زياراتي مع الفلسطينيين
في أثناء زياراتي المنتظمة إلى حد ما للشرق الأوسط في السنوات العشر الأولى بعد مغادرة البيت الأبيض، كنت أريد على وجه الخصوص أن أتعلم المزيد عن الشعب الفلسطيني كيف كان الفلسطينيون يعيشون، وما الذي كان يهمهم . وكيف كان رد فعلهم على وجودهم تحت الاحتلال السياسي والعسكري الطويل وماذا قد يقترحون من علاقة سلمية مع إسرائيل وبحثت عن نموذج ممثل من الأصوات المتنوعة. واستمعت في القاهرة، وعمان، والرياض، وبيروت ودمشق والرباط، وفي صفوف العلماء في أمريكا، استمعت إلى منظوراتهم عن نزاع الشرق الأوسط حسبما يتعلق بهم وباللاجئين الذين تحملوا المسؤولية من أجلهم.
وعلى الرغم من أنني دعوت علناً إلى أن يمتلك الفلسطينيون وطنهم الخاص بهم بعد أن صرت رئيسا ببضعة أسابيع فقط وعززت الوضع القانوني والسياسي للفلسطينيين في أثناء مفاوضات كامب ديفيد، فإننا لأول مرة تقوم في أثناء هذه الرحلات الأخيرة روزالين وأنا بزيارات على نطاق موسع في صفوف الزعماء السياسيين الفلسطينيين والعائلات العادية في الأراضي المحتلة. وكان تواصلي الرئيسي من خلال بيت الشرق، وهو المكتب الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس، حيث تلقيت المعلومات والمشورة من فيصل الحسيني، وحنان عشراوي ومبارك عوض، وكان هذا الأخير مسيحيا كرس جهوده من أجل اللاعنف. وتعاون معي أيضاً الدبلوماسيون الأمريكيون في التخطيط للمقابلات وتنظيم جدول رحلاتنا. وفي الضفة الغربية وغزة، أمضينا أكثر ما أمكن من الوقت مع فلسطينيين من مختلف المهن والبيئات ونواحي الحياة في المجتمعات الواسعة والصغيرة في المناطق الريفية. وبعض من قابلناهم كانوا من بين أفصح الفصحاء وكانوا محامين من الذين نشطوا في الدفاع عن حقوق جيرانهم في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وبعضهم كانوا أساتذة في الجامعة، وعدد لا بأس به كانوا من الفلاحين أو القرويين. وكلهم أرادوا أن يصفوا حياتهم المحاصرة في الأراضي المحتلة.
معظم الفلسطينيين كانوا مسلمين ولكن عدداً مثيراً للدهشة كان من المسيحيين، وقد تحدثت مع كثيرين من الرهبان والكهنة حول واجباتهم الدينية. لقد كانوا منزعجين من العنف الجاري حولهم ومن الضغوط السياسية والاقتصادية التي يمارسها زعماء الحكومة، وهي الحكومة التي تمثل الأحزاب الدينية الإسرائيلية المحافظة جداً، وهي الأحزاب التي منحت السيطرة الحصرية تقريباً على كل أشكال العبادة
وكانت لقاءاتنا تتم في بيوت خاصة، وفي مكاتب البلدية، أو في المستشفيات أو في فصول الدراسة الفارغة، أو في مؤخرات المحلات التجارية أو المستودعات. والكنائس والمساجد. وفي كل حالة تقريباً، رتب أولئك الذين وافقوا على الاجتماع معنا بأن يحضر معهم بضعة أفراد من أعضاء العائلة أو الأصدقاء. وقبل الدخول في مناقشات أكثر جدية، ارتشفنا القهوة السوداء، أو الشاي أو الكوكا وقضمنا بعض الحلوى السكرية أو الكعك الخفيف، وتحدثنا عن الطقس أو عن انطباعاتي العامة عن المنطقة. وكان من العادة في البداية أن يكون هناك تحفظ كبير في فتح باب الكلام في أي موضوع مركز بحدة أو موضوع خلافي، ولكن سرعان ما كانت القيود تسقط ويتطور نقاش أكثر حيوية، وكثيرا ما كان يشارك فيه الحاضرون المتفرجون حتى الأطفال. وفي الاجتماعات الموسعة، كان يستطيع عدة أشخاص عادة أن يتحدثوا بالإنجليزية وبالعربية وأن يتنافسوا في بعض الأحيان في العمل مترجمين.
وبناء على مشورة المسؤولين الأمريكيين، دعونا بعض الجماعات الخاصة من الذين كانوا موضع اعتراف بوصفهم قادة فلسطينيين للاجتماع معي في القدس في القنصلية الأمريكية، وهي المكان الذي كانت تدار فيه علاقات أمتنا مع الضفة الغربية. وكانت هذه الجلسات رسمية أكثر من غيرها ولكنها لم تكن أقل كشفاً. وقدم المشاركون آراءهم مثلما يكتب المحامون موجزاً : بشكل متبصر وبناء، وكامل ويقدمونها في الغالب مع وثائق لإثبات قضيتهم.
في كل الاجتماعات، حاولت أن أقدم آرائي حول الحاجة إلى نهاية للعنف وإلى اتصال أفضل في صفوف الفلسطينيين والإسرائيليين، وشعب الولايات المتحدة. وبدا وصفي لاتفاقيات كامب ديفيد وللسياسة الأمريكية الأساسية المتعلقة بالفلسطينيين وكأنه أخبار جديدة بالنسبة إلى الكثيرين منهم، وكان واضحاً أن قبولهم لأي اقتراح من هذه المقترحات سوف يتوقف بشكل مكثف على تفسير منظمة التحرير الفلسطينية. وعبر بعضهم عن الأمل بأن عرفات سيوافق. ه
ذه الأنواع من القضايا التي تخص اتفاقية سلام عامة كانت جزءاً صغيراً من المناقشات. وكان ما أراده الفلسطينيون هو تسجيل قائمة بمظالمهم الحالية. وفي إحدى الزيارات إلى غزة، كنا ضيوفا على عائلة بارزة كانت تعمل في الزراعة . والأعمال والتجارة الدولية. وقد علمنا ذلك بعد أن كان أحد أبناء العائلة حديثا قد أدلى ببيان ناقداً للاحتلال الإسرائيلي، فادى ذلك إلى حجز حمولة خمس شاحنات الوالدة محملة بالبرتقال عند عبور جسر اللنبي إلى الأردن لعدة أيام إلى أن فسدت الفاكهة. وكان هذا قسماً كبيراً من محصولهم الإجمالي للعام كله. وقد أرانا الأب الشاحنات غير المفرغة جزئيا وقال إنه كان يحاول أن يتخلص من البرتقال الفاسد بتقديمه طعاما لحيوانات المزرعة.
وبعضهم أرانا حطام بيوتهم السابقة، التي كانت قد دمرت بفعل جرافات اليهود وديناميتهم، ويترافق التدمير مع ادعاءات إسرائيل بأن تلك البيوت كانت قد بنيت على مسافة قريبة جداً من المستوطنات الإسرائيلية، أو أنها بنيت على ممتلكات كانت تحتاج إليها الحكومة الإسرائيلية، أو أن أحد أفراد الأسرة كان تهديداً أمنياً.
ولدى تقويم هذه الادعاءات من المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان بيت سيليم شرحت هذه المنظمة أن اثنتي عشرة أسرة بريئة في المتوسط، فقدت بيوتها في مقابل كل شخص متهم بالمشاركة في هجمات ضد الإسرائيليين، ويتبين أن نصف البيوت المدمرة تقريباً لم يسبق أبداً أن سكنه أي شخص متهم بالمشاركة في أي عمل عنيف ضد إسرائيل، ولو في قذف الحجارة.
وعلى النقيض من حجة قوات الدفاع الإسرائيلية أمام المحكمة العليا التي تقول إن الإنذار المسبق كان قد أعطي لأصحاب البيوت إلا في الحالات الاستثنائية، فإن أرقام بيت سيليم أشارت إلى أن هذا الإنذار كان قد أعطي في نسبة أقل من 3 بالمائة من الحالات. وبالإضافة إلى التدميرات العقابية، فإن إسرائيل قد دمرت حتى سوت بالأرض من البيوت الفلسطينية أعداداً أكبر بكثير في عمليات تطهير ، ويضاف إلى ذلك البيوت التي ادعت أنها كانت قد بنيت من دون ترخيص. وكل هذا التدمير كان على أرض الفلسطينيين، وتوصلت بيت سيليم إلى القول: ""إن سياسة إسرائيل من التدميرات العقابية تشكل خرقاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي، ولذلك فهي جريمة حرب. ومن خلال تنويعة من البهلوانيات القانونية، تجنيت محكمة العدل الإسرائيلية العليا التدقيق القضائي في القضية، وهي بذلك خدمت بصفة ختم مطاطي، هيئة توافق بدون مبالاة، وتختم على السياسة غير القانونية الإسرائيل.
وزارت روزالين أكبر مستشفى في غزة، وقال لها الأطباء إن لديهم صعوبة كبيرة في توفير النقل المرضى في حالات حرجة. وقد أروها صفا من سيارات الإسعاف كانت قد قدمت لهم من أمة أوروبية وقالوا إنهم لا يستطيعون أن يستخدموها. وادعوا أن المسؤولين الإسرائيليين رفضوا أن يصدروا لوحات مرخصة لأن الهيكل المعدني السيارة الإسعاف كان أطول باثني عشر إنشا. وحين روت لي روزالين هذا، وعدت أن أتوسط مع المسؤولين اليهود حين أعود إلى القدس. ورفضوا مخاوفي بشرح قال إنه كانت هناك تهديدات أمنية خطيرة من عبور البضائع المحظورة من غزة وإليها، وإن السيطرة المتشددة كانت مطلوبة على أبعاد قياسات كل المركبات وما كان يمكن أن يعطى الفلسطينيون تراخيص خاصة للتشغيل ولو السيارات الإسعاف التي ابتعدت عن المعايير الموضوعة من قبل الضباط العسكريين المحليين.
لقد أكد كثيرون من الفلسطينيين أنهم قد حرموا من معظم حقوقهم الإنسانية الأساسية. فهم لا يستطيعون أن يجتمعوا اجتماعاً سلمياً، ولا أن يسافروا من دون قيود، أو أن يتملكوا ملكية من دون خوف من مصادرتها تحت حشد من الخدع القانونية، وبصفتهم شعباً، فإنهم قد وصموا من المسؤولين الإسرائيليين بصفة الإرهابيين، وليس هذا فحسب، ولكن التعبيرات الصغيرة أيضاً عن الانزعاج جلبت أقسى العقاب من السلطات العسكرية وادعوا أن أهلهم كانوا معتقلين ومحجوزين من دون محاكمة طوال مدد ممتدة طويلا، وبعضهم تعرض للتعذيب في محاولات لإجبارهم على تقديم الاعترافات، وعدد منهم أعدم وعقدت محاكماتهم في الغالب ومتهموهم هم الذين يعملون قضاة لهم ومحاموهم الخاصون لم يسمح لهم بالدفاع عنهم في المحاكم الإسرائيلية، وكانت الاستئنافات مكلفة الثمن، وتؤخر تأخيرا طويلا، وهي في العادة عقيمة بلا ثمرة.
وادعوا أن أي تظاهرة ضد إساءات الإسرائيليين كانت تؤدي إلى اعتقالات جماعية للفلسطينيين، ومن جملتهم الأطفال الذين يرمون الحجارة، والمتفرجون الذين لم يشاركوا، وعائلات المحتجين والذين يعرفون بالإدلاء بتصريحات تنتقد الاحتلال. وبعد أن يسجنوا، لا يبقى لهم غير أمل ضئيل في محاكمة عادلة وهم في الغالب لا يملكون أي اتصال مع عائلاتهم أو مع مشورة قانونية. وإذا عرضت عليهم التهم، فإن الجرائم المزعومة توصف عادة بتعابير عامة جداً مساوية للقول تعكير السلام وتكون الأحكام غالباً مدداً غير محددة. ومعظم القضايا جرت محاكماتها في محاكم عسكرية، ولكن 90 بالمائة من المحتجزين كان يجري حجزهم في سجون مدنية. وقد أشاروا إلى أن هذه السياسة التي تقبض على آلاف السجناء مست كل عائلة فلسطينية تقريبا وكانت مصدرا كبيرا لتوليد آلام السخط الحارقة.
وحثثتهم على رفع أقوى حالات الاختبار إلى المحكمة الإسرائيلية العليا وحاولت أن أؤكد لهم أنهم سيحصلون على محاكمة عادلة وربما يشكلون سوابق ستكون مفيدة في قضايا مشابهة ورد واحد من المحامين بقوة: ""لقد جربنا هذا بتكلفة كبيرة. إنها ببساطة لم تعمل ليس النظام مثل النظام الأمريكي، حيث يتم اتباع الحكم الصادر في المحاكم العليا اتباعا دقيقا من كل المحاكم التابعة. هنا يوجد نظام واحد تحت قضاة مدنيين ونظام آخر تحت العسكريين ومعظم قضايانا، ولا يهم ما قد يكون الموضوع، تأتي تحت العسكريين، إنهم متهمونا ، وقضاتنا ، ومحلفونا، وكلهم يظهرون على نفس الشاكلة لنا. وحين يتخذ قرار محكمة مدنية نادر لصالحنا لحماية قطعة صغيرة من الأرض، على سبيل المثال، لا ينظر إلى القرار بصفته سابقة. وبقرار إداري أو بأمر إداري تولد إجراءات جديدة لتحقيق الغايات الإسرائيلية نفسها بطراز مختلف""، وأضاف يقول: "" ونحن لا نستطيع أن ترفع قضية موكلنا إلى خارج الضفة الغربية إلى محكمة إسرائيلية. فنحن غير مصرح لنا أن نمارس ذلك .
وسألت: فلماذا ، إذاً، لا تستخدمون محامياً إسرائيلياً؟
وأجاب: ""أحياناً تفعل ذلك، ولكن قلة منهم ستأخذ قضايانا، والمحامون الذين سيفعلون ذلك مشغولون بشكل مفرط ثقيل مع موكليهم العرب الذين يعيشون في إسرائيل. وحاول واحد أو اثنان من أعضاء الكنيست اليهود أن يكون مساعدا وهم في الأغلب أكثر الأعضاء ليبرالية.
وباستثناء العرب الذين اختيروا من الإسرائيليين المعالجة الواجبات المكتبية (البيروقراطية) وتوزيع الرعاية السياسية، فإن الفلسطينيين الذين قابلناهم كانوا مساندين أقوياء المنظمة التحرير الفلسطينية. ونادراً ما قام أي شخص بنقد مباشر المنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن محامياً فلسطينياً واحداً اشتكي من أن عرفات وهم يسمونه دائما أبو عمار وقادة آخرين لمنظمة التحرير الفلسطينية أكثر اهتماما بالصراعات من أجل السلطة السياسية والمال من اهتمامهم بمحنة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري. وكانت إدانتهم الرئيسية مقسمة بالتساوي تقريبا بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وقد نددوا ببلدنا بسبب تمويل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وبسبب دعم العمليات العسكرية ضد البلدان العربية.
وكانت هناك شكوى بالإجماع في صفوف القادة السياسيين الفلسطينيين وآخرين غيرهم من أن أسوأ حالة من إساءة المعاملة وأشدها استمرارا كانت في الخليل، التي تقع على بعد حوالي عشرين ميلا جنوب القدس، وهي البلدة التي يدفن فيها الآباء المذكورون في الكتاب المقدس إبراهيم وإسحق، ويعقوب إن حوالي 450 يهودياً مقاتلاً متطرفاً للغاية قد تحركوا إلى قلب الجزء القديم من المدينة، وهم محميون من عدة آلاف من القوات الإسرائيلية. وهؤلاء المستوطنون المسلحون تسليحاً ثقيلا يحاولون أن يطردوا الفلسطينيين بعيداً عن المواقع المقدسة وهم في الغالب يضربون الذين يعتبرون أنهم متعدون ويوسعون منطقتهم بمصادرة البيوت المجاورة ويخلقون المواجهات المادية عامدين وحين يحدث هذا، تفرض القوات العسكرية منع التجول مرات طويلة على 150.000 مواطن فلسطيني في الخليل، وتمنعهم من مغادرة بيوتهم الخاصة ليذهبوا إلى المدرسة أو الحوانيت أو للمشاركة في الحياة العادية لمجتمع حضري وادعى الفلسطينيون أن الغرض الواضح للنظر من التحرش هو طرد غير اليهود من المنطقة. لقد رفعت الأمم المتحدة التقارير عن أن أكثر من 150 نقطة تفتيش إسرائيلية قد تأسست في المدينة وما حولها.
كان الفلسطينيون مقتنعين أن بعض الزعماء السياسيين الإسرائيليين كانوا يحاولون من خلال التحرش أن يجبروا المواطنين على رحيل أوسع بكثير للمسلمين وللمسيحيين من الأراضي المحتلة. وادعوا أن أي سلع مصنعة أو منتجات مزارع لم يكن يسمح لها أن تباع في إسرائيل إذا كانت منافسة للمنتجات الإسرائيلية. ولذلك فإن أي فائض يهدى، أو يكدس، أو يصدر إلى الأردن. وأما الفواكه والزهور، والخضروات القابلة للتلف التي تملكها العائلات النشيطة سياسيا فقد كانت تستبقى عند جسر اللنبي حتى تتلف، وفي بعض المناطق لم يكن يسمح للمزارعين أن يزرعوا بدلاً من أشجار الفاكهة التي تموت في بساتينهم. وكانت أشد شكاواهم ألماً تتعلق بآلاف عديدة من أشجار الزيتون القديمة التي كان يجري قطعها على أيدي الإسرائيليين. وكان الوصول إلى الماء قضية دائمة فكل مستوطن إسرائيلي يستخدم خمسة أضعاف الماء الذي يستخدمه جاره الفلسطيني، الذي يجب أن يدفع أربعة أضعاف الثمن لكل غالون وقد أرونا صورا لبرك السباحة الإسرائيلية المجاورة للقرى الفلسطينية التي يجب أن ينقل فيها ماء الشرب في سيارات صهاريج ويوزع بملء السطل، ومعظم المستوطنات الموجودة على قمم التلال تقع على مساحات صغيرة من الأرض، ولذلك فإن صرف المجاري يفرغ إلى داخل الحقول والقرى المحيطة.
والمعلمون والآباء يرون أن مدارسهم وجامعاتهم كانت تغلق مراراً وتكراراً . ويعتقل رجال التربية، وتقفل مخازن الكتب بالأقفال، وتخضع المكتبات للرقابة . ويترك الطلاب في الشوارع أو في البيت لمدد طويلة من الزمن من دون أعمال وادعوا أن أي نقاش حاد بين هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل، والغاضبين وبين السلطات العسكرية يمكن أن يؤدي إلى إرسال الجرافات إلى المجتمع لتدمير البيوت، وكما هو متوقع اعترف الفلسطينيون باستهجان كل أعمال العنف وادعوا أن المستوطنين المقاتلين الإسرائيليين مذنبون مثل أي عرب في المبادرة بالهجمات ولكنهم نادراً ما يقبض عليهم أو يعاقبون أولا يحدث لهم ذلك مطلقا.
وكانت واحدة من أشد مظالمهم مرارة هي أن العون الأجنبي المرسل من البلدان العربية لا بل الأموال المرسلة من الحكومة الأمريكية لأغراض إنسانية كان يجري اعتراضها من السلطات واستخدامها لمصلحة الإسرائيليين، ومن جملة ذلك إنشاء المستوطنات في المجتمعات الفلسطينية. وادعوا أن الحكومة استولت على أموال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المعدة لأجل مركز للأطفال المعاقين في غزة. وأن الأموال الأردنية والعربية الأخرى المعدة للتعليم ولتنمية صناعة تربية الدواجن في بعض أفقر المجتمعات في الضفة الغربية كان يجري إمساكها ومنعها.
وقد انزعجت من هذه التقارير وأردت أن أقرر إن كانت دقيقة، وإذا كانت كذلك، أردت أن أسمع تفسيرا لها من السلطات الإسرائيلية، وقبل مغادرة إسرائيل اجتمعت مطولاً مع مسؤولينا الدبلوماسيين في تل أبيب والقدس ومع الإسرائيليين الذين يديرون الأمور في الأراضي المحتلة. من وجهة نظر الإسرائيليين، فإن الحياة تحت احتلال عسكري ستكون لا محالة مختلفة عن الحياة في ديمقراطية حرة وكانت القيود القاسية تعتبر ضرورية للمنع المسبق الأعمال العنف.
وفي ما يخص مضايقة النشيطين سياسيا، فقد قيل لي إن هناك تأخيرات طويلة أحيانا على جسر اللنبي دخولاً إلى الأردن، ولكن هذه التأخيرات لم تكن مصممة المعاقبة أي عائلات محددة. وهذه الحالة كانت هي النتيجة المحتومة للقيود الموجودة على المرور التجاري بين بلدين لم يكن لهما علاقات تجارية أو دبلوماسية طبيعية. وكان يحتفظ بقوائم بأسماء مثيري المتاعب، وتتلقى الشحنات المرسلة من عائلاتهم تفتيشا أشد كان يؤدي أحيانا إلى تلف الشحنات، وكذلك، كان صحيحا أن المنتجات الإسرائيلية من كل الأنواع كان لها الأسبقية في المبيعات في كل أنحاء الأراضي وقال المسؤولون الإسرائيليون إن تدمير بيت العربي بالديناميت أو بالجرافات كان نادراً، وعمداً ، وحادثة تحظى بالدعاية على نطاق عال، ومصممة لتخدم بوصفها رادعا فعالا للكبار الذين قد يسمحون بالأعمال غير القانونية أو يشجعون عليها الأعضاء الفتيان من عائلاتهم.
معظم ردود الإسرائيليين كانت مباشرة، ولكن أحد الاستشاءات كان اعتراض مال العون الأجنبي من قبل الإسرائيليين الذين ادعوا أن بعض الأموال المصادرة قد يكون اتجاهها قد تحول إلى تمويل أعمال الإرهاب العربي وأن السيطرة الإسرائيلية يجب أن تكون كافية لمنع مساوئ الاستعمال التي يمكن لها أن تهدد السلام واعترفوا أيضا بقلق حول فائض الدجاج، أو البرتقال، أو الزهور أو العنب، أو الزيتون، أو السلع الزراعية الأخرى التي يجري إنتاجها في الضفة الغربية وغزة وأنها قد تهدد اقتصاد المزرعة الإسرائيلية. ولم يكن معقولاً بالنسبة إلى المال الأجنبي أن يستخدم لزيادة مثل هذا الإنتاج الزراعي. وقيل لي أن بعض أموال العون الأمريكي التي خصصها مجلس الشيوخ، ولو من أجل المشاريع الخيرية، قد احتفظت بها الحكومة الإسرائيلية حين يكون ضروريا لمنع سوء الصرف ولكن ذلك المال المحجوز لم يستخدم لبناء مستوطنات إسرائيلية في الأراضي المحتلة.
وقال لي الإسرائيليون إنه في كل حالة من الحالات كان هناك أساس قانوني الأخذ الأرض - أو أنها كانت تلزم لأغراض الأمن. وفي بعض الحالات الهامة، خدمت التعاريف الإدارية في التحايل على القرارات القانونية أو في تعديلها. وتلقيت لاحقا إيجازاً من ميرون بينفينيستي، وهو إسرائيلي كان قد خدم نائباً لرئيس بلدية القدس وكان يكرس كامل وقته لتحليل محدد لسياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة. وشرح لي باستخدام الخرائط واللوحات أن الإسرائيليين حصلوا على الأراضي الفلسطينية بعدد من الطرق المختلفة بالشراء المباشر، ومن خلال الاستيلاء الأغراض الأمن طوال مدة الاحتلال "" وبادعاء سيطرة الدولة على مساحات كانت تمسك بها سابقا الحكومة الأردنية، وبالأخذ بموجب بعض الأعراف العربية المختارة بعناية أو بموجب قوانين قديمة، وبالادعاء أن كل الأرض التي لم تكن تفلح أو لم تكن مسجلة بشكل خاص بأنها مملوكة من عائلة فلسطينية، هي أرض الدولة. ونظراً إلى أن عدم الفلاحة أو الاستخدام من أجل الزراعة هو واحد من المعايير اللازمة لادعاء ملكية الدولة للأرض، فقد صارت السياسة الرسمية في العام 1983 هي أن تحرم، تحت طائلة عقوبة السجن، أي رعي أو زراعة للشجر أو المحاصيل في هذه المساحات يقوم به الفلسطينيون وتحولت مساحات واسعة أخذت الأسباب أمنية إلى مستوطنات مدنية. هذه كانت على ما يظهر مصادر بعض الشكاوي التي سمعتها.
ولم يكن مسموحاً لأي قضايا قانونية تخص قضايا الأرض هذه أن تنظر في المحاكم الفلسطينية، ويجب أن تتقرر هذه القضايا الآن من الحاكم الإسرائيلي المدني. ومنذ العام 1980 ، سيطر حزب الليكود على الحكومة، وكان أخذ أرض العرب قد تسارع تسارعا عظيما، وصار بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية إحدى الأسبقيات العالية للحكومة. وأضاف بينفينيستي أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية كان محدودا في السابق ولكن تلك السياسات الجديدة والاتجاهات الحاضرة عنت أن المزيد من الإلحاق المساحات محتلة ضخمة كانت على وجه الاحتمال نتيجة معروفة مقدماً. وكان صحيحاً أن المحامين الفلسطينيين لم يكن يسمح لهم أن يمارسوا المهنة في المحاكم الإسرائيلية، وهي المكان الذي كانت تحل فيه معظم قضايا الأرض، ولكنه أكد لي أن المحامين الإسرائيليين كانوا متوافرين لتمثيل بعض الفلسطينيين، وفي معظم المرات، ذكر واحد من أكثر أعضاء الكنيست راديكالية بصفته مثالا على ذلك.
رتبت للاجتماع مع أهارون باراك، الذي كان واحداً من الأبطال في كامب ديفيد وصار لاحقا رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية. وتقابلنا في حانة (بار) الفندق وبدأت بقراءة قائمة من المخاوف حول سوء معاملة الفلسطينيين، مشيراً إلى شاحنات البرتقال وسيارات الإسعاف، وبسرعة أشار باراك إلى أنه لم يكن من المناسب له قانونيا أن يناقش قضايا محددة، ولكنه شرح بأنه كان على هيئة القضاء أن تمشي في خط ضيق بين ما كان مناسباً تحت الظروف الخاصة من الاحتلال العسكري وبين حماية حقوق الشعب في الضفة الغربية وغزة، وكذلك، فإن المحاكم لا تستطيع أن تتعامل إلا مع القضايا التي عرضت أمامها فقط. واعترف أنه لم يكن من السهل للفلسطينيين المظلومين أن يجدوا طريقهم عبر هذا المسار القانوني المعذب ولكنه قال إن المحكمة العليا حاولت دائماً أن توفر العدالة في القضايا المدنية تحت نطاق نظرها.
وسالت رئيس المحكمة العليا : هل تعتبر معاملة الفلسطينيين عادلة وأجاب بأنه هو تعامل بعدل مع كل قضية عرضت أمامه في المحكمة العليا ولكنه لم يكن يملك السلطة للمبادرة بالعمل القانوني. وسألته إن كان يشعر بالمسؤولية ليقوم بالتحقيق بالموقف الكلي، وأجاب بأنه كان يملك كل ما كان يستطيع أن يعمله في اتخاذ القرار في المسائل الفردية التي عرضت أمام المحكمة، وقال باراك إنه كان هناك أحكام قانونية خاصة تتعلق بالأراضي المحتلة وأقر بأن الكثير من أكثر القضايا حساسية كان يحول إلى المحاكم العسكرية. وحين طلبت تقويمه الشخصي للموقف في الضفة الغربية وغزة، قال إنه لم يكن في المنطقة لعدة سنوات وليس لديه خطط ليزور المنطقة. وعلقت بالقول إنه إذا كان يتعين عليه أن يتخذ قرارات تؤثر على حياة الشعب في المناطق المحتلة، يجب عليه أن يعرف المزيد عن الكيفية التي كانوا يعيشون فيها. وأجاب بابتسامة، أنا قاض، ولست محققاً.
وفي إحدى زياراتي اللاحقة إلى القدس في العام 1990، طلب بعض القادة المسيحيين عقد اجتماع عاجل معي، ولكني رفضت لأن كل وقتي المتبقي كان محددا بالمواعيد وحين الحوا، وافقت أخيرا على أنني كنت أستطيع أن أجتمع معهم في إحدى الأمسيات، ولكن فقط بعد أن أكون قد أنهيت ارتباطي الأخير في هذه الساعة المتأخرة، بعد منتصف الليل، فوجئت باستقبال سدنة الأماكن المسيحية المقدسة إضافة إلى كاردينالات ورؤساء الأساقفة، وبطارقة، وقادة آخرين من اليونان الأرثوذكس، والرومان الكاثوليك، والأرمن، والأقباط. والإثيوبيين الأرثوذكس، والموارنة، والأنغليكان، واللوثريين، والمعمدانيين والعقائد الأخرى. كانوا محزونين لما اعتبروه إساءة متزايدة وقيودا لا داعي لها تفرض عليهم من الحكومة الإسرائيلية، وروى كل واحد منهم الحوادث التي سببت خوفه.
بعد ذلك، حين اجتمعت مع رئيس الوزراء إسحق شامير، أكد لي أنه لم يكن هناك أي ميل رسمي للتفرقة ضد المسيحيين. وتابع ليشرح أن تشكيل تحالف حكم أكثرية تطلب دعم أحزاب دينية صغيرة متدينة بعمق، وأن مطالبهم الأولى كانت بأن يعفوا من الخدمة العسكرية، وأن يتلقوا التمويل الخاص لقضاياهم الخيرية وأن يمتلكوا السلطة على كل القضايا الدينية. وبدا لي أنه كان يعتبر هذه القضايا خارجة عن يديه، وفهمت أنا لأول مرة لماذا كان هناك مثل هذا الرحيل المفاجئ للمسيحيين من الأراضي المقدسة.
الفصل التالي الفصل السابق