القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا معرضة للخطر (2-15)

كتاب قيمنا معرضة للخطر (2-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل الثاني إيمان الكاتب المسيحي التقليدي وتطوره عبر حياته. يوضح الكاتب جذوره الدينية بصفته معمدانيًا جنوبيًا نشأ على دراسة الإنجيل وتعاليمه، مشيرًا إلى تأثره بوالده ومعلميه. يستعرض التقاليد المميزة لطائفته، مثل الاستقلال الذاتي للكنائس، التعميد للبالغين، والتركيز على نصوص الإنجيل. يؤكد أهمية الفصل بين الدين والدولة، وحريته الفردية في الإيمان، ويتحدث عن تجاربه التبشيرية، التي عمقت فهمه وتحدته دينيًا. كما يعرض لقاءاته مع شخصيات بارزة، مثل دينغ شياوبينغ وبارك تشونغ، حيث ناقش الإيمان والحرية الدينية. ويختتم بالحديث عن التأثيرات العميقة لكلمات بسيطة وأعمال خيرة في إثراء إيمانه.

إيماني
المسيحي التقليدي

لقد أقحم الإيمان الديني في المجال السياسي، إلى درجة تثير الدهشة، في السنوات الأخيرة. وهذا الوصف الذي أقدمه هنا لمعتقداتي قد يكون معيناً للقارئ في تقويم أوراق اعتمادي وتقويم فهمي للأسباب الباعثة على إصداري لبعض أحكامي.
لقد ولدت لعائلة مسيحية، وتربيت بصفتي معمدانياً  جنوبياً، وكنت مشتركاً في دروس أسبوعية عن الإنجيل طوال حياتي، أولاً بصفتي طالباً وبعدئذ، منذ مطلع الرجولة، بصفتي معلماً . وقد عُرضت لي معتقداتي الأساسية أو التقليدية بأفضل الطرق إقناعاً من والدي، الذي كان شماساً، ومن معلمي في مدرسة يوم الأحد في الكنيسة المعمدانية في مدينة بلينز. ومع أننا كثيراً ما خضنا في المناقشات حول معنى نصوص الدرس الأسبوعي وكان مقسوماً بالتساوي بين العهد الجديد والكتب المقدسة العبرية فلم يكن هناك أي تفكير في الارتياب في اللاهوت النموذجي الذي ميز إخلاصنا .

معظم مبادئ إيماني بالمسيح بوصفه مخلصاً وبوصفه ابن الله ما تزال مشتركة من دون تساؤل جدي ويتشارك فيها البروتستانت، والروم الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيون والأقباط، والمؤمنون بالمحافظة على السبت اليوم السابع وبقدوم المسيح ثانية، وأناس متدينون آخرون كثيرون. واستوعبنا أيضاً بعض الخصائص الخاصة لطائفتنا المعمدانية. وبالنسبة إلينا، كان التعميد للناضجين فقط بما فيه الكفاية ليتلقوا الإيمان الشخصي بالمسيح، وذلك بالغمس الكامل تحت الماء، وهو يرمز لموت مخلصنا ، ودفنه، وبعثه وتلقينا الكتاب المقدس بكليته بوصفه إرادة الله الموحى بها، ومتفقين على أن كلمات يسوع المسيح وأفعاله هي المعايير التي يجب أن يفسر بها الإنجيل المقدس. ومع أن التفسيرات الإنسانية للكتاب المقدس معينة في الغالب، فلم يكن من الواجب النظر إليها بوصفها معصومة من الخطأ أو بوصفها معتقدات رسمية أو أدوات للمساءلة العقائدية.

لقد آمنا بمبدأ الاستقلال الذاتي لكل واحدة من الكنائس المحلية، وتتخذ القرارات بالتصويت ) ويؤمل أن يكون بالإجماع من أعضائها المعمدين. وكان المعمدانيون، ضمن جماعة المصلين في الكنيسة الواحدة، معارضين بصلابة للهيمنة على الأعضاء الأفراد سواء من القسس أو من أي أشخاص آخرين أقوياء، وأكدنا النصوص الكتابية التي وصفت كيف أن المسيح امتنع عن إعطاء السلطة على الناس الآخرين ولو لأنصاره الخاصين. وفي تكليفه لهم ليرحلوا بوصفهم شهوداً، كانوا مخولين أن يخدموا الآخرين فقط، عن طريق تخفيف المعاناة ومشايعة الحقيقة، والتسامح، والحب. وفي الحقيقة، فقد اعتبر كل شخص له إيمان بالمسيح كاهناً، وهو حر في أن يتصل مباشرة مع الله من دون وسيط، وكان يجب على القسس المحليين أن يكونوا قسساً خادمين الجماعة المصلين وليسوا سادة لهم.

وبصفتنا إنجيليين، فقد كنا ملتزمين برسالة كوكبية قوية لمشاركة إيماننا المسيحي مع كل الناس الآخرين، من دون تحامل أو تمييز. وقد وفينا بهذا العهد من يسوع المسيح إما عن طريق شهادتنا الشخصية أو من خلال دعمنا للآخرين بتبرعاتنا المالية المنتظمة. وفي أثناء معظم حياتي كان يفترض أن تكون كنائسنا المعمدانية أعضاء في مؤتمر المعمدانيين الجنوبيين، الذي كان غرضه الأولي الأساسي أن ينسق عملنا التبشيري المشترك في أمريكا وفي كل أنحاء العالم.

ولكن هذا لم يكن يعني ضمناً أن مسؤولي المؤتمر أو أي قادة دينيين آخرين خارجيين كانوا يستطيعون أن يحددوا مجموعة من المعتقدات أو القواعد التي يجب علينا أن نقبلها. إن وصفنا الوحيد من هذا النوع لإيماننا كان هو الإنجيل المقدس نفسه.

وكان أحد أكثر التزاماتنا الحماسية هو الالتزام بالفصل الكامل بين الكنيسة والدولة. وكانت هذه القضية ذات أهمية عظيمة، وقد درسنا الشهداء المسيحيين الذين فضلوا أن يضحوا بحياتهم على أن يتركوا لقائد علماني أن يتعدى على الحرية الدينية. ومع أن المسيحيين الأفراد ومن جملتهم والدي كانوا أحراراً في أن يشاركوا في القضايا العامة، فقد كنا نمقت مفهوم صيرورة جماعات مُصلِّي الكنيسة منغمسين في العالم السياسي الحزبي. وآمنا أيضاً بالحرية الدينية، وبالرحمة لغير المؤمنين، وبالاحترام لجميع الأشخاص بوصفهم متساوين بفطرتهم أمام الله.

وكان يوم أحد واحد على الأقل في كل عام مكرساً لحماية البيئة، أو القيام على خدمة الأرض. وكان والدي والفلاحون الآخرون في جماعة المصلين ينتبهون انتباهاً أدق لما يقوله القسس في مواعظهم التي كانت تستند إلى نصوص مثل الأرض لله، والكمال منه . وحين يعطى البشر السيطرة على الأرض، والماء والسمك، والحيوانات، وكل ما في الطبيعة، كان التشديد على الإدارة الحريصة والتحسين، لا على التبذير أو التعرية. 

لقد استخدمت صيغة الماضي في الفقرة المذكورة أعلاه، ولكن هذه المعتقدات ما تزال هي معتقداتي الدينية المتحمسة، بصفتي مسيحياً إنجيلياً ومعمدانياً .

والتعبير إنجيلياً يساء استخدامه في الغالب ويشوه، ولكنني أرى أن المعنيين الأوليين في( معجم اللغة الإنجليزية) الصادر عن دار راندوم كافيان (أ) ينتمي إلى الكنائس المسيحية أو يصف الكنائس المسيحية التي تشدد على تعاليم الكتب المقدسة وسلطتها، وخصوصاً العهد الجديد في معارضة السلطة المؤسسية للكنيسة نفسها، والتي تشدد على مبدأ أسمى هو أن الخلاص يتم الوصول إليه عن طريق التحول الشخصي إلى الإيمان بتكفير المسيح عن خطايا البشر . أو (ب) يصف المسيحيين، وخصوصاً من أواخر السبعينيات من 1970 متجنباً وصف الأصوليين ولكن يتمسك بالتفسير المحافظ للإنجيل"" .

ونظراً إلى أن أمي وزوجتي كانتا ميثوديتين فقد افترضت دائماً أن المسيحيين المتساوين في الإخلاص يستطيعون أن يقوموا بعبادة مختلفة، ويكون لهم أعراف تنظيمية مختلفة وهم مع ذلك يمارسون إيماننا في انسجام. إن من المقلق أن نسمع المعمدانيين البارزين يدلون بتصريحات مثل أنتم تقولون إنه يفترض بكم أن تكونوا لطفاء مع أتباع الكنيسة الأسقفية  وأتباع الكنيسة المشيخية  ومع الميثوديين، ومع هذا، ومع ذاك، ومع شيء آخر. هراء ليس علي أن أكون لطيفاً مع روح المسيح الدجال (بات روبرتسون، نادي (700).

وحين كنت ضابطاً مرشحاً بحرياً في الأكاديمية البحرية الأمريكية، علمت دروساً من الإنجيل لأطفال الضباط والمجندين المتطوعين الملحقين للخدمة في أنابوليس. وكان في أثناء هذه الفترة أن بدأت أستطلع بعمق أكبر أفكار بعض اللاهوتيين البارزين. وقد ذكرت فيما بعد، حين كنت أخوض الانتخابات من أجل منصب الحاكم، ذكرت أنني وجدت كتب رينهولد نيبور معينة بوجه خاص، وقد سررت بعد عدة شهور حين أرسلت لي زوجته أورسولا ، مجموعة من مواعظه المسجلة على أشرطة.

ودخولي في السياسة وسع معتقداتي الدينية وتحداها في الوقت نفسه. وحين كنت عضو مجلس الشيوخ عن ولاية، كان لدي حوالي خمسة وسبعين ألف ناخب أشعر بالمسؤولية نحوهم، وكنت تقريباً غارقاً بتنوع الأسئلة والمشكلات التي أحضروها إلي وبأهمية هذه الأسئلة والمشكلات. وفي عام 1966، بعد خدمتي الدورتين في المجلس التشريعي أرسلت بصري نحو حملة لمنصب الحاكم، وكان ذلك عاماً سياسياً غير مسبوق ومعقداً في جورجيا، وفي أثنائه تم تحدي السيطرة الطويلة الراسخة للديمقراطيين هناك. وقد قمت بعمل جيد بصفتي قادماً جديداً غير معروف نسبياً إلى سياسات الولاية، ولكن مغالطة في دستور الولاية سمحت للمجلس التشريعي أن يختار ليستر مادوكس فائزاً نهائياً. وكان هذا قد صار سيئ السمعة بوصفه داعية للفصل العنصري وهو الذي هدد بعصا فأس أي زبونات سود محتملين يقتربون من مطعمه في أطلانطا لطلب الخدمة.

و بهزيمتي، صرت خائب الأمل بالسياسة وزال الوهم عني بشكل كامل ولأول مرة، اهتز إيماني بنفسي وبمعتقداتي الدينية معاً. فلم أكن قد فشلت من قبل أبداً في تحقيق أي غاية من غاياتي الكبيرة في حياتي، ولم أستطع أن أفهم كيف قدر الله أن يكون داعية متحمس للفصل العنصري هو المسؤول التنفيذي الرئيسي في ولايتي. وكانت أختي روث كارتر ستابلتون إنجيلية مشهورة في تلك الأيام، وقد فهمت الأوهام الباطلة الأنانية التي تسببت في يأسي.

وقادت سيارتها قادمة من كارولينا الشمالية لتراني، وذكرتني بالدروس المتصلة بالكتب المقدسة وبأن المآسي وخيبات الأمل يجب أن تكون مصدراً للمزيد من الصبر، والقوة، والحكمة، والالتزام بحياتنا المسيحية. وفي البداية رفضت مسلماتها، ولكن روث في النهاية أقنعتني بأن أنزل طموحاتي السياسية والتجارية إلى موقع ثانوي من حيث الأهمية لمدة من الزمن وأن أتولى بعض الالتزامات الدينية التي تفرض التحدي.

وفي الحال كنت مشاركاً في ما يدعوه المعمدانيون عملاً تبشيرياً رائداً "". وكان العمل الأول الذي خصص لي في لوك هافين في بنسيلفانيا، فتم تحديد مائة أسرة من الذين ليس لهم أي إيمان ديني من أي نوع، وكان علي مع متطوع آخر أن نزور غير المؤمنين هؤلاء كلهم ونشرح لهم جوهر إيماننا المسيحي، وفي البداية كان يغلبنا الارتياب والتهيب، ولكننا تعلمنا سريعاً أن نقترب من كل بيت أو شقة مدرجة في قائمتنا بإيمان كامل. لقد قدرنا ما كنا نستطيع أن نعمله وأن نقوله، وقسمنا المسؤوليات، وصلينا كثيراً، ثم حاولنا بعدئذ أن نسترخي وأن نعتمد على الله ليعمل الباقي. وكان لنا بعض المغامرات المثيرة للتحدي مع العمال المفتولي العضلات، ومع المسؤولين التنفيذيين في الأعمال التجارية، ومع الملحدين المجاهرين، ومع صاحبة ماخور صغير، ولكن النتيجة الإجمالية لجهودنا كانت سلسلة من النجاحات غير العادية المدهشة.

وكانت إحدى مهامي التبشيرية الأخرى المشابهة بعثة إلى سبرينغفيلد في ماساشوسيتس، وكان عملي المخصص لي هو الشهادة لعائلات تتحدث الإسبانية. ومعظمهم كانوا من بورتو ريكو . وكانوا فقراء جداً وعاشوا في مباني شقق قديمة قرب مصنع نسيج مهجور. وكثيرون منهم كانوا ينقلون في حافلة إلى حقول الخضروات المجاورة وحقول التبغ المزروع تحت الظلال، حيث عملوا بصفة عمال مهاجرين. وكان شريكي في هذه المرة أمريكياً كوبياً اسمه إلوي كروز، وهو قسيس كنيسة صغيرة في بروكلين، في نيويورك. وقال إن اختياري لأعمل معه جاء لأنني سبق لي أن درست اللغة الإسبانية في أنابولس، ولكننا أدركنا سريعاً أن الكلمات التي كنت أعرفها واستخدمتها في البحرية كانت مختلفة تماماً عن الكلمات التي كنا نستخدمها الآن لتعليم الإنجيل!

كنت قادراً على أن أقرأ آيات الإنجيل التي اخترناها لكل زيارة، ولكن الأب كروز الموقر عمل تقريباً كل الشهادة. وكنت أدهش من مدى الفاعلية التي كان يستطيع بها أن يصل إلى قلوب الناس، وكانوا يتحولون ليكونوا عاطفيين تماماً وليبكوا أحياناً حين كان يشرح لهم بعض النواحي من لاهوت يسوع وكيف يمكن لحياته أن تتصل بهم. ولقد عرفت خبرات رائعة في كل يوم حين كنت أعمل مع هذا الرجل الرائع الذي بدا لي أنه كان يشكل علاقة حميمة فورية تقريباً مع الفقراء الذين دخل إلى بيوتهم. وكنت أحياناً مثلهم تغلبني المشاعر، وفي مرات عديدة انهمرت الدموع على خدي.

وكنت محرجاً بالتبجيل الذي عاملني به الأب الوقور كروز، ولعل ذلك كان لأنني أمريكي بالولادة، وامتلكت سيارة، وسبق أن كنت عضواً في مجلس شيوخ الولاية، وحين بدأنا بالاستعداد للوداع في نهاية بعثتنا، سألته عما جعله لطيفاً إلى هذا الحد ولكنه فعال أيضاً بصفته شاهداً مسيحياً، وكان محرجاً تماماً. وقال أخيراً باللغة الإسبانية ما معناه (حسناً، إن ربنا لا يستطيع أن يفعل الكثير مع رجل قاس). ولاحظ أن المسيح نفسه، ومع أنه ابن الله، كان دائماً لطيفاً مع أولئك الذين كانوا فقراء وضعفاء. وتابع ليقول إنه حاول أن يتبع قاعدة بسيطة: انت لا تحتاج إلا إلى حبين فقط في حياتك حب لله، وحب للشخص الذي يقف أمامك في أي وقت محدد.

ما زلت أرجع في المناسبات إلى الكتب الموجودة على رفوف مكتبتي بأقلام كارل بارت ورینهولد و اتش ريتشارد نيبور  وبول تيليلت  رودولف بلتمان وديتريتش بونهوفر  وهانز كونغ  وغيرهم من علماء اللاهوت ولكن الكلمات البسيطة من الوي كروز تعبر عن لاهوت عميق ومثير للتحدي وكان يعني بالنسبة إلي أكثر مما عناه لي كلام كل العلماء العظماء.

وقمت بعمل إنجيلي في مجتمعات أخرى، وكان لي خبرة مثيرة للاهتمام على وجه خاص حين كنت مديراً لحملة بيلي غراهام في مقاطعتي. ونظراً إلى أن الواعظ الإنجيلي لم يكن يستطيع أن يكون معنا، فقد استخدمنا واحداً من أفلامه لعرض الرسالة الدينية. وكان هذا الوقت ما يزال وقت عزل عنصري ولكنني اتبعت قاعدة غراهام التي تتطلب جلسات تخطيط متكاملة وجماهير متكاملة. ونظراً إلى أن أي كنيسة لم تكن تقبل بنا فقد أجبرنا على عقد اجتماعات اللجنة في مبنى مدرسة مهجور وعلى عرض الفيلم في المسرح السينمائي المحلي. وكانت النتائج مذهلة، فقد جاء عدة مئات من الناس، ومن دون تمييز عرقي، ليقبلوا يسوع المسيح مخلصاً.

وبعد أن انتخبت حاكماً، صار أفراد عائلتي أعضاء في كنيسة نور تسايد درايف المعمدانية، وهي أقرب كنيسة لبيت الحاكم في أطلانطا، وخدمت فيها شماساً وتوليت واجبات عادية أخرى. واتبعنا النمط نفسه حين انتقلنا إلى واشنطن، والتحقنا بجماعة الصلاة في الكنيسة المعمدانية الأولى، وهناك أيضاً علمت مرات قليلة في كل عام. ولم تكن هذه الجلسات تعلن مقدماً قطعياً. 

ولذلك فقد كان الأعضاء المنتظمون في صف مدرسة الأحد هم عادة الأعضاء الوحيدين في الحضور.

لقد كان محيراً مثيراً للاهتمام أن أراعي مصلحة من يعترفون أنهم ملحدون بإيماني المسيحي. وفي عامي الأول في منصب الرئيس زرت بولندا ورغبت هناك في أن أتكلم علناً أمام الجمهور عن قيمة الحرية بين الأمم التي كانت تحت الهيمنة السوفيتية، وفي أثناء محادثتي مع قائد البلاد الأمين العام الشيوعي الأول إدوارد غيريك، أشرت إلى زيارة سابقة مع كاهن بولندا من الروم الكاثوليك، ستيفان كاردينال ويزنسكي. وطلب غيريك أن التحق به من أجل جلسة خاصة، وتحدثنا لبعض الوقت الطويل نوعا ما عن إيماني المسيحي. وكانت أم غيريك، وهي كاثوليكية مخلصة، قد زارت الفاتيكان ورأت البابا، وبدا لي أن الأمين العام الأول كان ممزقاً بين إيمانها وبين كونه شيوعياً مخلصاً، وشعرت أنه داخلياً كان مسيحياً، وأما علناً أمام الجمهور فهو ملحد.

وفيما بعد، في أثناء زيارتي إلى كوريا الجنوبية، كان لي مناقشات حامية نوعاً ما مع الرئيس بارك تشونغ، حول انتهاكاته الحقوق الإنسان، ونشر القوات الأمريكية، وحول موضوعات أخرى ذات أهمية دولية. وحين كنت أستعد لمغادرة مكتب الرئيس بعد زيارتي الرسمية الأخيرة، سألني إن كان يستطيع أن يناقش معي مسألة خاصة، فسمحنا للأعضاء الآخرين بالانصراف من حاشيتنا . وصف لي الرئيس الكوري الإيمان الديني لطفليه، فأحدهما كان بودياً والآخر كان مسيحياً، وطلب مني أن أشرح له مبادئ إيماني. وقد فعلت ذلك، وأنهينا مناقشتنا بالاتفاق على أنني سأرتب ليقوم واحد من أشهر المعمدانين في كوريا الجنوبية بمتابعة الموضوع متابعة أكبر، وبعد أشهر قليلة، اغتيل بارك على يد رئيس دائرة الاستخبارات الكورية الجنوبية، والذي خلفه في منصب الرئاسة. ولم أعرف أبداً النتيجة النهائية لمناقشتنا الدينية.

كانت إحدى محادثاتي، وهي من أكثرها إثارة للاهتمام، وربما من أكثرها إنتاجية، مع القائد الصيني دينغ إكسيا وبينغ، وهو الذي كنت قد تفاوضت معه حول العلاقات الدبلوماسية العادية بين الولايات المتحدة وبين جمهورية الصين الشعبية. ففي أثناء زيارته الرسمية إلى واشنطن، كان لنا، دينغ وأنا عدد من المحادثات الواسعة النطاق حول كثير من نواحي الحياة الصينية والأمريكية، من أجل إقامة صداقة راسخة على أفضل ما يكون ممكناً بين شعبينا . وسألني في مأدبة رسمية في إحدى الأمسيات، ما الذي ألهمني أن أهتم أول اهتمام لي ببلده. فأجبته بأنني نشئت معمدانياً وأن أبطالنا البارزين كانوا من النساء القائدات المسيحيات اللواتي ذهبن إلى الصين بصفة بعثات تبشيرية لنشر الإنجيل عن يسوع المسيح. وحين كنت طفلاً صغيراً ، كنت أقدم خمسة سنتات في الشهر للمساعدة في بناء المدارس والمستشفيات للأولاد الصينيين وللبنات.

سر دينغ من جوابي وتسلى به، وأشار إلى أن النشاطات الدينية من ذلك النوع كانت قد أنهيت حين تأسست جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. وفي الحقيقة، كان الإلحاد هو السياسة الحكومية الرسمية تحت نظام الحكم الشيوعي، وحظرت كل خدمات العبادة وتوزيع الإنجيل والكتب المقدسة الأخرى. وسألت إن كان من الممكن تغيير هذه السياسات، فطلب مني اقتراحات محددة. وبعد تفكير للحظات قليلة، قدمت ثلاثة طلبات ضمان حرية العبادة، والسماح بتوزيع الإنجيل، وإعادة فتح الباب أمام البعثات التبشيرية. وقبل أن يعود دينغ إكسياوبنغ إلى الصين، أخبرني أن القانون الأساسي للصين سيتغير لينص على الحرية الدينية وعلى أن الأناجيل ستجاز ويرخص بها . ولكنه لن يوافق مع ذلك على عودة البعثات التبشيرية الغربية لأنها، كما قال عاشت مثل إتاوة وحاولت أن تقوض أساليب حياة الشعب الصيني. وخلال ثلاث سنوات، حافظ على وعديه بشرط أن تقوم أي جماعات مصلين في كنيسة جديدة بالتسجيل لدى الحكومة. وتستطيع هذه الجماعات بعدئذ أن تمارس عباداتها بحرية، كما هو مرغوب.

لقد وصفت هذه المواجهات الثلاث مع قادة سياسيين الأوضح الاهتمام بالمسيحية من غير المؤمنين أيضاً . كانت كلها مناقشات خاصة، وحاولت أن أحترم تلك الخصوصية في أثناء حياة هؤلاء المسؤولين الأجانب. وكانت هذه هي الفرضية النموذجية التي عاملت بها أنا وروزالين نواحي أخرى من حياتنا الدينية في أثناء قيامي بتولي المنصب العام.. 

منذ بضع سنوات خلت حاولت مجلة دينية أن توجز مثل هذه الفرضيات وطلب مني أن أعبر عن تعريفي للنجاح في الحياة في خمسين كلمة فقط! وكنت في حيرة بشأن الكيفية التي أرد بها، إلى أن تذكرت خبرة خبرتها في عام 1974، حين كنت حاكماً . فقد دعائي الدكتور نورمان فنسنت بيل إلى الذهاب معه إلى مدينة ماكون في جورجيا للمشاركة في تقديم جائزة من مجلته غايد بوستس علامات هداية إلى جماعة مصلي الكنيسة البارزة في الأمة في هذا العام. وقال إن حوالي سبعة آلاف شخص سيجتمعون في مركز البلدية لتكريم كنيسة غير العاديين، وهم جماعة من المصلين من حوالي خمسين شخصاً من المتخلفين عقلياً .

كنت أعلم عن قدرة الدكتور بيل العظيمة بوصفه متحدثاً ملهماً، وشعرت بالمنافسة نوعاً ما حين كنت أعد خطابي الخاص وألقينا هو وأنا أفضل خطينا وبعد ذلك جاءت الفقرة الختامية وهي: إشعال شمعة كبيرة بيد امرأة عضو من أعضاء الكنيسة. وكانت امرأة متوسطة العمر مصابة بمتلازمة داون جاءت ببطء ولكن بكبرياء عبر ممر المركز وهي تحمل شمعة دقيقة مضاءة. وكان يتبعها عن قرب قسيس الكنيسة الصغيرة، وقد عرض عليها أن يثبتها ويقدم لها المساعدة. ولكنها رفضت كل مساعدة، واقتربت من الشمعة الكبيرة بثقة وكبرياء واضحين.

وترجرج اللهب الصغير للخلف وللأمام، وبرغم المحاولات المتكررة من المرأة لم تشتعل الشمعة الكبيرة. وجلس الجمهور وقد حبس أنفاسه، ولم نستطع الدكتور بيل وأنا أن نتجنب الشعور بالإحراج بالنسبة إليها، وتقدم القسيس ووضع يده على يدها ليثبت الشمعة الدقيقة، ولكن المرأة هزت رأسها ودفعته بعيداً.

وأخيراً، اشتعلت الشمعة الكبيرة، وانفجر الجمهور بالهتاف والتصفيق. ولكن أسطع شيء في المدرج الضخم وأكثره وضاءة كان وجه تلك المرأة الذي وهج بالسعادة.

من غير المحتمل فعلاً أن يتذكر أحد كان حاضراً هناك في تلك الليلة، قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت أي شيء كان على الدكتور بيل وعلي أنا أن نقوله في خطابينا اللذين أعدا بعناية، ولكن ما من أحد سوف ينسى أبداً اللحظة الظافرة حين بينت المرأة عملياً إخلاصها، وثقتها، وإنجازها، واعتزازها في احتفال تلك الأمسية الذي يكرم كنيستها الصغيرة سبعة آلاف نفس لمستها تلك المرأة بإيمانها . وعزمها . وكان من هذه الخبرة على الأخص أن اخترت خمسين كلمة في الجواب عن سؤال المجلة: ""أعتقد أن أي إنسان يستطيع أن يكون ناجحاً في الحياة، بغض النظر عن الموهبة الطبيعية أو البيئة التي نعيش فيها. وهذا لا يستند إلى قياس النجاح بالمنافسة الإنسانية على الثروة والممتلكات، والتأثير، والشهرة، بل بالتمسك بمعايير الله من الحقيقة، والعدالة والتواضع، والخدمة، والرحمة والتسامح والحب"".

منذ أن غادرت البيت الأبيض، كنت أستاذاً في جامعة إموري طوال ربع قرن تقريباً، وحاضرت في مدرسة اللاهوت في الغالب وفي قسم الدين، حيث وجدت معرفتي الأساسية باللاهوت مفيدة في الإجابة عن أسئلة الطلاب، ومن ناحية أخرى نبذل روزالين وأنا جهداً خاصاً لنكون في البيت في مدينة بلينز في أيام الأحد، وأنا أعلم فصلاً عن الإنجيل في ما يصل إلى حوالي ثلاثين أو أربعين مرة في السنة في كنيسة مارانتا المعمدانية للأعضاء الكبار في كنيستنا وللزوار الذين يحضرون. وهذه الدروس مصورة في أفلام ومسجلة على أشرطة التسجيل وتوزع على نطاق واسع. ولا أستطيع القول إن كانت دراساتي اللاهوتية مفيدة جداً في هذه الفصول في مدينتي الوطن، وفي هذه الدروس لم أحد مطلقاً بأي طريقة ملموسة عن التعبير عن المعتقدات المسيحية التقليدية التي ورثتها عن والدي.

من بين عدة مئات من الذين يحضرون دروسي في يوم الأحد من كل أسبوع فإن حوالي 15 بالمائة فقط هم من المعمدانيين. وحين آخذ بضع دقائق للسماح للحاضرين في فصلي بالتعريف بأنفسهم، يتبين عادة أن هناك ما يصل إلى ستة من الطوائف البروتستانتية من مجرى التفكير العام ممثلة في الحضور ويرافقهم في الغالب الروم الكاثوليك  والأميش والمينونايتس  والكويكرز  والمؤمنون بالقدوم الثاني للمسيح. إن كنيستنا ترحب باليهود. وبالمسلمين، وبالعابدين الآخرين غير المسيحيين، ونحن تشجع كل حاضر في الدرس أن يأخذ دوراً في المناقشات. وهم يبعثون على الاهتمام تماماً ومعينون لي، وعلى مر السنوات اكتسبت تبصراً في معتقدات وفي مصالح كثيرين من المتدينين الآخرين.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة