القائمة الرئيسية

كتاب القسم الجامعي المنتج للبحوث (1-2)

كتاب القسم الجامعي المنتج للبحوث (1-2)
ملخص الكتاب

يناقش هذا الجزء من الكتاب نموذج المؤسسة منتجة البحوث، ويركز على العوامل التي تسهم في تعزيز الإنتاجية البحثية في الأقسام الجامعية، مستعرضًا ثلاث ركائز رئيسية: خصائص الباحثين الأفراد، البيئة المؤسسية، والقيادة الفاعلة. يوضح الكتاب أهمية دعم الباحثين عبر توفير بيئة محفزة تشمل التوظيف الهادف، الإرشاد، الموارد الكافية، والتواصل العلمي، مع تسليط الضوء على دور القادة الأكاديميين في تيسير العمل البحثي وضمان استمراريته. كما يعرض الكتاب خلاصة مقابلات مع قادة أكاديميين من أقسام منتجة للبحوث بجامعة مينيسوتا، مع تقديم استراتيجيات وتوصيات عملية يمكن تكييفها لتعزيز الإنتاجية البحثية في مؤسسات التعليم العالي الأخرى.

مخطط هذا الكتاب : نموذج المؤسسة منتجة للبحوث يستند إلى ما كتب في هذا الشأن



يبدو المشروع البحثي، إن نظر إليه عن بعد، وكأنه كيان متين قائم بذاته، لكن إذا نظر المرء إليه عن قرب فهو بنيان رقيق مرهف يعتمد كثيرا على فعل مؤثر لخصائص فردية ومؤسسية وقيادية عديدة. 

Bland & Ruffin, 1992, p. 395)

نشأت فكرة هذا الكتاب من رغبة أكيدة في مساعدة أساتذة التعليم العالي؛ ليحافظوا على حيويتهم وعلى ما لديهم من دوافع محفزة وليكونوا منتجين غزيري الإنتاج في حياتهم العملية وعلى وجه الخصوص في أدوارهم كباحثين. ولكن كيف يمكن رعاية تميز هؤلاء الأساتذة في البحوث وتعزيزها ؟ ما هي الإستراتيجيات الخاصة التي يمكن لقيادتي الجامعات أن يستعينوا بها لإيجاد بيئة لا يحافظ فيها الباحثون على بقائهم فحسب بل يعملون وينجحون ويواصلون عملهم البحثي بقوة وعلى الدوام، عاماً بعد عام؟ تلك هي الأمور الملحة التي يتناولها هذا الكتاب.

سنعرض في الفصول الآتية توصيفاً لعدد لا بأس به من الهيكليات والممارسات التي من شأنها أن توجد بيئة عمل تدعم بقوة أنشطة الأساتذة ذات الصلة بالبحوث (في مجالات عديدة مثل توظيف الأساتذة، وضع الأهداف الإرشاد، مكافآت هيئة التدريس, توزيع الموارد). وقد جمعنا هذه المعلومات عبر التعرف على خبرات وتجارب ما يقرب من 40 قائداً يعملون في التعليم العالي ( رؤساء أقسام وعمداء كليات) ، وجميعهم ينتمون إلى أقسام عرفت بإنتاجيتها العالية للبحوث وعلو منزلتها. وأجرينا عدداً لا بأس به من المقابلات مع هؤلاء القادة بهدف التعرف على إستراتيجيات خاصة لتسهيل العمل البحثي، يعدونها إستراتيجيات على جانب كبير من الأهمية لنجاح الأساتذة. إن خلاصات مقابلاتنا وما توصلنا إليه من نتائج نوعية تمثل بمجملها دروساً عملية يمكن تعلمها ، أو ممارسات مثلى يمكن للقادة أن يطبقوها ، وإن لم تطبق لديهم يمكن تكييفها لتتوافق مع ما يمكن أن يستخدمه الأساتذة داخل مؤسساتهم.

 

المخطط العام للكتاب : نموذج المؤسسة منتجة للبحوث 

هناك قيمة جوهرية حقيقية لهذه الروايات الشخصية فيما يخص ممارسات تيسير البحوث التي نقدمها في الفصول 2- 14 ، لكنها تكتسب معنى أكبر كثيراً عندما توضع في إطار تجريبي يوجه البحث النوعي لدينا. وهذا الإطار هو النموذج القائم على ما تناولته المؤلفات الحالية الهادفة إلى فهم طريقة تضخيم الإنتاج البحثي المجموعة أو للمؤسسة لذلك، فالغرض الرئيس .)Bland & Bergquist, 1997; Bland & Ruffin 1992( عموماً لهذا الفصل الافتتاحي يتمثل بتعريف القارئ هذا النموذج المؤسسة تنتج البحوث. وهذا النموذج هو الطوق الداخلي الذي عزز المخطط النوعي ورسخه لدراستنا، والذي ازداد رسوخاً فيما بعد ( وتوسع ) في الفصول المتبقية من هذا الكتاب. 

هذا النموذج، في جوهره، يمثل المخطط العام الذي يربط الأفكار الرئيسة المتعددة، التي تؤثر في إنتاجية المؤسسة للبحوث وإنتاجية أفرادها. وطبقاً لهذا النموذج الذي وضعته المؤلفة الأولى لهذا الكتاب بالتعاون مع زملائها وزميلاتها، والقائم على ما يزيد على 40 عاماً من عمل تجريبي قام به باحثون عدة، توجد مجموعة محددة من الخصائص التي تيسر العمل البحثي، والتي حين تضاف إلى إستراتيجيات مختلفة يمكن أن تعطي مستويات عليا من إنتاجية تدوم على مدى الأيام. ويمكن توزيع هذه الخصائص في ثلاثة مجالات عامة، هي:

 -1- خصائص الفرد الباحث ( عضو الهيئة التدريسية ) .

 2- البيئة التي يجد الباحث نفسه فيها ( القسم أو الكلية أو الجامعة).

 -3- قيادة المؤسسة ( رئيس القسم، عميد الكلية ... إلخ) التي في ظلها تجرى البحوث. 

هذه «الأركان الثلاثة للإنتاجية» تعمل معاً ، وكل ركن فيها يعتمد على الركنين الآخرين، وذلك كله لغرض دعم الهيكلية العامة للمشروع البحثي وهي تؤثر في بعضها بعضاً، والخصائص جميعاً ينبغي أن توجد ؛ لكي تنشأ مؤسسة بحثية هي الأكثر إنتاجية. وفيما يلي نعرض بإيجاز المؤلفات التي منها استنبطنا النموذج. 

خصائص الفرد التي تسهل العمل البحثي

توجد دراسات عدة تتحدث عن خصائص الباحثين الناجحين نذكر منها :

 Blackburn, Behymer & Hall, 1978; Bland & Bergquist, 1997; Bland & Schmitz,) 1986; Pelz & Andrews, 1966; Taylor et al, 2001; Tschannen-Moran, Firestone, .(Hoy & Johnson, 2000; Wheeler & Creswell, 1985

تتضمن هذه الدراسات بعض العوامل مثل التكيف مع المحيط والانسجام مع القيم وقواعد السلوك الأكاديمي، وجود دافع قوي لإيجاد معرفة جديدة، الكفاءة والجدارة في مجال الاختصاص، مهارات بحثية متطورة، الانخراط في مشروعات متزامنة المشاركة الملتزمة بأنشطة المؤسسة والأنشطة الخاصة بالاختصاص العلمي (أي التكيف وفق الظروف والأوضاع ، التوازن بين الأنانية والالتزام نحو المؤسسة أو الاستقلال الذاتي وأخيراً عادات العمل العلمي. وكل واحدة من هذه الخصائص موضحة بالتفصيل في الشكل رقم 1-1.

الخصائص البيئية التي تيسر العمل البحثي 

مع أن تلك الخصائص التي يتميز بها الباحث بشكل فردي أساسية وجوهرية لإنتاجية المرء إلا أنها وحدها لا تكفي. لكن إذا نظرنا إلى العوامل التي تؤثر في إنتاجية الفرد مجتمعة لا نجد عوامل أكثر قوة من خصائص مكان العمل البيئية ومزاياه (clark & lewis, 1985).

والكتاب الذي ألفه عام 1981 Pellino و Boberg و Blackburn و ounelli O C يعطي فكرة عامة توضح الدراسات التي أجريت في هذا المجال، فقد جاء فيه: 

إن مكان الوظيفة في التعليم العالي هو أفضل مؤشر لإنتاجية الأستاذ الجامعي العلمية والبحثية ... وقد لوحظ أن أعضاء الهيئة التدريسية الذين ينضمون إلى بيئة منتجة ينتجون أكثر مما كانوا ينتجون قبل مجيئهم، بل وأكثر أيضاً مما سوف ينتجون مستقبلاً لو انتقلوا إلى بيئة أقل إنتاجية. فالموارد، والدعم والتحدي، والتواصل مع منتجين في بيئات جامعية أخرى، ترتبط جميعاً بعلاقة تبادلية مع إنتاجية الأستاذ الجامعي. (ص 26).

وهنالك دراسات أخرى رددت أصداء هذه المقولة، مثل:

(Blackburn, 1979; Bland, Hitchcock, Anderson & Stritter, 1987; Bland, Seaquist, Pacala, Center, & Finstad, 2002; Dundar & Lewis, 1998; Long & McGinnis, 1981; McGee & Ford, 1987; Perkoff, 1986; Perry, Clifton, Menec, Struthers, & Menges, 2000; Theodorescu, 2000).

وتدل النتائج التي أفرزتها هذه الدراسات أن للمؤسسات الأكاديمية المنتجة مجموعة ثابتة من المزايا مثل التوظيف والانتقاء الهادفين للأساتذة الذين لديهم الدافع إلى البحث وأهداف واضحة تخدم عملية التنسيق وتركز كثيراً على البحوث وثقافة أكاديمية قوية، ومناخ عمل إيجابي للمجموعة، والإرشاد للأساتذة المستجدين، والتواصل المتواتر بين الأساتذة وشبكات تخصصاتهم، والموارد الكافية التي يسهل تناولها، والزمن الكافي وغير المتقطع للبحث، والمجموعة الحرجة من الأساتذة الذين عملوا معاً مدة زمنية لا بأس بها ، والذين يجلبون لهذا الخليط من الأساتذة توقعات وآمالاً مختلفة ورواتب كافية وعادلة وغيرها من المكافآت والتوسط الاستباقي للفرص المتاحة للجميع وتنظيماً لا مركزيا. وسوف نتحدث عن هذه الخصائص البيئية بالتفصيل في الشكل رقم 1-2.

الخصائص القيادية التي تسهل العمل البحثي 

لا ريب أن القيادة الفاعلة المؤثرة ميزة لها أهميتها في المؤسسات المنتجة للبحوث، وفي هذا السياق يقول Blackburn في كتابه المنشور عام 1979 عندما يتعلق الأمر بالبحوث وإنتاجها: «إن كل عامل له صلة إيحابية موجود بين أيدي الإداريين» (ص (26).

وقد تبين من الدراسات السابقة التي أجريت على المؤسسات المنتجة للبحوث أن القادة الفاعلين هم أنفسهم باحثون ذوو مهارات عالية، ولديهم القدرة على التأثير في معارف الأعضاء وقيمهم، وفي تسهيل الاتصال وولوج الشبكات ومساعدة الزملاء الذين Andrews, 1979; Dill, 1982, 1985, 19866( يتعثرون في عملهم البحثي، وهلم جرا وذكرت دراسات أخرى أن ما لدى القادة من خلفية ،)Drew 1985 Sindermann, 1985 ثقافية ومن سلوك قيادي قد يكون له أثر أيضاً في رضى الأعضاء وسرورهم، وفي إضفاء جو عام للجماعة (1979 ,Andrews). 

والجدير بالذكر أن القائد هو الذي يؤثر في استحضار أو غياب تلك الخصائص المؤسسية الأخرى. فمثلاً ، يستطيع القائد أن يلعب دوراً مهما جدا في إيجاد رؤية واضحة للمؤسسة. وقد يطلب إليه القيام بجمع الأموال ليضمن وجود الموارد اللازمة لعمل الأساتذة البحثي والقائد أيضاً هو الذي يشرف على العمل اليومي للقسم ويديره ابتداء من الميزانية ومروراً بالمكان وانتهاء بالأفراد. 

والعلاقة بين القائد والفرد تستند نظريا إلى الثقة المتبادلة بكفاءة كل منهما، ولا والقائد الفاعل )Pineau & Levy-Leboyer, 1983( تستند إلى منطق القوة والسلطة يتبع أسلوب الحوكمة الحازمة والتشاركية المتضمن وجود آليات وتوقعات رسمية لجميع أعضاء الجماعة، ليشاركوا في صنع القرار والمعلومات ذات الجودة العالية حول المؤسسة متاحة دون عناء، ويشعر الأعضاء أن آراءهم لها قيمة وأهمية، ولديهم إحساس بالتملك والمشاركة في مستقبل المؤسسة. 

وأما الصورة العامة للقائد الفاعل فهي أنه يسهل إنتاجية الجماعة عبر الجمع بين الأهداف المشتركة وبعض الهيكليات وحوكمة عالية التشاركية (1983 ,Birmbaum Dill, 1986a, 1986b; Epton, Payne, & Pearson, 1983; Hoyt & Spangler, 1978, Locke, Fitzpatrick, & White, 1983; Pelz & Andrews, 1966; Pineau & Levy - 1983 ,Leboyer). يتضمن الشكل رقم 1-3 أدناه خلاصة توضيحية لهذه الصورة.

وضع هذه المزايا جميعاً معاً 

هذا الكم الهائل من الدراسات التي أجريت على المؤسسات المنتجة للبحوث يمكن أن تفرز لنا رسالتين مهمتين هما: 

. أولاً، إن هذه المجموعة التي تضم الخصائص الفردية والبيئية والمؤسسية لها دور رئيس في إنتاجية المؤسسة للبحوث ونجاح الأفراد في عملهم البحثي يعتمد على ما لديهم من علم ومعرفة وعلى مهاراتهم وما لديهم من دوافع تحفيزية، لكنها تستند أيضاً إلى عمق وعرض الدعم المقدم لهم من مؤسساتهم. ويمكن لهذا الدعم أن يتخذ شكل الموارد (موظفون وتمويل). وزمناً محمياً للعمل، وأنشطة بناء ثقافة، وتنسيق الأهداف، وأساليب قيادية بالإضافة إلى عدد كبير من العوامل البيئية - معظمها يهيئه رؤساء الأقسام وغيرهم من القادة الأكاديميين. 

. ثانياً، وأكثرها أهمية، إن هذه الخصائص والمزايا الفردية والبيئية والقيادية تعمل جميعاً معاً، بحيث تعتمد كل منها على الأخرى. فهي عريضة الامتداد ومتبادلة التعزيز والتعاون. وهذا يعني أن أعلى مستويات الإنتاجية البحثية تتحقق عندما توجد هذه الخصائص كافة، وحين يكون ثمة تفاعل ناجح فيما بينها.

ما الذي يدفعك إلى مواصلة القراءة؟ 

قدمنا في الفقرات السابقة الصورة الكبرى كما يقول المثل، ونقصد بذلك النموذج العام المؤسسة منتجة للبحوث استخلصناه من المؤلفات والدراسات التي وضعت في هذا الشأن، والتي تحدد ما له صلة بإنتاجية البحوث ومؤشراتها. لكن معرفة ما له صلة وما يمكن أن يؤشر إلى إنتاج البحوث شيء ووضع هذه الأشياء كلها في حالة عملية شيء آخر. ولنلق نظرة على ما يلي: 

. نحن نعلم من هذا النموذج أن وجود أهداف واضحة في المؤسسة تكون مرشداً لعمل الأعضاء هو خاصية بيئية لها أهميتها في تسهيل العمل البحثي، ولكن، كيف توضع عمليا أهداف القسم الجامعي وأولوياته في البحوث؟ وكيف يجري تعزيزها؟ وكيف يتم إبلاغها ؟ 

. نحن نعلم أن الباحثين بحاجة إلى وقت كاف للعمل. ولكن ما هي الإستراتيجيات التي تطبقها الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث لتحقيق الفائدة القصوى من الزمن الذي فيه ينخرط الأساتذة في أنشطة ذات صلة بالبحوث؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين العمل البحثي والعمل التدريسي؟ 

. نحن نعلم أن الأستاذ المنتج بحاجة إلى أن يجري أحاديث ضرورية ومتواترة مع أقرانه العاملين في البحوث. فكيف تشجع الأقسام هذا النوع من تبادل الرأي داخل جدرانها وفي قاعاتها؟ وكيف تعمل على مساعدة الأساتذة في توسيع وتقوية علاقاتهم المهنية بزملائهم في مؤسسات أخرى؟ 

إن إيجاد الإجابات عن هذه الأسئلة وعن الكثير من الأسئلة الواقعية الأخرى هو القوة الدافعة وراء دراستنا هذه. والذي وجدناه أنه لا يوجد مسار واحد يستطيع القسم الجامعي سلوكه لتحقيق التميز في البحوث بل، وكما سنشاهد في الفصول القادمة. يستطيع القادة وهم قادرون فعلاً على ذلك أن يستنبطوا الهيكليات والبرامج والإستراتيجيات التي تسهل نجاح عمل الأساتذة في البحوث وإضافة إلى ذلك، لا بد من القول: إن اختيارهم الإستراتيجيات يعتمد على عوامل محلية كثيرة، مثل نوع التخصص الأكاديمي وحجم القسم الجامعي والتمويل المتاح المبادرات ذات صلة بالبحوث، وكذلك أماكن مكاتب الأساتذة وقربها من بعضها. 

ونحن نعلم عبر نموذج الإنتاجية البحثية، الذي سبق وعرضناه على شخصيات مختلفة عبر مؤتمرات عدة عقدت حول التعليم العالي، أن الأساتذة والإداريين جميعاً تواقون إلى معرفة تفاصيل هذه الإستراتيجيات، هم لا يريدون أن يعرفوا فقط خصائص المؤسسات المنتجة للبحوث، بل وأيضاً كيف تبنت أقسام أخرى هذه الخصائص الأساسية ونجحت في ذلك، وهم يريدون أمثلة لإستراتيجيات محددة يستطيعون الاستعانة بها أو تكييفها وفق حاجاتهم بغية زيادة إنتاجية البحوث في مؤسساتهم. 

ونعلم أيضاً أن رؤساء الأقسام - وخاصة أولئك الذين تقع على كاهلهم مسؤولية تيسير العمل البحثي هم بين الأساتذة الأكثر انشغالا، وحيث إنهم كذلك، فإن معظمهم لا تتاح لهم الفرصة ( خارج خبرتهم الشخصية ومن عملهم للاطلاع على الكثير من الطرائق التي تكون غالباً مبتكرة يطبقها أقرانهم بنجاح. لهذا كله يمثل هذا الكتاب إسهاماً منا لتلبية تلك الحاجة، ففي صفحاته يجد القارئ أمثلة عديدة لما فعله قادة أكاديميون ذوو تنوع واسع من الاختصاصات لتطبيق هذه المجموعة من الخصائص الميسرة للعمل البحثي عمليا وبنتائج رائعة. 

لمحة عامة عن منهجية بحوثنا النوعية 

تمثلت مقاربتنا التجريبية في إجراء مقابلات مع قادة ( رؤساء أقسام وعمداء ) نحو 37 قسماً جامعيا أو كلية لها منزلتها الرفيعة وإنتاجيتها العالية في البحوث داخل مؤسستنا وهي جامعة مينيسوتا. وقد أجريت هذه المقابلات ما بين نيسان/ أبريل 2001 وتشرين الثاني / نوفمبر 2001 استخدمنا استبانة، وطلبنا إلى قادة هذه الوحدات الأكاديمية المتميزة أن يخبرونا أي هذه الخصائص الميسرة للبحوث يرونها أكثر أهمية، وكيف تظهر هذه الخصائص فعليا في محيط عملهم، سواء عبر برامج محددة أو سياسات أو تخصيص موارد وما إلى ذلك. وقد سجلت هذه المقابلات على أشرطة تسجيل ثم دونت على الورق. بعدئذ صنفنا إجابات المشاركين وفق موضوعات معينة، ومن ثم حولناها إلى سرد مفعم بالتفاصيل والخبرات.

ويمكن الرجوع إلى الملاحق (أ) - (د) في نهاية الكتاب للاطلاع على توصيف كامل المخطط هذه الدراسة وللنهج التحليلي، ودراسة استطلاعية لما قبل المقابلة، والاستبانة المستخدمة في المقابلات ودراسة ديموغرافية للمشاركين. 

كيف أطبق الدروس التي تعلمتها في مؤسستي ؟ 

مع أن ما لدينا من معلومات قد استقيناها من قادة أكاديميين في مؤسسة واحدة إلا أن ما استخلصناه ينطبق أيضاً على غيرها من الجامعات ومؤسسات التعليم بعد الثانوي. وانظر إلى ما يأتي: 

. أولاً، إن مؤسستنا مؤسسة كبيرة وشاملة تتألف من 23 كلية موزعة في أربعة مواقع جامعية في بيئة حضرية أو شبه حضرية أو ريفية والمشاركون في هذه الدراسة يمثلون تنوعاً واسعاً من الكليات، منها الكلية العامة حيث مدة الدراسة سنتان أو كلية ريفية مدة الدراسة فيها أربع سنوات تدرس الفنون الحرة، أو كلية قائمة على جزء من أراضي المنح land grant أو جامعة فرعية أو كليات متعددة الاختصاصات في مناطق مختلفة مثل كليات طب الأسنان أو الحقوق أو الأعمال. ويتضمن الملحق (و) مزيداً من التفاصيل عن جامعة مينيسوتا. 

. ثانياً، الأساتذة الذين أجريت المقابلات معهم يمثلون مجموعة ذات اختصاصات علمية متنوعة. فالعينة المختارة تضم علماء في الفنون الحرة والعلوم الإنسانية والهندسة وعلوم الفيزياء والصحة العامة والعلوم الاجتماعية والتربية والعلوم البيولوجية والطبيعية والاقتصاد والطب والقانون والعلوم الزراعية والبيطرية وغيرها والتنوع الإضافي في هذه العينة يتضح من الفروق الكبيرة في الخصائص الديموغرافية المهمة مثل الحجم (عدد الأساتذة)، وأعداد الطلبة (في المرحلة الجامعية الأولى و / أو الدراسات العليا)، والميزانية السنوية، والتكوين الجغرافي قرب مكاتب الأساتذة). ويتضمن الملحق (هـ) معلومات إحصائية وصفية لهذه الخصائص وغيرها.



. ثالثاً. ا. ومع أن هذه الأقسام تختلف عن بعضها في الاختصاص العلمي وفي الحجم والموارد ونوع الكلية والموقع، إلا أنها جميعاً لديها شيء واحد مشترك، ألا وهو أن أساتذتها، بموجب معايير كل اختصاص ليسوا فقط منتجين بل هم أيضاً متميزون في البحوث. وهذا يعني أن هذه الأقسام لم تنتخب لتكون عينة ممثلة لأقسام في جامعة مينيسوتا، بل لأنها أمثلة الأقسام صنفت على الصعيد الوطني لما لديها من طاقة بحثية وإنجازات - أي هي المصدر الحقيقي الذي منه تستمد إستراتيجيات تيسير العمل البحثي وتنتشر.

. وأخيراً، ولعله الأكثر أهمية، نحن على ثقة أكيدة بأن الآخرين سوف يفيدون من قراءة هذا الكم من العمل، ولا سيما أن أفراداً كثيرين من القراء الذين نتوجه لهم قد أخبرونا ذلك مراراً، وعبر تحليلنا هذه البيانات عرضنا خلاصات أولية لما توصلنا إليه في عدد من اللقاءات المنعقدة على الصعيد الوطني حول التعليم العالي. وفي كل لقاء تعمدنا أن نسأل الحضور: هل تجدون فائدة في هذه المعلومات لكم ولغيركم في كليتكم أو جامعتكم، وكان الجواب دوماً بالإيجاب. وقالوا لنا أيضاً: إن ما نقدمه من معلومات يمكن أن تستخدم في واحدة أو أكثر من الطرق الآتية:

 1- اختاروا عدداً من هذه الإستراتيجيات الميسرة للبحوث، وأخذوها فوراً إلى مواقعهم ليستخدموها كما هي.

 2 - فكروا في طريقة يستطيعون بها أن يكيفوا المعلومات الواردة في دراستنا، بحيث تتلاءم مع ثقافتهم المؤسسية الخاصة.

 -3- بعد سماعهم خلاصة معينة وجدوا أنفسهم يفكرون في إستراتيجية مختلفة. يمكن أن تنجح في موقعهم.

  4-  استعانوا بنموذج الإنتاجية البحثية لإجراء تقويم لاحتياجات أقسامهم وتحديد المجالات التي تحتاج إلى التحسين.

 

إن تشجيع هذا النوع من التفكير الإلهامي والعملي هو النتيجة التي تنشدها من وراء عملنا هذا. 

وبعد، فالبيئة مهمة جدا، ينبغي أخذها بالحسبان وعلى وجه الخصوص في البحوث النوعية، حيث تمثل البيئة جزءاً من المعلومات، وحيث يكون وصف البيئة جزءاً ضروريا ولأننا ندرك ذلك .)Creswell, 2002; Miles & Huberman )1994( في تقارير الدراسة جيداً، فقد بذلنا جهدا جماعيا منظما لجعل ما نذكره في هذه الدراسة يسهل تفسير القراء ما توصلنا إليه من نتائج. وعلى سبيل المثال، عندما تحدث قادة الأقسام الجامعية الذين قابلناهم عن مسوغات تبني إستراتيجية أو مقاربة معينة كنا نقدم المعلومات اللازمة. وفي كل مرة نقتطف فيها من أقوال المشارك كنا نسمي القسم الذي يقوده أو المعهد أو الكلية وذلك بهدف توصيف البيئة العلمية. وأخيراً، فقد أثرنا أن نقدم في الملحق (هـ) معلومات إحصائية حول الأقسام المشاركة، وفي الملحق (و) توصيفاً موجزاً لجامعة مينيسوتا، وفروعها وكلياتها. وبذلك نزود القارئ بشيء من المعرفة عن نوع البيئة التي أجرينا فيها دراستنا وأملنا في ذلك تقديم العون للقراء ليقدروا بأنفسهم ما هي أفضل طريقة لتطبيق الإستراتيجيات المذكورة في بيئتهم التي ينفردون بها. 

تمهيد لما تتضمنه الفصول 2 - 15 

نظم القسم المتبقي من هذا الكتاب في فصول تظهر الخصائص البيئية العديدة المستنبطة من نموذج الإنتاجية البحثية الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة. بالإضافة إلى موضوعين جديدين ( أهمية التدريس والبحث التعاوني) برزا مما لدينا من بيانات ومعطيات نوعية. وفي كل فصل من هذه الفصول نقدم شيئاً إضافيا تحدثت عنه المؤلفات المنشورة وله علاقة بتلك الخاصية. ثم يتبع ذلك توصيف الطرق التي بها يجري تطبيق تلك الخاصية في الأقسام الجامعية ذات الإنتاجية العالية للبحوث في در استنا هذه. وفي بعض الحالات نصف أيضاً تحديات التطبيق التي تواجهها، ونختتم كل فصل بخلاصة لما تقدم من استنتاجات نوعية. 

ومع أن هذا الكتاب يركز بوجه رئيس على الخواص البيئية للأقسام المنتجة للبحوث إلا أنه لا يهمل تلك الخواص والسمات الفردية والقيادية العديدة التي تسهم أيضاً في نجاح المؤسسة. وهذا الكتاب يتناول أيضاً خواص الأفراد وميزاتهم، التي تمثل مؤشراً لإنتاجيتهم في البحوث، وتحديداً في الفصل الثاني. أما موضوع القيادة والحوكمة، فقد عولج أيضاً على نحو مستقل وعلى نطاق واسع في الفصل 14. 

وقد حرصنا على ترتيب الفصول بحيث تظهر الفصول الخمسة الأولى (2) إلى (6) تلك الخواص التي تحدث عنها كثيراً ومراراً المشاركون في هذه الدراسة، عندما طرح عليهم سؤالنا الأول في المقابلة : « ما هي العوامل الأكثر أهمية في تقديركم التي تسهم في إنتاجية البحوث عند هيئتكم التدريسية؟ وفيما يلي ندرج الخواص السائدة:

والجدير بالذكر أن كل فصل من هذه الفصول يمكن أن يكون مستقلاً عن الفصول الأخرى، لكننا نشجع القراء بقوة على قراءة هذا الكتاب بمجمله، فالعديد من الخصائص الميسرة للبحوث، وبرغم كونها قد فصلت بتنوع الفصول متداخلة فيما بينها كثيراً. وأكثر من ذلك، وكما أوضحنا بهذا النموذج المستمد من المؤلفات الذي يدعم هذه الدراسة، فإن الإنتاجية البحثية لا يمكن تأكيدها عبر التركيز على خاصية واحدة فقط مثل تحديد أهداف واضحة للبحث والاهتمام بالمناخ السائد في الجماعة). بل ينبغي الاهتمام بالخصائص جميعاً ؛ لإيجاد مؤسسة تعد الأكثر إنتاجاً للبحوث.

كتب ذات صلة