الحجاب في عصر الاستعمار
متى صار الحجاب رمزاً للقهر عند الغرب على الرغم من أنني لم أستطع تحديد. أصول هذه الفكرة، فالواضح أن اعتبار الحجاب من مظاهر القهر بين المسلمين، كان اعتقاداً شائعاً لدى الأوروبيين في القرن الثامن عشر: فالسيدة البريطانية ماري ورتلي مونتاجو التي صحبت زوجها الدبلوماسي المحترم"" إدوارد ورتلي مونتاجو إلى تركيا بين عامي 1717 و 1718، أبدت اعتراضها على فكرة ارتباط الحجاب بالقهر، ولأنها جربت ارتداء الحجاب في أثناء إقامتها في تركيا، فقد أكدت أن الحجاب يتيح للنساء حرية، لأنه يسمح لهن بالخروج دون أن يتعرف عليهن أحد. ولكن فكرة الحجاب قهر، اتخذت بعداً جديداً وأهمية في القرن التاسع عشر، إذ كان ذلك عصر استعمار أوروبا للشرق الأوسط. وكما تبرهن ليلى أحمد في كتابها . فقد جعل المستعمرون هذا الاهتمام الجديد جزءا من تسويفهم لغزو الشرق الأوسط واستعماره.
في العصر الاستعماري كان الأوروبيون جميعاً رجالاً ونساء مستعمرين أو سياحاً. فنانين أو مبشرين باحثين أو سياسيين أو نسويات، على رأي واحد هو أن النساء المسلمات يتعرضن للقهر في الثقافة الإسلامية، كان السند الفكري لذلك أنه: لا يمكن أن ترقى شخصية المسلمات ومكانتهن في أي أرض، بتعاليم غير التعاليم المسيحية، وما دامت المرأة المسلمة تقبل حكم القرآن أساساً لإيمانها ، فإنها لن تتردد في الإذعان لتلك الحياة المشوهة التي يحكم بها عليها، وكان الحجاب يدرج بين قائمة المظاهر قهر النساء، لا تتغير إلا قليلاً، وتشمل تعدد الزوجات، والانعزال وحق الطلاق غير المقيد في يد الرجال. بل إن الحجاب صار كلمة تختزل كل مظاهر انحطاط مكانة المرأة، وصورة ( أو علامة) على انحطاط الشرق الأوسط ( أي ما كان يعرف به أورينت، أي الشرق) ، كانت كلمة الحجاب تغذي نظرة الثقافات الأوروبية الاستشراقية للشرق الأوسط .
لم يكن الغرب هو وحده المقتنع بارتباط الحجاب بالقهر. فقد تشربت النخب الوطنية الرأي الاستشراقي فيهم حتى إنهم اقتنعوا بأنهم متخلفون، وأن نساءهم في انحطاط، ولا بد لهم من اتباع الوصفات الغربية للتقدم.
كيف صرنا نعد جزءاً من الشرق ؟، كان هذا سؤال أحد القراء، أرسله المجلة المقتطف المصرية في عام 1888 ألسنا أقرب إلى أوروبا من الصين أو شمال أفريقيا؟، فرد المحرر بأن من يدرسوننا ، يسمون أنفسهم المستشرقين. ولكن هذا التشكك لم يدم لديه، فيعد ذلك بخمس سنوات عندما تعرف شخصياً على بعض كبار المستشرقين في عصره، صار المحرر أقرب لقبول شرق المستشرقين صورة لذاته. إذ نراه يقول: «نحن من أنزلنا أنفسنا هذا المنزل، فثمة شيء واحد يجمعنا كلنا في الشرق: مجدنا القديم وتخلفنا الحاضر.
وصار خلع الحجاب أولوية ملحة لدى النخب التي تسعى للحاق بالغرب، وهكذا صار الحجاب رمزاً قوياً لتقدم أي أمة أو تخلفها. ولما كانت الطبقة العليا هي التي تقود حركة التحديث كان الخطاب المناهض للحجاب في حد ذاته هجوماً على الطبقات التي ظلت محافظة على الحجاب ودلالته الرمزية القديمة ( أي رمزاً للورع والثراء والمكانة العالية ). وأحدث الخطاب المعادي للحجاب صدعاً بين أبناء الأمة الواحدة النخب المتطلعة غرباً، وآخرين ممن يقبلون ثقافة المستعمر، ويستفيدون اقتصادياً واجتماعياً من الاستعمار في مواجهة الباقين جميعاً من الطبقات الدنيا. وشيوخ الدين المتمسكين بالتراث، وغيرهم ممن يعانون جراء الاستعمار، ويرفضون الطرائق الغربية في الحياة.
وعلى ذلك، فإن فكرة الحجاب قهر، وليدة الهيمنة أو على الأقل الرغبة في الهيمنة، وإن أي نقاش يطرح فكرة أن الحجاب رمز القهر النساء يعتمد - على نحو صريح أو خفي على الخطاب الاستشراقي والاستعماري بشأن الحجاب. وربما يفسرذلك روح التقاتل التي تصاحب المناظرات الفكرية حول الحجاب، فالحجاب كما تقول ليلى أحمد: ظل يحمل شحنة الدلالات الاستشراقية منذ عصر الاستعمار. وتعكس المواجهات الحالية بشأن الحجاب في العالم الإسلامي أشكال التقسيمات الطبقية والثقافية نفسها.
ا- ميتافيزيقا الحداثة
إذا كان الغرب يعد الحجاب قهراً، منذ بدايات القرن الثامن عشر، فما الذي استجد في عصر الاستعمار في القرن التاسع عشر، ليجذب المزيد من الاهتمام إلى الحجاب؟ وعن ذلك أقول في الفصل الحالي: إن طبيعة الحجاب المانعة لنظرات الآخرين هي أكثر ما يجلب الهجوم على الحجاب. وعلى الرغم من أن الآليات المحركة لهذا الهجوم قد بدأت في عصر الاستعمار الحديث، فإنها لا تزال تعمل حتى اليوم. وهذا يفسر الهجوم المعاصر على الحجاب، ويوسع تحليلي لهذه النقطة حدود نقاش تيموثي ميتشل في كتابه «استعمار مصر عن الصدام بين ميتافيزيقا الحداثة. الأوروبية وبين ميتافيزيقا غير أوروبية.
يبدأ كتاب استعمار مصر، بتحليل بعد - حداثي قوي لتصورات القرن التاسع عشر ( الحداثية) للعالم. ويفسر ميتشل الحداثة بأنها ، أو نطولوجيا التمثيل تتبع الحداثة تصنيف ديكارت للإنسان إلى عقل وبدن، فتقسم العالم إلى قسمين منفصلين: عالم الأشياء المادي الساكن، وعالم المعاني غير المادي ( المفهوم والإطار). أما عالم المعنى فسابق على عالم الأشياء، وهو الذي يمنحه بنيته، ويجعله قابلاً للإدراك، ولكن ميتشل يرى أن هذه الثنائية من آثار آلية التمثيل التي سادت القرن التاسع عشر. يستخدم ميتشل في تحليله المعارض العالمية بوصفها الموضوع الأساسي. ولكنه يتوسع في نقاشه فيضم إلى المعارض حدائق الحيوان والمحال الكبرى، والمتاحف والعمارة الحضرية، والنظريات الأكاديمية في الثقافة واللغة، ومن ثم يقول: إن الفرد الحديث يوجه في هذا العالم توجيهاً كأنه يأتي من خارجه، ففي أي معرض عالمي يتحول الزائر إلى مشاهد وكأننا في مسرح، فهو منفصل عما يشاهده، ويدعي المعرض أنه تمثيل أمين العالم حقيقي يوجد في مكان آخر. وهكذا فإن عرض القاهرة الذي أقيم في عام 1889 بالمعرض العالمي في استوكهلم بالسويد، قدم نموذجاً لأحد شوارع القاهرة لم يستثن منه طلاءه الملطخ ص (1) . ويلفت ميتشل الانتباه إلى حقيقة أن الزائرين المصريين غادروا المعرض معبرين عن اشمئزازهم ) . ومع ذلك، كما يؤكد ميتشل، فإن واقعية المعرض في ذاتها كونه يقدم نفسه كصورة متقنة لشيء في مكان آخر بعيد تعني أن هذا الشيء المصطنع يعلن أنه ليس الشيء الحقيقي (ص xiii). أما أثر هذا الإعلان على الزوار، فهو تقسيم العالم إلى قسمين: عالم حقيقي هناك، وصورته المطابقة (تمثيله ) هنا، وبالإضافة إلى هذا فالمعرض مزود بالخرائط التي تعرف الزائرين كيف يفسرون المعرض ويفهمونه، فالخريطة وسيط بين الشخص والمعرض، مما يعزز أثر تقسيم العالم إلى قسمين، وكذلك يعزز شعور الزائر بالانفصال عن العالم المادي. يمكن القول: إن النصر أو الخطة المنفصلة ظاهراً، هو ما عزز فصل الشخص عن الأشياء المعروضة نفسها، وعزز فصل الأشياء المعروضة عن المعنى أو عن الواقع الخارجي الذي تمثله (ص 20).
يؤكد ميتشل أن الزوار يخرجون من المعرض، متصورين أنهم تركوا خلفهم عالم التمثيل، والحقيقة أن أغلب جوانب الحياة في القرن التاسع عشر، كانت في طريقها للتحول تدريجياً إلى جزء من آلية التمثيل: كل شيء يجمع ويرتب ليرمز لشيء ما. ليمثل التقدم والتاريخ والصناعة البشرية والإمبراطورية، كل شيء يعد وكل ما بعد دائما يوحي بحقيقة ما أكبر من التمثيل، (ص (6) . العالم كله معرض وليس هذا من قبيل المجاز فحسب، فالسلع إشارات إلى العمل المستمر خارج البيت، تعرض وراء نوافذ عرض وكبائن زجاجية في المحال الكبيرة الجديدة وحدائق الحيوان تعرض حيوانات العالم، والمتاحف تمثل الثقافات الأخرى، والمزارع النموذجية وآلاتها الجديدة تمثل التقدم، والمدن تمثل التخطيط غير المادي ( التصميم الهندسي وأسماء الشوارع وأرقام المنازل: صمم ها وسمان طرق البوليفار في باريس: ليخلق منظوراً دقيقاً في عين الفرد الذي يقف في الزاوية الصحيحة، فالعمارة المحيطة تكون في هذه الحالة قد أعطته وجهة نظر خارجية (ص 59).
وتقود آلية التمثيل الإنسان لأن يرى العالم كله وكأنه لا ينتمي إليه، وكان العالم صورة: يبدو الأمر وكأن كل شيء قد شيد أمام عيني الإنسان، وكأنه نموذج لشيء أو صورة لشيء. تم ترتيب كل شيء أمام الذات الناظرة حتى تكونت منظومة دلالية ( كما تسميها الرطانة الأوروبية) ، تعلن عن نفسها بأنها الدالة على مدلول، (ص 12 - 13 ) . ولأن الفرد مبعد ومنفصل عن عالم الأشياء، وبإمكانه النظر مباشرة وفهم العالم في لحظة، فإن أثر هذا التمثيل يؤدي إلى الإيمان بيقين التمثيل [ الإيمان بأنه الحقيقة (ص (7) فالصور الفوتوغرافية والوصف اللفظي الدقيق للعالم المادي، تقبل بوصفها حقيقة العالم، فقد كان نشر أول مجموعة صور فوتوغرافية عامة للشرق الأوسط في عام 1858 وهي فلسطين ومصر مصورة وموصوفة، لفرانسيس فريت، تجربة في التصوير الفوتوغرافي ... ذات قيمة لا تداني، وقد أعلن عنها في مجلة أرت جورنال بجملة ستعرف أننا نرى الأشياء كما هي تماماً، (ص 22 - 23).
1- النظرة والحجاب
ما ينبغي أن أبرزه بشأن خبرة العالم في العصر الحديث بوصفه معرضاً، هو الأولوية التي تمنح لفعل النظر: نحن الآن شعب موضوعي نريد أن نضع كل شيء بحوزتنا في صناديق زجاجية. ثم تنظر إليه ما وسعنا النظر، (ص 19 - (20) . هكذا قالت صحيفة التايمز في صيف عام 1851 بمناسبة المعرض الكبير، يقول ميتشل إن هذه هي خبرة الموضوعية الحديثة، وهي الشعور بقدرة الفرد على أن ينظر من مكان عال ويرى العالم من موقع محايد وزوار أوروبا من الشرق الأوسط كثيراً ما علقوا على نزوع الأوروبيين للحماقة فيهم، فرفاعة الطهطاوي، الموظف والمبعوث المصري الذي قضى خمس سنوات في باريس، في عشرينيات القرن التاسع عشر، وجد من الضروري أن يفسر هذا النزوع الأوروبي للحملقة ( ومستمعوه من مواطنيه بالتأكيد في حيرة؛ لأن ثقافة الشرق الأوسط كانت تؤمن بعين الحسود، أي قدرة النظرة على إحداث الأذى) . يقول الطهطاوي وهو يناقش عادات الأمم المختلفة وأخلاقها في كتابه الصادر في عام 1883 إن أحد معتقدات الأوروبيين أن النظرة لا تأثير لها..
ماذا يحدث إذا عندما يواجه الإنسان عالما يرفض النظرة؟ فالنظرة تقتضي وجهة نظر أن ترى ولا ترى، وأن يعرض أهل البلد أنفسهم، وكأنهم مشاهد للعرض. وليس من العسير أن ندرك فوراً قدر إحباط الزائر الأوروبي عند وصوله إلى الشرق الأوسط، حيث تغطي النساء وجوههن بالحجاب، فالنساء لا يعرضن أنفسهن كقطع في معرض، وكذلك البيوت التي يعشن فيها ( كان على النوافذ المطلة على الشوارع مشربيات "" ولم يكن تقليد الفصل بين الرجال والنساء يسمح بذلك. فقد كانت النساء المحجبات يخرقن كل قواعد مفهوم العالم معرضاً: فقد كن بعيداً عن العيون، لا تراهن العيون وهن يرين، ولم يكن صورة يمكن قراءتها. كن كائنات يحيط الغموض بهن، يرفضن عرض أنفسهن أمام الزائرين، وإني لأرى ذلك سبباً رئيساً في الحملة الأوروبية على الحجاب، وصل الأوروبيون إلى الشرق الأوسط تملؤهم الثقة باعتلاء ذروة الحضارة، ولكن تلك الثقة اهتزت بمجرد وصولهم إلى هذه البلاد. فكيف الإنسان أن يكون أعلى، أو أن يفرض سلطته على مخلوقات يعجز عن معرفتها. ( إذ لا يمكن رؤيتهن أو فهمهن كما تفهم الصورة). فما لا يمكن رؤيته أو فهمه كأي مشهد يدركه البصر، لا يمكن السيطرة عليه. بل إن الأوربيين شعروا بالارتباك بسبب النساء المحجبات فقد كان هؤلاء الأوروبيون يعرفون أن النساء يراقبتهم، على حين لا يراهن أحد، وقد أتاح ذلك للنساء قدراً من السلطة على الأوروبيين، وكان ذلك قلباً للعلاقة المتوقعة بين الأعلى والأدنى - أن ترى ولا ترى، ومن ثم - وهنا يكمن لب فكرتي وطرحي - كان رد الأوروبيين الانتقامي. لقد هاجموا الحجاب وحاولوا نزعه، وفعلوا كل ما بوسعهم ليروا النساء. فقد عرضوا النساء في رسومهم الزيتية وصورهم الفوتوغرافية وغيرها، وقاموا كذلك برسمهن عاريات، أو من دون ملابس الخروج.
وسأقوم بتفصيل ذلك عن طريق بعض كتب الرحلات التي كتبها رحالة أوروبيون عن الشرق الأوسط.
2- اختراع النساء الرغبة الذكورية
كانت أوروبا تعرف الشرق مكاناً غريباً بعيداً قاسياً بربرياً، ولكنه مفعم بالمتع الحسية، شهوائي وماجن طبعت هذه الصورة في الوعي الأوروبي بفعل مصادر مختلفة عبر قرون عدة. فقد كانت هناك الحكايات الشعبية والكتابات العلمية التي دونت في القرون الوسطى التي تحكي عن موهامت الساحر، ذلك المجنون وأتباعه الذين يدعون إلى دين جديد . وهناك الرومانسة الإنجليزية من القرون الوسطى، وموضوعها الشائع هو السيد الغربي النبيل الذي ينقذ النساء الشرقيات المعذبات ، وهناك دانتي الذي جعل مكان محمد في قعر جهنم وهناك شكسبير وشخصيات الترك المخادعين في مسرحياته نه . أما قصص ألف ليلة وليلة، التي كانت شائعة جداً ومحبوبة في أوروبا، فكانت تعج بشخصيات الملوك والأميرات والسحر والعفاريت والرؤوس الطائرة بفعل السيوف. وهناك مشاهد الحريم الغريبة المثيرة في لوحات إنجريه وغيره.
برغم أن هذه الصورة الغربية عن الشرق أسهم فيها فنانات وكاتبات، فإن خيالهن قد صاغه رجال برغبتهم الجنسية ( في النساء ). كان الولع بالشرق ولعاً بالنساء الجمال الغريب خلف الحجاب، تلك المخلوقات الجنسية القابعة في حريم الرجل الشرقي، هل كان ذلك حسداً؟). أغرت صورة الشرق الرجال الأوروبيين الذين كانوا يبحثون عن الغريب فتدافعوا نحو الشرق الأوسط: ليروا أو يقابلوا حسناوات الشرق ذائعات الصيت القصبة هذه الكلمة السحرية تملكتني طفلاً ...
القصبة لم أكن أعرف سوى أن معارك طاحنة بين العرب والجنود دارت هناك في الليل، وأن النساء كن هناك أي نساء؟ لم تكن لدي فكرة. لا شك أنهن كن مخلوقات غير طبيعية تختلف عن كل النساء. تخيلت كهفاً يملؤه الخطر والسحر، قطعة من حكايات ألف ليلة …
تزخر كتب الرحلات التي كتبها رجال بأوصاف دقيقة للنساء، والرحلات الرجال المشاهدة الراقصات، ولدخول المواخير. فالرجال مهووسون لدرجة مدهشة ( أم تراها غير مدهشة بالنساء، بوصفهن كائنات جنسية، يصف كلوزينجر، مثلاً ، أنه ذات مرة صادف ومعه بعض أصحابه امرأة محجبة في الطريق، وأن كلا منهما التفت للآخر ( هو والمرأة ) بعد أن تجاوزها التقت عيوننا مرة أخرى، وأسرت لنا الدرتان السوداوان اللامعتان: أن هذا الحجاب القلق يخفي تحته قلباً دافئاً خافقاً كقلوبنا، وربما كان يخفق لنا. وكتب بيل سانت جون: إن التعبير في عيون المصريات ( فهو لم ير وراء ذلك شيئاً ) كان يعد بالجنة. نظرت امرأة إلى ريتشارد بيرتون نظرة عابرة فبادلها النظر. يقول: فلما رأيت من كانوا معنا مشغولين علي خاطرت ورفعت يدي إلى جبيني، فابتسمت المرأة ابتسامة لا تكاد تلاحظ، وابتعدت، وذهب «الحاج"" في نشوة.
لقد تم تأنيث الشرق نفسه، فالسباحة في البحر الأحمر، كما كتب فلوبير: «كانت كالرقاد على ألف نهد سائل، وحتى المؤلفات النساء، رددن الخطاب الذكوري السائد عندما كتبت جيرترود بل عن خبرات رحلتها إلى بلاد فارس، وصفت أحاسيسها بلغة استشراقية تقليدية:
الشرق (أنثى) تزخر بالأسرار، ولأنها زاخرة بالأسرار فهي زاخرة بالمدهشات. فعلى السطح أشياء كثيرة جميلة ولكن سحرها الأصيل ذو طبيعة أدق..... فالشرق الأنثى فجأة تزيح أستارها، فيلمع وجهها الدري ويخطف عينيك ثم يختفي مرة أخرى بابتسامة تسخر من حيرتك. ثم تظن للحظة أنك تنظر إلى وجهها، فإذا هي تختفي قبل أن تعرف أكانت تلك ملاكاً أم شيطاناً.
حتى عندما لا تكون النساء الشرقيات من إنتاج الخيال، فإن الكتاب ينزعون عنهن الإنسانية باستخدام كل أنواع النعوت، لوصفهن ووصف ملابسهن، فالمرأة التي تلبس النقاب تشبه عادة وبصورة فجة، بأنواع مختلفة من الحيوانات أو السفن أو المناطيد أو الأشباح والموتى"" وسواء. كانت جمالاً غريباً أو شبحاً ، ظلت المسلمة لدى الناظرين إليها مجرد مشهد أو محض شيء، وتحول الحجاب ومرتدياته إلى مجاز يعبر عن الشرق كله وكل ما يجذب إليه أو يثير الخوف منه…
-3 وراء الحجاب
إن جنس الكتابة، الذي يضم كل الأعمال التي أسهمت في خلق الصورة الغربية عن الحجاب بوصفه رمزا للشرق المثير القاسي الماجن، لهو جانب آخر من مفهوم العالم معرضاً، الذي وصفه ميتشل كان الأوروبيون منهمكين في سعيهم لاختلاق شرق من خيالهم. ومن ذلك، فإن أوروبيين كثراً من الرجال ذهبوا إلى الشرق، وهم يتصورون أنفسهم فرسان الشهامة، يؤدون دور المنقذ للجمال الغريب البعيد، وغالباً ما كان يصيبهم الإحباط، إذ تغیب مساعيهم. يقول جون أورمسبي عن لقائه بامرأة محجبة وقد غمره الشعور بالمرارة:
ليت الظروف أتاحت لي أن أصورها صبية جميلة نفر من حريم شيخ عربي قاس لها عيون واسعة دامعة تستدر عطف المسيحي، فحدث كهذا له شأن وجاذبية، خاصة إذا تصدره في صفحتي هذه عنوان مثل فاطمة الضحية. لكن الحقيقة تفرض علي أن أقول: إنه لا تعبير هذه المرأة ولا مظهرها يؤيدان مثل هذه النظرية الجذابة.
ويقول ليون ميتشل:
مهما كتب عن الشرق، فإن الرجال الفرنسيين يسعدهم الاعتقاد بأنهم سيلتقون الجواري اللاتي سمعوا بهن كثيرا، الحسناوات كنجمة الصباح ينتظرن العاشق، ويظن الرجل الأوروبي أنه سيجد في أفريقيا قصوراً بهية. لها شرفات تطل على الباب المفتوح على الشارع، حيث تنتظر سجينة فاتنة أن ينقدها الفارس الفرنسي الشهم ذو الملابس الحربية اللامعة. وينسون أن الحريم تحت حراسة مشددة، وأن على النوافذ مشربيات تجعل الاتصال بالخارج أو حتى تبادل النظرات مستحيلا.
تبرز هذه المقتطفات خيبة أمل الكاتب، عندما يعجز عن تحقيق الوهم الاستشراقي عن المسيحي الأوروبي، الذي سينقذ الحسناء المكروبة، برغم أن المقتطف من كلام ميتشل يبقي على الوهم، عندما يشير ضمنا إلى أن هناك من يقيد النساء، ولولا الحراس عند النوافذ لذهبن للمسيحي.
لا عجب إذا أن يسبب النقاب هذا الضيق للرحالة، فهو الذي يمنعهم رؤية حسناوات الشرق الشهيرات فكيف كانوا يجدون رؤية الجمال الغريب البعيد سهلة المثال في أوروبا قبل مجيئهم، حيث لم يكن في تصورهم أن الحجاب عائق يمنع رؤية المرأة الشرقية؟ ( بل إن التصوير الأوروبي للحجاب كان غالباً إضافة مثيرة لصورة المرأة ). كان النقاب قطعة حقيقية من ملابس المرأة، يمنع الناس رؤية الجمال الموجود خلفه، وآثار الإحباط الناتج عن هذا هجمات على النقاب ذلك الشيء الذي يحرمهم من إشباع رغبتهم، أي النظر إلى النساء. كتب برادلي بيرت عن شكل النقاب الفارسي قائلاً : كان أسوأ قطعة ملابس يمكن أن يصممها أشد الأزواج غيرة على زوجه، وأشدها فظاظة فلا يمكن أن ينظر غريب إلى امرأة فارسية ويرى الجمال الذي تجعلنا القصائد والحكايات الخيالية تصدق بوجوده خلف هذه الحجب المستورة. أما «دوتي، فنفر من الحجاب لأنه منعه رؤية وجوه النساء التي أبدعها الخالق: لتبت البهجة في عالم البشر، ويحكي «قانون» عن محام أوروبي كان في زيارة للجزائر، سمحت له طبيعة عمله أن يرى امرأة دون نقاب، قوله: يقع على الرجال الجزائريين ، ذنب إخفاء هذه النماذج الكثيرة من الحسن الغريب. وخلص الرجل إلى أن شعباً لديه هذا الكثر من الدرر ونماذج الكمال الطبيعي الذي يحتفظ بها لنفسه ينبغي له أن يكشفها ويعرضها. وإن لم يكن من سبيل لذلك، فلير غموا على فعله.
كان الرحالة الأوروبيون يصلون إلى هناك بتوقعات عالية، إلى درجة تسبب لهم خيبة الأمل في النساء اللاتي تسنح لهم الظروف برؤيتهن، وهنا ظهر موضوع آخر، وهو أن نساء الشرق في الحقيقة على قدر كبير من الدمامة، وكما يؤكد أحد الرحالة في زمن قريب لنا ، عام 1955: إن الشرقيات حتى الشابات منهن أقرب إلى الدمامة، مهما شاع من أساطير عنهن بسبب انعز الهن وعيونهن السود التي وراء الحجاب الكثيف. وإن من الرحالة الأوروبيين من امتدح، بل حتى أوصى بارتداء الشرقيات الحجاب لما وجدوا فيهن من دمامة كتبت امرأة إنجليزية كانت تعيش في الجزائر تقول: لينهن يتمسكن بالزي الإسلامي ويخفين عنا ملامحهن المنفرة، فلو فعلن لوفرن علينا صدمات كثيرة.
أصيب الأوروبيون بالإحباط لعدم تمكنهم من الظفر بنظرة إلى النساء بغير الحجاب. الدرجة أنهم أتوا أفعالاً غريبة تصف جين دولافوي، وهي فرنسية كانت في رحلة لإيران في ثمانينيات القرن التاسع عشر مع زوجها ، كيف تغلبوا على هذه المشكلة:
وسط إحدى الساحات كان رب البيت يتحدث مع شابتين، لا شك أنهما من قريباته، ولم تلاحظ الشابتان أنهما مراقبتان فتركتا وجهيهما مكشوفين.... اختبات أنا خلف ناحية من الجدار، وطلبت من زوجي أن يناولني آلة التصوير، وأسرعت بإعدادها، وأنا سعيدة بأن ظفرت بتلك اللقطة، لذلك المستور الفاتن الذي تحيطه حراسة غيورة في المجتمعات الفارسية .
أما مدام بوميرول، فقد استفزها العجز عن اقتناص فرصة لرؤية نساء الموزييات في الصحراء الكبرى، فانتظرت في إحدى الحارات يوماً حتى مرت امرأة، لحقتها مدام بوميرول، وبعد أن قالت لها : إنها بارعة الجمال حاولت ، برفق شديد طبعاً أن تزيح نقابها، فتلقت بسبب ذلك الطعة شديدة، وبينما أسرعت المرأة بعيداً، أخذت مدام بوميرول تبحث مع نفسها كيف تحقق غرضها ، بوسيلة أقل عنفاً. كان أولئك النساء تحدياً مهيناً لهؤلاء الأوروبيين الذين كانوا يرون لأنفسهم الحق في رؤية ما وراء الحجاب.
والحقيقة أن سخط الرحالة بسبب عجزهم عن الظفر بنظرة إلى ما جاؤوا ليروه. كان أكثر من مجرد حالة إحباط عابرة بل كانت ضربة أصابت جوهر وجودهم والغرض من رحلتهم واكتشافهم. فالمستشرقون قد منحوهم الشرق من قبل، في إطار مفهوم العالم معرضاً». وهم قادمون ليروا بأنفسهم الشيء الحقيقي، الذي تم تمثيله لهم في وطنهم، في صورة لوحات زيتية وصور وكتب وقصص شعبي، ولقد علمهم مفهوم العالم معرضاً، كذلك وجود ترتيب هرمي للأمم، وأنهم - أي الأوروبيين - على ذروة الحضارة، كان الشرق عندهم مكاناً بلا زمان، لم ينله تغيير منذ عصر نزول الكتب المقدسة، وهم هنا ليرتحلوا فيه، وقبل ذلك ليتفرجوا ، وكما سبق بيانه فكون المرء مشاهداً في معرض يعني امتلاك السلطة على ما ينظر إليه، فإذا حرمت فرصة النظر، حرمت سلطة الأعلى على الأدنى، ويتحقق ذلك في الحرمان من معاينة المنظر. ولأن الواقع لم يكن ليفهم إلا في شكل صورة، فقد حرموا رؤية واقع الشرق الذي جاؤوا لرؤيته، كما أن الرؤية ضرب من الامتلاك، وكان الحجاب يعيق امتلاك النساء ( حرفياً، للرجال، ومجازاً للمستعمرين ذكوراً أو إناثاً ) : وهكذا كانت محاولات تمثيل النساء غير المحجبات بأدوات التصوير محاولات الامتلاك، واقع النساء المحجبات على الدوام، ومحاولات لعرضهن للعيون الناظرة إلى الأبد، ومن ثم هزيمة الحجاب.
ثمة شيء آخر كان يجري فالرحالة المتشوقون لأن يتفرجوا ، أدركوا أنهم لن يستطيعوا أن يروا النساء، لكن النساء سيرينهم ويراقبتهم. وبرغم أن دليل السائح الموجود معهم يخبرهم بشأن الحجاب الذي يسمح للمرأة بأن ترى ولا ترى، لم يتوقعوا هذا الموقف المعكوس، أي أن يصبحوا هم المنظر لا النظارة، وكما يقول فانون: المرأة التي ترى دون أن ترى تحبط المستعمر فليست هناك علاقة تبادلية، فهي لا تسلم نفسها ، لا تمنح نفسها. لا تعرض نفسها. يصف جون فوستر فريزر مشاعره عند لقاء نساء محجبات:
بطرف العين، بدت كل امرأة تختلس النظر إلي من تحت الحجاب، بعيون واسعة براقة، ونظرتها المثبتة علي، فيها جرأة من تعي أنها تملك أن ترى ولا ترى، وكثيراً ما ساورني شعور غريب تجاه تلك العيون الواسعة لتلك النساء المهيبات، فقد كانت لامعة دائماً وسوداً دائماً. كانت عيوناً واسعة، واثقة حالمة مثيرة، تغمرك فضولاً مقلقاً بشأن ما تفكر فيه من لها مثل هذه العيون.
لم يكن انزعاج الرحالات النساء من الحجاب أقل من انزعاج الرجال، كتبت لوسي بول مارجريت تقول: أمام هؤلاء النساء المتسريلات من رؤوسهن إلى أخامص أقدامهن، وعيونهن التي لا يمكن أن ترى أبداً لكنها ترى دائماً، أشعر وكأنني عارية. وتلاحظ هنا التعليقات على استطاعة النساء أن ترى دون أن ترى والانزعاج الذي سببه ذلك للناظرين إليهن. وربما كان خير مثال على ذلك وصف دي إميتشي لزيارته لرجال مغاربة كانت نساء البيت محجوبة خلف الشرفات العلوية تشاهد الرجال باهتمام كبير. كان البيت... قد تحول إلى مسرح، ونحن فيه المشهد المعروض، هكذا يقول إميتشي بحماس: نحن من جئنا لنرى العالم الحقيقي الذي وعد به المعرض كنا نحن المشهد المعروض.
وفي كتابها شتات الكتابة، تشير رأي تشو إلى أن ذلك الوعي بكونك موضع الرؤية هو ما يخلق ذاتية المستعمر، وليس العكس، كما في تفسير ميتشل، تقول:
خلافا لنموذج الهيمنة الغربية الذي يعد فيه المستعمر المشاهد الأساس الفاعل الذي يخضع الوطني كانه موضوع سلبي، أرى أن المستعمر في الحقيقة هو الذي يشعر بمتابعة نظرة الوطني له. وهذه النظرة، وهي ليست بتهديد ولا انتقام تجعل المستعمر ، واعيا، بنفسه، ومن ثم متعكا على الوطني بوصفه موضوعاً. إن انعكاس ذات المستعمر هذه هو ما يجعل المستعمر ذاتاً ( ناظراً متمكناً، ومصدراً للمعنى والفعل) ويجعل الوطني مجرد نسخة منه، بكل الدلالات المتدنية التي يوحيها النقص المرتبط بكلمة (نسخة).
تقدم راي تشوفكرة مقنعة ولكني أؤكد استناداً إلى ميتشل، أن المستعمر يرى في نظرة الوطني انتقاماً مؤكداً : إذ لا يفترض أن الشيء المعروض يرد النظرة إلى من ينظر إليه، أما ما يحدث عندما يصير المنظور ناظراً، أو حسب سياق راي تشو عندما يبلغ المستعمر لحظة الوعي بالذات، فستكتشفه في الباب اللاحق.
الانتقام الرمزي
يرى ميتشل أن الواقع لدى الأوروبيين يفهم من خلال ما يمثله : أي صورته. فماذا لو لم يسمح الواقع بتمثيله، مثل حالة النساء المحجبات؟ فالأوروبي الذي عجز أن يحصل على المرأة المحجبة ( إلا في المواخير)، يعمد إلى تمثيلها، حتى يستطيع أن ينالها"" . فإذا به يصف جسدها ويرسمها عارية ويصورها فوتوغرافياً، وهكذا يبقي على وهم استطاعته أن ينالها. وهذا هو انتقامه الرمزي ( استخدم هنا ضمير المذكر لأن المخيلة الاستشراقية، كما ذكرت أنفاً ، ذكورية في المقام الأول، برغم إسهام النساء الأوروبيات في محاولة التخلص من الحجاب).
تبرز دراسة مالك عمولة لبطاقات المعايدة الفرنسية في عصر الاستعمار هذه الآليات على نحو كامل فبطاقات المعايدة الفرنسية الاستعمارية تصور المرأة الجزائرية في أوضاع عري متنوعة، فصور النساء المضطجعات على بسط مغزولة وقد برزت نهودهن صور شائعة.
وهناك بطاقة معايدة تصور امرأة بالنقاب المعتاد، ولكن نهديها يظهران من بين ثنايا ملابسها، يصف نقد علولة للمصور وصفا دقيقا مفهوم العالم معرضاً، الذي يقدمه ميتشل إن الحجاب المعتم الذي يستر المرأة الجزائرية يوصل رفضاً للمصور بوضوح وبساطة... فالمرأة الجزائرية في حجابها الذي يلفها حتى كاحليها تحيط رغبة الكشف (استراق النظر) لدى المصور، فالمرأة هي النفي المتجسد الرغبته، ومن ثم فهي تبلغ المصور تأكيداً لرفض ثلاثي: رفض رغبته، ورفض ممارسة فنه ورفض وجوده في بيئة غير بيئته.
يتكلم علولة عن المصور، ولكن كلامه يمكن أن ينسحب على كل السياح الأوروبيين القادمين بحثاً عن الشرق، والحق أن الآلية نفسها تستخدم حتى اليوم، فالمرأة المحجبة تتحدى نظرة الإنسان الحديث الذي تعلم أن يحدق، فالمحجبات، كما يقول علولة: «لم يكن سراً مربكاً للمصور الفرنسي الاستعماري بل هجوماً صريحاً عليه :
عندما يجد المصور نفسه في حضور امرأة محجبة، فإنه يشعر بأنه يصور ولأنه يصير هدفا للنظر، يفقد زمام المبادرة تنزع منه نظرته.... فالمجتمع الجزائري، لاسيما عالم الإناث فيه، يهدد جوهر وجوده ويمنعه من تحقيق ذاته، بوصفه عينا ناظرة (ص 14).
وحتى يتجنب الهزيمة يحاول المصور أن يغنم المرأة الجزائرية، وحين يعجز عن الوصول إلى امرأة جزائرية حقيقية، يتخذ بدلاً منها مومسات بالأجر، ولأنه أجبر على ذلك، كان انتقامه - انتهاك حرمة - مضاعفاً | فالمصورون ينزعون عن المحجبة حجابها، ويفرضون بعداً مجازياً على ما يمثلون من عورات (ص 14).
تعرض علولة لنقد شديد من التسويات لأنه أعاد نشر بطاقات المعايدة الاستعمارية الفرنسية تلك في كتابه، وتنتقد مارئيا لازريج علولة، إذ تعتقد أنه هو الذي يرغب في المرأة ويريد أن يراها ضمن الحريم بوصفه رجلاً جزائرياً، وأنه ببساطة يسقط مشاعره الشخصية على الفرنسيين، وتنتقده راي تشو كذلك لأنه يعرض المرأة إلى نظرة ثانية، فالمرأة الجزائرية معروضة كالأشياء ليس من قبل الفرنسيين، بل بسبب خطاب علولة. ولا شك في أن مارنيا الازريج وراي تشو على حق في فكرة الانتهاك المزدوج للمرأة الجزائرية جراء نشر تلك الصور المثيرة على جمهور أكبر من جمهورها الأصلي. وكان شراء الطلاب لكتاب علولة من أجل محتواه الإباحي، وليس المغزاه الفكري ). كما أن النسخة الإنجليزية من كتاب علولة بمكتبة روبارتس بجامعة تورونتو، كندا، قد نزع منها عديد من الصور بعناية كبيرة. مع ذلك تبقى هناك إشكالية، فعلولة يقدم نقاشاً قوياً عن التمثيل الفرنسي للمرأة الجزائرية، وسيبدو النقاش مقنعاً أكثر لمن لا يعرف أمر إعادة نشر تلك الصور، ولذلك السبب، فأنا أستعين بعلولة في هذا الفصل.
وقع كان التصوير الفوتوغرا في النساء الشرق الأوسط ورجاله، قد تحول إلى عمل تجاري واسع بحلول عقد الستينيات من القرن التاسع عشر، وكان زبائنها من الجنود والبحارة والسياح والحجاج والمقيمين الأوروبيين في الشرق الأوسط. صعوبة الحصول على لقطات قريبة للشرقيين، واستحالة تصوير المحجبات من دون حجابهن، فإن نسبة كبيرة من صور القرن التاسع عشر الفوتوغرافية، قد التقطت في مواقع أستوديوهات داخلية أو خارجية، برغم ادعاء أنها مشاهد من الحياة الحقيقية. فكانت أغلب النساء المصورات من المؤسسات، وهكذا فإن صورة النساء الشرقيات، التي ترسخت لدى الغرب كانت في الواقع تلفيقاً، ارتكبه مصور داخل أستوديو، برغم أنه قدم بوصفه تقنية للتمثيل، لقطة للواقع». ومن السهل إثبات هذا التلفيق فهناك سلسلة من الصور من أستوديو بونفيل في بيروت تظهر امرأة في إحدى... الصور بوصفها امرأة أرمينية من القدس، إثم تظهر في صورة لاحقة في السلسلة نفسها بالملابس نفسها، ولكنها في هذه المرة تمسك مروحة، بوصفها امرأة مصرية ، وفي سلسلة بطاقات معايدة من الجزائر، حين كانت مستعمرة فرنسية. تجد نفس المرأة الموديل تظهر بملابس واحدة في موقع واحد في صور التقطها المصور نفسه، بوصفها شابة بدوية، وشابة من الجنوب، وامرأة من كابيل في غياب موضوعات جزائرية حقيقية، تختلق بطاقة المعايدة روايتها الخاصة عن حقيقة الجزائريات والمجتمع الجزائري كما تستثير بطاقة المعايدة النزعة العنصرية. إذ تذكر فردية الآخر» - على أساس أن كل نسائهم سواء.
عززت بطاقات المعايدة الارتباط بين الحجاب والحريم، بوصفها صوراً للأسر والشهوة، كان الغربيون يؤمنون بوجودها من قبل ( انظر القسم ب). وقد سمحت لهم الصورة أن يرواء ما اختلقته مخيلاتهم، نتيجة قراءتهم عن الحريم وعن المحجبات وتصور إحدى سلاسل بطاقات المعايدة الاستعمارية الفرنسية نساء مغربيات في بيوتهن. وقد تم تنفيذ سلسلة لبطاقة معايدة كلها تصور نساء خلف قضبان حديدية ضخمة تشبه قضبان السجون وفي بعض بطاقات المعايدة في تلك السلسلة تظهر النساء عرايا حتى الخصر، واقفات في بيوتهن، خلف قضبان تشبه قضبان السجون يقول علولة إن صورة المرأة، خلف القضبان تمثل:
اجتماع أثر المنطق المعكوس والفساد المجازي اللذين تسبب فيهما الإحباط الأول. فإن كانت النساء بعيدات عن مرمى العيون أي محجبات)، فلأنهن سجينات، والسجن ضروري لاختلاق سيناريو خيالي سيؤدي إلى تحلل المجتمع الحقيقي، ذلك الذي يسبب الإحباط أمام وهم هو عالم الحريم.
وهكذا لم يكن الانتقام انتهاكاً مزدوجاً فحسب، بل كان انتقاماً على مرحلتين: ينزع المصور حجاب النساء، ثم يضعهن خلف قضبان وهو يضع هذه القضبان لأنه نفسه محجوب عن رؤيتهن، فإذا كان مثل هذا المصور، بفضل المستشرقين، يأتي متوقعاً رؤية الحريم، فإن وضع النساء خلف قضبان في صورة ليس إلا تحقيقاً لتلك التوقعات، ولأن المشربيات والحراس يحجبونه عن النساء الحقيقيات، فإنه يلجأ إلى التمثيل المصور لما يعتقد أنه الواقع، حتى ولو اضطر إلى تلفيق الصور. إن بطاقة المعايدة في عصر الاستعمار هي كاريكاتير، في للحريم، كما في التصور الخيالي الأوروبي . وهي كذلك طريق لتثبيت إيمان الرجال ( الأوروبيين) بجاذبيتهم الجنسية وتفوقهم على الرجال الوطنيين، فوجود النساء خلف قضبان ( أي سلبهم الإرادة) هو ما يمنح الحياة الأسطورة تفضيلهن للمنقذ الغربي المسيحي على سيدهن العربي القاسي.
لم يكن التصوير الفوتوغرافي إلا تقنية جديدة في عملية الانتقام الرمزي القديمة. يحلل عمولة بطاقة المعايدة، ولكن استنتاجاته تنطبق على كاتب الرحلات الذي يصف أجساد النساء وصفاً تفصيلياً في كتبه، كما تنطبق على رسامي لوحات مشاهد حمامات الحريم، ومن على شاكلتهم حتى المبشرون استخدموا هذه الصور في كتبهم عن النساء المسلمات فثمة صورة في كتاب أخواتنا المسلمات تصور فتاة بدوية من شمال أفريقيا تكشف أحد نهديها، وقد ظهرت هذه الصورة بعد أن أخبرنا المؤلف أن النساء المغربيات لسن مستعدات بعد للحرية لأنهن يحتجن للتعليم، ولأن يتزودن باللياقة والاحتشام الحق، قبل أن يأخذن مكانهن المستحق. ولا بد أن هذه الصورة قد ثبتت في عقول القراء تصورهم عن خلاعة المسلمات...
تبع هذا الانتقام الرمزي نزع فعلي للحجاب في عدة أماكن، فقد تمت صناعة السياحة الجنسية مع توافد الرجال الأوروبيين بأعداد كبيرة إلى الشرق الأوسط. فقد روحت شركات السياحة الفرنسية لمدينة جزائرية شمالية - بوسعدة - اشتهرت بالراقصات الشرقيات، وجعلتها مزاراً، وقد أصرت السلطات الفرنسية على أن تظهر الراقصات عرايا أمام جمهورهن الجديد، وكن يرقصن من قبل بملابسهن كاملة. وفيما بعد تقوم النخب الوطنية الداعية للتحديث بحملات نزع حجاب خاصة بهم . بعضها بالإكراه ( كما ستعرض في القسم .ج.).
ب - الحريم والسيطرة الاستعمارية
لم يكن وصف الإحباط الذي سببه الحجاب لرغبة النظر الأوروبية إلى النساء. المسلمات، على أهميته الكبرى سوى جزء من مناقشتي الساعية لإثبات اختلاق صورة الحجاب في الخطاب الأوروبي وجعله رمزاً لقهر النساء المسلمات، جانب آخر شديد الأهمية في مناقشتي هو دراسة الخطاب الأوسع الخاص بمكانة المسلمة عموماً في أثناء العصر الاستعماري، فبرغم أن دراسة كهذه لن تركز على الحجاب وحده فهي ضرورية لتحرير فكرة الحجاب قهر فخطاب القرن التاسع عشر يتحدث عن الترتيب الهرمي للحضارات، ويعزز إيمان الأوروبيين بتفوقهم وبضرورة غزوهم للشرق الأوسط، وكانت مكانة المرأة في المجتمع تعد علامة رفي أي حضارة في ذلك الترتيب الهرمي وكان الإسلام يوضع دون المسيحية والمسيحية الشرقية نفسها دون المسيحية اللاتينية) ولكن فوق أفريقيا الوثنية وسكان المستعمرات الأصليين ( في أمريكا الشمالية وكندا وأستراليا ) . وكان الحجاب علامة مميزة للمرأة المسلمة: كان الحجاب كناية عن الشرق الأوسط برمته لذلك فبرغم أن موضوعنا هنا يتناول جوانب أخرى من عادات المسلمين وأخلاقهم، يمكن استحضار الحجاب بوصفه اختر الا لكافة المعوقات التي يعاني منها المسلمون رجالاً ونساء بسبب دينهم.
كانت النقطة المركزية الخاصة بالنساء في هذا الخطاب هي أن الأمة لن تتقدم إذا كانت نساؤها متخلفات فالنساء والأمهات يؤدين دوراً حيوياً في تعليم أبنائهن. ومن ثم الحفاظ على استمرار الحضارة. فالأمهات المسيحيات ( الأوروبيات) لهن. أثر صحي حضاري على أطفالهن، أما المسلمات فلا. ومن هنا جاء سعي المستعمرين والمبشرين والتسويات والنخب الوطنية نحو تحديث بلادهم، وجميعهم يتمنى النفاذ إلى حيث المرأة المسلمة حتى يؤثر عليها، وبذلك تتقدم الأمة. ولكن النساء المسلمات لم يكن مختلطات بالرجال، وكثيرات من نساء الطبقات العليا كن معزولات وكان الانعزال في عصر الاستعمار يرمز إليه بالحريم، الذي اتخذ موضع الصدارة في الخطاب الخاص بالنساء والإسلام والتقدم. كما كان الحريم مرتبطاً في المخيلة الأوروبية بالحجاب، وكان كلاهما بعد عائقاً أمام التقدم.
كانت صعوبة الوصول إلى النساء تحديداً تسبب انزعاجاً للدولة التي تسعى للتحديث ( وطنية أو مستعمرة ) ، لأنه يقوض قدرتها على التحكم في الشعب ومراقبته. كتب بورنج، وهو صديق بنتام أحد مستشاري محمد علي باشا، تقريراً عن مصر للحكومة البريطانية، يقول: تزيد صعوبات إجراء تقدير يقترب من الصحة لعدد السكان، بسبب القوانين والممارسات الإسلامية التي تستبعد نصف المجتمع من مراقبة الشرطة، فلكل بيت حريمه، ولا يمكن الوصول إلى حريم أي بيت، فلم يكن بد من اختراق الحريم ورفع الحجب.
1- الحريم
يمكن أن يستغرق موضوع اختلاق صورة الحريم وحده كتاباً كاملاً : ولكني سأكتفي بملاحظات سريعة :
أولاً: ارتبط الحجاب بالحريم في الخطاب الغربي لسببين: (1) لكون الحجاب رمزاً لانحطاط المرأة المسلمة، بغض النظر عن نوع الانحطاط (كالعادات المرتبطة بالزواج أو الحريم أو غيرها ) . (ب) لأن الحجاب كان يعد امتداداً لعقلية الحريم. حتى وإن كانت المرأة خارج بينها تعبر جملة ويلسون عن هذه الرؤية تعبيراً جيداً، إذ يقول في كتابه: رحلات في مصر والأرض المقدسة (1823): تبدو الزوجات في هذا الركن من العالم في حالة أسر تامة فهن إماء أزواجهن، ولا يسمح لهن برؤية أحد في بيوتهن إلا أفراد عائلاتهن أو أقاربهن، وإذا حدث وظهرن في الشوارع، فإن وجوههن تكون مغطاة تماماً بالحجاب . فالتحجب علامة الأسر في البيوت ( الحريم ) : وإلى الآن ترى تسويات كثيرات في الحجاب امتداداً لأسوار الحريم، تحيط بالمرأة خارج بينها ( ومثال ذلك مقدمة مارجوت بدران السيرة هدى شعراوي الذاتية: عندما كن يخرجن كن يغطين وجوههن، وهكذا يأخذن عزلتهن معهن للخارج،) .
ثانياً: اعتمدت فكرة الحريم الأوروبية، على تصور خيالي استشراقي عتيق عن الشرق الأوسط البعيد الغريب، فالحريم ببساطة تعني غرف النساء في البيت أو الزوجات أنفسهن، ولكن اللوحات التي عن النساء في الحريم، مثلاً ، تصور عشرات النساء يرقدن عاريات في الحمامات تظهر النساء في تلك الصور كأسيرات راقدات في انتظار إشباع رغبات أسيادهن الجنسية. يرجع هذا التصور الخيالي إلى حملات الهجوم على الإسلام التي جرت في القرون الوسطى، ثم بعثت في القرن التاسع عشر. كان الإسلام يصور بوصفه ديناً إباحياً صريحاً ومنحطاً، إلى درجة السماح بالطلاق والزواج مرة أخرى، ويبيح تعدد الزوجات كان ذلك بالنسبة للمسيحيين في القرون الوسطى والعصر الحديث دليلاً على أن الإسلام دين، باطل. وحسب هذا الرأي. استخدم النبي محمد اللذة الجنسية وسيلة لكسب الأتباع : فالفردوس الإسلامي في زعمهم يبرز المتع الحسية والجنسية التي تنتظر المؤمنين، ويحث المؤمنين كذلك على. الانغماس في هذه الحياة . كان الحريم بالنسبة للمسيحيين في القرن التاسع عشر دليلاً على أن زواج المسلمين لم يكن قائماً على الحب والمشاركة بل على الشهوة. وكانت الشهوانية التي يحض عليها دين المسلمين تحط منهم رجالاً ونساء، ومن هنا كانت مناقشات المستعمرين والمبشرين للأثر الضار للحريم ( بمفهومه الأوروبي) على سكان الشرق الأوسط ( تقدم دراسة ملمان للكاتبات الأوروبيات رؤية أكثر إنسانية واعتدالاً للحريم بوصفه سكن النساء في البيوت ) .
ثالثاً: ثمة شيء آخر كان يدور، ففي كتابه مصر الحديثة، كتب اللورد كرومر . المندوب السامي البريطاني في مصر بين عامي 1883 - 1907، يقول: لا يقيم آوروبي في مصر إلا إذا كان يجني من إقامته مالاً. كانت الحركة الاستعمارية تحتاج مواطنين منتجين يتميزون بالداب: ولأن المستعمرين كانوا يظنون أن الشرقي كسول بطبعه وغير منتج وغير عقلاني وما إلى ذلك، فقد كان من الضروري تعليم الأساليب الأوروبية لأهل هذه البلاد، ولهذا كان الأثر الصحي والمؤدي للرقي، للنساء على أزواجهن وأطفالهن زوجات وأمهات. بالغ الأهمية وهكذا لم يكن الاهتمام بمكانة النساء خالصاً لأجلهن قط. لا ننسى أن كرومر كان عضواً مؤسساً ورئيساً الجمعية الرجال المعارضة حق المرأة في الانتخاب في إنجلترا ) ، بل كان الأمر يخص حاجة الدولة لإحداث تحول في سكانها. هذا المعنى المرتبط بالحاجة إلى تحويل الشرقي له أصوله في الخطاب الاستشراقي. يقول كرومر: إن مكانة المرأة في مصر عقبة كؤود أمام تحقيق الرقي المطلوب في الفكر والشخصية، والذي ينبغي أن يصاحب استجلاب الحضارة الغربية، الن تنجح هذه الحضارة إذا استبعد المكان الذي تحتله المرأة في أوروبا من الخطة العامة . هذا الاهتمام المزعوم من جانب كرومر بالنساء يؤيد استنتاج ليلى أحمد: سواء أكان الأمر بيد رجال بذهنية ذكورية أو نسويات، كانت أفكار النسوية الغربية تستخدم أساساً لتوفر التبرير الأخلاقي للهجوم على المجتمعات المحلية، ولتدعم فكرة التفوق الشامل لأوروبا .
ومن ثم، فسواء أكانت المستعمرات إنجليزية أم فرنسية: فالإستراتيجية واحدة: لا تجعل الرجال يتزوجون بأكثر من واحدة، وعلم النساء غرس الفضائل الغربية المسيحية في أطفالهن، فيتقدم المجتمع. ويؤكد كرومر أن:
المصلح الأوروبي قد يعلم وقد يشرح، وقد يجادل، وقد يأتي بأبدع الأساليب للتنمية الأخلاقية والمادية للشعب، وقد يبذل أقصى جهده ، ليقطع الصخور بشفرة حلاقة، وليأتي بالحضارة الحقة إلى مجتمع حديث عهد بالبربرية. ولكنه إن لم يستطع أن يعلم المرأة بل أن يرقى بها، فلن ينجح أبداً في أن يتيح للرجال التعليم الوحيد الذي يستحقه الأوروبي.
وتمثل إعادة تعمير القرى المصرية هذا الهدف الاستعماري من التركيز على النساء لإحداث تحول في المجتمع. يقول الأب أيروت، وهو يسوعي كان يعمل في ريف مصر في مطلع القرن العشرين لا يمكن تأسيس أي قرية نموذجية أو تحسين أحوالها إلا يربط المشروع المعماري بالتعليم والتربية والتوجيه باختصار، لا بد من العمل مع الفلاحين، ويقتضي إعادة تعمير القرية المصرية إعادة تربية سكانها، وأولهم النساء. فلا بد أن تعمل من الداخل إلى الخارج.
اهتم المبشرون كذلك بالعمل من الداخل إلى الخارج، وكانت النساء هدفاً الحملات التنصير يؤكد زويمر، وهو مبشر شهير في الشرق الأوسط أن أثر الأمهات على أطفالهن بنين وبنات بالغ القوة، ولأن النساء من العنصر المحافظ في الدفاع عن دينهن، فإننا نؤمن بأن الهيئات التبشيرية ينبغي أن تولي اهتماماً بالعمل مع النساء المسلمات، وهذه وسيلة للإسراع بتنصير بلاد الإسلام. ويؤكد أحد المؤلفين المذكورين في كتاب أخواتنا المسلمات، أن الهدف الأول المدارس البنات الإرسالية كان هدايتهن للمسيح، فإذا كسبت البنات للمسيح فستكسب مصر كلها للمسيح ، وحاول معلمو المدارس الإرسالية إقناع البنات بتحدي أولياء أمورهن وعدم ارتداء الحجاب ) وهكذا قد يؤدي إشعال بعض البارود إلى الدخول في قلب الإسلام). وفي الجزائر كان بعض النساء الفرنسيات المستعمرات يدفعن المال للطالبات الجزائريات حتى يضمن حضور من المدارسهن.
تعارض بيلي ملمان الآراء التي تؤيد ما ذكرت أنفاً عن الصورة الأوروبية للحريم لأن هذه الآراء تغفل التنوع الكبير في الأراء الأوروبية عن الحريم . وتؤكد ملمان أن النساء اللاتي زرن الشرق الأوسط قد من رؤية للحريم تختلف عن الرؤية الشائعة ( الذكورية) التي أقوم بعرضها حتى هذه اللحظة، ولا شك أنه لم يكن للرجال سبيل للوصول إلى حريم حقيقي، لذلك فقد اضطروا للاعتماد على المخيلة الاستشراقية في تصويرهم للجريم، أما النساء فقد أتيح لهن الدخول إلى الحريم، أي غرف النساء في البيوت الإسلامية، وهذا، كما تعتقد ملمان، أنتج نوعاً آخر من الرؤى للحريم.
ولا بد في هذه المرحلة من ذكر نقطتين أولاً من المؤكد أن ملمان على حق في تأكيد وجود تنوع كبير، لا اتجاه واحد لآراء الأوروبيين في الحريم. ودراستها تنظر في جنس غير معروف من الكتابة وهو الأدب النسائي الذي تناول الشرق الأوسط. أو ما تسميه ملمان أدب الحريم. وفي هذا الجنس من الكتابة، قدمت الأوروبيات بالفعل النساء والحريم بوصفهن أخواتهن، ولسن الآخر الغريب (ص 310)، وعلى أيديهن صار الحريم ، وهو صورة بيت الطبقة المتوسطة، حميماً وأنثوياً ومستقلا. (ص 100 - 101 ) وكأن الحريم يجسد المثال الفيكتوري عن الفضاءات المنفصلة. إذا كانت المرأة هي المحافظة على البيت في الغرب، والتي تحميه بصرامة من البدع والتغيرات لأنه يمثل لها الثبات ويمثل عرشها الحقيقي، فإن المرأة في مصر أقرب إلى التطابق مع حياة بينها لأنه مملكتها، هكذا كتبت إليزابيث جودنا و في عام 1915 ( ص 140 - 141). أما الحجاب قلم يكن دائماً رمزاً لخضوع النساء، بل كان يعد أحياناً، باباً للحرية، وأداة للسحر الأنثوي، وقوة جذب جنسي، أو وسيلة للحماية من تحرش الدكور ( المرجع نفسه : ص 120 - 121).
ثانياً: صحيح أن أدب الحريم هذا قدم صورة عن الشرق تختلف عن تلك التي عرضتها سابقاً، وصحيح أن بعض الأوروبيات فمن بنقد التمثيل الذكوري للفضاء البيتي ( المرجع نفسه ص 75)، ولكن أدب الحريم النسائي كرر الدور الذي كان يؤديه الخطاب الاستعماري والتيشيري عن النساء المسلمات، كانت الأوروبيات على اقتناع لم يتغير بأن الحضارة الغربية أرقى من حضارة الشرق، ولكن بعضهن لم يقد من المرأة المسلمة بوصفها الآخر الغريب ( المرجع نفسه : ص (17) ، فلم تكن الكاتبات الأوروبيات عموماً يعارضن السمات الرئيسة للخطاب الاستعماري، المتمثلة في الهجوم على الإسلام، وتعدد الزوجات، وفصل النساء عن الرجال، والحجاب. أما صورة الملاك في البيت التي تقدمها ملمان لتتحدى الخطاب الذكوري العام. فلم تكن أكثر من صورة جديدة من الصور المألوفة لاستهداف المرأة لتغيير المجتمع. والحقيقة أن ملمان تغفل هذا الجانب السياسي تماماً لدرجة إعلانها أن أدب الحريم، أدب لا سياسي، (ص 20). مع ذلك، اتفق الكتاب العلمانيون مع المبشرين والاستعماريين على فكرة تقول: إذا منحت أي امرأة مسلمة التربية الصحيحة | أي التربية الأوروبية فإنها ستكون قادرة على الحد من الآثار المفسدة في العالم، وعلى الارتقاء بأطفالها وزوجها، أو سيدها، إلى فضاء تسوده الروح الأنثوية ( المرجع نفسه من (141). حرضت النسويات الأوروبيات العلمانيات النساء المسلمات على محاربة الانعزال وتعدد الزوجات والحجاب، وكانت جهود النساء لإصلاح المرأة الشرقية، ولإقناعها بالكفاح وفقاً للمثل الأسرية للقرن التاسع عشر، لا تختلف عن جهود المستعمرين والمبشرين، وعلى أي حال، فمهما اختلفت الرؤية البديلة الصورة الحريم التي تقدمها الرحالات فلم يكد يكون لها أثر على الخطاب الثقافي العام عن انحطاط الحريم والنساء المسلمات.
ومن النساء من كن على وفاق كبير مع الغزو الاستعماري وعقليته:
هل تقبلتني (المسلمات) ؟ لا، على الإطلاق، فالأجناس المتباعدة لا يمكن أن يتقبل بعضها بعضا بالمعنى الصحيح للكلمة. ولهذا الجنس خاصة، الذي يتذلل ويسرق ويعيس ويراوغ ويغش ويخدعنا كلما استطاع ذلك، فإننا تحمل احتقاراً كامناً كالذي يفعله كل غاز تجاه المهزوم.
2-جالب الحضارة
يؤكد إدوارد سعيد أن من الخطأ النظر إلى الخطاب، بوصفه مجرد تبرير للقوة: فأن تقول ببساطة: إن الاستشراق كان تبريراً للحكم الاستعماري، معناه تجاهل المدى الذي بلغه الحكم الاستعماري من تبرير سابق عليه بفعل الاستشراق وليس لاحقا له . ويثبت كتاب ميتشل الشيء نفسه فقد علم الاستشراق الأوروبيين أنهم يعيشون فوق قمة الحضارة، حتى شعر الأوروبيون يواجب جلب هذه الحضارة الغربية إلى أمم الدنيا الأخرى، وكما يقول كرومر : كانت هناك حاجة لأن يأتي الأوروبيون بنور الحضارة الغربية إلى الشرق، وقد عبر الشاعر الفرنسي الامارتين تعبيراً دقيقاً عن الرؤية الأوروبية حين كتب أن العثمانيين أمم بلا أرض محمية، ولا رعاة ولا حقوق ولا قوانين ولا أمن.. في انتظار شغوف للمأوى الأمن المتمثل في الاحتلال الأوروبي وهكذا كان هناك ارتباط دائماً بين السيطرة الاستعمارية والمعرفة الأوروبية المتفوقة. ففي المغرب فرض الفرنسيون اللغة الفرنسية فوق البربرية والعربية، ولم يكن ذلك مجرد وسيلة لمد سيطرة فرنسا على البلاد ، بل لأن الفرنسية هي وعاء كل الأفكار النبيلة والواضحة، والتعبير الدائم عن المثال الأسمى ( أو الأنبل). وقد قال كرومر: إن الجيل الجديد من المصريين ينبغي أن يقتنع أو يرغم على تشرب الروح الحقيقية للحضارة الغربية . لذلك كان نزع الحجاب يعد خطوة أساسية من مهمة الغرب في جلب الحضارة.
مع ذلك، كانت مهمة جلب الحضارة أيضاً محاولة عملية الإخضاع دولة أجنبية والسيطرة عليها واستعمارها، كان المشروع الاستعماري، مهما رأى نفسه مؤدياً لواجب الرقي الحضاري بأمة متخلفة، يعتمد على القدرة على التحكم في رعاياها وتوجيههم. كتب أحد ضباط الجيش الفرنسيين بعد إخماد تمرد في عامي 45 - 1846 :
كان الشيء الأساسي عمليا، هو ضم هذا الشعب المنتشر في كل مكان، والغائب عن كل مكان في جماعات الشيء الأساسي هو أن نجعلهم شيئا يمكن السيطرة عليه. وعندما نطبق أيدينا عليهم، ستكون قادرين على فعل أشياء كثيرة تستحيل علينا اليوم وربما ستسمح لنا بالقبض على عقولهم بعد أن أحكمنا قبضتنا على أجسادهم.
كان القبض على عقولهم كذلك طريقة للقبض على أجسادهم، وقد تحقق القبض على الجسد، عن طريق الهجوم على العادات والأخلاق المحلية، التي كانت تحول دون التغلغل والسيطرة الاستعمارية: أي الحجاب والحريم.
ج -معنى الحجاب عند نخب التحديث
تحدث ضابط الجيش الفرنسي عن القبض على عقول، أهل المستعمرات، وقد تم ذلك بنجاح عن طريق استقدام التعليم الأوروبي إلى البلاد المستعمرة، وقد افترض أن أهل الشرق الذين أخذوا بسطوة الغرب ( الاقتصادية والعسكرية) عليهم، وحيرهم ضعف الشرق، سيجلسون إلى الغربي ويتعلمون منه. وقدم التعليم الغربي لأهل البلاد أفكار الاستشراق ومثل أي مجموعة من الأفكار الثابتة، أثرت أفكار الاستشراق على شعوب أطلق عليهم الشرقيون ( أورينتال) ، وكذلك على من سموا بالغربيين ( أوكسيد ينتال) أو الأوروبيين وهكذا فليس الاستشراق بالمذهب الإيجابي بل الأقرب إلى الصواب أن يفهم بوصفه مجموعة من القيود والحدود التي تحيط الفكر وتقيده . كان الاستشراق ( ولا يزال) كياناً معرفياً له لفته الخاصة وقواعده ومجازاته وصوره التي قيدت ( وتقيد ) كلا من الغربيين وشعوب البلاد المستعمرة، وقد كانوا يتعلمون ما يخص بلادهم من خلال العلوم الغربية، ومن هنا فقد استلهم، نخب البلاد الإسلامية وحكامها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أفكارهم نتيجة تعرضهم للأفكار الغربية الجديدة عليهم. تعرف هؤلاء على أنفسهم من خلال عدسات الاستشراق، وكان ذلك يعني موافقتهم على التشخيص الأوروبي لمشكلات الشرق المتردي، وقبولهم العلاج الأوروبي، وقد حاولوا تحديث بلادهم عن طريق تقليد الغرب.
كانت المكانة المتدنية للنساء الشرقيات ( لا سيما المسلمات) قد أوضحت أن تلك المكانة تمثل عائقاً رئيساً في طريق تقدم الشرق، كما بينا أنفا. وقد اهتمت النخب الوطنية بالقضايا التي وصفها المستعمر بالمشكلات الأهم التي تعوق تقدم بلادهم: أي الحجاب، وانعزال النساء، وتعدد الزوجات. فقد أعلنت أول مجلة نسائية في مصر أسسها مسيحي سوري في عام 1892 في مقالتها الافتتاحية التزامها بدفع المرأة المصرية لتتقدم في الطريق الذي اختارته النساء الأوروبيات.
أصدرت اللبنانية نظيرة زين الدين في عام 1928 كتاباً يناقش، ضمن ما يناقش قضية الحجاب. وقد خلصت الكاتبة إلى القول: لاحظت أن الأمم التي نبذت الحجاب هي الأمم التي تقدمت في الحياة الفكرية والمادية. ولم تطاول الأمم المحجبة هذا التقدم.
أما كتاب قاسم أمين الشهير عن المرأة المسلمة الذي نشر في مصر عام 1899. فقد أشعل الخلاف بشأن الحجاب في الصحافة العربية لم تكن أفكار قاسم أمين سوى صدى التشخيص الغرب لعلة الشرق المتخلف، كان نقاش أمين يعكس اقتناعه بالتفوق الأصيل في الغرب، والتخلف الأصيل في الشرق. يقول أمين: إن الحجاب ، حاجز ضخم بين المرأة ورقيها ومن ثم بين الأمة وتقدمها، انتقد أمين التصور الخيالي الأوروبي ( الذكوري) للحريم، وقال: إن السلطة في البيت المصري في يد المرأة لا الرجل . وهكذا يتفق أمين مع المبشرين والمستعمرين والتسويات في كون النساء مفتاح إعادة صياغة المجتمع وتحقيق تقدمه، فما الرجل إلا ما ربته. أمه عليه ... ذلك جوهر هذا الكتاب... من المستحيل تربية رجال ناجحين من دون أمهات قادرات على تربيتهم ليكونوا ناجحين أما في تركيا فقد ادعى أتاتورك أن إخفاقات ماضينا سببها أننا كنا سلييين فيما يخص مصير النساء.. ودلل على ذلك بقوله: فالواجب الأهم للمرأة، بصرف النظر عن مسؤولياتها الاجتماعية، هو أن تكون أماً صالحة.. ومع تقدم الزمن، وتقدم الأمم بخطوات عملاقة، وجب أن نعين الأمهات على تربية أطفالهن حسب احتياجات القرن الذي نعيشه وتكمن قيمة هذه الاستشهادات في تشابهها مع أقوال كرومر والمبشرين والنسويات الأوروبيات التي ذكرت في الجزئية السابقة، فكلها يكشف مرة أخرى أن اهتمامهم ليس بتحسين وضع النساء حقيقة، بل بمفتاح المجتمع الرجال الناجحين.
