القائمة الرئيسية

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (3-15)

كتاب قيمنا المعرضة للخطر (3-15)
ملخص الكتاب

ملخص: يتناول الفصل الثالث صعود الأصولية الدينية وتأثيرها على المجتمعات والسياسات العالمية. يشير المؤلف إلى ميل متزايد في جميع الأديان نحو أصولية متشددة تفرق بين المؤمنين الحقيقيين وغيرهم، مما يؤدي إلى نزاعات دينية وعنف. يوضح الفصل مظاهر هذه الأصولية، التي تشمل الهيمنة الذكورية، إخضاع النساء، رفض التغيير، والغضب تجاه المختلفين. يبرز الكاتب تجربته الشخصية مع هذا الاتجاه من خلال مواقف تعرض لها كرئيس، مثل التحديات مع الجماعات المحافظة المتطرفة في الولايات المتحدة، والتعامل مع أصولية دينية في الخارج، خصوصًا في إيران بعد تولي آية الله الخميني السلطة. يؤكد الكاتب على أهمية مواجهة هذه النزعة من خلال قيم التسامح والرحمة والعدل، مستلهمًا المثل الأعلى للمسيح.

صعود الأصولية الدينية

في خطابي لتوبل في عام 2002 في أوسلو، قلت: ""إن العصر الحاضر هو وقت متحد ومقلق لأولئك الذين تشكلت حياتهم بالإيمان الديني المستند إلى لطف بعضهم ببعض ، وحين طلبت مني مجلة المسيحية اليوم أن أشرح هذا النص أجبت:

هناك اتجاه نحو الأصولية يلفت الأنظار في كل الأديان، ومن جملتها الطوائف المختلفة من المسيحية، إضافة إلى الهندوسية واليهودية، والإسلام، كذلك وبشكل متزايد يميل المؤمنون الحقيقيون إلى البدء بعملية يقررون فيها ما يلي: نظراً إلى أني مستقيم مع الله، فأنا أعلى من الآخرين، ومعتقداني هي التي يجب أن تسود، وأي إنسان يختلف معي فهو مخطئ بالفطرة ، والخطوة التالية هي أنه بالفطرة أدنى والخطوة النهائية هي أنه دون الإنسان، وبعدئذ فإن حياة هؤلاء المخالفين ليس لها قيمة.

وقد خلق ذلك الاتجاه نزاعات دينية شديدة في كل أنحاء العالم. وأولئك المسيحيون الذين يقاومون الميل نحو الأصولية والذين يتبعون اتباعاً حقيقياً طبيعة يسوع المسيح، وأعماله، وكلماته، يجب عليهم أن يحتووا الناس الذين يختلفون عنا بعنايتنا بهم، وبكرمنا وتسامحنا، ورحمتنا، وبحبنا الذي لا يعرف الأنانية

ليس من السهل عمل ذلك، فهناك ميل إنساني طبيعي هو أن نصب أنفسنا في قالب مختصر على شكل نكون فيه أعلى من الناس الذين هم مثلنا تماماً، وأن نفترض أننا ننجز عهد حياتنا إذا نحن حددنا حبنا بأسرتنا الخاصة أو بالناس الذين يشبهوننا ويتوافقون معنا فقط. إن الاختراق عبر هذا الحاجز والوصول إلى الآخرين هو ما يجسد المسيحي، وهو ما يضاهي المثل الكامل الذي وضعه لنا المسيح"" .

لقد كان هناك بالفعل اتجاه مثير للقلق نحو الأصولية في السنوات القريبة بين القادة السياسيين وداخل الجماعات الدينية الكبيرة في الخارج وفي بلادنا على حد سواء، وقد صاروا متشابكين بشكل متزايد. وقد شعرت بأثر هذه الحركة لأول مرة حين تولى آية الله الخميني قيادة إيران، ووصم الولايات المتحدة الأمريكية باسم الشيطان الأكبر، وشجع شبابه وأتباعه المقاتلين على أن يمسكوا باثنين وخمسين من العاملين في سفارتنا أسرى لمدة أربعة عشر شهراً ، وكان هذا العمل المشين انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي، وكذلك فإن تفسيراته الأصولية لكتب الإسلام المقدسة، التي بنى قيادته الدينية عليها، تعارضت مع التعاليم التقليدية للقرآن الكريم المتصلة بالسلام، وبالرحمة، وتعارضت بصورة محددة مع المعاملة الكريمة للزوار أو للدبلوماسيين من الأمم الأخرى.
قبل القبض على رهائننا في إيران ببضعة أسابيع، جاء إلى المكتب البيضاوي ليزورني، رئيس المؤتمر المعمداني الجنوبي المنتخب حديثاً. وكانت هذه الزيارة مظهراً احتفالياً روتينياً طوال سنوات عدة، وخصوصاً حين تصادف أن يكون رئيس الولايات المتحدة معمدانياً. وهنأته بمنصبه الجديد، وقضينا بضع دقائق نتبادل المجاملات. وحين كان هو وزوجته يغادران، قال: إننا نصلي، أيها الرئيس من أجل أن تتخلى عن العلمانية الإنسانية ديناً لك. وكان هذا القول صدمة لي. فأنا اعتبرت نفسي معمدانياً مخلصاً وتقليدياً، ولم يكن لدي أي فكرة عما كان يعنيه.

فيما بعد عقب حضور خدمات عبادة في الكنيسة المعمدانية الأولى تقابلت مع قسيسنا وطلبت منه أن يشرح لي التعليق المزعج. ورد بأن مجموعة صغيرة من المحافظين من قادة المعمدانيين الجنوبيين قد حشدوا دعماً سياسياً كافياً في المؤتمر لانتخاب رئيس جديد، وهي حادثة لم أكن أعرف عنها إلا لماماً وبالمصادفة. ومن دون أن يعرف قسيسنا إلى أي حد يذهب في الإجابة عن أسئلتي، فقد ظن أنني اتخذت بعض القرارات الرئاسية التي قد تكون على خلاف مع المواقف السياسية التي يتبناها قادة من الأكثرية الأخلاقية التي تشكلت حديثاً وجماعات أخرى من المحافظين المسيحيين، وبعض الأشياء التي نظرنا فيها كانت تتصل بأنني كنت قد عينت العديد من النساء في مناصب عالية في الحكومة، ورفضت استخدام أرصدة الحكومة في التعليم الديني، وأسست قسماً مستقلاً للتربية لتعزيز المدارس العامة، وقبلت قرار الإجهاض، قرار رو ضد ويد (19) من المحكمة العليا، وعملت مع المورمون لحل بعض مشكلاتهم في البلاد الأجنبية، وجعلت العلاقات الدبلوماسية طبيعية مع الحكومة الشيوعية للصين، ودعوت إلى وطن للفلسطينيين ورفضت أن أنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وكنت أتفاوض مع الاتحاد السوفييتي حول السيطرة على الأسلحة النووية وقضايا أخرى.

وكنت أنا وقسيسي معاً ما نزال في حيرة، ولكن لم يكن لدي خيار آخر سوى أن أتجاهل الاستنكار وأن أتابع فعل ما كنت أعتقد أنه الأفضل لبلادنا وهو متفق أيضاً مع معتقداتي (المعمدانية التقليدية). وفي الوقت نفسه، بدأت أتعلم ما أستطيعه عن كل من الإسلام وعن النواحي العامة من الأصولية.

طوال أجيال، كان قادة داخل كنيستي وطائفتي قد وصفوا أنفسهم بأنهم ""أصوليون""، مدعين بذلك أنهم كانوا متمسكين بالعناصر الأصولية لمعتقداتنا المعمدانية ومقاومين لضغوط العالم الحديث وتأثيره. هذا الميل للتمسك بالمبادئ التي لا تتغير ، هو ناحية من الدين يمكن فهمها وهي ناحية لطيفة منه، وهو موقف عام شاركت فيه في أثناء معظم حياتي.

وسرعان ما علمت أنه كان هناك شكل أشد من الأصولية، ولها خصائص غالبة:

  • يقود الحركات الأصولية بشكل لا يتغير تقريباً، رجال متسلطون يرون أنفسهم أعلى من الآخرين، ولهم داخل الجماعات الدينية التزام كاسح بإخضاع النساء وبالهيمنة على رفاقهم المؤمنين.
  •  ومع أن الأصوليين يعتقدون في العادة أن الماضي أفضل من الحاضر، فهم يستبقون مع ذلك نواحي معينة مفيدة لأنفسهم من معتقداتهم الدينية التاريخية ومن العالم الحديث معاً.
  •  يرسم الأصوليون تمييزات واضحة بين أنفسهم، بوصفهم مؤمنين حقيقيين وبين الآخرين، وهم مقتنعون أنهم على حق وأن أي شخص يناقضهم جاهل ومن الممكن أن يكون شراً.
  • الأصوليون حربيون في القتال ضد أي تحد لمعتقداتهم. وهم في الأغلب غاضبون ويلتجئون أحياناً إلى الإساءة اللفظية أو الجسدية أيضاً ضد الذين يتدخلون في تطبيق جدول أعمالهم.
  • يميل الأصوليون إلى جعل تعريفهم لأنفسهم ضيقاً ومقيداً على نحو متزايد من أجل عزل أنفسهم، وتحديدها بالقضايا العاطفية الغوغائية، وبالنظر إلى التغيير، والتعاون والتفاوض والجهود الأخرى لحل الاختلافات بوصفها علامات ضعف.

وباختصار، هناك ثلاث كلمات تميز هذا النوع من الأصولية : التصلب، والهيمنة والإقصاء.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة