الانتخابات الفلسطينية 1996
إن أحد أهم التزامات مركز كارتر هو أن يروج الديمقراطية في الأمم التي تواجه خبرتها الأولى مع الانتخابات أو أنها تملك حزباً حاكماً قوياً جداً (أو فاسداً) وهو ما يجعل مرشحي المعارضة مترددين في السعي إلى الحصول على منصب. وعلى الرغم من أننا لا نملك أي سلطة على الناس المحليين، فإننا نستجيب لطلبات تقدم لنا من الحكومات، ومن الأحزاب السياسية، ومن مسؤولي الانتخابات الوطنية كي نشارك معهم. ونظراً إلى أن وقتنا وتمويلنا محدودان، فإننا نعرض خدماتنا فقط حين نعتقد أن حضورنا ضروري لضمان انتخابات حرة وعادلة. وقد قامت زمر مركز كارتر بمراقبة أكثر من ستين عملية انتخابات، ولكن ثلاثة من أكثرها إثارة للاهتمام، والتحدي والأهمية كانت للشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من أني اجتمعت مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية الآخرين في مصر وسورية ابتداء من العام 1983، فإن أول اجتماع شخصي لي مع ياسر عرفات كان في أثناء زيارتي إلى باريس في شهر نيسان / إبريل من العام 1990. وكانت روزالين معي لتدون الملاحظات، وكانت مع عرفات حاشية كبيرة من قادته الكبار. وكان ودوداً بشكل يبعث على الدهشة، ومن الواضح أنه كان شاكراً المناقشة قضايا فلسطينية مباشرة مع أمريكي بارز، وكان مرافقوه يعاملونه بتبجيل عظيم، ولكن عرفات كان مترددا في إعطاء أي إجابات واضحة للأسئلة الجوهرية والحساسة من دون أن يكون له فرصة ليصل إلى إجماع في صفوف الفئات المتنافسة العديدة داخل منظمته. وعبر عن أسفه عن أنه رفض اتفاقات كامب ديفيد، مقراً أنه لم يكن قد درس كل شروطها، ومن جملتها انسحاب القوات الإسرائيلية العسكرية والسياسية من الأراضي المحتلة. عرف أنني كنت قد دعوت إلى وطن للفلسطينيين، وأشار إلى أن العملية الديمقراطية سيتعين أن تكون أول خطوة وحثني على أن أنظر في المساعدة لضمان أن يكون الفلسطينيون قادرين على أن ينتخبوا حكومتهم الخاصة بهم. ووعدت بأن مركز كارتر وأنا، حين يأتي أي نوع من الانتخاب، سنكون منغمسين بذلك انغماساً عميقاً - على شرط أن نستطيع الحصول على موافقة من إسرائيل. ودفعته إلى الوفاء بوعده في أوسلو لتعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لتقبل وجود إسرائيل، ولكنه كان ملتبسا غير قاطع في جوابه
ولم يسبق للزعيم الفلسطيني أن كان له أي اتصال مباشر مع الزعماء الإسرائيليين ولكنه كان على معرفة تماماً بالفئات السياسية المختلفة التي كانت تتنافس من أجل القيادة في القدس وتظهر ملاحظاتي أنه كان لديه أسئلة محددة عن رئيس الوزراء شامير وعن بعض السياسيين الذين هم أفتى منه، ومن جملتهم يوسي بيلين ( الذي فاوض لاحقا للوصول إلى مبادرة جنيف وأسئلة عن أيهود أولمرت الذي سيصير رئيسا للوزراء). وعلى الرغم من أنني كنت أملك موافقة غير رسمية من وزير الخارجية جيمس بيكر على ما كان يفترض أن يكون اجتماعاً خاصاً ، فقد قررنا أن نقبل دعوة آخر دقيقة من الرئيس فرانسوا ميتران لنزوره في قصر الإليزيه. وهذه الزيارة تحولت إلى أن تكون حادثة معلنة إعلاناً واسعاً، وهو ما سبب لي بعض الانزعاج ولكنها كانت زيارة مرضية جدا بالنسبة إلى عرفات.
حافظت على التواصل مع القادة الفلسطينيين بعد هذا اللقاء التمهيدي، وحين وافقت إسرائيل على انتخابات للرئيس ولأعضاء المجلس التشريعي بوصفها جزءا من اتفاقية أوسلو، كرر عرفات طلبه إلى مركز كارتر. وقبلنا المسؤولية إلى جانب منظمة تتعاون معها في الغالب، وهي معهد الديمقراطية الوطني، وهي منظمة غير ربحية مكرسة لتقوية الديمقراطية. وكانت هذه الخبرة مثيرة للاهتمام، وهي التي أوضحت العديد من المشكلات والتحديات في الأرض المقدسة حين وصلنا هناك في شهر كانون الثاني / يناير من العام 1996، كان من الواضح أن الإسرائيليين امتلكوا السيطرة الكاملة تقريبا على كل مظهر من الوجود السياسي والعسكري، والاقتصادي للفلسطينيين داخل الضفة الغربية وغزة والمستوطنات الإسرائيلية قد انتشرت في كل أنحاء الأراضي المحتلة، والطرق السريعة التي تصل المستوطنات الواحدة بالأخرى، والتي تصلها مع القدس كان يجري بناؤها على وجه السرعة، مع كون الفلسطينيين ممنوعين من استخدام بعض الطرق الرئيسية أو عبورها. وإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من مائة نقطة تفتيش إسرائيلية دائمة أعاقت المسارات التي مازالت مفتوحة المرور الفلسطينيين، سواء أكانوا مشاة أم راكبي سيارات.
وبعد الاجتماع مع أعضاء آخرين من فريقنا المراقب، عقدت جلسات مع الدبلوماسيين الأمريكيين، ومستطلعي الرأي الفلسطينيين، والمرشحين السياسيين، وأعضاء لجنة الانتخابات وعلمت أن اللجنة لم يمض على وجودها غير أربعة أسابيع فقط وأن المرشحين السياسيين لديهم ثلاثة أسابيع فقط للقيام بحملاتهم الانتخابية، ولكن سبع مائة كانوا قد تأهلوا من أجل ثمانية وثمانين مقعداً برلمانياً، وستة منها كانت قد وضعت جانباً للمسيحيين وواحد السامري واحد. وعرفات فقط وامرأة غير معروفة نسبيا اسمها سميحة خليل تأهلا للرئاسة.
كانت هناك مشكلات عديدة ناقشتها مع رئيس الوزراء شيمون بيريز والجنرال أوري دايان، الذي كان مسؤولاً عن الأمن في الضفة الغربية وغزة، وأكدا لي أن نقاط تفتيش أساسية سوف تكون مفتوحة، وأن الجنود الإسرائيليين لن يدخلوا أماكن التصويت، وأن المقترعين لن يتعرضوا للتخويف. وقد رأيت ملصقات كثيرة في القدس الشرقية كانت تهدد أي مقترعين عرب بفقدان بطاقات هوياتهم. وتراخيص الإسكان، والخدمات الاجتماعية والزعماء الإسرائيليون، الذين أخبروني بأن جماعة دينية مقاتلة قد أعلنت ملصقات تحذيرات، وعدوا بإزالة أكبر عدد ممكن منها، وأكبر مشكلة كانت تتصل بالقدس الشرقية، التي يعتبرها الفلسطينيون والمجتمع الدولي أرضهم المحتلة ويدعيها الإسرائيليون بوصفها جزءاً لا يتجزأ من أمتهم.
وكان السؤال الأساسي المتعلق بالانتخاب هو إن كان الفلسطينيون الذين يسكنون في القدس الشرقية يصوتون بوصفهم مقيمين فيها أم بوصفهم غرباء يلقون ببطاقات غائبين يتعين أن تعد خارج المنطقة المتنازع عليها. وكان هناك حوالي 200.000 مقيم عربي، وسيعطى حوالي 4.000 منهم فقط تصاريح ليصوتوا وسيكون ذلك بعدئذ في خمسة مكاتب بريد فقط أربعة منها مكاتب صغيرة تماماً. ومن حوالي 120.000 من الناخبين المسجلين، فإن الآخرين الذين كانوا يمتلكون العزم الكافي ووسائط النقل قد يجدون طريقهم خارج القدس إلى مواقع الاقتراع المجاورة في قرى الضواحي، ومن جملتها جبل الزيتون، ورام الله، وبيت حنينا، وبيت لحم كانت هذه قضية سياسية حساسة جداً، والفشل في حلها كان يهدد إدارة الانتخابات.
اجتمعنا، روزالين وأنا مع ياسر عرفات في مدينة غزة، حيث كان يقيم مع زوجته، سها، وابنتهما الصغيرة. وجاءت الطفلة، وهي تليس بدلة زهرية جميلة مباشرة لتجلس في حضني، ولاعبتها بالحيل نفسها التي كانت ناجحة مع أطفالنا وأحفادنا. والتقطت لنا الكثير من الصور، ثم طلب المصورون أن يمسك عرفات بابنته لمدة. وحين أخذها، صرخت الطفلة بصوت عال ومدت يديها إلي، وهي بذلك تقدم تحذيرات مرحة تعاتب بها مرشح الرئاسة ليبقى في البيت وقتاً كافياً ليكون عارفاً بطفلته الخاصة. وفي أثناء وقتنا الأكثر جدية الذي كنا فيه معاً، انتقدت عرفات لاعتقاله أعضاء فلسطينيين من وسائل الأخبار ونشيطين في حقوق الإنسان. ولكنه لم يكن نادماً، وادعى أنهم أثاروا الصراع بين المسلمين والمسيحيين، وحثثته على تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني لنبذ العنف وللاعتراف بإسرائيل، ولكنه ادعى أن هذا كان قد أنجز في أثناء عملية السلام في أوسلو. وحثثته أيضا على أن يعطي المجلس التشريعي المنتخب حديثاً أقصى استقلال ذاتي، ووعد أن يفعل ذلك، مبيناً أنهم سيجتمعون لأول مرة قريباً بعد رمضان وهو شهر سنوي للصيام والصلاة للمسلمين الذي كان سيبدأ في نهاية ذلك الأسبوع نفسه).
وبناء على طلب عرفات قابلت بعدئذ محمود الزهار والقادة الآخرين من حماس، وهي مجموعة إسلامية مقاتلة عارضت الاعتراف بإسرائيل، وترتكب أعمال عنف، وكانت متنافسة تنافساً متزايداً مع حزب فتح العلماني، حزب عرفات وحثثتهم على أن يقبلوا نتائج الانتخابات وأن يمتنعوا عن العنف، ووعدوا بالا يعطلوا الانتخابات وأن ينبذوا العنف في المستقبل إذا أوقف الإسرائيليون استمرارهم بالقمع. وأعلموني أنهم كانوا يعتزمون المشاركة في الانتخابات البلدية التي ستجري لاحقا ولكنهم لن يكونوا جزءاً من المجلس التشريعي.
وصارت قضية التصويت في القدس الشرقية قضية حرجة قبل أن يبدأ التصويت، وأخيراً أنجزنا حلاً وسطاً : أن توضع الشقوق الصغيرة التي تسقط فيه البطاقات في قمة حواف صناديق الاقتراع ( فالفلسطينيون كانوا يستطيعون الادعاء أنهم كانوا يسقطون فيها بطاقاتهم عمودياً بصفتها أصوات انتخابية تجري في الموقع، في الوقت الذي كان يستطيع الإسرائيليون القول إن ظروفهم كان يجري إدخالها أفقيا بصفتها رسائل لترسل بالبريد.
في يوم الانتخابات ذهبنا، روزالين وأنا من محطة اقتراع إلى أخرى، وسمع مراقبونا شكاوى وحلوا منها العدد الذي استطاعوا أن يحلوه. في وقت مبكر تماما كان هناك منتخبون قلة في القدس الشرقية، وحوالي خمسين شرطيا إسرائيليا باللباس الرسمي الموحد، كانوا حول مداخل مكاتب البريد ، لا بل داخلها ، ويصورون بالفيديو بشكل متباه وجه كل فلسطيني كان يقف في الصف الإلقاء بطاقة الانتخاب واعتقل مراقبان محليان ظهرا في أوسع مركز بريد مع أوراقهم الثبوتية المناسبة، وضرب واحد منهما في الطريق إلى السجن.
وانتشرت هذه الأخبار كالحريق الهائل في كل أنحاء القدس. وعند نقطة التفتيش الرئيسية التي كان الفلسطينيون يذهبون من خلالها إلى خارج المدينة ليدلوا بأصواتهم، قال لي نقيب شاب إن الأوامر لديه كانت تقضي بتسجيل كل اسم. واتصلت بالجنرال دايان لأبلغه هذه المشكلات، ففتحت نقاط التفتيش. ولكن الوقت كان قد قارب منتصف النهار قبل أن تخفف أعداد الشرطة في القدس وتبتعد آلات تصوير الفيديو الأخيرة. وكان تعليل دايان هو أنهم يكبحون الإسرائيليين من الجناح اليميني لمنع العنف، ولكن كان من الواضح أن المقترعين الفلسطينيين تعرضوا للتخويف، وحوالي 1600 مقترع فقط من مقترعي القدس القوا أخيرا بطاقاتهم أو أرسلوها بالبريد) في المدينة.
في أثناء النهار جمع فريق مراقبينا وحلل التقارير من حوالي 250 مكان اقتراع. وفي الإجمال، فإن حوالي 75 بالمائة من كل المقترعين المسجلين القوا بطاقاتهم، وفي غزة اقترع أكثر من 85 بالمائة. ومن 1.696 مكان للاقتراع خارج القدس، كان هناك مشكلات في اثنين فقط أطلقت النار على ثلاثة فلسطينيين وقتلوا على يد الشرطة الإسرائيلية عند نقطة تفتيش في جنين، ولكن 60 بالمائة من الناس اقترعوا في القرية. وكانت مشاركة النساء وحماستهن هي أكبر مفاجأة لنا. في غزة وفي معظم الأماكن الأخرى، حيث لم يسبق أن شوهدت إلا نساء قليلات في الأماكن العامة، اكتظت بهن مواقع الاقتراع.
ونال ياسر عرفات 88 بالمائة من الأصوات المعطاة للرئيس، وفاز أعضاء حزبه فتح والمستقلون التابعون بحوالي نسبة 75 بالمائة من مقاعد المجلس التشريعي وبعد الانتخابات، حثثته مرة أخرى على أن يحترم استقلال المجلس المنتخب، وأن يقدم عرضاً قابلاً للتصديق إلى حماس وإلى الآخرين ليشاركوا في المستقبل، وأن يحدد تاريخاً مبكراً لإجراء الانتخابات البلدية، وأن يعجل في إجراء التعديلات الميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. وقد انتخب بعض المستقلين الأقوياء، ومن جملتهم حنان عشراوي، متحدثة رسمية مسيحية مؤثرة من رام الله وضحك كل الأشخاص الحاضرين حين قال لي عرفات إنه سيكون هناك حوالي خمس عشرة امرأة في المجلس، مضيفا أن ""حنان تعد بعشرة.
وكان واضحاً أن إطلاق سراح 5.000 سجين فلسطيني تقريباً كانوا محتجزين لدى الإسرائيليين واحتمال التقدم في القضايا الدائمة سيكون متوقفاً على العمل الحسن النية من الطرفين معاً. وأعلن رئيس الوزراء ببريز أن جميع أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الهيئة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية) سيسمح لهم بالسفر إلى الضفة الغربية وغزة كي يعدلوا ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت هذه الأنباء موضع ترحيب، نظراً إلى أن الكثيرين من أنشط الأعضاء في حزب فتح كانوا متهمين منذ وقت طويل من الإسرائيليين بكونهم إرهابيين ولم يعطوا تصاريح سفر داخل أرضهم الخاصة بهم وأسس الرئيس الجديد مكتبه في رام الله وتابع الكفاح ليحصل على سيطرة فلسطينية كاملة على الضفة الغربية وغزة، التي بقيت محتلة من إسرائيل.
جميعنا، نحن المراقبين الدوليين، كنا مسرورين بنوعية الانتخابات التي لم تكن أي شيء أقل من تفويض كاسح، لا من أجل تشكيل حكومة فلسطينية فقط، بل من أجل المصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين أيضاً. وذكرتنا أيضاً بالحساسية وبالصعوبة الشديدتين للغاية اللتين تتسم بهما قضايا مازال يتعين أن تحل.
الفصل التالي الفصل السابق