المقدمة التمهيدية
لطالما كان التنبؤ بالتطورات الجيوسياسية أمراً صعباً، غير أن إدارة تبعاتها أصبحت اليوم ضرورة استراتيجية. وخلال السنوات القليلة الماضية، واجهت الشركات اضطرابات عميقة ناجمة عن إعادة تشكيل التجارة العالمية، والتشرذم الاقتصادي، وتقلب السياسات، واستخدام التكنولوجيا وسلاسل الإمداد كأدوات للضغط والصراع. وما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره حالة استثنائية أصبح الآن سمة أساسية من سمات بيئة الأعمال العالمية.
تُعد هذه الورقة البيضاء، «بناء القوة الجيوسياسية للشركات: كيف تحوّل الشركات الرؤى إلى ميزة استراتيجية»، الإصدار الثالث ضمن سلسلة أعدها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع كلية إدارة الأعمال IMD ومجموعة بوسطن الاستشارية. وقد تناولت الورقة الأولى كيفية فهم الشركات للجغرافيا السياسية ودرست تكاليف تراجع العولمة، فيما بحثت الورقة الثانية كيفية تعزيز الشركات لقدراتها على رصد التطورات الجيوسياسية.
أما هذه الورقة فتركّز على التنفيذ، وتبحث في كيفية قيام الشركات الرائدة بإضفاء الطابع المؤسسي على التعامل مع الجغرافيا السياسية داخل مؤسساتها، وبناء القدرة على الاستشعار والتخطيط والتحرك في ظل حالة عدم اليقين.
واستناداً إلى أكثر من 55 مقابلة مع مسؤولين تنفيذيين من قطاعات ومناطق جغرافية مختلفة، تقدم الورقة دليلاً عملياً للقادة الذين يسعون إلى تحويل الوعي الجيوسياسي إلى عمل ملموس. وهي موجهة إلى المسؤولين عن الشؤون الجيوسياسية والتنفيذيين الذين تشمل أدوارهم هذا المجال، فضلاً عن أعضاء مجالس الإدارة وكبار قادة الأعمال الذين يراجعون أوضاع مؤسساتهم واستراتيجياتها. كما تقدم الورقة رؤى مفيدة للمسؤولين الحكوميين وصانعي السياسات الراغبين في فهم كيفية تكيّف القطاع الخاص مع هذا العصر الجديد من الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة.
ديفيد باخ
رئيس كلية IMD وأستاذ نستله للاستراتيجية والاقتصاد السياسي
مارون كيروز
المدير الإداري، المنتدى الاقتصادي العالمي
أبارنا بهارادواج
القائدة العالمية لممارسة Global Advantage في BCG، والمديرة الإدارية والشريكة الأولى في مجموعة بوسطن الاستشارية
الملخص التنفيذي
مع تصاعد حالة عدم اليقين، وازدياد التوترات التجارية، وضعف المؤسسات الاقتصادية الدولية، أصبح عدد أكبر من القادة التنفيذيين يدرك الحاجة إلى امتلاك قدرات أقوى لاستشعار الديناميكيات الجيوسياسية وتفسيرها والاستجابة لها بصورة منهجية.
وقد ارتفعت الجغرافيا السياسية إلى صدارة أجندة الشركات، ولأسباب وجيهة. فهي مجال يعيد تشكيل الأسواق وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم، ويغير خريطة المخاطر والفرص، كما أنها ظاهرة مستمرة من الناحية الهيكلية بفعل المنافسات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية طويلة الأمد.
يكشف هذا البحث، المستند إلى أكثر من 55 مقابلة مع كبار التنفيذيين من قطاعات ومناطق جغرافية متعددة، عن ثلاث خلاصات رئيسية:
- اهتمام القيادة مرتفع، لكن البنية المؤسسية لا تزال متأخرة.
لطالما كانت الجغرافيا السياسية من اختصاص مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، إلا أن القيادة العليا وحدها لم تعد تمتلك الوقت والقدرة الكافيين لإدارة سرعة الاضطرابات الحالية وحجمها. ولذلك بدأت شركات عديدة في بناء قدراتها الجيوسياسية، وتسارع هذا التوجه منذ جائحة كوفيد-19 والغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا. ومع ذلك، لم تنجح سوى أقلية من الشركات حتى الآن في إضفاء الطابع المؤسسي الكامل على هذه القدرات ودمجها في عملية صنع القرار.
- لا يوجد نموذج واحد موحد لإضفاء الطابع المؤسسي على هذه القدرات.
أكثر من نصف الشركات التي شملتها المقابلات تضع قدراتها الجيوسياسية ضمن إدارات الشؤون الحكومية أو شؤون الشركات، بينما تمتلك أقل من 20% منها وحدة مخصصة للجغرافيا السياسية أو العلاقات والشؤون الدولية.
وتعتمد الشركات نماذج تشغيل مختلفة، مثل فرق العمل، والمستشارين الكبار، والفرق الدائمة المتفرغة بالكامل، وغيرها. ويمكن لكل نموذج أن ينجح. إلا أن الشركات الأكثر فعالية تجمع بين المرونة والقدرة على المبادرة والتنفيذ. فهي توائم بين مستوى طموحها وتصميمها التنظيمي، مع مراعاة خصائصها الجوهرية مثل درجة انكشافها الجيوسياسي، وهيكلها وثقافتها المؤسسية.
- ترجمة التطورات الجيوسياسية إلى آثار ملموسة على الأعمال شرط أساسي.
تُعد القدرة على ربط التطورات الجيوسياسية بخلق القيمة للشركة، والتعبير عنها باستخدام المصطلحات التجارية أو المالية أو التشغيلية المعتادة، شرطاً ضرورياً لضمان أهميتها بالنسبة للأعمال.
فمن دون هذا الجسر، يظل حتى الوعي الجيوسياسي القوي منفصلاً عن التنفيذ.
وتقدم هذه الورقة مجموعة أدوات عملية للمديرين التنفيذيين الذين يسعون إلى بناء قدراتهم الجيوسياسية أو تعزيزها، وذلك من خلال خمسة مكونات عملية أساسية:
التفويض: تثبيت المسؤولية على مستوى الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة، مع تفويض الصلاحيات ووضع مهمة واضحة تتجاوز مجرد إدارة الأزمات، وإبلاغها بصورة واضحة لبقية المؤسسة.
الرادار والسونار: الجمع بين المعلومات الاستخباراتية الداخلية والخارجية وتحويلها إلى رؤى ذات صلة بالأعمال. ويتضمن ذلك قياس حجم الانكشاف، وربطه بالتوقعات المالية، وتقديم تقارير موجزة وفعالة.
نموذج التشغيل: تصميم وظيفة تتناسب مع هيكل الشركة وثقافتها، باستخدام نماذج مثل برج المراقبة، أو شبكة التأثير، أو خلايا القيادة، أو المركز العصبي. وبغض النظر عن المكان التنظيمي الذي تستضيف فيه هذه القدرة، سواء في الشؤون الحكومية أو شؤون الشركات أو الاستراتيجية المؤسسية أو إدارة المخاطر، فإن القرب من الرئيس التنفيذي والتنسيق بين الوظائف المختلفة يظلان عاملين حاسمين.
المواهب: تعيين قادة يتمتعون بخبرة عميقة في مجال الأعمال، تدعمهم فرق تجمع بين خلفيات في الدبلوماسية والاستراتيجية والاستخبارات والتنظيم والقانون، إلى جانب مهارات التحليل وإدارة المشاريع.
دمج الجغرافيا السياسية في القرارات: إدراج المدخلات الجيوسياسية بصورة مترابطة ومتسقة في التخطيط الاستراتيجي، وتخصيص رأس المال، وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، والاتصالات، والتواصل مع صانعي السياسات عبر مختلف الأسواق.
لم يعد بناء القدرة على اكتشاف الإشارات الجيوسياسية وتقييمها وترجمتها إلى قرارات أمراً اختيارياً بالنسبة للشركات العالمية.
المقدمة
تستند مجموعة الأدوات العملية المقترحة لبناء القدرات الجيوسياسية إلى مقابلات مع كبار التنفيذيين في أكثر من 55 شركة عالمية.
في عام 2025، بلغ عدم اليقين العالمي أعلى مستوى له خلال عشرين عاماً، إذ تجاوز بأكثر من أربعة أضعاف مستواه خلال الأزمة المالية العالمية، وكان أعلى بنحو 50% مقارنة بمستويات جائحة كوفيد-19.
ويشعر مجتمع الأعمال بهذه الحالة بعمق. ففي أبريل 2025، وصف 82% من كبار الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع للمنتدى الاقتصادي العالمي المستوى الحالي لعدم اليقين بأنه «مرتفع جداً»، فيما توقع 45% منهم أن يظل هذا المستوى دون تغيير أو أن يرتفع خلال العام التالي.
