جیران آخرون
باستثناء اتصالات مصر مع الفلسطينيين، فإن الأمم العربية المحيطة بإسرائيل لا تلعب الآن دورا بناء في أي عملية سلام محتملة، ولكن تأثير العرب التراكمي سيكون حيوياً في المساعدة على استكمال تحقيق اتفاقية يمكن قبولها وفي طمانة الإسرائيليين المتشككين في أن مثل هذا السلام يمكن أن يكون سلاما يعتمد عليه ودائما، وسيكون من المساعد أن تلخص المشاركة في الماضي وتقويمات زعماء سورية، والأردن ومصر ولبنان، والمملكة العربية السعودية بخصوص مشاركاتهم الممكنة في الحلول المحتلمة. وقد قمت أنا بزيارة هذه البلدان بقدر ما أمكن من المرات المتكررة ورتبت للمزيد من الاجتماعات الإضافية مع زعمائها إما في الولايات المتحدة أو في مكان آخر.
سورية :
لقد تخلت إسرائيل عن سيطرتها على الأجزاء المحتلة سابقاً من مصر وعن كل ما كان للبنان تقريبا ولكنها ما تزال تحتل منطقة من سورية تضم مرتفعات الجولان. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن مرتفعات الجولان حين أدخلت في غوغل، كان واحداً من ردود الفعل الأولى هو دعوة موجهة إلى السياح الدوليين للمجيء إلى المرتفعات وزيارة المستوطنين الإسرائيليين الذين يسكنون هناك. وقد زرت هذه الهضبة العالية لأول مرة في العام 1973 ورجعت إلى المنطقة العامة مرات عديدة في رحلات قمت بها إلى إسرائيل، وإلى الأردن، وإلى سورية. لقد استولت إسرائيل على المرتفعات من سورية في حرب الأيام السنة في العام 1967، وفي العام 1981 سنت إسرائيل قانوناً يتضمن على ما يبدو فرض اختصاص إسرائيل القضائي الدائم على المنطقة. وهذا مصدر إزعاج شديد للغاية في دمشق وتسبب في أن يكون الزعماء السوريون في مقدمة العرب الذين قاوموا التسوية مع إسرائيل في أي قضية أخرى.
حين صرت رئيساً، كانت واحدة من غاياتي الأولى هي إقناع الرئيس السوري حافظ الأسد أن يغير هذه السياسة السلبية ويتعاون معي في بذل جهد شامل للسلام. وكان المعروف عن حياته الشخصية أو الأسرية قليلا، ولكن وزير الخارجية السابق هنري كيستغر وآخرين من الذين سبق أن عرفوه وصفوه لي بأنه ذكي جداً، وفصيح، وصريح في مناقشة أكثر القضايا حساسية. ودعوت الزعيم السوري للمجيء لرؤيتي في واشنطون، ولكنه رد بأنه لم يكن لديه أي رغبة في وقت من الأوقات الزيارة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من هذا الصد الحازم ولكن المؤدب علمت عنه وعن أمته كل ما استطعت قبل مقابلته.
وكان إخفاق الدول العربية في تدمير دولة إسرائيل الجديدة في العام 1949 قد آثار موجة من النقد الذاتي في صفوف الدول العربية وفيما بينها، وفي العام 1958 أدى بحث الدول العربية عن مدخل جديد إلى قيام اتحاد بين سورية ومصر لتشكل الجمهورية العربية المتحدة. وبعد ثلاث سنوات ونصف كان من الواضح أن مصر جمال عبد الناصر كانت تسيطر على الأمة الجديدة، وقام الزعماء السوريون المستاؤون بحل الاتحاد وبصفته وزيراً للدفاع وجه حافظ الأسد والقادة العسكريون الآخرون اللوم إلى السياسيين عن الهزيمة المذلة في حرب العام 1967، ورفض الأسد بعد ذلك أن يطيع أوامر رئيسه في العام 1970 المساندة المقاتلين الفلسطينيين الذين كانوا يقاتلون في الأردن ضد الملك حسين. وحين أدين بسبب عمله هذا ، استولى على السلطة في انقلاب بلا دماء.
وكان للأسد سمعة اشتهر فيها بالحزم نحو أي شخص يقاوم سلطته وكان متحمساً في حماية منطقته من التدخل الخارجي وفي توسيع دور سورية بصفتها قوة مسيطرة في قضايا الشرق الأوسط. وكان مستعدا لمواجهة مجابهات سياسية وعسكرية جدية بدلاً من الاستسلام في هذا المبدأ.
تقابلنا لأول مرة في سويسرا في شهر حزيران / يونيو من العام 1977، وقد وجدت الأسد مثلما وصف لي - وهو إلى أقصى درجة أفصح زعيم في التعبير عن أساس معتقدات العرب بخصوص إسرائيل وفرص السلام. وبدا لي في البداية متعجرفاً ولكنه مهتم بجهودي لترتيب مفاوضات السلام. وأصر على أن محادثات السلام كان يجب أن تراعي قراري الأمم المتحدة رقم 242 و 338 الملحقان (1، 2) ويجب أن تضم السوفيت، واعترض بقوة على المناقشات الثنائية بين إسرائيل وأي دولة عربية أخرى وعلى استبعاد الاتحاد السوفيتي. لقد اعتمدت سورية اعتماداً كثيفا على العون السوفيتي، ولكن الأسد لم يكن دمية تابعاً، وكنت أمل في أنه قد يظهر استقلاله بالعمل معي للتغلب على بعض العقبات التي واجهناها، وكانت خططي من أجل محادثات السلام في ذلك الوقت مستندة إلى قراري الأمم المتحدة نفسيهما اللذين أكدهما.
ولكي نفهم المواقف التي ما زالت مسيطرة في العالم العربي، ومن جملتها في الواقع أكثر وجهات النظر اعتدالاً في مصر، والأردن ولبنان، فإن من المفيد تلخيص آراء الأسد المتحمسة، والتي نادراً ما تسمع في العالم الغربي، وكنا روزالين وأنا، بالإضافة إلى المترجمين الرسميين، قد احتفظنا بملاحظات حريصة عن محادثاتنا.
أكد لي الأسد أن إسرائيل كانت قد أدخلت إلى الأمم المتحدة في العام 1949 بشرط واضح وهو أن اللاجئين الفلسطينيين سيسمح لهم بالعودة إلى أرض وطنهم أو أن يعوضوا تعويضاً كاملاً عن ممتلكاتهم المفقودة. وقال لي، إن إسرائيل، قبل العام 1967، كانت تقوم بشكل مضطرد بإجبار المزيد من السكان العرب على ترك القليل المتبقي لهم من أرضهم في خرق لاتفاقيات الأمم المتحدة التي كانت إسرائيل قد أقسمت على احترامها، وادعى أن الإسرائيليين هم الذين بدؤوا بحرب 1967 كي ياخذوا المزيد من الأرض العربية فعلا.
واقتبس الأسد من الزعماء الإسرائيليين الرئيسيين الذين أعلنوا أن هذا كان مجرد خطوة متوسطة نحو إسرائيل الكبرى في نهاية المطاف، وقال الأسد، إن كل عمل منذ ذلك الوقت قد بين عملياً التزاماتهم التوسعية، وكان الأسد مقتنعاً أن الإسرائيليين لم يريدوا السلام وكانوا سيحبطون المفاوضات دائماً في الوقت الذي كانوا يتوسعون جغرافياً، وأكد أنه ما من زعيم عربي، وهي قضية مبدأ ، يستطيع أن يوافق مطلقاً على أي مد للحدود القانونية لإسرائيل بغض النظر عن مقدار ما لديه من رغبة عظيمة في السلام.
حاولت أن أقنع الأسد أن الإسرائيليين كانوا جاهزين للسلام إذا كان الزعماء العرب مستعدين للتفاوض معهم مباشرة وبحسن نية، ووصفت الالتزام الكاسح من الإسرائيليين بأمن أمتهم الصغيرة وحاجتهم إلى أن يكونوا مقبولين بصفتهم كياناً دائما في المنطقة. وأشار الأسد إلى أن الضفة الغربية شكلت 22 بالمائة فقط من الانتداب البريطاني، وحوالي ربع ما حصل عليه الإسرائيليون، وأدان توسعهم في مرتفعات الجولان السورية. إ
نه لغريب أن يصروا على تأمين حدودهم على أرض شعب آخر. لماذا يجب أن تكون حدودهم الآمنة في الساحة الخلفية لدمشق ولكن بعيداً نوعاً ما عن تل أبيب؟""
وأضاف، وكان ذلك تقريباً فكرة مستدركة، ونحن طوال الوقت نتحدث عن الدين. وإذا أخذت منا القدس، فسنكون نحن المسلمين، بلا روح فليس من المتصور أننا سنكون مطالبين بصخب بالعودة إلى حدود العام 1967 وتستثني القدس فقط.
وسألته: هل سيجعل الأمر أسهل إلى حد ما إذا عملنا استشاءات أخرى كذلك؟
ضحك مع مستشارينا حول طاولة المؤتمر. وأجاب: إذا أصر الإسرائيليون على الاحتفاظ بالقدس الشرقية. فإن هذا يظهر أنهم لا يريدون السلام، وذلك لأننا متعلقون بها مثلهم .
وأجبت: إن المسيحيين الآخرين وأنا كنا ملتزمين التزاماً عميقاً بالقدس وكنا نأمل أن جميع المؤمنين سيكون لهم حق الوصول من دون عائق إلى الأماكن المقدسة والحق بالعبادة هناك من دون تقييد وقبل أن نؤجل اجتماعنا، وعد الأسد بأن يدلي ببعض التصريحات الإيجابية حول جهود السلام، مضيفاً أنه قبل سنة أو سنتين كان الحديث عن السلام مع الإسرائيليين سيعني الانتحار السياسي في سورية.
وسالته لماذا لم تعترف سورية أبداً بلبنان بوصفه دولة منفصلة ومستقلة وبدت كانها اعتبرته جزءا من سورية. وأنكر الأسد أي مخططات على جاره الغربي مصراً على أنه هو وشعبه اعترفوا باستقلال لبنان من دون لبس. وادعى أنه كان يفضل لبناناً حراً ومستقلاً، وتعهد بأن يسحب قواته حين يطلب منه فعل ذلك من الجامعة العربية والحكومة اللبنانية""، ولكن بدا واضحاً أنه لم يتوقع أبداً لهذا الطلب أن يطلب.
وشكا الأسد من أن الإسرائيليين يعتبرون أن من حق كل يهودي في العالم ، محتاجا أو غير محتاج أن يستوطن في الأراضي العربية التي يسيطرون عليها بالقوة في حين يرفضون السماح لعرب بلا بيوت ويعانون وطردوا من بلدهم بالعودة إلى البيوت والأراضي التي مازالوا يملكون حجج التمليك القانونية فيها، وحاج بأن إسرائيل، في الوقت الذي ادعت فيه الحق بكيان دولتها في فلسطين في العام 1948 لأنها كانت تعيد فقط إنشاء أمة دمرت في الأزمنة الماضية، رفضت الاعتراف بدولة فلسطينية في المساحة نفسها والمكان نفسه الذي عاشت فيه أجيال من الفلسطينيين من المسيحيين أو المسلمين وسكنتها طوال آلاف السنين سكني متصلة، وأضاف، وزيادة على ما تقدم، فما من أمة أخرى على الأرض، ومن جملتها الولايات المتحدة، تعترف بمزاعم إسرائيل الحالية في الأراضي التي صادرتها منذ 1949 العام.
وقال الزعيم السوري أيضاً إن الإسرائيليين شددوا على أن يهود العالم يشكلون شعباً واحداً، بغض النظر عن الاختلافات الواضحة في هوياتهم، ولغاتهم، وأعرافهم، ومواطنيتهم، ولكنهم ينكرون أن الفلسطينيين يشكلون شعبا متماسكا مع أن الفلسطينيين يمتلكون هوية وطنية واحدة، ولغة واحدة، وثقافة واحدة، وتاريخاً واحداً. إن كثيرين من العرب يعتبرون هذه التمايزات شكلاً من العنصرية ينظر بها الإسرائيليون إلى الفلسطينيين بوصفهم أقل من الإسرائيليين ولا يستحقون حقوق الإنسان الأساسية، ويصمونهم في الغالب بصفة الإرهابيين إذا قاوموا تعديات إسرائيل وهزئ من زعم إسرائيل بأنها ديمقراطية حقيقة، مؤكداً أن مساواتها السياسية والاجتماعية هي فقط لليهود.
وبشأن البحث عن السلام حاج الأسد بأن الإسرائيليين يخلقون، من أجل ضمان أمن أنفسهم، أعذاراً للتوسع، ولاحتلال أراضي جديدة، ولبناء مراكز عسكرية متقدمة دائمة، وتتطور هذه المراكز لتصير مستوطنات مدنية. وقال . ومرتفعات الجولان في ذهنه كما هو واضح إن الإسرائيليين بعدئذ يخلقون الظروف للدفاع عن المستوطنات الجديدة بالمزيد من التوسع، وبالقوات العسكرية المعززة القوة، وإجلاء السكان العرب.
وزعم أن خسارة الأرواح العربية هي خسارة غير مهمة نسبياً عند اليهود وعند مسانديهم الأمريكيين، الذين يربطون كل الفلسطينيين بالإرهاب في محاولة التبرير هذا الموقف العنصري إن التفسير لمثل هذه السياسة المشتركة هو طموح أمريكي إسرائيلي للهيمنة على الشرق الأوسط على حساب شعبه المحلي، الذي يريد الحرية فقط والحق في أن يعيش بشكل سلمي في أوطانه الخاصة. وشرح الأسد أن الولايات المتحدة وإسرائيل، برفضهما لمناقشة السلام مباشرة مع الفلسطينيين فإنهما يمنعان المفاوضات، إلا حين يفردان مجموعة عربية في كل مرة ويغرياتها بالتهديدات أو بالمداهنات الاقتصادية لتعمل مع إسرائيل والولايات المتحدة فقط.
وتابع الأسد : إن سورية قد برهنت على استعدادها للعمل من أجل السلام بالطرق التالية التي لم تتم المشاركة فيها لا من إسرائيل ولا من الولايات المتحدة:
. باحترام كل قرارات الأمم المتحدة المتصلة بالنزاع العربي الإسرائيلي
. وبمساندة القرار الدولي الكاسح بأن الفلسطينيين شعب يملك، مثل الآخرين على الأرض، حقا في تقرير المصير
. وبمراعاة القوانين الدولية التي تحرم الاحتلال وإلحاق الأراضي التي تخص الآخرين
. وبتحديد حدودها الخاصة واحترام الحدود المعترف بها دولياً للآخرين
. وبعرض انسحاب قوات سورية من لبنان حين يطلب منها ذلك من الحكومة اللبنانية.
وعلى الرغم من أن الأسد لم يعط أي إشارة عن كونه مستعداً للتخلي عن أي من أهدافه الطويلة الأمد، فقد رجعت من مقابلتنا الأولى مقتنعاً بأنه قد يكون مستقلاً ومرناً بما فيه الكفاية ليعدل تكتيكاته السياسية لتتلاءم مع الأزمنة والظروف المتغيرة. لا بل إنه في مرارته نحو إسرائيل استبقى فكاهة ساخرة عن آرائهم المتضاربة، وهو يستمد الصبر على ما يبدو من اعتقاد بأن التاريخ، مثلما حدث في أثناء الحروب الصليبية، سوف يتكرر في نصر عربي نهائي.
في أثناء رحلات تالية إلى سورية، قضيت ساعات أتحاور مع الأسد وأستمع إلى تحليلاته للأحداث في الشرق الأوسط. لقد كان غاضباً للغاية حين أخبره السادات لأول مرة عن زيارته التي خطط للقيام بها إلى القدس، ولم يغفر له أبداً ""خيانته"" للقضية العربية. لقد رأى أن السادات قد أغرته إسرائيل للدخول إلى عمل أحادي الجانب كان سيعيد إلى مصر أراضيها على حساب العرب الآخرين لقد فعل السوريون كل شيء ممكن لمنع المحادثات المباشرة بين إسرائيل ومصر أو أي جار آخر من جيرانها ثم قادوا بعد ذلك جهوداً لعزل مصر والمقاطعتها، لا بل إن الموت لم يغفر للسادات. وقد امتلأت شوارع دمشق بالجماهير المتهللة بالفرح حين أعلن اغتياله.
لام الأسد السادات ومعاهدة السلام مع إسرائيل بسبب الهجمات التالية على لبنان. ورأى أن الإسرائيليين ما كانوا ليقدموا على المخاطرة بالقيام بالثار المنسق ضد منظمة التحرير الفلسطينية لو أن مصر كانت حرة لتنضم بقواتها إلى العرب الآخرين. وكان بيننا مناقشات متبادلة ساخنة. وكنت أذكر الأسد أن مصر قد استرجعت أرضها وأن شعبها كان يعيش بسلام واقتبست مقاطع من اتفاقات كامب ديفيد لأبرهن على أن إطار العمل يأمر بالانسحاب من طرف إسرائيل من الأراضي المحتلة، وبتقرير المصير للفلسطينيين، وبحل سلمي للاختلافات البارزة بين إسرائيل وجيرانها العرب الآخرين.
وبعد أحد الاجتماعات الطويلة، وقف الأسد في مكتبه أمام رسم ضخم يصور معركة حطين في العام 1187. في ذلك الاشتباك التاريخي هزم القائد المسلم صلاح الدين الغزاة الصليبيين، وأسقط مملكة القدس الصليبية. وكان العرب هم المنتصرين على الغرب. وحين كان الأسد يناقش الحملات الصليبية والصراعات الأخرى من أجل الأرض المقدسة، بدا لي أنه يتكلم مثل صلاح دين حديث وكأنما كان واجبه أن يخلص المنطقة من الحضور الأجنبي في الوقت الذي يحفظ فيه دمشق بصفتها نقطة التركيز للوحدة العربية الحديثة.
حين اجتمعت مع حافظ الأسد للمرة الأخيرة في العام 1999، في جنازة الملك حسين، كان قد امتلك نجاحات مختلطة. كانت القوات الإسرائيلية قد خرجت من لبنان خروجاً كاملاً تقريباً، ولكن الأردن وإسرائيل قد توصلنا إلى معاهدة سلام قبل خمس سنوات. كان واهناً جداً، ولم يكن قد بقي له إلا عام واحد فقط ليعيشه ولم يعش طويلاً طولاً كافياً ليرى ابنه الرئيس بشار الأسد، وهو يسحب كل القوات السورية من لبنان في العام 2005.
قمت بزيارة إلى الشرق الأوسط في مطالع العام 2005 وخططت الزيارة الرئيس السوري الشاب في دمشق. وكما جرت العادة، أحطت البيت الأبيض علماً مقدماً قبل وقت مناسب من جدول رحلتي وتلقيت فوراً دعوة من مستشار الأمن القومي الذي أعلمني بأنني لن أتلقى موافقة على هذا الجزء من رحلتي. وذلك بسبب اختلافات قائمة مع سورية تخص سياسة الولايات المتحدة في العراق، وأن قرارا كان قد اتخذ لسحب سفيرنا ولعزل الرئيس الأسد عن طريق منع الزيارات التي يقوم بها أمريكيون بارزون وحاولت أن أشرح أنني سبق لي أن عرفت بشاراً منذ أن كان طالباً جامعياً وأنني سأكون سعيداً باستخدام نفوذي لحل مشكلات بارزة وذلك مثلما فعلت مع والده. وفي محادثة ساخنة نوعاً ما، عبرت أيضاً عن رأيي بأن رفض التواصل مع الزعماء الذين تختلف معهم كان عملا يأتي بعكس الغرض المطلوب، وبشكل متردد، امتثلت للتوجيه ولاحظت لاحقاً، أن الرئيس الأسد لم يمنح تأشيرة لحضور اجتماع القمة في الاجتماع العام للأمم المتحدة في نيويورك.
وعلى الرغم من هذه الجهود التي بذلت لإحراج بشار الأسد ولإضعافه فقد بقي حياً طوال ست سنوات في واحد من أصعب المناصب السياسية في المنطقة. وإن من المحتمل تماماً أنه قد دفع إلى الدخول في أحلاف أقوى مع القوى المناوئة للأمريكيين في العراق وإيران، ولبنان وحين تشن الجهود الدولية للسلام لإنهاء النزاع الحالي بين إسرائيل ولبنان، فإن سورية قد تلعب مرة أخرى دوراً كبيراً.
الأردن :
حين رأينا ، روزالين وأنا الأردن لأول مرة في الربيع من العام 1973، كنا ننظر من خلال أسلاك شائكة من الضفة الغربية إلى الحقول الخضراء عبر نهر الأردن.
وبوصفنا ضيفين على رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، فقد جرى الترحيب بنا لتعبر جسر اللنبي، حيث لاحظنا تياراً كبيراً لا ينقطع من الناس الذين يسافرون جيئة وذهابا بين البلدين. وكانت تفتيشات الحدود سطحية بلامبالاة، وكان هناك تقريبا جو احتفالي في ذلك المشهد المشغول.
في العام 1983، بعد أن كنت رئيساً، رجعنا إلى جسر اللنبي. كانت الأزياء العسكرية الموحدة الإسرائيلية في كل مكان، وكان تدفق قليل فقط من الناس يعبر الحدود. وامتدت الصفوف المئات من الياردات، وصف غير متساو من المركبات ومواقع المخيمات بدت لنا وكان بعض الناس ومحاصيلهم كانوا ينتظرون لعدة أيام. كان هناك إحساس من التوتر والعداوة في كلا الاتجاهين.
في هذه المرة كنا مسافرين من القدس إلى عمان، بعد أسابيع من المناوشات من العاملين معي مع المسؤولين الدبلوماسيين في كلا البلدين. وأخيرا، صرت أنا أول شخص يقوم بالعبور باستخدام جواز سفر واحد، لأن الوثائق إذا ختمت أولا في أي من إسرائيل أو بلد عربي، فإنها لن تكون مقبولة من الطرف الآخر، وحين وصلنا إلى مركز الجسر، لم يكن هناك أي تبادل لروح الدعابة بين المسؤولين من البلدين بوجوههم المتحجرة قادونا، روزالين وأنا إلى المجمع الملكي، وهو قائم على تل قرب المدينة القديمة.
ومن بيت الضيافة الذي كنا فيه كنا نستطيع أن تلقي نظرة عبر واد ضيق عميق في الشوارع التي تعج بالحركة من منطقة سكنية تم بناء الإسكان فيها حديثاً، وكان في معظمه للاجئين الفلسطينيين في السنوات الحديثة. وتذكر بعض أعضاء مرافقتنا أن جد الملك حسين الملك عبد الله بن الحسين، كان يستمتع بممارسة الرماية طويلة المدى في التلال التي كانت أننذ غير مأهولة عبر الوادي.
عبد الله سليل مباشر من النبي محمد (ص)، وسبق أن قاتل قتالاً جيداً ضد الأتراك في الحرب العالمية الأولى، وأراد البريطانيون أن يكافئوه. في البداية رشح ليتولى عرش العراق، ولكن البريطانيين قرروا أن يعطوا ذلك الشرف إلى أخيه فيصل. وكانت الحاجة تدعو إلى عرش آخر، وهكذا أنشئت إمارة سميت إمارة شرق الأردن تكونت من بعض مناطق الصحراء البعيدة من فلسطين الانتداب وامتلك عبد الله تاجه، مع انه كان بسلطة قليلة. ولم يعط شرق الأردن استقلاله حتى العام 1946، وكان السفير البريطاني مازال يستبقي السيطرة على السياسة الخارجية ومعظم القضايا المالية والعسكرية.
وبعد الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948 ، طالب الملك عبد الله بالأرض التي كانت في الضفة الغربية ولم تكن جزءاً من إسرائيل، ومن جملتها مدينة القدس الشرقية القديمة المحاطة بجدار مع العديد من أماكنها المقدسة. وقد قبل الفلسطينيون قرار الأردن، وأكد هذا العمل بهدنة في العام 1949 بين عبد الله والإسرائيليين. وتحولت شرق الأردن إلى مملكة الأردن وكافحت لتستوعب 400.000 لاجئ فلسطيني تقريبا كانوا قد فقدوا بيوتهم في ما صار الأمة الجديدة إسرائيل. كانت 6 بالمائة فقط من مساحة أرض الأردن في الضفة الغربية، ولكن ثلثي السكان تقريبا فلسطينيون وقسما كبيرا من موارده الطبيعية والمالية كان الآن فلسطينيا.
وحوالي ثلث الفلسطينيين في الأردن كانوا في مخيمات وعاش الآخرون حيثما استطاعوا أن يجدوا مأوى مؤقتاً في الكنائس، وفي المساجد، وفي الخيام، وفي الكهوف، وفي الأكواخ، وفي المباني العامة، ورفض بعضهم أن يقبلوا إسكاناً ثابتاً، زاعمين أن وطنهم الوحيد كان في فلسطين. وكثيرون من الأشخاص النازحين بقوا عاطلين عن العمل وعاشوا على مخصصات الطعام المقدمة من وكالات الإغاثة من الأمم المتحدة ومع ذلك، فإن الحياة في الضفة الغربية كانت مزدهرة نسبياً، وهكذا فالفلسطيني المتوسط كان أفضل تعليماً، وأفضل غذاء، وأكثر نشاطاً سياسياً من جاره في الضفة الشرقية. وحين تمت الموافقة على الاندماج الرسمي للضفة الغربية مع الأردن من قبل البرلمان الأردني في شهر نيسان / إبريل من العام 1950، قدمت المواطنة إلى جميع الفلسطينيين. وكثيرون منهم شاركوا في القضايا السياسية للأردن، ولكنهم مازالوا مع ذلك يحتفظون بهويتهم بصفتهم فلسطينيين.
وعلى الرغم من أنه كان هناك اعتراضات قوية في صفوف العرب ضد قبول دولة إسرائيل، فقد كان يروى أن الملك عبد الله كان يتقابل مع الإسرائيليين سراً. وقد اغتيل في شهر تموز / يوليو من العام 1951 على يد متطرف فلسطيني في المسجد الأقصى في القدس بحضور حفيده حسين بن طلال، وبعد ذلك بأكثر من سنتين قليلاً صار ذلك الشاب ملكاً حين بلغ من العمر الثامنة عشرة. ومع حلول ذلك الوقت، كان قد خصص للفلسطينيين نصف مقاعد البرلمان والقسم نفسه من المناصب العليا في الحكومة. واستمر الملك الشاب بالضغط من أجل استقلال الأردن، وفي العام 1956 أمر الملك المسؤولين البريطانيين والعاملين العسكريين بأن يغادروا الأردن. وكان مقدراً لذلك القرار أن يكون هو أكثر قرارات حكمه شعبية.
جاءت أكبر كارثة سياسية للملك حسين في حرب الأيام الستة من العام 1967، حين احتلت القوات الإسرائيلية القدس الشرقية وكل الضفة الغربية. ففقد الأردن بذلك نصف شعبه، ومصدراً كبيراً من الدخل السياحي من الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم، ومساحات واسعة من الأرض الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، فإن 250.000 لاجيء إضافي تقريباً من الضفة الغربية استقروا في الأردن على الجانب الشرقي من النهر.
وعلى الرغم من جهود حسين للسيطرة على الفلسطينيين، استخدم الفلسطينيون الأقوياء في أثناء أواخر الستينيات من 1960 على نحو متزايد بعض مخيمات اللاجئين بصفة قواعد للفدائيين من أجل هجماتهم المستمرة تقريباً على إسرائيل. وكثيرون من هؤلاء المقاتلين رحبوا بالغارات الانتقامية على الأردن لأن أحد أهدافهم كان هو إضعاف حسين واستبدال الجمهورية بالملكية، جمهورية مثل جمهورية ناصر في مصر. وبحلول شهر أيلول / سبتمبر من العام 1970 كانت تثور حرب مدنية على نطاق كامل في الأردن بين قوات حسين المسلحة وبين جماعات حرب العصابات. وكان ذلك هو الوقت الذي رفض فيه وزير الدفاع السوري الأسد أن يهاجم قوات الأردن وكان حسين قادرا على أن يسيطر. وانسحب السوريون وهرب كثيرون من الفلسطينيين إلى لبنان، وتم استعادة النظام. وكان حسين موضع إعجاب لأمانته وإحسانه، ولذلك استطاع أن يجتذب الدعم المالي القوي من المجتمع الدولي، وهو الدعم الذي وجه الكثير منه إلى الفلسطينيين.
لقد ارتقى الملك حسين على عرش الأردن في العام 1953، وبهذا صار هو أقدم حاكم وطني على ظهر الأرض حين زرناه، وهو يخدم في العام الثلاثين من حكمه. وزملاؤه من قادة العالم كانوا يحترمون آراءه لأنها كانت دائما آراء معتدلة ومدروسة دراسة حريصة. وكان حسين يمتلك من القوة الشخصية ومن التأثير أكثر بكثير مما سمحت له بإظهاره مملكته الضعيفة. لقد أدان السادات بعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، ولكنني كنت أمل أنه سيعيد مجدداً العلاقات الدبلوماسية مع مصر ويتصالح مع الفلسطينيين.
وقد أوضح الملك حسين بجلاء أنه كان يعتبر الاضطراب المستمر، وعدم الاستقرار، والتوتر في المنطقة تهديدا المملكته، وخصوصا إذا لم يستطع الفلسطينيون أن يحققوا حياة من السلام والكرامة. وكان خائفاً من أن موجات جديدة من اللاجئين قد تتدفق إلى الأردن بسبب الجهود الإسرائيلية للاستحواذ على المناطق المحتلة وكان يرى أن عدم قدرة الفلسطينيين على التعبير عن حقوقهم المشروعة هي السبب الأساسي للأمراض السياسية التي ابتليت بها المنطقة.
وبدا لي الملك حسين مثل الأسد، فخوراً بأنه قد ساند المقترحات الدولية الرئيسية التي قصدت إلى إنهاء النزاع في المنطقة، وكان هو وكل الزعماء العرب الآخرين تقريبا يساوون باستمرار بين محنة الفلسطينيين ومحنة اليهود بعد الحرب العالمية الثانية من دون حقوق وطنية أو فردية، أخرجوا بالقوة من وطنهم، ومازالوا يعانون من اضطهاد قوة عسكرية بعد أكثر من جيل. وفي عروض منسقة تنسيقاً متبصراً يعرضها الأردنيون للزوار، يدعي الأردنيون أن السياسة الثابتة لإسرائيل هي تشديد قبضتها العسكرية على الضفة الغربية وغزة، والتنافس مع الفلسطينيين على أفضل المواقع، وجعل الحياة بالنسبة إليهم أشق ما يمكن لكي تطرد السكان العرب من أرضهم الخاصة، وقد أكد حسين لنا أن 12.000 فلسطيني في العام يغرون أو يجبرون بالقوة على مغادرة منازل أسلافهم والتحرك شرقاً، إما إلى الأردن أو للانضمام إلى الكثيرين من اللاجئين المتجولين في البلدان الأخرى.
ومع إقرار الأردنيين بأن المعاهدة الإسرائيلية المصرية قد أعطت زخماً جديداً العملية السلام، فإنهم قد رأوا أن الميزات قد أبطلت بتحييد مصر وبالدور الإسرائيلي المستبد بسيطرته سيطرة متزايدة في الأراضي المحتلة. وفي إحدى زياراتي الأخيرة. أعلمني الأردنيون أن رونالد ريغان، حين كان رئيساً، أعطاهم ضمانات مباشرة لا ليس فيها أن النشاط الإسرائيلي في الاستيطان سوف يجمد، وذلك شرطا للشروع في أي محادثات موسعة للسلام، وأضافوا أن الإسرائيليين رفضوا أي قرار سياسي الوقف نشاط الاستيطان.
وكان الملك وأخوه ولي عهده الأمير حسن يستطيعان أن يقتبسا آخر أرقام إسرائيلية عن مقدار من مساحات أراضي العائلات الفلسطينية التي كانت تجري مصادرتها من السلطات العسكرية الإسرائيلية، ورأيا أن البنية المجتمعية لغير اليهود كان يجري تغييرها منهجياً من الزراعة العائلية والمشروع الحر إلى العمل اليومي، ونتيجة لذلك يصير الفلسطينيون معتمدين اعتماداً متزايداً على الأعمال المنزلية الخدمية الوضيعة والأعمال الأخرى للإسرائيليين وعرضا علي إحصاءات ليبرهنا على أن مصادر الماء من وادي نهر الأردن الأعلى كان يجري توجيهها إلى الإسرائيليين حصراً تقريباً وأن العرب كانوا ممنوعين ولو من حفر أي بئر جديدة أو تعميق بئر قديمة جفت بسبب الآبار المجاورة التي يجري حفرها من طرف المستوطنين اليهود. وأدانا سياسة إسرائيل التي تمنع تسليم العون الأجنبي من خلال عمان إلى الضفة الغربية وغزة من أجل مشاريع مثل التعليم، والإسكان والزراعة.
وكان قد سبق لنا أن سمعنا معظم هذه الشكاوي من أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية وغزة، ولكننا الآن كنا نرى ما يعرض علينا من الصور الملونة والرسوم البيانية، وصفحات الإحصاءات والوثائق الرسمية. لقد كان واضحاً أن العائلة الملكية الأردنية كانت تعمل العرض نفسه للزوار الآخرين ولجماهير المستمعين في المنتديات الدولية. لقد كان زعماء الأردن مقتنعين أن حركة إسرائيل الاستعمار وفي النهاية لإلحاق أجزاء جوهرية من الأراضي المحتلة لن تغير فقط الشخصية الأساسية لإسرائيل ولكنها ستخاطر بمعاهدة سلامها مع مصر وبعلاقات الصداقة مع كل جيرانها الآخرين. وهذا هو ما سينهي كل المحاولات القابلة للحياة للوصول إلى تسوية سلمية للخلافات العربية الإسرائيلية ويقود في نهاية المطاف إلى حرب مقدسة أخرى أوسع وأكثر إهلاكا ، مع قوات إسلامية ملتزمة من خلال معتقداتها الدينية باستعادة حقوق أشقائهم العرب الذين يعيشون غرب نهر الأردن أو الذين يدعون الحق في العيش هناك.
لا بل، ومن دون مثل هذا النزاع، فإن كثيرين من الأردنيين يشعرون أن الإخفاق في حل القضية الفلسطينية قد يؤدي إلى تدمير أمتهم الخاصة بهم، وهم يستمعون بغضب وقلق إلى بعض المتحدثين الإسرائيليين المتطرفين الذين يقولون الأردن هو فلسطين. وهذا تهديد حقيقي وحيوي لزعماء الأردن.
بعد وفاة الملك حسين في العام 1999 ، تولى عرش الأردن ابنه عبد الله الثاني وبدا أنه يتابع موقف والده من المثالية الحذرة وعلى الرغم من الحدود الموجودة على تأثيره، فإن نزاهته الشخصية والتزامه بسلام الشرق الأوسط أمران معترف بهما.
مصر:
كانت عائلتنا تستمتع دائماً بزيارة مصر لتبحر في النيل، ولتسافر في الأرياف. ولتتفحص المواقع القديمة، ولتجتمع مع الزعماء السياسيين ومازلنا نتلقى أحر الترحيب، ولكن كل ذلك لم يكن هو نفسه بالنسبة إلينا منذ السادات. فمن بين مائة رئيس دولة تقريباً اجتمعت معهم في الوقت الذي كنت فيه رئيساً ، كان هو صديقي الشخصي المفضل، وصديقي الحميم وفي الحقيقة، فإن زوجتي وزوجته وجيلين آخرين من عائليتنا أيضاً شكلوا علاقات حميمة. وقد قمنا برحلة خاصة إلى مسقط رأس السادات في قريته بعد موته، لنرد زيارة كان قد قام هو بها إلى مسقط رأسنا في بلدنا بلينز.
في صباح أحد الأيام في مطالع الثمانينيات من 1980، حين كنا نقترب من مدخل مقبرة توت عنخ آمون رأتني مجموعة من الإسرائيليين وبدأت تغني بالعبرية ما ترجمته السلام يكون معك ووقفنا لنستمع، ولاحظت أن عيني لم تكن العيون الوحيدة التي التمعت وذهبت إلى تلك المجموعة للتحدث إليهم، وشكروني على إعطائنا الفرصة لنزور أصدقاءنا الجدد في مصر. وعلمت أن 50.000 فلسطيني من الأراضي المحتلة كانوا يعبرون الحدود من غزة إلى مصر من دون حوادث، بالإضافة إلى 33.000 سائح إسرائيلي يقدمون إلى القاهرة والإسكندرية في كل عام. تلك كانت أياماً ذهبية نسبياً، وكان السياح الإسرائيليون والمصريون الذين قابلناهم في بيوتهم وفي الأسواق مسرورين وشاكرين لما كانوا يعتقدون أنه سيكون عصر سلام وصداقة.
في إحدى الرحلات حول مصر، في طائرة خاصة، تلقيت سماحاً في أن أبتعد عن مسارات الطيران العادية، وهبطنا قرب جبل سيناء في المكان الذي يصف فيه الكتاب المقدس الوصايا العشر وهي تسلم إلى موسى (ع). وتجولنا صاعدين إلى دير القديسة كاترين الذي انزوى في مقابل الوجه الشمالي للجبل الوعر طوال أكثر من 1450 سنة وهو أقدم دير مسيحي مشغول باستمرار على وجه الأرض. وقد رأى السادات في هذا الجبل، ""جبل الله، رمزاً للسلام وأراد أن يبني هناك مكاناً مقدساً لجميع الأديان الثلاثة، ولكن حلمه لم يتحقق أبداً.
وفي أثناء محادثاتي العديدة مع السادات عبرت مراراً عن مخاوفي بشأن عزلة مصر المتنامية عن بقية الأمم العربية الأخرى، ولكنه كان يسخر عادة من قلقي فقد كان على يقين من أن مبادرته الجريئة مثلث طموحات شعبه الخاص للسلام وأنه كان مقنعاً على الدرجة نفسها من اليقين أن معظم جيران إسرائيل العرب الآخرين لديهم الطموح نفسه، وذلك بين الناس أنفسهم على الأقل. وقد أدان بقوة وعلنا زعماء تلك الأمم على خوفهم القصير النظر حين فشلوا في اتباع نموذجه.
وقد برهن السادات أنه على حق بشأن عدم جدوى المحاولات الرامية إلى معاقبة مصر. فالعرب الآخرون لم يستطيعوا أن يستبعدوا مصر أو أن يتجاهلوها لمدة طويلة، مع قواتها العسكرية المخيفة، وموقعها المركزي، وتراثها الثقافي القديم. والسكان المتنوعين البالغ عددهم 47 مليون نسمة، وقوة عمل خارجية كبيرة . واستعداد زعمائها لاستكشاف مفاهيم جسورة جديدة. وقد أخبرني أستاذ دكتور في جامعة تل أبيب أن موقف العرب نحو مصر في أثناء محاولتهم مقاطعتها ذكره بعنوان رئيسي قديم في جريدة التايمز في لندن الضباب على القناة أوروبة معزولة .
كانت هناك دعوات متكررة لقتل السادات، ولكن الزعيم المصري لم يضطرب وتقدم بهدوء في متابعة غاية السلام. وبعد استلامه لجائزة نوبل للسلام ومع كونه قد كرم في أمريكا بوصفه رجل العام في مجلة التايمز اغتيل في 6 تشرين الأول / أكتوبر من العام 1981، وكان الرئيس حسني مبارك متبصرا في احترام اتفاقيات السلام التي عقدها سلفه ولكنه ركز على القضايا السياسية والاقتصادية الداخلية لبلاده تركيزاً أكبر في الوقت الذي يعمل فيه مع الزعماء الآخرين لاستعادة دور مصر بوصفها أمة عربية قائدة.
وحين يضغط على المصريين ليستمروا في التعامل مع جارتهم تعاملاً ملائماً . يسأل كثيرون منهم، أي إسرائيل؟ وهم قلقون قلقاً متزايداً، ويصفون الأراضي المحتلة الآن يكونها يجري ملؤها بأحياء يهودية (غيتو) جديدة من الإسرائيليين المسلحين الذين ينظرون إلى العرب من حولهم بوصفهم أعداء. وهم يرون المستوطنات الممتدة بصفتها تعمل على تفاقم البغضاء وإدامتها وهي التي اعتقد السادات أنها ستنتهي بالتزامه بالسلام وبالنسبة إلى الرئيس مبارك والزعماء المصريين الآخرين. فإن معاهدة السلام الحيوية تعتبر دائما مجرد جزء واحد من اتفاقية كامب ديفيد للسلام، وفيها تعهدت مصر أن تحترم الرزمة بكاملها طالما كان من المتوقع من إسرائيل أن تحترم الاتفاقيات الخاصة بحقوق الفلسطينيين، وانسحاب القوات العسكرية والسياسية من الضفة الغربية والشروط المحددة الأخرى لاتفاقات كامب ديفيد.
إن قراراً نهائياً يتخذه الزعماء الإسرائيليون لاستبقاء الأرض المحتلة وإلغاء معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية في العام 1979 سيكون ضربة قاتلة للسلام المستدام في المنطقة. وهذا ما سيعيد قضايا الشرق الأوسط إلى الخلف دورة كاملة إلى إسرائيل معزولة محاطة بأعداء عرب متحدين ولا يمكن تهدئتهم، ينتظرون بصير وهم يعدون الفرصة ثانية لتوجيه ضربة قاتلة يوماً ما.
لبنان:
كانت الظروف في لبنان عاملاً صغيراً في النزاع المستمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين حتى جاء أحدث اندلاع للعنف بين لبنان وإسرائيل، ولكن من المفيد أن تستعرض الأحداث السابقة كي تفهم أسباب النزاع والإمكانية الموجودة للسلام. كان على لبنان منذ مدة طويلة أن يسوي الانقسامات الدينية والسياسية . بوجود أكثرية مسيحية في زمن تشكيله تحت السيطرة الفرنسية في نهاية الحرب العالمية الأولى ومع نفوذ إسلامي متنام. وقد سمحت الأرض الجبلية للمجتمعات الدينية المختلفة بأن تعيش في عزلة نسبية وبأن تحفظ هويتها واستقلالها الذاتي عبر القرون، بما في ذلك في فترة وجودها تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. وقد تطور دستور في العام 1926 تحت الانتداب الفرنسي والذي اشترط للرئيس أن ينتخب بثلثي أصوات الجمعية الوطنية وأن يكون مارونيا بموجب عرف غير مكتوب، وأن يكون رئيس الوزراء مسلماً سنياً وأن يكون المتحدث باسم البرلمان مسلماً شيعياً, وقسمت مناصب حكومية أخرى بين الدروز واليونان الأرثوذكس، واليونان الكاثوليك، وعلى الرغم من الحروب الرهيبة، والزعازع السياسية الجياشة. وأكثرية مسلمة متنامية في السكان الموجودين فإن هذه الترتيبات السياسية التي جاءت مثل الاعترافات العامة قد انتصرت.
إن الولاء للعائلة وللجماعات الدينية يتجاوز أي التزام بالوحدة الوطنية وذكريات الظلم والنزاعات الماضية تتغذى من قبل الأطراف التي وقع عليها الظلم المدد طويلة من الزمان وقد دفعت بتهور إلى أعمال من الثار والانتقام. وقد أسست الفئات السياسية والدينية قوات مقاتلة مستقلة، وهذه اعتمدت في مرات كثيرة على القوى الأجنبية لتتدخل نيابة عنها. فالمسلمون الأتراك فضلوا الدروز، وجاء الفرنسيون ليحموا المسيحيين الموارنة، والروس يدعمون الروس الأرثوذكس واصطف السوريون في مناسبات مختلفة مع أطراف متنوعة، وعمل الإسرائيليون والموارنة عن قرب معاً بصفة حلفاء عسكريين. ويمتلك أعضاء من حزب الله الأكثر عسكرية روابط قوية مع كل من إيران وسورية. إن شعوباً قليلة في الأزمنة المعاصرة قد عانت بقدر ما عانى اللبنانيون على أيدي مثل هذا التنوع من القوى الأجنبية.
لقد كان من المستحيل علي تقريباً أن أتذكر الاصطفافات المختلفة في لبنان حين كنت رئيساً، ولذلك وجهت وكالة الاستخبارات المركزية أخيراً أن تضمن في إيجازات أسبوعية وصفاً موجزاً كالخلاصة عن المنظمات السياسية والدينية. وزعمائها الحاليين وحجم وفاعلية كل قوة عسكرية، وأي ارتباطات أجنبية، وآخر التغيرات في مكانتها. وحينئذ فقط استطعت أن أفهم التقارير الإخبارية عن البلد المضطرب.
لقد ادعى زعماء لبنان لوقت طويل أنهم اتبعوا سياسة خارجية حيادية بين الشرق والغرب وبين إسرائيل وسورية. ولم ينجحوا دائماً، ولكن الحكومة اللبنانية الجماعية على الأقل لم تشن أبدا أي تهديد على أي من جارتيها.
في العام 1975 انفجرت حرب أهلية، وكانت القوات المسيحية فيها تقاتل ضد الفلسطينيين والمسلمين الآخرين لأنهم تنازعوا من أجل عوامل اقتصادية وسياسية. وأرسل الرئيس السوري الأسد قواته إلى ذلك البلد الذي مزقته الحرب ليستعيد النظام. وكانت هذه الحركة بموافقة مسؤولين في الحكومة اللبنانية كانوا يمثلون كل الفئات الكبيرة، وبموافقة إسرائيل كذلك، والولايات المتحدة، ثم لاحقاً بموافقة الجامعة العربية. وعلى الرغم من أن البلدين كانا مستقلين رسمياً . فإن الزعماء السوريين كانوا يعتبرون البلدين بلداً واحداً وشعباً واحداً. وحين تفحصت الخرائط السورية في أثناء زياراتي إلى دمشق، لم يكن هناك أي خط حدود دولي، لا بل لم تكن الأعراف الدبلوماسية الثنائية المعتادة مرعية بين الحكومتين. وقد استاء الأسد من أي مفهوم يعني ضمناً أن قواته كانت قوات غزاة"" أو ""قوات أجنبية وأصر لي على أنه هو وقواته كانوا يعتبرون وجودها في لبنان وجوداً مؤقتاً.
وبوجود عرفات زعيماً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ظلت المنظمة قوة قوية في لبنان واستمرت بالهجمات عبر الحدود ضد إسرائيل. وفي شهر حزيران / يونيو من العام 1982، عزت إسرائيل لبنان بحشد ضخم من القوات العسكرية الإسرائيلية واندفعت في مسارها على كل المسافة إلى بيروت لتطوقها، وكانت غايتها من ذلك هي أن تخرج منظمة التحرير الفلسطينية من البلد، وكان التفسير المحدد هو أن منظمة التحرير الفلسطينية قد اغتالت السفير الإسرائيلي في لندن، على الرغم من أن جماعة مختلفة هي التي ادعت لاحقاً مسؤوليتها عن الجريمة. وكنت وأنا مواطن عادي منزعجا انزعاجا عميقا من هذا الغزو، وعبرت عن قلقي لبعض الزعماء الإسرائيليين الكبار الذين شاركوا في مفاوضات كامب ديفيد من أن ذلك الهجوم كان خرقا للاتفاقات ورجع لي جواب مقلق من مصدر فوق مستوى الشبهات في القدس يقول: ""كان لدينا ضوء أخضر من واشنطون. وقد أنكر مستشار الأمن القومي للرئيس ريغان أي موافقة رسمية على الغزو، ولكن مباركة ضمنية غير رسمية كانت هي كل ما دعت الحاجة إليها؟.
لقد تسبب قصف إسرائيل للمدن اللبنانية في وقوع خسائر مدنية عالية وآثار معارضة شديدة، وصلت إلى إسرائيل نفسها. وكان بشير جميل الحليف المسيحي الماروني لإسرائيل قد انتخب رئيسا للبنان، وتحت الضغط من واشنطون، قامت إسرائيل بانسحاب جزئي إلى الجنوب في حين دخلت قوات أمريكية وأوروبية إلى بيروت لتشرف على الرحيل القسري بالقوة العرفات ولآلاف عدة من قواته، قوات منظمة التحرير الفلسطينية. وبعدئذ، وبتتابع سريع غادرت قوات حفظ السلام الغربية بيروت معتبرة أن الأزمة قد حلت واغتيل الرئيس جميل، وعادت القوات العسكرية الإسرائيلية إلى المدينة وضواحيها. وبعد بضعة أيام، ذبح أكثر من ألف من الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين من غير المقاتلين في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين اللذين كان يسيطر عليهما حلفاء إسرائيل، واللذين اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي أربيل شارون مسؤولاً عنهما وتحركت القوات الأمريكية والبريطانية، والفرنسية، والإيطالية عائدة إلى بيروت.
وكانت القوات الإسرائيلية الموجودة حول بيروت واقعة تحت الهجوم المستمر تقريبا من اللبنانيين الذين كانوا مدعومين من سورية، وكانت الخسائر عالية. وفي أيلول / سبتمبر من العام 1983 انسحب الإسرائيليون مرة ثانية إلى جنوب لبنان بعد أن تحقق أحد أهدافهم وهو أن قوات منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وفي جنوب لبنان كانت قد أجبرت بالقوة على الخروج من المنطقة، تاركة حدود إسرائيل الشمالية أكثر أمنا. ووقعت قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) المنتشرة حول مطار بيروت تحت نيران متزايدة من المقاتلين اللبنانيين الموجودين في التلال المحيطة. وردت القوات الأمريكية بمدفعية الأسطول من السفن الحربية وبالقصف الجوي من حاملة الطائرات الموجودة قبالة الشاطئ
لقد كان في هذا الوقت أن قمت بواحدة من زياراتي إلى لبنان، المقابلة الرئيس أمين جميل، خليفة أخيه بشير وجلسنا في غرفة استقبال في الطابق العلوي من قصر الرئاسة، الذي كان قد قصف بالقنابل حديثاً، وكنت أسمع ارتجاجات الانفجارات البعيدة وأحيانا أشعر بها. ولم يظهر مضيفي أي قلق، وتظاهرت أنا كذلك أنني هادئ وحين سألت عن موقع المعركة، مشى إلى خارج الشرفة ورأى أنها كانت متركزة في منطقة المطار على بعد عدة أميال. وكان الأمل الرئيسي الذي يراود الجميل هو أن يوضع موضع التنفيذ أي نوع ما من وقف إطلاق النار الواقع تحت المراقبة الدولية. وسألته عن زعم الأسد بأنه سيسحب القوات السورية إذا طلب منه ذلك، وكان رده الهادئ تلك هي الطريقة التي أفهمها بها. وبعد تردد قليل، أضاف بأنهم سيحتاجون إلى بعض الوقت للإعداد لمثل هذا التغيير.
أما الجماعة المقاتلة حزب الله فكانت قد تشكلت في لبنان في العام 1982 المقاومة الاحتلال الإسرائيلي وأعضاء الحزب في معظمهم مسلمون شيعة، وتتلقى المنظمة دعماً من كل من سورية وإيران. ويقود حزب الله حسن نصر الله، وهو تلميذ لآية الله الخميني زعيم إيران الذي قاد الثورة الإيرانية ضد الشاه. ويوجد حوالي 700 من القوات المقاتلة الموالية بصلابة التي يمكن توسيعها إلى عدد يصل إلى 20.000 في أثناء أوقات الطوارئ. إنها قوة مترابطة ترابطا وثيقا وقوة مقاتلة فعالة تسيطر على أقسام من لبنان، وهي أقوى بكثير من أن تكون تحت سيطرة القوات العسكرية النظامية للأمة والجناح المدني من الحزب محترم على نطاق واسع في لبنان لأنه يوفر الخدمات الإنسانية، ومرشحوه السياسيون يشغلون 14 مقعداً من 128 مقعداً في البرلمان، وأمل، وهي مجموعة شيعية شقيقة، تملك 15 مقعداً. وفي انتخابات العام 2005، كسبت هاتان المجموعتان 80 بالمائة من الأصوات التي اقترعت في جنوب لبنان.
في شهر نيسان / إبريل من العام 1983، بعد شهر من زيارتي إلى بيروت، قتل 63 شخصاً من قنبلة ألقيت على السفارة الأمريكية، وأدى لاحقاً انفجار رهيب إلى إزهاق أرواح 241 جنديا أمريكيا من جنود المشاة في تكنتهم، وهذه الهجمات مجتمعة مع إسقاط طائرات الأسطول الأمريكي من المقاتلين المتمركزين في التلال المحيطة ببيروت أثارت معارضة سياسية أمريكية قوية لوجودنا في لبنان وانسحبت القوات الأمريكية انسحابا سريعاً. وهذا على ما يبدو ترك الأسد ملكا للجبل. وقد أعلن أن العرب قد كسبوا بذلك أهم نصر لهم على الولايات المتحدة. وكان يتعين على كل المجموعات اللبنانية الآن أن تتحول إلى سورية.
وبموافقة أمريكية أبقت إسرائيل وجوداً عسكرياً قوياً في جنوب لبنان في محاولة غير مثمرة على ما يبدو لتدمير القدرة العسكرية لحزب الله في شهر نيسان / إبريل من العام 1996 هاجمت إسرائيل مخفراً أمامياً معروفاً جداً للأمم المتحدة في قاناء التي كانت تؤوي مجموعة من 800 لبناني كانوا قد اتخذوا لهم غطاء هناك. فقتل أكثر من 100 مدني، وكان الاحتجاج الدولي القوي حول الضحايا اللبنانية إضافة إلى استنزاف قواتها المسلحة هما العاملين الكبيرين في قرار إسرائيل في شهر أيار / مايو من العام 2000 أن تنسحب انسحاباً كاملاً تقريباً من لبنان بعد ثمانية عشر عاماً من الاحتلال، وأبقت وجودها في مزارع شبعا فقط.
وعلى الرغم من أن اللبنانيين لم يكونوا أقوياء قوة كافية للدفاع عن أنفسهم. فقد برهنت أمتهم على أنها مرنة. لقد كان حلمهم أن يصيروا شيئاً ما مثل سويسرا في الشرق الأوسط ، لا هم بالمنخرطين بالنزاع ولا هم بمنطقة المراحل المتقاتلين آخرين، ويستفيدون من علاقاتهم الجيدة مع كل الدول الأخرى. وكانت الشكوى الأولى لحكومتهم هي أن إسرائيل تتمسك بعدد من السجناء اللبنانيين ومازالت تحتل منطقة بالقرب من حدود إسرائيل، ولبنان وسورية تعرف باسم مزارع شبعا ، والتي يدعي لبنان أنها أراضيه وتصر إسرائيل على أنها جزء من سورية وهو الذي يبرر للإسرائيليين احتلالها.
هذه قضية رئيسية وتحتاج إلى الفهم فمنذ العام 1924 ، عوملت مزارع شبعا بوصفها أراضي لبنانية، ولكن سورية استولت على المنطقة في الخمسينيات من 1950 واستبقت السيطرة عليها حتى احتلت إسرائيل المزارع إلى جانب مرتفعات الجولان - في العام 1967. السكان كانوا لبنانيين والممتلكات كانت لبنانية . ولبنان لم يقبل أبدا سيطرة سورية على المزارع. وعلى الرغم من أن سورية طالبت بالمنطقة في الماضي، فإن المسؤولين السوريين الآن يقرون بأنها جزء من لبنان. وهذا الموقف يدعم ادعاء العرب بأن إسرائيل مازالت تحتل أرضاً لبنانية.
انسحاب كل القوات الأجنبية الأخرى زاد من الضغط الدولي لتقوم سورية بالعمل نفسه، وفي العام 2004 أصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة القرار رقم 1559 يساند هذا الهدف ويدعو حزب الله والجماعات المقاتلة الأخرى لنزع سلاحها. وهذا ما شجع الضغوط المحلية ضد سورية، وهو ما قد يكون قد عجل باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وهو مسلم سني، مع عشرين آخرين في شهر شباط / فبراير من العام 2005. وعلى الرغم من أن سورية أنكرت المسؤولية عن الجريمة، فقد كان يعرف عن الحريري بأنه ناقد قوي لقرارات سورية المتصلة بالحكومة اللبنانية. وتبعت ذلك تظاهرات ضخمة، وسحيت سورية بقية قواتها العسكرية. وانتخب سعد ابن رئيس الوزراء القتيل ليرأس التيار الذي يدعم الحكومة. وأحس كثيرون بالراحة، لأن لبنان لم يبق بعد ذلك في مركز عظيم البروز على مركز المسرح، وأن أضواء انتباه العالم يمكن أن تركز على مكان آخر في الشرق الأوسط. وقدر لهذه الأحلام أن تتحطم في شهر تموز / يوليو من العام 2006، كما سيوصف ذلك في الفصل 16.
المملكة العربية السعودية :
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية ليست متاخمة لإسرائيل، فإن المملكة ستلعب دورا مهما في أي اتفاقية سلام دائمة في المنطقة. وذلك لأنها أمة غنية باحتياطيات نفطية كبيرة، وهي المحافظة على الأماكن المقدسة الإسلامية، ولها علاقات دبلوماسية مع كل الأمم الأخرى تقريباً وتلعب دورا بارزا في الجامعة العربية، وكان تأثيرها الموطد للاستقرار تأثيراً حاسماً دائماً. وحين كنت رئيساً . تلقيت تشجيعاً قوياً خاصاً من الزعماء السعوديين من أجل مبادراتي للسلام.
والمملكة العربية السعودية بلد غريب بالنسبة إلى كثيرين من الغربيين، وهي معزولة جغرافياً، ومحكومة من العائلة المالكة السعودية، وقد أقامت علاقات سياسية قوية مع الولايات المتحدة منذ زمن الملك عبد العزيز والرئيس فرانكلين دي. روزفلت.
وعلى الرغم من أننا وجدنا، روزالين وأنا المدن الكبيرة مثيرة للاهتمام، فإننا حصلنا على زيارتنا التي كانت أحفل ما تكون بالمعلومات مع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في العام 1983 في الوقت الذي كان يعقد فيه إحدى جلساته الملكية المعتادة مع مواطنيه، وفي هذه المرة في منطقة صحراوية ثانية تبعد حوالي مائتي كيلو متر شمالي الرياض. في مخيم نصب لهذا الغرض، جاء زعماء القبائل ليجتمعوا مع عاهلهم، وليرفعوا له عن قضاياهم القبلية وليطلبوا السلع والخدمات الجماعتهم. وفي الوقت الذي كنت فيه مع الرجال ذهبت روزالين مسرعة الزيارة النساء السعوديات اللواتي كن في مخيم مختلف اختلافاً كاملاً، على كثبان الرمل وخارج مرمى النظر. لقد كنت أعرف الملك فهد طوال سنوات عديدة . وحين كنت رئيساً، تشاورت معه في واشنطون وفي المملكة العربية السعودية معاً. وكان أننذ أقوى ولي عهد، وله واجبات دولية كثيرة خصه بها أخوه غير الشقيق الملك خالد.
وقد حافظ الملوك على الاستقرار السياسي داخل المملكة وعززوا دور قيادتهم تعزيزاً كبيراً عن طريق تقليل الخلافات الداخلية إلى أدنى حد من خلال التشاور المباشر القريب، وعن طريق التوزيع المتبصر لقسم من دخل الأمة من النفط، وعن طريق الاستفادة من تفوقهم البارز بصفتهم القائمين على خدمة الأماكن المقدسة للإسلام. ووازنوا سلطتهم بالاقتراب اقترباً مؤثراً من مواطنيهم. وقد أخبرني الملك فهد في زيارتي الأولى إلى المملكة العربية السعودية أنه في كل يوم يفتح أبوابه الأعداد كبيرة غير محددة من الرجال الذين يرغبون في رؤيته، وفي كل أسبوع يسمح لنساء العائلات أن يعرضن مشكلاتهن عليه ويطلبن منه مباشرة. وقد سافر على نطاق واسع في المملكة الصحراء مع أسطول من المقطورات الجرارة التي تحمل مستشفى متنقلاً كاملاً وكان يرحب هو شخصياً بالمواطنين الذين كانوا يحتاجون إلى العلاج الطبي. وحين عبرت عن القلق بشأن مدى استهلاك الوقت في هذه الأعمال الطفيفة الإدارية، أجاب أن المملكة لا تستطيع أن تبقى إذا أهمل قادتها هذا الالتزام من الخدمة الشخصية لشعبهم.
والرغبة البارزة لدى السعوديين هي رغبتهم في استقرار المنطقة. وأحد التزاماتهم الأولى هو إدامة إحساس الأخوة بين العرب، وعلى وجه الخصوص مع الفلسطينيين الذين يرى السعوديون أنهم وقعوا ضحايا على نحو قاس، والسعوديون ينظرون إلى النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفه واحداً من أخطر العوائق للسلام الدائم في المنطقة وليس هناك أدنى شك في أن الزعماء السعوديين يشاطرون العرب مشاعر السخط نحو تعدي إسرائيل على الأرض التي كانت في السابق مأهولة ومحكومة من إخوتهم المسلمين، ولكن الملوك السعوديين عبروا عن مساندتهم لحل النزاع المستمر من خلال المفاوضات السلمية إذا كانت النتائج لا تعرض للخطر الحقوق الأساسية للفلسطينيين. ويرى السعوديون أن المبادرة المقترحة من ولي العهد (وهو الآن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز) والتي تبنتها الجامعة العربية في شهر آذار / مارس من العام 2002 (الملحق (6) لتكون متوافقة تماماً مع خريطة الطريق الدولية للسلام، التي وضعتها اللجنة الرباعية، وهي تعترف بإسرائيل داخل حدودها السابقة لحرب العام 1967.
وكثيرون منا يخفقون في إدراك أن الحذر السعودي في التعامل مع القضايا الخلافية، مع كل ثروتهم ومكانتهم، هو حذر له ما يبرره. فعدد السكان المواطنين قليل نسبيا، وقدرتهم العسكرية محدودة، وهم محاطون بجيران خطرون على وجه الاحتمال وقيادتهم مستندة إلى الحل الوسط وتشكيل إجماع بين قادة مستقلين سريعي التقلب في عالم عربي منقسم. وأنا قد أضيف أن السعوديين وكثيرين آخرين غيرهم يبالغون في تقدير تأثير الولايات المتحدة مبالغة كبيرة، وهم لا يدركون أبداً لماذا لا نستطيع نحن أن ""تخلص أصدقاءنا الخاصين في الشرق الأوسط حين يتلاءم ذلك مع أهدافنا.
إن زعماء المملكة العربية السعودية يستطيعون أن يكونوا قوة حاسمة ومفيدة في الشرق الأوسط كلما كان ممكنا لنفوذهم أن يصنع الفرق في جلب السلام والاستقرار إلى المنطقة ليكون بديلا للحرب وللاضطراب السياسي المستمر. وكان هناك استعداد، بين الزعماء الأمريكيين على الأقل، لتفهم بعض القضايا في المملكة العربية السعودية كنا سندينها في بلاد أخرى.
الفصل التالي الفصل السابق