القائمة الرئيسية

أجزاء الكتاب

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (3-17)

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (3-17)
ملخص الكتاب

رئاستي 1981-1977 

أدخلت حرب العام 1973 تغييرات كبيرة في شخصية الشرق الأوسط. فالأداء الفعال للجيشين المصري والسوري زاد مكانة كلا الرئيسين: الرئيس أنور السادات من مصر والرئيس حافظ الأسد من سورية. وأبانت الدول العربية عمليا أنها كانت مستعدة لاستخدام النفط سلاحا في مساندة مصالح العرب، وذلك من خلال الحظر وزيادات السعر. وفي إسرائيل، في شهر حزيران / يونيو من العام 1974، استقالت رئيسة الوزراء غولدا مثير، وأخذ مكانها إسحق رابين. وفي شهر تشرين الأول / أكتوبر، أيضاً، أعلن الزعماء العرب بالإجماع منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وياسر عرفات زعيماً لها. وصار يجب الآن أن ينظر إلى الفلسطينيين بوصفهم شعباً وكانوا يستطيعون أن يتحدثوا عن أنفسهم. 

وصارت منظمة التحرير الفلسطينية كياناً سياسياً قوياً، وصارت قادرة على استثارة مساندة قوية في المنتديات الدولية من العرب، ومن الاتحاد السوفيتي، ومن معظم بلدان العالم الثالث، ومن كثيرين غيرهم. وفي المقابل، فإن زعماء الحكومة الأمريكية تعهدوا بألا يعترفوا بمنظمة التحرير الفلسطينية أو يتفاوضوا معها إلى أن تعترف المنظمة رسميا بحق إسرائيل في الوجود وإلى أن تقبل قرار الأمم المتحدة رقم 242، وهو القرار الذي أكد وجود إسرائيل داخل حدودها في العام 1949، وكانت هناك مشكلة أكثر أهمية وهي أن رفض منظمة التحرير الفلسطينية لإسرائيل كان يشاركها فيه زعماء جميع الأمم العربية، بعد أربعة حروب في السنوات الخمس والعشرين الماضية. 

كانت هذه هي الأحداث التي رصدتها بعد عودتي إلى الوطن من زيارتي الأولى إلى إسرائيل وفي أثناء حملتي الانتخابية في التنافس من أجل منصب الرئيس. وكان يوماً نادراً في مسيرة الحملة الانتخابية اليوم الذي لا أتلقى فيه أسئلة من مواطنين يهود عن مصالح إسرائيل، وزودني فريقي المتزايد من محللي القضايا بأوراق إيجازات كنت أستطيع أن أدرسها. وقدمت وعوداً متكررة بأني ساسعى إلى تنشيط جهود السلام الساكنة، وبعد أن انتخبت رئيساً وقبل تنصيبي ألقيت خطاباً في المعهد السميثسوني وأدرجت فيه هذا التنشيط الجهود السلام بوصفه غاية كبيرة للسياسة الخارجية.

ونظراً إلى أنه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تلعب دوراً قوياً في أي جهد يبذل في سبيل السلام، فقد استعرضت المواقف الرسمية لأسلافي في القضايا الرئيسية. وكانت سياسة أمتنا الثابتة قد استندت إلى قرارات قليلة رئيسية المجلس الأمن في الأمم المتحدة، وعلى الخصوص القرار رقم 242 للعام 1967 (الملحق (1) والقرار رقم 338 للعام 1973 الملحق (2) والفرضية الأساسية في القرارين، التي كانت الموافقة عليها بالإجماع ومازالت قابلة للتطبيق هي أن استيلاء إسرائيل على الأرض بالقوة غير قانوني ويجب على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي المحتلة، وأن إسرائيل تمتلك الحق في أن تعيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، وأن مشكلة اللاجئين يجب أن تحل، وأن المجتمع الدولي يجب أن يساعد بالمفاوضات لتحقيق سلام عادل وقابل للدوام طويلاً في الشرق الأوسط. وعلى نحو أكثر تحديداً ، كانت سياسة الولايات المتحدة هي أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفي غزة كانت ""غير قانونية وعقبات للسلام. وجاء واحد من أوائل بياناتي العامة وأكثرها إثارة للجدل في شهر آذار / مارس من العام 1977، بعد بضعة أسابيع فقط بعد أن صرت رئيسا، حين استعرضت هذه الفرضيات نفسها وأضفت: يجب أن يكون هناك وطن يتوفر للاجئين الفلسطينيين الذين عانوا طوال سنوات عديدة عديدة. وهذا ما سيكون أول تحرك نحو مساندة دولة فلسطينية. 

بعد أسبوعين جاء الرئيس السادات إلى واشنطون لزيارة رسمية، وبعد المادية الرسمية صعدنا، هو وأنا الدرج إلى غرف المعيشة في البيت الأبيض. وفي أثناء محادثة طويلة وخاصة، صار واضحا أن ميله إلى العمل معي في محادثات السلام كان قد صار من قبل ميلاً متطوراً تطوراً جيداً، ولكنه لم يكن قد قرر بشأن أي خطة جازمة للوصول إلى ما قد يصير غايتنا المشتركة. لقد أخبرني السادات بوضوح أنه كان مستعداً لاتخاذ خطوات جسورة نحو السلام، وتكون كلها مستندة إلى القرارات السائدة في مجلس الأمن في الأمم المتحدة وناقشنا بعض العناصر المحددة المفاوضات مباشرة ممكنة في المستقبل: الحدود الدائمة لإسرائيل، ووضع القدس وحقوق الفلسطينيين، ثم . وهو أمر غير منصور تقريباً أن يحدث في الوقت الحاضر . تجارة حرة وحدود مفتوحة بين الأمتين، زائدا الاعتراف الدبلوماسي الكامل وتبادل السفراء.

وحل مناحيم بيغن مكان إسحق رابين رئيسا للوزراء بعد شهر من ذلك، وقد تعلمت على وجه السرعة كل ما استطعت عن زعيم إسرائيل الجديد. فانتصاره المفاجئ أنهى السيطرة غير المتقطعة التي سيطرها حزب العمل منذ استقلال إسرائيل. لقد وضع بيغن معاً تحالف أكثرية قبل بافتراضه أن الأرض في غزة والضفة الغربية كانت تعود ملكيتها إلى دولة إسرائيل بشكل شرعي ويجب ألا تبادلها إسرائيل في مقابل اتفاقية سلام دائم مع العرب. وكان الرأي العام مختلفاً اختلافاً واسعاً، ولكن لم يكن هناك أدنى شك في العام 1977 في أن موقفاً صقرياً أكثر تشدداً سيطر الآن في حكومة إسرائيل. كنت مهتماً اهتماماً عميقاً ولكنني أرسلت له التهاني الشخصية مع دعوة لزيارتي في واشنطون. وعلى الرغم من أن عوامل عديدة أثرت على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، فإن العمر والاختلافات العرقية فضلت الليكود تفضيلاً قوياً على اصطفاف حزب العمل واليهود والشرقيون وهم المعروفون باسم السيفارديم)، والذين كانت عائلاتهم قد جاءت من الشرق الأوسط وإفريقية، أعطوا أحزاب تحالف الليكود هامشاً سياسياً في العام 1977، وكانوا ميالين إلى دعم سياسة عسكرية أكثر شدة في التعامل مع الأراضي المحتلة. 

وعلى الرغم من أن بيغن ليس من السيفارديم في المولد، فقد كانت فلسفته ونهج تصرفاته جذابة للمقترعين السيفارديم. وكذلك، فإن السيفارديم كانوا على وجه العموم أفتى، وأكثر محافظة، وأقرب إلى قاع السلم الاقتصادي وكانوا يسخطون من المهاجرين اليهود الذين قدموا من أوروبة وأمريكا الذين كانوا أكثر منهم ثراء وتقدماً (المعروفون باسم الأشكينازيم)، والذين كانوا قد قدموا كل زعماء إسرائيل السابقين تقريبا. ولعائلات السيفارديم معدل ولادة أعلى من الأشكينازيم، والآن، بالاشتراك مع العديدين من المهاجرين صاروا قوة سياسية قوية.

وكانت الطبيعة الشخصية لمناحيم بيغن أيضاً عاملاً كبيراً في النصر. فبعد أن عانى هو وأسرته الاضطهاد في أوروبة الشرقية وسيبريا من أجل نشاطه السياسي بوصفه صهيوناً ، أطلق سراحه من سجن سوفيتي وذهب إلى فلسطين في العام 1942، وصار قائداً لجماعة سرية عسكرية تدعى منظمة الأرغون، التي احتضنت أقصى مطالب الصهيونية. وكان من جملة المطالب طرد القوات البريطانية من فلسطين. وقد قاتل بكل سلاح توفر له ضد البريطانيين، الذين وصموه باسم الإرهابي البارز في المنطقة. وهو رجل يتمتع بشجاعة شخصية وإخلاص لغاياته موطد العزم، وكان يفتخر بكونه ""مقاتلاً يهودياً. وقد أدركت أن رئيس وزراء إسرائيل الجديد، الذي كنت سأتعامل معه، سيكون مستعدا للجوء إلى الإجراءات المتطرفة لتحقيق غاياته التي آمن بها. 

وفي إسرائيل، قدم بيغن إجابات واضحة فظة لأسئلة معقدة حول السلام والحرب والدين والفلسطينيين والمالية والاقتصاد. وتوقعت منه أن يمتلك فكرة واضحة عن الوقت الذي قد يتنازل فيه عن شيء وعن الشيء الذي لن يعطيه في المفاوضات مع جيرانه العرب والولايات المتحدة. ومع ذلك، فحين جاء إلى واشنطون المقابلتي، وجدت رئيس الوزراء مستعداً تماماً لمتابعة بعض الغايات الكبيرة التي سبق آن ناقشتها مع السادات. وكان لي أيضاً محادثات محددة مع الملك حسين، ملك الأردن، ومع الرئيس حافظ الأسد، الرئيس السوري، ولكن كان من الواضح أنهما لن يكونا مستعدين للمشاركة في نوع جهود السلام التي سبق أن ناقشتها أنا والسادات وبيغن. 

وكانت الضغوط الاقتصادية والسياسية الموجودة في صفوف زعماء العرب للإبقاء على إدانة جماعية لإسرائيل ضغوطا كاسحة. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية خارج الحدود الدبلوماسية بالنسبة إلي، وكانت ما تزال مصنفة رسميا من الولايات بصفتها منظمة إرهابية. وعلى الرغم من هذا القيد، فقد سعيت من خلال قنوات غير رسمية إلى استمالة ياسر عرفات وإقناعه بقبول القرارات الرئيسية للأمم المتحدة لكي تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية أن تلتحق بالجهود المبذولة من أجل السلام، ولكن عرفات رفض.

أرسلت إلى السادات رسالة مكتوبة بخط اليد أخبره فيها كم كان ""مهماً للغاية وربما حيوياً بالنسبة إلينا أن نعمل معاً، وناقشنا هو وأنا الاحتمالات المختلفة من خلال الهاتف. وفي شهر تشرين الثاني / نوفمبر من العام 1977، قام السادات بمبادرة سلام مؤثرة دراماتيكية من خلال الذهاب مباشرة إلى القدس واستقبل بيغن السادات بلطف واستمع له برزانة واضحة والرئيس المصري يضع في تعابير لا مجال فيها لأي شك أقوى موقف عربي يتضمن انسحاب إسرائيل الفوري من كل الأراضي المحتلة وحق العودة للفلسطينيين إلى بيوتهم السابقة. ووجدت الأمر مثيرا للاهتمام أن السادات قرر ألا يتبع نصيحة مستشاريه بأن يلقي خطابه باللغة الإنجليزية من أجل جمهور المستمعين في العالم، ولكنه قرر أن يلقيه باللغة العربية من أجل منفعة جيرانه العرب إن الرمزية في حضوره قد ألقت بالغموض على خشونة كلماته الفعلية، وهكذا فقد كان رد الفعل في الأمم الغربية محبذا بشكل كاسح ورد الجمهور الإسرائيلي بإثارة وحماسة، وكانت ردود فعل السعوديين والأردنيين، وبعض الزعماء العرب المعتدلين الآخرين ردوداً متسمة بالحذر، ولكن سورية قطعت العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ودعا مسؤولون كبار في دمشق وبغداد، وطرابلس ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى اغتيال السادات.

وجاء رئيس الوزراء بيغن إلى البيت الأبيض لمناقشة مقترحات سلام محددة وكان هناك حركة مفاجئة مضطربة من الاجتماعات بين المصريين والإسرائيليين بلغت ذروتها بعد عيد الميلاد بمدة قصيرة في زيارة رد مقابلة قام بها بيغن إلى مصر. وروى لي السادات أن الجلسة كانت غير مرضية بشكل كامل، وهي نكسة قاتلة على ما يظهر المبادرة السلام التي قام بها، وذلك لأن بيغن كان يصر على أن المستوطنات الإسرائيلية يجب أن تبقى على الأرض المصرية في سيناء، وبدا أن النتيجة الدائمة الوحيدة لتحرك السادات هي النهاية لأي فرصة لعقد مؤتمر سلام دولي يشمل السوفيت. وتشاورت مع أكبر عدد ممكن من الزعماء العرب في رحلة سريعة في العام الجديد إلى المنطقة، ووجدتهم مساندين نوعاً ما للسادات في السر ولكنهم منتقدون له في بياناتهم العلنية، محترمون في ذلك تعهداً بالإجماع مع إخوانهم العرب الآخرين.

وفي أثناء الجزء الأول من العام 1978، أرسل إلى السادات رسالة خاصة بأنه كان ينوي المجيء إلى الولايات المتحدة وأن يدين بيغن علناً بوصفه خائناً لعملية السلام، ودعونا، روزالين وأنا، أنور السادات وزوجته جيهان، إلى كامب ديفيد للقيام بزيارة شخصية، وبعد نهاية أسبوع من المحادثات المكثفة، كان السادات مقتنعاً بإلغاء خطابه الذي خطط له وانضم إلي في البحث عن اتفاقية. 

ومن سوء الطالع، أن علاقاتي العملية مع مناحيم بيغن صارت أصعب مما كانت عليه في شهر مارس / آذار، وذلك حين شنت منظمة التحرير الفلسطينية هجوماً على إسرائيل من قاعدة في جنوب لبنان، وكان قد تم الاستيلاء على سيارة ركاب سياحية لمشاهدة معالم المكان وقتل فيها خمسة وثلاثون إسرائيليا. وقد أدنت أنا هذا العمل الآثم علناً، ولكن تعاطفي توتر بعد ثلاثة أيام حين غزت إسرائيل لبنان واستخدمت القنابل العنقودية الأمريكية الصنع المضادة للأفراد ضد بيروت والمراكز الحضرية الأخرى، وقتلت بذلك مئات من المدنيين وخلفت آلافاً منهم بلا ماوى. وقد نظرت إلى هذه الغزوة الكبيرة بوصفها رد فعل مفرطاً على هجوم منظمة التحرير الفلسطينية، وبوصفها تهديداً خطيراً للسلام في المنطقة، وربما تكون جزءا من خطة لتأسيس وجود إسرائيلي دائم في جنوب لبنان، وكذلك، فإن مثل هذا الاستخدام للأسلحة الأمريكية قد خرق متطلبا قانونيا هو أن التسليح المباع منا يجب أن يستخدم للدفاع الإسرائيلي فقط ضد هجوم على إسرائيل. 

وبعد التشاور مع المساندين الرئيسيين الإسرائيل في مجلس الشيوخ الأمريكي، أعلمت رئيس الوزراء بيغن أنه إذا بقيت القوات الإسرائيلية في لبنان، فسوف يكون علي أن أحيط مجلس الشيوخ علماً، حسب ما يطلبه القانون، بأن الأسلحة الأمريكية كان يجري استعمالها بشكل غير قانوني في لبنان، وهو الأمر الذي سيؤدي تلقائياً إلى قطع كل العون العسكري لإسرائيل، وكذلك، فقد وجهت وزارة الخارجية بأن تعد قراراً من مجلس الأمن في الأمم المتحدة يدين فعل إسرائيل. وانسحبت القوات الإسرائيلية، وجاءت قوات الأمم المتحدة لتحل محلها في جنوب لبنان، وكانت كافية لكبح المزيد من هجمات منظمة التحرير الفلسطينية على المدنيين الإسرائيليين.

كانت جهودنا لتجديد العملية الكلية للسلام جهوداً غير مثمرة في أثناء الربيع والصيف. وكان عملي التالي عملاً من أعمال اليأس تقريباً، قررت أن أدعو بيغن والسادات معا إلى كامب ديفيد لكي يكون باستطاعتنا أن نكون بعيدين عن روتين الواجبات لمدة أيام قليلة ولكي أستطيع في عزلة نسبية، أن أتصرف بصفة وسيط بين وفدي الأمتين. وقد قبلا من دون تأخير، وفي 4 أيلول / سبتمبر بدأنا ما تطور إلى جلسة دامت ثلاثة عشر يوماً ، وضمت زمراً من حوالي خمسين شخصاً في كل طرف. وكان هدفي هو أن أجعل المصريين والإسرائيليين يفهمون ويقبلون توافق الكثير من غاياتهم والميزات المتوفرة لكلتا الأمتين في حل خلافاتهما. وكان علينا أن نعالج مسائل أساسية مثل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وحقوق الفلسطينيين، وأمن إسرائيل ونهاية الحظر التجاري العربي، والحدود المفتوحة بين إسرائيل ومصر، وحقوق السفن الإسرائيلية في المرور في قناة السويس، والقضايا الحساسة المتصلة بالسيادة على القدس والوصول إلى الأماكن المقدسة. وفي مسار العملية، أملت أن أحقق سلاماً دائماً بين البلدين مستنداً إلى الاعتراف الدبلوماسي الكامل كما سيكون مؤكداً في معاهدة سلام ثنائية. 

بيغن والسادات كانا غير متوافقين شخصياً، وقررت أنا بعد مواجهات قليلة غير سارة بأنهما لا يجب أن يحاولا التفاوض أحدهما مع الآخر. وبدلا من ذلك، عملت في أثناء الأيام والليالي العشر الأخيرة أن أعمل مع كل واحد منهما أو مع ممثليهما على انفراد. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة كانت أصعب بالنسبة إلي إذ كان علي أن أذهب من جلسة مفاوضات إلى أخرى . فقد كان هناك ميزات في أنها تجنبت البلاغة الخشنة، والنقاش الشخصي بين الزعيمين وعلى الأقل مع بيغن فإن كل كلمة من الاتفاقية النهائية قد درست بعناية، وصرفنا هو وأنا الكثير من الوقت نتابع مكنزاً لغوياً ومعجماً، وكان لغوياً حريصاً. وأدهشني مرة حين اقترحت حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وأصر هو على حكم ذاتي كامل"" ؟ لقد جاء بيغن إلى كامب ديفيد ينوي مجرد الوصول إلى صياغة بيان مبادئ عريض، وعام لاتفاقية السلام، ويترك إلى مرؤوسيه واجب حل التفاصيل الصعبة. 

لقد كان واضحا في الحال أنه كان مهتما بمناقشة سيناء أكثر من اهتمامه بالضفة الغربية وغزة، وصرف أفضل جزء من طاقته في التفاصيل الدقيقة لكل مقترح، وكان الأعضاء الرئيسيون الآخرون في الفريق الإسرائيلي وهم وزير الخارجية موشيه دايان ووزير الدفاع عزرا وايزمان والنائب العام أهارون باراك قد رغبوا في اتفاقية تكون على أكمل ما يمكن مع المصريين، وكانوا قادرين في أغلب الأحوال على إقناع بيغن بأن اقتراحا معينا كان في مصلحة إسرائيل وسيوافق عليه مواطنوها. 

وأراد السادات اتفاقية سلام شاملة، وكان هو أكثر عضو حاضر مستعد من أعضاء الوفد المصري. وكانت متطلباته العامة هي أن يغادر كل الإسرائيليين سيناء المصرية وأن يكون هناك اتفاق شامل يشمل الأراضي المحتلة، والحقوق الفلسطينية، والتزام إسرائيل بأن تحل أي نزاعات أخرى مع جيرانها بطريقة سلمية. وكان يتوجب على الطرفين أن يتعهدا باحترام قرار الأمم المتحدة رقم 242، وكان السادات عادة يترك تفاصيل المفاوضات لي أو للمفاوض الرئيسي في فريقه المصري أسامة الباز. 

وفي مناسبات عديدة كان السادات أو بيغن مستعداً أن ينهي المناقشات ويعود إلى الوطن، ولكننا في النهاية تفاوضنا على اتفاقات كامب ديفيد (الملحق (3)، ومن جملتها إطار عمل المعاهدة السلام بين الأمتين (الملحق (4) لا بل لقد وافق الزعيمان ومستشاروهما على فقرتي المصوغة صياغة حريصة بشأن أكثر القضايا كلها حساسية، وهي المدينة المقدسة. 

القدس، مدينة السلام هي مدينة مقدسة لليهودية، وللمسيحية، وللإسلام ويجب أن يكون لكل الناس حق الوصول الحر إليها وأن يتمتعوا بالممارسة الحرة للعبادة وبالحق في أن يزوروا وينتقلوا إلى الأماكن المقدسة من دون تمييز أو تفرقة. والأماكن المقدسة لكل دين ستكون تحت إدارة ممثليه وسيطرتهم. وسيقوم مجلس بلدي ممثل لسكان المدينة بالإشراف على الأعمال الأساسية في المدينة من مثل المنافع العامة، والنقل العام والسياحة وسوف يضمن أن يكون باستطاعة كل مجتمع أن يحافظ على مؤسساته الخاصة الثقافية والتعليمية. 

ومع ذلك، ففي آخر دقيقة، وبعد عدة أيام من الاتفاق بالإجماع، فإن السادات وبيغن كليهما قررا أنه قد صار في الاتفاقات من قبل هذه الفقرة، ما يكفي من العناصر الخلافية وطلبا أن تحذف هذه الفقرة من النص النهائي.

ينبغي أن يذكر أن اتفاقات كامب ديفيد، التي وقعها السادات وبيغن وصدق عليها رسميا من كلا الحكومتين، قد عاودت التشديد على التزام محدد باحترام أحكام قراري الأمم المتحدة رقم 242 و 338، اللذين يمنعان الاستيلاء على الأرض بالقوة ويدعوان إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وتصف الاتفاقات ""حكما ذاتياً كاملاً لسكان الأراضي المحتلة، وانسحاب القوات الإسرائيلية العسكرية والمدنية من الضفة الغربية وغزة، والاعتراف بالشعب الفلسطيني بوصفه كياناً سياسياً منفصلاً له حق في أن يقرر مستقبله، وهي خطوة كبيرة نحو دولة فلسطينية. وتحدد الاتفاقات أن الفلسطينيين يجب أن يشاركوا بوصفهم مساوين في مفاوضات أخرى، وأن الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة يجب أن يخضع للتصويت من الممثلين المنتخبين من سكان الضفة الغربية وغزة.

وزيادة على ما تقدم، اعترفت الاتفاقات عموماً بأن الاستمرار في معاملة غير اليهود في الأراضي المحتلة، وكأنهم طبقة أدنى في المجتمع، هي معاملة مناقضة المبادئ الأخلاق والعدالة التي تأسست عليها الديمقراطيات. 

إضافة إلى ذلك، فإن إطار العمل الذي وضع من أجل اتفاقية سلام مصرية إسرائيلية قد وقع، وهو يدعو إلى انسحاب إسرائيل من سيناء مجردة من السلاح وإلى تفكيك المستوطنات الموجودة على أرض مصرية، وإلى علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ومصر، وحدود مفتوحة للتبادل وللتجارة، ويضمن للسفن الإسرائيلية المرور عبر قناة السويس، ويدعو إلى معاهدة سلام دائمة لتوكيد هذه الاتفاقيات. 

وقد أصر السادات دائماً على أن الأسبقية الأولى يجب أن تكون هي الالتزام بقرار الأمم المتحدة رقم 242 وحق تقرير المصير للفلسطينيين، وكان كل واحد مقتنعا (ربما) باستثناء بيغن بأن هذه الحقوق كانت قد حميت في الوثيقة النهائية. وجميعنا ( ومن جملتنا رئيس الوزراء) كنا واثقين أيضاً بأن الشروط النهائية للمعاهدة يمكن الوصول إلى استكمالها في غضون هدف زمني من ثلاثة أشهر. وعرف كل واحد أنه إذا بدأت إسرائيل ببناء مستوطنات جديدة، فإن الوعد بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً كاملاً .. مع صوت مساو أو نهائي في تقرير الوضع النهائي للأراضي المحتلة، سيكون قد خرق. وربما كان أخطر ما حدث من حذف في محادثات كامب ديفيد هو الإخفاق في توضيح وعد بيغن الشفهي توضيحاً كتابياً فيما يخص تجميد الاستيطان في أثناء محادثات السلام التالية. 

كانت إحدى المنافع الشخصية لي من الأيام الطويلة من المفاوضات هي صداقة عمر مع عيزر وايزمان الذي خدم وزيرا للدفاع في إسرائيل فقد وجدت عيزر أكثر من أي عضو آخر في فريق بيغن راغبا في الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة وكان شخصاً كنت أستطيع أن أناقش معه القضايا الحساسة جدا بصراحة وبثقة. وكانت له أيضاً علاقة شخصية جيدة مع المصريين وكان يذهب مراراً إلى مقصورة السادات من أجل إجراء مناقشات خاصة أو لعبة طاولة الزهر. وقد برهنت محادثات السلام هذه على أنها نوع ما من الظهور والتجلي بالنسبة إلى وايزمان، الذي كان عضواً سابقاً من فريق بيغن في منظمة أرغون من المقاتلين الصهاينة، وهو بطل مرموق في حرب الأيام السنة بوصفه مدير الضربات الصباحية المبكرة التي مزقت القوات الجوية العربية، وهو مؤسس لحزب الليكود السياسي المحافظ. لقد كان صقراً"" قائداً طوال حياته ولكنه تحول في أثناء أسابيع المفاوضات إلى داع قوي للمصالحة مع العرب. ؟

احتفالنا باتفاقات كامب ديفيد لم يعش إلا لوقت قصير، نظراً إلى أننا تحملنا أسابيع من المفاوضات المتعبة والمحيطة لتنفيذ التزامنا في استكمال معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر بعد ستة شهور من كامب ديفيد، قررت أن أذهب إلى القاهرة والقدس لأحاول أن أحل القضايا المتبقية، وكنا قادرين على الوصول إلى استكمال الشروط النهائية لاتفاقية محددة. وعلى الرغم من أن معاهدة السلام الحاسمة هذه لم يسبق أن خرقت قط، فإن أحكاماً أخرى مساوية في الأهمية من اتفاقيتنا لم تكن قد التزمت منذ غادرت منصب الرئاسة. فالإسرائيليون لم يمنحوا أي حكم ذاتي ذي قيمة ملحوظة أبدا للفلسطينيين، وبدلا من سحب قواتهم العسكرية والسياسية، شدد الزعماء الإسرائيليون قبضتهم على الأراضي المحتلة. 

وقاوم السادات تنديد رفاقه العرب الذين فرضوا عقوبات دبلوماسية ، واقتصادية وتجارية قاسية ضد مصر وإن كانت في نهاية المطاف غير ناجحة وذلك في محاولة لعزل السادات ومعاقبته وإلى وقت كبير، وبعد أن غادرت المنصب العام بمدة طويلة، لم يكن الأردن ولا منظمة التحرير الفلسطينية راغبين في المشاركة في محادثات السلام اللاحقة مع إسرائيل. وهذا ما أكد مخاوف الإسرائيليين من أن وجود أمتهم سيكون مهددا مرة أخرى حين يستطيع خصومهم أن يراكموا قوة كافية ليشنوا تحدياً عسكرياً. 

وبالنسبة إلى مناحيم بيغن كانت معاهدة السلام مع مصر هي العمل المهم الإسرائيل، في حين أن الوعود الجدية بخصوص الضفة الغربية والفلسطينيين ستخرق مداورة أو عن عمد وبالمعاهدة الثنائية أزاحت إسرائيل قوة مصر الكبيرة من المعادلة العسكرية في الشرق الأوسط، وهكذا سمحت لنفسها بحرية متجددة في متابعة غايات أقلية من مواطنيها شديدة الحماسة والالتزام بمصادرة الأراضي المحتلة واستيطانها وتحصينها. وتسبب نشاط الاستيطان الإسرائيلي حتى الآن في قلق كبير، وفي العام 1980، صدر بالإجماع قرار الأمم المتحدة رقم 465 (الملحق 5), وهو يدعو إسرائيل إلى أن تفكك مستوطناتها الموجودة في الأراضي العربية المحتلة منذ العام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية. 

ونحن كلنا نعرف أن إسرائيل يجب أن تحظى بسلام شامل ودائم، وأن هذا الحلم كان يمكن أن يكون قد تحقق لو أن إسرائيل قد التزمت باتفاقات كامب ديفيد وأحجمت عن استعمار الضفة الغربية، مع قبول العرب بإسرائيل داخل حدودها القانونية.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة