القائمة الرئيسية

أجزاء الكتاب

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (4-17)

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (4-17)
ملخص الكتاب

اللاعبون الرئيسون 

 

الفلسطينيون : 

من الضروري لفهم الظروف الحاضرة في الشرق الأوسط أن نلقي نظرة أقرب إلى الفلسطينيين والإسرائيليين. وتستطيع أن تبدأ بوصف وجيز عام للفلسطينيين الذين يجب أن يكون وضعهم المستقبلي هو نقطة التركيز من أجل التقدم نحو السلام. 

ما فلسطين؟ ومن هم الفلسطينيون؟ إن حدود هذه المنطقة المثيرة للنزاع، والتي تسمى أيضاً أرض كنعان أو الأرض المقدسة، لم يسبق لها أبداً أن حددت تحديداً حصريا. واسم فلسطين اسم قديم، اشتق من اسم الفلسطينيين الذين عاشوا على طول شاطئ البحر الأبيض المتوسط وكانوا يعرفون أيضا باسم شعب البحر. والكتاب المقدس لا يصور هؤلاء الناس بصورة جذابة جداً، لأنهم لم يكونوا يعبدون الله ولأنهم تنافسوا مع مؤلفي الكتاب المقدس وأبطاله في سبيل السيطرة على أجزاء من أرض كنعان كانوا مقاتلين مرعبين وهم من بعض أقدم المستعملين للأسلحة الحديدية، وكانوا عادة قادرين على الانتصار على أعدائهم ومن جملتهم النبي داوود القوي نفسه. وبعد أن سحق الفاتحون الرومان الثورة اليهودية الثانية في العام 135 بعد الميلاد، انطلقوا في محو الحضور التاريخي اليهودي في الأرض فغيروا اسم جيرو سالم (القدس) إلى إليا كابيتولينا؟، وصارت اليهودية مقاطعة سوريا بلستينا، ولاحقاً صارت بلستينا فقط... وحين صارت المسيحية هي دين الإمبراطورية الرومانية، أعيد إحياء اسم جيروسالم واسم بلستينا، بعد أن ترجم إلى اللغة العربية باسم فلسطين، بقي حياً بعد الفتح العربي في القرن السابع، وساد هذا الاسم على رغم أن حدود المنطقة تذبذبت خلال القرون. 

وحكم فلسطين سلسلة متتابعة من الأتراك، والأكراد، والصليبيين الأوروبيين إلى أن أدمجها العثمانيون الأتراك في إمبراطوريتهم في العام 1516. وفي الحرب العالمية الأولى، كان العثمانيون الأتراك في الجانب الخاسر، وتولت فرنسا وبريطانيا العظمى مبدئياً السلطة على الأجزاء المختلفة من الشرق الأوسط، وخصت عصبة الأمم بريطانيا العظمى بالإشراف على الانتداب على فلسطين، وهي التي تعرفها الآن باسم أراضي إسرائيل والضفة الغربية وغزة، والأردن وبعد أن تم فصل الأردن عن الانتداب في العام 1922 ، صارت الأرض المتبقية الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط معروفة باسم فلسطين. 

وعلى الرغم من أن المسيحيين والمسلمين العرب كانوا قد استمروا في العيش في هذه الأرض نفسها منذ الأزمنة الرومانية، فلم يكن لديهم التزام حقيقي لتأسيس أمة منفصلة مستقلة. وكان اهتمامهم بالأسرة وبالقبيلة، وبالنسبة إلى المسلمين، كان اهتمامهم بالعالم الأوسع للإسلام أما الأفكار القوية عن الأمة القومية فلم تبدأ تأخذ شكلاً في صفوف العرب إلا حين رأوا فقط أعداداً متزايدة من الصهاينة تهاجر إلى فلسطين، وتشتري قطعاً من الأرض لإقامة البيوت الدائمة وغايتهم تأسيس أمتهم الخاصة بهم. 

وفي العام 1947 وافقت الأمم المتحدة على خطة تقسيم فلسطين. وكان يجب أن تضم الدولة اليهودية 55 بالمائة من هذه الأرض (الخريطة (2) وأن تكون القدس وبيت لحم دوليتين بوصفهما مكانين مقدسين، وكان يجب أن تشكل بقية الأرض دولة عربية ووافقت الوكالة اليهودية (وهي مجموعة رسمية مثلت المجتمع اليهودي في فلسطين أمام الانتداب البريطاني ووافق ممثلون آخرون صهاينة على الخطة ولكن الزعماء العرب كانوا ، بالإجماع تقريبا، معارضين، وحين أعلن اليهود استقلالهم بصفتهم أمة، هاجمهم العرب عسكريا ولكن العرب هزموا وصارت خطوط تحديد هدنة العام 1949 هي حدود أمة إسرائيل الجديدة وكانت مقبولة من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، ومعترفاً بها من الأمم المتحدة اعترافاً رسمياً. 

لقد أخذت إسرائيل 77 بالمائة من الأرض المتنازع عليها، وترك الفلسطينيون في منطقتين صغيرتين منفصلتين عرفتا باسم الضفة الغربية الحقتها الأردن بها) وغزة وأديرت من قبل مصر). واليهود الذين عاشوا داخل أمتهم الجديدة اتخذوا لهم اسم الإسرائيليين، في حين فضل المسيحيون والمسلمون العرب في الأرض المقدسة خارج إسرائيل أن يعرفوا باسم الفلسطينيين. وأوسع تعريف خاص بالفلسطينيين يشمل:

""كل أولئك الذين كانوا مقيمين على الأرض الفلسطينية قبل 14 أيار / مايو من العام 1948 ونسلهم لحين صارت إسرائيل دولة"". 

حين قامت بريطانيا بعمل إحصاء في فلسطين في العام 1922، كان هناك ما يقارب 84.000 يهودي و 670.000 عربي، كان منهم 71.000 مسيحي، ومع حلول الوقت الذي قسمت فيه الأمم المتحدة المساحة، كانت هذه الأعداد قد تزايدت إلى ما يقارب 600.000 يهودي و 1.3 مليون من العرب، كان منهم 10 بالمائة من المسيحيين. وفي أثناء حرب العام 1948 وبعدها ، فإن ما يصل إلى حوالي 420 قرية فلسطينية في الأرض التي صارت دولة إسرائيل، تم تدميرها وإن ما يصل إلى حوالي 700.000 مقيم فلسطيني هربوا أو طردوا. 

واستمر الفلسطينيون وزعماء عرب أفراد في اعتراضاتهم العنيفة على التعديات الإسرائيلية المتزايدة على ما اعتبروه أراضيهم وحقوقهم. ومع ذلك، فإن أول اجتماع قمة للزعماء العرب لم ينعقد في مطلع العام 1964 ، ولم تتشكل منظمة التحرير الفلسطينية رسميا، إلا بعد أن أعلنت إسرائيل خططها لتحويل المياه عن بحر الجليل بحيرة طبرية) ونهر الأردن لري إسرائيل الغربية وصحراء النقب. وقدرت الأمم المتحدة أنه بحلول هذا الوقت كان هناك 1.3 مليون وثلاثة أعشار من المليون من اللاجئين الفلسطينيين، مع وجود ربعهم في الأردن، وحوالي 150.000 في كل من لبنان وسورية، ومعظم الفلسطينيين الآخرين كانوا في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة. 

وفي شهر أيار / مايو من العام 1967، وبعد صدامات عسكرية بين سورية وإسرائيل، أغلقت مصر مضائق تيران وأمرت بإزالة قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المرابطة على طول حدود إسرائيل ومصر. ووضعت دول عربية أخرى قواتها في حالة إنذار وفي 5 حزيران / يونيو من العام 1967، شنت إسرائيل ضربات استباقية، متحركة أولاً ضد مصر وسورية، ثم ضد الأردن. وفي غضون ستة أيام كانت القوات العسكرية الإسرائيلية قد احتلت مرتفعات الجولان، وغزة، وسيناء والقدس والضفة الغربية. 

ونتيجة لذلك النزاع فإن 320.000 عربي آخرين أجبروا على مغادرة المساحات الإضافية من سورية، ومصر والأردن وفلسطين التي احتلتها إسرائيل. وتم تبني عدد من قرارات الأمم المتحدة ( مع مساندة الولايات المتحدة وموافقة إسرائيل)، التي تعيد تأكيد عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وتدعو إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وتحض على وجوب إعادة اللاجئين، وهم أكثر حاجة واستحقاقا، إلى بيوتهم السابقة؟. 

بعد حرب العام 1967 ، أقر معظم الزعماء العرب بالوضع المتقدم المنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها تمثل الفلسطينيين وتشكلت شبه حكومة للتعامل مع مسائل مثل الرعاية، والتعليم، والإعلام، والصحة، والأمن وفي العام 1969 وجدت منظمة التحرير الفلسطينية زعيماً قوياً في ياسر عرفات، وهو فلسطيني جيد التعليم كان رئيساً لفتح، وهي منظمة حرب عصابات. وبصفة عرفات رئيسا للمنظمة، فقد وجه الكثير من اهتمامه إلى جمع الأموال من أجل العناية باللاجئين ودعمهم والحفز على تقديم إسهامات في كل العالم لقضيتهم. وفي الوقت نفسه، كانت منظمة التحرير الفلسطينية قادرة على تأسيس بعثات دبلوماسية في أكثر من مائة من البلدان واستخدمت وضعها بصفة مراقب في الأمم المتحدة لتصير واحدا من أقوى الأصوات في المجالس الدولية. ولكن هجمات منظمة التحرير الفلسطينية المتواصلة على الإسرائيليين استمرت في داخل الأراضي المحتلة ومن الدول العربية المجاورة معاً. 

وكان الرحيل التالي للفلسطينيين من الأردن في العام 1970، وهو نتيجة حرب أهلية بين قوة قوية من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية الذين كانوا قد استقروا في الأردن وبين القوات النظامية للملك حسين. وحين سيطرت قوات الملك، تحرك فيضان جديد من اللاجئين من الأردن إلى لبنان، الذي كان للفلسطينيين وبلدا مضيفاً ليس قوياً قوة كافية للفظهم، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قادرة على أن تشكل فيه منظمة حكومية لا بل قوة عسكرية مستقلة، وفي الكثير من لبنان، كما كانت الحال في الأردن، صارت منظمة التحرير الفلسطينية في الحال قوية قوة كافية لتتحدى سيادة الحكومة المضيفة نفسها، وشنت قوات منظمة التحرير الفلسطينية هجمات متكررة عبر الحدود ضد إسرائيل. 

غارات حرب العصابات هذه جلبت رداً ثارياً إسرائيلياً سريعاً، وقع معظمه على المدنيين اللبنانيين الذين سخطوا سخطاً متزايداً على ضيوفهم المزعجين، وصار البلد متورطاً في نزاع مدني، وتحركت قوات سورية إلى داخل لبنان لتستعيد النظام في شهر حزيران / يونيو من العام 1976 وهو العام الذي انتخبت فيه رئيساً)، وتصوغ اتفاقية لتحديد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في مواقع معينة لتحديد هجمات حرب العصابات من جنوب لبنان إلى داخل إسرائيل.

لقد وجدت فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يركزون على مشكلاتهم الشخصية تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هناك تنوعا من الاهتمامات في صفوف الزعماء الفلسطينيين في البلدان الأخرى، وكانت مواقفهم والتزاماتهم قد تشكلت نتيجة لأحداث سابقة تؤثر على حياتهم الخاصة، وقلة منهم لها في هذه الأيام أي اتصال مباشر مع اليهود أو العرب من الذين مازالوا يعيشون في فلسطين. لقد طردوا في العام 1948 وفي العام 1967 مما مازالوا يعتبرونها بيوتهم، وكثيرون ممن قابلتهم ادعوا الحق باستخدام أي وسائل تحت تصرفهم، ومن جملتها الكفاح المسلح، لاستعادة حقوقهم الضائعة. 

حين قابلت ياسر عرفات في العام 1990 ، صرح: ""إن منظمة التحرير الفلسطينية لم يسبق لها أبدا أن دعت إلى إفناء إسرائيل الصهاينة هم الذين بدؤوا شعار ""رمي اليهود إلى البحر وتسبوه إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وفي العام 1969 قلنا نحن نريد أن نؤسس دولة ديمقراطية يستطيع اليهود والمسيحيون، والمسلمون كلهم أن يعيشوا فيها معا. وقال الصهاينة إنهم لا يختارون أن يعيشوا مع أي شعب غير اليهود..... وقلنا نحن للصهاينة اليهود، طيب، إذا كنتم لا تريدون دولة علمانية ديمقراطية لنا جميعنا، فنحن إذا ، سوف نسلك طريقاً آخر. وفي العام 1974 قلت أنا : نحن جاهزون لتأسيس دولتنا المستقلة في أي جزء ستنسحب منه إسرائيل. وكما هو الحال مع الإسرائيليين هناك العديد من الاختلافات بين الأصوات الصادرة من منظمة التحرير الفلسطينية، ويفسر المستمعون الكلمات لتناسب غاياتهم الخاصة. 

وحين سألت عرفات عن أغراض منظمة التحرير الفلسطينية، بدا متفاجئاً نوعاً ما من أنني كنت محتاجاً إلى أن أسأل مثل هذا السؤال، وأعطاني كراسة نصت على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي حركة الشعب الفلسطيني للتحرر الوطني. وهي التعبير المؤسسي عن الوطنية الفلسطينية.... ومنظمة التحرير الفلسطينية هي بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني ما كانت عليه حركات التحرير الوطني الأخرى للأمم الأخرى إنها وسيلتهم إلى إعادة التوكيد والتشديد على هوية وطنية حرموا منها، ولاستعادة تاريخ مطموس، ولحماية التراث الشعبي، ولإعادة بناء المؤسسات المدمرة، ولصون الوحدة الوطنية المهددة من التشتت المادي، وللكفاح من أجل أرض الوطن المغتصب والحقوق الوطنية التي جحدت وباختصار إن منظمة التحرير الوطنية هي مسعى الشعب الفلسطيني لبعث وجودهم الوطني"". ومن المثير للاهتمام كم مرة تظهر كلمة ""وطني"" في هذا النص القصير. 

ومنظمة التحرير الفلسطينية منظمة مظلة ترتبط ارتباطاً فضفاضاً وترتبط معاً بهدف مشترك، ولكنها تضم مجموعات عديدة ترغب باستخدام وسائل متنوعة للوصول إلى غاياتها. وقد اعترفت كل الحكومات العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية رسمياً بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، في كل من الوطن في فلسطين وفي الشتات في الأمم الأخرى. وتلعب المنظمة دوراً قوياً في الأمم المتحدة وتعتبر العديد من قرارات الأمم المتحدة الصادرة في مساندة الفلسطينيين على أنها دليل على فعالية الفلسطينيين وعلى الحق في قضيتهم؟ 

ويبدو أن مكانة الفلسطينيين السياسية وتأثيرهم يتزايدان بنسبة تتناسب عكسياً مع هزائمهم العسكرية. فبعد فقدان المنظمة لجهودها في استخدام الأردن قاعدة للعمليات ضد إسرائيل في العامين 1970 71، رجعت بوصفها القائد الحصري للشعب الفلسطيني، مع قاعدة قوية للعمليات في لبنان وبعد أن أبعدت كامب ديفيد ومعاهدة السلام الإسرائيلية المصرية مصر بوصفها مسانداً كبيراً، بدت منظمة التحرير الفلسطينية وهي تكتسب حياة جديدة حين جدد العرب الآخرون الغاضبون التزامهم بالقضية.

الإسرائيليون : 

يجب على المرء أن يدرس خبرة الماضي اليهودية. فاليهود قد عانوا طوال قرون ألم الشتات والاضطهاد المستمر في كل أمة تقريباً أقاموا فيها. وعلى الرغم من انجازاتهم الملحوظة في كل نواحي المجتمع، فإن كثيرين من اليهود قتلوا وكثيرين آخرين طردوا من مكان إلى مكان على أيدي الحكام المسيحيين وعلى الرغم من أن كلا من اليهود والنصارى لم يمنحوا الحقوق ذاتها مثل المسلمين، فإنهم تقدموا في الغالب على نحو أفضل من تقدم غير المسيحيين في العالم المسيحي، وذلك لأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه بالاعتراف بالأصول المشتركة لإيمانهم من خلال إبراهيم (عليه السلام)، وباحترام أنبيائهم، وبحماية مؤمنيهم. وكان الزعماء المسلمون يفضلون اليهود على النصارى لأنهم رأوا اليهود أقل تنافساً في توسيع تأثيرهم السياسي والديني. وقد طرح الرئيس أنور السادات هذه النقاط مرارا في أثناء قيامه بالتفاوض مع رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن ومعي في كامب ديفيد. 

وصارت القومية قوة قوية في أوروبة في القرن التاسع عشر، وأثرت على اليهود الذين كانوا يعيشون هناك لينشئوا الحركة الصهيونية. وفي أوروبة الغربية تعرضت الهوية الفريدة للسكان اليهود للتهديد عن طريق استيعابهم في المسيحية وفي المجتمع العلماني. ولكن ثلاثة أرباع اليهود تقريباً كانوا يعيشون في أوروبة الشرقية، حيث استمر الاضطهاد، وأوروبة الشرقية هي المكان الذي تغذت فيه بذور الصهيونية. وعلى الرغم من أن أكثرية من المهاجرين اليهود ذهبت إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فإن طلبات متزايدة كانت تسمع من أجل إنشاء دولة يهودية - وذلك لأمرين للهرب من القمع وللوفاء بتفسير نبوءات تخص الكتاب المقدس. 

وعلى الرغم من أن البيانات الدقيقة ليست متوفرة، يقدر أنه في العام 1880 لم يكن هناك إلا 30.000 يهودي فقط في فلسطين مبعثرين بين 600.000 مسلم ومسيحي من العرب. ومع حلول العام 1930 نمت أعداد اليهود إلى أكثر من 150.000 نسمة. 

وحارب العرب في فلسطين حرباً سياسية وعسكرية ضد هؤلاء المستوطنين الجدد، ولكنهم لم يستطيعوا الاتفاق إلا على القليل غير ذلك. وبددوا قوتهم وتأثيرهم في النزاع بين أنفسهم. وحاول البريطانيون الذين خلفوا العثمانيين الأتراك بعد الحرب العالمية الأولى بصفتهم حكاماً لفلسطين، أن يحتووا النزاعات الدموية عن طريق تحديد هجرة اليهود إلى الأرض المقدسة، وذلك على الرغم من النداءات اليائسة من أولئك الذين كانوا يواجهون تهديدات متزايدة وسوء معاملة عرقية. ثم جاء بعدئذ وعي العالم برعب المحرفة، وبالحاجة إلى الاعتراف بالحركة الصهيونية وبدولة إسرائيلية. 

وكان هناك المزيد من موجات الهجرة اليهودية وغير اليهودية إلى فلسطين وكما أوضحت البيانات الرسمية البريطانية زاد السكان العرب من 760.000 نسمة في العام 1931 إلى 1.237.000 نسمة في العام 1945، ومعظمهم جذبته الفرصة الاقتصادية، في حين زاد عدد اليهود في الفترة نفسها إلى 608.000 نسمة، وذلك بشكل رئيسي بسبب الاضطهاد في أوروبة. 

انسحبت القوات البريطانية في شهر أيار / مايو من العام 1948، وأعلنت إسرائيل نفسها دولة مستقلة، واعترف بها فوراً تقريباً الرئيس هاري ترومان نيابة عن الولايات المتحدة. وعند تلك النقطة انضمت قوات عربية من مصر ولبنان وسورية وشرقي الأردن والعراق إلى الفلسطينيين في مهاجمة إسرائيل، ولكن قوات العرب الوطنية المنفصلة لم تكن منسقة تنسيقاً جيداً وكان هناك بعض الشكوك حول أهدافهم المحددة. وكان الإسرائيليون على النقيض من ذلك، متماسكين ومسلحين تسليحاً أفضل، وتحت قيادة أكفا ، ومحفزين تحفيزاً عالياً نظراً إلى أنهم كانوا يقاتلون عن حياتهم وعن أمتهم الجديدة وانتهت الحرب في العام 1949 باتفاقيات هدنة موقعة بين إسرائيل والبلدان المحاذية لها، مستندة إلى قبول إسرائيل لفلسطين مقسمة (77) بالمائة إسرائيلي، و 23 بالمائة عربي وافتراض أن الأردن سوف يسيطر على ما يعرف الآن باسم القدس الشرقية والضفة الغربية، ولم يعط أي اهتمام جدي من الزعماء العرب أو من المجتمع الدولي لتأسيس دولة فلسطينية منفصلة في الوقت الذي كان وطن هذا الشعب القديم يقسم بين الأردن وإسرائيل ومصر. 

وتسببت حالة الحرب المستمرة بين إسرائيل وجيرانها في هرب الكثيرين من اليهود من سورية والعراق، ومن البلدان العربية الأخرى في الوقت الذي تفرق الفلسطينيون تفرقاً أكثر اتساعاً. ومن جميع الجهات، قام الفلسطينيون وقوات من البلدان المضيفة لهم أحيانا بشن هجمات متفرقة ولكنها متواصلة على الإسرائيليين، الذين ردوا بغارات ثارية والحرب الكبيرة المحددة كانت هي التي وقعت في العام 1967. فقد انتصرت إسرائيل بعد ستة أيام فقط من القتال واحتلت أراضي من مصر وسورية وأجزاء من فلسطين كانت تسيطر عليها الأردن. 

وبحكم الضرورة، حافظت إسرائيل على قوة عسكرية هي واحدة من أقوى القوى العسكرية في العالم ونجحت في السيطرة على خصومها، ولكن ما من حرب من الحروب العديدة قد حل أي واحد من الأسباب الأساسية للنزاع. ووفقاً للأرقام الإسرائيلية الرسمية فإن حوالي 22.000 إسرائيلي قد ماتوا في المواجهات العسكرية منذ أن تأسست الأمة. وفي أثناء معظم الاشتباكات، كان عدد الإصابات العربية أكثر بثلاثة أضعاف أو بأربعة أضعاف من الإصابات الإسرائيلية. وإضافة إلى ذلك، فإن أعداداً كبيرة من المسيحيين والمسلمين العرب إما أنهم قد طردوا إلى المنفى أو أنهم وضعوا تحت الحكم العسكري في كل مرة احتلت فيها إسرائيل المزيد من الأرض العربية واحتفظت بها. وهذا ما قوى شدة الخوف والبغضاء، والاغتراب في الجانبين معاً، وجعل المصالحة النهائية أعسر وهي المصالحة التي يجب أن تأتي قبل أن يستطيع السلام، والعدالة، والأمن أن يسود في المنطقة. 

حين أقوم أنا بالسفر في الشرق الأوسط، فإن الانطباع الواحد المستمر هو الاختلاف في المشاركة الشعبية في تشكيل السياسات الوطنية. فمن غير المثمر تقريبا أن تنشد التعابير الحرة عن الرأي من المواطنين الأحاد في البلدان العربية التي تخضع لقيادة أكثر توكيداً للسلطة الفردية، ولا في صفوف قادة رجال الأعمال والصحفيين والعلماء في الجامعات في صفوف الإسرائيليين فقط، في ديمقراطية تتمتع بحرية على التعبير غير مقيدة تقريباً، يستطيع المرء أن يسمع سلسلة واسعة من الآراء المتصلة بالنزاعات بينهم هم أنفسهم ومع الفلسطينيين، ومع العرب الآخرين وفي الغالب مع الرؤساء السابقين والضيوف المتميزين الآخرين. 

حين قمت بزيارة رئاسية إلى إسرائيل في شهر آذار / مارس من العام 1979 ، دعيت إلى مخاطبة الكنيست (البرلمان). وقد صدمت من درجة الحرية المسموح بها لأعضاء البرلمان في محاوراتهم الساخنة. وعلى الرغم من أني كنت قادراً على الانتهاء من ملاحظاتي مع مقاطعات قليلة فقط، فقد كان من المستحيل تقريباً لرئيس الوزراء بيغن أو للآخرين أن يتحدثوا وبدلاً من أن يكون بيغن محرجاً من المقاطعات المستمرة والتي وصلت إلى حد الإبعاد الفعلي لعضو مسيء على نحو خاص من الحجرة، فإن بيغن بدا مستمتعاً بالقتال اللفظي وعبر عن اعتزازه بالمناقشات غير المقيدة. وفي أثناء محاورة ساخنة اتسمت بالقدح، مال إلى نحوي وقال لي باعتزاز هذه هي الديمقراطية وهي في القتال"". 

وباستثناء الرقابة العسكرية المفرطة أحياناً، فإن حرية التعبير هذه تسود في الأخبار في وسائل الإعلام، وفي المناقشات الخاصة في إسرائيل توجد رغبة ملحوظة في استكشاف كل مظهر من الحياة السياسية المحلية والدولية. وفي صفوف بعض العرب الإسرائيليين فقط يوجد تردد واضح في التحدث بحرية. 

وعلى الرغم من وجود اختلافات مهمة بين الزعماء السياسيين المعارضين في الحوارات الإسرائيلية، فإن الاختلافات تتناقص في الأهمية حين تكون مسائل أمن إسرائيل موضع الاهتمام. وحينئذ يتوحد السكان معاً. إن الدين العام، والتاريخ المشترك، وذكريات المعاناة الرهيبة تضمهم معاً في قوة وتماسك ليس لها مثيل في الشرق الأوسط أو ربما في أي مكان في العالم. 

والمفتاح المستقبل إسرائيل لن يوجد خارج البلد ولكن داخلها. وليس من المحتمل أن تستطيع أي قوات عربية مشتركة أو التأثير القوي للولايات المتحدة، في الواقع أن يفرض القرارات على إسرائيل بخصوص القدس الشرقية، أو الضفة الغربية، أو حقوق الفلسطينيين أو الأراضي المحتلة من سورية. إن هذه الأحكام سوف تصنع في القدس، ومن خلال عمليات ديمقراطية تشمل كل الإسرائيليين الذين يستطيعون التعبير عن آرائهم وينتخبون زعماءهم ويجري الآن مناقشة القضايا الحرجة هناك مناقشة أكثر عنفا من أي مكان آخر في العالم الخارجي، ولم يتم اتخاذ قرار نهائي. ونتيجة هذه المناقشة سوف تشكل مستقبل إسرائيل، وقد تقرر الفرص أيضا من أجل سلام في الشرق الأوسط وربما في العالم.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة