القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (5-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (5-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل الخامس العلاقة بين العلم والدين، مؤكدًا على عدم وجود تعارض حتمي بينهما. يناقش الكاتب تجربته الشخصية، بدءًا من نقاشات حول نظرية التطور في المدارس، إلى فهمه للعلم والدين كقوتين متكاملتين. يرى الكاتب أن العلم يكشف عن حقائق العالم الطبيعي دون أن يتناقض مع الإيمان بالله، مستشهدًا بآيات الإنجيل وتجربته في العلوم النووية. ويشير إلى أهمية قبول الاكتشافات العلمية حتى لو لم تتفق مع النصوص الدينية الحرفية، موضحًا أن الدين يوجه الروح بينما يدرس العلم الطبيعة. ويناقش الكاتب آراء العلماء مثل ستيفن جي غولد، الذين سعوا لفصل العلم عن الدين لتجنب النزاع، ولكنه يصر على تكامل المعرفة الروحية والعلمية كدليل على يد الخالق في كل شيء.

لا تعارض بين العلم والدين

لقد كانت إحدى أقدم المناقشات وأكثرها استمراراً، وخصوصاً في الولايات المتحدة، هي المناقشة التي دارت بين العلم والدين. وقد سبق لي أن كنت رئيساً لهيئة التعليم في مقاطعة سمتر في أثناء مطالع الستينيات من 1960، وكانت ما تزال محاكمة المدرس سكوبس المشهورة بشأن ""القرد"" في تنسي موضوع نقاش متكرر بعد أن مرت خمسة وثلاثون عاماً على المحاكمة . وكنا واعين بالمناقشات التي تدور بين مديري المدارس في جورجيا وفي الولايات الأخرى معاً حول تعليم نظرية النشوء والارتقاء، ولكننا سعينا ونجحنا في تجنب النزاع حول هذه القضية في مقاطعتنا ، وربما كان ذلك بسبب أن التعامل مع الدمج العرقي لنظام المدارس العامة وفر ما يكفي من الخلاف ليبقي الجميع منشغلين.

وأنا شاكر أن هذا الانقسام الثنائي بين القوتين المتعارضتين لم يكن بالنسبة إلى مشكلة سياسية أو شخصية. وحين كنت طالباً جامعياً وواحداً من أوائل المشاركين في الانتفاع بالطاقة النووية لأغراض سلمية، كنت راغباً في توسيع معرفتي بالفيزياء وبالعلوم الأخرى. وهذا لم يهدد، بأي طريقة من الطرق، إيماني الديني، نظراً إلى أنني كنت محصناً منذ طفولتي بآية من الإنجيل كثيراً ما تلوتها الإيمان الآن هو مادة الأشياء المأمولة، وهو البينة الدالة على الأشياء غير المرئية (العبرانيون 11 :1).

لقد فهمت دائماً أننا لا نحتاج إلى البرهان العلمي لإثبات وجود الله أو صفات الله. وفي الحقيقة، كلما كانت هناك بينة فيزيائية كافية للبرهان على أي نظرية أو قضية، فإننا عندئذ لا نحتاج إلى الإيمان ليكون أساساً لمعتقدنا ، وزيادة على ذلك، فبالنسبة إلى أولئك الذين هم من دون معتقدات دينية محددة، فإن الشعور الداخلي بما يكون حقاً وما يكون خطأ والمهابة التي تدخل الروعة في النفس من جمال السماء المنارة بالكواكب أو من جمال غروب الشمس، أو من بروز الفراشة من الشرنقة، أو اجتهاد النملة، أو ظهور البراعم الأولى من البذرة كانت براهين كافية على وجود يد الله في حياتنا وفي الخلق.

ويبدو من الواضح لي أن الإنجيل، في مجموعه عرض رسالة الله الروحية ولكن المؤلفين القدامى للكتب المقدسة لم يكونوا خبراء في علم الأرض (الجيولوجيا) أو علم الأحياء، أو علم الكون، ولم يكونوا قد سعدوا باستخدام المجاهر الإلكترونية، أو أساليب تحديد قدم الأشياء تاريخياً بالفحم، أو مقراب (تلسكوب) هبل. ولم أنزعج أبداً من آيات في الإنجيل تنص على أن الأرض مستوية أو لها أربعة أركان، وأن النجوم تستطيع أن تسقط على الأرض مثلما تسقط حبات التين من الشجرة، أو أن العالم قد خلق في ستة أيام من أيام التقويم كما نعرفها .

وكلما وجد اكتشاف علمي أو نظرية علمية أثبتتها ملاحظة الحقائق، فإن هذه الاكتشافات والنظريات تكون وحياً جديداً تماماً لبني البشر غير المعصومين من الخطأ بحقائق كانت موجودة من قبل. ولا يمكن أن يكون لهذه الكشوف على الأرجح أثر مضاد على مكانة الله القدير الخالق لكل الكون. وحين يكتشف العلماء معلومات جديدة حول العالم الطبيعي أو يفصحون عن معلومات عنه فيجب أن تترابط المكتشفات الواحد مع الآخر في نظريات تجديدية. وتجرب كل نظرية بعدئذ تجربة شديدة وصارمة بالملاحظات اللاحقة، والتي توفر للنظرية إما برهاناً إضافياً وقبولاً أو تثبت خطأها ورفضاً لها . هذه هي الكيفية التي تكشف بها الحقيقة.

إن وجود ملايين المجرات البعيدة، وتطور الأنواع، ونظرية الانفجار الكبير لا يمكن رفضها لأنها لم توصف في الإنجيل، كما لا يمكن للثقة بهذه الأمور أن تلقي بالشك على خالق الجميع. لقد أعطانا الله هذه الفرصة المثيرة من أجل الدراسة والاستكشاف من دون أن نتوقع قطعياً أن يضم الإنجيل وصفاً لكل العالم المادي أو أن تكون الاكتشافات العلمية هي الأساس لإيماننا المسيحي.

لقد كان أحد كتابي المفضلين في المواضيع العلمية هو الكاتب ستيفن جي غولد (22)، وكنت قد راسلته أحياناً . وفي عام 1989 كان قد كتب ما أعتبره أمتع كتبه قاطبة، حياة رائعة مواطن الطين وطبيعة التاريخ. ومع أن علماء الحفريات القديمة الآخرين قد نازعوا بعض مقولاته لاحقاً، فقد استمتعت استمتاعاً كاملاً بوصف المخلوقات الغريبة التي برزت من تغير مناخي تحويلي منذ حوالي 500 مليون عام. وأشار إلى التطور المتتابع لتلك المخلوقات بوصفه شيئاً مثل شريط تسجيل يمر عبر آلة تسجيل، وأما النتائج فيمكن أن تعزى إلى تسجيل عشوائي تم مصادفة بشكل كامل.

وكتبت له رسالة خاصة، تعبر عن اعتقادي أنه كان هناك بوضوح بعض المنطق أو النظام في العملية. ولم يرد علي مباشرة، ولكنه لاحقاً اقتبس رأيي وسخر منه بمكر في إحدى مقالاته التي كتبها في مجلته الشهرية، وشكلت فيما بعد قسماً من كتاب. وقبل سنتين من موته في عام 2002، أرسل إلى نسخة من كتابه صخور العصور، وهو كتابه الأخاذ الذي كان قد صممه ليحل التعارض بين العلم والدين. وكان مدخله إلى الموضوع هو أن يفصل الاثنين فصلاً كاملاً، فيما دعاه السلطة غير المتطابقة. إن الملاحظات العظيمة للعلم تحدد العالم الطبيعي، والتعليم المجمل (السلطة) للدين يحدد العالم الروحي، ولا يجب أن يتدخل أحدهما في الآخر.

وبالنسبة إلي كان هذا المدخل مقبولاً . فليس هناك مكان للدين في الفصل الدراسي للعلوم، ولكنه لن ينهي التزام بعض المسيحيين المخلصين في رفض كل نواحي شرح تشارلز دارون للتطور أو رفض أي مكتشفات جيولوجية تشير إلى وجود أرض أكثر عمراً من ستة آلاف عام. ولم يكن مدخل غولد يتوافق مع معتقدي الشخصي في أن الله خلق الكون وأن المكتشفات العلمية الجديدة، حين تبرهن، يجب أن تقبل ولو لم تكن متوافقة مع بعض الوصف الإنجيلي للخلق والمركزية الأرض والسماوات وتوضعها .

سيكون هنالك دائماً أناس يصرون على ناحية واحدة من المعرفة مع استبعاد الناحية الأخرى وهم مبتلون بفهم أن الدين والعلم لا يمكن أن يبرهن أحدهما على الآخر. وهذا لا يزعجني. فنحن جميعاً ولدنا بإرادة حرة، لنقبل أو لنرفض أي شيء نختاره. وفي الوقت نفسه، فنحن لا نملك الحق في أن نحرم الناس الآخرين الحرية في أن يدرسوا وأن يقبلوا أو أن يرفضوا القضايا المقدمة بوصفها حقائق. 

منذ سنوات عديدة، كتبت قصيدة تعبر عن الصعوبة التي أجدها في فهم الأمر كله :

تأمل في ما خلق ولماذا ؟

حاولت أن أسبر غور قوانين الطبيعة

من النماذج الدوارة ومن المخططات الإجمالية في فصل الدراسة

من الجزيئات ومن أجزاء الذرة

وصدقت تقريباً - ولكن جاءت بعدئذ الكواركات

والبوزونات واللبتونات، والجسيمات المضادة

صور المرأة الدوارة المعاكسة

بعض من التي تثقب الأرض

لا تنحرف مطلقاً عن مساراتها الأكيدة.

استمعت إلى وجهات النظر المتضاربة

حول العالم الكبير والعالم الصغير:

 انفجار كبير فيه بدأ كل شيء

 وحول فضاء منحن يتوسع دائماً.

وربما ألعاب هائلة دوارة مثل ألعاب اليويو

التي سوف تصل يوماً إلى النهاية

وحول الجاذبية الكونية وعندئذ

 

تطير راجعة إلى حيث تستطيع أن تعاود الابتداء

أو تنفجر إربا إرباً انفجاراً كارثياً -

وبعدئذ، وبعدئذ الحدث التالي.

وهل هي كلها صدفة؟

وأنا أشعر باليقين أنها لم تكن كلها صدفة

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة