القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (12-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (12-15)
ملخص الكتاب

ملخص: الفصل الثاني عشر يتناول التحول في السياسات الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مع التركيز على الحرب الاستباقية كاستراتيجية جديدة تتحدى المبادئ التقليدية للسياسة الأمريكية والقوانين الدولية. يوضح الفصل كيف استندت الحرب على العراق إلى معلومات استخباراتية مضللة، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومالية كبيرة. يناقش المؤلف أيضاً المبادئ المسيحية للحرب العادلة، منتقداً تجاهل الإدارة الأمريكية لها واستغلال الخوف الشعبي لتبرير الغزو. يتحدث عن تداعيات هذه الحرب، بما في ذلك فقدان التعاطف الدولي، وتصاعد العداء العالمي، والآثار الكارثية على الشعب العراقي، مع التشديد على شجاعة القوات المسلحة الأمريكية وسط هذا السياق المأساوي.

عبادة أمير السلام أم الحرب الاستباقية؟

كان الشعب الأمريكي، طوال شهور بعد الهجوم الإرهابي الرهيب في عام 2001، غارقاً يومياً تقريباً في مزاعم من المسؤولين الحكوميين الكبار يدعون فيها أننا كنا نواجه تهديداً مدمراً من أسلحة التدمير الشامل العراقية أو من ملاكات ( كوادر) كبيرة كذلك ومنظمة تنظيماً حسناً من إرهابيين مختبئين في بلادنا . ولكن، وكما أكد حلفاؤنا الأجانب تأكيداً قوياً وكما أكد أعضاء رئيسيون في إدارات استخباراتنا ، لم يكن هناك أي خطر أبداً موجه إلى الولايات المتحدة من بغداد . وكان واضحاً أنه مع وجود عقوبات الأمم المتحدة، والتفتيش الكثيف على الأسلحة، والتفوق العسكري الأمريكي الكاسح، فإن أي حركة حربية من صدام حسين ضد جار، أو عرض علني لأسلحة الدمار الشامل، أو تقاسم مثل هذه التقانة مع منظمات إرهابية كان سيشكل عملاً انتحارياً للعراق. وكانت برامج العراق للأسلحة قد تناقصت إلى حد العجز قبل أن تشن الحرب لاستئصال تلك البرامج.

لو أن صدام كان قد امتلك فعلاً ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية، أو الحيوية، أو الكيماوية، لكان الغزو الأمريكي عندئذ قد أدى في النتيجة إلى مئات آلاف الضحايا، ولكان الكثيرون منهم من القوات الأمريكية. وليس هناك أي دليل على أن القادة البريطانيين أو الأمريكيين كانوا قد توقعوا حقاً أو استعدوا لهذه الإمكانية المحتملة. ونحن لا نستطيع أن نتجاهل تطور مثل هذه الأسلحة في أي أمة يمكن أن تكون معادية أوفي أي منظمة معادية، ولكن العمل العسكري الأحادي الجانب المستند إلى استخبارات خاطئة أو مشوهة عن عمد ليس هو الجواب.
وكذلك حين كنت فتى صغيراً، كان طموحي أن أذهب إلى الكلية البحرية الأمريكية في أنابوليس، لأصير ضابط بحرية، ولأكرس مسيرة عمري للدفاع عن بلادي وعن مبادئها في كل مكان حول العالم. وغادرت سلاح تدريب الضباط الاحتياط الخاص بالأسطول متجها إلى أنابوليس في عام 1943 وتابعت هذه الخدمة المهنة باستمرار حتى استقلت من خدمتي في عام 1953. وباستثناء الجنرال دوايت أيزنهاور، فقد قضيت في الخدمة العسكرية العاملة عدداً من السنوات أكثر من أي رئيس آخر منذ عهد أولئك الذين خدموا جنرالات في الحرب بين الولايات. ومع أني مستعد لأقدم حياتي إذا كان ذلك ضرورياً بصفتي ضابط غواصة، فقد التحقت مع ضباط آخرين ورجال آخرين في الالتزام المشترك بأن القوة الظاهرة لأمريكا وثبات أمريكا سيكونان رادعاً للحرب، وبأننا نحن كنا الناس الذين يصونون السلام. ولم أشعر قط أن إخلاصي للخدمة العسكرية كان خرقاً لإيماني بيسوع المسيح، أمير السلام.

وفي وقت لاحق، حين كنت رئيساً في أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، وجهت بالمسؤولية المهولة حقاً المتمثلة في حماية أمتي ومصالحها الكونية. وكنت على علم أنني ألعب الدور الرئيسي في منافسة شديدة بين الحرية والشيوعية في كل ركن من العالم تقريباً، وأدركت أن أي خطوة تزل بها القدم كانت تستطيع أن تسرع في إشعال محرقة نووية. فبالإضافة إلى قاذفاتنا البعيدة المدى والصواريخ الهائلة العابرة للقارات الموجودة في قواعد على الأرض، كنا قد طورنا أسطولاً من الغواصات التي كانت منتشرة انتشاراً ثابتاً في البحر وكانت منيعة تقريباً على أي هجوم سوفييتي استباقي. وكنا نمتلك القدرة، مع وجود رؤوس حربية متعددة على الصواريخ المحمولة على سفينة واحدة، على تدمير كل مدينة كبيرة في الاتحاد السوفييتي كله.

وكانت إحدى الحقائق التي كان علي أن أقبلها من أول يوم لي في المنصب هي أن الرؤوس الحربية النووية المعادية العابرة للقارات، سوف تحتاج، بعد أن يتم إطلاقها، إلى ست وعشرين دقيقة فقط لتصل إلى واشنطن، وإلى نيويورك، وإلى الأهداف الأمريكية الأخرى. وفي أثناء هذه الفترة الوجيزة، كانت مسؤوليتي الوحيدة بصفتي القائد العام أن أتخذ القرار بشأن ردنا عليها .
لم يكن هناك أبداً أي وسائل فعالة لتدمير صاروخ عابر للقارات وهو قادم وكانت معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ بين دول السلاح النووي قد منعت منعاً محدداً محاولات تطوير مثل هذا الدفاع تحت تلك الظروف، كانت الخيارات الوحيدة هي أن تطلق هجوماً معاكساً، أو أن تقبل الضرر المرعب من دون رد. وكان خياري واضحاً وهو أن أتجنب إمكانية وقوع هذا السيناريو، الذي كان يعرف اختصاراً باسم مناسب له وهو كلمة MAD ماد (مجنون)، حسب الحروف الأولى من كلمات اسمه بالإنجليزية وهي التدمير المتبادل المحقق (mutual assured destruction) وذلك بإقناع السوفييت بقدرتنا وعزمنا على الرد، ومن خلال الدبلوماسية الفعالة لصون السلام ولحماية المصالح الأمريكية.

إنني أعتز بلوحة قدمها إلي أحد أعضاء الوزارة في اليوم الذي غادرت فيه المنصب، وعليها اقتباس من توماس جيفرسون:

يواسيني أن أتأمل في

أن قطرة دم واحدة لمواطن واحد

لم ترق بسيف الحرب

في أثناء مدة إدارتي

وكما وصفت في الفصل السابق، فإن السياسة الأمريكية الحالية تهدد فاعلية الاتفاقات الدولية التي سبق أن فاوض عليها كل الرؤساء السابقين تقريباً مفاوضة شاقة. لا بل ربما كان أكثر الأمور إزعاجاً من حيث هو تهديد لصون الاستقرار الكوني، هو التبني غير المسبوق لسياسة الحرب الاستباقية. وهذا القرار الحديث ليس تحولاً جذرياً فقط عن السياسات التاريخية للولايات المتحدة بل هو انتهاك أيضاً للقوانين الدولية التي سبق لنا أن تعهدنا باحترامها . إن ميثاق الأمم المتحدة يمنح الأمم المستقلة الحق الذاتي للدفاع عن النفس منفردة أو مجتمعة، ولكن في حالة الهجوم المسلح عليها فقط. ومع تجاهل أقرب حلفائنا أعلن رئيسنا قراراً بأن الولايات المتحدة سوف تتصرف بوصفها القانون الذي يحكم أنفسنا بأنفسنا وسوف تشن هجمات عسكرية استباقية، في الوقت الذي ترفض فيه معيار أن ""الحرب هي الملاذ الأخير"" .

قال دانييل ويبستر في عام 1837 (وهو الرجل الذي سيسمى بعد أربع سنوات وزيراً للخارجية) يجب أن يكون هناك ""ضرورة للدفاع عن النفس وأن تكون ... فورية، وكاسحة، ولا تترك خياراً للوسائل، ولا لحظة للتروي"". وأقر وزير الخارجية السابق، هنري كيسنغر، وهو عادة مؤيد قوي لسياسة الإدارات الجمهورية، أن سياسة الحرب الاستباقية سياسة ثورية وتتحدى النظام الدولي"".

إن وصم الأمم الأخرى بأنها تشكل محور شر قد وضع عليها علامة بوصفها أهدافاً ممكنة وأغلق في الوقت نفسه الأبواب المعتادة لحل الخلافات الثنائية معها من خلال الوسائل الدبلوماسية. ولعل ما هو أكثر مدعاة للقلق الفوري والخطير، هو أن تبني هذه السياسة المتطرفة قد بدد التعاطف معنا بالإجماع تقريباً والتعهدات بالمساندة التي جاءت لنا بعد الهجوم الإرهابي في 2001، والآن تتركنا هذه السياسة وحيدين نسبياً في جهدنا الطويل الأمد الحاسم لاحتواء التهديد بالإرهاب وتخفيضه.

لقد صار واضحاً بعد قليل من الانتخابات الرئاسية في عام 2000 أن بعض قادتنا السياسيين الجدد كانوا عازمين على مهاجمة العراق. وبالمزاعم الكاذبة والمشوهة بعد 9/11 ضللوا مجلس الشيوخ الأمريكي والجمهور الأمريكي وقادوه إلى الاعتقاد أن صدام حسين كان مسؤولاً بطريقة ما عن الهجوم الجبان على أبراج التجارة العالمية ووزارة الدفاع، وأن العراق كان يطور أسلحة نووية ووسائط أخرى من أسلحة الدمار الشامل وأنه كان يشكل تهديداً مباشراً لأمن أمريكا .

ومع أن الخداع في هذه التصريحات قد انكشف لاحقاً، فقد سبق السيف العدل، وكان معظم مواطنينا الواثقين مساندين للحرب. وعملت المزاعم المبالغ فيها عن الكارثة القادمة من أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة على المحافظة على المخاوف حية، مع قيام نائب الرئيس ديك تشيني مراراً وتكراراً بالتصريح ببيانات كاذبة، من مثل، بدلاً من فقدان آلاف الأرواح، فقد نفقد عشرات الآلاف، أو حتى مئات الآلاف من الأرواح في يوم واحد من الحرب . وساندته مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس بالإشارات المرعبة إلى الغيوم الفطرية الشكل فوق مدن أمريكا، وذهب وزير الخارجية كولن باول إلى الأمم المتحدة ليقدم بيانات ململمة غير صحيحة إلى العالم. واعترفت الإدارة لاحقاً أن معلوماتها كانت خاطئة، ولكن مصادر الاستخبارات كوفئت، ولم تعاقب.

مع قليل من العجب نجد أن المواطنين الأمريكيين الخائفين ومعهم أعضاء مجلس الشيوخ ساندوا طوال بضعة أشهر على الأقل الحرب غير الضرورية على رغم السياسة التاريخية لأمتنا التي تعتمد على الدبلوماسية بدلاً من القتال لحل النزاعات وعلى رغم التزام المسيحيين بعبادة يسوع المسيح بوصفه أمير السلام. وبالنسبة إلى شخصياً وإلى معظم الأمريكيين الآخرين، فإن هذا الالتزام بالسلام وبالدبلوماسية لا يتضمن مسالمة عمياء أو شاملة. هناك أوقات تكون فيها الحرب مبررة، وقد تم طوال قرون عديدة رسم المعايير الأخلاقية للعنف ووصفها بعناية.

وحين صار واضحاً أكثر فأكثر أن قادتنا كانوا سيهاجمون العراق، قررت أن أكتب مقالة لصحيفة نيويورك تايمز شرحت فيها الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة من أجل الذهاب إلى الحرب. واستخدمت الحجج الأساسية نفسها التي عالج بها القادة المسيحيون ( من أمثال القديس أوغسطين حوالي 400م والقديس توماس الأكويني في القرن الثالث عشر الميلادي) هذه المسألة بوضوح تام قبل ألف وستمائة عام على الأقل، وكلهم أسندوا آراءهم إلى كتاب العهد الجديد المقدس.

 

وقد كتبت هذه الكلمات في 3 من شهر آذار / مارس 2003، لتكون مقالة مقابلة للافتتاحية، من دون أن أدرك أن القادة الكبار في الولايات المتحدة وفي بريطانيا العظمى كانوا قد اتفقوا على غزو العراق منذ عام سابق تقريباً لهذه المقالة:

""حرب عادلة، أم حرب غير عادلة ؟""

""إن تغييرات عميقة جرت وتجري في السياسة الخارجية الأمريكية وهي تنقض الالتزامات الثابتة التي التزم بها الحزبان والتي كسبت العظمة لأمتنا طوال أكثر من قرنين. وهذه الالتزامات كانت مبنية على مبادئ دينية أساسية، واحترام للقانون الدولي، وتحالفات أسفرت عن قرارات حكيمة، وانضباط مشترك. إن عزمنا الواضح على شن حرب على العراق من دون مساندة دولية، هو انتهاك لهذه المقدمات.

""وبصفتي مسيحياً ورئيساً تعرض إلى استفزازات حادة من الأزمات الدولية، فقد صرت على اطلاع كامل على مبادئ الحرب العادلة وإنه لمن الواضح أن هجوماً أحادي الجانب على العراق من الناحية الجوهرية لا يفي بهذه المعايير. وهذه تقريباً قناعة شاملة للقادة الدينيين، مع الاستثناء لقلة من المتحدثين من المؤتمر المعمداني الجنوبي المتأثرين تأثراً عظيماً بالتزامهم بإسرائيل وهو الالتزام المستند إلى لاهوت ( الأيام الأخيرة) قبل يوم القيامة.

""المعيار الأبرز للحرب العادلة هو أنها يمكن أن تشن بوصفها الملاذ الأخير فقط، وبعد أن تكون كل الخيارات غير العنيفة قد استنفدت. ومن الجلي أن البدائل الواضحة موجودة، مثلما اقترحها قادتنا نحن ووافقت عليها الأمم المتحدة. وأما الآن، ومع أن أمننا القومي غير مهدد مباشرة، وعلى رغم المعارضة الكاسحة من معظم الشعوب والحكومات في العالم، فإن الولايات المتحدة تبدو مصممة على تنفيذ عمل عسكري ودبلوماسي غير مسبوق تقريباً في تاريخ الأمم المتمدنة. والمرحلة الأولى من خطتنا للحرب المعلن عنها على نطاق واسع هي أن نطلق 3000 قنبلة وصاروخ على السكان العراقيين العزل نسبياً الذين لا يمتلكون أي دفاع عن أنفسهم وذلك في غضون ساعات قليلة من غزو سيكون الغرض منه هو إحداث أضرار كبيرة للشعب وتدمير معنوياته إلى الدرجة التي ستجعله يغير قائده البغيض، والذي سيكون من المرجح إلى أبعد حد مختبئاً وآمناً من القصف الهائل.

""يجب على الأسلحة المستخدمة في الحرب أن تميز بين المحاربين وغير المحاربين. إن القصف الجوي المديد، ولو كان يتم مع الدقة المتناهية، يسفر دائماً عن أضرار مصاحبة كبيرة. ويشكو القائد الميداني الأمريكي، الجنرال فرانكس، مقدماً من أن الكثير من الأهداف العسكرية موجودة قرب المستشفيات والمدارس والمساجد، والبيوت الخاصة.

""يجب أن يكون العنف المستخدم في الحرب متناسباً مع الإصابات المتكبدة. وعلى رغم جرائم صدام حسين الخطيرة الأخرى، فإن جهود الأمريكيين لربط العراق مع الهجمات الإرهابية في 9/11 لم تكن مقنعة.

 

""يجب على المهاجمين أن يمتلكوا السلطة الشرعية التي أذن بها المجتمع الذي يعترفون أنهم يمثلونه. وكان يمكن للتصويت الموافق بالإجماع الذي تم في مجلس الأمن على استئصال أسلحة الدمار الشامل العراقية أن يكون ما يزال موضع احترام، ولكن غاياتنا المعلنة الآن تهدف إلى تغيير النظام وتأسيس سلام أمريكي في المنطقة، وربما احتلال البلد المقسم عرقياً لمدة قد تطول إلى عقد من الزمان. ونحن لا نملك سلطة دولية من أجل تحقيق هذه الأغراض. وقد قاوم الأعضاء الآخرون في مجلس الأمن حتى الآن التأثير الاقتصادي والسياسي الضخم الذي تقوم واشنطن بممارسته، ونحن نواجه باحتمال الفشل في الحصول على الأصوات اللازمة أو بحق الاعتراض (الفيتو) من روسيا، أو فرنسا، أو الصين. ومع أن تركيا قد تكون ما تزال تُستدرج بالمكافآت المالية الهائلة وبالسيطرة الجزئية المستقبلية على الأكراد والزيت في شمال العراق، فإن مجلس نوابها الديمقراطي أضاف صوته على الأقل إلى التعبيرات عن القلق التي عمت كل أنحاء العالم.

""ويجب أن يكون السلام الذي يراد تأسيسه تحسيناً واضحاً على ما هو موجود. ومع أن هناك رؤى من ترياق السلام والديمقراطية في العراق، فإن من الممكن تماماً أن تؤدي تبعات الغزو العسكري الناجح إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن يقوم الإرهابيون الذين آثارهم الغزو بالانتقاص من السلامة الشخصية لشعبنا ولأمن أمتنا . وإضافة إلى ذلك، فإن تحدي المعارضة العالمية الكاسحة سوف يهدد بتصدع عميق ودائم للأمم المتحدة بوصفها مؤسسة قابلة للحياة من أجل السلام العالمي.

""... إن التعاطف القلبي الصادق والصداقة التي قدمت لنا بعد الهجمات الإرهابية في 9/11 حتى من أنظمة الحكم التي كانت معادية لنا سابقاً، قد تبددت إلى حد كبير، والسياسات الأحادية الجانب المتزايدة والمتسلطة أوصلت بلادنا إلى الحضيض من مستواها من عدم الثقة والعداء الدوليين في ما تذكره الذاكرة.

 

وسوف نهبط أكثر من ذلك بالتأكيد في مكانتنا إذا أطلقنا حرباً تتحدى معارضة الأمم المتحدة تحدياً صريحاً، وأما متابعة استخدام حضورنا والتهديد بقوتنا العسكرية لإرغام العراق على الامتثال لكل قرارات الأمم المتحدة، مع وضع الحرب خياراً أخيراً، فسوف تعزز مكانتنا بصفتنا حامياً للسلام وللعدل"".

وعلى رغم هذا البيان السابق للحرب الذي جاء وكأنه يعلم الغيب على نحو مأساوي ومعه بيانات أخرى مثله، فإن الولايات المتحدة رفضت القيود الدولية على استخدامها للقوة وغزت العراق بقوة عسكرية كاسحة. ولم يكن هناك أدنى شك حول نتيجة النزاع، وذلك نظراً إلى وجود قيود دولية شديدة دامت طوال أكثر من عقد من الزمان على حصول العراق على معدات أسلحة متقدمة، ولأن العراقيين كانوا يصرفون سنتاً واحداً فقط، مقابل كل ثلاثة دولارات في ميزانية أمريكا العسكرية. وكان سوء الحكم المأساوي قد تمثل في أن قواتنا العسكرية الشجاعة كانت ذاهبة إلى ما صوروه لها استقبالاً حاراً من العراقيين المحررين. وبدلاً من ذلك، فقد تكبدنا على الأقل خمسة عشر ألف إصابة، ومن جملتها أكثر من ألف وسبعمائة قتيل، و 93 بالمائة منهم منذ سقوط بغداد.

وكان العدد المتوسط للضحايا الأمريكيين العسكريين كل شهر هو ثمانية وأربعين قبل اعتقال صدام حسين، ثم زاد بعدئذ إلى ثمانية وسبعين في الشهر.

ومن الغريب أن وسائل الإعلام الجماهيرية تبدو متبلدة الإحساس نحو الإصابات. وقد اعترف محقق شكاوى الجمهور في صحيفة الواشنطن بوست على سبيل المثال، قائلاً : بين 1 من شهر نيسان / إبريل و 23 من شهر حزيران / يونيو، في الوقت الذي كنت أكتب فيه هذا الكلام، مات 193 من أعضاء القوات المسلحة الأمريكية في العراق. ولم يكن هناك عنوان رئيسي واحد، في الصفحة الأولى لصحيفة كبيرة يشير إلى أنها التقطت هذا الكلام حين كان يتكشف أو أجملت الحديث عنه إلى أي نقطة .

وكان واحد من أغرب القرارات التي اتخذتها حكومتنا هو تحديد معرفة الأمريكيين بالخسائر فنادراً ما يذكر الجرحى أو يزارون من قادتنا، ويعمل كل شيء ممكن لمنع أي نظر عام إلى التوابيت التي تعود إلى محفظة الموتى في الولايات المتحدة في قاعدة دوفر الجوية في ديلاور. ورفعت قضايا قانونية نيابة عن الأمهات والزوجات اللواتي حرمن من السماح لهن بلقاء جثث القتلى من أعضاء أسرهن في دوفر أو في القواعد العسكرية الأخرى.

لقد اتخذنا نحن وحلفاؤنا البريطانيون قراراً رسمياً بأن نمتنع عن تعداد الموتى من المدنيين أو تقدير أعدادهم، وهناك مساحات واسعة في الأرقام المنشورة روت مجلة طبية بريطانية محترمة، هي لانسيت، أن قوات الحلفاء وخصوصاً القوات الجوية قد قتلت مائة ألف من العراقيين غير المقاتلين. والتقديرات الوحيدة من المصادر الأمريكية الرسمية هي حوالي أربعة وعشرين ألفاً، ومحدودة فقط بأولئك الذي ذكروا في وسائل الإخبار الغربية. الأرقام الفعلية تقع في مكان ما بين هذين الطرفين.

وإضافة إلى العراقيين الذين قتلوا في أثناء العمليات العسكرية الأمريكية مات المدنيون العراقيون وضباط الشرطة بمعدل أكثر من 800 في الشهر بين شهر آب / أغسطس 2004 وشهر أيار / مايو 2005، طبقاً للأرقام المعلنة في شهر حزيران / يونيو 2005، من وزارة الداخلية العراقية، مع تزايد معدل الموت بعد انتخابات كانون ثاني / يناير.

وبغض النظر عن الأرقام الدقيقة للإصابات، هناك حقيقتان أساسيتان يجب أن نتذكرهما، وهما : الحرب كانت غير عادلة وغير ضرورية، وقواتنا المسلحة في العراق تستحق شكراً وإعجاباً فوق العادة لشجاعتها الخاصة وفعاليتها . والحقيقة هي أن الولايات المتحدة، على خلاف ما يكون عليه الحال في أثناء أزمان أخرى من التهديد القومي أو الأزمة، ليست في حالة حرب. ويتركز عبء النزاع كله، إلى درجة غير عادية، على مجرد أفراد عسكريين قلة وعلى عائلاتهم، ومن دون أن يكون هناك أي تضحية مالية أو انزعاج في صفوف 99.5 بالمائة من الشعب الأمريكي. كان خمسمائة ألف من القوات العسكرية قد اشتركوا في حرب الخليج الأولى في تحقيق الغاية المحدودة وهي إخراج العراقيين من الكويت، ولكن ما يعادل ثلث تلك القوات فقط في هذه المرة هي القوة التي أرسلت مراراً لتتغلب على أمة كبيرة ومعقدة ولتستولي عليها .

الذين بقوا على قيد الحياة يتلقون الثناء الذي يستحقونه بجدارة، ولكن أسرتنا دخلت في نوع مختلف من النزاع حين غادر ابننا الكبير الكلية للتطوع للخدمة في فيتنام. كانت تلك مغامرة أمريكية غير شعبية للغاية. وأتذكر حين كان جاك يأتي في إجازة عسكرية لفترات قصيرة، كان موضع سخرية من أقرانه وزملائه السابقين في الدراسة لكونه غراً وساذجاً، وفضل ألا يلبس البزة العسكرية. وبعد عدة سنوات بعد أن انتهت حرب فيتنام كرم هؤلاء الشباب الشجعان أخيراً بوصفهم أبطالاً .

والسؤال الأساسي الذي يجب أن يسأل هو: هل خفضت الحرب العراقية تهديد الإرهاب؟ من سوء الطالع، أن الجواب هو: ""لا"" . ونحن لم نفقد فقط التعاطف الذي كان بالإجماع تقريباً والمساندة التي عرضت علينا في كل أنحاء العالم بعد هجوم 9/11، بل هناك أدلة مباشرة أيضاً أن الحرب العراقية قد زادت التهديد الإرهابي. وقد صرح بورتر غوس، وهو مدير وكالة الاستخبارات المركزية، في شهادة له أمام مجلس الشيوخ بالقول: ""إن المتطرفين الإسلاميين يستغلون النزاع العراقي من أجل تجنيد جهاديين جدد معادين للولايات المتحدة ... وهؤلاء الجهاديون الذين يبقون على قيد الحياة سوف يغادرون العراق وقد تمرسوا بالخبرة وركزوا على أعمال الإرهاب في المناطق الحضرية"".

ولتأييد رأيه روى المركز القومي الأمريكي لمكافحة الإرهاب أن عدد الحوادث الإرهابية الدولية قد زاد بأكثر من ثلاثة أضعاف في عام 2004. ونمت الهجمات المهمة ذات المغزى إلى أكثر من 650 هجوماً، زيادة عن رقم قياسي سابق كان حوالي 175 في عام 2003. وزادت الحوادث الإرهابية في العراق أيضاً زيادة مؤثرة من 22 هجوماً إلى 198 هجوماً، أو ما يعادل تسعة أضعاف مجمل العام السابق بعد تسليم الولايات المتحدة السلطة السياسية إلى حكومة عراقية مؤقتة. من الواضح أن الحرب قد حولت العراق إلى أفضل مركز تدريب إرهابي في العالم، وربما يكون أخطر من أفغانستان تحت نظام حكم الطالبان. وإضافة إلى ذلك، فبدلاً من تمكننا من استخدام العراق قاعدة دائمة نستطيع منها أن نضغط على إيران وسورية، هناك على ما يبدو موالاة متزايدة بين الحكومة العراقية التي تتطور وبين جيرانها الشيعة الأصوليين، وهو الأمر الذي قد يقوي الموقف الإستراتيجي الإيراني تقوية كبيرة في الشرق الأوسط.

إن تبني الحرب الاستباقية بوصفها سياسة أمريكية قد أجبر الولايات المتحدة على أن تتخلى عن المعاهدات الموجودة وعن التحالفات الموجودة بوصفها قيوداً غير ضرورية على حرية قوتنا العظمى للتصرف تصرفاً أحادي الجانب. وهناك عاقبة خطيرة أخرى لهذه السياسة وهي احتمال قيام أمم عدوانية أخرى بتبني السياسة نفسها في الهجوم لإطاحة قادة يرون أنهم غير مرغوب فيهم.

حين نظمت الولايات المتحدة ونسقت الخطوة الأولى نحو الديمقراطية المحتملة في العراق في مطالع عام 2005، كان هناك مظاهرة مؤثرة من الشجاعة والالتزام للحرية حين قام عدد ضخم من المسلمين الشيعة والأكراد بالذهاب إلى التصويت في الانتخابات في وجه التهديد الذي أطلقه المنشقون السنة والجماعات الإرهابية، وأما الخطوات التالية المتوجهة نحو كتابة الدستور ثم تشكيل حكومة تمثيلية بعدئذ فهي خطوات ما تزال من غير الممكن التكهن بها في الوقت الذي أكتب فيه هذا النص، ولكن هناك قلق كبير حول تعاون السنة وحول المدى الذي ستكون القوانين الدينية مهيمنة فيه، فالأحزاب الدينية الشيعية الحاكمة تطالب بأن تصير نصوص من القرآن، تدعى الشريعة، هي السلطة العليا في قضايا الزواج والطلاق، والميراث. وستكون مفارقة ساخرة، إذا ضاعت حقوق النساء المهمة التي بقيت موجودة برغم حكم صدام حسين وفقدت تحت الحكومة الجديدة ""الديمقراطية التي ترعاها الولايات المتحدة وتحميها .

وسيكون إنجازاً وجيهاً إذا أمكن تحقيق النجاح، على رغم الأمور غير المتيقنة وعن الزيادة في حمية الإرهابيين، فإن هذا الجهد الرامي إلى جلب الديمقراطية إلى العراق يستحق مساندة العالم.

وليس هناك من شك في أن على الولايات المتحدة أن تنجز أهدافها الأساسية قبل سحب قواتنا من العراق، ولكن تلك الأهداف لم يسبق لها أبداً أن رسمت رسماً واضحاً. ومن المرجح أن الضغوط السياسية الموجهة من جمهور أمريكي خاب فأله ستكون عاملاً كبيراً في وضع الأهداف في حدها الأدنى وفي وضع الجدول الزمني لانسحاب القوات الأمريكية. يجب علينا أن نزود الشعب بالماء، وبالصرف الصحي، وبالاتصالات، وبالكهرباء، وبالقدرة على إنتاج زيتهم وتسويقه، ويجب أن يمتلك العراقيون قوات أمن على درجة الكفاءة نفسها التي كانت للقوة التي سرحناها، لتدعم حكومة مستقرة وديمقراطية.

 

والسؤال الأساسي الذي سيقرر النتيجة النهائية هو أيصر القادة الأمريكيون على وجود القواعد العسكرية الدائمة والعلاقة الاقتصادية المهيمنة في البلاد، أم سيعلنون بوضوح أننا لا نملك أي خطط لإدامة حضور دائم لمصلحتنا الخاصة؟

ومعظم العرب في المنطقة، ولدرجة تبعث على الدهشة والانزعاج، لا يتفقون مع تقديري المفضل للجهد الديمقراطي. ففي استطلاع محترم أجرته الزغبي الدولية في مصر والمملكة العربية السعودية، والمغرب، والأردن ولبنان والإمارات العربية المتحدة ونشر في شهر آذار / مارس 2005، أن أغلبية ساحقة من العرب لا تصدق أن السياسة الأمريكية في العراق كان الباعث عليها نشر الديمقراطية في المنطقة، وهم يعتقدون أن الشرق الأوسط صار أقل ديمقراطية بعد حرب العراق وأن العراقيين صاروا أسوأ حالاً مما كانوا عليه قبل النزاع. والمعدلات الإجمالية للموافقة مع الولايات المتحدة كانت بنسبة منخفضة غير مسبوقة وصلت إلى 2 بالمائة في مصر، و 4 بالمائة في المملكة العربية السعودية و 11 بالمائة في المغرب، و 14 بالمائة في الإمارات العربية المتحدة، و15 بالمائة في الأردن، مع نسبة عالية تصل إلى 20 بالمائة فقط في لبنان

كانت هذه هي البلاد العربية التي لها أقرب الروابط التاريخية مع أمريكا. فأكثر من ثلاثة أرباع العرب المجيبين اعترفوا بالمساندة للمبادئ الديمقراطية للحكومة، ولكنهم أدانوا الهجوم على العراق إدانة شديدة وأدانوا الانحياز الواضح من الولايات المتحدة ضد حقوق الفلسطينيين. وعلى الرغم من جهودنا الديمقراطية المثيرة للإعجاب، فهذه ليست فأل خير لسياساتنا في المنطقة.

وكما وصفت سابقاً، فإن إحدى خصائص الأصوليين هي أنهم يتخلون عن المناقشات أو المفاوضات لحل الخلافات، ويفسرون هذا الأسلوب بوصفه علامة ضعف في التمسك بمبادئهم. وأكثر ما ينم عن التمييز بين الجمهوريين والديمقراطيين هو تفضيلهم بين طرق حل القضايا الدولية الخلافية الاعتماد على القوة أو الدبلوماسية.

إن أمتنا منقسمة انقساماً واضحاً حول الرد الأساسي على التحديات الدولية التي تواجهنا، ومن المفترض على نطاق شامل أن أرض الوطن الأمريكية لن تكون أبداً آمنة أمناً كاملاً، وأنه سيكون هناك تهديد دائم من الإرهاب، ومن المرجح أنه سيأتي من منظمات ضعيفة نسبياً ولن يكون لها أمل في تحدي أي وجه من وجوه قوتنا العسكرية الكاسحة.

ما هي أفضل ردودنا؟ أمن الأفضل أن نعتز بدورنا التاريخي بصفتنا الحامي العظيم للحقوق الإنسانية، أم أن نتخلى عن معاييرنا المحلية والدولية العالية في الرد على التهديدات أمن الأفضل أن نقيم مثالاً حازماً في تخفيض الاعتماد على الأسلحة النووية والمزيد من انتشارها، أم أن نصر على حقنا وعلى حق الآخرين في استبقاء ترساناتنا، وتوسيعها، ونقوم من أجل ذلك بإلغاء اتفاقيات السيطرة على التسليح التي جرى التفاوض عليها طوال عدة عقود أو الانتقاص منها؟ أنحصل على أفضل خدمة بتبني السلام بصفته أسبقية قومية، ما لم يكن أمننا مهدداً تهديداً مباشراً، أم بإعلان حق كامل بمهاجمة الأمم الأخرى أحادياً التغيير نظام حكم كريه فيها أو لأغراض أخرى؟ هل التصريح بالقول: ""أنتم إما معنا وإما علينا أفضل؟ وهل يتفوق على تشكيل الأحلاف المستندة إلى فهم واضح للمصالح المشتركة؟ وحين تكون هناك اختلافات جدية مع الأمم الأخرى.

أيكون من الأفضل أن نسمح بالمفاوضات المباشرة لحل المشكلات، أم أن نصم أولئك الذين يختلفون معنا بوصفهم منبوذين دولياً، ونرفض أن نسمح بمثل هذه المناقشات؟

لقد سبق لسياسات حكومتنا أن أجابت من قبل عن معظم هذه الأسئلة. وهي سياسات محمولة على المقدمات الأساسية للأصولية ، ولم يتضح بعد إن كان الشعب الأمريكي موافقاً.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة