القائمة الرئيسية

أجزاء الكتاب

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (2-17)

كتاب فلسطين السلام - لا التمييز العنصري (2-17)
ملخص الكتاب

 زيارتي الأولى إلى إسرائيل 1973 

 

لقد زرت إسرائيل مرات عديدة وناقشت الظروف الموجودة وفرص النجاح المستقبلية مع أشخاص من أصحاب الإرادة القوية الذين يمثلون وجهات نظر عديدة مختلفة من كل من الإسرائيليين في الوطن واليهود في بلدان أخرى، ممن يحملون اهتماماً شديداً في الأمة وسياساتها. وتابعت باستمرار التعلم في أثناء سنواتي في البيت الأبيض وبعدها على حد سواء، ولكنني وقبل أن صرت رئيساً، كنت قد أقمت علاقات شخصية، مع اسحق رابين وموشيه دايان، وغولدا ماثير، وأبا إيبان، ومع زعماء إسرائيليين آخرين، وتعلمت كل ما كنت أستطيع عن إسرائيل وعن تحدياتها السياسية والعسكرية. ونظراً إلى أن هذا الوقت هو الذي شكلت فيه معظم انطباعاتي الدائمة عن إسرائيل، فسوف أستعرض هذه الخبرات الأولى ببعض التفصيل. 

لقد جاء تقديمي إلى إسرائيل في وقت كان فيه مواطنوها يمتلكون بالثقة والتفاؤل حول مستقبلهم. فإسرائيل في أثناء السنوات الأولى، ظهرت عرضة لخطر الهجمات العربية العقابية، ولكن حرب العام 1967 بينت عمليا أن قواتها كانت أفعل من قوات جيرانها إلى حد بعيد. فقوات الطيران الإسرائيلي دمرت معظم المعارضة، وتحركت القوات الأرضية إلى الجنوب والغرب عبر قطاع غزة وصحراء سيناء الجافة إلى قناة السويس، وإلى الشرق إلى نهر الأردن لتحتل الضفة الغربية وإلى الشمال الشرقي لتأخذ مرتفعات الجولان. وكان أحد أبطال الحرب هو الجنرال إسحق رابين وقد جاء رابين إلى جورجيا حين كنت حاكماً لها، وكان ذلك جزءا من جهد تقوم به إسرائيل لتقوي علاقاتها مع الزعماء الأمريكيين زيادة عما هي عليه. وبدا مسرورا في أن يجيب عن أسئلتي المتشوقة حول العلاقات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط ودعاني إلى زيارة إسرائيل في تاريخ مبكر لأكون ضيفاً عليه.

وبما أنني كنت قد تعلمت دروس الكتاب المقدس منذ مطلع الطفولة، وعلمت هذه الدروس طوال عشرين عاماً، فقد كنت بسبب هذا مفتونا بالأرض المقدسة ولذلك رتبنا، زوجتي روزالين وأنا أن نقبل دعوته في العام 1973، وفي الإعداد من أجل هذه الرحلة عكفنا على الخرائط وراجعنا التاريخ القديم والحديث الإسرائيل على السواء. وكان اختيارنا للكيفية التي نقضي فيها الأيام العشرة للزيارة سلسلة من الحلول الوسط لأنني كنت ممزقا بين سعادة زيارة الأماكن المسيحية المقدسة التي كنت دائماً أحن لأراها وبين المعرفة التي يجب أن أركز عليها في الإعداد المسار سياسي آخر. فقد كنت أخطط بجدية لدور مستقبلي لمنصب الرئيس، ولم يكن يعلم بأحلامي إلا حفنة فقط من أقرب أصدقائي المقربين. 

قابلنا أولاً ولمدة وجيزة رئيسة الوزراء غولدا مائير، التي خصصت لنا سيارة مرسيدس ستيشن واغون مستخدمة وطالباً شاباً سائقاً لها، وكانت تعليماتها هي أننا ستأخذ سبعة أيام للسفر إلى أي أماكن من اختيارنا، وفي أثناء الأيام الثلاثة الأخيرة سوف تتلقى ما وصفته هي باسم إيجازات سرية عن اهتمامات إسرائيل الأمنية وعلاقاتها مع الأمم الأخرى في المنطقة، وأرادت أن تكون زيارتنا الأخيرة معها ، كي تستطيع أن تجيب عن أي أسئلة وأن تلخص رسالة حكومتها. 

كان اسم سائقنا جيورا أفيدار، وكان شاباً مطلعاً جداً وابن أحد الدبلوماسيين. وأعطاني كتابا دليلا أوليا للغة العبرية، ومارست قراءة إشارات الطرق ونحن نسافر من مكان إلى آخر. ومازلت أحتفظ بالكتيب، وكنت قد كتبت فيه ملاحظات في أثناء زيارتنا. وكذلك فقد احتفظت معي بخريطة إسرائيل التي كان قد زودني بها وليس هناك إشارة إلى خط أخضر بين إسرائيل وبين الضفة الغربية أو غزة. وتشمل الخريطة أيضاً جزءاً أساسياً من مرتفعات الجولان وكل سيناء. كانت هناك رغبة واضحة عند بعض الإسرائيليين الراديكاليين في الاحتفاظ بالأراضي المستولى عليها، ولكن الموقف السائد بين زعماء الأمة كان يرى أن الأراضي المحتلة يجب أن يحتفظ بها فقط إلى أن يكون ممكناً مبادلتها في مقابل سلام آمن مع العرب ولم يتضمن أي واحد من إيجازاتي الرسمية خططاً من أجل الاحتفاظ الدائم أو الانسحاب المبكر. 

قضينا أيامنا الثلاثة الأولى في القدس وحولها، وكنا نبدأ كل صباح قبل شروق الشمس لأنني أردت أن أرى المدينة وهي تعود إلى الحياة حين لا يكون فيها إلا قلة من السياح يتجولون ولأمسك بالنكهة التي تبين كيف كان يمكن أن تكون المدينة قبل ألفي عام، حين طاف المسيح في الشوارع نفسها. زرنا المخابز التي كان الخبز يعد فيها للأسواق في أفران مفتوحة واسعة وارتشفنا القهوة أو الشاي في المحلات الصغيرة، وراقبنا الباعة وهم يرتبون سلعهم للنهار المشرق. وكان لي محادثات طويلة مع علماء الآثار الذين كانوا ينقبون في مدينة داوود الإنجيلية ووصفوا كيف أن حطام مواد الحضارة القديمة قد رفع باستمرار مستوى الشوارع في متوسط يساوي حوالي قدم واحد في القرن. وهذا ما جعل من الأسهل علينا أن نفهم لماذا كانت الأماكن التي زرناها في القدس، وبيت لحم، والخليل، وأريحا والناصرة أماكن مختلفة جدا عما كنا نتوقع. بدت كأنها مدفونة تحت الأرض، ومغلق عليها، ومبهرجة وتجارية إلى حد كبير، وليست بسيطة وبدائية، مثلما كنا قد تخيلناها دائماً. وحين سافرنا في الأماكن المفتوحة ورأينا جبل الزيتون وحديقة القبر، وقانا، وجبل الكرمل، وبحر الجليل بحيرة طبرية) وجبل الطوبيات، وكبرنيوم كفر نحوم)؟، وبيت سيدا بيت الصياد)، ونهر الأردن حينها فقط شعرنا أننا كنا ننظر إلى البلاد مثلما قد تكون بدت في الأزمنة الإنجيلية.

وحين كنا نصل إلى كل محطة مقصودة، كان جيورا يقدمنا بوصفنا ضيوفاً خاصين لرئيسة الوزراء غولدا مائير والجنرال رابين وبدا مضيفونا متشوقين إلى الإجابة عن أسئلتنا وإلى أن يجعلونا نشعر بالترحيب وفي البيت. وكانت أمتع نزهة لنا وأكثرها إعلاما في الناصرة. فبعد زيارة كنيسة البشارة ومساكن تحت الأرض يقال إنها تمثل المساكن التي عاش فيها المسيح، كنا ضيوفا في غداء مثير وصاحب نوعاً ما مع رئيس البلدية المسلم، ونائبه المسيحي، ورئيس البلدية اليهودي للناصرة العليا، وعدد من عائلاتهم وأصدقائهم وطوال ساعات عديدة أكلنا كميات ضخمة من لحم الخروف الذي شوي كله، ومن الفواكه، والخضروات والخبز ويخنة سميكة غرفناها بأصابعنا وأذكر أنه كانت هناك عدة زجاجات من ويسكي إسكوتلاندية من جوئي ووكر رد ليبيل في مركز طاولة طويلة واستهلكت إلى حد كبير في أثناء الأنخاب العديدة التي قدمت لدى طرح كل موضوع يمكن تصوره، وأخيراً شربنا القهوة السوداء الكثيفة النموذجية في المنطقة.

وقد أثاروا فضولنا بالكيفية التي كان المسؤولون في الناصرة يحاولون فيها أن يزيدوا السياحة ويروجوا التقدم الاقتصادي، وفي فترة بعد العصر ذهبنا وتفحصنا مدينة جديدة يجري بناؤها لإسكان بعض المهاجرين الحديثين القادمين من الاتحاد السوفيتي، الذين كانوا على ما يبدو يصلون في تدفق ثابت لم يكد دهان الجدران يجف حين انتقلت كل عائلة إلى شقتها الجديدة، وكانت هناك خطط لبناء ثلاثة آلاف وحدة أخرى لإسكان أولئك الذين لم يأتوا بعد. لقد زادت الهجرة بعد انتصار إسرائيل في حرب العام 1967، ووصلت إلى أعلى مستوى لها في العام الذي كنا فيه هناك. وقال رئيس البلدية إن ما يصل إلى مائة مصنع حول الناصرة الكبيرة المتروبوليتان) سوف توفر الأعمال للمقيمين القدامى والجدد على حد سواء. وبعض المواطنين من زمن طويل اشتكوا من المعاملة الخاصة التي يجري منحها للقادمين الجدد، ولكن هذه الأصوات المنشقة لم تكن واسعة الانتشار أو دائمة. وتحدثنا إلى العديدين من المستوطنين السوفييت الذين تبجحوا أمام مستوطنين شبان بأنهم كانوا قد بدؤوا بدراسة العبرية من أول يوم في بيوتهم الجديدة. 

وتابعنا سفرنا إلى قانا ثم بعدئذ على طول مسارات خطى المسيح في بعثته الأولى إلى كيرنيوم والمجتمعات الأخرى الواقعة حول بحر الجليل ( بحيرة طبرية). وكان باعثاً للاهتمام بوجه خاص أن نزور بعضاً من القلة الباقية من السامريين، الذين اشتكوا إلينا أن مواقعهم المقدسة وثقافتهم لم يكن يجري احترامها من السلطات الإسرائيلية وهي الشكوى نفسها التي سمعها المسيح وحواريوه تقريبا قبل ألفي عام. 

بعد ذلك زرنا العديد من الكيبوتزات المزارع الجماعية أو المستوطنات). وكان قد صار عمر إحداها أربعة وخمسين عاماً. وبصفتي مزارعاً، فقد كنت مهتماً في أن أعلم أنهم كانوا يزرعون التفاح وكانوا قادرين على المحافظة عليه في تخزين بارد للبيع على مدار العام تقريبا، وأن أبقارهم كانت تحلب ثلاث مرات في اليوم (بدلاً من الحلبتين المعتادتين لزيادة الإنتاج والأرباح. وكان الصباح التالي يوم السبت، وفي الوقت المحدد دخلنا الكنيس، وصلينا صلاة صامتة، وبعدئذ وقفنا بهدوء داخل الباب تماماً. ولم يظهر إلا متعبدان اثنان آخران فقط. وحين سألت إن كان هذا الوضع نموذجياً ، ابتسم جيورا ابتسامة ساخرة وهز كتفيه وكان الأمر لم يكن مهما على كلا الحالين.

وحصلنا على منظور مختلف حين زرنا مستوطنة في مرتفعات الجولان، التي أخذت من سورية في العام 1967. فهناك وجدنا روحاً طليعية أكثر بكثير، وتأثرنا بالتكريس الهادئ من أفراد العائلات الشابة الذين كانوا يزرعون معاً. وظهر أنهم يشتركون في كل شيء، وكانوا فخورين تماماً بعملهم اليدوي الشديد وبغياب السلع الدنيوية في بيوتهم. وأخذنا قادة الكيبوتز إلى منحدر غربي حاد يطل على الجليل ليرونا مرابض المدفعية التي كانت قد بنيت من طرف السوريين واستخدمت ضد إسرائيل في أثناء حرب العام 1967، وكنا نستطيع أن ترى بعيدا تحت مكان وقوفنا القرى الصغيرة على شاطئ البحيرة، والبيوت في القرى، والسيارات على الطرق، والجرارات تفلح الحقول. وكان واضحاً لماذا كانت السيطرة على هذا الموقع مهمة للقوات العسكرية الإسرائيلية، بانتظار اتفاقية سلام مع سورية. وتحدث الشباب الإسرائيليون بحماسة متنامية، وكانوا يشرحون أن قوة إسرائيل كان يجري اختبارها في كل يوم ويجب ألا تكون ضعيفة أبدا. وكانوا مقتنعين أن كيبوتزهم كان ذا قيمة اقتصادية وعسكرية معاً وأوضحوا لنا بجلاء أنهم كانوا عازمين على ألا يتركوا مدافع العدو تطلق النار إلى أسفل على الإسرائيليين من هذه المرتفعات المشرفة ثانية. 

كان هناك حوالي 1500 مستوطن يهودي فقط في الأراضي المحتلة في ذلك الوقت، وكان افتراضنا الطبيعي هو أن إسرائيل سوف تفكك المستوطنات غير المرغوبة لتراعي أحكام القانون الدولي، ومنها قرارات مجلس الأمن في الأمم المتحدة التي سبق أن لقيت الدعم من إسرائيل ومن الولايات المتحدة معاً. وكنت أعرف أن رئيسة الوزراء مثير كانت قد قالت إنه لم يكن يوجد شعب فلسطيني منفصل، ولكننا افترضنا أن هذا يعني أنه لن يكون هناك أي وصف عرقي مستقبلي بين اليهود وبين غير اليهود. 

وعلي أن أقر أنني في ذلك الوقت، ساويت بين طرد الفلسطينيين من بيوتهم السابقة داخل دولة إسرائيل وبين إجبار هنود الكريك السفلي على الخروج من أراضي جورجيا حيث توجد مزرعة عائلتنا في موقعها الآن، لقد نقل الهنود غربا إلى أوكلاهوما على طريق الدموع ؟ لإفساح المجال لأجدادنا البيض. وفي هذه القضية الفلسطينية وهي أحدث قضية، وعلى الرغم من أنها مساوية في القسوة، فإن أخذ الأرض كان قد فرض من قبل المجتمع الدولي من خلال قرار رسمي من الأمم المتحدة، وكان على الفلسطينيين أن يمتثلوا، فهم بعد كل شيء، كانوا يستطيعون أن يعودوا أو أن يعوضوا في المستقبل، وقد ضمنت لهم الملكية التي لا نزاع فيها للقدس الشرقية، والضفة الغربية، وغزة. 

بعد الذهاب إلى البحر بحيرة طبرية على متن واحد من زوارق الصواريخ التي كانت قد أخذت سراً من الفرنسيين على الرغم من حظر الأسلحة بعد العام 1967 ضد إسرائيل، سقنا شرقاً وبعدئذ جنوباً إلى أقرب ما كنا نستطيع من نهر الأردن. وطوال حياتنا كنا قد درسنا وغنينا عن هذا الجدول، ولذلك فقد تخيلناه تياراً قوياً بصفات سحرية تقريباً. ولكننا كنا مندهشين حين وجدنا أنه لم يكن بضخامة الجداول الصغيرة التي تنساب عبر مزرعتنا الخاصة. وعلمنا أن الكثير من الماء كان يجري تحويله من المجرى لري المحاصيل الإسرائيلية وكان ذلك أنثذ واحداً من الأسباب الأولى للعداوة بين إسرائيل وجيرانها الشرقيين وأبقتنا الأسلاك الشائكة وحواجز الطرق بعيدين عن المنطقة الأمنية على طول ضفتي النهر ولكنني مع الإذن الخاص من حرس أمن الحدود، أخذت غطسة سريعة في نهر الأردن قرب المكان الذي اعتقدت أن المسيح كان قد عمد فيه على يدي جون (يوحنا) المعمدان. 

وعلى جسر اللنبي، الذي يعبر الجدول، راقبنا طوال مدة من الوقت أعداداً كبيرة من الناس والسيارات تتحرك إلى الأردن ومنه وأخبرنا مسؤولو الجمارك أن تدقيقات الأمن العادية فقط هي التي يجري القيام بها ، وفي أثناء السنوات الثلاثة الأخيرة، قالوا إن أكثر من ثلاثة أرباع المليون من العرب قد زاروا إسرائيل بشكل شرعي، وبغمزة، أضاف واحد من الحراس أنهم كانوا يستطيعون أن يقدروا كم عدد الزوار غير الشرعيين فقط الذين كانوا هناك، ولكن بعضهم يشير إلى الإرهابيين المقبوض عليهم لم يكن قادراً على أن يعود إلى بيته في الأردن. 

بعد ذلك، خبرنا جميعنا الطفو غير العادي حين سبحنا في البحر الميت ولاحظنا أن بيوت الاستحمام كانت بعيدة نوعاً ما عن الشاطئ، وقال لنا المرافق إن مستوى الماء مازال يهبط كلما أخذ المزيد والمزيد من أنظمة الري من الجدول المتناقص. وقال سيكون هناك في نهاية الأمر بحران صغيران إن استمر هذا الاتجاه.

بعد أن أنهينا خطة مسير رحلتنا الطموحة بصفتنا سائحين اتبعنا الجدول الذي كان معدا لنا من المسؤولين الإسرائيليين فذهبنا مع الجنرال رابين إلى بيت هل إلى معسكر تدريب في الأراضي المحتلة حيث طلب مني أن أشارك في حفل تخريج عسكري. وهذه المنشأة في الضفة الغربية كانت قد استخدمت من قبل من الأردنيين للغرض نفسه قبل أن تحتل إسرائيل المنطقة في حرب الأيام الستة. وقف الجنود في وضع الانتباه وقوفاً جامداً، وكلما كان ينادى على اسم، كان المتخرج يركض بأعلى سرعة إلى منصة الاستعراض، وهناك يسلم له القائد شهادة، وأما أنا فكنت أسلم ""سيف الروح (إنجيل عبراني)، وكان هذا الكتاب واحداً من مؤشرات قليلة عن الالتزام الديني الذي لاحظته في أثناء زيارتنا. 

وصف الجنرال رابين العلاقات الوثيقة التي كانت لإسرائيل مع جنوب إفريقية في تجارة الماس (وكان هو قد عاد من هناك قبل يوم أو يومين لتحيتنا) ولكنه علق بأن نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقية لا يستطيع أن يعيش طويلا. وحين سألت عن مستقبله السياسي الخاص به هو، قال إنه سيأخذ مكاناً على لائحة حزب العمل ولكنه لم يعط حتى ذلك الحين ضماناً لمنصب في الوزارة. 

في ذلك الوقت، كان وزير الخارجية إيبان أفضل إسرائيلي معروف، وكان مشهوراً بفصاحة خطاباته في الأمم المتحدة، وكنت متحمساً حين دعانا لمقابلته. وليس هذا مثيراً للدهشة، فقد كان مليئاً بالأفكار عن مستقبل إسرائيل، وبعض أفكاره أثبتت انه بعيد النظر بشكل جدير بالملاحظة قال إن الأراضي المحتلة كانت عبثاً وليست مصدر قوة، وإن العرب واليهود بجبلتهم غير متوافقين وسيتوجب أن يفصلوا في نهاية المطاف ومراكز الحجز والإجراءات العقابية والقمعية المتصلة بها والضرورية لحكم مئات الآلاف من العرب ضد إرادتهم سوف تعذب إسرائيل بنوع من الحالة شبه الاستعمارية التي كان يجري الغازها في كل أنحاء العالم. وحين سئل أجاب من دون شرح بأن الحل لهذه المعضلة كان يجري تطويره. وأنا كنت أعرف أن بعض الزعماء الإسرائيليين كانوا يفكرون في هجرة ضخمة من روسيا ومن الولايات المتحدة الأمريكية معا إضافة إلى تشجيع العرب على الهجرة إلى أمم أخرى وشرح إيبان دوره غير العادي في الأمم المتحدة بالقول: ""لو كنت وزير خارجية للأمة العربية الوحيدة المحاطة بتسع وثلاثين دولة يهودية معادية، لكنت سألتجئ إلى الأمم المتحدة، من أجل الحصول على المساندة.

وقدم لي اللواء إلياهو زيرا رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ورئيس أركان الجيش حاييم بارليف إيجازات خاصة تعتبر من الأسرار العليا عن الموقف العسكري والسياسي في البلدان المجاورة، مع التوكيد على سورية ومصر، ومرة تلو المرة أشاروا إلى حرب العام 1967 بوصفها مثالاً على عدم قابلية إسرائيل للتعرض للخطر ولم يتركوا أي شك في أنهم مستعدون استعداداً شاملاً لمواجهة أي احتمال قد يحدث. وعلى الرغم من أن 5 بالمائة فقط من الأفراد العسكريين الإسرائيليين يحتفظ بهم في الزي العسكري، فإن استخباراتهم كانت ممتازة وزمن الحشد لقوات الاحتياط قصير جداً. وأقر كبار القادة، وهم يصفون قواتهم العسكرية الدفاعية، بالحلف الحيوي مع الولايات المتحدة ولكنهم شددوا على الاكتفاء الذاتي لإسرائيل إذا أعطيت الإمدادات والترخيص لإنتاج نسخ إسرائيلية خاصة من الطائرات والدبابات والمواد العسكرية الأمريكية الأخرى وافترضت أن هذه الرسالة كانت واحداً من الأسباب التي دعت إلى دعوتي للزيارة. 

وفي أثناء ساعاتنا الأخيرة في القدس دعينا إلى حضور جلسة في الكنيست فيها خاطبت رئيسة الوزراء مائير المجلس. وعلقت على لافتات ممنوع التدخين المبثوثة في قاعة الاجتماع والتي كان يطيعها كل واحد باستثناء رئيسة الوزراء، وقد شرح ذلك جيورا فقال: ""لدينا خيار نفعله إما أن لا يكون هناك لافتات ممنوع التدخين فيدخن كل من يريد التدخين أو أن ترفع لافتات ممنوع التدخين ويكون لدينا مدخن واحد. لقد قررنا أن قيام شخص واحد بالتدخين لن يكون أمراً سيئاً جداً. 

بعد ذلك، في مكتب رئيسة الوزراء، شكرتها على جعل زيارتنا الرائعة ممكنة، وسألت هي إن كان لدي أي ملاحظات أود أن أشاركها بها. قلت ببعض التردد : إنني علمت لمدة طويلة دروساً مأخوذة من الكتاب المقدس العبراني وإن النمط التاريخي الشائع هو أن إسرائيل كانت تعاقب حين يبتعد قادتها عن العبادة المخلصة لله. وسألتها إن كانت قلقة بشأن الطبيعة العلمانية لحكومتها من حزب العمل. وبدت مندهشة من جسارتي، واستبعدت تعليقاتي بهزة كتف وضحكة. وأشعلت سيجارة من أخرى ثم قالت إن اليهود الأرثوذكس مازالوا موجودين ويستطيعون تولي ذلك الجزء من مسؤولية الأمة، وكانت بذلك تشير إلى اليهود المتدينين في البرلمان الإسرائيلي، الذين كانوا أحيانا شوكة حقيقية في جنبها. وأضافت: ""لو أنك حضرت جلسة من جلسات الكنيست، فسوف تراهم وهم يعملون وسوف تعرف أنهم لم يفقدوا إيمانهم . وبوجود النظام الإسرائيلي للانتخابات، الذي يستلزم قيام تحالف من الأحزاب لتشكيل أكثرية حاكمة، فإن منظمات الأقلية الدينية كانت تمتلك تأثيراً يفوق إلى حد بعيد قوتها العددية. 

لا السيدة منير، ولا أنا أدركنا ذلك حينئذ ، ولكن مناحيم بيغن زعيم حزب حيروت مع 22 بالمائة فقط من مقاعد الكنيست سيكون رئيس وزراء إسرائيل في غضون أربع سنوات وسأكون أنا رئيس الولايات المتحدة)، والكثير من قوة بيغن السياسية سوف يأتي من قناعاته الدينية العميقة. 

وطوال سفراتنا وجدنا البلد مسترخية بشكل مثير للدهشة ولم تر إلا حفنة فقط من الناس في الزي العسكري، ومعظمهم يوجهون المرور عند التقاطعات المزدحمة أكثر من غيرها. وكذلك، فقد كان هناك على ما يبدو علاقة سهلة بين مختلف أنواع الناس الذين قابلناهم، ومن جملتهم اليهود والعرب، وأدركت، لاحقاً، أنني لم أكن قد حصلت إلا على القليل من الاتصالات الشخصية أو المناقشات السياسية مع العرب الذين لم يكونوا يعيشون داخل إسرائيل، ولكن بلواهم بدت لي في ذلك الوقت غير مهمة نسبياً. 

لقد سجلت بعض الملاحظات الخاصة والعامة التي تبين كيف كان الجو في إسرائيل مستبشرا مع إحساس بالنجاح والرفاهية : 

ه الولايات المتحدة هي صديقنا المهم الوحيد. 

ه الروس يريدون السلام الآن في الشرق الأوسط. ولا يستطيعون تحمل هزيمة كبيرة أخرى لحلفائهم العرب. 

ه الأوروبيون مشغولون بالاقتصاد. وفرنسا هي أسوأ عدو لنا في السوق المشتركة مهتمة بالأخلاقيات الضيقة على نحو مفرط"".

ه العرب غير متوافقين معنا، وليس لهم أي ولاء للعلم الإسرائيلي العرب الإسرائيليون هم أسرع مجتمع على الأرض نموا ، والهجرة اليهودية فقط هي التي ستسمح لنا باستبقاء الأكثرية"". 

ه سلاح النفط العربي ليس تهديداً حقيقياً. فهم يحتاجون إلى الدولارات أكثر من حاجة العالم إلى نفطهم. وإسرائيل تستلم 90 بالمائة من حاجاتها من النفط من سيناء وإيران وليس لدينا أي مشكلة في المستقبل المنظور في الحصول على الوقود الكافية. 

ه لا ينبغي لأحد أن يخاف من الأمم العربية. لقد هزموا هزيمة سيئة في كل نزاع وفي النهاية سيكون عليهم أن ينشدوا السلام. 

وغادرنا ونحن مقتنعون أن الإسرائيليين كانوا مسيطرين ولكن عادلون والعرب ساكتون لأن حقوقهم كانت محمية، والموقف السياسي والعسكري مقدر له أن يبقى مستقراً إلى أن يتم مقايضة الأرض في مقابل السلام، وكنت متحمساً ومتفائلاً بشأن الالتزام الظاهر من الإسرائيليين لإنشاء أمة ستكون وطناً قومياً لليهود، ومكرسة لمبادئ السلام والعدالة اليهودية المسيحية، ومصممة على أن تعيش بانسجام مع جميع جيرانها. وعلى الرغم من أنني كنت أعي المكانة الخاضعة للفلسطينيين، فقد كنت واثقاً بالافتراض أن إسرائيل سوف تنسحب من الأراضي المحتلة في مقابل السلام. وكنت قد ذكرت بكلمات أول رئيس الإسرائيل، حاييم وايزمن: ""أنا على يقين أن العالم سوف يحكم على الدولة اليهودية بالكيفية التي ستعامل بها العرب. 

بعد عودتي إلى الوطن، راقبت التطورات في الشرق الأوسط مراقبة حميمة جداً. كان يستحوذ على الإسرائيليين الحفاظ على سيطرتهم على الضفة الغربية والاستمرار في بناء اقتصادهم وتحالفاتهم العالمية، وحينئذ أخذ الإسرائيليون على حين غرة بشكل كامل بعد أربعة أشهر من زيارتي في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام 1973، حين نسق الرئيسان أنور السادات من مصر وحافظ الأسد من سورية هجمات متزامنة بقواتهم المسلحة في سيناء وفي مرتفعات الجولان، وكلتاهما كانت محتلة من إسرائيل. وكان العرب في البداية ناجحين، وهم مسلحون تسليحاً جيداً بالأسلحة السوفيتية، ولكن التماسك الإسرائيلي والإمدادات الإضافية العسكرية من الولايات المتحدة قلبت المد في نهاية الأمر. 

لقد كنت قلقاً بعمق حين وصلت القوات المشتركة من القوى الكبيرة إلى حد النزاع تقريباً حين عبرت القوات العسكرية الإسرائيلية قناة السويس وكانت تتحرك باتجاه القاهرة في مصر. فالأساطيل النووية من الاتحاد السوفيتي التي كانت تحمي مصر والولايات المتحدة المساندة لإسرائيل) كانت قد وضعت في حالة إنذار عالية للمرة الوحيدة في التاريخ. ومن حسن الحظ، فإن الأمتين العظيمتين استخدمتا نفوذهما للوصول إلى وقف إطلاق للنار بعد أربعة وعشرين يوما من القتال. وحاول وزير الخارجية هنري كيستغر ونجح في التفاوض من أجل الوصول إلى اتفاقات دائمة لفك الاشتباك.

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة