القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (9-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (9-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يُناقش الفصل التاسع من الكتاب تأثير السياسة الخارجية الأمريكية المشوهة بفعل الأصولية والغوغائية، حيث يتم تجاهل فرص الحوار والمفاوضات مع الخصوم لصالح تكريس صور مبسطة ومبالغ فيها للعداء. يتناول الفصل أمثلة على ذلك، مثل الموقف من كوبا الذي أدى إلى تقويض العلاقات الإنسانية والتجارية والثقافية بين الشعبين، والسياسات تجاه كوريا الشمالية التي زادت التوترات النووية نتيجة رفض الحوار المباشر. كما يعرض الفصل أثر هذه السياسات على أمريكا اللاتينية، حيث أدى الدعم الأمريكي لقيادات محددة إلى زيادة العداء تجاه واشنطن وانتخاب قادة يساريين في معظم دول القارة. يختتم الفصل بتسليط الضوء على التعامل الأمريكي مع سوريا، حيث تُفضّل العزلة على الحوار، مما يعكس استراتيجية أصولية تُضعف النفوذ الأمريكي العالمي وتؤدي إلى نتائج عكسية على الأمن والسلام.

تشويه
سياستنا الخارجية

على الرغم من وجود عوامل سياسية أخرى عديدة تبعث على التعقيد، فإن اتجاه الأصوليين إلى اختيار قضايا عاطفية معينة غوغائية لتملق الجماهير ولتجنب المفاوضات مع المعارضين قد أثرت تأثيراً عكسياً على السياسة الخارجية الأمريكية. وأحد الأمثلة المشهورة هو أن بعض القادة السياسيين الأمريكيين قد تبنوا النظر إلى فيدل كاسترو بوصفه الشرير الإنساني المطلق ورفعوا أمة كوبا الصغيرة العاجزة عسكرياً بوصفها واحداً من أعظم التهديدات لأمن أمتنا ولثقافتها .
كان هناك قلق مبرر، وكان ذلك في أثناء فترة قصيرة منذ أكثر من أربعة عقود مضت حين أعلم الرئيس جون كيندي أن الصواريخ السوفييتية يجري إرسالها إلى كوبا، وسميت أزمة الصواريخ الكوبية بالاسم الصحيح. ومنذ ذلك الوقت، صار التركيز المستمر على كوبا يبعث على السخرية ويعيق ويأتي بنتائج معاكسة. وتم فرض حظر تجاري عقابي على الشعب الكوبي الذي يعاني الآلام في الأصل، كما تم التضييق على حرية مواطنينا في زيارة كوبا والتجارة معها وصار التعاون الثقافي والإنساني معها خارجاً عن القانون، وكانت النتائج المحسوسة الوحيدة لهذه السياسة هي الإضرار بشعب كوبا، وتحويل الكوبيين ضد الولايات المتحدة، وتعزيز مكانة كاسترو التي لا يستحقها بوصفه داوود الصغير الذي يواجه جالوت في واشنطن مواجهة ناجحة، وإدامة استبداده السياسي، وحرمان الأمريكيين من حرياتنا الخاصة بنا .
مع حل أزمة الصواريخ أزيلت في عام 1977 كل القيود التي كانت مفروضة على السفر كي يؤدي التزاور بلا عوائق من الكوبيين الأمريكيين والآخرين في النتيجة إلى مقابلات ودية واسعة وصداقات مع المواطنين الكوبيين المضطهدين وتحسين احتمال مطالبتهم بالحريات الممنوحة لهم بموجب دستورهم هم وقوانينهم. وبدأت أيضاً عملية تأسيس علاقات دبلوماسية، أو الموافقة على أقسام المصالح أو البعثات الرسمية، في واشنطن وفي هافانا . واستجابة للضغوط التي مارسها المنفيون الكوبيون المحاربون في فلوريدا ، قام خلفائي في المنصب بعكس هذه القرارات باستثناء أن المكاتب التي أسسناها في واشنطن وفي هافانا قد بقيت، وهي تخدم بصفتها طرقاً للتواصل على الأقل.

في عام 2002، قررت أن أقبل دعوة من الرئيس فيدل كاسترو لزيارة بلاده ولكن ذلك فقط بعد أن ضمن لي حق التحدث مباشرة ومن دون رقابة إلى الشعب الكوبي، من خلال التلفاز والإذاعة معاً. وقمت بذلك بالتحدث بلغتي الإسبانية المحدودة، مقراً بمنافع خدمات كوبا المتفوقة في مجال التعليم والصحة ولكن مع التشديد على الكيفية التي يجري بها انتهاك حرية الكوبيين وحقوقهم السياسية، وشجعت حركة منشقة قوية ومحترمة تعرف باسم مشروع فاريلا وقد حصل أوزوولدو بايا ساردينياس، وهو رئيس حركة التحرير المسيحية على أكثر من عشرة آلاف توقيع على عريضة تقدم علانية إلى مجلس النواب الكوبي مطالبين بحقوق الحرية المقررة في دستور الأمة. ومنذ زيارتي، ومن سوء الطالع عمل البيت الأبيض بشكل متنام على التضييق على حرية المواطنين الأمريكيين الزيارة الكوبيين أو التواصل معهم، أو الاتجار معهم، وجرى أيضاً تشديد يمكن التكهن به ويتناسب مع الإجراءات المتخذة ضد الأصوات المعترضة في كوبا .
والمثال النموذجي للأثر الشخصي لهذه السياسات الأمريكية الحديثة هي حالة الرجل العسكري الأمريكي، الرقيب كارلوس لازو، الذي كان له ولدان تحت سن العشرين يعيشان في كوبا ولم يكونا يرغبان في أن يتبعا والديهما في الهجرة إلى الولايات المتحدة. وبعد عودة كارلوس من العراق، وكان قد شارك هناك في هجوم الفلوجة الذي كان ضارياً ومكلفاً بشكل خاص، سافر الرقيب إلى ميامي وقدم طلباً روتينياً لزيارة ولديه، وبموجب السياسة الجديدة، لم يسمح له بذلك وأخبر أن مثل هذه الزيارات العائلية لن تكون مباحة، إلا كل ثلاث سنوات على وجه الاحتمال. إن من المزعج أن ندرك أن الرقيب الأمريكي لازو كان يستطيع أن يزور ولديه لو أنه كان مواطناً لأي أمة أخرى في العالم.

إن السياسة الأمريكية نحو كل نصف الكرة الأرضية من جهتنا قد أسيء تشكيلها بسبب هذا الوسواس المستحوذ علينا . لقد صار من المستحيل تقريباً لأي دبلوماسي صاحب مسار وظيفي من أي نوع ولا يظهر التزاماً يقارب التعصب بعزل الشعب الكوبي أن يحصل على منصب عال في وزارة الخارجية، وهذه الفلسفة هي التي تتغلغل في السفارات الأمريكية في كل أنحاء المنطقة.
وطوال عدة سنوات، كان مركز كارتر منغمساً بعمق في أمريكا اللاتينية في جهود تهدف إلى تقليل المعاناة من الأمراض وإلى تعزيز حقوق الإنسان والحكومات الديمقراطية، وتضمن نشاطنا مراقبة العديد من الانتخابات المضطربة. ونحن على اطلاع وثيق وعلى صلة بالحالة السياسية المحلية في عدد من البلدان إن نظام الحكم القمعي في هافانا ما يزال مرموقاً ومانعاً مقلقاً ضد الإصلاحات الديمقراطية، ولكن السياسات المشوهة لحكوماتنا في الأمم الأخرى تسبب موجة من عاطفة معادية لأمريكا وتسبب إطاحة واستبدال القادة الذين يظهرون أنهم مرتبطون ارتباطاً قريباً مع واشنطن.

إن ثمانية من الرؤساء المنتخبين في أمريكا الجنوبية من الذين ينطبق عليهم هذا الوصف أجبروا على التنحي عن مناصبهم منذ عام 2000، وتم اختيار موجة من القادة اليساريين على طول الطريق من تشيلي والأرجنتين في الجنوب إلى فنزويلا في الشمال، ومن جملتها الإكوادور، والبرازيل، وبوليفيا . إنهم الآن يحكمون ثلثي القارة. ويرجح أن يلعب رد الفعل هذا ضد السياسة الأمريكية دوراً كبيراً في الانتخابات القادمة في البلدان الأخرى ومنها المكسيك. 

في شهر أيار / مايو 2005، تم انتخاب المرشح الذي أيده رئيس فنزويلا هوغو شافيز، وهو خوسيه ميغويل انسولزا الاشتراكي التشيلي، ليكون أميناً عاماً المنظمة الدول الأمريكية، وهي المرة الأولى التي يتم فيها في أي وقت من الأوقات اختيار مرشح لم يكن مدعوماً من الولايات المتحدة.

والوسواس الذي استحوذ على إدارة بوش بشأن المحكمة الجنائية الدولية هو مثير إضافي للغضب. وطوال عدة سنوات عمل مركز كارتر مع المسؤولين في واشنطن ومع القادة من أمم أخرى عديدة لتطوير المحكمة الجنائية الدولية والمصممة لمنع والمعاقبة أعمال إبادة الجنس وجرائم الحرب المروعة مثل تلك التي حدثت في رواندا، ويوغوسلافيا، وكمبوديا، وسيراليون، ودارفور في السودان. ووقعت 139 أمة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002، وكان الميثاق مصوغاً بعناية لمنع معاقبة الأمريكيين عن أعمال إبادة الجنس في ما وراء البحار، شرط أن تقوم المحاكم الأمريكية بتولي النظر في أي جرائم من مثل هذا النوع. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تحاول الآن أن تجبر الدول الخاضعة لها على أن تضمن حصانة شاملة لأفراد القوات المسلحة الأمريكية، والموظفي المقاولين، وللسياح. وإضافة إلى بلدان في مناطق أخرى، فإن اثني عشر بلدا في أمريكا اللاتينية والكاريبي يجري حرمانها من العون العسكري ومن غيره، وهو ما يثير سخطاً عميقاً، ويضر بقدرتها على التعاون معنا وإرادتها لهذا التعاون بخصوص السيطرة على المخدرات، والهجرة غير المشروعة، والإرهاب.

وقد شكل العزوف عن التفاوض مع الأعداء قضية أخرى حساسة، وصعبة وخطرة، وكنت مشتركاً في ذلك اشتراكاً مباشراً . في شهر حزيران / يونيو 1994 طردت كوريا الشمالية مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية (آي إيه في إيه) وكانت تهدد بمعالجة الوقود المستهلك من المفاعل النووي القديم المهدأ بالغرافيت في يونغ بايون لتحويله إلى بلوتونيوم. وكان هذا العمل يستطيع أن يعطيهم القدرة على إنتاج أسلحة نووية. وكان تهديد الحرب واضحاً في شبه الجزيرة الكورية ومجلس الأمن في الأمم المتحدة كان يجري حثه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية على فرض عقوبات شديدة على كوريا الشمالية.

وكان هناك إجماع عام، يشارك فيه الخبراء العسكريون الأمريكيون، وهو أن القوات المشتركة لكوريا الجنوبية والقوات الأمريكية تستطيع أن تلحق الهزيمة بكوريا الشمالية، ولكن كان من المعروف أن أكثر من عشرين ألف قذيفة وصاروخ يمكن أن تطلق بسرعة من كوريا الشمالية إلى سيئول المجاورة، في كوريا الجنوبية. وقدر القائد الأمريكي في كوريا الجنوبية، الجنرال غاري لوك، أن الخسائر الإجمالية سوف تتجاوز كثيراً خسائر الحرب الكورية السابقة. 

واستجابة لدعوات عدة سنوات من الرئيس الكوري الشمالي كيم الثاني سونغ وللتعبيرات عن القلق العميق من القادة الصينيين، وبموافقة الرئيس بيل كلينتون، ذهبنا روزالين وأنا إلى بيونغ يانغ وساعدنا على تأمين موافقة من الرئيس كيم وبموجبها كانت كوريا الشمالية سوف توقف برنامجها النووي في يونغ بايون وتسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى الموقع للتأكد من أن الوقود المستهلك لم يكن قد أعيدت معالجته ووعدني قائد كوريا الشمالية أيضاً بأنه سيكون له مناقشات دبلوماسية كاملة مع رئيس كوريا الجنوبية، كيم يونغ سام، الذي قبل فوراً الدعوة التي سلمناها له. وقد مات كيم الثاني سونغ بعد ذلك بقليل، ولم يتم الوفاء بهذا الوعد بعقد مؤتمر القمة إلا في ما بعد من ابنه كيم جونغ الثاني.

ومتابعة لهذه الالتزامات، أكدت الولايات المتحدة وحلفاؤنا في ما بعد للكوريين الشماليين أنه لن يكون هناك أي تهديد عسكري لهم، وأن إمداداً من الوقود الزيتي سوف يستبدل بإنتاج الطاقة المفقودة حين يتم إنهاء الإنتاج النووي في يونغ بايون، وأنه سيتم بناء منشأتين حديثتين للطاقة الذرية، وأن قضبان وقودهما وعمليتهما ستكون تحت رقابة من المفتشين الدوليين.

واستمرت المراقبة للوقود المستهلك في (يونغ بايون ) وكان يقدر أنه كاف لنصف اثني عشرية أو ما يقاربه من القنابل، ولكن الإنشاء الموعود البديل المنشآت النووية تأخر . وعقدت مناقشات ثنائية واسعة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وزارت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بيونغ يانغ لتحل أي صعوبات. وبادر كيم داي جونغ مع انتخابه رئيساً لكوريا الجنوبية، إلى بذل جهد قوي للعمل مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ الثاني ليعم السلام شبه الجزيرة الكورية، وحقق من التقدم ما كان كافياً لينال به جائزة نوبل للسلام في عام 2000.

ومع مجيء إدارة جديدة في واشنطن في عام 2001، تغيرت السياسة كلها تغيراً مؤثراً . ووصمت كوريا الشمالية علانية بأنها جزء من محور الشر، مع تهديدات مباشرة وضمنية بالعمل العسكري ضد الأمة المعزولة المصابة بالذهان الهذائي، وتأسست سياسة رسمية منعت أي مناقشات مباشرة مع الكوريين الشماليين لحل الخلافات. وألغيت شحنات الوقود الزيتي الموعودة، وألغي معها إنشاء الوحدتين البديلتين للطاقة النووية. ووجهت السخرية علانية لكلا القائدين الكوريين وجهودهما المستمرة للسلام بين الشمال والجنوب، وكان ذلك في اجتماع قمة في المكتب البيضاوي مع الرئيس الكوري الجنوبي كيم داي جونغ.

وفي رد فعل من غير روية، ولكن بطريقة يمكن التكهن بها، على هذه السياسة الأمريكية، أعلنت بيونغ يانغ أنها انسحبت من معاهدة منع انتشار الأسلحة، وطردت مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعاودت معالجة قضبان الوقود في يونغ بايون، وأنها كانت تطور وسائل نووية متفجرة. وادعت الولايات المتحدة أن اليوارنيوم كان أيضاً ينقى من أجل استخدامه المحتمل للأسلحة، ولكن الخبراء الصينيين والكوريين الجنوبيين عبروا عن شكوكهم حول دقة هذا التقرير. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن هذه القرارات الكورية الشمالية لتطوير أسلحة نووية، تشكل انتهاكاً جسيماً للاتفاقات السابقة وتهديداً جدياً للسلام وللاستقرار في المنطقة.

والعقبات الأولية للتقدم هي أن الولايات المتحدة طلبت طلباً ملزماً بأن تتخلى كوريا الشمالية عن كل النشاط النووي وأن تتخذ قراراً بأن تقبل أن الاتصال بين بلدينا سوف يكون مقبولاً داخل منتدى فقط مشكل من ست أمم في حين أصر قادة بيونغ يانغ على استئناف المناقشات الثنائية المباشرة، وعلى تصريح واضح من واشنطن بأن القادة الأمريكيين ليس لديهم نية عدوانية ضدهم. وأعلن المسؤولون في كوريا الشمالية في عام 2005 أنهم قد أعادوا تزويد مفاعلهم الذري بالوقود في يونغ بايون مرة أخرى، لأول مرة منذ عام 2002، وهذا ما يعطيهم ثمانية آلاف أخرى من قضبان الوقود النووي يمكن أن تعالج لتصير مادة متفجرة. 

ويصرح سيليغ هاريسون، الذي زار كوريا الشمالية تسع مرات، وأحدثها في شهر نيسان / ابريل عام 2005، بالقول إن:

""إن صعود (الكوريين) المتصلبين في سياساتهم هو النتيجة المباشرة لسياسة إدارة بوش المدفوعة إيديولوجياً نحو كوريا الشمالية، وهي سياسة يمكن أن تنعكس وتتبدل تماماً فقط إذا قامت الولايات المتحدة ببداية جديدة متوافقة مع مدخل الالتزام التصالحي الذي يجري اتباعه الآن من الرئيس الكوري الجنوبي روه مو هايون ... وعلى أي حال، فمن الواضح بشكل متزايد أن الإدارة ارتكبت غلطة كارثية في شهر كانون أول / ديسمبر عام 2002 بإلغائها للتجميد النووي الذي حدث في عام 1994، مستخدمة الاتهام الخاص باليورانيوم مبرراً لها . وهذا ما أعطى المتصلبين المبرر لمعاودة معالجة البلوتونيوم، وخلق بذلك الأزمة الحاضرة"" .

ويقتبس هاريسون كلام المفاوض الكوري الشمالي الرئيسي، كانغ سوك جو وهو المسؤول الرفيع المستوى نفسه الذي تفاوضت معه على النواحي الفنية في عام 1994، وهو يقول إن المحادثات المباشرة السرية لحل المأزق يمكن أن يبدأ بتصريح رسمي يقول إن الولايات المتحدة سوف تحترم سيادة الجمهورية الديمقراطية الشعبية لكوريا الشمالية ووحدة أراضيها وهي مستعدة للتعايش السلمي"".

إن الموقف العسكري الأساسي مشابه ولكنه أسوأ مما كان عليه منذ عقد من الزمان: نحن نستطيع أن ندمر كل الأمة بقواتنا العسكرية الضخمة، ولكن من المرجح الآن مع المتفجرات النووية، أن أكثر بكثير من مليون من الإصابات سوف تنتج عن ذلك في صفوف الكوريين الجنوبيين والأمريكيين.

وقد تسبب إعلان حديث عن انسحاب قوات الولايات المتحدة لمسافة أبعد عن المنطقة المنزوعة السلاح في إثارة قلق متزايد في كوريا الجنوبية من أن القادة المتصلبين في بيونغ يانغ وفي واشنطن قد يعجلون بلا روية بنشوب النزاع المنذر بالتهديد . وكشف استطلاع عام للرأي في شهر نيسان / ابريل عام 2005 عن أن 29.5 بالمائة من الكوريين الجنوبيين يعتبرون الولايات المتحدة أكبر تهديد لهم، مقارنة بنسبة 18.4 بالمائة سموا كوريا الشمالية. وفي صفوف الطلاب الجامعيين رأى 50.1 بالمائة أمريكا بوصفها العقبة الكبيرة للسلام في شبه الجزيرة.

ويمكن تقديم دعاوى قوية على كلا الجانبين عن هذه القضية الحاسمة المهمة، ولكن دبلوماسية حسن النية بين الولايات المتحدة وبين كوريا الشمالية ضرورية. وحتى الآن، تمخضت السياسة الأصولية الداعية إلى عدم التفاوض مع الذين نختلف معهم عن نتائج هي عكس المقصود في كوريا الشمالية، وربما أدت في النتيجة إلى أن يقوم نظام الحكم الشيوعي بإنتاج الأسلحة النووية بسرعة. وفي الوقت نفسه، اكتسبنا عداوة حلفائنا في الشرق الأقصى وقللنا نفوذ أمريكا وقامتها في آسيا. ومن غير المرجح أن يتراجع الكوريون الشماليون ما لم تف الولايات المتحدة بمطالبهم الأساسية.

إذا كان الأمريكيون سوف يتفاوضون كما فعلوا في الماضي، فإن الإطار العملي البسيط لعقد الاتفاقية موجود، مع كون كل العناصر مؤكدة بالأعمال المتبادلة المشتركة مع تفتيشات دولية لا تتعرض للعرقلة

  • تعطي الولايات المتحدة تصريحاً مؤكداً عن عدم وجود نية عدوانية وتتحرك نحو إقامة علاقات طبيعية إذا كانت كوريا الشمالية تتخلى عن أي برنامج أسلحة نووية وتبقى في سلام مع جيرانها .
  •  ويتم الوفاء بالمقدمات الأساسية لاتفاقات عام 1994 مع تعاون كوريا الشمالية، واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وروسيا والصين.
وكان المؤشر الآخر إلى هذه السياسة الأصولية، بعدم التواصل مع الخصوم المحتملين، هو طريقة التعامل الأمريكية الحديثة مع سورية. ولكي نعزز السلام في الشرق الأوسط، وفي إحدى المناسبات، وللاستجابة لطلبات البيت الأبيض زرنا روزالين وأنا، دمشق أولاً في عام 1983 ، وعدنا مرات عديدة. وكان لنا مناقشات طويلة ومفيدة في الغالب مع الرئيس حافظ الأسد، وكانت لنا الفرصة لنتعرف إلى عائلته. وشمل ذلك ابنه بشار الأسد الذي خلف والده قائداً لسورية في شهر حزيران / يونيو عام 2000.ومع وجود خطط للذهاب إلى الشرق الأوسط في شهر تموز / يوليو عام 2005 لمراقبة الانتخابات الفلسطينية، رتبت في الرحلة نفسها أن أزور قادة سورية، والأردن ومصر. وكانت سورية قد أكملت سحب قواتها من لبنان، وكانت مصر قد أعلنت خططاً لعقد شكل من الانتخابات الديمقراطية، وكانت غايتي هي أن أبلغ تحياتي الشخصية للقادة وأن أناقش مصالحهم المحلية والدولية المتغيرة. وكنت أود أيضاً أن أشجع مساندتهم لعملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين وأن أستكشف أي أفكار مساعدة أو مقترحات من أجل مقابلاتنا المخطط لها أن تعقد مع القادة الفلسطينيين. وكان الهدف المرادف هو أن أحصل على أفكار ثاقبة متبصرة قد تكون مساعدة لي في كتابة كتابي التالي، الذي أخطط أن يشمل التطورات في منطقتهم.وكالمعتاد، ومقدماً قبل شهرين، أشعرت وزارة الخارجية والبيت الأبيض بخطط سفري، وتلقيت فوراً تقريباً دعوة من مستشار الرئيس للأمن القومي. وأعلمني أن سورية لم تتعاون في بعض القضايا التي تتصل بالحرب القريبة في العراق، وأن سياسة الولايات المتحدة كانت تقوم على تحديد كل الزيارات إلى دمشق ليكون ذلك وسيلة للضغط على الرئيس بشار الأسد. وبعد مناقشة حامية نوعاً ما، طلب رسمياً باسم الرئيس أن تلغى زيارتنا . وكانت هذه بالنسبة إلي خبرة غير مسبوقة، وأجبرت على الامتثال.وإحدى الخلطات الغريبة للغاية التي تمزج الدين والحكومة هي ذلك التأثير القوي لبعض الأصوليين المسيحيين على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ويكاد يكون كل شخص في أمريكا قد سمع بسلسلة المتروكون من تأليف تيم لاهي وجيري بي. جينكينز، وهي اثنا عشر كتاباً حققت الأرقام القياسية في المبيعات لكل الأوقات. والمقدمة الدينية لهما تستند إلى اختيار حريص من آيات الإنجيل، ومعظم المختارات من كتاب سفر الرؤيا، وهو يصف سيناريو نهاية العالم. حين يعود المسيح، سوف يرفع المؤمنون الحقيقيون إلى السماء، وهناك مع الله سوف يراقبون تعذيب معظم المتبقين من البشر المتروكين في الخلف. وهذه الحادثة المتجاوزة سوف تكون فورية، وأما الزمان فلا يمكن التكهن به. وهناك ملايين حرفياً من زملائي المعمدانيين وآخرين يؤمنون بكل كلمة من هذه الرؤية بالاستناد إلى تمجيد النفس للقلة المختارة، بالإضافة إلى الإدانة والهجر في أثناء فترة ""البلاء، لأفراد الأسرة، وللأصدقاء، وللجيران الذين لم يتم اختيارهم للخلاص.إن إقحام هذه المعتقدات في سياسات الحكومة الأمريكية هو الذي يشكل سبباً للقلق. فهؤلاء المؤمنون مقتنعون أن عليهم مسؤولية شخصية للتعجيل بهذا القدوم للتصدع في النظام لتتحقق نبوءة الإنجيل. ويدعو جدول أعمالهم إلى حرب في الشرق الأوسط ضد الإسلام (العراق؟) وإلى أخذ كل الأرض المقدسة بواسطة اليهود (احتلال الضفة الغربية؟)، مع الطرد الكامل لكل المسيحيين وغير اليهود الآخرين. وذلك ليتبعه قهر المنطقة على يد الكفار ( أتباع المسيح الدجال) ونصر نهائي للمسيح. وفي وقت التصدع هذا ، سوف يتحول كل اليهود إلى المسيحية أو يحرقون.بالاستناد إلى هذه المقدمات، كان بعض القادة المسيحيين في القمة في مقدمة المروجين لحرب العراق، وقاموا برحلات متعددة إلى إسرائيل، لدعمها بالأموال، وللعمل مع جماعات الضغط في واشنطن من أجل استعمار الأراضي الفلسطينية. وكان الضغط الشديد من اليمين الديني عاملاً رئيساً في القبول المستنيم من أمريكا للبناء الضخم للمستعمرات الإسرائيلية ولطرق المواصلات الرابطة بينها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. وقد استغل بعض القادة الإسرائيليين هذه المساعدة في الوقت الذي يتجاهلون فيه البلاء النهائي المتوقع لجميع اليهود .وهذا ما جلب تحولاً مؤثراً آخر عن المعارضة الأمريكية للنشاط الاستعماري الاستيطاني وهي المعارضة التي سادت في أثناء العقود الأربعة السابقة، ابتداء من الوقت الذي كان فيه دوايت آيزينهاور رئيساً وامتداداً عبر مدد رئاسة خلفائه حتى عام 1993، حين أعطى الرئيس بيل كلينتون موافقة شاملة تقريباً لتوسيع الاستعمار الاستيطاني. وكان الرئيس جورج اتش. دبليو بوش قوياً بشكل خاص في معارضته لمستعمرات إسرائيلية محددة تقع بين القدس وبيت لحم، ووصل إلى التهديد بقطع المساعدة المالية إلى إسرائيل.ومع أن بعض التعدي على الأراضي الفلسطينية يمكن تسويته في مفاوضات السلام المستقبلية، فإن الخطط الإسرائيلية الحالية، لاستبقاء مستعمرات واسعة الأثر في الضفة الغربية ولتوسيع جيب ضخم معروف باسم معاليه أدوميم من مكان عميق داخل الضفة الغربية على طول الطريق إلى القدس الشرقية، سوف يرجح أن تلفظ نعي الموت للآمال المعقودة على خريطة الطريق من أجل السلام وهي حجر الأساس لسياسة الرئيس جورج دبليو بوش الشرق أوسطية. وهذا ما سيكون مأساة للإسرائيليين وللفلسطينيين. الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة