اتفاقية أوسلو
لقد كان في أثناء هذه الفترة من الشعور الودي النسبي تحت قيادة رابين، ومن دون اشتراك أمريكا، أن قام وزير خارجية الترويج يوهان هولست، والأستاذ تيري لارسون، وزوجتاهما بتنسيق محادثات سلام سرية لدرجة عالية بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان وزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز ووكيل وزارة الخارجية يوسي بيلين قد عقدا سلسلة من عشرات الجلسات ومعظمها في أوسلو، مع فريق ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، الذي رأسه محمود عباس أبو مازن) وأحمد قريع (أبو علاء). وفي أثناء الشهور الأولى من العام 1993، أبقائي كل من بيريز وعرفات على اطلاع على هذه الجهود.
كنت في القسم الشمالي من اليمن في شهر آب / أغسطس من العام 1993 حين تلقيت طلبا مستعجلا من عرفات لمقابلته في صنعاء وعدت إلى المدينة العاصمة بالطائرة العمودية ووجدت زعيم منظمة التحرير الفلسطينية بحالة لا يتمالك فيها نفسه من التأثر تقريبا. وأخبرني أن محادثات السلام كانت ناجحة وأن الإسرائيليين كانوا يطيرون إلى الولايات المتحدة الإعلام إدارة كلينتون حول الإنجاز. وفوق كل شيء آخر، أكد عرفات الحكم الموجود في الاتفاقية الذي كان يدعو إلى تشكيل سلطة وطنية فلسطينية مع انتخاب رئيس وأعضاء المجلس الوطني.
بعد بضعة أسابيع، دعينا روزالين وأنا إلى حفل توقيع في البيت الأبيض. حيث رأس الرئيس كلينتون الاجتماع وكان رئيس الوزراء رابين والرئيس عرفات يعتزمان الإدلاء بتصريح علني عام عن السلام. وقد أوصلني الدليل إلى مقعد بارز بين المراقبين إلى جانب المسؤولين العامين الآخرين، وكانت زوجتي خلفي بصف أو صفين. وقد دهشت وأحسست بالحرج الرؤية الترويجيين هولست ولارسون، بعيدين في الخلف بين الجمهور والملاحظة أن دورهما الأساسي في جهود السلام لم يذكر.
وباختصار، كفلت اتفاقية أوسلو انسحاباً على مراحل للقوات العسكرية الإسرائيلية من الضفة الغربية، وتأسيس سلطة حاكمة فلسطينية من مسؤولين يتعين أن يكونوا منتخبين، وفترة فاصلة من خمس سنوات سيتم التفاوض في أثنائها على أصعب القضايا وأكثرها تحديداً. وعلى الرغم من أن رابين، وبيريز، وعرفات جميعهم تسلموا جائزة نوبل للسلام في مقابل إنجازهم التاريخي، فقد كانت هناك معارضة شديدة من عناصر راديكالية في كلا الجانبين.
وفي شهر أيلول / سبتمبر من العام 1993، أرسل الرئيس عرفات رسالة، هي جزء من الاتفاقية، إلى رئيس الوزراء رابين أكد فيها عرفات تأكيداً واضحاً لا لبس فيه أن منظمة التحرير الفلسطينية اعترفت بحق إسرائيل بالوجود في سلام وأمن، وقبلت قراري مجلس الأمن في الأمم المتحدة اللذين يحملان الرقم 242 والرقم 338 ، والزمت نفسها بحل سلمي للنزاع، ونبذت استخدام الإرهاب والأعمال الأخرى من العنف. وأكدت أن تلك المواد من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية التي تنكر حق إسرائيل في الوجود لم تبق صحيحة بعد ذلك، ووعدت بأن تقدم هذه الالتزامات إلى المجلس الوطني الفلسطيني من أجل التغييرات الرسمية للميثاق.
وعلى الرغم من أن إسرائيل اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الوحيد للفلسطينيين في مفاوضات السلام ووعدت بخمس سنوات أخرى من التقدم الإضافية، فإن عرفات فشل في الحصول على تنازلات محددة أخرى تخص جدولا زمنيا لانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وفي الواقع، فإن ما حصل عليه من اتفاقية أوسلو كان ضمان تنظيم شكل من الحكومة الفلسطينية والبقاء في السلطة كي يستطيع إدارة القضايا الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. لقد أراد الإسرائيليون أكثر بكثير وحققوا ذلك.
يجب أن يذكر أن وضع الإسرائيليين في الضفة الغربية وغزة كان تغير تغيراً مؤثراً (دراماتيكياً) في العام 1987 مع الانتفاضة الأولى. فقبل ذلك، كان اليهود الإسرائيليون في الضفة الغربية قد امتلكوا الحرية الكاملة تقريباً للحركة الآمنة واحتاجوا إلى الحد الأدنى من الحماية العسكرية حوالي 10.000 جندي في كل الأراضي المحتلة والإدارة المنسجمة نسبياً للشؤون المحلية على أيدي الوجهاء الفلسطينيين المحترمين كانت قد استبدل بها من قبل في العام 1981، على يد أربيل شارون، بعض روابط القرى وكانت مشكلة في الغالب من فلسطينيين منبوذين كانوا مستعدين ليكونوا مستأجرين من اليهود. وساد الانشقاق والخطر. ومع مجيء العام 1988، لم يكن أي إسرائيلي يستطيع أن يسافر في المنطقة من دون أدلاء فلسطينيين وبعض الضمان المسبق للمرور الآمن، وكان 180.000 جندي إسرائيلي قد نشروا لحماية المستوطنين وصون السلام ومع اتفاقية أوسلو، كانت خطة إسرائيل هي أن عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية سيتولى المسؤولية عن الإدارة المحلية، وهو حر في استلام وتوزيع أو ربما استبقاء قسم من الدعم المالي الدولي الذي سيكون متوافراً للفلسطينيين.
وبعد أوسلو، أكد رئيس الوزراء رابين أن الاتفاقية التي تم تكريمه من أجلها قد تجنيت القيود الشديدة التي قبلها مناحيم بيغن في كامب ديفيد :
نحن أنفسنا حصلنا على هذا التنازل من الفلسطينيين - من أولئك الذين يجب على المرء أن يعقد معهم مثل هذه الصفقات من دون أي وعود أمريكية مثلما هو في اتفاقيات كامب ديفيد. والمستوطنات اليهودية سوف توضع تحت النظام القضائي الإسرائيلي الحصري، ومجلس الحكم الذاتي الفلسطيني لن يكون له أي سلطة على المستوطنات وسوف يعاد نشر قوات الجيش الإسرائيلي في مواقع تتقرر منا نحن فقط بخلاف اتفاقات كامب ديفيد التي تطلبت انسحابا من قوات الجيش الإسرائيلي في الاتفاقية التي توصلنا إليها لم توافق على استخدام صيغة انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي إلا حين كانت تنطبق على قطاع غزة. وفي الانطباق على كل الأماكن الأخرى فإن اللفظة الوحيدة المستخدمة هي إعادة الانتشار .... أنا أفضل أن يكون الفلسطينيون قادرين على تدبير مشكلة فرض النظام في غزة سيكون الفلسطينيون أفضل منا في ذلك لأنهم لن يسمحوا برفع استئنافات إلى المحكمة العليا، وسيمنعون رابطة حقوق الإنسان الإسرائيلية من نقد الظروف هناك عن طريق حرمانها من الوصول إلى المنطقة، وسيحكم الفلسطينيون هناك بأساليبهم الخاصة، ويحررون جنود الجيش الإسرائيلي وهذا هو الأهم من التزامهم بأن يفعلوا ما سيفعلونه هم.
وأعطت اتفاقية أوسلو لإسرائيل ميزة رئيسية وهي التخلص من المسؤولية عن الظروف المعيشية وعن رعاية سكان الأراضي الذين يتزايدون زيادة سريعة، وهم ما زالوا مع ذلك تحت السيطرة الكاملة للقوات الإسرائيلية.
وفي الحال استكمل رئيس الوزراء رابين اتفاقية سلام مع الأردن وأعلن استعداده للتفاوض مع السوريين، واستكمل هو وعرفات اتفاقية في شهر أيار / مايو من العام 1994 وهي التي تنطبق على قطاع غزة وعلى أريحا ومحيطها. وعالجت أربع قضايا رئيسية الترتيبات الأمنية والشؤون المدنية والمسائل القانونية، والعلاقات الاقتصادية، وتعهدت بانسحاب القوات العسكرية الإسرائيلية من عدد من المجتمعات الفلسطينية، ومن جملتها غزة، وأريحا، وتحويل بعض السلطة المدنية من الإدارة المدنية الإسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية، وكان هناك أيضاً التزام بالانتخابات لتشكيل هيكل حكومي للفلسطينيين وأصيب الأمل في المزيد من الخطوات نحو السلام بعد اتفاقية أوسلو بضرر بالغ الشدة باغتيال رابين في شهر تشرين الثاني / نوفمبر من العام 1995 على يد متعصب ديني إسرائيلي من الجناح اليميني، الذي صرح أن غايته كانت إعاقة سير عملية السلام.
كان ما زال هناك بعض حسن النية المتبقية من أوسلو بعد شهرين، مثلما أشير إليه في هذا الاقتباس من مذكرات الرئيس كلينتون، حياتي:
جاء شيمون بيريز لرؤيتي لأول مرة بوصفه رئيس وزراء، ليؤكد ثانية نية إسرائيل أن تسلم غزة وأريحا، ومدناً كبيرة أخرى و 450 قرية من الضفة الغربية إلى الفلسطينيين بحلول عيد الميلاد وإطلاق سراح ألف 1000 آخرين على الأقل من السجناء الفلسطينيين قبل الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
الفصل التالي الفصل السابق