تمهيد
يصدر هذا العدد الجديد من التقرير الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة، توقعات الطاقة العالمية، في وقت باتت فيه الطاقة في صميم التوترات السياسية والجيوسياسية على نحو متزايد. ولا شك أن الصلة بين الطاقة والسياسة كانت وثيقة على الدوام، غير أن المتأمل في عالم الطاقة خلال العقود الأخيرة لا يجد حقبة أخرى امتدت فيها توترات أمن الطاقة لتشمل هذا العدد الكبير من أنواع الوقود والتقنيات في آن واحد. فالحكومات تواجه طيفاً هائلاً من التهديدات ومواطن الضعف وأوجه الاعتماد وحالات عدم اليقين المحتملة، تمتد عبر مجالات عدة كالنفط والغاز الطبيعي والكهرباء والبنية التحتية للطاقة والمعادن الحرجة وسلاسل توريد التقنيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وغيرها.
لقد أصبح أمن الطاقة اليوم مسألة أمن اقتصادي ووطني بكل معنى الكلمة، وصونه يتطلب الروح ذاتها من التعاون والتركيز التي أبدتها الحكومات حين أنشئت الوكالة الدولية للطاقة في أعقاب صدمة النفط عام 1973.
ولنأخذ مثالاً على ذلك المعادن الحرجة، التي تشكل محوراً رئيسياً في هذا التقرير، كما تعكس الدور الأوسع للوكالة في قضايا أمن الطاقة، حيث نتحرك بسرعة لرصد مواطن الضعف الناشئة ومعالجتها.
كانت الوكالة الدولية للطاقة أول من نبه إلى مخاطر التركّز الشديد في إمدادات المعادن الحرجة، ولا سيما في مرحلتي التكرير والمعالجة. واليوم، تتصدر دولة واحدة عمليات التكرير لتسعة عشر معدناً من أصل عشرين معدناً استراتيجياً مرتبطاً بالطاقة. وكما أوضحنا في تقريرنا المرجعي حول هذا الموضوع عام 2021، فإن الاعتماد على عدد محدود من الموردين يرفع من مخاطر انقطاع الإمدادات أو التعرض للإكراه الاقتصادي.
وخلال السنوات القليلة الماضية، استثمرت الوكالة بكثافة في بناء قدراتها العالمية في مجال البيانات والتحليل المتعلقة بالمعادن الحرجة، على غرار القدرات الرائدة عالمياً التي نمتلكها في سائر قطاعات الطاقة، وأطلقت برنامجاً لأمن المعادن الحرجة. كما شكّل هذا الموضوع محوراً رئيسياً في قمتنا حول مستقبل أمن الطاقة، التي عقدت في لندن بالشراكة مع الحكومة البريطانية في أبريل 2025.
واليوم، لم تعد المخاطر التي حددناها عام 2021 مجرد هاجس نظري، بل صارت واقعاً ملموساً. وتمتد تداعياتها عبر مختلف تقنيات الطاقة، كما تطال قطاعات استراتيجية أخرى كصناعة السيارات والذكاء الاصطناعي والدفاع، وتمس ملايين الوظائف. وكما نؤكد مجدداً في هذا التقرير، ثمة حاجة ملحة إلى التحرك على المدى القريب لتعزيز الجاهزية في مواجهة الاضطرابات المحتملة، وعلى المدى الأبعد لتنويع سلاسل التوريد والحد من المخاطر الهيكلية. ويبين ذلك كله كيف تتحول تحليلات الوكالة إلى أثر فعلي على أرض الواقع.
وتتضمن هذه الطبعة جوانب أخرى كثيرة ذات انعكاسات عملية مباشرة على صانعي سياسات الطاقة، منها التركيز على أمن الكهرباء، والدول التي باتت تؤدي دوراً متنامياً في رسم اتجاهات أسواق الطاقة مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل، والتحول الجذري المرتقب في أسواق الغاز مع الموجة الجديدة من الغاز الطبيعي المسال التي تقودها الولايات المتحدة.
كما نسلط الضوء مرة أخرى على مجالين حيويين يقصر فيهما العالم بوضوح، هما الوصول الشامل إلى الطاقة وتغير المناخ، وقد ظلا محوراً لاهتمام الوكالة وتقرير توقعات الطاقة العالمية على مدى عقود. ونقدم في هذا التقرير مساراً جديداً يتيح لكل إنسان في العالم الانتفاع بمزايا التوصيلات الكهربائية ومواقد الطهي الحديثة، وهي مزايا يعدها كثيرون منا من المسلّمات. ويستند هذا المسار إلى الزخم الذي أطلقته القمة التاريخية للطهي النظيف في أفريقيا، التي نظمتها الوكالة وشركاؤها في باريس في مايو 2024.
ونؤكد مجدداً أننا، بدلاً من حصر الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية أو أقل كثيراً من درجتين مئويتين، نتجه حالياً نحو نتائج تتراوح بين 2.5 و3 درجات مئوية، بما يحمله ذلك من عواقب وخيمة على الأرواح وسبل العيش في أنحاء العالم. ومع ذلك، لا تزال هناك مسارات تخفف هذه المخاطر تخفيفاً كبيراً، كما أن الخيارات المتاحة لخفض الانبعاثات خفضاً جوهرياً معروفة جيداً، وكثير منها فعال من حيث التكلفة.
وأود أن أعرب عن خالص شكري لفريق زملائي في الوكالة الذين بذلوا جهوداً مضنية في إعداد هذا التقرير تحت القيادة المتميزة لزميليّ لورا كوزي وتيم غولد. فالعالم اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى بيانات وتحليلات واضحة تعينه على الإبحار في عالم معقد ومحفوف بالمخاطر. وقد اضطلع تقرير توقعات الطاقة العالمية دائماً بهذا الدور الحيوي، ويسعدني ويشرفني أنه لا يزال يؤديه حتى اليوم.
الدكتور فاتح بيرول
المدير التنفيذي
الوكالة الدولية للطاقة
الملخص التنفيذي
في عالم متقلب، يتصدر أمن الطاقة المشهد
تؤدي التهديدات الملحة والمخاطر طويلة الأمد إلى ارتقاء الطاقة لتصبح قضية محورية من قضايا الأمن الاقتصادي والوطني. فالطاقة تقع في قلب التوترات الجيوسياسية الراهنة، إذ باتت المخاطر التقليدية التي تهدد إمدادات الوقود مصحوبة اليوم بقيود تطال إمدادات المعادن الحرجة. كما أن قطاع الكهرباء، الذي لا غنى عنه للاقتصادات الحديثة، صار أكثر عرضة للمخاطر السيبرانية والتشغيلية والمرتبطة بالطقس. وستكون القرارات التي يتخذها صانعو سياسات الطاقة حاسمة في التصدي لهذه المخاطر، إلا أنهم يفعلون ذلك في ظل خلفية معقدة تتسم بما يلي:
يتعايش الهشاشة الجيوسياسية مع أسعار نفط منخفضة نسبياً، إذ تتزامن النزاعات وحالة عدم الاستقرار الجارية مع موازين سوق نفطية تظهر فائضاً كبيراً في العرض مقارنة بالطلب.
تمنح الدول الأولوية لأمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها، لكنها تلجأ إلى أدوات مختلفة لتحقيق ذلك. فبعضها، ومنها كثير من الدول المستوردة للوقود، يميل إلى الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بوصفهما حلاً، في حين يركز بعضها الآخر على ضمان إمدادات وفيرة من الوقود التقليدي.
ثمة تصدعات في النظام الدولي وحالة من عدم اليقين بشأن توقعات التجارة، غير أن تجارة الطاقة باتت أهم من أي وقت مضى. فوفرة إمدادات النفط والألواح الشمسية والبطاريات، والغاز الطبيعي المسال عما قريب، تولّد حوافز قوية لدى المنتجين للبحث عن أسواق دولية.
تراجع الزخم الذي كان يدفع الجهود الوطنية والدولية لخفض الانبعاثات، في حين تتصاعد المخاطر المناخية. فقد كان عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق، وأول عام تتجاوز فيه درجات الحرارة العالمية مستويات ما قبل الحقبة الصناعية بمقدار 1.5 درجة مئوية.
وفي الوقت ذاته، لا يزال العالم متعطشاً للطاقة. فالتقنيات الجديدة تدخل منظومة الطاقة بوتيرة سريعة، وقد سجلت مصادر الطاقة المتجددة أرقاماً قياسية جديدة في معدلات نشرها عام 2024 للعام الثالث والعشرين على التوالي. كما بلغ استهلاك النفط والغاز الطبيعي والفحم، وإنتاج الطاقة النووية، مستويات قياسية هي الأخرى. ومنذ عام 2019، نما الطلب على الفحم بوتيرة تفوق بنسبة 50% وتيرة نمو ثاني أسرع أنواع الوقود الأحفوري نمواً، وهو الغاز الطبيعي، وكان ذلك مدفوعاً بالصين أساساً، وهو سبب رئيسي في استمرار ارتفاع الانبعاثات المرتبطة بالطاقة.
ولا توجد رواية واحدة لمستقبل الطاقة، ولهذا يعرض تقرير توقعات الطاقة العالمية سيناريوهات متعددة، ليس أي منها توقعاً. ويستند الإطار المعروض في هذا التقرير إلى أحدث البيانات وأشملها بشأن السياسات والتقنيات والأسواق، إلى جانب نمذجة دقيقة، مما يتيح للقراء استكشاف تبعات الخيارات والمسارات المختلفة.
السيناريوهات
يتضمن تقرير توقعات الطاقة العالمية 2025 ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يحدد اثنان منها ظروفاً انطلاقية ثم يتتبعان ما تفضي إليه، وهما سيناريو السياسات الحالية وسيناريو السياسات المعلنة. أما الثالث، وهو سيناريو صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050، فيرسم مساراً لتحقيق أهداف محددة تتعلق بالطاقة والمناخ.
يأخذ سيناريو السياسات الحالية لقطة للسياسات واللوائح المعمول بها فعلاً، ويقدم منظوراً حذراً بشأن سرعة نشر تقنيات الطاقة الجديدة ودمجها في منظومة الطاقة.
ويأخذ سيناريو السياسات المعلنة في الحسبان تطبيق طيف أوسع من السياسات، بما فيها تلك التي طُرحت رسمياً ولم تُعتمد بعد، فضلاً عن الوثائق الاستراتيجية الرسمية الأخرى التي تشير إلى الوجهة المنشودة. والعوائق أمام إدخال التقنيات الجديدة فيه أقل مما هي عليه في سيناريو السياسات الحالية، غير أنه لا يفترض تحقيق الأهداف الطموحة.
أما سيناريو صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050 فيتبع نهجاً مختلفاً، إذ يصف مساراً لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية المرتبطة بالطاقة إلى الصفر الصافي بحلول عام 2050، مع الإقرار بأن لكل دولة طريقها الخاص.
ويضع سيناريو معياري إضافي، هو سيناريو تسريع خدمات الطهي النظيف والكهرباء، خارطة طريق جديدة لتحقيق الوصول الشامل إلى الكهرباء والطهي النظيف، وهما هدفان إنمائيان حاسمان دأبت الوكالة على دعمهما بنشاط لأكثر من عقدين. ولا يتضمن تقرير هذا العام سيناريو التعهدات المعلنة، الذي يصوّر مستقبلاً لمنظومة الطاقة تتحقق فيه الأهداف الوطنية الرئيسية للطاقة والمناخ، كالمساهمات المحددة وطنياً، كاملة وفي مواعيدها. وسيصدر تقييمنا للجولة الجديدة من المساهمات المحددة وطنياً التي كان مقرراً تقديمها هذا العام، والتي تغطي عموماً الفترة حتى عام 2035، حين تتضح صورة هذه الالتزامات بصورة أكمل.
فما الذي تتيح لنا سيناريوهات التقرير الجزم به بثقة بشأن المستقبل؟ تغطي سيناريوهاتنا طيفاً واسعاً من المسارات، وتبرز فرصاً ومواطن ضعف مختلفة، لكن ثمة عناصر مشتركة بينها. وأهمها على الإطلاق أنه مع توسع الاقتصادات ونمو السكان والدخول، تشهد جميع السيناريوهات زيادة في حاجة العالم إلى خدمات الطاقة، مع ارتفاع الطلب على التنقل، والتدفئة والتبريد والإنارة وسائر الاستخدامات المنزلية والصناعية، وعلى نحو متزايد على خدمات البيانات والذكاء الاصطناعي. وإلى جانب ذلك، تبرز أربعة قواسم مشتركة أخرى: الطبيعة المتغيرة لأمن الطاقة، حيث تمثل إمدادات المعادن الحرجة موطن ضعف حاداً؛ وحلول عصر الكهرباء؛ وانتقال مركز ثقل منظومة الطاقة نحو الهند وغيرها من الاقتصادات الناشئة خارج الصين؛ وتنامي دور الطاقة المتجددة مصحوباً بعودة الطاقة النووية.
تهديدات جدية تخيم على سلاسل توريد المعادن الحرجة
باتت المخاطر التقليدية التي تمس أمن إمدادات النفط والغاز مصحوبة اليوم بمواطن ضعف في مجالات أخرى، أوضحها سلاسل توريد المعادن الحرجة. وقد ظلت هذه الأبعاد الجديدة لأمن الطاقة محل تركيز دائم للوكالة الدولية للطاقة، وكانت محورية في قمتنا حول مستقبل أمن الطاقة في لندن عام 2025، وأكدتها ضوابط التصدير الجديدة التي فرضتها الصين على العناصر الأرضية النادرة ومكونات البطاريات وتقنياتها. ويتمثل الخطر الرئيسي في ما يخص المعادن الحرجة في الارتفاع الشديد لمستويات التركّز في الأسواق. فدولة واحدة هي المكرر المهيمن لتسعة عشر معدناً من أصل عشرين معدناً استراتيجياً مرتبطاً بالطاقة، بحصة سوقية متوسطة تقارب 70%. وهذه المعادن حيوية لشبكات الكهرباء والبطاريات والمركبات الكهربائية، كما تؤدي دوراً حاسماً في رقائق الذكاء الاصطناعي ومحركات الطائرات النفاثة والأنظمة الدفاعية وغيرها من الصناعات الاستراتيجية. وحتى نوفمبر 2025، يخضع أكثر من نصف هذه المعادن الاستراتيجية لشكل من أشكال ضوابط التصدير.
ولن يتسنى إرساء سلاسل توريد أكثر تنوعاً ومرونة للمعادن الحرجة إلا بجهد سياساتي منسّق، إذ لن تحقق قوى السوق ذلك وحدها. فمنذ عام 2020، جاء معظم النمو في الإنتاج المكرر لمعادن الطاقة الرئيسية من كبار الموردين، ونتيجة لذلك ازداد التركّز الجغرافي في عمليات التكرير لجميع معادن الطاقة الرئيسية تقريباً، ولا سيما النيكل والكوبالت. ويشير تحليلنا للمشاريع المعلنة إلى أن عكس هذا الاتجاه سيكون بطيئاً. ففي سيناريو السياسات الحالية، يُرجّح أن يظل تركّز الإمدادات أعلى منه في سيناريو السياسات المعلنة، لأن ضعف الطلب على المعادن ينعكس انخفاضاً في الأسعار يصب في مصلحة المنتجين القائمين ذوي التكاليف الأدنى. ولذا يلزم اتخاذ إجراءات حازمة اليوم لتعزيز الجاهزية في مواجهة الاضطرابات المحتملة، وعلى المدى الأطول لبناء شراكات ومشاريع جديدة تنوّع سلاسل التوريد بوتيرة أسرع.
المرونة عنصر حاسم في عالم تتنامى فيه المخاطر الأمنية
ثمة أيضاً حاجة ملحة إلى بناء قدر أكبر من المرونة في مواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة بالطقس، والهجمات السيبرانية وغيرها من الأنشطة الخبيثة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية. وتظهر مجموعة بيانات جديدة للوكالة أن الاضطرابات التشغيلية السنوية الأخيرة في البنية التحتية الحيوية للطاقة أثرت في إمدادات الطاقة لأكثر من 200 مليون أسرة حول العالم. فالجفاف يقيّد إنتاج الطاقة الكهرومائية وبعض محطات التوليد الحراري، في حين تفرض العواصف والفيضانات وحرائق الغابات إيقاف تشغيل أنواع مختلفة من منشآت الطاقة وتلحق بها الأضرار، من محطات الطاقة الشمسية إلى منشآت النفط والغاز البحرية. وخطوط الكهرباء معرضة بوجه خاص، إذ تأثرت شبكات النقل والتوزيع في نحو 85% من الحوادث. ومن المتوقع أن تتصاعد المخاطر المرتبطة بالطقس في جميع سيناريوهاتنا، التي تتجاوز كلها عتبة 1.5 درجة مئوية من الاحترار بصورة منتظمة بحلول عام 2030 تقريباً، ولا تتباين إلا بعد عام 2035.
لقد حلّ عصر الكهرباء
تقع الكهرباء في صميم الاقتصادات الحديثة، وينمو الطلب عليها بوتيرة تفوق كثيراً نمو استخدام الطاقة إجمالاً في جميع السيناريوهات. إذ يرتفع بنحو 40% حتى عام 2035 في سيناريو السياسات الحالية وسيناريو السياسات المعلنة، وبأكثر من 50% في سيناريو صافي الانبعاثات الصفري. ويأتي نمو الطلب بنسب متفاوتة من الأجهزة المنزلية ومكيفات الهواء، والتصنيع المتقدم وغيره من الصناعات الخفيفة، والتنقل الكهربائي، ومراكز البيانات، والتدفئة الكهربائية. والمستثمرون يتفاعلون مع هذا الاتجاه، إذ يستأثر الإنفاق على إمدادات الكهرباء وكهربة الاستخدامات النهائية بنصف الاستثمار العالمي الحالي في الطاقة. ويعني تزايد استخدام الكهرباء أن أسعارها أصبحت مرجعاً رئيسياً للمستهلكين وصانعي السياسات. وفي الوقت الراهن، لا تمثل الكهرباء سوى 21% من إجمالي الاستهلاك النهائي عالمياً، لكنها المصدر الرئيسي للطاقة في قطاعات تستأثر بأكثر من 40% من الاقتصاد العالمي، والمصدر الأساسي للطاقة لدى معظم الأسر. ويبرز ذلك أهمية الإمدادات الكهربائية الآمنة والميسورة التكلفة، والتكاليف الاقتصادية والاجتماعية لانقطاعات التيار الشاملة، كتلك التي شهدتها تشيلي وشبه الجزيرة الإيبيرية عام 2025.
ومن القضايا المحورية لأمن الكهرباء في عصر الكهرباء السرعة التي تُنشأ بها الشبكات الجديدة ووسائل التخزين وسائر مصادر مرونة منظومة الكهرباء. وفي الوقت الحالي، يتأخر بعض هذه العناصر. فقد قفزت الاستثمارات في توليد الكهرباء بنحو 70% منذ عام 2015 لتبلغ تريليون دولار أمريكي سنوياً، في حين ارتفع الإنفاق السنوي على الشبكات بأقل من نصف هذه الوتيرة ليصل إلى 400 مليار دولار. ويزيد ذلك من الاختناقات، ويؤخر ربط مصادر التوليد والطلب الجديدة، ويرفع أسعار الكهرباء. كما يتزايد تقليص إنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وتتكرر حالات الأسعار السالبة في أسواق الجملة، بينما يعيق بطء إجراءات الترخيص مشاريع الشبكات، شأنه شأن شح المعروض من المحولات وغيرها من المكونات. وقد خُففت المخاطر جزئياً بفضل صعود تخزين البطاريات، حيث تجاوزت الإضافات السنوية 75 غيغاواط عام 2024، غير أن البطاريات لا تقدم كل الحلول، لا سيما حيث تتزايد احتياجات المرونة الموسمية إلى جانب احتياجات المرونة قصيرة الأجل.
ويقف ارتفاع الدخول ودرجات الحرارة وراء طفرة في استخدام الكهرباء لتكييف الهواء. فالتبريد مصدر متنامٍ للطلب على الكهرباء في جميع السيناريوهات، تقوده الاقتصادات الناشئة والنامية، وله آثار محتملة مهمة على ذروة الطلب. ففي سيناريو السياسات المعلنة مثلاً، يضيف استخدام مكيفات الهواء المدفوع بارتفاع الدخل نحو 330 غيغاواط إلى ذروة الطلب العالمي بحلول عام 2035، وتضيف درجات الحرارة المرتفعة 170 غيغاواط أخرى. وتمثل كفاءة مكيفات الهواء الجديدة عاملاً حاسماً في إدارة الضغوط المستقبلية على منظومات الكهرباء. وفي جميع الأسواق، تتوافر بالفعل على رفوف المتاجر مكيفات أعلى كفاءة بكثير من متوسط الطرازات المشتراة اليوم، دون تكلفة إضافية أو بتكلفة إضافية متواضعة.
ويتركز النمو الهائل في الطلب على الكهرباء لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في الاقتصادات المتقدمة والصين. ومن المتوقع أن يبلغ الاستثمار في مراكز البيانات 580 مليار دولار عام 2025. وسيلاحظ القائلون بأن "البيانات هي النفط الجديد" أن هذا الرقم يفوق 540 مليار دولار تُنفق على إمدادات النفط العالمية. ومع أن تضاعف كمية الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات ثلاث مرات بحلول عام 2035 يمثل أقل من 10% من نمو الطلب العالمي على الكهرباء، فإنه يتركز جغرافياً بشدة. إذ يُتوقع أن يكون أكثر من 85% من إضافات القدرة الجديدة لمراكز البيانات خلال السنوات العشر المقبلة في الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، ويقع كثير منها قرب تجمعات قائمة لمراكز البيانات، مما يفرض ضغطاً إضافياً على شبكات تعاني الاختناق أصلاً.
لاعبون جدد يرسمون الاتجاهات مع استمرار تنامي الطلب على خدمات الطاقة
تتشكل ديناميكيات أسواق الطاقة على نحو متزايد بفعل مجموعة من الاقتصادات الناشئة، تتقدمها الهند وجنوب شرق آسيا، وتنضم إليها دول في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وتتسلم هذه الدول مجتمعة الراية من الصين، التي استأثرت منذ عام 2010 بأكثر من نصف نمو الطلب العالمي على النفط والغاز و60% من نمو الطلب على الكهرباء، وإن كانت أي دولة بمفردها لا تقترب من محاكاة مسار الطاقة الصيني. وينعكس هذا التحول في مركز ثقل منظومة الطاقة في مؤشرات متعددة. فبين عامي 2000 و2010، استأثرت الاقتصادات المتقدمة بنصف النمو في أسطول السيارات العالمي، وفي العقد التالي فعلت الصين وحدها الشيء ذاته. أما من الآن وحتى عام 2035، فيأتي نصف نمو أسطول السيارات العالمي من الاقتصادات الناشئة والنامية خارج الصين.
ويكشف إسقاط الجغرافيا الجديدة للطلب على توزيع موارد الطاقة العالمية أنه بحلول عام 2035 سيحدث 80% من نمو استهلاك الطاقة في مناطق تتمتع بإشعاع شمسي عالي الجودة. وهذا تباين حاد مع العقد الماضي، حين كانت المناطق ذات الإشعاع الشمسي المتوسط إلى المنخفض مسؤولة عن نصف النمو. ويفسر ذلك الانتشار السريع لتقنيات الطاقة الشمسية في سيناريوهاتنا، فضلاً عن تزايد الطلب على التبريد. ويمتلك كثير من مراكز الطلب الجديدة في آسيا بعض موارد الفحم المحلية، ويعتمد على النفط والغاز المستوردين.
الصعود المتواصل للطاقة المتجددة
تتفاوت الوتيرة، لكن الطاقة المتجددة تنمو أسرع من أي مصدر رئيسي آخر للطاقة في جميع السيناريوهات، يتقدمها الطاقة الشمسية الكهروضوئية. ففي سيناريو السياسات الحالية، حيث تواجه رياحاً معاكسة أقوى، تظل الطاقة المتجددة تلبي الحصة الأكبر من نمو إجمالي الطلب على الطاقة، يليها الغاز الطبيعي والنفط، رغم أن إضافات الطاقة الشمسية الكهروضوئية السنوية في قطاع الكهرباء تتوقف عند مستوياتها الحالية البالغة نحو 540 غيغاواط حتى عام 2035. وفي سيناريو السياسات المعلنة، تؤدي تغييرات السياسات إلى أن تمتلك الولايات المتحدة قدرة متجددة مركّبة عام 2035 أقل بنسبة 30% مما ورد في تقرير العام الماضي، لكن الطاقة المتجددة تواصل توسعها السريع على المستوى العالمي. وتترافق الطفرة في نشر الطاقة الشمسية مع نمو قوي في طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الحيوية والطاقة الحرارية الجوفية وغيرها من التقنيات، ومع تحسينات في كفاءة الطاقة. وتظل الصين أكبر سوق للطاقة المتجددة، إذ تستأثر بما بين 45% و60% من النشر العالمي خلال السنوات العشر المقبلة عبر السيناريوهات، وتبقى أكبر مصنّع لمعظم تقنيات الطاقة المتجددة.
وتحافظ الطاقة الإنتاجية الوفيرة للألواح الشمسية والبطاريات، التي يقع كثير منها في الصين، على تنافسية الأسعار، لكنها تثير أيضاً مخاوف في بعض الأسواق. ففي عام 2024، كانت هناك طاقة تصنيعية كافية لإنتاج أكثر من ضعف عدد وحدات الطاقة الشمسية الكهروضوئية التي نُشرت فعلاً، وما يقارب ثلاثة أضعاف خلايا البطاريات. ونمت صادرات الصين من تقنيات الطاقة الجديدة، بما فيها المركبات الكهربائية، لتمثل قرابة 5% من إجمالي صادراتها من السلع، كما تستثمر الشركات الصينية في منشآت تصنيع في الخارج، في إندونيسيا والمغرب والمجر والبرازيل وغيرها. وبينما ترى بعض الدول، ولا سيما الاقتصادات النامية، فرصة كبيرة للحصول على تقنيات منافسة من حيث التكلفة، ثمة أيضاً مخاوف من هيمنة الصين على سلاسل القيمة الجديدة هذه. والسؤال الرئيسي هو ما الذي سيحل بهذه الطاقة الفائضة في ظل الحواجز التجارية، وحالات عدم اليقين في جانب الطلب، والضغوط الكبيرة على أسعار التقنيات، وتراجع هوامش الربح لدى بعض المنتجين.
الطاقة النووية تعود إلى الواجهة
ومن العناصر المشتركة الأخرى بين السيناريوهات انتعاش حظوظ الطاقة النووية، مع ارتفاع الاستثمار في المحطات التقليدية الكبيرة والتصاميم الجديدة على حد سواء، بما فيها المفاعلات المعيارية الصغيرة. فأكثر من 40 دولة تدرج الطاقة النووية الآن في استراتيجياتها وتتخذ خطوات لتطوير مشاريع جديدة. وإضافة إلى المفاعلات التي تستأنف تشغيلها، ولا سيما في اليابان، هناك أكثر من 70 غيغاواط من القدرة الجديدة قيد الإنشاء، وهو من أعلى المستويات منذ 30 عاماً. والابتكار وضبط التكاليف وتحسين وضوح التدفقات النقدية المستقبلية أمور أساسية لتنويع قطاع اتسم بارتفاع التركّز السوقي، بما في ذلك في الإنشاء وإنتاج اليورانيوم وخدمات التخصيب. وتدعم شركات التكنولوجيا نشوء نماذج أعمال جديدة، باتفاقيات وإبداءات اهتمام تشمل 30 غيغاواط من المفاعلات المعيارية الصغيرة، معظمها لتزويد مراكز البيانات بالطاقة. ومع هذه التطورات، وبعد أكثر من عقدين من الركود، يُتوقع أن تزداد القدرة النووية العالمية بما لا يقل عن الثلث حتى عام 2035.
مسارات متباينة لمزيج الطاقة
إلى جانب القواسم المشتركة، تتباين السيناريوهات في الطرق التي تُلبّى بها احتياجات الطاقة، وهو ما ينعكس في اختلاف توقعات النفط والغاز الطبيعي والفحم. ففي سيناريو السياسات الحالية، يواصل الطلب على النفط والغاز الطبيعي نموه حتى عام 2050، وإن كان الفحم يبدأ بالتراجع قبل نهاية العقد الحالي. وفي سيناريو السياسات المعلنة، تصاحب ذروة الطلب على الفحم استقرار في استخدام النفط نحو عام 2030. غير أن الطلب على الغاز، خلافاً لتقرير العام الماضي، يواصل نموه حتى ثلاثينيات القرن، ويعود ذلك أساساً إلى تغيرات السياسات الأمريكية وانخفاض أسعار الغاز. أما في سيناريو صافي الانبعاثات الصفري، فإن النشر الأسرع بكثير لطيف من التقنيات منخفضة الانبعاثات يجلب تراجعاً في الطلب على جميع أنواع الوقود الأحفوري. ورغم أن الطلب الكامن على خدمات الطاقة متشابه عبر السيناريوهات، فإن كمية الطاقة اللازمة لتلبيته تتفاوت تفاوتاً كبيراً. ففي سيناريو السياسات الحالية، يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بمقدار 90 إكساجول حتى عام 2035، أي بزيادة 15% عن المستوى الحالي. وفي سيناريو السياسات المعلنة يرتفع بنحو 50 إكساجول، أي 8%. أما في عالم صافي الانبعاثات الصفري فإنه يتراجع. وتعكس هذه التباينات اختلافات في مزيج الطاقة وفي الكفاءة الفنية للأجهزة والمعدات. كما أن المسارات الأكثر كهربة والأغنى بمصادر الطاقة المتجددة تستخدم طاقة أقل لأنها تتجنب الحرارة المهدرة الناتجة عن احتراق الوقود.
منعطفات في أسواق النفط والمركبات الكهربائية
تبدو أسواق النفط جيدة الإمداد على المدى القريب، بفضل خماسي من المنتجين في الأمريكتين هم الولايات المتحدة وكندا وغيانا والبرازيل والأرجنتين، وبفضل نمو فاتر في الطلب، لكن الضغوط الهبوطية الحالية على الأسعار لا تدوم طويلاً في سيناريو السياسات الحالية. فالتراجع الكامن في الإنتاج من الحقول القائمة واستمرار نمو الاستهلاك يستنزفان بسرعة نسبية الفائض الحالي في إمدادات النفط. ويحتاج هذا السيناريو إلى مشاريع إمداد نفطي جديدة بنحو 25 مليون برميل يومياً حتى عام 2035 للحفاظ على توازن الأسواق، وترتفع أسعار النفط عن مستوياتها الحالية لتحفيز مشاريع التنقيب والإنتاج الإضافية.
ومن المتوقع أن تمثل المركبات الكهربائية أكثر من 25% من مبيعات السيارات الجديدة عالمياً عام 2025، وقد انخفضت تكاليف البطاريات انخفاضاً كبيراً، لكن المسيرة المقبلة لمبيعات المركبات الكهربائية والطلب على النفط قد تسلك طرقاً عدة. ففي سيناريو السياسات المعلنة، خفضنا توقعات نمو المركبات الكهربائية في الاقتصادات المتقدمة مقارنة بالعام الماضي، لا سيما في الولايات المتحدة. ومع ذلك، ترتفع حصة المركبات الكهربائية في مبيعات السيارات الجديدة فوق 50% بحلول عام 2035، ويستقر الطلب على النفط نحو عام 2030 عند 102 مليون برميل يومياً قبل أن يبدأ تراجعاً بطيئاً. وفي سيناريو السياسات الحالية، تستقر حصة المركبات الكهربائية في إجمالي مبيعات السيارات بعد عام 2035 عند نحو 40%، وتدعم لقائم البتروكيماويات والطيران والشاحنات نمو الطلب على النفط ليصل إلى 113 مليون برميل يومياً عام 2050. أما سيناريو صافي الانبعاثات الصفري فيشهد كهربة أسرع بكثير لأسطول المركبات، بانعكاسات أقوى بكثير على استخدام النفط.
الغاز الطبيعي المسال يبحث عن منافذ
شهد عام 2025 طفرة في قرارات الاستثمار النهائية لمشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة، مما يضاف إلى الموجة المرتقبة في إمدادات الغاز الطبيعي خلال السنوات المقبلة، ويبشر بانخفاض الأسعار الدولية. ومنذ أن خفضت روسيا إمداداتها عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا، أصبح الغاز الطبيعي المسال الوسيلة المفضلة لتجارة الغاز عبر المسافات الطويلة، مما أعاد تشكيل تجارة الغاز العالمية وعزز أمن الطاقة. وثمة الآن قدرة تصدير جديدة غير مسبوقة للغاز الطبيعي المسال تبلغ 300 مليار متر مكعب سنوياً مقرر بدء تشغيلها بحلول عام 2030، أي زيادة بنسبة 50% في المعروض العالمي المتاح من الغاز الطبيعي المسال. ويجري بناء نحو نصفها في الولايات المتحدة، و20% أخرى في قطر، تليهما كندا وغيرها.
وقد رُفعت تقديرات الطلب على الغاز الطبيعي في سيناريو السياسات المعلنة لهذا العام، لكن تساؤلات لا تزال قائمة حول وجهة كل هذا الغاز المسال الجديد. فأوروبا والصين، الوجهتان الرئيسيتان لإمدادات الغاز المسال الجديدة خلال العقد الماضي، ستستوعبان بعض الكميات الجديدة، لكن إمكانات الزيادة محدودة في سيناريو السياسات المعلنة بفعل استمرار الزخم وراء نشر الطاقة المتجددة، والطاقة النووية في بعض الدول، وسياسات الكفاءة. ونتيجة لذلك، يتدفق الغاز المسال الأرخص إلى مناطق أخرى من العالم تعد فيها القدرة على تحمل التكاليف اعتباراً رئيسياً، ولا سيما الهند وأجزاء أخرى من جنوب آسيا وجنوب شرقها. واستجابة هذه الأسواق الحساسة للأسعار كبيرة، لكنها لا تكفي لاستيعاب كل إمدادات الغاز المسال المتاحة في سيناريو السياسات المعلنة، مما يسفر عن فائض بمقدار 65 مليار متر مكعب عام 2030. ويمكن تصريف هذا الفائض عبر مزيد من التحول من الفحم إلى الغاز، لكن الأسعار اللازمة لذلك يصعب على مصدري الغاز المسال مجاراتها. وفي سيناريو السياسات الحالية، يؤدي تباطؤ وتيرة التحولات إلى توجه مزيد من الغاز المسال إلى الصين وأوروبا، فتُستوعب الموجة القادمة من إمدادات الغاز المسال بالكامل ويحافَظ على ارتفاع الأسعار. وفي سيناريو صافي الانبعاثات الصفري، يقيّد التركيز المنسّق على خفض الانبعاثات العالمية المجال المتاح للغاز الطبيعي. وفي جميع السيناريوهات، يمثل إخفاق الصناعة في الحد من تسربات الميثان خطراً سلبياً على انتشار الغاز الطبيعي والغاز المسال.
قصة الفحم ستُكتب في آسيا
تتحدد ديناميكيات أسواق الفحم، أكثر من أي وقود آخر، بحفنة من الاقتصادات الناشئة والنامية الكبرى، تأتي الصين في مقدمتها بفارق كبير، تليها الهند وإندونيسيا ودول أخرى في جنوب شرق آسيا. ويُستخدم نحو نصف الطلب العالمي على الفحم في توليد الكهرباء في هذه الاقتصادات، وتتوقف توقعات الفحم إلى حد بعيد على احتياجاتها من الكهرباء، وعلى استدامة الزخم الحالي للطاقة المتجددة، وعلى قدرة الغاز على أن يُسعّر تسعيراً تنافسياً يكفي لاختراق السوق. وفي سيناريو السياسات المعلنة، تبلغ إضافات القدرة المتجددة في الاقتصادات الناشئة والنامية في المتوسط أكثر من 600 غيغاواط سنوياً حتى عام 2035، وهو ما يكفي لدفع الطلب العالمي على الفحم إلى تراجع مطرد، وهو اتجاه أكثر وضوحاً في سيناريو صافي الانبعاثات الصفري. ويُبرز سيناريو السياسات الحالية ما يحدث إذا كانت تحديات الدمج في الشبكات كبيرة وركد نشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ يكون الطلب على الفحم في هذا السيناريو أعلى ويتراجع ببطء أكبر.
الوصول إلى الطاقة الحديثة يظل تحدياً جوهرياً، لكن ثمة طريقاً إلى الأمام
لا يزال نحو 730 مليون شخص اليوم يعيشون دون كهرباء، ويعتمد قرابة ملياري شخص، أي ربع سكان العالم، على أساليب طهي ضارة بصحة الإنسان. وقد أظهرت دول مثل الهند وإندونيسيا والصين كيف يمكن للسياسات الطموحة والبرامج واسعة النطاق أن تغير التوقعات، لكن التقدم كان أقل في أماكن أخرى، ولا سيما في أجزاء كبيرة من أفريقيا جنوب الصحراء. ووفق الوضع الراهن، لا يسير العالم على المسار الصحيح لسد هذه الفجوة الهائلة في توفير الطاقة الحديثة. ويرسم سيناريو تسريع خدمات الطهي النظيف والكهرباء الجديد الذي وضعته الوكالة مساراً لكل دولة على حدة نحو الوصول الشامل، يبلغ هذا الهدف عام 2035 للكهرباء وعام 2040 للطهي النظيف. ويستفيد من الدروس المستخلصة حول أنجع الأساليب، ومن الزخم المتجدد للتصدي لهذه القضية القديمة، بما في ذلك قمة الوكالة للطهي النظيف في أفريقيا عام 2024. ويعيش أكثر من نصف السكان المحرومين من الكهرباء أو الطهي النظيف في دول حدّثت سياساتها مؤخراً أو أطلقت مبادرات جديدة في هذين المجالين. وفي سيناريونا الجديد، يشكل غاز البترول المسال الركيزة الأساسية لمعظم حالات الوصول الجديد إلى الطهي النظيف، فيرتفع استخدامه في الطهي المنزلي إلى نحو 3.4 مليون برميل يومياً عام 2040. وفي الوقت ذاته، يحصل في المتوسط 80 مليون شخص سنوياً على الكهرباء حتى عام 2035، مع نشر متوازٍ وسريع للشبكات والشبكات المصغرة والأنظمة المستقلة.
مستقبلان متباينان للانبعاثات العالمية وتغير المناخ
بلغت الانبعاثات العالمية السنوية لثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة مستوى قياسياً قدره 38 غيغاطن عام 2024، وفي سيناريو السياسات الحالية تظل قرب هذا المستوى، مما يعني أنها ستكون بحلول عام 2050 أقل بنحو 10 غيغاطن مما كانت عليه حين نمذجنا هذا السيناريو آخر مرة عام 2019. أما في سيناريو السياسات المعلنة فتتراجع الانبعاثات إلى ما دون 30 غيغاطن بحلول منتصف القرن. وتشير هذه المسارات إلى ارتفاع في درجات الحرارة يقارب 3 درجات مئوية عام 2100 في سيناريو السياسات الحالية، مقابل 2.5 درجة مئوية في سيناريو السياسات المعلنة. وفي سيناريو صافي الانبعاثات الصفري المحدّث، يعني استمرار ارتفاع الانبعاثات في السنوات الأخيرة وتباطؤ النشر في بعض المجالات أن تخفيضات الانبعاثات حتى عام 2030 أبطأ مما كانت عليه في الطبعات السابقة. وانعكاساً لهذه الاتجاهات، صار تجاوز هدف 1.5 درجة مئوية أمراً حتمياً. إذ تتخطى ذروة الاحترار في سيناريو صافي الانبعاثات الصفري عتبة 1.5 درجة مئوية لعدة عقود، ثم تعود إلى ما دونها بحلول عام 2100 بفضل تحول سريع جداً في قطاع الطاقة وانتشار واسع لتقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون التي لم تثبت جدواها بعد على نطاق واسع.
ولا يزال المسار الذي يخفف أشد مخاطر تغير المناخ ممكناً، وثمة زخم قوي وراء التقنيات الرئيسية، لكن بعد عشر سنوات من توقيع اتفاق باريس، تراجعت بعض الالتزامات الرسمية على مستوى الدول. فقد انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس، والجولة الجديدة من المساهمات المحددة وطنياً المعلنة حتى الآن عام 2025 لا تحرك المؤشر كثيراً في مجملها بما يتجاوز النتائج المتوقعة أصلاً في سيناريو السياسات المعلنة. وقد بلغ إجمالي الانبعاثات المرتبطة بالطاقة للدول التي قدمت بالفعل مساهمات جديدة، حتى نوفمبر 2025، نحو 20 غيغاطن عام 2024. ومن شأن التنفيذ الكامل لمساهماتها أن يخفض انبعاثاتها إلى ما بين 15 و17 غيغاطن بحلول عام 2035، أي بانخفاض يتراوح بين 11% و25%، وهو ما يتسق مع نتائج سيناريو السياسات المعلنة. وثمة مؤشرات على أن بعض الدول، ولا سيما الصين، تلتزم بمساهمات يمكن تجاوزها بسهولة في الواقع العملي.
والخيارات المتاحة لخفض الانبعاثات خفضاً جوهرياً معروفة جيداً، وكثير منها فعال من حيث التكلفة. وتشمل إجراءات لتعزيز انتشار طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الجوفية والطاقة النووية وسائر التقنيات منخفضة الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، وخفض انبعاثات الميثان، وزيادة كهربة الاستخدامات النهائية، واستخدام أنواع وقود مستدامة كالهيدروجين منخفض الانبعاثات أو تقنيات مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه حيث لا تكون الكهربة عملية. ويقترب سيناريو السياسات المعلنة من تحقيق هدف مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030 الذي أُقر في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، إذ ترتفع إلى 2.6 ضعف مستويات عام 2022. غير أن المعدل السنوي لتحسن الكفاءة في هذا السيناريو، البالغ 2%، بعيد كثيراً عن هدف 4% المتفق عليه ضمن توافق الإمارات. وسيتطلب تنفيذ هذه الإجراءات على نطاق واسع دفعة دولية مكثفة لزيادة الاستثمار المرتبط بالتحول في الاقتصادات الناشئة والنامية، وجهوداً عملية أكبر بكثير لضمان أن تحقق هذه الاستثمارات منافع اجتماعية واقتصادية ملموسة على المدى القريب.
رسم معالم الخيارات الرئيسية
تتصدر تحديات أمن الطاقة الملحة اهتمامات صانعي سياسات الطاقة اليوم، وتتطلب الروح ذاتها والتركيز نفسه اللذين أبدتهما الحكومات حين أنشأت الوكالة الدولية للطاقة بعد صدمة النفط عام 1973. ويتعين أن تراعي استجاباتهم أوجه التآزر والمفاضلات التي قد تنشأ مع أهداف سياساتية أخرى تتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف والوصول إلى الطاقة والتنافسية وتغير المناخ. ويخلص صانعو السياسات إلى استنتاجات مختلفة بشأن التوازن الصحيح الواجب تحقيقه ومسار العمل الأقدر على تحسين حياة مواطنيهم. ولا تهدف سيناريوهاتنا إلى تقديم كل الإجابات، لكنها توضح نقاط القرار الرئيسية المقبلة، وتوفر مجتمعة إطاراً لنقاش قائم على الأدلة ومستند إلى البيانات حول سبل المضي قدماً.
الجزء الأول: السياق والنتائج الرئيسية
يقدم الجزء الأول من تقرير توقعات الطاقة العالمية عرضاً عاماً لبعض النتائج المحورية لإسقاطات الطاقة لهذا العام، ويضعها ضمن سياق أوسع، ويصف السيناريوهات التي تستند إليها.
ويعرض الفصل الأول التبعات الرئيسية للسيناريوهات المختلفة على الطلب ومزيج الطاقة والانبعاثات، كما يتناول آثار هذه السيناريوهات على أسواق الطاقة وأمنها، ويستكشف انعكاساتها على الوصول إلى الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها.
ويتناول الفصل الثاني الاتجاهات في الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية التي تشكل توقعات الطاقة العالمية، كما يصف كل سيناريو، ويعرض الافتراضات الرئيسية التي تحركه، ويستكشف بعضاً من أهم أوجه الاختلاف بينها.
