القائمة الرئيسية

أجزاء الكتاب

كتاب فلسطين السلام – لا التمييز العنصري (16-17)

كتاب فلسطين السلام – لا التمييز العنصري (16-17)
ملخص الكتاب

الجدار سجنا

مع تزايد السيطرة على القدس الشرقية، ومع الأمن النسبي الذي توفر من الجدار المحيط بما بقي من الضفة الغربية، ومع آلاف المستوطنين الباقين شرقي الجدار تحميهم قوة احتلال قوية، فإن هناك إغراء لبعض الإسرائيليين بأن يتجنبوا ببساطة بذل أي جهود إضافية للبحث عن اتفاقية سلام مستندة إلى خريطة طريق الرباعية أو إلى مفاوضات بحسن نية مستندة إلى أي أساس آخر.

وفي هذا الفراغ الدبلوماسي شرع زعماء إسرائيليون في اتخاذ سلسلة من القرارات الأحادية الجانب التي تتجاوز واشنطون والفلسطينيين كليهما. وافتراضهم هو أن حاجزاً محيطاً سوف يحل في النهاية المشكلة الفلسطينية. وهم باستخدام هيمنتهم السياسية والعسكرية، يفرضون نظام انسحاب جزئي وتطويق، وفصل عنصري على المواطنين المسلمين والمسيحيين في الأراضي المحتلة. والغرض الدافع للفصل القسري على الشعبين مختلف عن الغرض في جنوب إفريقية . ليس العنصرية، ولكنه اكتساب الأرض. لقد كان هناك جهد مصمم وفعال بشكل ملحوظ لعزل المستوطنين عن الفلسطينيين، وذلك لكي تستطيع العائلة اليهودية أن تنتقل من القدس إلى بيتها المعان مالياً عوناً عالياً جداً والموجود في موقع عميق في الضفة الغربية على طرق يستبعد الآخرون من المرور عليها، من دون أن يدخل أبداً في اتصال مع أي مظهر من الحياة العربية.

وكان الانسحاب من غزة هو الخطوة الأولى الأحادية الجانب، وتركت كياناً غير قابل للحياة اقتصاديا وسياسيا، وهو محصور ومعزول، وليس له أي مدخل يمكن الاعتماد عليه للدخول منه إلى الجو، أو إلى البحر، أو إلى الفلسطينيين الآخرين كذلك. والفرص المستقبلية للضفة الغربية فرص أكثر تعاسة جداً أيضاً. والمزعج بوجه خاص هو الجدار الضخم المقسم القائم في المناطق المكتظة بالسكان والسياج الذي لا يمكن المرور من خلاله في المناطق الريفية إن وضع هذا الحاجز هو مفتاح للسلام المستقبلي في الشرق الأوسط، والفكرة الأصلية لإقامة عائق مادي كانت قد روجت من المعتدلين الإسرائيليين ليكون العائق وسيلة لمنع الهجمات المتعدية بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية والحاجز الأول المطوق لغزة. برهن على أن هذا الافتراض كان افتراضاً سليماً، من حيث أنه كان هناك تناقص جوهري في الغارات عبر الحدود. وكانت الخطة هي أن يستمر إنشاء المتراس الحاجز على طول الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية.

وبدلاً من ذلك، فقد بنت حكومات آرييل شارون وإيهود أولمرت السياج والجدار بكاملهما داخل الأرض الفلسطينية، ودخلت متعدية عنوة بعمق إلى الضفة الغربية لتحدق بكتل الاستيطان الإسرائيلي وبمساحات كبيرة من الأرض الفلسطينية الأخرى والجدار وفق ما هو مخطط له سيكون طوله ثلاثة أضعاف ونصف طول حدود إسرائيل المعترف بها دوليا وهو يقطع بالفعل مباشرة عبر القرى الفلسطينية ، مقسما العائلات وفاصلاً لها عن حدائقها وأرضها الزراعية، ويضم 375.000 فلسطيني على الجانب الإسرائيلي من الجدار، و 175.000 فلسطيني منهم خارج القدس، وأحد الأمثلة على ذلك هو أن الجدار الجوال يطوق مدينة قلقيلية الفلسطينية طوقاً كاملاً تقريباً بسكانها البالغ عددهم 45.000 نسمة، مع مصادرة معظم أرض المواطنين وحوالي ثلث مصدرهم للمياه من قبل الإسرائيليين والتطويق نفسه تقريباً حدث حول 170.000 مواطن من بيت لحم مكان ولادة المسيح.

أولاً، يجب أن تجرف بالجرافات بقعة واسعة من الأرض عبر المجتمعات قبل أن يكون بالإمكان بناء الجدار. وبالإضافة إلى الإسمنت المسلح ومواد السياج المكهربة المستخدمة في الإنشاء، يتضمن الحاجز خنادق بعمق مترين، وطرقا للدوريات الراكبة في المركبات، وأجهزة تحسس إليكترونية للأرض وللسياج وآلات تصوير حرارية وفيديوية، وأبراج قناصة، وأسلاكاً شائكة كالشفرات . وكل ذلك على الأرض الفلسطينية. وقد صممت المساحة الواقعة بين حاجز الفصل وبين الحدود الإسرائيلية لتكون منطقة عسكرية مغلقة لمدة

غير محددة من الزمن وتنص التوجيهات الإسرائيلية على أن كل فلسطيني فوق عمر الثانية عشرة يعيش في منطقة قريبة يجب عليه أن يحصل على ترخيص مقيم دائم من الإدارة المدنية لتمكين الفلسطينيين من الاستمرار في العيش في بيوتهم الخاصة. وهم يعتبرون غرباء، من دون حقوق المواطنين الإسرائيليين.

وباختصار، فإن أي أرض تقرر إسرائيل أن تصادرها ستكون في جانبها من الجدار، ولكن الإسرائيليين، مع ذلك، سيستبقون أيضا السيطرة على الفلسطينيين الذين سيكونون موجودين على الجانب الآخر من الحاجز، وسيكون هؤلاء محصورين بين الحاجز وبين القوات الإسرائيلية الموجودة في وادي نهر الأردن.

لقد قال الرئيس جورج دبليو بوش أنا أعتقد أن الجدار مشكلة. إن من الصعب أن تتطور الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين مع وجود جدار يتلوى كالأفعى عبر الضفة الغربية. ومنذ العام 1945، عملت محكمة العدل الدولية بشكل أساسي ذراعاً قضائياً لنظام الأمم المتحدة، وفي شهر تموز / يوليو من العام 2004 قررت المحكمة أن إنشاء الحكومة الإسرائيلية لجدار الفصل في الضفة الغربية المحتلة الفلسطينية كان عملا غير قانوني لا بل إن توماس بوير جنتال، وهو القاضي الأمريكي الذي ألقى الصوت السلبي الوحيد وكان ذلك على الأغلب على أسس إجرائية)، أقر أن الفلسطينيين كانوا تحت احتلال وكانوا يمتلكون الحق بتقرير المصير، وأن إسرائيل كانت ملزمة بالتقيد بالقانون الإنساني الدولي، وأنه كانت هناك أسئلة جدية حول ما إذا كانت إقامة حاجز لا يمكن اختراقه ومده في طريق معينة لحماية مستوطنات الضفة الغربية ستجعله صالحاً ليوصف بصفة الدفاع القانوني عن النفس.

أقرت المحكمة حق إسرائيل في أن تحمي حياة مواطنيها بأن تبني حاجزاً حامياً في داخل حدودها الوطنية الخاصة، ولكنها استندت في حكمها السلبي إلى القانون الدولي ومن جملته ميثاق جنيف الرابع، الذي يمنع القوة المحتلة من تحويل أي أقسام من سكانها المدنيين إلى الأراضي المستولى عليها بالقوة العسكرية. ودعت المحكمة إسرائيل إلى أن توقف إنشاء الجدار، وأن تفك ما قد بنته من قبل في المناطق الواقعة بعد حدود إسرائيل الدولية المعترف بها، وأن تعوض الفلسطينيين الذين عانوا خسائر نتيجة لإنشاء الجدار. وقد اختارت المحكمة العليا الإسرائيلية الا تقبل قرار المحكمة الدولية ولكنها أقرت أن إسرائيل تمسك الضفة الغربية باحتلال محارب وأن قانون الاحتلال المحارب... يفرض شروطاً"" على سلطة العسكريين، ولو كان ذلك في المناطق المتصلة بالأمن.

إن الجدار يخرب العديد من الأماكن المهمة للمسيحيين على طول طريقه الملتوي. وإضافة إلى تطويقه لبيت لحم في تعد من أبرز تعدياته، فإن التقسيم الذي ينفطر له القلب حزناً على نحو خاص هو التقسيم الواقع على المنحدر الجنوبي من جبل الزيتون، موقع قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وهو مكان مفضل للمسيحوالحوارييه، وقريب جدا من بيت هني (العازارية)، حيث زاروا في الغالب مريم ومارثا، وأخاهم لازاروس وهناك كنيسة اسمها باسم واحدة من أخواتها، وهي دير سانتا مارتا ، حيث يقطع الجدار الإسرائيلي الذي يبلغ ارتفاعه ثلاثين قدماً الأراضي المملوكة للدير ليمر عبرها. فبيت العبادة الآن في الجانب الواقع من جهة القدس وأبناء الأبرشية مفصولون عن بيت العبادة لأنهم لا يستطيعون الحصول على تراخيص الدخول القدس. ويقول كاهن الكنيسة الأب كلوديو غيلاردي: طوال تسعمائة عام عشنا هنا تحت حكومات تركية، وبريطانية، وأردنية، وإسرائيلية، ولم يسبق الأحد أبداً أن أوقف الناس عن المجيء إلى الصلاة. إنه فضائحي. هذا ليس حاجزاً. إنه حدود. لماذا لا يقولون الحقيقة؟

وتفنيدا لحجج الإسرائيليين القائلة إن الجدار هو لإبقاء المفجرين الفلسطينيين الانتحاريين بعيدين عن إسرائيل، يضيف الأب كلوديو تعليقا يصف مسار الحاجز بأكمله: ""الجدار لا يفصل الفلسطينيين عن اليهود بل هو يفصل الفلسطينيين عن الفلسطينيين. وتقع في الجوار ثلاثة أديرة للراهبات سوف تنفصل أيضاً وتنقطع عن الناس الذين تخدمهم هذه الأديرة، وهؤلاء 2.000 من الفلسطينيين المسيحيين قد فقدوا مكانهم للعبادة وفقدوا مركزهم الروحي.

وإضافة إلى عزل الجدار لحوالي 200.000 فلسطيني والإغلاق عليهم في القدس عن أقاربهم، وأملاكهم، ومدارسهم، وأعمالهم التجارية، فإن الجدار مصمم لاستكمال الطوق على فلسطين مقطعة تقطيعاً حاداً ، وهي قسم صغير من حجمها الأصلي، ومجزأة إلى قطع محجور عليها، ومقسمة إلى كانتونات، ومحتلة من قوات الأمن الإسرائيلية، ومعزولة عن العالم الخارجي وإضافة إلى ذلك، يجري بناء شبكة من الطرق العامة الرئيسية المقصورة الاستخدام في هذه الشظايا نفسها المتبقية من الضفة الغربية لتربط إسرائيل الكبرى الجديدة في الغرب مع وادي نهر الأردن المحتل في الشرق، حيث يعيش 7.000 يهودي في إحدى وعشرين مستوطنة محمية حماية كثيفة بين حوالي 50.000 فلسطيني من الذين مازال مسموحا لهم البقاء هناك والمساحة الواقعة على طول نهر الأردن والتي تخطط الآن لتكون الساق اليمنى لتطويق الفلسطينيين هي واحدة من أكثر مناطق فلسطين الزراعية ربحا وإنتاجا، ومعظم سكانها طردوا منها بالقوة في العام 1967، ولم يسمحالإسرائيليون لهذه العائلات الأصلية أن تعود. ويحتفظ ضباط الجمارك الإسرائيليون بقوائم بأسمائهم، والضباط حريصون على منع هذه العائلات من عبور أي نقطة تفتيش دولية إلى الأرض المحتلة، حيث يمكنهم أن يؤكدوا ملكيتهم لبيوتهم ولأرضهم الزراعية؟.

من الواضح أن الفلسطينيين سيتركون من دون أرض لتأسيس دولة قابلة للحياة فيها، ولكنهم مطوقون تطويقا كاملا داخل الحاجز ووادي نهر الأردن المحتل. وسيكون للفلسطينيين مستقبل من المستحيل بالنسبة إليهم أن يقبلوه أو أن يقبله أي قسم مسؤول من المجتمع الدولي، وسيكون وضع إسرائيل الدائم مضطربا ومشكوكا فيه بشكل متزايد حين يقوم شعب محروم بمقاتلة الاضطهاد وحين يتناقص العدد النسبي للمواطنين اليهود سكانياً مقارنة بالعرب) داخل إسرائيل وفي فلسطين معاً. وهذا المنظور واضح لمعظم الإسرائيليين الذين ينظرون إليه أيضاً بوصفه تشويهاً لقيمهم وتبين الأحداث الحديثة المتصلة بغزة ولبنان بياناً عملياً التصعيد الحتمي في التوتر والعنف داخل فلسطين والسخط والعداوة الشديدين من المجتمع الدولي ضد إسرائيل وأمريكا معاً.

وإن إحدى النواحي المعرضة للهجوم في إسرائيل، وهي سبب محتمل للعنف هي احتجازها للأسرى فالمقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون يعرفون أن أسر جندي إسرائيلي أو مدني إسرائيلي سيكون إما فيشة مساومة قيمة لتبادل الأسرى أو سبيا للنزاع لقد تمت عدة مبادلات من هذا النوع: 1.150 فلسطينيا في مقابل ثلاثة إسرائيليين في العام 1985 ، و 123 لبنانيا في مقابل رفات جنديين إسرائيليين في العام 1996 ، و 433 فلسطينيا وآخرون في مقابل رجل أعمال إسرائيلي ورفات ثلاثة جنود في 2004 العام

وتقدر منظمات حقوق الإنسان الدولية، منذ العام 1967، أن أكثر من 630.000 ألف فلسطيني في الأراضي المحتلة ويمثلون حوالي 20 بالمائة من عدد السكان الإجمالي) كانوا قد احتجزوا في وقت ما من قبل الإسرائيليين، وهو ما يستثير سخطا عميقا في صفوف العائلات ذات العلاقة. وعلى الرغم من أن الأكثرية الضخمة من السجناء هم من الرجال، فهناك عدد كبير من النساء والأطفال يجري احتجازهم والأطفال، في الأعمار بين اثني عشر عاماً وأربعة عشر عاماً، يمكن أن يحكموا لمدة تصل إلى ستة أشهر، وبعد عمر أربعة عشر عاما يحاكم الأطفال الفلسطينيون بوصفهم كباراً، وهذا خرق للقانون الدولي.

وإضافة إلى الزمن الذي يقضيه السجناء في الحبس، فإن المدد الزمنية السابقة للمحاكمة يمكن أن تكون طويلة إلى حد ما. وبموجب قوانين إسرائيلية خاصة تحكم المدة السابقة لصدور الحكم، يمكن أن يستجوب الموقوفون الفلسطينيون طوال مدة إجمالية تصل إلى 180 يوما وأن يحرموا من زيارات المحامي طوال فواصل زمنية تصل إلى 90 يوماً. والحجز الإداري قابل لإعادة التجديد إلى أجل غير محدد بموجب النظم العسكرية والاعترافات التي تنتزع من خلال التعذيب مقبولة في المحاكم الإسرائيلية. والأشخاص المتهمون يحاكمون عادة في محاكم عسكرية في الضفة الغربية، ثم يودعون في الزنازين في سجون داخل إسرائيل. وهذا يعني أن زيارات العائلة ممنوعة والوصول إلى المحامين ممنوع في أثناء المرات المتكررة والطويلة من أزمنة فرض القيود المشددة على السفر إن ميثاق جنيف الرابع يحرم هذه السياسة، وينص على أن الأشخاص المحميين المتهمين بإساءات يجب أن يحتجزوا في البلاد المحتلة، وإذا حكم عليهم فيجب أن يقضوا أحكامهم فيها"".

لقد انفجرت دورة العنف مرة أخرى في شهر حزيران / يونيو من العام 2006، حين حفر الفلسطينيون نفقاً تحت الحاجز الذي يطوق غزة وهاجموا بعض الجنود الإسرائيليين، وأسروا واحدا منهم. وقد عرضوا أن يبادلوا الجندي مقابل إطلاق بعض النساء من 95 امرأة و 313 طفلا هم من بين حوالي 8.500 فلسطيني في السجون الإسرائيلية. ورفضت إسرائيل أي مفاوضات، وفي محاولة لإنقاذ الجندي ووقف إطلاق الصواريخ المصنوعة محلياً، على الأراضي الإسرائيلية، غزت إسرائيل أجزاء من غزة وقصفت المباني الحكومية ودمرت الجسور الواصلة، ومحطات الطاقة التي توفر الكهرباء والماء. وكانت هناك خسائر ثقيلة وصارت غزة أكثر عزلة من السابق. وحين وافق قادة حماس وفتح على أن يقبلوا مقترحاً من السجين المحترم مروان برغوثي، بصفته بياناً عملياً لوحدتهم، ردت إسرائيل باعتقال 64 عضوا من حماس في الضفة الغربية، ومن جملتهم ثلث أعضاء الوزارة الفلسطينية و 23 مشرعاً. وأعلن المسؤولون الإسرائيليون أن هؤلاء المعتقلين سوف يسجنون إلى أن تستطيع المحاكم العسكرية أن تقرر أي عقاب إضافي سيفرض عليهم. وفي نهاية شهر آب / أغسطس، كان الإسرائيليون يحتجزون نائب رئيس مجلس الوزراء وستة آخرين من مسؤولي الوزارة بالإضافة إلى ثلاثين عضواً من المجلس التشريعي، ومن جملتهم المتحدث باسم البرلمان عزيز دويك

هاجم مقاتلو حزب الله المرابطون في لبنان، وهم يدعون أنهم يساندون الفلسطينيين المحاصرين سيارات دورية إسرائيلية في إسرائيل، وقتلوا ثلاثة جنود وأسروا اثنين آخرين. فأعلن رئيس الوزراء أولمرت أن هذا العمل كان إعلاناً وطنياً للحرب، ثم فرض حصاراً بحرياً وشن هجمات على أهداف متعددة في بيروت وفي جميع أنحاء جنوب لبنان. وطالب قادة حزب الله بإطلاق سراح السجناء اللبنانيين وبانسحاب إسرائيل من المنطقة المتنازع عليها من مزارع شبعا، وأطلق حزب الله تدفقاً من الصواريخ على المدن في إسرائيل الشمالية.

وفي الشهر الأول من القتال، فإن أكثر من 800 لبناني مدني ماتوا أو كانوا مفقودين تحت الركام وأجلي مليون مدني وهو ربع عدد السكان عن بيوتهم. وقتل سبعة وعشرون مدنيا إسرائيليا، وترك عدد ضخم بيوتهم في شمال إسرائيل أو عاشوا في ملاجئ القنابل ليهربوا من قصف صواريخ حزب الله، وكان هناك كذلك عدد غير معروف من الخسائر العسكرية في كلا الجانبين.

وعلى الرغم من أن العديد من اللبنانيين أدانوا قوة حزب في جنوب لبنان وأعماله الاستفزازية فإن زعماء الأمة شكلوا فورا جبهة متحدة ردا على الهجمات الإسرائيلية. ودعا رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة دعوة متكررة إلى وقف إطلاق النار ومساعدة بلاده وقال: إن البلاد قد تمزقت إلى شظايا. ولبنان يستحق الحياة. واقتبس، وهو يعلق على معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل للوقف الفوري الإطلاق النار، قول المؤرخ تاسيتوس من روما القديمة: لقد خلقوا الخراب ويسمونه سلاماً، وصاح سعد الحريري، الذي كان أبوه رئيساً للوزراء ويعتقد أنه قد اغتيل من أصدقاء السورية، يقول: ماذا تفعل الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أنتم تروجون للديمقراطية ثم تسمحون بتدميرها"".

هذه الدورة من الأعمال الاستفزازية من المقاتلين العرب والرد العسكري المدمر من إسرائيل تبين عمليا مرة أخرى النتائج الدائمة، المقرحة الناجمة عن النزاع غير المحلول في الشرق الأوسط. إن القوة العسكرية القوية لإسرائيل تستطيع، مع القبول أو الدعم الأمريكيين، أن تدمر البنية التحتية الاقتصادية وأن توقع خسائر ثقيلة في غزة ولبنان، ومعهما أمم أخرى كذلك. ولكن حين يحدث هذا التدمير، فإن من المحتمل أن تبقى حركات حرب العصابات على قيد الحياة وأن تصير أكثر توحدا وأن تحشد دعما أوسع.

وقد وجد استطلاع قام به مركز بيروت للبحوث والمعلومات، أجراه بعد ثلاثة أسابيع من القصف الإسرائيلي، أن 87 بالمائة من اللبنانيين ساندوا معارك حزب الله مع إسرائيل. وتضمنت هذه النسبة 80 بالمائة من المسيحيين اللبنانيين الذين هم ميالون عادة إلى أن يكونوا مصادقين لإسرائيل ومعارضين سياسيا للمقاتلين المسلمين.

وطوال خمسة أسابيع، ساندت حكومة الولايات المتحدة إسرائيل مساندة قوية، وشجعت قصفها على لبنان، وعرقلت جهود فرنسا والأمم الأخرى لفرض وقف فوري لإطلاق النار. وشملت القضايا الوقف لكل القتال، ونزع السلاح من حزب الله، وانسحاب القوات الإسرائيلية من كل لبنان ومن جملة ذلك مزارع شبعا وتبادل الأسرى، وقوة حفظ سلام دولية يتعين تأسيسها بصفتها قوة حاجزة. وأخيرا ، في 11 آب / أغسطس، أصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة القرار 1701، الذي نص على أن القتال ينبغي أن يتوقف وأن 15.000 من قوات لبنان العسكرية وعدداً مساوياً من المجتمع الدولي سوف ينتشرون في جنوب لبنان في حين تنسحب القوات العسكرية لإسرائيل ولحزب الله كليهما. وأما القضايا الأساسية المتصلة بتبادل الأسرى، واحتلال إسرائيل لمزارع شبعا ، ونزع سلاح حزب الله فقد أجلت، في الوقت الذي تابعت فيه إسرائيل ضربها للفلسطينيين في غزة بقوة. وحين كان انتباه العالم مركزاً على النزاع الإسرائيلي اللبناني، قتل أكثر من 400 فلسطيني، منهم 75 طفلا في غزة، في حين فقد ثلاثة جنود إسرائيليين حياتهم.

ما أسباب الحرب الإسرائيلية اللبنانية؟ وماذا كانت نتائجها ؟ بدأ النزاع حين هاجم مقاتلو حزب عربتين إسرائيليتين، فقتلوا ثلاثة جنود وأسروا اثنين آخرين. وكانت غايتهم المعلنة هي إعطاء الدعم للفلسطينيين الواقعين تحت الهجوم في غزة وإجبار إسرائيل على الخروج من المنطقة المتنازع عليها، ومبادلة الجنديين الأسيرين في مقابل بعض الأسرى اللبنانيين مثلما سبق أن حدث عدة مرات في الماضي. رفضت إسرائيل هذه المطالب، وبشكل يبعث على الدهشة أعلنت أنها هوجمت من كل أمة لبنان، وشنت قصفاً جوياً شمل في النهاية 7.000 هدف في جميع أنحاء البلد. ورد حزب الله بإطلاقه 4.000 صاروخ تقريباً على شمال إسرائيل.

من هم الذين كانوا الخاسرين؟ ومن هم الذين كانوا الرابحين فعلى الرغم من أن الطرفين ادعيا النصر، فإن من الواضح أن أعظم الخاسرين كانوا هم عائلات اللبنانيين والإسرائيليين الذين فقدوا حياتهم في ضربات القصف الجوي من القنابل والمقذوفات والصواريخ ومناطق عديدة من لبنان دمرت. وكان هناك اتهامات مضادة واسعة المدى في إسرائيل ضد زعماء حكومتها الذين عملوا مثل هذا التدمير الضخم وفشلوا مع ذلك في إخضاع مقاتلي حزب الله. وقد أدين الزعماء الأمريكيون إدانة عالمية تقريباً بسبب تشجيعهم المكشوف للهجوم الإسرائيلي وتقديمهم السلاح اللازم له، وبسبب تأخيرهم لوقف إطلاق النار الذي كان يمكن أن ينهي المجزرة.

وعلى الرغم من إدانة حزب الله في البداية من العرب المعتدلين بسبب التهور في المواجهة مع إسرائيل، فإن حزب الله كسب الدعم العربي العام تقريبا وكسب نصراً دعائيا من أجل ""حماية"" لبنان، ومقاومة الهجوم الإسرائيلي البري والجوي وتقديم مبالغ مالية كبيرة لاحقا لإصلاح الأضرار وقد صرح رئيس استخبارات إسرائيل العسكرية المنصرف العميد يوسي كيوبرواسر أن زعيم حزب الله، الشيخ حسن نصر الله، قد لعب بصورة باهرة على الإحساس بالشرف المهم جدا بالنسبة إلى كثيرين من العرب والمسلمين. وقال كيوبرواسر: كانت رسالته هي: ""أن تستعيد الكبرياء المفقودة .... بالاستعداد للتضحية، والاستعداد للمعاناة.

والناحية المأساوية، هي أن هذا النزاع كان مجرد نزاع آخر في دورة العنف المتكررة التي تنتج من غياب التسوية الشاملة في الشرق الأوسط، ، وهو الأمر الذي تفاقم بغياب غير مسبوق تقريبا طوال ست سنوات لأي جهد حقيقي يسعى لتحقيق مثل هذه الغاية، إن توقفات إطلاق النار المؤقتة وقوات حفظ السلام الدولية في لبنان وفي المناطق المضطربة الأخرى هي مجرد لاصق إسعافات أولية، إنها حل مرتجل إن الأسباب الجذرية للنزاع احتلال أرض العرب، وسوء معاملة الفلسطينيين، وقبول إسرائيل داخل حدودها القانونية . يتعين حتى الآن أن تعالج. وفي الحقيقة، فإن رئيس الوزراء إيهود أولمرت وافق على عروض إنشاءات في شهر أيلول / سبتمبر من أجل بناء 690 بيتا في الضفة الغربية المحتلة، وذلك على الرغم من النقد الموجه من البيت الأبيض ومن زعماء حكومته الخاصة. ورفض هو أيضاً عرضاً من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان للتفاوض بشأن تبادل الأسرى.

إن زعماء في كلا الجانبين يتجاهلون أكثريات قوية تتوق إلى السلام ويسمحون بذلك للعنف الذي يقوده المتطرفون أن يسبق كل الفرص اللازمة من أجل بناء إجماع سياسي والعائق الكبير للتقدم هو السياسة الغريبة لواشنطون التي يكون فيها الحوار في القضايا الخلافية امتيازاً يتعين تقديمه فقط بوصفه جائزة للسلوك الخانع، ويتعين حجبه عن أولئك الذين يرفضون مطالب الولايات المتحدة إن الاتصال المباشر مع زعيم الفلسطينيين محمود عباس ومع زعماء الحكومة في دمشق سيكون ضروريا إذا كان يتعين تحقيق التسويات المتفاوض عليها. وإن الإخفاق في التعامل مع القضايا ومع الزعماء الآخرين الأساسيين يجازف بخلق قوس كبيرة جداً من عدم الاستقرار يمتد من القدس عبر بيروت ودمشق، وبغداد وطهران

وقد وجد مسح قام به مشروع المواقف الكونية في مركز بيو ونشره المركز في شهر حزيران / يونيو أن آراء المسلمين حول الغرب قد ساءت سوءاً عنيفاً، وصارت القضية الإسرائيلية الفلسطينية هي خط التصدع الرئيسي في النزاع العالمي.

والتطور الملحوظ الواعد، الذي أخفاه النزاع في لبنان، كان الاتفاق (أعيق فيما بعد) بين القادة الفلسطينيين من فتح وحماس وبعض الجماعات التي هي أصغر منهما على تبني وثيقة المصالحة الوطنية التي صاغها مروان البرغوثي وسجناء فلسطينيون آخرون هناك فرصة جيدة في أن هذه الوثيقة ستؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة تشمل ممثلين من الأحزاب الكبيرة، وهذا ما سيفي أيضا بشروط المجتمع الدولي من أجل رفع الحظر الذي فرض على الشعب الفلسطيني، وهذا سيشمل القبول بحل وجود الدولتين، والاعتراف بإسرائيل، وتوقف إطلاق النار إلى آمد طويل من حماس إذا بادلتها إسرائيل على ذلك بالمثل. لقد صرح رئيس وزراء حماس إسماعيل هنية، في شهر حزيران / يونيو: ""ليس لدينا مشكلة مع دولة فلسطينية ذات سيادة على كل أرضنا داخل حدود العام 1967، تعيش بهدوء.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة