جهود بل كلينتون من أجل السلام
من سوء الطالع العلمية السلام، نفذ الإرهابيون الفلسطينيون عمليتي تفجير انتحاريتين قاتلتين في شهر آذار / مارس من العام 1996 بعد بضعة أسابيع من الانتخابات الفلسطينية، وقتل في العملية اثنان وثلاثون مواطناً إسرائيلياً، وهو عمل ربما يكون أعطى مرشح الليكود الصقري، بنيامين نتنياهو نصرا على رئيس الوزراء شيمون بيريز، ووعد الزعيم الجديد لإسرائيل ألا يبادل الأرض في مقابل السلام أبدا. وصرح وزير الخارجية آربیل شارون بأن اتفاقية أوسلو كانت انتحاراً وطنياً وبين أن على كل واحد أن يتحرك، ويركض، ويختطف أكبر عدد يستطيعه من قمم التلال لتوسيع المستوطنات لأن كل شيء نأخذه الآن سيبقى لنا ... وكل شيء لا نمسك به سيذهب إليهم. هذه السياسة عجلت بقبضة إسرائيل الشديدة على الأراضي المحتلة وأثارت المزيد من العنف من الفلسطينيين. ومع وجود عرفات الآن زعيماً منتخباً انتخاباً رسمياً، فقد بذل الرئيس بل كلينتون جهودا قوية مستمرة ليجد تسوية معقولة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
فعقد مؤتمر قمة دام تسعة أيام في واي بلانتيشن في ماريلاند في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 1998، وتم في أثناء المؤتمر الوصول إلى بعض الاتفاقيات التي تتصل بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية، وبالترتيبات الأمنية، وبإطلاق سراح السجناء، وباستئناف مفاوضات الوضع الدائم، ولكن الوزارة الإسرائيلية صوتت في غضون أسابيع قليلة لصالح تأجيل تنفيذ مذكرة وأي ريفر.
وليس هذا وحسب، فبعد أن انتخب إيهود باراك من حزب العمل رئيسا للوزراء في شهر أيار / مايو من العام 1993، كان هناك التزام مستمر من حكومة إسرائيل بتجنب الامتثال الكامل لاتفاقية أوسلو أو للقرارين الأساسيين للأمم المتحدة رقم 242 ورقم 338، في الوقت الذي كان الفلسطينيون مترددين في التخلي عن أي منهما بوصفهما الأساس للسلام الدائم. وعلى الرغم من هذه العوائق، رعت الولايات المتحدة سلسلة من محادثات السلام في شرم الشيخ في قاعدة بولينغ للقوات جوية ثم بعدئذ في كامب ديفيد في اجتماع دامت جلساته أربعة عشر يوماً في شهر تموز / يوليو من العام 2000.
في شهر أيلول / سبتمبر من العام 2000، ومع الموافقة المترددة من رئيس الوزراء باراك ذهب أربيل شارون ومرافقون من عدة مئات من رجال الشرطة إلى مجمع معبد الجبل موقع قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وهناك صرح أن الموقع الإسلامي المقدس سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة. وقد اتهم القائد العسكري السابق من إسرائيليين كثيرين بقيامه عن قصد بإلهاب العواطف لاستفزاز رد فعل غاضب غضباً شديداً ولإعاقة أي نجاح محتمل في محادثات السلام التي كانت مستمرة مزج الفلسطينيون رد فعلهم على هذه الحادثة مع إحباطهم من إخفاق إسرائيل في تنفيذ اتفاقية أوسلو، وردوا باندلاع إضافي للعنف، وهو ما سيعرف باسم الانتفاضة الثانية.
لاحقاً، في أثناء أشهر الرئيس كلينتون القليلة في واشنطون، قدم ما سماه الاقتراح الأخير. وبموجب هذا الاقتراح، سيبقى ثمانون بالمائة من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وتستطيع إسرائيل أن تحتفظ بسيطرتها على وادي نهر الأردن وعلى قدرة إنذار مبكر داخل الضفة الغربية، مع الحيطة الإضافية من أجل انتشارات قواتها في الطوارئ للوفاء بالحاجات الأمنية، وستكون دولة فلسطين الجديدة مجردة من السلاح، مع وجود قوة دولية لأمن الحدود وللردع وسيادة فلسطينية فوق فضائهم الجوي باستثناء ترتيبات خاصة للوفاء بحاجات إسرائيل التدريبية والعملياتية.
وفي القدس، سوف تدار الأحياء العربية من الفلسطينيين وتدار الأحياء اليهودية من الإسرائيليين، مع السيادة الفلسطينية فوق جبل المعبد، موقع قبة الصخرة والمسجد الأقصى والسيادة الإسرائيلية فوق الجدار الغربي و المكان المقدس الذي يعتبر الجدار جزءا منه. ويستطيع اللاجئون الفلسطينيون أن يعودوا إلى الضفة الغربية وغزة فقط. وكان منصوصا على أن هذه الاتفاقية، إذا قبلت، فهي ستحل محل كل متطلبات قرارات الأمم المتحدة التي كانت تنطبق على الشرق الأوسط. ولم يكن هناك أي رد واضح من رئيس الوزراء باراك، ولكنه بين فيما بعد أن إسرائيل كان لديها عشرون صفحة من التحفظات، ورفض الرئيس عرفات، أيضاً . المقترح.
حين كان الرئيس كلينتون يبذل الجهود لتعزيز السلام، كان هناك نمو بنسبة 90 بالمائة في عدد المستوطنين في الأراضي المحتلة، وكانت أكبر زيادة في أثناء إدارة رئيس الوزراء إيهود باراك. ومع نهاية العام 2000، وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية وغزة إلى 225.000 نسمة. وأفضل عرض قدم إلى الفلسطينيين - من كلينتون، لا من باراك - كان يتضمن سحب 20 بالمائة من المستوطنين، وترك أكثر من 180.000 مستوطن في 209 مستوطنات تغطي حوالي 10 بالمائة من الأرض المحتلة، ومنها أرض يجب أن تؤجر وأقسام من وادي نهر الأردن والقدس الشرقية.
إن رقم النسبة المئوية مضلل، نظراً إلى أنه يتضمن عادة مواقع أقدام المستوطنين الفعلية فقط. فهناك منطقة يبلغ نصف قطرها أربعمائة متر حول كل مستوطنة لا يستطيع الفلسطينيون أن يدخلوها. وإضافة إلى ذلك، هناك مساحات كبيرة أخرى ستكون قد أخذت أو خصصت لتستخدم من إسرائيل بشكل مقتصر عليها، وطرق تصل المستوطنات الواحدة بالأخرى وتصلها بالقدس، وشرايين الحياة التي تزود المستوطنين بالماء، والصرف الصحي، والكهرباء، والاتصالات، وهذا المساحات تراوح في العرض بين خمسمائة متر وأربعة آلاف متر، ولا يستطيع الفلسطينيون أن يستخدموا الكثير من هذه الوصلات الرابطة أو أن يعبروها. هذا التكوين للمستوطنات الذي يشبه قرص شمع العسل وتخاريبه مع وصلات التواصل بينها يقسم الضفة الغربية فعليا إلى منطقتين على الأقل غير متجاورتين وشظايا متعددة، وهي في الغالب غير قابلة للسكن أو من غير الممكن الوصول إليها فعلا وتحرم السيطرة على وادي نهر الأردن الفلسطينيين من أي وصول مباشر شرقا إلى الأردن، وهناك حوالي مائة نقطة تفتيش عسكرية تحيط بفلسطين إحاطة كاملة وتقطع الطرق الذاهبة إلى المجتمعات الفلسطينية وفيما بينها، ومعها عدد لا يحصى من الطرق الأخرى المغلقة بشكل دائم بمكعبات أسمنتية مسلحة ضخمة أو بأكوام من التراب والصخور.
لم يكن هناك أي إمكانية أن يستطيع أي زعيم فلسطيني أن يقبل مثل هذه الشروط ويبقى على قيد الحياة، ولكن البيانات الرسمية من واشنطون والقدس كانت ناجحة في وضع كامل عبد المسؤولية عن الفشل على ياسر عرفات واستمر العنف في الأرض المقدسة.
كان مازال هناك بعض الالتزامات الشكلية المتبقية نحو محادثات سلام الوضع النهائي لاتفاقية أوسلو للتعامل مع القدس واللاجئين، والمستوطنات وترتيبات الأمن والحدود والعلاقات والتعاون مع البلدان المجاورة. وعقدت جولة جديدة في طابا في شهر كانون الثاني / يناير من العام 2001، وذلك في أثناء الأيام القليلة الأخيرة من رئاسة كلينتون، بين الرئيس عرفات ووزير الخارجية الإسرائيلي، وجرى الادعاء لاحقاً أن الفلسطينيين رفضوا عرضاً سخياً قدمه لهم رئيس الوزراء باراك تحتفظ فيه إسرائيل بنسبة 5 بالمائة فقط من الضفة الغربية. والحقيقة هي أن مثل هذه العروض لم تقدم أبداً. وقال باراك لاحقاً : لقد كان واضحا لي أنه لم يكن هناك أي فرصة للوصول إلى تسوية في طابا. ولذلك قلت إنه لن يكون هناك أي مفاوضات ولن يكون هناك أي وقد ولن يكون هناك أي مناقشات رسمية ولا أي توثيق. ولن يكون الأمريكيون حاضرين في الغرفة كذلك. والشيء الوحيد الذي حدث في طابا كان اتصالات غير ملزمة بين كبار الإسرائيليين وكبار الفلسطينيين؟.
وقد جاء انتخاب أربيل شارون رئيسا للوزراء بعد شهرين بنهاية لهذه الجهود التي سعت لإيجاد تسوية.
وأكد بيان حكومي طموح إسرائيل إلى تحقيق السلام ولكنه صرح بأن كل الإخفاقات التفاوضية كانت بسبب الإرهاب الفلسطيني المستمر والمتصاعد المدعوم من السلطة الفلسطينية، وردت الدكتورة حنان عشراوي بوصفها المتحدثة الرئيسية باسم الفلسطينيين على ادعاءات إسرائيل بالقول:
لقد نجحوا حتى الآن في القبض على عملية السلام رهينة لهذه العقلية من جهة. ومن الجهة الأخرى لقد استثاروا عنفاً ضخماً بأعمال الاستفزاز مثل القصف المدفعي، وإلقاء القنابل جواً، وتدمير البيوت، واقتلاع الأشجار، وتدمير المحاصيل واغتيال الزعماء السياسيين، ووضع كل الفلسطينيين تحت الحصار في حالة مطلقة من عدم الحركة في سجن ثم يتعجبون بعدئذ لماذا يتصرف بعض الفلسطينيين تصرفا عنيفا ! ثم يريدون بعدئذ أن يكون لهم الحق في ممارسة العنف ضد السكان الواقعين في الأسر. ثم يحبون بعدئذ أن يجعلوا التزام اللاعنف من جانب الفلسطينيين شرطاً مسبقاً يفرض على الفلسطينيين ليكونوا مؤهلين للمحادثات. دع عنك أن يكونوا مؤهلين للدولة.
الفصل التالي الفصل السابق