القائمة الرئيسية

كتاب تكوين الهوية، الشباب، والتنمية

كتاب تكوين الهوية، الشباب، والتنمية
ملخص الكتاب

يتناول الفصل الأول مفهوم الهوية وتطورها عبر مراحل الحياة، مركّزًا على نظريات نفسية واجتماعية تشرح كيف تشكل الهوية الفردية والجماعية أساس التفاعل الإنساني. يستعرض الفصل مراحل النمو وفقًا لنظرية إريكسون، حيث يواجه الفرد تحديات ترتبط بالخصوصية، العناية بالآخرين، وتحقيق التكامل مع الذات. كما يناقش أهمية الاستمرارية والتغيير في تشكيل الهوية، وتأثير الأدوار الاجتماعية والمراحل العمرية عليها. يبرز الفصل أيضًا دور التأمل الذاتي، والقدرة على التكيف مع التعقيدات الاجتماعية، مشددًا على ضرورة مقاربة الهوية من منظور متعدد الأبعاد لفهم طبيعتها المركبة في ظل التحولات الحديثة.

من الأسئلة الأزلية إلى النظريات الحالية

""الإنسان أنبل الحيوانات في أفضل أحواله؛ وفي حال عزله عن القانون والعدالة هو أوضعها"" -أرسطو ( ٣٨٤ - ٣٢٢ ق.م)

كما تمت الإشارة إليه في المقدمة، يتمتع طرح أسئلة عن الهوية الإنسانية بتاريخ طويل، يرجع على الأقل إلى العصور القديمة. ففي عبارة الاقتباس التي تتصدر هذا الفصل، رأى أرسطو كيف أن المخلوقات البشرية تستفيد من كونها ""حيوانات اجتماعية"" (بلغتنا الحالية)، وهي سمة تنطوي على أنماط من تكوين الهوية قيد الاستقصاء في هذا الكتاب. فنحن نعرف تأملات متنوعة حول علاقات الاقتران بين الطبيعة الإنسانية والهوية الإنسانية في المقام الأول من السجلات المكتوبة التي تركها الفلاسفة، ورجال الدين، والأكاديميون، الذين كان كل منهم يتمتع بترف الانخراط في هذا التفكير بشأنها وتسجيلها بطرق ستحفظ عبر الألفيات من السنين. على نحو افتراضي، وعبر التاريخ الإنساني، كان البقاء الجسدي الهم الأسمى، الذي يحرض مزيدا من الاهتمامات الفلسفية. فأثناء فترات العيش الرغيد على مر العصور، من جانب آخر، كما هو الحال في اليونان القديمة وأوروبا عصر التنوير، كان بإمكان أولئك الذين لم يكونوا منشغلين بحاجاتهم المادية الأساسية التفكير مليا في مجموعة من الحاجات - وهي الحاجات النفسية. وعلى مدى القرن المنصرم أو نحو ذلك في الغرب وفي ظاهر الأمر في ثقافات كثيرة أخرى تتمتع بالعيش الرغيد)، تم تحرير عدد متزايد من السكان من ضرورة صرف معظم وقتهم، وطاقتهم، واهتمامهم في الضرورات المادية فالتفتوا بدورهم إلى التأمل في حاجاتهم النفسية.

في الوقت الحاضر، باتت هاتان المجموعتان من الحاجات متداخلتين، مما يعني أن الرفاه المادي قد أصبح على نحو متزايد متوقفًا على قدرة الناس على تطوير القدرات النفسية، أو الذهنية، الضرورية لمعالجة المعلومات المتعلقة بموضعهم في المجتمع، على صعيد حياة كل منهم ومستقبله على حد سواء. وهذا لأن الرفاه المادي بات باطراد على نحو جزئي معتمدا على الملكات الذهنية والمهارات بين الأشخاص الضرورية لترسيخ الأدوار التي يؤديها الناس بوصفهم ""حيوانات اجتماعية"" خاضعة للمعايير، والقوانين، ولضمائرهم الخاصة. ويتطلب ترسيخ تلك الأدوار في الغالب من الناس الرد على سؤال الهوية المفصلي ""من هم"" على صعيد العلاقة مع الناس الآخرين في حياتهم، وعلى نحو أكثر عمومية، في مجتمعهم. وكما نرى، بالنسبة إلى أناس كثيرين، يؤدي هذا إلى التساؤل ""من يريدون أن يكونوا "" و ""من ينبغي أن يكونوا""، حين يواجهون وجودهم بوصفهم حيوانات اجتماعية في مجتمعات معقدة. في سبيل تقدير هذه النقطة حق قدرها، لاحظ أن ما قبل الحقبة الحديثة، كانت أدوار العمل تميل إلى كونها بسيطة وواقعية، ومكتسبة في مرحلة مبكرة من الحياة من خلال ملاحظة الوالدين، أو مكتسبة في مرحلة مبكرة من سن الرشد من خلال أنواع تمهن معدة على نحو صارم في الوقت ذاته تزود الأديان البشر بإجابات على أسئلة أساسية متعلقة بالوجود الإنساني، بما فيها واجبات الأشخاص حيال المجتمع من جانب آخر، تم الاكتشاف بأن هذه الإجابات الوجودية المأخوذة من بعض الأديان غير كاملة على نحو متزايد، حتى بالنسبة إلى كثيرين ممن يتبعون معتقدا دينيا. وبالنسبة إلى الأعداد المتزايدة على نطاق واسع ممن لا يتبعون معتقدا دينيا، هذه الإجابات لا صلة لها بالقضية. وعلى هذا النحو، كما نرى، أوجدت ظروف العيش الرغيد في المجتمعات الحديثة من جانب أول حلا لكثير من مشكلات البقاء المادي، ومن جانب آخر، مشكلات جديدة متعلقة بالقدرات على فهم البقاء النفسي. وهذه المشكلات متعلقة في الغالب بطريقة ما بتكوين الهوية، وضمن هذا السياق التاريخي والاجتماعي العريض نستطيع فهم الأهمية المعاصرة لتكوين الهوية. 

الأسئلة الأزلية

 من الممكن أن يقود التفكير الملي في سؤال الهوية إلى إجابات عميقة من قبيل ""من أنا، حقا، من داخل الأعماق ؟""، ""إلى أية درجة تعكس طريقة تصرفي على الملأ ذاتي الخاصة؟""، و""من نحن بني البشر، في المخطط الأشمل للأشياء، بوصفنا كائنات واعية ؟ "" على الرغم من ذلك تعرف القليل حقا عن الإجابات العديدة على هذه التساؤلات التي ربما تم طرحها على مر العصور، ونحن بالتأكيد لا نعرف كيف في الغالب تم طرحها من قبل عامة القوم أو إلى أية درجة ناضل العامة ضدها على مدى الألفيات من السنين. وكما تمت الإشارة إليه سابقا، نمتلك بعض السجلات من اليونان القديمة، مع مباحث الفلسفة الأخلاقية عند أرسطو، من عصر التنوير، مع مزيد من التأمل الفلسفي لكن كانت هنالك إجابات تم تقديمها في ظل ظروف تاريخية متباينة إلى حد كبير. وفي أزمنة أقرب، حاول العلم الحديث الاستقصاء استنادًا إلى التجربة عن بعض هذه الأسئلة الأقدم إضافة إلى بعض الأفكار الجديدة التي تم طرحها حول قضية الهوية في المجتمعات الحالية. وعلى ذلك، وفي المقام الأول بوضع المجتمعات الغربية الحالية والمستقبلية في حسباننا، قمنا بتأليف هذا الكتاب، الذي يصور خصائص العلم الحديث المختص بتكوين الهوية، ولكن ثبتنا هذه الشؤون في اهتمامات فلسفية أزلية حول قضية الهوية.

يوضح الشكل ١-١ المقاربات الثلاث المتداخلة الماضية والراهنة إلى دراسات الهوية. بالإضافة إلى المقاربات الفلسفية السرمدية والعلمية الأحدث، أخذت المقاربات السياسية مفهوم الهوية إلى حقل الامتيازات المتنازع عليها، حين اتخذت المجتمعات الغربية السمة الديموقراطية في الحقبة الحديثة. وعلى الرغم من أن المقاربة العلمية قد سبقتها، فإن المقاربات السياسية من قبيل سياسات الهوية تنضم إلى المقاربة العلمية في دراسة كيف أن سياقات المجتمعات الحديثة قد جعلت تشكل معنى ما للهوية والإبقاء عليه أكثر تحديًا. وعلى الرغم من أنها متكاملة بعدة طرق، تعمل هذه المقاربات في بعض الأحيان استنادًا إلى افتراضات مختلفة، تؤدي إلى عدد من ""النزاعات الحدودية"" فيما بينها. وسواء أكان الكتاب الراهن منسجما مع هدفنا في عدم السخرية من السجالات حول میدان دراسات الهوية، فهو يركز إلى حد كبير على الإسهامات الأقوى المتعلقة بالمنظور العلمي.

في الوقت ذاته، نعتمد على المقاربات الفلسفية والسياسية إلى حد أن هذه المقاربات تكون مساعدة على دفع المقاربة العلمية إلى فهم تكوين الهوية أثناء الانتقال إلى سن الرشد في المجتمعات الغربية المعاصرة.

استنادا إلى ما نعرفه الآن عن الجوانب الثلاثة الأكثر متانة المتعلقة بتعريف الذات الإنسانية المتعلقة بالتاريخ الثقافي الإنساني نبدأ ببناء النظرية المبسطة في تكوين الهوية ن م ت هـ ) بافتراض المبادئ الثابتة الثلاثة المتعلقة بالهوية الإنسانية التي تتخطى الزمان والمكان الاندماج، التميز، والاستمرارية. هذه المبادئ الثلاثة متجذرة في ""الحالة الإنسانية"" حيث إنها متعلقة بالطبيعة البشرية، وكيف نجح الحيوان الاجتماعي في البقاء بوصفه فصيلة على مر الألفيات من السنون، وفي الغالب في وجه صعوبات كبيرة. إنها مبادئ عابرة للتاريخ تعرف حدود الهوية الإنسانية وإمكانياتها. وعلى هذه الشاكلة، فهي تضع الأساس لخلق معنى الحاجات التنموية للشبان من القوم الذين يمرون في عملية تكوين هويات في الحقبة الراهنة بسياقاتها الاجتماعية - التاريخية الدقيقة.

يمكن اعتبار الاندماج في جماعة إنسانية المبدأ الأول للهوية الإنسانية. وفي سبيل البقاء على مدى تاريخهم التطوري الطويل، توجب على بني البشر الارتباط مع بعضهم بعضًا في جماعات تعاونية تعتني بحاجات مورد الرزق والأمان. كانت تلك الجماعات عادة صغيرة، في بعض الأحيان مؤلفة من عدد قليل لا ينوف عن ٣٠ شخصا في المجتمعات البدوية، لكن حتى إلى ٣٥٠ شخصا في المجتمعات القبلية، وهو عدد يتطلب التعاون عند تجاوزه بنى سياسية خاصة لاحتواء النزاع. لقد تمت الإشارة إلى الاندماج في المجموعة بوصفه على نحو متنوع الاندماج الاجتماعي والعلائقية. ولدى الحديث عن العلائقية، أو علاقات الهوية في هذه الحالة، فمن الأهمية بمكان الإقرار بالحكمة الثابتة القائلة ""الإنسان ليس جزيرة"" (1631 - 15،1572 Donne)، أو باللغة الحالية، ليس أي شخص جزيرة معزولة؛ أي أن كينونتنا من نحن"" مرتبطة على نحو معقد بأولئك الذين يحيطون بنا طوال حياتنا؛ وأننا لا نستطيع أن نكون موجودين ماديا أو نفسيا من غير تلك الروابط.

من الممكن اعتبار تميز الناس بعضهم عن بعض على كل من مستوى الفرد والجماعة المبدأ الثاني من الهوية الإنسانية. وقد يبدو الأمر قائما على التضاد، لكن مبدأ التميز ينجم منطقيا عن مبدأ الاندماج. فعندما قام البشر بتشكيل جماعات قائمة على التعاون، كانوا بحاجة إلى حماية أنفسهم من الجماعات الأخرى التي كانت بدورها تحمي نفسها. ولأن الموارد كانت شحيحة، كانت النزاعات ضمن الجماعات من أجل السيطرة على هذه الموارد واستهلاكها بالغة الشيوع. ويظهر البشر على هذه الشاكلة أنهم طوّروا عدم ثقة مبيتة من الداخل حيال البشر الآخرين. ومن عدم الثقة هذه، لدينا تركة من نماذج الفكر والسلوك القائمة على داخل الجماعة خارج الجماعة، وفور تأسيسها على تهديدات للبقاء المادي، تحوّلت هذه النماذج إلى مدركات حسية متعلقة بالضعف والخطر النفسيين. وعلى سبيل المثال ليس من غير الشائع بالنسبة إلى الشبان الذين يعيشون في ظروف من العيش الرغيد التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه بسبب كيفية إدراكهم لآراء الآخرين عنهم. وتؤيد الاهتمامات الراهنة عن التنمر السيبراني وحالات ""الانتحار عبر مواقع التواصل الاجتماعي"" كيف يمكن أن يكون الأشخاص هشين، حتى لو تمت تلبية كافة حاجاتهم الجسدية والضرورية للبقاء. ولقد تناولت الأجيال السابقة تحديات كهذه بتذكير نفسها بالقول المأثور ""العصي والحجارة تكسر عظامي، لكن الشتائم لن تؤذيني"". في يومنا هذا، اتخذ وضع التشهير أهمية لم يسمع بها في الماضي.

ضمن المجموعات، وعلى الرغم من أن الاندماج الاجتماعي بالغ الأهمية، فما يزال كل فرد يتمتع بمجموعة فريدة من التجارب والحاجات حسبما يقول القول المأثور، ""نأتي إلى العالم بمفردنا، ونخرج منه بمفردنا"". وعلى الرغم من أننا مرتبطون بالآخرين على صعيد العلاقات، نظل نجرب الألم الجسدي والنفسي والسرور بوصفنا أفرادا، وكل فرد يتمتع بأدوار مميزة يؤديها، على الرغم من أن تلك الأدوار يتكل بعضها على بعض. فالشخص المصاب بالصداع هو الذي يشعر بالألم حقا، حتى لو كانت المعلومات عن هذا الألم يشاركه بها شخص آخر وهذا الشخص الآخر متعاطف معه. في الوقت ذاته يجب أن يميز الناس أنفسهم عن آبائهم إلى حد ما عندما ينضجون، حتى عندما يقدم الأبوان الرعاية. ولا يستطيع الأبوان لعب أدوار سن الرشد نيابة عنهم؛ في حقيقة الأمر، توجد في ظاهر الأمر مجموعة من المشكلات النفسية المنبثقة عندما يحاول ""الآباء المتسلطون"" التحكم بحياة أبنائهم الراشدين عن طريق توجيه حياتهم بأصغر التفاصيل وأثناء هذه العملية يحولونهم إلى أطفال. وبالشكل ذاته الذي ينضوي فيه الأشخاص ضمن المجموعة، يتمتع كل شخص في الغالب بمصالح مميزة، وتلك المصالح المميزة يمكن أن تؤدي إلى النزاعات. وهكذا تنبثق مشكلة مفصلية في تأسيس توازن بين الاندماج والتميز - بين المصالح المشتركة والمصالح الشخصية. انظر الصندوق ١١ من أجل مقاربة تدرس التوازن الذي يسعى الأشخاص إليه في إنشاء معنى ""التفرد"" حيث هو ""الأفضل"" بالنسبة لهم، مع التسليم بحاجات دمج هويتهم الخاصة.

أخيرًا، الاستمرارية هي المبدأ الأساسي الثالث للهوية الإنسانية. وحتى عندما نكون أعضاء في جماعة (الاندماج) نتمتع بمزايا شخصية محددة (التميز)، فإن معنى الهوية يتطلب تجربة هذه الصفات المميزة بمرور الزمن، بواسطة ذكريات من الماضي تجعل الحاضر ذا معنى، وبحاضر ذي معنى يقدم الأسس في سبيل مستقبل هادف على مدى كثير من مراحل التاريخ الإنساني تمتع أعضاء جماعات / مجتمعات حسنة الأداء بهذا الإحساس بالاستمرارية المقدم لهم بفعل ميزة استمرار الوجود في داخل الجماعة والأمان المقترن بالأدوار المساهمة والمنسوبة إلى كل شخص. ومعنى الاستمرارية، بناءً على ذلك، لن يكون على نحو اعتيادي بمنزلة مشكلة لدى معظم الناس وعلى نحو أكيد يتطلب تفكيرا شخصيا عميقا أو من الممكن التعامل معه من خلال التفكير الشخصي العميق (هنالك خيار محدود في الأدوار، وهكذا سيكون التأمل فيه لا طائل منه وحتى مختلا وظيفيا).

متابعة لنظرية التميز الأمثل(الصندوق 1-1) بالإضافة إلى المبادئ الثلاثة الثابتة المتعلقة بالهوية الإنسانية، يوضح الشكل ١-٢ كيف أن التوازن الأمثل بين الاندماج والتميز يستطيع أن يؤثر على معنى الاستمرارية. وكما أشرنا سابقا، فإن التوازن الأمثل لدى شخص ما هو سياقي على نحو بالغ، على المستويين الجزئي والكلي. تؤكد بعض الثقافات على الاندماج أكثر بكثير من تأكيدها على التميز، واتباع النموذج الثقافي الكلي المتاح قد يقدم أفضل دعم لمعنى الاستمرارية بالنسبة لمعظم الناس. من جانب آخر، من الممكن أن تتنوع جوانب حياة البشر، بما يسمح بتميز أكثر في ظل ظروف معينة، واتباع هذه الفرص الظرفية الصغيرة ربما يدعم الشعور بالاستمرارية.

وهكذا، في بعض جوانب حياة الناس، قد يكون الاندماج هو أعلى أشكال التكيف، بينما في أوجه أخرى من حياتهم قد يكون البروز هو الأفضل على سبيل المثال، كون المرء مندمجا تماما ضمن جماعة ذات عقيدة من الممكن أن يقدم دعما قويا للشعور بالاستمرارية؛ ومع ذلك ربما يستفيد الشخص ذاته من البروز من تلك الجماعة بلغة المواهب أو الأدوار الخاصة، كما في حالات من القدرات الرياضية والفنية، أو في مواقع مهنية أو قيادية.

إلا أنه في المجتمعات الغربية، لم تعد كثير من الموارد القائمة على التعاون - والاندماج المتعلقة بالاستمرارية مضمونة ولم تكن كذلك لبعض الوقت. باستخدام الأدبيات العلمية بوصفها مرشدا، كانت هنالك كتابات تأملية منشورة عن حالات عجز في معنى الاستمرارية في أواخر القرن التاسع عشر، وفي منتصف القرن العشرين، كان الأدب يزدهر ليشرح ""مشكلة الهوية"" في المجتمعات الغربية. فجاءت أولا نظريات المجتمع الجماهيري، ومن ثم مجتمع ما بعد الحداثة، وفي زمن قريب المجتمع الحديث المتأخر. وعلى الرغم من وجود تباينات بين هذه النظريات، فهي تشترك بشأن انشغال الناس المتزايد بحالات عدم الكفاية في إحساسهم بالمعنى الحالي والمستقبلي للغاية في الحياة - وهما مرتكزان مفصليان لمعنى الاستمرارية الشخصية. على نحو هام، تضع هذه النظريات جميعًا مشكلة الاستمرارية ضمن انحلال في التقاليد التي احتوت على نحو محكم الناس ضمن الجماعات (الاندماج ) بينما تقديم أدوار مميزة في تلك الجماعات سمحت لهم بصنع مساهماتهم المميزة لتلك الجماعات (التميز).

إن المقدمة المنطقية الأساسية للنظرية المبسطة في تكوين هوية الذات (ن م ت هـ) بالنسبة لأية حقبة تاريخية، هي أن مصادر الهوية إضافة إلى كثير من المشكلات التي يمر بها الأشخاص في معنى الهوية، يمكن أن يقتفى أثرها إلى هذه المبادئ الأساسية. وهكذا، تجادل أن من الشائع لدى الأشخاص في المجتمعات الغربية المعاصرة أن يمروا بمشكلات على وجه الخصوص أثناء الانتقال إلى سن الرشد، من حيث التناسب في الجماعة (الاندماج)، وهم يعثرون على بيئة مناسبة مميزة لهم في الجماعة (التميز)، وبالتالي يطورون إدراكات المعنى الحالي والغاية المستقبلية (الاستمرارية). وفقا لذلك، تقدم هذه المبادئ الثلاثة الأساسية المتعلقة بالهوية الإنسانية نقطة البدء لفهم علمي لتكوين الهوية عن طريق توضيح الأصول الاجتماعية - التاريخية والعابرة للسياقات المتعلقة بالهوية وتمزقها. من جانب آخر، يستلزم تكوين الهوية مزيدًا من العمليات على مستوى الفرد نمائية بطبيعتها. ويبدأ توسعنا في تناول هذه العمليات التطويرية في الجزء التالي، ويستمر في كافة مراحل الجزء المتبقي من الكتاب.

الذات وتطورها

يمكن تتبع مسار الكتابات التي تعكس طبيعة الذات إلى فلاسفة التنوير من أمثال إيمانويل كانت (١٧٢٤ - ١٨٠٤)، الذين ميزوا بين الذات بوصفها تجربة والذات بوصفها مصدر النشاط المعرفي. إن الذات المجربة هي "" في اللحظة"" بينما الذات المدركة تخرج من اللحظة للانخراط في تأملات سياقية. هذه التأملات الذاتية من الممكن أن تكون حول علاقاتنا مع الأشخاص الآخرين، وكيف نفكر في نظرة هؤلاء الأشخاص لنا، ومكانتنا في المجتمع فيما سبق، رينيه ديكارت (١٥٩٦- ١٦٥٠) كان قد طرح حلا لمشكلات أزلية متعلقة بالوجود الإنساني - كيف نعرف أننا موجودون؟ حيث القول المأثور، ""أنا أفكر، إذن أنا موجود"". إن إحدى الطرق لفهم قول ديكارت هو حسب لغة الذات المدركة (أنا أفكر ) والذات المجربة (""أنا موجود"").

في أواخر القرن التاسع عشر، أثر التفكير الفلسفي حول طبيعة النفس على الميدان العلمي للدراسات النفسية، حسبما تم على سبيل المثال في العمل الرائد لوليام جيمس، وفيما بعد تشارلز هورتون كولي و ج. هـ. ميد .  وأكد جيمس وميد التمييز بين جوانب ""الأنا"" (المؤثر) و""الأنا"" (المتأثر) للذات مما يعني الجوانب الدوافع الخلاقة للتجربة وأوجه السيطرة التنظيم، على التوالي، وهو تمييز يردد أصداء الأفكار حول العناصر المجربة والإدراكية المتعلقة بالذات). في الوقت ذاته، اشتهر كولي بمجازه الشهير، ""ذات المرآة الزجاجية""، التي تحدث مزيدًا من الاستقصاء حول تقدير الذات والتقييم التأملي وارتباطاتها مع استراتيجيات عرض الذات.

لقد تحولت خطوط التفكير هذه في نهاية الأمر إلى تفاعلية رمزية، وهي نظرية تستمر في كونها مؤثرة في يومنا هذا في العمل على الذات. تقول هذه النظرية إن حالات التفاعل بين الأشخاص تتم من خلال استخدام الرموز اللغة والإيماءات)، وإنّ هذه الحالات التفاعلية الرمزية"" تشكل الذات وتصوغها. يجادل المنادون بحالات التفاعل الرمزية أن الأشخاص يراقبون سلوكاتهم الشخصية وتلك التي يقوم بها أشخاص آخرون ليمنحوا معنى إلى الوقائع التي تحدث يوما بيوم في حياتهم. ولدى القيام بذلك، يراقب الأشخاص الأفعال وردود الأفعال الناجمة عن الأشخاص الآخرين نحوهم، ومن ثم يدمجون هذه الملاحظات إلى بنى ذهنية (ذات) عن ""من هم""، في عملية تشكيل مفاهيم الذات. على سبيل المثال، أولئك الذين يتصورون أن الآخرين يعتبرونهم جذابين أو أذكياء قد يصلون إلى تعريف ذواتهم على هذه الشاكلة. يستخدم الناس عندئذ مفاهيم الذات هذه لتوجيه مسلكهم الحالي والمستقبلي. ومن خلال هذه الأنشطة الاجتماعية ذاتية المرجع، تتشكل مجموعة عن الذوات"" وهي خاصة لدى كل شخص، والتي من الممكن أن تتم دراستها على نحو تجريبي بلغة مفاهيم الذات التي يمكن تمييزها بلغة سمتها في هرمية عامة.

في نسخة ج. هـ. ميد من التفاعلية الرمزية، تحدث تنمية الذات عبر ثلاث مراحل المرحلة الأولى هي ""ما قبل الرمزية"" وما من داع لانشغالنا بها. في المرحلة الثانية، عندما يكتسب الأطفال مخزونا كافيًا من المفردات للبدء بتسمية الأشخاص والأغراض التي يراقبونها، يبدؤون بلعب الأدوار في مرحلة اللعب هذه، قد يلعبون دور الأب، وعامل الإطفاء، والأستاذ في لعب الدور هذا. بهذه الطريقة، يمارسون اتخاذ المنظور (بمعنى أخذ أدوار الآخرين الذين راقبوهم)، وهم على هذه الشاكلة قادرون على التفكير العميق في كيف يتصرف أولئك الأشخاص الآخرون في تنوع من الأدوار والمواقف من هذه التجارب يستطيع الأطفال تأمل أنفسهم بوصفهم ""أفرادًا"" ذوي خواص وقدرات محددة - أي أنهم يستطيعون تصور كيف ينظر الآخرون إليهم. خلال هذه المرحلة، ينتقل أساس السلوك من المحاكاة المجردة إلى توجه نحو الذات أكثر تأملا ويتخذ أدوارًا أكثر إدراكا .

في المرحلة الثالثة، مرحلة اللعبة، يُطور الأطفال مفاهيم أكثر عمومية ووحدانية عن أنفسهم بينما يتعلمون في آن معا أخذ أدوار الآخرين المتنوعين على سبيل المثال، في مباراة البيسبول قد يتراوح الدور بين ضارب الكرة والرامي. وفي العملية، يتعلمون تقدير أهمية اللاعبين الآخرين في الملعب. وإذ تتم تجربة هذا الأمر، يتصور الأطفال كيف أن أولئك الذين يتقمصون الأدوار الأخرى يفكرون في تصرفاتهم. وبناءً على ذلك، يتعلم الأطفال تصوّر أنفسهم بلغة منظور الأطفال الآخرين نحوهم. ولدى تقدير العلاقات المتبادلة المجموعة من الأدوار وليس لدور معزول واحد، يطور الأطفال مفهوما عموميا عما هو متوقع منهم مما يعني، ما هي الأدوار) وكيف يقوم الآخرون بردة الفعل في سياق هذه التطلعات.

إنَّ هذه التجارب نمائية على عدة أصعدة، وهي تساهم في نمو وتميز إدراك وفهم الشخص الشاب للعالم وموقعه أو موقعها فيه تساهم هذه التجارب في تكوين هرمية مفهوم الذات لدى العنصر الشاب، حيث إن كل مفهوم للذات يتباين في سمة بارزة داخل هذه الهرمية ويقدم درجات متنوعة من تقدير الذات. بهذه الطريقة، يتمتع كل شخص بدور محدد - ومفاهيم عن الذات مقترنة بحالة محددة تتباين في سلسلة متصلة سالبة موجبة عن تقدير الذات. إن هذا التمييز بين مفهوم الذات وتقدير الذات هام لكي يوضع نصب الأعين: إن مفهوم الذات هو فئة نوعية (ما يعني، ""أنا لاعب بيسبول"")، بينما تقدير الذات هو تقييم متغير المفهوم الذات (بمعنى ""أنا لاعب بيسبول جيد/ عادي / متواضع "").

أثناء الأنشطة العادية، اليومية، يتأثر كل من تقدير الذات ومفهوم الذات بعلاقات العنصر الشاب مع الآخرين الهامين والآخرون الهامون هم أولئك المعروفون لدى الناس والذين تؤثر مواقفهم وآراؤهم في حياتهم. وهم يضمون أعضاء الأسرة والأصدقاء إضافة إلى أشخاص من ذوي الشأن الرفيع، مثل الأساتذة والمشاهير والناس يدفعون لنيل إعجاب الآخرين بأساليب محددة، والانخراط في عدد من التقنيات لإدارة كيف يأخذ أولئك الآخرون صورة عنهم.

من خلال الأنشطة الاجتماعية مع الآخرين الهامين، يصل الأطفال إلى تعلم كيف يتصورون الآخرين بصيغة تعميمية إضافة إلى آخرين مفردين محددين يؤلف الآخرون ذوو الصيغ القائمة على التعميم الأفكار التجريدية عن المجموعات المؤلفة من الآخرين الهامين - على سبيل المثال، فريق البيسبول برمته إضافةً إلى اللاعبين الأفراد. في آخر الأمر، إن تصوّرات الأطفال عن الآخرين ذوي الصيغ العمومية يجسدون أفكارهم عما هو متوقع منهم بلغة المعايير الاجتماعية، وهي تقدم أساسا موحدا من أجل مرجعية ذاتية. يتم وضع الأساس المتعلق بتكوين الهوية على هذه الشاكلة كما هي الطاقة الكامنة لتطوير كفاءات أخلاقية منطقية أكثر تقدما، لأن الشخص الشاب يستطيع تصور والتأمل العميق في كل من موضعه ها في العالم إلى جانب المسؤوليات المقترنة بذاك الموضع. ويتم تمكين هاتين العمليتين الإدراكيتين بسبب القدرة على اتخاذ منظور الآخرين، أو على نحو أكثر بساطة اتخاذ المنظور.

لقد اعتمدت مقاربة أحدث، وهي علم نفس الذات، على التفاعلية الرمزية، وهي تركز على التمييز بين الذات بوصفها عارفة"" والذات بوصفها معروفة""، وهما الوجهان المتعلقان بمعرفة الذات اللذان أثارا اهتمام الفلاسفة وخبراء علم النفس الاجتماعي الأوائل. لقد أثار هذا الميدان بحثا يتعلق بالوظائف التنفيذية للذات وقوة تأثير الذات. إن قوة تأثير الذات هي الإدراك بأن أفعال المرء من الممكن أن تنتج مخرجات متوقعة محددة.  وهي تتضمن معتقدات عم يستطيع المرء أن يفعل، بدلا من إطلاق الحكم بشأن الطبيعة الإيجابية أو السلبية الخصائص المرء الجسدية أو الشخصية. ويؤكد الجزء الأعظم من هذا البحث أن معتقدات الأشخاص فيما يتعلق بكونهم يستطيعون التأثير في الأحداث في حياتهم هي هامة في الوصول إلى مستويات من الكفاءة والأداء .  وتستطيع هذه المعتقدات إنتاج مخرجات محددة لأنها تؤثر في احتمال أن يفكر شخص ما على نحو تفاؤلي أو تشاؤمي حول تلك المخرجات، وهكذا في أن يتخذ الشخص مسارات في الفعل تكون معززة للذات أو معرقلة للذات . بهذه الطريقة، ينطوي تأثير الذات على تنظيم الذات في التعامل مع التحديات المتعلقة بالهدف والتطلعات المتعلقة بالنتيجة. وأولئك الذين يتمتعون بمستوى أعلى من تأثير الذات سيختارون الإقدام على تحديات أصعب، ويثابرون مدة أطول في وجه الصعاب ومن الأرجح أن يأخذوا الإخفاقات بوصفها دافعة أكثر منها محبطة. إن الإدراك القوي لتأثير الذات يمكن أن يُقدم للأفراد المنعة ضد الضغط النفسي، والقلق والإحباط، ويمنح القدرة على التكيف في الأوضاع الصعبة.

لا يقدم أي من التفاعلية الرمزية وعلم نفس الذات نظريات عن النمو ما بعد مرحلة الطفولة، وهكذا لديهما فائدة محدودة في فهم تكوين الهوية أثناء الانتقال إلى سن الرشد، على وجه الخصوص عن طريق شروط المجتمعات الغربية المعاصرة، وهو مركز اهتمام في هذا الكتاب. بدلا من ذلك، يركزان على طرق يتم فيها إشراك الأشخاص في التأهيل الاجتماعي في أدوار بعد أن يتم نمو الذات، وكيف يؤثر تقدير الذات وتأثير الذات على السلوك. وهكذا هما ليستا قائمتين على أساس العمر، والمقاربات النمائية. وعلى أية حال، إذ تشدد على اتخاذ المنظور، فقد أثرت التفاعلية الرمزية على نظريات التطور الأخلاقي، التي نتناولها في الفصل الرابع. علاوة على ذلك، إن علم نفس الذات مفيد في فهم فعالية الذات، وهو مفهوم تتم مناقشته في معظم مراحل الجزء المتبقي من الكتاب. في الوقت ذاته، وعلى الرغم من الكم الكبير من الاهتمام الذي منح لفهم الذات ونموها، ما تزال هناك مشكلات في هذا الميدان في تطوير تعريف للذات يحظى بالموافقة ومن الممكن وضعه قيد الاستخدام العملي. الصندوق ١-٢ يلقي الضوء على بعض من هذه المشكلات.

الهوية وتكوينها

لقد تأثرت النظريات العلمية المتعلقة بتشكيل الهوية بالمفاهيم الفلسفية والنظرية عن الذات التي تمت مناقشتها آنفًا، لكنها كانت متأثرة على نحو أكثر مباشرة بالتفكير المتعلق بالتحليل النفسي المرحلة أوائل ومنتصف القرن العشرين على وجه الخصوص أعمال سيغموند فرويد وابنته أنا، وتلميذهما إريك إريكسون في النظرية الفرويدية، يتكون العقل البشري من ثلاثة مكونات، أو ثلاث قوى رئيسة. تشكل الغرائز والحوافز التي يولد البشر وهم يحملونها جزءا رئيسًا من الهذا القائم على البعد النفسي. وألهذا ذاك متهور، وأناني، وساع إلى السرور. وهو أيضًا مصدر الطاقات الجسدية، مثل الدوافع العدوانية والجنسية التي يمكن التعبير عنها أو كبتها. وبموجب هذه النظرية، تبدأ الأنا بالبروز في مرحلة مبكرة من الطفولة حين يواجه الهذا عقبات في وجه المسرات - المنفلتة، على نحو اعتيادي من الأبوين، لكن أيضًا من عجز الطفل الصغير في التعامل مع بيئته. 

بالنسبة للأطفال، تشكل الأنا تلك العمليات الذهنية المستخدمة في تحقيق الرضى بواسطة التغلب على الكوابح، وقبول الفرص المتعلقة بمحيطها المباشر. وحين يصل الأطفال مرحلة النضوج، تصبح عمليات الأنا أكثر تعقيدًا من الناحية الإدراكية، مقدمة للأطفال سمات فريدة تنبع من أفكارهم، معتقداتهم ذكرياتهم، آمالهم، ومخاوفهم. يتم إرشاد حالات تفاعل الأنا مع العالم بواسطة مبدأ الواقعية: وهي مبدئيًا أفكار مرتبطة بالمباهج المنفلتة يتم تعديلها إلى أفعال قائمة على الغاية والتخطيط في العالم الواقعي، اعتمادًا على فرص فعلية، ولذلك تصبح حاسمة لأنماط تنظيم الذات الضرورية من أجل تنمية الأنا الوظيفية، وبالتالي للقوة الشخصية.

اعتمادًا على التراث الفرويدي، طرح إريكسون وجهة نظر تمييزية وإيجابية حيال الأنا ووظائفها، حيث كان رائدًا في ميدان علم نفس الأنا. "" لقد أشار إريكسون إلى الأنا بوصفها البنية ""الأنشط"" للشخصية، التي تؤدي الوظائف التركيبية للشخصية (بمعنى، العمليات الذهنية التي يتم بواسطتها فهم الواقع من قبل الشخص) إضافة إلى الوظائف التنفيذية (أي العمليات الذهنية التي تنتج السلوكات). وبتعبير أبسط بمصطلحات ""المدخلات - المخرجات""، الأنا هي ""العارف"" و ""الفاعل"" للعمليات الذهنية، الذي يقوم بتوليف المعلومات الوافدة بوصفها أساسا للسلوكات التنفيذية (الخارجية). الأنا هي حسب هذه الطرق بمنزلة وسيلة اجتماعية، وبالتالي، استباقية، تتمتع بسمات مشابهة للمطروحة ذاتيا من قبل أصحاب نظريات علم نفس الذات فيما يتعلق بالوظائف التنفيذية للذات وتأثير الذات.

المكون الثالث للشخصية - الأنا العليا - يتطابق مع ما يُسمّى عموما الضمير. يكتسب الأطفال قيم ثقافتهم ومعاييرها على نحو عريض من خلال تشرب إدراك أبويهم للصواب والخطأ. ترشد عمليات التشرب هذه الأنا لدى الطفل الناضج في المصالحة ما بين دوافع الهذا مع قيود الثقافة والمجتمع ومتطلباتهما. تصبح الأنا العليا هكذا هامة في تحفيز الأطفال للتفكير بشأن قضايا الفضيلة والأخلاق وهي مصدر هام لتطوير صيغ أكثر تعقيدا في اتخاذ منظور.

اعتمد إريكسون أيضًا على التراث الفرويدي بطرح مفاده أن الأنا تطور تعقيدًا أكبر على مدى الحياة برمتها. إن إحدى مساهماته الأساسية هي توصيف للنمو النفسي مؤلف من ثماني مراحل. 

تتألف الطفولة من مراحل يمكن فيها اكتساب أربع قوى أو (وسائل) للأنا وهي هامة من أجل التطور اللاحق في مرحلة المراهقة والرشد القدرات المتعلقة بالثقة الاستقلال، المبادرة، والمثابرة. أثناء فترة المراهقة ومرحلة الرشد المبكرة، تحدي (المرحلة) النمائية يصبح إنشاء إدراك الاتجاه والغرض الذي بواسطته يتبنون أهدافًا والتزامات بعيدة المدى بوصفها أساسا للهوية الراشدة.  وينطوي التحدي النمائي للمرحلة الخامسة على ثلاثة مكونات تبادلية العلاقة:

  • مكون ذاتي / نفسي - يشكل إدراك الاستمرارية المتجذر في غاية في الحياة - هوية الأنا؛  
  • مكون شخصي - ينشئ ويتبنى أساليب سلوكية تميز الأفراد - الهوية الشخصية؛ و 
  •  المكون الاجتماعي - إيجاد أدوار وحالات مميزة ومعمول بها ضمن الجماعة - الهوية الاجتماعية .
يمكن أن يكون تنسيق هذه المكونات وترسيخها إشكاليا بالنسبة لأشخاص كثيرين في المجتمعات الغربية الحديثة لتنوع من الأسباب تتم مناقشتها في كافة أجزاء هذا الكتاب. على وجه العموم، يمكن أن تشمل الخوض في معنى فوضى الهوية وأزمة الهوية . لقد جادل إركسون أن هذه المشكلات كانت أقل شيوعًا وأكثر كتمانا في المجتمعات التقليدية، التي تنسب الهويات إلى أعضائها. تنخرط المجتمعات الغربية المعاصرة، من جانب آخر، في تنسيب أقل للهوية إلى حد بعيد وتتمتع بمعايير جمعية أقل مما فعلت في"" الفترة التقليدية""، وهكذا هنالك مجازفات فردية متزايدة لدى الناس في حياتهم الشخصية - في هذه الحالة، تشمل المجازفات فوضى الهوية الأشد تفاقما وفترة مطولة من الأزمة يكون فيها إدراكهم للهوية في حالة تغير متواصل. يتم استكشاف هذه المجازفات في كافة أجزاء هذا الكتاب ومعالجتها بتفصيل أكبر في الفصل التالي.في خاتمة المطاف في ترقب المادة في الجزء الثاني من هذا الكتاب، من المهم الإشارة إلى أن هذه المراحل الخمس مرتبطة على نحو حاسم بتطور الشخص الراشد عن طريق تقديم القدرات الأداتية اللازمة لكي يكون عضوا راشدًا يؤدي وظيفته في المجتمع. أثناء المرحلة السادسة، يواجه الراشدون الصغار تحدي تطوير معنى الخصوصية (المعاكسة للعزلة)، بينما أثناء المرحلة السابعة يواجه الراشدون الناضجون مشكلة تنشئة معنى الجيلية أو العناية بالآخرين، بدلا من الانجرار إلى الاحساس بالانهماك في الشؤون الذاتية والركود في المرحلة الأخيرة، عادة عند التقدم في السن، يجب على الأفراد أن يقيموا السمة الإجمالية لحياتهم ويتصالحوا معها. إن الخيارات البديلة الرئيسة هنا هي معاني التكامل مقابل اليأس، حيث يُنشئ معنى الحكمة معنى التكامل على حساب اليأس. لدى حسبان هذه الأمور مجتمعة، تجسد المراحل الثماني في نموذج إريكسون قدرات نمائية تراكمية؛ وتسهل الحلول الأفضل للمراحل المبكرة حلولا أفضل للمراحل الأخيرة. علاوة على ذلك، يساعد فهم نقطة النهاية في تطور دورة الحياة بوصفه ""حكمة"" على تحديد نقاط الطريق في مرحلة أبكر من الحياة من الممكن أن تقود الأشخاص إلى الحكمة في العمر المتقدم أو بعيدا عنها إلى اليأس. ونستطيع ضمن هذا السياق تقدير أهمية قوى الأنا التي تم اكتسابها من حلول المرحلة المبكرة، إضافة إلى القدرات المؤدية إلى نظام أرقى من اتخاذ المنظور والمحاكمة الأخلاقية. الأبعاد التمييزية للهوية وتطوير الذاتإن مفاهيم الذات والهوية متعددة الأبعاد. وهي بالتالي ذات تعاريف متنوعة، اعتمادا على مستوى التحليل. ووفقا لذلك من المفيد تقديم جدول يفصل الأبعاد الثلاثة لكل مفهوم، أثناء إظهار كيف أن تكوين الهوية يختلف عن تطوير الذات بلغة العملية البنية، والمحتوى الشكل (١-٣). العملية. تفيد هوية الأنا التطابق والاستمرارية لأداء الوظائف النفسية كما هي مرصودة في سلوكات الناس الشخصية التبادلية والتزاماتهم بالأدوار، والقيم والمعتقدات. في عمل إريكسون يتم تعريف معنى التطابق والاستمرارية بوصفه عملية أساسية تتضمن المعنى الإجمالي للهوية، بما فيها الهويات الشخصية والاجتماعية: الأشخاص الذين يتمتعون بإدراك قوي لهوية الأنا يتصرفون بوصفهم الشخص ذاته بمرور الزمن وفي سياقات متنوعة، مما يجعل بالإمكان بالنسبة لهم عرض نماذج سلوك مستقرة والمصادقة على نحو متناغم على مجموعة من القيم والمعتقدات، وتحديد الأهداف، والإبقاء على الالتزامات (أي تكون الهويات الشخصية والاجتماعية راسخة، أكثر منها في حالة تحول). على سبيل المثال، يفتقد الأشخاص الذين يتمتعون بإدراك ضعيف للاستمرارية المكانية الزمانية معنى الغاية المستقبلية؛ وهكذا يكون لديهم زمن عصيب في تشكيل الأهداف في المقام الأول، لأنهم يواجهون زمناً عصيبا في تصور أنفسهم في المستقبل. وإذا ما صاغوا أهدافًا، فلديهم وقت عصيب في تحقيقها، لأن إدراكهم للأولويات يتحول حسب تبدل إدراكهم لأنفسهم. بالمقابل، يستطيع الأشخاص الذين لديهم إدراك قوي للاستمرارية الشخصية صوغ أهداف على نحو أسهل وأكثر أرجحية للحفاظ عليها وإنجازها لأنهم يتمتعون بإدراك قوي للغاية في الحياة. ولتقديم مثال ملموس، الأهداف التي تصرح بها شخصية أنثوية تتمتع بإدراك عال للاستمرارية في، لنقل كانون الثاني من المرجح أن تكون أهدافها هي ذاتها في حزيران وستصل إليها في غضون إطار زمني معقول ومناسب: إن تقل جين في كانون الثاني إنها ستتعلم لغة جديدة، ففي حزيران سيظل ذلك هدفها وبالتالي سوف تحرز تقدما معقولا في إنجاز الكفاءة في تلك اللغة.يتألف جانب العملية للسمة الأساسية للذات من القدرة على اليقظة الفكرية الواعية المتعلقة يكون المرء على علاقة بالآخرين تتضمن العمليات الذهنية مراقبة المرء لسلوكاته (أفعاله) وردود فعل الآخرين حيال تلك السلوكات أثناء حالات التفاعل، وتقييم معاني تلك الأفعال وردود الأفعال. يتم إحداث عمليات المراقبة والتقييم هذه عن طريق وسيط بواسطة قدرات الأشخاص الآخرين الذهنية، مثل مراقبة الذات، وإدراكهم تقدير الذات وتأثير الذات.المضمون والبنية من الممكن ملاحظة الاستمرارية وتغيير العمليات المتعلقة بهوية الأنا بالأدوار الاجتماعية التي يلعبها الأشخاص ويكون كل من الاستمرارية والتغيير على وجه الخصوص جليين حين ينتقل الناس خلال مسار الحياة، من الطفولة، مرورا بالمراهقة، ومن ثم سن الرشد. وتشكل الأدوار التي يلعبها الأشخاص في الغالب ""علاقة وحدة"" مع الشخص: وآخرون يعرفون الأشخاص بلغة الأدوار التي يلعبونها في الحياة (مثلا، طالب، أب، محام ويتشرب الأشخاص هذه التعاريف. وهذه الأدوار مرتبة من قبل الأشخاص والآخرين المهمين في حياتهم بلغة كم هم مهمون في مرحلة معينة في حياتهم (مثلا دور الطالب قد يكون سمة بارزة في فترة المراهقة وبداية سن الرشد، لكن دور الأب بارز في مرحلة الرشد). وبعض الأدوار أكثر انفتاحًا على التغيير من سواها. على سبيل المثال، دور الطالب أكثر قابلية للتعديل من دور الأب.يمكن ملاحظة الاستمرارية والتغيير المتعلقين بالعمليات الذاتية في مفاهيم الذات الداعمة لوعي الذات لدى الأشخاص، ومفاهيم الذات هذه مرتبطة بالأوار الاجتماعية؛ وعلى وجه العموم يطور الأشخاص مفاهيم الذات المتعلقة بكل حيز هام لأداء الوظيفة في حياتهم. وهكذا تتشكل مفاهيم الذات، على سبيل المثال، بلغة أدوار الأسرة، والمدرسة، والعمل، وتصبح مبنية في هرميات تتغير بمرور الزمن بناءً على أهميتها المتغيرة عبر مدى مسار الحياة حين تتغير الأدوار الاجتماعية.من الناحية النمائية، تقدم الأدوار الاجتماعية الدعم لكل من هوية الأنا وعمليات إدراك الذات. يمكن أن تتغير الأدوار الاجتماعية على نحو دراماتيكي بمرور الزمن، لتحفز حالات التكيف في أشكال الهوية والذات يستتبع النمو المعياري - أو العادي - في المجتمعات الغربية المعاصرة توسعا في إدراك الذات لدى الأشخاص الشبان فيما يتعلق بالأوساط الاجتماعية التي يجربونها. وحين يتمدد شعاع المشاركات الاجتماعية، يتمدد اتساع وعي ذاك العالم، وتتم تصفية هذه التجارب من خلال قدرات الأنا الذات لدى الأشخاص بلغة مرحلتهم الراهنة من التطور في كل حيز.وكمبدأ عام، عندما يكون الناس من أية فئة عمرية ""في"" مرحلة محددة، أو فترة من الحياة يحاولون إلى أبعد الحدود السيطرة على تحدياتها، فهم ""موضوع"" تلك المرحلة وبالتالي يجدون صعوبة في فصل تجاربهم الداخلية المتعلقة بالعالم عن العالم ذاته. وعندما ينتقلون إلى مرحلة أكثر تقدما، أو مرحلة حياة، فهم أقدر على التعامل مع أنفسهم بوصفهم أفرادا"" في العلاقة مع تجاربهم السابقة، ويستطيعون بالتالي التفكير على نحو أعقد في علاقاتهم مع الأشخاص في حياتهم، على وجه الخصوص بلغة المبادئ القابلة للتطبيق في ما يتعدى التجارب المباشرة الملموسة. وهذه صيغة متقدمة من الفعالية الذاتية تأتي مع العمر والتجربة وهي هامة لتشكيل الهوية وتنظيم الذات.
إن أولئك الذين يكونون بمثابة وسيلة - أو استباقيين - في نموهم يميلون إلى توسيع شعاع مشاركاتهم في وفهمهم لعالمهم الاجتماعي على نحو أسرع وأكثر تأثيرًا، ويميلون للتمتع بمخرجات أكثر إيجابية وأفضل في تحولات دورهم إلى مرحلة الرشد. من جانب آخر، وكما هو الحال مع السمات الشخصية الأخرى، القوة أو الاستباقية هي قدرة تتباين من شخص إلى آخر ؛ وبناءً عليه من غير الممكن افتراض وجودها بالدرجة ذاتها لدى كل الأشخاص. وكما هو حال السمات الشخصية جميعا، فهي تعتمد بشكل أو بآخر على تجارب محددة متعلقة بسيرة حياة كل شخص و تاريخ تعلمه أثناء الطفولة وفيهما تلاها من منظور إريكسون التجارب التي ترعى تطور عناصر قوة الأنا المرتبطة بكل مرحلة هي هامة على وجه الخصوص من أجل تطوير القدرات الوسيطة. إن المبادرة الاستباقية موجودة عند الأشخاص الذين لديهم الاستعداد للاستكشاف والتجريب في تحديد الأهداف والقيام بالالتزامات، والذين يتمتعون بقدرات الأنا على القيام بالفعل على نحو مؤثر. يمكن لهذه الاستكشافات أن تعزز بدورها معنى التأملية المرتبط بتعلم كيف يعامل المرء نفسه بوصفه موضوعًا عندما يقوم بالتفكير المنطقي حول موقع المرء في العالم والقواعد المبادئ التي تحدد الموقع.ينطوي التطور الأفضل في تيار المجتمعات الغربية الرئيس على صيغ الفعالية القائمة على الهوية التي تمكن الأشخاص من التعامل مع ظروف أعقد وأكثر تطلبا عندما يصبحون أكثر انخراطا في العالم الاجتماعي، وهم يوسعون مداهم من التجارب الممكنة - أي شعاعهم الاجتماعي. إن قدرة الأشخاص على تنظيم سلوكهم وإدارته (التميز ) هي مفتاح لتطوير أهدافهم وتحقيقيها (الاستمرارية) والحفاظ على الروابط في مكان العمل والجماعة الأوسع (الاندماج). الخلاصة: قصة فولكلورية تم إنجاز الدراسات عن الذات، وتطورها، وهويتها، وتشكيلها، من خلال تنوع من المنظورات. وهذه المنظورات في الغالب قائمة على افتراضات مختلفة، كما هو الحال في المفارقة بين التفاعلية الرمزية وعلم نفس الأنا. في حقيقة الأمر، عملت المنظورات عن بعضها، في عزلة افتراضية، منتجة أدبيات منفصلة، مع قليل من الإشارات المرجعية بين الطرفين. ولمساعدتنا في فهم هذا التشظي، فإن تقديم مقاربة قياسية بواسطة قصة فولكلورية أمر مساعد.  في هذه الحكاية، يسير ثلاثة رجال كفيفين على طول ممر في بقعة غير آهلة ويواجهون شيئًا هائلا يسد طريقهم. لدى استخدامهم حاسة اللمس لديهم فقط، يحاول كل منهم الاستنتاج ما هو هذا الشيء. يؤكد الكفيف الأول، وهو يتحسس فقط ذيلا، على أن الشيء حبل؛ والثاني، وهو يتحسس الخرطوم فقط، يصر أنه أفعى الرجل الثالث، وهو يمسك بالرجل، يشدد أنه شجرة. كل رجل يعتقد أن لديه الوصف الصحيح للشيء؛ وحين كانوا يجادلون فيهما إذا كان ذلك الشيء حبلا، أو أفعى، أو شجرة، يسير الفيل بعيدا. الدرس هو أن لا أحد من الرجال الثلاثة كان مخطئا، ولم يكن أي منهم مصيبا، بشكل مطلق. كل لديه حجة أساسية تقدم معنى ما، على الرغم من أنها قائمة على رصد غير كامل للحيوان / الفيل، وتمت بالتالي صياغته على نحو جزئي فقط. من جانب آخر، لو أنهم أخذوا وقتهم لمقارنة تصوراتهم بدلا من الجدال على أساس المعلومات المحدودة، لربما وصلوا على نحو جماعي إلى الخاتمة التي مفادها أنهم كانوا يتعاملون مع فيل الدرس هنا هو أن كلا منا يحتاج لأن يكون يقظاً عندما نخبر بعضنا بعضًا أن ما نفكر به هو شيء شبيه بما هي ""الهوية"" وكيف يجب أن تفهم. يجب علينا الإصغاء إلى ما يقوله الآخر. وإذ نستوعب درس هذه القصة الفولكلورية، فإن نقطة البدء في كتابنا، إذن، هي أن ""الهوية"" ليست ببساطة شيئًا يمكن فهمه فهما تاما من وجهة نظر واحدة؛ ولذلك تعالج نظرية تكوين هوية الذات (ن ت هـ ذ) ""الهوية"" بوصفها متعددة الأبعاد وتتبنى منظورات متعددة في فهم تلك الأبعاد. للحصول على النسخة الكاملة من الكتاب، يمكنك زيارة منصة شباب مجتمعي المعرفية.

كتب ذات صلة