القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر ( 10-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر ( 10-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل العاشر التناقض بين قيم الولايات المتحدة المعلنة كراعية لحقوق الإنسان وسياساتها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث أدى التركيز على الحرب على الإرهاب إلى انتهاكات جسيمة مثل التعذيب والاحتجاز دون محاكمة في سجون كغوانتانامو وأبو غريب، إضافة إلى تقويض الحريات المدنية داخل البلاد عبر قوانين مثل ""باتريوت آكت"". ينتقد الكاتب هذه السياسات باعتبارها تضحية بالقيم الأخلاقية وسمعة أمريكا العالمية مقابل أمن مؤقت، مما أضر بالديمقراطية والحرية على المستويين الداخلي والخارجي.

مهاجمة الإرهاب
لا حقوق الإنسان

هذا الفصل كريه تستثقل النفس كتابته بشكل خاص، لأنه يتضمن بعض التقديرات المحرجة للحكومة التي قدتها ودافعت عن قيمها. إن مفهوم أن أمريكا تصون معايير أخلاقية وسلوكية متفوقة دفعتنا مباشرة بعد هجمات 9/11 إلى القيام بدور قيادي كوني في محاربة الإرهاب. وكانت أمتنا طوال مدة مديدة قد رفعت راية حقوق الإنسان لجميع الآخرين ليروا وليتبعوا ، وهو دور كان قد وصف بأنه دور كدور المسيح المخلص المنتظر الذي عين نفسه في شؤون العالم.
ولاستعادة هذه القيم الوطنية ثم صونها، من المهم أن يفهم الأمريكيون التغيرات الثورية التي حدثت في السياسة التي نستخدمها للوصول إلى الغاية المهمة التي نهدف إليها من حماية النفس.

لقد ترعرعت في الجنوب العميق في منطقة كان فيها الرق عنصراً سائداً في الحياة طوال 250 سنة تقريباً حتى ألغي بالتصديق على التعديلين الرابع عشر والخامس عشر للدستور الأمريكي في عام 1868 وعام 1870. ومع ذلك، ففي أثناء فترة صباي استبدل العزل العنصري بالرق بالاستناد إلى قرار المحكمة الأمريكية العليا في 1896 الذي قضى بأن المعاملة على أساس معزولون ولكن متساوون للشعب الأسود كانت معاملة قانونية ومقبولة. وبفضل الشجاعة السياسية للرئيس هاري ترومان تم استئصال التمييز القانوني في القوات المسلحة الأمريكية في عام 1948، ومن جملتها الغواصة التي كنت أخدم فيها، ثم في كل أمتنا في غضون العقدين التاليين بفضل حركة الحقوق المدنية التي رأسها مارتن لوثر كينغ الصغير، والقيادة القوية للرئيس ليندون جونسون ولكن هذا النصر للحقوق المدنية في الوطن لم يمنع أمريكا من قبول بعض أشد أنظمة الحكم الأجنبية وحشية ومساندتها، في نصف الكرة الأرضية في جهتنا، وفي المناطق الأخرى، وهي أنظمة خرقت الحقوق الإنسانية لمواطنيها خرقاً صارخاً. وأعلنت بصفتي الرئيس المنتخب الجديد أن حماية هذه الحقوق ستكون هي الأساس لسياسة بلادنا الخارجية، واتخذت إجراءات دؤوبة لتنفيذ هذا الالتزام. وكان باعثاً على الرضا أن نلاحظ موجة من الانتشار الكاسح للديمقراطية عبر نصف الكرة الأرضية في جهتنا وفي المناطق الأخرى، حين كانت الحقوق الأساسية للحرية محترمة.

في أثناء السنوات الأربع الأخيرة كان هناك تغييرات مؤثرة في سياسات أمتنا نحو حماية هذه الحقوق. وكثيرون من مواطنينا قبلوا هذه السياسات غير المسبوقة بسبب الخوف من الهجمات الإرهابية، ولكن الضرر الذي لحق بسمعة أمريكا كان ضرراً شديداً . كانت الولايات المتحدة سابقاً موضع إعجاب شامل تقريباً بوصفها الحامية البارزة لحقوق الإنسان، وأما الآن فصارت هدفاً من أول أهداف المنظمات الدولية المحترمة المعنية بشأن هذه المبادئ الأساسية للحياة الديمقراطية. وبعض أعمالنا مشابهة لأعمال أنظمة الحكم المسيئة التي كنا ندينها تاريخياً .

 

وبعد هجمات 9/11 بالغت حكومة الولايات المتحدة برد الفعل بقيامها باحتجاز أكثر من ألف ومائتي رجل بريء في كل أنحاء أمريكا، لم يسبق لأحد منهم مطلقاً أن أدين بأي جريمة لها علاقة بالإرهاب واستبقيت هوياتهم سرية ولم يعطوا أبداً الحق بسماع التهم الموجهة إليهم أو الحق بتلقيهم المشورة القانونية. وكلهم تقريباً كانوا عرباً أو مسلمين، وكثيرون أجبروا على مغادرة أمريكا.

ولتقنين مثل هذه الإساءات للحريات المدنية، سن قانون الوطني على عجل مع وجود عدد من البنود تحدد لها ميعاد لينقضي مفعولها في عام 2005. والقادة المعارضون لبعض بنوده هم من المحافظين جداً ومن الجمهوريين المعروفين جيداً وهم الذين نظموا مجموعات معروفة باسم وطنيون لاستعادة الزواجر والضوابط ومؤسسة مجلس الشيوخ الحر للبحث والتعليم. وقد دعا الرئيس إلى توسيع القانون وجعله دائماً، ولكن ""الوطنيين المحافظين أنفسهم استنكروا مثل هذه البنود بوصفها تخويلاً للعملاء الفيدراليين بتفتيش بيوت الناس وأعمالهم سراً، وبمصادرة الممتلكات من دون أي تاريخ محدد أو من دون إعطاء أي إشعار بأن التدخل قد حدث، وبالقيام بجمع المعلومات الشخصية من دون إعطاء إشعار عن المواطنين الأمريكيين، ومن جملة ذلك التواريخ الطبية وسحب الكتب من المكتبات، والبضائع التي اشتروها . وتستطيع الحكومة الآن أن تستولي على قاعدة معلومات كاملة، وعلى كل السجلات الطبية لمستشفى أو على كل الملفات لجماعة مهاجرة، حين تتفحص عن شخص واحد . ومع أن معظم الفقرات المتنازع عليها من قانون الوطني ليست مركزة على الإرهابيين المشكوك فيهم وإنما تنطبق على الجمهور العام، فإن قادة الحكومة قد نجحوا في تمديد العمل بهذه الفقرات أو جعلها دائمة.

وقد قبض على عدد كبير من الرجال ومن الشباب في الحرب في أفغانستان وفي العراق وحولوا إلى سجن معسكر أمريكي في غوانتانامو في كوبا، حيث تم حبس حوالي 520 من الناس من أربعين أمة ومنعوا من التواصل مع الآخرين لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، وتركوا كلهم تقريباً من دون مشورة قانونية ومن دون تهم موجهة إليهم. وقد أكد المسؤولون الأمريكيون أيضاً أن كثيرين من المساجين أسيء إليهم جسدياً . 

وبعد أن زارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ستة سجون من خمسة وعشرين سجناً أمريكياً أو ما يقارب ذلك العدد قدمت تقريراً يسجل 107 من المعتقلين تحت سن الثامنة عشر، وبعضهم صغير يبلغ عمره ثمانية أعوام. وروى الصحفي سيمور هيرش في شهر أيار / مايو 2005 أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد تلقى تقريراً أفاد بأنه كان يوجد 800 - 900 من الفتيان الباكستانيين الذين راوحت أعمارهم بين 13 15 سنة في الحبس. وقد جمعت منظمة الصليب الأحمر الدولية، ومنظمة العفو الدولية، ووزارة الدفاع الأمريكية أدلة أساسية من أقوال الشهود عن تعذيب الأطفال، أكدها جنود شاهدوا الإساءة أو ساهموا فيها. وبالإضافة إلى الشهادة الشخصية من الأطفال حول سوء المعاملة الجسدية والعقلية، وصف تقرير من الجنرال جانس كاربنسكي، وهو الضابط المسؤول سابقاً عن سجن أبو غريب، زيارة قام بها إلى معتقل يبلغ من العمر أحد عشر عاماً في زنزانة من المجمع كانت تؤوي سجناء خطرين للغاية. ويتذكر الجنرال أن ذلك الطفل كان يبكي، وأنه قال لي إن عمره تقريباً اثنا عشر عاماً، وأنه كان يريد فعلاً أن يرى أمه، فهل يمكن التكرم بدعوة أمه. إن أطفالاً مثل هذا الذي يبلغ أحد عشر عاماً من العمر قد حرموا الحق في رؤية والديهم. أو رؤية محام، أو أي شخص آخر، ولم يخبروا بالأسباب التي اعتقلوا من أجلها . وقد قال متحدث باسم وزارة الدفاع للسيد هيرش إن العمر ليس عاملاً مقرراً في الاعتقال .

وروى أطباء من حقوق الإنسان في شهر نيسان/ إبريل 2005 أن الولايات المتحدة، منذ عام 2002 على الأقل، شاركت في التعذيب النفسي المنهجي للمعتقلين في غوانتناموا وأن هذا أدى إلى عواقب صحية مدمرة للأفراد الذين خضعوا للتعذيب . ورؤية السجناء للحياة لم تتحسن حين صرح وزير الدفاع أن معظمهم لن يطلق سراحهم ولو حوكموا في يوم ما ووجد أنهم أبرياء.

وقد أصدر الدكتور بيرتون جي لي الثالث، وهو طبيب البيت الأبيض الشخصي للرئيس جورج اتش دبليو بوش، هذا البيان: 

""ترافقت التقارير المقدمة عن التعذيب الذي مارسته القوات الأمريكية بدلائل تفيد أن أفراد الهيئة الطبية العسكرية قد لعبوا دوراً في هذه الإساءة وذلك طبقاً لتوجيهات الإرشاد الأخلاقي العسكري الجديدة التي تخول بالفعل أفراد المهن الصحية أن يتواطؤوا في سوء المعاملة للسجناء. إن توجيهات الإرشاد الجديدة هذه تشوه القواعد الأخلاقية التقليدية إلى ما وراء الحدود المعترف بها وذلك لتخدم مصالح المحققين، لا الأطباء والمعتقلين.... إن التعذيب المنهجي الذي تقره الحكومة ويتلقى العون والتشجيع من مهنتنا الخاصة عمل غير مقبول. ويجب علينا، بصفتنا من المهنيين الصحيين أن نساند الدعوات المتزايدة من أجل تشكيل هيئة مستقلة من الحزبين لتحقق في التعذيب الذي حدث في العراق وفي أفغانستان، وفي خليج غوانتانامو وغير ذلك من الأماكن ولتطالب باستعادة المعايير الأخلاقية التي تحمي الأطباء والممرضين والممرضات والعاملين الطبيين والنفسين من التحول إلى عاملين مسهلين إلى الإساءة. إن أمريكا لا تستطيع الاستمرار في النزول إلى هذا الطريق. فالتعذيب يدل على الضعف، لا على القوة. إنه لا يظهر الفهم أو القدرة أو الشهامة. إنه ليس قيادة. إنه رد فعل من مسؤولين حكوميين اكتسحهم الخوف واستسلموا لسلوك لا يليق بهم ولا يليق بمواطنين من الولايات المتحدة"".

إن الصور الفظيعة من سجن أبو غريب في العراق قد جاءت لبلادنا بفقدان الثقة بها . وهذا مثير للقلق على وجه الخصوص، نظراً إلى أن ضباط الاستخبارات الأمريكية قدروا للصليب الأحمر أن 70 إلى 90 بالمائة من المعتقلين في هذا السجن كانوا قد اعتقلوا خطأ . وروى مسؤولون عسكريون أن 108 من السجناء ماتوا في الحبس الأمريكي في العراق وفي أفغانستان وفي أماكن سرية أخرى منذ عام 2002 فقط، مع الإقرار بأن قتل النفس البشرية كان سبب الوفاة في 28 حالة على الأقل. والحقيقة التي تبين أن واحداً فقط من هؤلاء كان في سجن أبو غريب تشير إلى النمط الواسع الانتشار من الإساءة للسجناء، وهو بالتأكيد ليس محدوداً بالأعمال أو بالقرارات التي اتخذتها قلة فقط من الأشخاص المتطوعين المارقين.

وكان اللواء العراقي عبد حامد موحوش (26) قد حضر بنفسه طواعية للمسؤولين الأمريكيين في بغداد في محاولة منه لتحديد مكان أبنائه، ولكن اللواء اعتقل، وعذب، وحشر في داخل كيس نوم أخضر حيث مات من الصدمة والاختناق في 26 من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.
هذه التحقيقات السطحية تحت رعاية وزارة الدفاع جعلت من الواضح أنه ما من أحد من الضباط العسكريين من ذوى المستوى العالي أو المسؤولين الحكوميين سيكون مسؤولاً وموضع حساب، بل ليس هناك أدنى شك في أن تصريحاتهم العامة وتوجيهاتهم الخاصة تلقي بالشك وأحياناً بالسخرية على تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومعاملة الأسرى.

وفي شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2003 ومرة ثانية في شهر حزيران / يونيو 2005 قام مركز كارتر، وقد قلق قلقاً عميقاً بشأن الأثر العكسي لهذه السياسات الأمريكية الجديدة في أمم أخرى باستضافة الحركات الرئيسية من المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية من بلاد كثيرة في مؤتمرين. وكان زملائي في رئاسة الاجتماعات في كلا المؤتمرين هم المندوبين السامين للأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، بالإضافة إلى أن منظمات أخرى دولية لشؤون حقوق الإنسان لعبت دوراً رئيسياً في المناقشات.

وما علمناه في هذه الجلسات كان مزعجاً حقاً، وجاءت التقارير من العاملين النشيطين الشجعان والنشيطين الفاعلين اللاعنفيين من الذين عرضوا أنفسهم المخاطرات كبيرة في ظروف خطرة لحماية حرية الآخرين وحقوقهم. وكثيرون منهم كانوا قد تعرضوا للسجن أو المضايقات الشديدة نتيجة لتحميلهم حكومات بلادهم المسؤولية وجعلها موضع محاسبة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية. وكانوا مقتنعين أنه كان هناك تغيير عمدي عالي المستوى يستند إلى قاعدة واسعة في السياسة الأمريكية للتخلي عن التزامنا الثابت الطويل الأمد بحماية حقوق الإنسان الأساسية داخل أمتنا وفي كل أنحاء العالم أو تخفيض هذا الالتزام. وروى المدافعون عن حقوق الإنسان أيضاً في عام 2003 أن عدداً كبيراً من الأشخاص المتهمين كان يجري إرسالهم من أمريكا إلى بلاد أجنبية مختارة كان التعذيب فيها مقبولاً بوصفه وسيلة لانتزاع المعلومات.

وقد أنكر المسؤولون الرسميون الذين مثلوا حكومة الولايات المتحدة في هذا المؤتمر هذا الزعم إنكارا قوياً.

 

وكان المشاركون على اتفاق بوجه عام على أن السياسات الحديثة للولايات المتحدة كان يجري تبنيها وتشويهها من أنظمة حكم انتهازية لتخدم مصالحها الخاصة. وأخبرونا عن تراجع عام من حكوماتهم عن الالتزامات السابقة بحقوق الإنسان، وأكدوا أن هناك خطراً في تراجع الحركات الديمقراطية لما كانت عليه قبل عقود في بعض بلدانهم. وشرح المشاركون أن القادة القمعيين قد تجرؤوا في اضطهاد وإسكات المواطنين الصرحاء تحت مظهر محاربة الإرهاب، وأن هذا العذر كان يحرف الضغط القادم من الولايات المتحدة ومن القوى الأخرى بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان. وكانت عاقبة ذلك أن كثيرين من المحامين والأستاذة الجامعيين والأطباء، والصحفيين قد ألصق بهم اسم الإرهابيين، وكان ذلك في الغالب لمجرد نقد سياسة معينة أو من أجل قيامهم بعملهم اليومي وسمعنا عن حالات كثيرة تتصل بالمحامين الذين يحامون عن حقوق الإنسان الذين يجري اتهامهم بتحريض الإرهابيين وذلك ببساطة بسبب دفاعهم عن الأشخاص المتهمين.

وكانت هناك تقارير مقلقة إقلاقاً مساوياً تفيد أن حكومة الولايات المتحدة كانت تسهم في بعض الحالات إسهاماً مباشراً في تأكل حماية حقوق الإنسان. وذلك بتشجيعها للحكومات على تبني سياسات تراجعية في مكافحة الإرهاب تقود إلى تقويض المبادئ الديمقراطية وحكم القانون، وتذهب في الغالب بعيداً إلى ما هو أكثر من القانون الوطني في الولايات المتحدة.

وتشجعنا جميعاً لأن أشد السياسات الأمريكية الجديدة وطأة وثقلاً كان يجري مناقشتها في مجلس الشيوخ ومن خلال نظام المحكمة الفيدرالية وسوف تصحح في نهاية المطاف. ومع أن العديد من القضايا القانونية لم تصل بعد إلى مستوى الاستئناف النهائي لتكون واضحة، فإن معظم الحالات المحلية موضع النقاش قد تم حلها حلاً مرضياً، وقضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في شهر حزيران/ يونيو 2004 أن المحاكم الفيدرالية الأمريكية تملك السلطة القضائية للنظر في التحديات الموجهة إلى شرعية اعتقالات مواطنين أجانب أسروا في الخارج فيما يتصل بأعمال الحرب وحبسوا في خليج غوانتانامو. 

وفي الوقت الذي لم يحصل فيه حتى الآن أي واحد من المعتقلين في غوانتانامو على مثل هذه المراجعة بسبب تشدد الحكومة، فإن عدداً صغيراً منهم زاره محامون يبحثون في إيداع مستندات استئناف لإحضار الأشخاص. وقد قللت الإدارة الأمريكية الخضوع لقرار المحكمة العليا إلى الحد الأدنى وذلك بتأسيس محاكم مراجعة لحالة المحارب لتقرر إن كان المعتقل محارباً معادياً . وتتكون كل محكمة مراجعة لحالة المحارب من هيئة محلفين من ثلاثة ضباط عسكريين، وتعتمد اعتماداً مزعوماً على الدليل السري لتقرر إن كان اسم ""عدو محارب"" يجب أن يبقى ملتصقاً بكل معتقل من المعتقلين، الذين لا يملك أي واحد منهم حتى الآن حق الوصول إلى المشورة القانونية لمساعدته. واستغرق ذلك سنتين ونصف السنة بعد وصول المعتقلين إلى هناك، ولكن القرار كان أول خطوة نحو إجبار الإدارة على استعادة حكم القانون إلى معاملاتنا مع الأجانب الموجودين في حبس أمريكي.

في معظم البلدان التي تمثلت في مؤتمراتنا لحقوق الإنسان، ومن جملتها ديمقراطيات غضة، لم تكن مثل هذه الزواجر والضوابط قد تطورت تطوراً حسناً جداً في النظام القضائي وهو ما يجعل المساءلة والرجوع عن السياسات المسيئة ونقضها في تلك الدول أقل احتمالاً بكثير من الولايات المتحدة.

وكان هناك موضوع آخر حظي بالاهتمام في صفوف الذين جاؤوا من أيرلندا الشمالية، وتركيا، وبورما، وكولومبيا، وإسرائيل، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوزبكستان، ومن مجتمعات أخرى غلبت عليها النزاعات، وهو أن الاستخدام المبكر للقوة المسلحة والسياسة المعلنة عن الحرب الاستباقية قد أرسلت إشارة تفيد أن العنف قد صار بديلاً أكثر قبولاً بكثير جداً من المفاوضات السلمية في حل الاختلافات. وكان الإجماع العام لهؤلاء الخبراء في الديمقراطية والحرية هو أن السياسات المستندة إلى العنف تؤدي دائماً في النتيجة إلى دورة من العنف المتصاعد.

 

من الواضح أن أسرى الحرب هم من بين أكثر الناس عرضة للأذى. فهم ليسوا فقط تحت السيطرة الكاملة لأسريهم، بل إن من المرجح جداً في وقت النزاع أن تنعكس بغضاء ميدان المعركة ووحشيتها داخل جدران السجن العسكري. ومن العوامل الأخرى المعروفة معرفة جيدة هي أن السرية في وقت الحرب تستر في الغالب الأوامر والسياسات التي يتخذها الرؤساء وتستر الأعمال التي يرتكبها المرؤوسون، إضافة إلى أن بعض العناصر المتصلة بالبغضاء القومية والخوف يجري رفع شدتها بسبب نفسية الحرب.

وقد خبرت أسرتي الخاصة أثر هذه العوامل حين وقع في الأسر خالي الأثير لدي توم غوردي، وكان ضابط صف في الأسطول، وعومل معاملة وحشية بصفته أسير حرب، وذلك بعد أن أسر في غوام من اليابانيين بعد شهر من الهجوم على بيرل هاربر في عام 1941. وبعد عامين جاء تقرير بموته ولكنه وجد حياً بعد استسلام اليابان، وكان وزنه خمسة وثمانين رطلاً، وقد أوهنته أربع سنوات من سوء المعاملة الجسدية والنفسية.

إن الانتشار الواسع لمثل هذه الإساءة لرجال الخدمة العسكرية المأسورين وللنساء العسكريات في أثناء الحرب العالمية الثانية هو ما استحث مجتمع الأمم ودعاه إلى الاجتماع لتحديد الضمانات الأساسية لمعاملة الأسرى المعاملة المناسبة تحديداً دقيقاً كاملاً. وهذه القيود نتيجة المؤتمر عالمي عقد في جنيف، في سويسرا، عام 1949، وأعاد تعريف وتوسيع ما هو معروف باسم مواثيق جينيف. ولم يسبق لأي قوة ديمقراطية أن وضعت وثاقة هذه الضمانات وصدقها وقابليتها للتطبيق الشامل موضع تساؤل، حتى وقت قريب، وحتى جاء ذلك من أمريكا ! وبدلاً من الوفاء بأحكام القيود التاريخية، قرر قادتنا السياسيون أن ينتهكوها، مستخدمين العذر بأننا في حرب على الإرهاب. ومن الواضح أن مواثيق جينيف كانت مصممة بصورة مخصوصة لحماية أسرى الحرب لا أسرى السلم.

ومع أن الجهود الناجحة التي بذلها مسؤولون كبار قد ضمنت أن تكون المسؤولية والعقاب محدودة بقلة من الأفراد العسكريين من المستوى المنخفض فإن التغيرات الأساسية في سياسات حقوق الإنسان كانت قد نوقشت وتم تبنيها في البيت الأبيض، ووزارة العدل، ووزارة الدفاع، وترافقت مع مخالفة متقطعة في الرأي من وزارة الخارجية. وقد كشفت التقارير هذه الأنواع من التصريحات الرسمية:

"" إن الرئيس، بالرغم من القوانين المحلية والدولية التي تقيد استخدام التعذيب، يمتلك بوصفه القائد العام السلطة ليوافق على أي أعمال جسدية أو نفسية تقريباً في أثناء التحقيق، حتى حد التعذيب وشاملاً له"".

وزارة الدفاع

في رأيي أن هذه الرؤية الجديدة ( بعد 9/11) تؤدي إلى جعل القيود الصارمة لجينيف على مساءلة أسرى الأعداء قيوداً عتيقة مهجورة وتؤدي إلى جعل بعض نصوصه غريبة.

المستشار القانوني للبيت الأبيض البيرتو غونزاليس 

وهو الآن النائب العام المسؤول الرئيس عن تنفيذ القانون في الولايات المتحدة

وقد كشفت الأدلة اللاحقة أن القادة الأمريكيين، برغم الإنكار السابق في أثناء مؤتمرنا الأول لحقوق الإنسان، قد تبنوا سياسة مكملة تضمنت نقل أسرى إلى بلاد أجنبية، ومن جملتها مصر والمملكة العربية السعودية، وسورية والمغرب، والأردن، وأوزبكستان، وكان معظم هذه الدول قد أدين في التقارير السنوية لحكومتنا عن حقوق الإنسان لأنها تستخدم التعذيب عادة لانتزاع المعلومات. ومع أن هذه الممارسة لقيت معارضة من وزارة الخارجية، فقد تمت الموافقة عليها في أعلى المستويات من حكومة الولايات المتحدة، وهي معروفة باسم ""تسليم مجرمين غير عاديين، وكانت الأعذار الرسمية هي أن الضحايا صنفوا محاربين أعداء غير قانونيين وأن أفراد قواتنا العسكرية وأفراد وكالة الاستخبارات المركزية لا يعرفون على وجه اليقين أن الضحايا المسلمين كانوا سيعذبون. ويقدر أعضاء في مجلس الشيوخ ومتخصصون قانونيون أن 150 أسيراً كانوا مشمولين في هذا البرنامج الاستثنائي، وأساليب التعذيب المستخدمة مرعبة لا يمكن وصفها تقريباً، وتشمل، كما روى سفير أمريكي في إحدى البلدان المستقبلة للأسرى الغلي الجزئي ليد أو الذراع مع القيام بغلي سجينين على الأقل حتى الموت.

ومن الحالات الكثيرة، حالة من القلة التي تم نشرها علانية تتصل بأسر المواطن الكندي، ماهر عرار، حين كان يغير طائرته في مطار كينيدي في نيويورك. وقد قيده عملاء أمريكيون، وحملوه إلى الطائرة النفاثة 5 لشركة غلف ستريم، وأخذ إلى سورية، وهناك أسيء له طوال عام قبل أن يطلق سراحه بعد أن تبين عدم وجود أدلة تدينه. وكان المسؤولون الأمريكيون يعرفون بما يجري. وكما صرحت وزارة الخارجية سابقاً حول الإساءات لحقوق الإنسان في سورية فإن الأسرى والمعتقلين السابقين رووا أن وسائل التعذيب شملت الصدمات الكهربائية، وقلع أظافر الأصابع، والإدخال القسري لأشياء في الشرج، والضرب وأحياناً، حين يكون الضحية معلقاً من السقف، يقومون بالإفراط في مد العمود الفقري، واستخدام كرسي ينطوي للخلف لخنق الضحية أو لكسر عموده الفقري .

وبالإضافة إلى النواحي الإنسانية، فإن من المعروف معرفة جيدة أن السجين، وهو تحت التعذيب المبرح، سوف يوافق تقريباً على أي جريمة مقترحة. ومثل هذه الاعترافات، طبعاً، غير مقبولة في المحاكمات في الأمم المتمدنة. والغاية الأولية من التعذيب أو من التهديد بالتعذيب ليست الحصول على إدانات من أجل ارتكاب جرائم بل هي لتوليد الخوف وإدامته. وقد وجد بعض قادتنا أن من السهل عليهم أن يتخلوا عن حقوق الإنسان لأولئك الذين يعتبرونهم دون البشر، أو محاربين أعداء"" .

ومرة أخرى أقتبس من النائب العام الجديد لأمريكا، وهو البرتو غونزالس وهو يقول: إن السياسة ""تضع قيمة عالية على ... القدرة على الحصول على المعلومات بسرعة من الإرهابيين المأسورين ورعاتهم لتجنب المزيد من الأعمال الوحشية الموجهة إلى المدنين الأمريكيين. وهو يبرر التمديد للبرنامج الذي يسمح لعملاء وكالة الاستخبارات المركزية بالتعامل مع المتهمين المشتبه بهم في مواقع سجن أجنبي بالادعاء أن حظر ميثاق الأمم المتحدة للتعذيب وللمعاملة القاسية الأخرى أو غير الإنسانية أو المحقرة أو للعقوبة لا تنطبق على تحقيقات الأمريكيين مع الأجانب في ما وراء البحار وطبقاً للنائب العام، يمكن حجز المساجين إلى أجل غير محدد من دون أي عملية قانونية ومن دون أي وصول لهم من الصليب الأحمر الدولي، برغم أن الولايات المتحدة قد صادقت على الاتفاقات الدولية التي تحرم مثل هذه المعاملة. وتروي جريدة نيويورك تايمز أن توجيهاً ما يزال سرياً يجيز هذه السياسة وكان الذي قد أصدره هو الرئيس بوش في عام 2001. وأعلن الرئيس أيضاً أن أعضاء القاعدة والطالبان لم يكونوا مؤهلين ليستحقوا مكانة سجين حرب.

وكانت إحدى العواقب الخطيرة لهذه الإجراءات البغيضة هي السؤال ماذا نفعل بالسجناء المعذبين حين يثبت أنهم أبرياء؟ هل يمكن لهم أن نطلق سراحهم وأن يحرروا ليقدموا شهادة علنية عن الولايات المتحدة الأمريكية أو ليقوموا بإيداع ملفات دعاوى قضائية ضد بلادنا، كما سبق أن فعلت قلة منهم؟ وزيادة على ذلك، ولو كان السجناء محبوسين في سجن، فإن بعضهم قد صار مشكلات عامة بسبب الإرهابيين المعروفين الذين كانوا مشتركين فعلاً في هجوم 9/11 والذين طلبوا هؤلاء السجناء ليكونوا شهوداً . ومحاكمات هؤلاء المجرمين المعروفين قد أبقيت معطلة مؤقتاً لأننا لا نستطيع أن نسمح المعتقلين سابقين أو معتقلين ما يزالون في الحبس أن يشهدوا.

وبدلاً من تصحيحنا للمشكلة الأساسية، فإن المزيد المزيد من السجناء يجري احتجازهم، وصار الوصول إلى الحقائق عن معاملتهم أقل من السابق. وقال تقرير نشرته في شهر آذار مارس 2005 حقوق الإنسان الأولى: إن عدد المساجين المحتجزين في رعاية الحبس القضائي الأمريكي في العراق وفي أفغانستان قد زاد في أثناء الشهور الستة الماضية فقط من ستة آلاف سجين إلى أكثر من أحد عشر ألف سجين، وإن مستوى السرية المحيطة بعمليات السجن الأمريكية قد اشتد .

ونظراً إلى أن التدقيق العام قد تركز على إساءة معاملة السجناء، فقد تم تحديد الإبلاغ التاريخي عن نشاطات وكالة الاستخبارات المركزية إلى مجلس الشيوخ بمجموعة صغيرة من المشرعين. ويتطلب القانون أن يتم إشعار لجنتي الاستخبارات في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بكل هذه النشاطات، ولكن البيت الأبيض ادعى أن البرنامج السري للحجز والسجن حساس جداً، ويجب ألا يكشف إلا لكبار الجمهوريين والديمقراطيين فقط في كل لجنة. ويمكن أن نتكهن أن أعضاء اللجنة الآخرين قد اشتكوا بسبب استبعادهم، ولكن قدرتهم على تحدي السياسة تكمن فقط في التهديد بالامتناع عن التمويل، وهو عمل غير مرغوب فيه حين تكون القضية هي الأمن القومي.

وقد انتقد عضو مجلس الشيوخ الجمهوري جون ماك كين، وكان أسير حرب في فيتنام الطريقة التي عاملت بها القوات المسلحة الأمريكية السجناء المحتجزين، واقترح هو ، ورئيس لجنة القوات المسلحة جون وورنر، وأعضاء آخرون جمهوريون في مجلس الشيوخ تشريعاً يمنع القوات العسكرية الأمريكية من المشاركة في المعاملة القاسية، أو غير الإنسانية، أو المحقرة، أو العقوبة للسجناء المحتجزين، أو من إخفاء السجناء عن الصليب الأحمر، ويضع التشريع معايير موحدة للتحقيق مع أي شخص احتجزته وزارة الدفاع. وقد اقتبس هؤلاء الشيوخ الجمهوريون الأقوياء تعليقات من خمسة عشر ضابطاً عسكرياً من رتب عالية تفيد : أن الإساءة إلى السجناء تؤذي قضية أمريكا في الحرب على الإرهاب، وتعرض للخطر أعضاء القوات المسلحة الأمريكية الذين قد يأسرهم العدو، وهي لعنة للقيم التي تمسك بها الأمريكيون بوصفها قيماً عزيزة طوال أجيال. وقال ماك كين: ""العدو الذي نقاتله ليس لديه أي احترام للحياة الإنسانية أو لحقوق الإنسان. وهم لا يستحقون تعاطفنا . ولكن هذا الأمر ليس حول من هم. إنه حول من نكون نحن .

وقد بذل نائب الرئيس تشيني، ممثلاً لإدارة بوش، جهوداً نشيطة لإعاقة التشريع، وحذر البيت الأبيض من أن مشروع قانون ميزانية الدفاع البالغة 442 بليون دولار سوف يتعرض للنقض، مدعياً أنها ستحدد صلاحية الرئيس في أن يحمي الأمريكيين حماية فعالة من الهجوم الإرهابي ويجلب الإرهابيين إلى العدالة، ومع ذلك، فقد أعلن البيت الأبيض، تحت الضغط في شهر آب أغسطس 2005 أن عدداً كبيراً من السجناء في غوانتانامو سيحولون إلى أفغانستان، والمملكة العربية السعودية، واليمن ودول إسلامية أخرى يكون فيها التدقيق من الهيئة التشريعية العليا في الدولة أقل بكثير في شدته.

حين كان يجري تأسيس أمتنا، قرر جورج واشنطن أن يؤسس في أمريكا سياسة مجددة سياسة الإنسانية . وفي عام 2003 كتبت رواية عن حربنا الثورية، بعد ست سنوات من الدراسة والبحث. وكان أحد أكثر اكتشافاتي بعثاً للصدمة هو أن الضباط البريطانيين أصدروا في الغالب أوامر بأن لا رحمة تمنح للأمريكيين الذين استسلموا في ميدان المعركة. وكانوا يعدمون بلا تمهل. وكان المثال الحي لهذا العمل في معركة برير كريك، في الشمال الشرقي من جورجيا، حين صدر هذا الأمر مع تعليمات واضحة بأن أي جندي بريطاني يأخذ أسيراً حياً سوف يحرم من مؤونته من شراب الروم لمدة شهر. وقد أدان الجنرال واشنطن تلك الممارسة وأعلن طريقة للحرب أكثر استنارة. ومع أن بعض الأمريكيين الثوريين وجد مذنباً فيما بعد بارتكاب الوحشية نفسها، فإنهم كانوا بفعلهم ذلك ينتهكون توجيهات واضحة وضوحاً مطلقاً وجهت إليهم من قائدهم الأعلى.

وإنها لمأساة محرجة أن نرى تحولاً عن القيادة التاريخية لأمتنا بوصفها المدافع عن حقوق الإنسان، مع قيام مسؤولين كبار بالدفاع القانوني عن هذا التخلي. إن الشعب الأمريكي فقط هو الذي يستطيع أن يعيد توجيه التزامات حكومتنا القانونية والدينية والسياسية، نحو هذه المبادئ الأخلاقية القديمة التي لا تتغير.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة