأمور.

ونحن نتذكر، على كل حال، حسابات أخرى مختلفة - تلك التي تطالب بإعادة دراسة الافتراضات التي يعتمد عليها تطور التعليم العالي وازدهاره، ومن ثم التوقعات المأمولة من تلك الافتراضات وفرصها المتاحة 25. وببساطة، فإن إعادة عرض تلك الافتراضات بشروط أكثر قوة لم يعد يفي بالغرض، وربما يكون من المطلوب إعادة اختبار يتسم بالموضوعية والوضوح. وقالت كلارا لوفيت Clara Lovett بصفتها رئيسة لجامعة أريزونا الجنوبية في بحثها الأخير في هذا الصدد تحت عنوان تصدعات في الأساسات: هل يمكن للتعليم العالي الأمريكي أن يبقى صاحب الرقم 1"".

لقد حان الوقت للتركيز على الموارد التي لدينا ، ومن ضمنها التمويل العام للتعليم والأبحاث، والإعانات المالية، كما حان الوقت لإعادة بناء أساس نظام تعليمنا العالي على أسس مختلفة.

الجامعة الكلاسيكية

على المرء أن يبدأ بالنموذج التقليدي لفكرة الجامعة أو الكلية من أجل أن يفهم الوضع الحالي للتعليم العالي من الممكن أن يكون النموذج التقليدي الأولي قد نشأ في النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت أمريكا تتمثل نظام الجامعة الألمانية البحثية المتوافقة مع تقاليد كلية الفنون الإنكليزية، ولكن الجذور تعود إلى أبعد من ذلك. لم توجد الجامعة الكلاسيكية بوجهها الصرف أبدًا ، ولكن هناك تأثيرا عميقا للنموذج المثالي بالنسبة إلى كيفية نظر الجامعة إلى نفسها ونظرة الآخرين إليها.

الهيئة التدريسية

لن أنسى أبدا النصيحة التي تلقيتها من زميل مفكّر عندما اقترحت عليه، بصفته نائبا لرئيس جامعة ستانفورد، القيام بعمل بدا كأنه بـ يسير ضد المصلحة الشخصية للهيئة التدريسية. فقد قال ذلك الزميل: «إن أعضاء الهيئة التدريسية هم الجامعة فكيف يمكن لمثل هذا العمل أن يساعد على تعزيز الوضع الجيد للجامعة؟ بعد ذلك عملنا على حل المشكلة إلا أنه سيبقى هناك ما يذكرنا بها دائما. إن عبارة أعضاء الهيئة التدريسية هم الجامعة"".

تنبع من جوهر النموذج المثالي للجامعة الكلاسيكية. فالأساتذة ليسوا موظفين مأجورين من أجل إنجاز المهام المحددة لهم، بل هم يمثلون جوهر العملية الأكاديمية. إنهم يبتكرون ويحفظون ويصححون ويشرحون وينقلون المعرفة. إنهم يتابعون المعرفة من أجل المعرفة فقط، وهم يعدون التدريس نداءً للواجب وليس عملاً أو مهنة. وتجسد الهيئة التدريسية كل ما يعنيه أن يكون المرء مدرسا للطلاب، ولهذا فهم أعضاء في المجتمع الأكاديمي. بدأ الأمر عند تباشير عصر الجامعة مع مجموعة من الدارسين والمثقفين الذين تفاعلوا فيما بينهم وتفاعلوا مع الطلاب، ثم أتت علاقة البنية التحتية والعمل الوظيفي فيما بعد. وكذلك الأمر فيما يخص تكون الأقسام، وتنظيم المعرفة إلى قواعد وتقسيم التعليم إلى مقررات والوجه المتعارف عليه للشهادات أما الأموال وملحقاتها ، فلطالما كانت أمرا مهما بالنسبة إلى الجامعات منذ القرن الثاني عشر، ولكن في البدء كانت الهيئة التدريسية.

الطلاب

يأتي الطلاب في المرتبة اللاحقة، فالأساتذة يريدون الانتشار وتوسيع معارفهم هذا ما يتطلب استمرار تدفق المزيد من الطلاب الجدد. ويتشارك الطلاب مع الأساتذة، في الجامعة التقليدية، في الأهداف العلمية، وما عدا احتياجهم للتدريب والخبرة الذي يحدد موقعهم كطلاب، فهم مؤهلين لمتابعة تلك الأهداف. فالطلاب يجلسون تحت أقدام أساتذتهم من أجل أن ينهلوا العلم والمعرفة ومناهج الفكر المحددة بشروط المعارف الأكاديمية وليس بحسب احتياجات العالم الخارجي ( يميل الأساتذة إلى تحديد مجالاتهم المعرفية وفقًا لشروط البناء المعرفي الذي ينظرون إليه على أنه أكثر أهمية من الاحتياجات الدنيوية العابرة ) . ويصبح أفضل الطلاب أساتذة أو خبراء، في حين يستفيد الآخرون من المعرفة التي تلقوها بعد مغادرتهم للبرج العاجي. ويتوقع من جميع طلاب المؤسسات الأكاديمية أن يتصرفوا بوصفهم أكاديميين في أثناء وجودهم في الأكاديمية، أي أن يقوموا بتخصيص معظم وقتهم وجهدهم المتابعة المعرفة من أجل المعرفة فقط.

المكتبة

تمثل المكتبة العنصر الرئيس الثالث للجامعة التقليدية. وبالرغم من أن الهيئة التدريسية ( الخبراء ) ، والطلاب المتلقين يمثلون المخازن الأساسية للمعرفة إلا أن الذاكرة البشرية ليس بمقدورها القيام بتخزين كميات كبيرة من المعلومات المعرفية وتنظيمها . فمهمة المكتبة هي القيام بهذا العمل إضافة إلى احتوائها على المراجع اللازمة للوصول إلى المعلومات. وليس بإمكان المدرسين والطلاب ملاحقة أهدافهم العلمية بوجه فاعل دون وجود موقع محدد ومناسب للمكتبة.

المعرفة

برغم أن الطلاب والهيئة التدريسية والمكتبات يكونون العناصر الجوهرية للجامعة التقليدية، فإن المعرفة هي العنصر الذي يضم تلك العناصر الثلاثة مجتمعة. أخذت المعرفة قيمتها في الجامعة التقليدية لذاتها فقط، فالمعرفة هي العنصر المساعد الأكثر أهمية بالنسبة إلى التعليم، وربما ساعدت على تعزيز التعليم مثل، أو ربما أفضل من المقاربات الأخرى التي كانت موجودة في ذلك الوقت، كجعل الطلاب، على سبيل المثال يحفظون المبادئ والأفكار الجاهزة المقررة سابقًا. وتعكس المناظرات والمباحثات الكثيرة بين الأقران والأساتذة مدى فاعلية التعلم، الأمر الذي أصبحنا الآن نعرف أنه أكثر فاعلية من مجرد التلقي السلبي للحقائق والمعلومات. فالتفاعل والمواجهات المتعلقة بالمسائل المعرفية كانت هي الطريقة المثلى لدخول معترك الحياة الجامعية. ونظرا إلى القيام بمقارنة العلوم المعرفية السابقة بالبحوث الحالية، فإن الطلاب اللامعين والمتحمسين استطاعوا الوصول إلى قمة السعادة والشعور بالنشوة لتمكنهم من إيجاد المعرفة. وأخيرا، فإن التشارك في المعرفة الثقافية قد أسهم في زيادة قيمة المعرفة العلمية، حتى فيما يخص الذين لا يتابعون مهنهم كعلماء والنظر إلى شخص ما من قبل زملائه على أنه مثقف، لا يؤثر سلبا على مكانته الاجتماعية أو على ما يأمل بالحصول عليه من نجاح وازدهار من عمله.

قد يقول البعض: إن الأكاديميات قد عرفت الارتباط Relevance» وفقا لمعاييرها الخاصة ثم قامت بتصدير تلك المعايير إلى المجتمع الأوسع. وقد قبل المجتمع التعريف الأكاديمي لـ «الشخص المثقف»، ثم أغلق الحلقة وأصبح يقوم بتقويم الجامعات وفقًا لنفس المعايير. وقد استمرت هذه العملية المريحة ذات الدعم الذاتي عدة قرون حتى جرى تحديها بتخصيص البحث والمشاركة الكثيفة للطلاب في الأعوام التي تبعت الحرب العالمية الثانية، وكانت تلك العملية في وقتها تعكس صورة المعنى الحقيقي للكفاية في التعليم.

جرى تعريف الجامعات التقليدية على أنها «الأمكنة»، فهي المدينة الجامعية التي يتعلم الطلاب فيها ويقوم الأساتذة بالتدريس ومتابعة بحثهم العلمي. وتفسح المباني الجامعية المجال من أجل التأمل والتفاعل، والتجارب الآمنة المتماشية مع الأفكار والأنماط المختلفة. ومن المفترض أن تكون المدينة الجامعية مصدرا للإلهام إضافة إلى عملها الوظيفي، كالنمط القوطي والجورجي للأبنية التي جرت مشاهدتها في معظم الكليات والجامعات التقليدية. إن أفضل المباني الجامعية هي التي صممت بوجه مريح ومتقارب من بعضها بعضا، فوضع مكاتب الهيئة الإدارية ومكاتب الهيئة التدريسية على سبيل المثال، قد يقوم إما بدفع أو بعرقلة أنواع معينة من الأنشطة الفكرية. وأخيرا فإن المباني الجامعية الحالية تضم بنى تحتية مهمة ومساعدة من قاعات التدريس والمختبرات إلى الخدمات الطلابية، والتجهيزات الرياضية، وورشات الصيانة، والمكاتب الإدارية، ومما يلفت الانتباه أيضًا وجود مرائب للسيارات.

أدى وضع بعض العوائق الأساسية إلى حماية عملية الدخول إلى الجامعة التقليدية. فليس من السهل الحصول على أساتذة، على مستوى عال من الكفاية، إضافة إلى طلاب رفيعي المستوى، وتزويدهم بمكتبة ذات مواصفات عالمية، ووجود مباني جامعية وظيفية وملهمة. وبذلت الجامعات طوال عقود مضت جهدًا وأنفقت مبالغ طائلة دون إحراز نجاح حقيقي. ولكن، ومن أجل الذين نجحوا ، فقد قامت قوى احتكارية بمساعدتهم على إبقاء الجامعة التقليدية مثال يحتذى به. وقد كانت القوى الاحتكارية عند نشوء الجامعة التقليدية، قبل تطور الرحلات الجوية والاتصالات عن بعد، موجودة ضمن النطاق المحلي بوجه أساسي. ثم أخذ التسويق يصبح عالميًا وشاملا فيما يخص الطلاب والهيئة التدريسية. والآن، ومع قدوم تقانة المعلومات، أخذت عملية الإنتاج الأكاديمي تصبح عالمية أيضًا ، ولكن نموذج الجامعة التقليدية بقي متمحورًا حول المدينة الجامعية فقد ظل يحافظ على العوائق التاريخية وعلى قوة التسويق المحلية التي منحت له.

ترتبط الجامعات التقليدية ارتباطا متينا بالعمليات اليدوية ( البشرية ) : أي الإنتاج المتميز كالقيام بتدريس صف خاص، أو إنجاز جزء محدد من بحث. وهناك سببان لهذا، الأول هو أن العمل المتعلق بالمعرفة هو عملية معقدة؛ فقبل تقدم تقانة المعلومات لم يكن هناك بدائل جيدة لتفصيل كل عمل يتعلق بالتدريس والمعرفة. ثانيا، يرتبط الإنتاج المتميز بالإلفة والحميمية. وإن أردنا التفكير في المعيار الذهبي التقليدي للتعليم فإن مارك هوبكنز Mark Hopkins وتلميذه هما أول ما يخطر على البال. وقد قيل، بشأن إيصال التعليم عن طريق الحوار، إن رئيس كلية ويليامز» قد قام بتفصيل محتوى المادة التعليمية حسب احتياجات الطالب واهتماماته ومقدراته. وقد استطاع جذب الطالب إلى وضع تعليمي فاعل يقوم ويصحح تقدمه في الوقت نفسه. ويعد الإنتاج الوفير، الذي هو البديل الظاهر للحرفية، مجردا من الإنسانية ولهذا فهو غير ملائم للجامعة التقليدية. ومع ذلك، فإن كثيرا من مقررات المحاضرات اليوم لم تبدأ بتطبيق المعيار الذهبي بعد.

الاستقلالية

تمثل الاستقلالية العنصر المهم الأخير للجامعة التقليدية. فالأساتذة يجب أن يتمتعوا بقدر من الحرية كي يقوموا بدراسة وتدريس ما يشاؤون، ثم إن الجامعات يجب أن تكون حرة في وضع سياساتها الحكومية وتقويم إنجازاتها وإعطاء شهاداتها والقيام بأمور مشابهة. كما تتطلب الاستقلالية مستوى معينا من استقلال الموارد، أي أن يكون للجامعة موارد اختيارية كافية لتمكنها من اتباع أحكامها من أجل متابعة تحقيق أهدافها الأكاديمية. ستكون المؤسسات التعليمية والمدرسين عبيدا لقوى السوق دون الموارد الاختيارية. إن الوصول إلى المثل الأعلى في الجامعة التقليدية يفترض وجود قدر كبير من الاستقلالية المالية وذلك عبر الهبات والمنح الانتقائية، على سبيل المثال، والمبالغ الحكومية المرصودة وغير المحددة الاستقلالية تعني الحرية والحق بالسيادة الذاتية. ولكن، وفي حين يوافق أغلب المراقبين على ضرورة الاستقلالية الأكاديمية، فإنهم يختلفون: هل كانت تلك الاستقلالية هي حق حقيقي أم هي مجرد تفويض بذلك الحق. ولإعطاء مثال محدد مثير للجدل في أغلب الأحيان، فإن المراجعة التي يقوم بها الزملاء يمكن تبريرها على أحد الأساسين الآتيين: كتفويض؛ لأن النظراء فقط هم الذين يمتلكون الخبرة اللازمة، أو كحق؛ لأن النظراء فقط هم الذين يستطيعون الحكم على نظرائهم. والنقاش هنا مهم، لأنه يغني نظرة المرء ويريه كيفية اصطدام الأجواء المعاصرة بالأهداف التي تتطلع إليها الجامعة التقليدية، وهل كان التعليم يتحمل المسؤولية بوجه لائق. يثبت الجدل الدائر بشأن الحقوق أنه يجب على الهيئة التدريسية؛ لأنها تمثل الجامعة، أن تكون حرة في اتخاذ القرارات الأكاديمية المهمة مثلما يجب أن يكون صوت المواطن حاسما في الديمقراطية. وبكلمات أخرى، فإنه يجب أن يجري تقدير الحرية الأكاديمية بوجه حقيقي وليس كطريقة للنهاية. فكل مدرس مؤهل لأن يمتلك نظامه الخاص من القيم والأولويات، ولا يجب لأي سلطة أن تكون قادرة على القول: إن أي نظام أفضل أو أسوأ من الآخر. ويعتقد التبرير الحقيقي للاستقلالية أن الحرية الأكاديمية ومثلها الحرية السياسية الشخصية، هي أكثر من مجرد امتياز. وطبقا لهذه الرؤية، فإن أي إنقاص منها هو بمثابة قتل للثقة من قبل المجتمع الكبير.

يمكن تحديد الاستقلالية أيضًا، على أسس فاعلة، كوسيلة لبلوغ الغاية أكثر من الغاية نفسها. وعلى سبيل المثال، لا يوجد من هو أفضل من المدرسين الذين هم في أفضل موقع للقيام بتقدير الفوائد التي تعود من هذا أو ذاك النشاط الفكري. إن الإدارات الصغيرة ستمنع هؤلاء المهنيين من القيام بعملهم ، إلى الحد الذي يسيء للتدريس والثقافة والمعرفة. وبالرغم من أن هذا الأمر يبدو كأنه شأن داخلي يتعلق بالحرية الأكاديمية إلا أن الأمر ليس على هذا النحو، فالحرية الأكاديمية الداخلية ليست مشروطة، فيمنع الأنشطة غير المهنية أو التي تنم على فساد أخلاقي لا تتوافر للأساتذة مسؤولية ممارسة حرياتهم بوجه كفء. ومن الممكن أن يجري استدعاء أحدهم لتبرير أسلوبه الضعيف أو فشله في الاستفادة من عمل سابق له، وليس لاختيار موضوع أو هدف جرى إنجازه، وإن المسؤولية الممنوحة تعني من جهة أخرى المحاسبة على إنجاز أهداف معينة حتى لو كان هؤلاء الذين يتلقون التفويض هم الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة المتطلبة». إن الاختلاف هو أكثر من مجرد كلمة، فلغة التفويض وتحمل المسؤولية التي استخدمت من قبل عدد من ذوي العلاقة الخارجيين في التعليم العالي، وخاصة أولئك الذين يدفعون الفواتير تهدد الموالين لفكرة نموذج الجامعة التقليدية. وتبدو لغة الحقوق ) حتى إن تشبعت بالواجبات ) بطريقة مماثلة وكأنها خدمة ذاتية للكثير من الأشخاص خارج الأكاديمية، فكلا الجانبين يتكلمون إلى أقصى حد ، وهم بهذا يقلصون الثقة بين التعليم العالي والمجتمع بوجه عام.

من البرج العاجي إلى الاتجاه الاقتصادي السائد

ظهر نموذج الجامعة التقليدية لعدة أسباب وجيهة. وعلى الرغم من تنامي بعض المقولات والروايات المشوشة عبر السنين إلا أن ذلك لم يكون مشكلة عندما كانت الظروف التي أنتجت الحماية للجامعة التقليدية ووفرتها ما تزال قائمة، ولكن هذه الظروف قد تغيرت الآن. وقد بدأت التغييرات منذ خمسين سنة مضت عندما بدأ التعليم العالي بالتحرك نحو الاتجاه الاقتصادي السائد.

عمل التعليم العالي، في المدة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، بمستوى ضئيل مقارنة بالمشروعات المعاصرة. وقد جرى استنتاج ذلك من مستويات المشاركة المتدنية؛ فالنخبة فقط هي التي استطاعت تحمل مصاريف الجامعة وبدت مستعدة جيدا للاستفادة من تجربة الجامعة. وكانت معظم المؤسسات التعليمية تدار بوجه خاص، ولم يكن مستوى الطلاب يختلف كثيرًا، أما الأجواء الثقافية الجامعية فكانت متجانسة إلى حد ما. ومالت قيم الطلاب والهيئة التدريسية والأشخاص الذين كانوا يمولون التعليم ويدعمون العلم إلى التوافق مع أهداف الجامعة التقليدية. وقد ربط معظم الناس الجامعة التقليدية بالشروط العلمية الثقافية، وخاصة تلك التي ارتبطت بالفنون الحرة.

كانت النتيجة حلقة من النجاح والإنجازات الشخصية. فتدني مستويات المشاركة كان يعني أن النخبة فقط هي التي ستحصل على الشهادات الجامعية. وقد حقق حملة الشهادات أعمالاً جيدة لاحقا في حياتهم، هذا ما عزز مقاربة الجامعة التقليدية في التعليم. وكان النزاع بين التدريس والبحث العلمي في حده الأدنى؛ ذلك لأن التربويين والطلاب والممولين كانوا جميعا متفقين على أن المعرفة الأفضل تقدم تعليما أفضل. إن الاستقلالية الأكاديمية كانت تعني أن المجتمع العلمي يمكنه أن يعرف أهدافه الخاصة ويقرر لنفسه كيف يمكن للأساتذة والطلاب إنجاز تلك الأهداف بصورة جيدة. إن الأهداف النبيلة للأكاديمية واحتكار الخبرات قد استدعى توجيه الدعوة لتحمل المسؤولية أو حتى القيام بتقويم مستقل. وبالنتيجة، فإن الأداء الجيد أتى على الصورة التي حددتها أو لنقل عرفتها الأكاديمية عنه.

تحمل أحد هذه التعريفات فكرة أن الجامعة هي فوق السوق، فيجب بطريقة ما على الأسواق أن تنحني أمام القيم الأكاديمية حين يكون هناك نزاع بينهما، ومازال عدد من الأساتذة يتمسكون بوجهة النظر هذه التي يربطون بينها وبين الجامعة التقليدية. سأعود لاحقا وأكثر من مرة الموضوع النزاع القائم بين القيم وقوى السوق، أما الآن فدعوني ببساطة أنوه بأن النزاع ليس بالأمر الجديد.

يقوم كلارك كير Clark Kerr ، رئيس جامعة كاليفورنيا - في أفضل أوقات ازدهارها والكاتب المعروف في أدبيات التعليم العالي، بوصف هذا التوتر القائم عبر تشبيهه بالتنافر بين أغورا ( السوق) وأكروبوليس ( العلم ) . وهو يبين أن الجامعات كانت تخدم سوق العمل بوجه دائم ( إضافة إلى سوق البحث العلمي) : في الحقيقة، بدأت الجامعات في أوروبا في وقت مبكر من العصر الحالي بالعمل من أجل ذلك الهدف تماما ... إن النظرة الأكاديمية إلى التعليم العالي بأنه قد انطلق من الأكروبوليس، ومن ثم جرى انتهاكه عندما انحدر نحو أغورا تدفعه المصالح التجارية الشريرة والموظفون الحكوميون الدهاة ورؤساء الأكاديميات الفاسدون، هي نظرة غير صحيحة تماما. فالتعليم العالي قد ابتدأ عند أغورا ( السوق ) عند سفح التلة، ثم ارتقى إلى الأكروبوليس، قمة التلة ... لقد عاش غالبا في توتر فتارة هو عند السفح، وتارة عند القمة، أو في الممرات العديدة بينهما .

التغيرات في حقبة ما بعد الحرب

عمل تحولان جذريان على تقوية النزاع في أثناء المدة التي سبقت الحرب وهما: الكثافة التعليمية وتمويل البحث العلمي بوجه وفير نجمت الكثافة عن الرغبة في توسيع الفائدة من التعليم العالي وجعله يمتد إلى فئات الشعب. أما سخاء البحث فقد طبق دروس الحرب من أجل تقوية الأسس العلمية والتقنية للأمة. وعمل التحولان بوجه مبدئي على تعزيز نموذج الجامعة التقليدية. وبالنتيجة ولد هذان التحولان حافزا قويا للتغيير.

تعميم التعليم

إن التعميم كان يعني انتقال التعليم العالي من يد النخبة إلى مشروع يمتد على نطاق واسع. وارتفعت مستويات المشاركة من 10% عام 1940 إلى 50% عام 1975 بتمويل من قانون جي آي Gi والاستثمارات الحكومية والبرامج الاجتماعية الضخمة. وقامت الحكومات بضخ الأموال لبناء المباني الجامعية، وذلك بتحويل كليات ومعاهد تعليم المدرسين إلى الوجه المعروف من الجامعات وبتوسيع القاعدة الجامعية التقليدية. وكانت الجامعات الخاصة قد استمتعت بفترة من الحاجة الملحة، وبعد مدة من الوقت عرفت تدفقا لم يسبق له مثيل من الهبات والمنح. وعندما أصبحت الشهادات الجامعية تذاكر مرور إلى الحياة المرفهة، أصبح للمدرسين ومراكزهم التعليمية وعمليات التعليم الجامعي الغامضة قدرا أكبر من الرهبة والمهابة في النفوس.

ومع انتشار التعليم وتزايد القيمة الاقتصادية الملحوظة للشهادة ظهر هناك اهتمام بتوفير التعليم لغير القادرين (المعوزين) ، وخاصة للأقليات. وأصبح الناس ينظرون إلى الجامعات، وأصبحت هي تنظر إلى نفسها ، على أنها آلات تقوم بإصلاح أخطاء الأجيال السابقة وذلك بإدخال الأقليات في الاتجاهين الاجتماعي والاقتصادي السائدين. وتعهدت المكاتب المختصة بالمساعدات المالية بتلبية احتياجات الطلاب المعوزين، كما أسهمت الخدمات الطلابية بحل المشكلات الثقافية التي تواجه هذه الفئة من الطلاب الذين كانوا يهملون بنسب أكبر بكثير من غالبية الطلاب التقليديين. وللأسف، فإن البعد التعليمي للحياة الجامعية لم يتغير بوجه كبير. وقامت المراكز التعليمية، وعلى مضض باعتماد بعض الإجراءات العلاجية حسين استدعت الضرورة، ولكن العديد من المدرسين تساءلوا في هل كانت احتياجات وأساليب تعلم الفئة الجديدة مختلفة بوجه أساسي عن تلك المستخدمة مع الطلاب التقليديين

تمويل البحث العلمي 

بدأت نقطة التحول لصالح البحث العلمي عام 1945 عندما قام فانيشار بوش ، نائب رئيس الجامعة والمستشار العلمي الوطني وقت الحروب في معهد ماساتشوستس للعلوم التطبيقية Mit برفع قضية من أجل التمويل الاتحادي للعلوم في المجالات العامة، وكان بوش ومؤيدوه على قناعة بأن «العلوم تتميز عن الأنواع الأخرى من البرامج الحكومية، ولهذا يجب ألا تقع تحت السيطرة السياسية ولكي تكون هذه العلوم ناجحة ، يجب على العلماء أن يتمتعوا بالحرية في إدارة شؤونهم الخاصة. 28 وفرت الشراكة الناتجة، بين الجامعات والحكومة الاتحادية، دافعا قويا لظهور الهيمنة العلمية للولايات المتحدة الأمريكية. كما قدمت إلى الجامعات الدعم المالي، ولكنها دفعتها في الوقت نفسه إلى تبديل أولوياتها من التدريس إلى البحث العلمي. 

ألقت الأهمية المتزايدة للبحث العلمي بظلال واسعة على التعليم في مرحلة الدراسة الجامعية، وذلك في عدة جامعات كبيرة 29. وقد بينت إدارة المسح الوطني للهيئات التدريسية في الكليات عام 1988 إلى أن الأداء التعليمي في جميع المؤسسات التعليمية صار في أفضل حالاته ذو تأثير محايد بالنسبة إلى دخل الهيئة التدريسية».. 30 وقد اتبعت الكليات والجامعات على مستوى المؤسسات التعليمية ما كان الأخصائي الاجتماعي دافيد ريزمان قد سماه عام 1958 بـ «الحركة الأفعوانية، وذلك في مجال المنافسة على اكتساب المكانة التي يوفرها البحث وبرامج الدراسات العليا . 3 ولأن المكافآت كانت تستحق الجهد المبذول، فقد اشتدت المنافسة القوية في لعبة البحث بوجه كبير. أخذ هذا المفهوم بالتضخم وذلك بالترويج عبر برامج البحوث الموجهة لنيل الدكتوراه في الجامعات المحترمة. 

أطلق الانهماك في البحث العلمي العنان لمجموعة من الفعاليات التي سرعان ما أصبحت نوعا من تضخيم الذات. إن نجاح البحث العلمي يوفر المكانة إضافة إلى قدرته على استقطاب الإعانات الفورية والطويلة الأمد ، ولكن لا يمكن التغاضي عن سبيل النجاح، فقد يفشل المدرس أحيانًا في اجتياز المنعطف في التدريس ويتحمل بعض النتائج ولكن القيام بمثل هذا العمل، في مجال البحث العلمي، يعني الفشل في الانتشار وفقدان الإعانة والدعم. وزيادة على ذلك، هناك افتراض غير مسبوق بأن البحث العلمي الجيد الذي يمثل شرطًا ضروريًا وكافيا للتعليم الجيد يقدم فوائد عظيمة في سوق التعليم. فالجامعات تستطيع الحصول على كعكتها والقيام بالتهامها أيضًا، وهم يستطيعون تكثيف البحوث العلمية، على حساب الوقت المخصص لتدريس الطلاب إن لزم الأمر، مع تحسين انتقائية وجودة الطلاب في الوقت نفسه. ومما يدعو للعجب، أن البحث العلمي أصبح العملة الرائجة في ذلك العالم، فهو الطريقة المثلى لختم بطاقة العبور فيما يخص المؤسسات التعليمية والأساتذة على حد سواء. وللأسف، فإن حقيقة كون الكفاءات التعليمية الحقيقية قد أخذت في التراجع، أو أنها على الأقل فقدت قدرتها على التماشي مع كثافة انتشار التعليم ومع الحاجة إلى التنوع، لم تظهر حتى على شاشة الرادار. إن الإقبال المتزايد على التسجيل وتزايد البحث العلمي كان يعني بأن الجامعات ستدخل في التيار الاقتصادي والسياسي الوطني السائد ، ولكن نتائج المشاركة قد أخذت بعض الوقت كي تظهر. ومثلت تلك المدة العصر الذهبي للتوسع دون قانون سوق قوي ولا مسؤولية سياسية، وكانت النتيجة قضاء عامين كشهر عسل. وكانت هذه مدة طويلة لجيل المدرسين، ومنهم أنا ، كي ينضجوا في جو من الرفاهية والاستقلالية هذا ما حدا ببعضهم لأن يعده بداية للميلاد الأكاديمي.

نهاية شهر العسل

انتهى شهر العسل في أثناء مدة انهيار حكومة جونسون عندما استنزفت حرب فيتنام الموارد من المجتمع العظيم، وغدت التضخم المتزايد، وسببت تزايد علامات الاستفهام عن القيم الأكاديمية. ثم إن الأزمات المتلاحقة، التي تبعت حرب فيتنام والتضخم الناتج قد قاما بتقليص القوة الشرائية في القطاعين الحكومي والخاص. وأضعفت نهاية الازدهار مطالب الطلاب المرتبطة بالتوسع الأخير في الاستيعاب التعليمي. وانخفضت المرتبات الجامعية الحقيقية للمرة الأولى منذ عقود، وجرى قطع البرامج الأكاديمية الجديرة لأسباب مالية محضة. وقامت المنافسة الداخلية على الموارد الضئيلة والحروب الثقافية بتقسيم الهيئة التدريسية وتقويض سلطة رؤساء المؤسسات التعليمية. وكذلك تلاشت الثقة الموجودة داخل الأكاديميات والثقة القائمة بين الأكاديميات والعالم الخارجي. كان هناك العديد من الأشخاص، ضمن حقل التعليم العالي، الذين امتعضوا من التأثيرات الخارجية، كما كان هناك أيضًا كثير من الأشخاص، في الخارج، ممن فقدوا ثقتهم بالأكاديميات. وبدأت الجامعات والأساتذة رحلة انزلاق طويلة من موقع المهابة إلى موقع تحمل المسؤولية.

بدأت المسؤولية تطال البحث العلمي أيضًا. فكرد فعل للإساءات المزعومة من قبل وزارة الدفاع (Dod) بشأن تمويل البحث العلمي حرم تعديل ما نسفيلد لقانون 1997 تمويل البحث العلمي ورعايته من قبل وزارة الدفاع ما لم يكن للبحث علاقة مباشرة وصريحة بعمل عسكري معين 32 . وعندما كانت الكليات تجد عادة وسائل لتبرير أبحاثها المتعلقة بعمل عسكري محدد، فإن الحقيقة المجردة التي تدفعها لهذا العمل قد أفرزت أسئلة تتعلق بشراكة الجامعة مع الحكومة في مجال البحث. لم يكن مجلس الشيوخ يثق بالباحثين الجامعيين لإصدار أحكام علمية تصب في المصلحة الوطنية كما كان فانيفار بوش يتصور قبل 25 عاما ، ثم إن التشكيك بتصريحات المدرسين المتعلقة بالشؤون العسكرية ساعد على تراجع الثقة بالأكاديميات.

سرعان ما أصبحت القوانين الحكومية على مختلف الأصعدة مؤشرا آخرا لذلك العصر. كانت الجامعات قد أصبحت تحت سيطرة أنظمة بعض الهيئات مثل ( مجلس علاقات العمل الوطني NIrb) ، و ( إدارة الصحة والسلامة المهنية Osha) ، إضافة إلى عدة أنظمة حكومية واتحادية أخرى. وحقيقة خضوع الأعمال السنوات عدة لمثل هذه الأنظمة لم تقدم قدرا كافيًا من الراحة عندما كانت تكاليف الوفاق، التي بلغت عدة ملايين من الدولارات، لا تنسجم مع الأساس المالي الجديد المفروض على التعليم العالي. وقد أثرت أنظمة أخرى في الكليات والجامعات بوجه مباشر، فالأهداف الإيجابية وبرامج الأعمال فرضت أسلوبها على قبول الطلاب وقرارات الجامعة؛ ما ساعد على تراجع الاستقلالية وازدياد النفقات. وأجبر اللقب 9 (Title Ix) المؤسسات التعليمية على إنفاق المزيد من الملايين المساواة النفقات الرياضية للرجال والنساء وليس المقصود هنا القول إن تلك المتطلبات لم تكن منطقية، فالحقيقة أن معظمها كان مرغوباً وبعضها كان محل ترحيب والمقصود أن التعليم العالي الآن قد أصبح يسير مع التيار الاقتصادي ولذا أصبحت تترتب عليه التزامات المشاركة المترتبة على الباقين وكذلك يحق له الانتفاع من فوائدها. 

سيطرة قوى السوق

إن سيطرة قوى السوق وإطلاق العنان للمنافسة قد أكمل الانتقال من البرج العاجي إلى الاتجاه الاقتصادي السائد. وأدّت الضائقة المالية إلى قيام الجامعات بالبحث بوجه مستميت عن مصادر دخل جديدة. وقد وضعت الكليات تدابير مدرجة على مزيد من الأسس المهنية وبحثت عن توسيع أسواق الطلاب وذلك بصنع شهادات جديدة والتشجيع على متابعة البرامج التعليمية. كان هناك توجه للوصول إلى الطلاب غير التقليديين كالطلاب غير المنتظمين بالدراسة ممن هم أكبر من سن المنتظمين. وأصبح جمع الأموال يجري على صعيد أكبر وأكثر تنظيما ، مع وجود فرق عمل متخصصة تكرس نفسها كلية للمهنة ومستشارين ومنهجيات مميزة. ودخل المزيد من المؤسسات مجال المنافسة من أجل رعاية البحوث العلمية، ثم إن عددًا كبيرًا منها قد أسهم بتطوير برامج متقدمة المساعدة الباحثين الذين سيصبحون فيما بعد من أفراد الهيئة التدريسية. 

قامت قوى السوق بإجبار الكليات على التنافس الشديد فيما بينها من أجل الحصول على حفنة من الدولارات، فالحكمة المعهودة الشهيرة في العصر الذهبي، التي تقول: إن اختيارات الطالب يجب أن تكون محايدة اقتصاديا قدر الإمكان وأن المساعدة المالية يجب أن تقدم وفق الحاجة بوجه محض ، قد انهارت عندما أخذت المؤسسة تلو المؤسسة تقبل فكرة المساعدة القائمة على الميزات كأداة للمنافسة. وتعلم الطلاب بدورهم أن يلعبوا ضد بعضهم بعضًا ، مثل لعبة الاتصال التلفوني من أجل الدولارات وذلك لتوسيع نطاق عروض المساعدات المالية . 33 وكان هناك في مجال البحوث المزيد من الباحثين الذين يتنافسون للحصول على حصة من كعكة التمويل المحدودة. وكانت النزعة نحو زيادة تمويل البحوث التي تزايدت في حقبة الثمانينيات قد أدت إلى تدهور فرص نجاح العروض المقدمة إلى الوكالات الاتحادية بوجه كبير .

وبالرغم من أن السمعة كانت ما تزال مسألة على جانب من الأهمية إلا أن العديد من المؤسسات والباحثين دخلوا في اللعبة. 

في سبيل نيل المكانة 

قد يعتقد المرء أن المنافسة تستدعي من الجامعات القيام بإثبات كفاية التعليم لديها وتطويرها بوجه مستمر، ولكن القضية ليست على هذا النحو، فبدلا من ذلك تعزز المنافسة أهمية المكانة التي بدورها أصبحت مرتبطة بالإنجاز في مجال البحوث العلمية. إن قياس الأداء البحثي يعد أسهل من قياس الأداء التعليمي، ثم إن القيام بالأبحاث يتوافق، وبوجه كبير، مع أهداف الجامعة التقليدية. وتصبح المكانة مع الوقت هي الحكم الرئيس لمدى القوة في السوق. قام الباحثون في مؤسسة Rand وهي مؤسسة غير ربحية امتازت بقدرتها التحليلية في مجال البحث والتطوير، بتثبيت الدور المهيمن للمكانة؛ فقد التقوا بالإداريين وبالطلاب، وبالهيئة التدريسية وذلك في 26 كلية وجامعة منتشرة في مختلف الأقاليم. وقام الباحثون بعد مراجعة البيانات، بتصنيف المؤسسات التعليمية كل بحسب وضعها من حيث المكانة: 

  1. كليات قائمة على المكانة المرموقة : تسعى المؤسسات التعليمية للحفاظ على مستوى عال من المكانة أو تعزيزها وقوة السوق التي تسايرها . فتلك المؤسسات تعرف نفسها على أساس القيم الأكاديمية لا احتياجات السوق، ثم إنها تستغل قوتها في السوق لتحقيق التقدم في المعرفة والبحوث العلمية وهي تدفع مرتبات عالية، وترفع من جودة الحياة الجامعية.
  2.  كليات تسعى لنيل المكانة : ليست هذه الجامعات ذات مكانة مرموقة في الوقت الحالي ولكنها تسعى لتكون كذلك. فهي تقوم ، إلى حد كبير ، باستثمار الأنشطة التي تعتقد أنها ستمنحها تلك المكانة، فغالبا ما يقوم الاستثمار على تعزيز الأنشطة المتعلقة بالبحوث العلمية والرياضة الأمر الذي سيزيد التميز العلمي وربما تأتي هذه الاستثمارات على حساب الأولويات الأخرى مثل دفع المرتبات ( ماعدا مرتبات الباحثين) وجودة الحياة التعليمية.
  3.  كليات تركز على السمعة : هذه الجامعات ليست ذات مكانة مرموقة ولا تسعى لأن تكون كذلك، إنها تقوم على تلبية مطالب الزبائن المحددة وعلى تأسيس سمعة لها أساسها الزبون. إن هذه المؤسسات قد تبنت السوق وهي تبذل أقصى جهدها لأن تعمل بالطريقة الأمثل التي تساير شروط السوق. وصف الباحثون في Rand النماذج الجامعية الثلاثة بطرق ترتبط إلى حد بعيد بالوصف الذي نطرحه بهذا الكتاب.
  • الجامعات القائمة على المكانة : تميل الجامعات للاهتمام بالمظهر الداخلي، فهي مهتمة بما هي عليه، وبقيمتها ، وما تملك من أجل الموارد البشرية والمالية والمادية. كما تقوم الهيئة التدريسية والقيم الأكاديمية التقليدية بالتأثير على القرارات في تلك الجامعات.
  • الجامعات الساعية لنيل المكانة : تمتلك هذه الجامعات صفات متشابهة إلا فيما يختص بقبولها بالرضا المتأخر وتمتعها بإدارة قوية قادرة على دفع الجامعة نحو أهدافها.
  • الجامعات التي تركز على السمعة : تهتم هذه الجامعات بالمظهر الخارجي، فهم مسيرون بفعل الزبائن أكثر من كونهم مسيرين بفعل الهيئة التدريسية. وهم يملكون عادة إدارة قوية ويقيسون أنفسهم بحسب النتائج التي يرى الزبائن أنها قيمة.

لم يكن نموذج Rand للجامعات، الذي تضمن ستا وعشرين جامعة، كافيا لتقدير حجم النماذج الثلاثة. وعلى كل حال، وكما ذكرنا في الفصل 2 ، فقد قامت مؤسسة البحث المتعلق بالتعليم العالي في جامعة بنسلفانيا» باستخدام البيانات الكمية على عينة مؤلفة من 120 جامعة لتقسيم السوق. ويختلف التقسيم عن خطة مؤسسة Rand. ولكن البيانات قد سمحت باستنتاج أن نحو نصف الجامعات الأمريكية، والذين يمثلون ثلاثة أرباع الالتزام المالي بأجمعه للتعليم العالي، يستمتعون بالمكانة أو يسعون لنيلها.

يقول الباحثون في Rand إن التضحيات المطلوبة لتحقيق المكانة قد لا تأتي أكلها في ظل أجواء السوق الحالية، وأن ما استطاعت ستانفورد» القيام به في الخمسينيات، وقبل نضوج سوق الرعاية المالية للأبحاث، هو الآن أمر يفوق قدرة معظم الجامعات. وفيما يخص الجامعات العادية، غير النخبوية، فإن قيامها بالسعي وراء المكانة يعني محاولتها إرغام النموذج التقليدي للجامعة على التلاؤم مع مهمة تعليمية معممة أو محاولة الهروب من ذلك التعميم. يمكن للجامعات التي تمكنت من تحقيق المكانة، استخدام تلك المكانة كدرع يحميها من المساءلة عن جودة التعليم. والحقيقة هي أن هاتين الإستراتيجيتين ليستا مفيدتين من الناحية الاجتماعية على المدى الطويل. 

قدمت سيطرة قوى السوق أيضًا تغييرا جوهريا في كيفية نظر الحكومات إلى الجامعات الحكومية. فالحكومات، وبوجه تقليدي، قد قامت بدعم جامعاتها وحمايتها على تقدير أنها مصادر قيمة للتعليم والأبحاث والخدمات العامة. أما الآن فقد أصبح هذا الدور هو تقديم الخدمات الأساسية للأشخاص الموجودين في الجامعة وذلك بأقل التكاليف الممكنة المتعلقة بالجودة . 37 وقد أصبح النظر إلى أساتذة الجامعة مثل الأطباء، على أنهم قد فقدوا بريقهم كأوصياء ولكنهم تألقوا في مجال تقديم الخدمات، تلك الخدمات التي يتطلب تقديمها درجة عالية من التدريب والمهنية، ومع ذلك فهي تبقى خدمات.

بدأ الحوار المتعمق عن قيم الجامعة التقليدية يلقى آذانا صماء. وبرغم أن معظم الحكومات اعترفت بخطورة الإدارة المصغرة فإنها تصر الآن على الحصول على القيمة مقابل المال. وقد لاقت الشكاوى المتعلقة بكون مبادرات المسؤولية تستوجب تسوية على حساب القيم الأكاديمية التحذير الآتي: «التكيف أو المعاناة من النتائج. وقد أصبح النظر إلى التكيف يجري بوجه متزايد على أنه إعادة لبناء جوهر الكفاية الأكاديمية في التعليم.

ما الذي يجب علينا أن نحافظ عليه ؟

ما هو جوهر القيم بالنسبة إلى الجامعة؟ وكيف يمكن القيام بحمايتها في حين يقوم التعليم العالي - الذي يتصف حاليا بدرجة عالية من البحث المتخصص والتقنية العالية بعمل الأشياء الضرورية من أجل إعادة بناء جوهر كفايتها؟ لقد قمنا بذكر الحاجة إلى التغيير، والآن فإن الوقت قد حان من أجل ذكر ما يجب الحفاظ عليه. 

الحرية الأكاديمية

يجب أن تكون الحرية الأكاديمية على رأس القائمة، وهذا يعني التخلص من التدخل السياسي في الأعمال الفكرية الأكاديمية. فالأعمال الفكرية التي تساق من قبل القوى السياسية ليست فكرية على الإطلاق: فهي تسعى ببساطة إلى كسب الجدال والتأثير في توزيع القوة. وتمتلك الأكاديميات المهنية، والنظم الداخلية، والتقليد المطلوب لترتفع فوق السياسة. إن العالم بحاجة إلى مثل هذا النوع من الأصوات ولكن هناك القليل من الجامعات التي تستطيع القيام بتوفيره، وفي حين تقوم البرامج المؤيدة في الفصول الآتية بتلخيص أنقى المعاني للحرية الأكاديمية فإنها تحتفظ بجوهرها ؛ وذلك لأن الهيئة التدريسية تبقى مضطلعة بالمسؤولية.

الاستقلالية

هناك مظهر آخر للاستقلالية يجب أن تجري حمايته. سوف أوضح في الفصل الثالث أنه حين تكون الجامعات بأمس الحاجة إلى التمويل فإنها تقوم بالتصرف بطريقة نفعية، ما يضطرها إلى تقليص استخدام القيم الأكاديمية ويضع الجامعة في خدمة السوق. وتحتاج الجامعات بطريقة أخرى إلى المرونة من أجل اكتساب أنشطة معينة ومنها الأنشطة الإنسانية والثقافية وذلك حين لا يقوم السوق بتسديد جميع النفقات. إن الإدارة الدقيقة للتمويل تقوم أيضًا بتقويض القيم الأكاديمية ومنع الجامعات من العمل بشكل ملائم. ومن هنا، يجب على التمويل الحكومي أن يأتي على طريقة منح من الموازنة الاتحادية. ويجب أن تتمتع الجامعات بالحرية في إدارة شؤونها الداخلية دون أن تخضع لأنظمة وقوانين غير ملائمة أو تدخلات تتعلق بمسؤوليات الأداء السابقة واللاحقة.

التمكين

يمثل شعور امتلاك السلطة، الذي يشعر به معظم الأساتذة، ميزة ثمينة أخرى تجب حمايتها . إن دفع الجامعات كي تقوم بتبني منهجية إدارة الأعمال Managerialism ( أي اتجاه الأنشطة الأكاديمية من أعلى إلى أسفل ) ربما يقتل الإوزة التي تبيض ذهبا . فقد تدفع معظم الأعمال بسخاء من أجل المهنية الذاتية التي هي السمة المميزة للأستاذية التي حصلت عليها الجامعات سابقًا. إن التحدي يكمن في القيام بمساعدة المدرسين وأساتذة الأقسام، والعمداء، ورؤساء الكليات على إيجاد السبل لتوجيه الطاقات ودعمها بطرق أكثر إنتاجية فيما يخص الجامعة وطلابها.

تتحدث زميلتي في جامعة ستانفورد، الأستاذة باتريشا غمبورت عن «الميثاق الاجتماعي الخاص بالتعليم العالي». إنه الميثاق الذي يدعم تبرير حماية جوهر القيمة الأكاديمية. وهذا ما تورده

  • تقديم مواطنين متعلمين. . استخدام القدرة على التعويض وذلك بمساعدة الفقراء وغير القادرين على الحصول على حياة أفضل.
  • الإسهام في التطوير الاقتصادي وذلك بتدريب العمالة وإعادة تدريبهم وبدعم الاهتمامات الصناعية مع تقدم المعرفة وتطبيقها. 
  • توجيه الأبحاث نحو المصالح الوطنية والمحلية. 
  • تقديم العون للمناطق البعيدة عن الكلية وللطلبة؛ وذلك لنيل الحرية الأكاديمية ولرعاية المناقشات والانتقادات الثقافية. 
  •  خدمة المجتمع المحلي بوصفه شريكا أو جارًا جيدًا. 
  • تأمين الرعاية الصحية عبر المستشفيات التعليمية والمراكز الطبية. 
  •  تأييد الأنشطة الترفيهية والرياضية وتوسيع المجالات الثقافية.
إن الحرية الأكاديمية، والاستقلالية الجامعية، ومنح السلطة للهيئة التدريسية هي شروط ضرورية لإنجاز الميثاق الاجتماعي، ولكن يجب على كل من الحكومة والأكاديمية ألا تنسى أن هذا كله يمثل وسائل الوصول للأهداف لا الأهداف نفسها. وتعد الجامعات والكليات في الأصل مشروعًا أخلاقيا يعمل للمصلحة العامة؛ فهي تقوم ببذل أقصى جهدها لتمثيل ما هو الأفضل بالنسبة إلى المجتمع، ومن ذلك إنتاج قيمة اقتصادية، وإن كان هذا ليس شرطًا لازما . وإن ظهرت أحيانًا بعض الفوضى أو الدوافع الشخصية فإن هذا لا يدعو للشك في المبادئ والأسس. ويتجه مؤشر البوصلة الأخلاقية للأكاديمية إلى الاتجاه الصحيح في أغلب الأحيان ولا يستطيع أي عنصر من عناصر المجتمع أن يطالب بأكثر من هذا. ويجب على التعليم العالي أن يكون مسؤولا عن التطوير، ولكن يجب القيام بدعم الجامعات التي تحاول بصدق أن تتطور حتى إن كان أداؤها الأخير أقل مما يجب، فالتحدي يكون بالقيام بتحفيز التطوير وتوثيق الإنجازات دون تقليص حجم الاستقلالية التي تحتاجها الجامعات لتعمل بوجه أكثر فاعلية.

كتب ذات صلة