وفي أغسطس 2025، طُلب منهم تقييم حجم ومدة الاضطرابات الناجمة عن مجموعة متعددة من المصادر. وبرز مجالان باعتبارهما يشهدان أعمق التحولات وأكثرها طابعاً هيكلياً: التجارة وسلاسل القيمة العالمية، والمؤسسات الاقتصادية الدولية.
في هذه الورقة، تُعرّف الجغرافيا السياسية، أو «الجغرافيا الاقتصادية» كما يفضل بعض التنفيذيين تسميتها، بأنها: «فعل أو حدث أو عامل دافع أو اتجاه يمتلك أبعاداً عابرة للحدود وأبعاداً أمنية ويُرجح أن يؤثر بشكل جوهري في الأداء التجاري».
وغالباً ما تقوم الحكومات بمثل هذه الأفعال، إلا أن الهجمات التي استهدفت حركة الشحن في البحر الأحمر أظهرت أن الجهات الفاعلة من غير الدول يمكنها أيضاً القيام بأعمال ذات طبيعة جيوسياسية.
وتتسم الجغرافيا السياسية بالانتشار والاستمرارية في آن واحد. فهي ذات أهمية عالمية لأن الآثار المباشرة أو غير المباشرة للتطورات الجيوسياسية الكبرى أصبحت محسوسة في جميع المناطق.
وكانت أبرز العوامل التي أشارت إليها الشركات التي جرت مقابلتها في إطار هذه الدراسة هي: تقلب السياسات الأمريكية والرسوم الجمركية، والحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، والقدرة التنافسية الأوروبية.
وكما قال أحد التنفيذيين: «كان الانتشار العالمي في السابق ميزة، أما الآن فقد بدأ يتحول إلى خطر».
ومن المرجح أن تستمر هذه الأوضاع، لأن الضغوط المالية الناجمة عن العجز المالي المرتفع والمتزايد في الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، ستجعل من الصعب سياسياً التراجع عن إيرادات الرسوم الجمركية.
وفي الوقت ذاته، ستُبقي المنافسة على التفوق التكنولوجي والاقتصادي مستويات التنافس مرتفعة في المستقبل المنظور، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، وهي منافسة تعززها التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي.
وقد دفعت هذه القوى الجغرافيا السياسية بقوة إلى غرف مجالس إدارات الشركات. إلا أن هذا الاهتمام المتزايد لا يتحول دائماً إلى ميزة استراتيجية.
فمن أعضاء مجالس الإدارة إلى قيادات الإدارة التنفيذية العليا، ومديري الدول والفرق التشغيلية، أصبح لكل شخص تقريباً رأي بشأن الجغرافيا السياسية، وغالباً ما تشكله أحدث العناوين الإخبارية.
وبينما يمكن لهذا الوعي الواسع أن يعزز الحساسية تجاه الصدمات الخارجية، فإنه نادراً ما يتحول تلقائياً إلى تحرك منسق.
لم تنتقل سوى مجموعة محدودة من الشركات إلى ما بعد هذه المرحلة وتبني قدرات جيوسياسية شاملة. وتعامل هذه الشركات الجغرافيا السياسية ليس باعتبارها مصدر إلهاء مؤقتاً أو مجرد خطر يجب إدارته، وإنما كمدخل أساسي ومنهجي في عملية صنع القرار، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالاستثمار والتوريد والمبيعات.
ويتطلب تطوير هذه القدرة وقتاً وتحسيناً مستمراً والتزاماً ملموساً من القيادة العليا. وكما هي الحال مع عضلات الجسم، تزداد القوة الجيوسياسية للشركة من خلال الاستخدام المتواصل، أي عبر دورات متكررة من التقييم واتخاذ القرار والتنفيذ.
تهدف هذه الورقة البيضاء إلى تحديد الخيارات المختلفة التي تعتمدها الشركات لبناء قوتها الجيوسياسية، أي القدرات التنظيمية التي تحوّل الوعي إلى عمل، وتقديم إرشادات عملية للمديرين التنفيذيين الساعين إلى بناء هذه القدرات أو تعزيزها داخل شركاتهم.
وتبني الورقة مباشرة على العمل السابق الذي تناول كيفية اكتشاف الشركات للعوامل الجيوسياسية وتقييمها.
وتستند الأدلة المستخدمة في هذه الورقة إلى 56 مقابلة مع كبار التنفيذيين في قطاعات ومناطق جغرافية متعددة. وجميع المشاركين يعملون في شركات ذات انكشاف تجاري دولي كبير.
وأُجريت المقابلات بصورة غير رسمية ومن دون نسب التصريحات إلى أصحابها بهدف تشجيع الصراحة. ومع ذلك، وافق بعض المشاركين على مشاركة تجاربهم بصورة علنية، وتُعرض حالاتهم ضمن دراسات حالة مخصصة في مختلف أجزاء الورقة.
تتكون هذه الورقة البيضاء من ثلاثة أقسام رئيسية:
– يوضح القسم الأول مبررات الأعمال لبناء القوة الجيوسياسية، ويشرح لماذا لم يعد الوعي وحده كافياً وما الذي أصبح على المحك بالنسبة للشركات.
– يبحث القسم الثاني في كيفية انتقال الشركات من الوعي إلى التنفيذ، ويشرح المكونات الخمسة الأساسية لبناء القوة الجيوسياسية.
– يقدم القسم الثالث تأملات مستقبلية حول تطور صنع القرار الجيوسياسي في الشركات العالمية.
ومن خلال هذا الهيكل، تسعى الورقة إلى تقديم صورة عن الممارسات المؤسسية الحالية إلى جانب إطار يمكن الاعتماد عليه لبناء القدرات مستقبلاً.
كيفية إجراء المقابلات
استغرقت المقابلات شبه المنظمة ما بين 45 و60 دقيقة. ودُعي المسؤولون التنفيذيون إلى التفكير في كيفية فهم الجغرافيا السياسية وتنظيم التعامل معها داخل مؤسساتهم.
وركزت المناقشات على ثلاثة محاور:
– الانكشاف والقياس الكمي
– القدرات الجيوسياسية
– قصص النجاح والعوامل الدافعة في الممارسة العملية
شمل المشاركون رؤساء إدارات الجغرافيا السياسية، والشؤون الحكومية، وشؤون الشركات، والاستراتيجية، والمخاطر والامتثال، والعمليات الدولية، إلى جانب مجموعة مختارة من الرؤساء التنفيذيين، وكبار قادة الإدارة التنفيذية، ونواب الرؤساء التنفيذيين.
ومثلت الشركات نطاقاً واسعاً من القطاعات.
وكما هي الحال في جميع البحوث النوعية، توجد بعض القيود المرتبطة بالمقابلات. فالمشاركون يميلون عادة إلى إبراز ما أحرزوه من تقدم أكثر من أوجه القصور، كما لا يمكن دائماً التحقق بصورة مستقلة من جميع الأفكار الواردة.
ومع ذلك، تظل هناك قيمة كبيرة في سؤال التنفيذيين عن الخطوات التي يتخذونها، ومصادر المعلومات التي يعتمدون عليها، ومن يستخدم تحليلاتهم. وبهذه الطريقة، تستطيع الشركات الأخرى وكذلك المسؤولون الحكوميون تكوين فهم أفضل لكيفية إدراك الجغرافيا السياسية والتعامل معها.
شملت عينة الشركات قطاعات الخدمات المالية والاستثمار، والسلع الصناعية والسيارات، والطاقة والنفط والغاز والكهرباء، والسلع الاستهلاكية والمنتجات الفاخرة وتجارة التجزئة، والرعاية الصحية، والتعدين، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات والخدمات، والمواد الكيميائية.
ومن بين الشركات التي شملتها المقابلات: Airbus، Allianz، Anglo American، Asahi Group Holdings، AXA، Banque Pictet، Centrica، CMA CGM، Danone، Dow، e&، EDF، Edmond de Rothschild، Equinor، Eurazeo، Google، Hitachi Energy، Huntington Ingalls Industries، LATC، Lilly، Medtronic، Nissan، Novartis، PepsiCo، Pernod Ricard، Philips، RBC، Rio Tinto، Safran، Sanofi، Schneider Electric، Siemens، Teva Pharmaceutical، Trafigura، Visa، Volvo Group، Walmart وYara.
1. مبررات بناء القوة الجيوسياسية
تعتمد الميزة التنافسية في عالم اليوم المتشظي على القدرة على تحويل الوعي الجيوسياسي بسرعة وبصورة منهجية إلى توجيهات تتعلق بالاستراتيجية والاستثمار والعمليات.
1.1 من الإشارات إلى الاستراتيجية
تخلق العوامل الجيوسياسية اليوم مخاطر وفرص أعمال أصبح حجمها أكبر من أن يمكن تجاهلها.
كشفت إحدى شركات السيارات أن الرسوم الجمركية ستخفض صافي أرباحها بنحو 4 مليارات دولار، رغم وجود خطط للتخفيف من نحو 35% من هذا الأثر.
كما أفادت إحدى شركات الطاقة بأن مشروعاً كبيراً للطاقة المتجددة كان قريباً من الاكتمال قد أُوقف في أحد أسواقها الرئيسية، ما أجبر الإدارة على الاختيار بين اللجوء إلى التقاضي أو الدبلوماسية. واختارت الشركة المسار الدبلوماسي، وتمكنت في النهاية من الحصول على تصريح لاستئناف المشروع.
يُعد امتلاك «رادار وسونار» جيوسياسيين قويين أمراً ضرورياً لاكتشاف الإشارات، وتفسير المشهد الجيوسياسي، واستباق العواقب المالية.
لكن المقابلات كشفت أن أقلية صغيرة فقط من الشركات تحاول قياس حجم انكشافها كمياً. وتعتمد معظم الشركات على السرديات والسيناريوهات النوعية، أو خرائط الحرارة، أو التقارير الوصفية.
ولا يُعد القياس الكمي هدفاً في حد ذاته، لكنه مهم. فلكي تؤثر الجغرافيا السياسية في القرارات، يجب التعبير عنها بلغة الأعمال، بحيث يتمكن التنفيذيون من مقارنة الخيارات وتحديد أولوياتها وفهم المفاضلات بين الانكشاف الجيوسياسي والاعتبارات الاستراتيجية الأخرى.
ولا تكمن القيمة الحقيقية في مجرد اكتشاف الإشارات، وإنما في ترجمتها إلى قرارات، والقيام بذلك بسرعة وبصورة منهجية.
وبالنسبة إلى شركة السيارات، كان ذلك يعني إعادة تصنيف التدفقات التجارية، واستخدام قواعد تجارية محددة، وإعادة تصميم أجزاء من سلسلة الإمداد.
أما بالنسبة إلى شركة الطاقة، فقد تطلب الأمر التواصل مع الحكومات وممارسة جهود دبلوماسية على مستويات متعددة لإزالة العقبات أمام الحصول على الموافقات.
والشركات التي تبني القدرة على ترجمة الإشارات الجيوسياسية إلى إجراءات أعمال ملموسة تصبح أكثر قدرة بكثير على اتخاذ قرارات استراتيجية تستند إلى التحليل بدلاً من الصدفة.
وفي عدد قليل من الشركات، تتطور هذه القدرة بصورة عضوية، إلا أنها في معظم الحالات تتطلب استثماراً متعمداً ومستداماً.
1.2 من إدارة المخاطر إلى الميزة التنافسية
بالنسبة إلى معظم المؤسسات، كانت الاستجابة الأولى تتمثل في التعامل مع الجغرافيا السياسية باعتبارها مشكلة في إدارة المخاطر.
وكما قال مسؤول تنفيذي رفيع في إحدى شركات الاستثمار العالمية: «كان نهجنا التقليدي تفاعلياً؛ فقد صُمم للدفاع وليس للاستباق».
ومع ذلك، تمثل إدارة المخاطر الجيوسياسية الخطوة الأولى نحو النضج المؤسسي، لأنها تضع الأساس لبناء قدرة أكثر تنظيماً على الصمود.
وتجبر إدارة المخاطر الفعالة القيادة على تحويل حالة عدم اليقين الواسعة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ للتخفيف من المخاطر، مثل تنويع الموردين، وتعديل البصمة الإنتاجية، وتحديد الشركاء أو الأسواق التي تتطلب خططاً بديلة.
وكما شرح أحد التنفيذيين في قطاع التأمين: «المرونة والقدرة على الصمود تكلفان المال؛ عليك أن توازن بين الربح والمرونة».
وتكون هذه المفاضلة أكثر حدة بصفة خاصة في الصناعات كثيفة رأس المال.
ولخصت إحدى الشركات الصناعية التحدي الذي تواجهه فيما يتعلق بمنشآتها التصنيعية في المناطق المعرضة للمخاطر الجيوسياسية بقولها: «إذا انسحبنا مبكراً أكثر من اللازم نخسر، وإذا انسحبنا متأخرين أكثر من اللازم نخسر».
وأصبح تحقيق التوازن بين الكفاءة من حيث التكلفة والمرونة الاستراتيجية اختباراً أساسياً لمدى فعالية إدارة المخاطر الجيوسياسية في الشركات العالمية.
لكن الجغرافيا السياسية ليست مصدراً للمخاطر فقط، بل يمكنها أيضاً خلق فرص للشركات القادرة على التعامل معها بكفاءة.
ويكون ذلك أكثر صعوبة في الصناعات التي استفادت إلى أقصى حد من الحجم العالمي، ولا تمتلك سوى قدرة محدودة على توطين عملياتها.
ومع ذلك، تتيح بعض الصدمات الجيوسياسية للشركات فرصة للتميز وتحقيق ميزة تنافسية.
فعلى سبيل المثال، أدت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على البوتاس البيلاروسي في عام 2021، والرسوم التي أُعلن عنها في عام 2025 على الأسمدة البيلاروسية والروسية، إلى تعطيل سلاسل الإمداد، لكنها فتحت أيضاً فرصاً سوقية جديدة وغيرت الديناميكيات التنافسية أمام المنتجين الأوروبيين وغير الأوروبيين.
وتنشأ هذه الفرص بطرق مختلفة، سواء من خلال السمعة، أو التحركات الاستراتيجية، أو التأثير في السياسات، أو التموضع التجاري، وفقاً لنوع الاضطراب الجيوسياسي والقطاع المعني.
الميزة الأولى تتعلق بالسمعة. ففي الأسواق المعقدة، يؤدي الحفاظ على استمرارية العمليات إلى تعزيز الثقة. وقد لخص أحد قادة قطاع الخدمات اللوجستية الأمر بقوله: «يثق بنا العملاء لأننا أثبتنا أننا قادرون على العمل حتى في البيئات العدائية».
أما الميزة الثانية فهي استراتيجية. فعندما ينسحب المنافسون تحت ضغط اللوائح التنظيمية، تستطيع الشركات التي تستمر أو تعود إلى السوق مبكراً الحصول على حصة سوقية أكبر.
وثمة ميزة ثالثة تتعلق بالتفاعل مع صانعي السياسات. فالشركات التي تتواصل بصورة بناءة مع الحكومات والمؤسسات متعددة الأطراف يمكنها المساهمة في إثراء صياغة اللوائح التنظيمية.
وعلى سبيل المثال، تجري إحدى شركات البنية التحتية الحيوية حوارات منتظمة مع أكثر من عشر حكومات بشأن تنظيم قدرة البنية التحتية على الصمود.
كما يمكن للفهم الجيوسياسي الموجه أن يدعم نمو الأعمال.
وقد أظهرت إحدى الشركات التي شملتها المقابلات ذلك خلال عملية مناقصة حديثة في إحدى دول جنوب شرق آسيا، حيث استخدمت الرؤى الجيوسياسية لضبط عرضها التجاري وتمكنت من الفوز بجزء من عقد تم تقسيمه بين أكثر من مورد.
وتطرح الشركات الناضجة، أي التي قطعت شوطاً أكبر في تطوير قدراتها الجيوسياسية، أسئلة مختلفة.
فالمؤسسات التي تمتلك قدرات متفرقة ومؤقتة تسأل: «ماذا يحدث؟» أو «من ينبغي أن يستجيب؟»، فتفقد وقتاً ثميناً.
أما المؤسسات الأكثر تقدماً، التي تمتلك قدرات أكثر انتظاماً ومأسسة، فتسأل: «كيف ينبغي لنا أن نستجيب؟» و«متى يكون الوقت المناسب للتحرك؟».
وهذا التحول يبدو بسيطاً، لكنه حاسم، لأنه يحوّل الجغرافيا السياسية من صدمة متقطعة إلى متغير يمكن إدارته ضمن الاستراتيجية المؤسسية.
1.3 تعريف القوة الجيوسياسية المؤسسية
يُعد تحديد معنى القوة الجيوسياسية على أرض الواقع ضرورياً لفهم الطريقة التي تستطيع بها الشركات بناءها.
في معظم الشركات، ظلت الجغرافيا السياسية لفترة طويلة مجالاً يختص به الرئيس التنفيذي أو مجلس الإدارة، ويُتعامل معها بشكل متقطع عند اندلاع الأزمات أو عندما تؤثر علاقات الشركة بالدول بصورة مباشرة في عملياتها.
لكن هذا النموذج لم يعد قابلاً للاستمرار.
فوتيرة الصدمات وتزامن حدوثها يتطلبان اليوم قدرة مؤسسية دائمة، وليس مجرد اهتمام متقطع من بعض الأفراد.
وتمثل القوة الجيوسياسية هذا الانتقال إلى الطابع المؤسسي: أي القدرة على الاستشعار، وإعادة تحسين الخيارات، والتحرك على نطاق واسع بصورة منهجية.
وهي الفارق بين معرفة أن حظراً جديداً على الصادرات قادم، وبين امتلاك خطة جاهزة لتعديل المشتريات، والتواصل مع الجهات التنظيمية، وإحاطة العملاء بالمستجدات.
بدأ عدد من الشركات بالفعل في التحرك في هذا الاتجاه.
فقد أنشأت شركة استثمار عالمية مقرها آسيا فريقاً جيوسياسياً موزعاً عالمياً، مع مراكز في واشنطن وبروكسل وبكين، ودمجته مباشرة في لجان الاستثمار.
كما أنشأت إحدى شركات السلع الصناعية وحدة للجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية ضمن إدارة الشؤون الحكومية، مع روابط قوية بمجلس الإدارة، وإدارة المخاطر المؤسسية، وخطوط الأعمال.
ومع ذلك، فإن أقل من 20% من الشركات التي شملتها المقابلات لديها وحدة صريحة للجغرافيا السياسية أو العلاقات الدولية.
وتدمج معظم الشركات هذه القدرة ضمن الهياكل القائمة.
ويمكن أن يساعد وجود وظيفة مخصصة بوضوح للجغرافيا السياسية على تحديد المسؤولية ومكانها داخل المؤسسة، لكنه لا يكفي وحده لضمان تحقيق ميزة تنافسية.
وعلى الرغم من اختلاف الهياكل، تشترك الشركات الأفضل أداءً في هدف واحد: ربط الوعي الجيوسياسي بصورة مباشرة بقرارات الأعمال.
فالعنصر الأساسي ليس التسلسل الهرمي، وإنما التكامل من خلال:
– توفير المعلومات والمشورة لزيادة وعي الوظائف المؤسسية الرئيسية وخطوط الأعمال بأهمية الجغرافيا السياسية في تحقيق أهدافها وتحسين نتائجها المالية.
– الجمع بين الجهات المختلفة والتنسيق بينها لضمان وصول المعلومات الجيوسياسية إلى نقاط اتخاذ القرار في المكان والوقت اللذين يمكن أن تحدث فيهما فرقاً.
ويبرز البحث خمسة مكونات أساسية تشكل معاً معنى بناء القوة الجيوسياسية:
– التفويض: تفويض الصلاحيات بما يتجاوز مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، ووضع أهداف واضحة توجه الاستجابات الجيوسياسية.
– الرادار والسونار: المصادر والأدوات المستخدمة لاكتشاف الرؤى والبيانات الجيوسياسية، إلى جانب منهجية للتقييم والتركيب بهدف ترجمتها إلى معنى تجاري.
– نموذج التشغيل: الهيكل الذي يحدد المكان الذي تتمركز فيه الجغرافيا السياسية داخل المؤسسة، والوظيفة المضيفة لها، ومدى قربها من الرئيس التنفيذي، ومستوى التعاون عبر مختلف أجزاء المؤسسة.
– المواهب: الخلفيات والخبرات اللازمة لبناء المصداقية داخلياً وخارجياً.
– دمجها في صنع القرار: الهيئات والعمليات المرتبطة باتخاذ القرارات التي يجب تضمين الجغرافيا السياسية فيها لدفع المؤسسة إلى التحرك.
ولا توجد وصفة واحدة للنجاح عند بناء القوة الجيوسياسية.
فالشركات تختلف في درجة تعرضها للمخاطر، والفرص المتاحة أمامها، والقيود التي تواجهها.
ويتأثر بناء هذه القدرة بعوامل مثل حجم الشركة، وانتشارها الجغرافي العالمي، وقدرتها على توطين العمليات، وظروف بلدها الأم، وقطاعها، وهيكل رأس المال، ونموذجها التنظيمي، ومجموعة المواهب المتاحة.
ويمكن لأي نموذج أن ينجح إذا تحقق الانسجام بين مستوى الطموح والتصميم التنظيمي.
2. من الوعي إلى التنفيذ
يتطلب الدمج الفعال للجغرافيا السياسية في صنع القرار نهجاً عملياً ومتكاملاً من البداية إلى النهاية. ويعرض هذا القسم خمسة مكونات أساسية إلى جانب خيارات عملية للبدء.
دراسة حالة 1: EDF – نموذج قائم على الشبكات للتفاعل الجيوسياسي الاستراتيجي
في EDF، لا يُنظر إلى الجغرافيا السياسية على أنها مجرد خطر، بل أيضاً كأداة للتموضع الاستراتيجي.
وقد صُممت إدارة الشؤون الدولية والحكومية، التي يقودها دبلوماسي سابق، لتكون استباقية، بحيث تدعم وحدات الأعمال في عمليات تقديم العطاءات والتفاعلات بين الشركات والحكومات، مع العمل في الوقت ذاته بصورة وثيقة مع المؤسسات الفرنسية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي للمساهمة في تشكيل بيئة تنظيمية ملائمة.
ويعمل النموذج بصورة مرنة وقائمة على الشبكات. ويؤدي قائد الإدارة دور المستشار الموثوق للرئيس التنفيذي، ويقضي معظم وقته في قضايا الجغرافيا السياسية والشؤون الأوروبية.
ويعمل كذلك كمنسق تدعمه شخصية نائبة واحدة وشبكة أوسع من المراسلين عبر المناطق ووحدات الأعمال، بما يعادل بين خمسة وعشرة موظفين بدوام كامل.
وفي القضايا المعقدة والحساسة للغاية، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تستطيع EDF تفعيل فرق عمل مخصصة، مع تنسيق أكثر انتظاماً وإيقاعاً بين مختلف الوظائف.
ولا يقتصر التركيز على تخطيط السيناريوهات، بل يمتد إلى التفاعل النشط القائم على الحوار بدلاً من المذكرات المطولة.
ويكون التواصل مباشراً ومرناً من خلال تحديثات موجزة، واجتماعات اتصال قصيرة، ومشاركة منتظمة في المنتديات الرئيسية لاتخاذ القرار.
وأثبت هذا النهج أهميته خلال عمليات اندماج واستحواذ حديثة. فقد شارك الفريق منذ البداية، ما مكّن EDF من التعامل مع التعقيدات السياسية، والمواءمة مع الجهات الحكومية، وإتمام الصفقات بعد أشهر من المفاوضات.
دراسة حالة 2: Siemens – إضفاء الطابع المؤسسي على القوة الجيوسياسية عبر فريق متخصص للجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية
أنشأت Siemens وظيفتها المتخصصة في الجغرافيا السياسية عام 2020 خلال جائحة كوفيد-19، وبعد سنوات من التعامل مع التحولات الجيوسياسية المرتبطة بروسيا وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين.
وكان الهدف يتمثل في استباق المخاطر والفرص الجيوسياسية والتعامل معها، مع ربط التطورات ببعضها على المستوى العالمي.
ويجمع الدور بين تقديم المشورة الجيوسياسية، والمناصرة الخارجية، والتعاون، وتطوير الأعمال، والتميز التشغيلي.
ويقود الوظيفة الرئيس العالمي للجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية في Siemens.
ويعمل فريق متعدد التخصصات من بروكسل وبرلين وميونيخ ضمن فريق أوسع للشؤون الحكومية في المقر الرئيسي، وينسق شبكة عالمية من النظراء العاملين في شركات Siemens المحلية.
وكان الفريق منظماً في البداية وفق الخبرات الجغرافية، لكنه بدأ يتخصص تدريجياً في موضوعات عالمية مثل الجغرافيا السياسية، والجغرافيا الاقتصادية، والتجارة العالمية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والصراعات، وغيرها.
وفي Siemens، تقوم الاستشارات الجيوسياسية على تحقيق توازن أساسي بين المشورة الداخلية والتواصل الخارجي.
ويتفاعل الفريق الجيوسياسي بنشاط مع صانعي السياسات في بلدان مختلفة، والمنظمات والمنتديات الدولية، والشبكات الأكاديمية، وجمعيات الأعمال العالمية، ومراكز الفكر والشركات الاستشارية.
ولمعالجة هذا التدفق الكبير من المعلومات، طورت Siemens مجموعة من الأدوات الداخلية لمساعدة الفريق على تصفية الضوضاء وتحديد أولويات المخاطر والفرص الناشئة.
وتتنوع هذه الأدوات من نماذج الاستشراف والاتجاهات والسيناريوهات وتقييمات البلدان المتعمقة، إلى أدوات جديدة قيد التطوير مثل رادار جيوسياسي مدعوم بالذكاء الاصطناعي وتطبيقات أخرى.
وتعمل Siemens على تعزيز قدراتها باستخدام قواعد بيانات منظمة، وواجهات برمجة التطبيقات، ومعرفة الخبراء.
وطور الفريق مجموعة من المنهجيات المملوكة للشركة، مثل «تقرير الاتجاهات والسيناريوهات الجيوسياسية»، و«أداة استخبارات الشؤون الحكومية»، ومنهجية «القيمة المعرضة للخطر»، بهدف استشراف الأثر المالي المحتمل للتطورات الجيوسياسية وقياسه وتحديد أولوياته عبر أبعاد مثل الوصول إلى الأسواق، والإيرادات، والأثر على صافي الأرباح، والانكشاف التكنولوجي، أو مدى جاذبية دولة معينة.
ويتم دمج الرؤى الجيوسياسية مباشرة في إدارة المخاطر المؤسسية، والتخطيط الاستراتيجي السنوي، والمكالمات الفصلية مع المستثمرين.
كما تُعرض خطط السيناريوهات بانتظام على مجلس الإدارة وفرق العمل.
ويحصل أعضاء مجلس الإدارة أيضاً على إحاطات جيوسياسية مخصصة تتوافق مع مجالات مسؤولياتهم، وتشمل موضوعات تتراوح من الذكاء الاصطناعي إلى الجغرافيا السياسية للاستدامة.
ويحافظ الفريق على اتصال مباشر ومنتظم مع مكتب الرئيس التنفيذي وقادة الأعمال من خلال الإحاطات المباشرة والعروض المخصصة للفرق التنفيذية.
ويقول الرئيس العالمي للجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية: «الطلب الداخلي يتزايد باستمرار؛ واليوم نتلقى طلبات تبدأ من مستوى مجلس الإدارة وتمتد وصولاً إلى خطوط المنتجات داخل وحدات الأعمال».
2.1 تحديد التفويض
«قال رئيس مجلس إدارتنا للمجلس: نحن بحاجة إلى المزيد من الخبرة الدولية. وأدى ذلك إلى إعادة تأسيس وظيفة العلاقات الدولية لدينا، بتفويض يشمل الاستشراف الاستراتيجي طويل الأجل والتوجيه التشغيلي التكتيكي قصير الأجل».
رئيس العلاقات الدولية في إحدى شركات الطاقة
يدرك اليوم كثير من أعضاء مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين وغيرهم من القادة الحاجة إلى قوة جيوسياسية تتمتع بالصلاحيات اللازمة: قدرة مخصصة ومفوضة تستطيع استباق التطورات العالمية وتنظيم استجابة الشركة لها.
والشركات التي تتمتع بتاريخ طويل من الانكشاف على الجغرافيا السياسية، مثل شركات الطاقة أو السلع الأساسية، طورت عادة مثل هذه الوظائف في وقت أبكر.
أما بالنسبة إلى الشركات الأخرى، فقد سرّعت نقطتان فاصلتان هذا الإدراك: جائحة كوفيد-19 عام 2020، والغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022.
وقد أظهرت الأزمتان أن التنسيق المؤقت أو الاعتماد على العلاقات الشخصية لا يمكنهما أن يحلا محل الجاهزية المؤسسية.
وتؤدي القوة الجيوسياسية دور المنسق وليست صاحبة القرار النهائي. وتختلف طريقة تفويض هذه السلطة وفق تصميم الشركة ومستوى نضجها:
– الملكية الموزعة: تتولى كل وظيفة وكل وحدة أعمال التعامل مع الجغرافيا السياسية بصورة مستقلة ضمن نطاقها، وترفع الرؤى إلى المستويات الأعلى. يحافظ هذا النموذج على قرب القرارات من العمليات وواقع الأسواق، لكنه يؤدي غالباً إلى روايات مجزأة، وتكرار العمل، وضعف القدرة على تكوين رؤية متكاملة للمؤسسة بأكملها. وفي هذا النموذج، يتحمل الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة عبء دمج الرؤى المختلفة.
– الملكية المشتركة: تُقسم المسؤولية بين وظيفتين أو ثلاث وظائف. فعلى سبيل المثال، قد تتولى إدارة المخاطر المراقبة والاستجابة للأزمات، بينما تركز إدارة الاستراتيجية على الاستباق والفرص. ويسمح ذلك بدمج زوايا نظر متكاملة وإنشاء آليات للضوابط والتوازن، لكنه يتطلب آليات تنسيق قوية لتجنب الفجوات أو التداخلات.
– الملكية المركزة: تتولى وحدة واحدة مسؤولية التنسيق وتقديم المشورة عبر المؤسسة. ويحدد هذا النموذج المسؤولية بوضوح، ويوحد الرسائل الخارجية، ويتيح رفع تقارير منهجية إلى مجلس الإدارة. لكن لكي تظل هذه الوحدة فعالة، يجب أن تكون مندمجة بعمق في الأعمال وأن تكتسب مصداقية داخلية باعتبارها مترجماً بين التطورات الجيوسياسية وتأثيرها التجاري.
وعبر مختلف الشركات، يمتد التفويض عادة على محورين: الدفاع، أي إدارة المخاطر، مقابل الهجوم، أي اغتنام الفرص؛ ورد الفعل مقابل الاستباق.
وينتج عن ذلك أربعة أهداف متميزة:
– إدارة الأزمات: مثل التأهيل العاجل لمورد جديد بسبب العقوبات، أو إعادة توجيه سلاسل الإمداد بعد الهجمات في البحر الأحمر، أو الخروج من روسيا عام 2022.
– اغتنام الفرص: مثل الاستفادة من مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للدفع نحو إدراج أحكام معينة، أو الدخول إلى سوق تركها منافس بسبب ضوابط التصدير.
– الاستعداد للمستقبل: مثل تكوين مخزونات من منتج حيوي قبل الانتخابات الأمريكية، أو إعداد خطة طوارئ متعلقة بتايوان والصين.
– التشكيل الاستراتيجي: مثل الاستحواذ على أصل استراتيجي في سوق حساسة سياسياً أو جيوسياسياً، أو التعاون المبكر مع الجهات التنظيمية بشأن مسائل تنظيمية محددة.
وقد وصفت شركات كثيرة شاركت في المقابلات تحولاً في أولوياتها مع تعزيز قدراتها، إذ انتقلت تدريجياً من إدارة الأزمات التفاعلية إلى تخصيص مزيد من الوقت والجهد للتحركات الاستباقية والهجومية مع نضج قدراتها.
أفضل الممارسات لتحديد التفويض
رعاية مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي: يجب أن يكون التفويض مرتبطاً بصورة واضحة بالقيادة العليا وأن يُبلّغ لبقية أجزاء المؤسسة، بما يرسل إشارة واضحة إلى أن الجغرافيا السياسية أولوية قيادية. وتُعد رعاية مجلس الإدارة بالغة الأهمية، كما يجب أن تتبنى القوة الجيوسياسية منظوراً طويل الأجل.
تفويض السلطة: يجب أن تتمكن الوظيفة الجيوسياسية من التحرك والجمع بين الأطراف وتنظيم الاستجابات الجيوسياسية، لا أن تكتفي بتقديم المعلومات، مع تحديد واضح للأدوار بين الوظائف.
توسيع الغرض: ينبغي أن يتجاوز التفويض إدارة المخاطر بصورة تفاعلية ليشمل النهج الاستباقي واغتنام الفرص.
دراسة حالة 3: Allianz – إيصال الرؤى الجيوسياسية إلى الأماكن التي تُتخذ فيها القرارات
سرّعت Allianz عملية تنظيم قدراتها الجيوسياسية منذ عام 2019.
وما بدأ كوظيفة تركز إلى حد كبير على الشؤون التنظيمية تحت إشراف المدير المالي للمجموعة، تطور سريعاً إلى وظيفة أوسع للشؤون التنظيمية والسياسية.
وفي عام 2022، ارتفع موقع هذه الوظيفة في الهيكل التنظيمي لتصبح مسؤولة مباشرة أمام الرئيس التنفيذي للمجموعة.
ويقود الإدارة الأساسية للشؤون التنظيمية والسياسية في المقر الرئيسي مسؤول تنفيذي مخضرم في Allianz، وتدعمه مجموعة أساسية للشؤون التنظيمية والسياسية تغطي المناطق وخطوط الأعمال الرئيسية.
وتضع هذه المجموعة استراتيجية الوظيفة العالمية ومنهجياتها وأولوياتها، وتضم أكثر من 15 جهة معنية تتبادل بصورة منتظمة المعلومات حول القضايا الراهنة.
وتتمثل مهمتها في مساعدة Allianz على التعامل مع البيئة التنظيمية والسياسية التي تعمل فيها والمساهمة في تشكيلها في الوقت ذاته.
ويقدم الفريق تقاريره إلى الهيئات الأساسية لاتخاذ القرار في مجالات التمويل والمخاطر والاستراتيجية والعمليات.
وكما يقول رئيس الشؤون التنظيمية والسياسية للمجموعة: «انتقلنا من تنظيم ثلاث أو أربع لجان توجيه خاصة بنا سنوياً إلى الحصول على مقعد في المنتديات التي تُتخذ فيها القرارات».
وتستند مراقبة التطورات الجيوسياسية إلى نهج منظم قائم على البيانات ويجري تنفيذها من زوايا متعددة.
وتتعقب «شبكة الاستقرار السياسي» التابعة للشركة المخاطر السياسية في أكثر من 25 سوقاً رئيسية. وهي تجمع بين بيانات الانكشاف الداخلية والمدخلات الخارجية وتقيم التطورات عبر أطر زمنية متعددة.
وتُقدم النتائج مرتين في السنة على الأقل، أو بوتيرة أعلى عند الحاجة، مع إمكانية إجراء تحليلات معمقة لوحدات الأعمال.
كما يقدم تحديث للمخاطر الجيوسياسية ثلاث مرات سنوياً على الأقل تحليلات متعمقة لأربعة أو خمسة من أهم المخاطر الجيوسياسية.
وتكتمل هذه المجموعة من المنتجات بتحليلات استباقية قبل الانتخابات المهمة.
ويقدم التخطيط للسيناريوهات الذي بدأ قبل عام من الانتخابات الأمريكية لعام 2024 مثالاً على أثر هذا النموذج. فقد تعاون الفريق مع عدة وظائف، بما فيها البحوث الاقتصادية وإدارة المخاطر، لضمان أن تكون الاستجابات الاستراتيجية منسقة واستباقية وجاهزة للعرض على مجلس الإدارة.
دراسة حالة 4: LATC – تعزيز النهج الاستباقي عبر بناء «رؤية خاصة بالشركة»
شعرت LATC بتأثير تزايد عدم اليقين الجيوسياسي، ولا سيما في قطاع التجزئة لديها.
ووجدت الشركة نفسها في البداية تعمل في وضع «إطفاء الحرائق»، لكنها سرعان ما فعّلت قدراتها الجيوسياسية وعززتها لتنسيق استجابتها.
وانعكس ذلك في تحول تنظيمي هدفه دمج الجغرافيا السياسية بصورة أكثر مباشرة في جوهر العملية الاستراتيجية.
وأضيف دور كبير مسؤولي التجارة إلى مسؤوليات كبير مسؤولي الاستراتيجية، الذي يقدم تقاريره مباشرة إلى الرئيس التنفيذي ويشارك في اللجنة التنفيذية.
ويضم الفريق سبعة متخصصين، كما يشمل وحدة مخصصة للجغرافيا السياسية واستخبارات السوق.
وأتاح هذا التحول لـLATC الانتقال من موقف تفاعلي إلى موقف أكثر استباقية، مع تطوير «رؤيتها الخاصة» للتطورات الجيوسياسية واستخدامها في تشكيل الحوارات مع الجهات التنظيمية والهيئات التجارية والشركاء متعددي الجنسيات.
«يمكنك أن تتحدث بلا نهاية عما يحدث، لكن السؤال الحقيقي هو: وماذا يعني ذلك؟ تصبح الجغرافيا السياسية مهمة عندما تعيد ربطها بالأعمال: كيف نتعامل معها، وماذا تعني بالنسبة لنا، وما الذي سنفعله بعد ذلك؟»
رئيس الشؤون العالمية في إحدى شركات المواد الكيميائية
2.2 تفعيل الرادار والسونار
يأتي خط المعلومات الأول من المكاتب المحلية وفرق الإدارة المحلية.
فهذه الجهات هي الأقرب إلى العملاء، والجهات التنظيمية، ومصادر الأخبار المحلية، وهي في وضع فريد يسمح لها برصد الإشارات الضعيفة، والتطورات التنظيمية، أو التحولات السياسية التي قد تتحول لاحقاً إلى اضطرابات كبرى.
وتنشأ الميزة التنافسية من الجمع بين:
القدرة على الحصول على معلومات مباشرة من الميدان.
القدرة التنظيمية على تجميع هذه المعلومات الاستخباراتية والاستفادة منها عبر المجموعة بأكملها.
وللحفاظ على هذا الاتصال، تنظم بعض الشركات زيارات ميدانية أو دورات عمل في المواقع للفرق المركزية، بما يضمن قربها من السياقات ووجهات النظر المحلية.
وتجري شركات أخرى عمليات مسح للمخاطر كل ثلاثة أو ستة أشهر بهدف تنظيم تدفق المعلومات من الأطراف إلى المقر الرئيسي.
كما أن تطوير الوعي الجيوسياسي لدى القادة المحليين أمر بالغ الأهمية.
وقد استذكر أحد المشاركين مديراً لإحدى الدول رفض مقابلة وزير المالية المحلي متسائلاً: «لماذا سيكون هذا مهماً بالنسبة لنا؟».
وهذا مثال يذكّر بأن الحساسية السياسية والجيوسياسية يجب أن تصبح جزءاً من مجموعة مهارات القيادة على جميع المستويات.
وإلى جانب «زراعة» البيانات الداخلية والاستفادة منها، تقوم الشركات الرائدة أيضاً «باصطياد» الرؤى الخارجية بصورة نشطة عبر ثلاث فئات واسعة:
– مقدمو الخدمات المهنية والبيانات والبرمجيات: يساعدون الشركات على تجاوز العناوين الإخبارية من خلال ترسيخ التحليل في بيانات ملموسة، وتقديم تقييمات سريعة، وسد النقص المؤقت في القدرات أو الخبرات.
– الفعاليات الدولية: تؤدي المشاركة النشطة أو حتى الحضور في المنتديات وجلسات النقاش إلى رفع مستوى وعي التنفيذيين.
– الخبراء الخارجيون ومراكز الفكر: تعتمد القدرات الأكثر فعالية على خبرات متخصصة ودقيقة، مثل مفاوضين تجاريين سابقين، ومحامين متخصصين في العقوبات، أو خبراء في مناطق جغرافية بعينها.
لكن جمع المعلومات ليس سوى الخطوة الأولى.
ويتطلب تحويلها إلى رؤى استراتيجية تقييماً منظماً.
وعادة ما تعمل الشركات التي شملتها المقابلات وفق ثلاثة مستويات من النضج:
– السيناريوهات النوعية: تُصنف القضايا ضمن مخاطر مرتفعة أو متوسطة أو منخفضة. وتطور الفرق سرديات، وتقيّم المحفزات المحتملة، وتحدد التداعيات على الأعمال بهدف بناء الوعي الداخلي.
– الحدود المالية المتدرجة: تضيف هذه المنهجية القياس الكمي عن طريق ربط المخاطر بمقاييس الشركة. وتستخدم بعض الشركات مستويات محددة لضمان ترتيب الأولويات والانضباط في التصعيد. فعلى سبيل المثال، قد يتم إنشاء فريق عمل لأي خطر يتجاوز تأثيره 500 مليون دولار على الأرباح التشغيلية.
– التكامل الكمي: وهو النهج الأكثر تقدماً، حيث يتم دمج المتغيرات الجيوسياسية مباشرة في التخطيط والتنبؤ المالي. وعلى سبيل المثال، تتابع إحدى الشركات أكثر من 60 مؤشراً على مستوى البلدان، وتجمعها ضمن متغيرات أعمال أساسية مرتبطة بالإيرادات والتكاليف وحساسية الانكشاف.
وعلى الرغم من التوافر الواسع للمعلومات والبيانات والتعليقات، لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستشعار الجيوسياسي محدوداً.
فمعظم الشركات لا تزال تعتمد على التنسيق اليدوي للمعلومات أو ملخصات المستشارين لتصفية الضوضاء.
إلا أن عدداً قليلاً من الشركات بدأ تجارب لاستخدام الذكاء الاصطناعي بهدف أتمتة معالجة الإشارات.
وأفادت إحدى الشركات بأنها دربت نموذجاً لغوياً كبيراً على منهجيتها الخاصة لجمع المعلومات وتجميعها وإنتاج مواد جاهزة لمجلس الإدارة.
ومع نضج أدوات الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي دوراً متزايداً في دعم أنظمة الإنذار المبكر، وتوليد السيناريوهات، والإنتاج السريع للإحاطات.
أفضل الممارسات لتفعيل الرادار والسونار
نموذج استخبارات هجين: يجمع البيانات الداخلية المتعلقة بالعمليات وسلاسل الإمداد مع المصادر الخارجية مثل المستشارين ومراكز الفكر، مع الحفاظ على أهمية المعلومات المباشرة المستمدة من العلاقات والاتصالات.
تقييم موحد ومقاس كمياً: يحول المخاطر الجيوسياسية إلى مقاييس أعمال مشتركة، مثل القيمة المعرضة للخطر، بما يسمح بالمقارنة وترتيب الأولويات.
تدفقات معلومات فعالة: يحافظ على تحديثات منتظمة ومستقرة وإحاطات موجزة للرئيس التنفيذي، بدلاً من المذكرات المطولة.
تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي: يزيد الإنتاجية ويساعد على تصفية الضوضاء والمعلومات غير المهمة.
دراسة حالة 5: Rio Tinto – تنسيق فرق عمل متعددة الوظائف من خلال إدارة مشاريع مرنة
لم تحقق محاولة Rio Tinto الأولى لتوفير خبرة جيوسياسية عبر مستشارين سياسيين عامين أثراً كافياً لدى وحدات الأعمال.
ويقول رئيس العلاقات الحكومية والمجتمع المدني في المجموعة: «كنا نجري محادثات جيدة، لكنها لم تكن دائماً بلغة تستطيع وحدات الأعمال اتخاذ إجراءات بناءً عليها».
ومنذ ذلك الحين، انتقلت الشركة إلى نموذج أكثر توزيعاً واندماجاً في الأعمال، يرتكز على الانكشاف التشغيلي.
وتتولى إدارة العلاقات الحكومية والمجتمع المدني مسؤولية تنسيق الاستجابة الجيوسياسية من خلال فرق عمل متعددة الوظائف.
ويضم كل فريق عادة نحو عشرة أشخاص من الإدارات القانونية، والمخاطر، والمشتريات، والتجارية، والفرق الإقليمية، ويتم تشكيله حول قضية محددة مثل الرسوم الجمركية أو التوترات بين الولايات المتحدة والصين، مع اجتماعات دورية منتظمة.
ويتولى مكتب مخصص لإدارة المشاريع ضمان متابعة الإجراءات وتنفيذها.
وتستخدم Rio Tinto خبراء خارجيين متخصصين للغاية، مثل محامي العقوبات، ومفاوضي التجارة، ومحللي الأمن الإقليمي، وفق طبيعة القضية.
ويقول أحد التنفيذيين: «ابتعدنا عن الخبراء العموميين، وأصبحنا الآن نتجه نحو الخبرات المتخصصة، وقد نجح ذلك».
ويتم قياس المخاطر بلغة الأعمال، مثل الأحجام والتكاليف وتأثيرها في الهوامش، ثم تجمع الفرق المركزية هذه التقديرات.
ويقول أحد المسؤولين: «الأعمال تقيس المخاطر كمياً بشكل كامل، ونحن نجمع تلك الرؤية ونقدمها إلى مجلس الإدارة».
وأثبت النموذج قيمته في عام 2025 عند فرض الرسوم الجمركية الأمريكية.
فمع وجود خطط للسيناريوهات مسبقاً، تحرك فريق العمل فوراً لاتخاذ الإجراءات، وعدّل سلاسل الإمداد، وتواصل مع الجهات التنظيمية، وحافظ على علاقات العملاء.
ويقول أحد المسؤولين: «لم نشعر بالذعر؛ بل ركزنا على معرفة وحدات الأعمال المتأثرة ثم بدأنا إدارة المخاطر».
2.3 تصميم نموذج التشغيل
«تحتاج فعلاً إلى شخص إما أن يكون متخصصاً بالكامل في الجغرافيا السياسية، أو أن يتولى المسؤولية الجيوسياسية ويكون لديه مستشار كبير في فريقه يعمل بدوام كامل كخبير جيوسياسي. وينبغي أن يكون مسؤولاً أمام عضو دائم في فريق الإدارة أو قريباً جداً من الرئيس التنفيذي، مع خط مباشر إلى صانعي القرار».
رئيس الاستشارات الجيوسياسية في بنك استثماري عالمي
عند تصميم نموذج التشغيل، يتمثل أحد الأسئلة الأولى التي تواجهها الشركات في المكان الذي ينبغي أن تتمركز فيه الوظيفة داخل الهيكل التنظيمي.
إلا أن تأثيرها يعتمد بدرجة أقل على موقعها الرسمي، وبدرجة أكبر على مدى قدرتها على التنسيق بين الوظائف المختلفة والاتصال بصانعي القرار.
وعملياً، تضع أكثر من نصف الشركات التي شملتها المقابلات قدرتها الجيوسياسية داخل إدارات الشؤون الحكومية أو شؤون الشركات.
وفي المقابل، أنشأت أقل من 20% منها وظيفة متخصصة للجغرافيا السياسية أو العلاقات الدولية تتبع الرئيس التنفيذي مباشرة.
وبغض النظر عن الشكل التنظيمي، يظل أحد عوامل النجاح ثابتاً: القرب من الرئيس التنفيذي.
فالوصول المباشر إلى القيادة يضمن الملاءمة والسرعة والسلطة في أوقات الاضطراب.
وإلى جانب تحديد «الوظيفة المضيفة»، توجد أربعة نماذج تشغيل رئيسية لبناء القوة الجيوسياسية:
– برج المراقبة: يوجد عادة ضمن إدارة المخاطر أو الامتثال، ويكون تفويضه دفاعياً إلى حد كبير، إذ يراقب الجغرافيا السياسية باعتبارها جزءاً من المخاطر المؤسسية الأوسع. ويوفر إنذاراً مبكراً ووعياً بالموقف، إلا أن تأثيره الاستراتيجي محدود، ما يترك لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية العليا مهمة ترجمة التداعيات إلى خطوط الأعمال.
– شبكة التأثير: تعمل استناداً إلى الثقة وعلى مقربة كبيرة من الرئيس التنفيذي، بما يشبه دور الملحق الدبلوماسي تقريباً. ويركز هذا النموذج على التأثير أكثر من الهيكل الرسمي. وهو مكرس للجغرافيا السياسية بدرجة شبه كاملة، لكنه يعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات الوظائف الأخرى.
– خلايا القيادة: هي بطبيعتها تفاعلية في المقام الأول، لكنها تستطيع معالجة كل من إدارة الأزمات واغتنام الفرص. ولوحظت اختلافات واسعة في تطبيق هذا النموذج، تتراوح من «غرف حرب» مؤقتة إلى فرق عمل مؤسسية ترفع تقاريرها مباشرة إلى الإدارة التنفيذية العليا. ويمكن لهذه الفرق تعبئة ما بين 10 و40 شخصاً بصورة مؤقتة، يجمعون بين مساهمين متفرغين وآخرين يعملون بدوام جزئي من مختلف أنحاء المؤسسة.
– المركز العصبي: يقوده مسؤول تنفيذي كبير يعمل أيضاً مستشاراً للرئيس التنفيذي. ويعد الفريق التحليلات والإحاطات والتوصيات للقيادة واللجان الرئيسية. وتكون جميع موارده مخصصة بالكامل للجغرافيا السياسية، بينما يختلف حجم الفريق بحسب مستوى الانكشاف والطلب الداخلي.
ولا تمثل هذه النماذج فئات جامدة، إذ تجمع شركات كثيرة بين خصائص نموذجين أو تتطور بمرور الوقت مع تغير الأولويات.
وقد عرّفت نحو 50% من الشركات المشاركة في أحد الاستطلاعات نفسها باعتبارها تنتمي إلى نموذجين، بحيث يختلف نموذج التشغيل وفق القضية المطروحة.
ومن بين الشركات التي شملها الاستطلاع المحدود، ظهر نموذج شبكة التأثير بنسبة 57%، وخلايا القيادة بنسبة 43%، والمركز العصبي بنسبة 29%، وبرج المراقبة بنسبة 21%. وكان مسموحاً باختيار أكثر من نموذج، لذلك لا يساوي المجموع 100%.
أفضل الممارسات في تصميم نموذج التشغيل
الوصول المباشر إلى الرئيس التنفيذي: بغض النظر عن النموذج، يضمن القرب من عملية اتخاذ القرار القدرة على التأثير.
قدرة مخصصة: ينبغي أن يضم الفريق الأساسي عدداً من المتخصصين المتفرغين بالكامل على الأقل للعمل في القضايا الجيوسياسية.
نهج إدارة المشاريع: تساعد إدارة المشاريع المخصصة على ضمان التسليم المنتظم والمتابعة، خصوصاً عندما يتطلب العمل تنسيقاً بين وظائف متعددة.
دراسة حالة 6: Teva Pharmaceutical – توسيع مركز القيادة من الرسوم الجمركية إلى قضايا السياسات الأوسع
في Teva Pharmaceutical، أصبحت الاضطرابات الجيوسياسية، بدءاً من تهديدات الرسوم الجمركية ووصولاً إلى قواعد تسعير «الدولة الأكثر تفضيلاً» وعدم الاستقرار الإقليمي، ظواهر متكررة.
وقد بدأت هذه الديناميكيات تؤثر بالفعل في الطريقة التي تقيّم بها الشركة استراتيجية التسعير، والوجود في الأسواق، وهياكل التكاليف، وتخصيص رأس المال، وحتى مسار الابتكار لديها.
ويقول نائب الرئيس التنفيذي التجاري في الولايات المتحدة: «أصبحنا أكثر تفصيلاً بكثير بسبب حجم العواقب المحتملة».
وتقع مسؤولية معالجة القضايا الجيوسياسية داخل إدارة الشؤون الحكومية العالمية.
ويعمل الفريق الأساسي ضمن شبكة أوسع تضم ما بين 30 و50 متخصصاً في مجالات التمويل والقانون والعمليات والفرق الإقليمية.
وفي أبريل 2025، أنشأت Teva Pharmaceutical مركز قيادة للرسوم الجمركية والسياسات.
ويعمل المركز على شكل غرفة عمليات تجتمع أسبوعياً وتجمع قادة من وظائف متعددة، مع خط اتصال مباشر بالرئيس التنفيذي والمدير المالي.
ويقول المدير المالي للولايات المتحدة: «الأمر لا يتعلق بالرسوم الجمركية فقط، بل أصبح يتعلق الآن بالسياسات، والملكية الفكرية، وقاعدة الدولة الأكثر تفضيلاً، والتغيرات الهيكلية طويلة الأجل».
وعندما ظهرت مخاطر الرسوم الجمركية في عام 2025، حددت الشركة دواءً أساسياً لعلاج الأورام يُصنع في الهند باعتباره معرضاً للخطر.
وتحرك مركز القيادة سريعاً ورفع مستويات المخزون في الولايات المتحدة قبل احتمال فرض الرسوم.
وضمن هذا القرار استمرارية الإمداد لمرضى السرطان في المنطقة.
2.4 تكوين فريق الوظيفة
«لدينا بالفعل المهارات الصحيحة داخل الشركة: الاستراتيجية، والتسويق، والمناصرة في مجال السياسات، وإبرام الصفقات، وإدارة المخاطر. والتحدي الحقيقي هو ربط هذه المهارات ببعضها لكي نرى الصورة كاملة».
رئيس الاستراتيجية في إحدى شركات التعدين
يُعد تجميع المواهب المناسبة خطوة حاسمة في بناء القوة الجيوسياسية.
فالخبرة والمصداقية والقدرة التحليلية تحدد ما إذا كانت الفرق قادرة على الربط بين الجغرافيا السياسية والأعمال.
وعند بناء هذه القدرة، يجب على الشركات أولاً تحديد من سيقود الوظيفة:
– الترقية من داخل الشركة: يتمتع القادة الداخليون بمعرفة عميقة بعمليات الشركة، وقدرة سريعة على الاندماج، ومصداقية داخلية مرتفعة. كما تجعل شبكات علاقاتهم القائمة دمج الجغرافيا السياسية في القرارات اليومية أسهل. لكن مجموعة المواهب المتاحة قد تكون محدودة، كما أن المسارات المهنية للأدوار الجيوسياسية لا تزال غير واضحة.
– التوظيف الخارجي: يجلب الموظف الجديد خبرة جيوسياسية وشبكات خارجية ووجهات نظر جديدة. ويمكن للكفاءات الخارجية الكبيرة، القادمة غالباً من شركات أخرى في قطاعات شديدة التعرض للجغرافيا السياسية، وكذلك من الحكومات أو الدبلوماسية أو المنظمات الدولية، أن تضيف حضوراً وشرعية للوظيفة. إلا أنه يجب عليها أن تفهم الشركة بسرعة. فترجمة التعقيد الجيوسياسي إلى أثر تجاري تتطلب إلماماً عميقاً بالأعمال، وهو أمر يحتاج كثير من الموظفين الخارجيين إلى تطويره.
وعبر المقابلات، أكد التنفيذيون أن المسؤولية النهائية عن قيادة الفريق الجيوسياسي يُفضل أن تُسند إلى مسؤول تنفيذي يمتلك خبرة طويلة داخل الشركة أو في قطاع الأعمال.
فهؤلاء القادة يفهمون كيف تنافس الشركة، وكيف تُتخذ القرارات، وأين توجد المفاضلات الحقيقية.
ويمكنهم ترجمة التحليل الجيوسياسي إلى تداعيات تجارية وضمان أن تكون التوصيات مقنعة لكل من مجلس الإدارة والموظفين في الخطوط الأمامية.
وإلى جانب قيادة الوظيفة الجيوسياسية، توجد قيمة كبيرة في تنوع الخلفيات داخل الفريق الأساسي وفي بناء شبكة واسعة من المساهمين الآخرين.
ومع ذلك، كثيراً ما تتسبب الوظيفة المضيفة بصورة غير مقصودة في تحيز أثناء التوظيف؛ فعلى سبيل المثال، تميل إدارات الشؤون الحكومية إلى توظيف أشخاص ذوي خلفية دبلوماسية، بينما تميل إدارات الاستراتيجية المؤسسية إلى توظيف المستشارين.
أما الفرق الأكثر فعالية فتعرف كيف تجمع بين وجهات نظر مختلفة.
وتشمل الخلفيات المهنية الشائعة: العمل الحكومي والدبلوماسي، والأمن والاستخبارات، والشؤون القانونية والتنظيمية، والاستراتيجية المؤسسية، وخبراء القطاع ذوي الخبرة الطويلة القادرين على فهم الواقع التجاري للشركة.
كما أن التوازن في مستوى الأقدمية مهم.
فالموظفون الكبار يجلبون المصداقية والعلاقات والقدرة على التعامل مع نظرائهم في اللجنة التنفيذية وصانعي السياسات الخارجيين، بينما يسهم أعضاء الفريق الأصغر سناً بالكفاءات التحليلية ومهارات إدارة المشاريع.
وأظهرت بيانات الشركات المشاركة أن الحجم الوسيط للفريق الأساسي للقوة الجيوسياسية يبلغ نحو تسعة موارد بشرية، مع اختلافات كبيرة بين الشركات.
أفضل الممارسات في تكوين الفريق
قيادة مرتكزة على الأعمال: تُسند المسؤولية النهائية إلى مسؤول تنفيذي يفهم الشركة ومنطقها التجاري بعمق.
تكوين متوازن: تمزج الفرق بين الخبرات في الأعمال، والحكومة، والاستخبارات، والسياسات، والقانون، والتحليل.
استراتيجية توظيف هجينة: تجمع بين الترقية الداخلية، بما توفره من مصداقية وشبكات، والتوظيف الخارجي، بما يجلبه من خبرة وتنوع.
دراسة حالة 7: Airbus – تعزيز القدرات من خلال الترقية الداخلية
مع تعزيز Airbus لوظيفتها الجيوسياسية، يتمثل الهدف في إضفاء الطابع الرسمي والمنهجي على عمليات التقييم، وإدراجها في القرارات التجارية وغيرها من عمليات اتخاذ القرار.
ويتكون التفويض من هدفين: ترجمة الأحداث الخارجية إلى أثر على الأعمال، وبناء مجتمع ممارسة متعدد الوظائف.
ويقول رئيس نمو الأعمال الدولية: «إنها مفردات مختلفة؛ فالوزراء ورؤساء الدول لا يتحدثون اللغة نفسها التي تتحدث بها فرق المشتريات».
وفكرت Airbus في البداية في تعيين شخصيات خارجية بارزة، مثل سفراء أو جنرالات سابقين، لما يمكن أن يجلبوه من مصداقية وسمعة.
لكن هذا الخيار كان يثير تحديات مرتبطة بالاندماج والمواءمة داخل الشركة.
وفي النهاية، اختارت الشركة مرشحاً من داخلها يمتلك معرفة عميقة بـAirbus وشبكة خارجية قوية، ويمكنه تفعيل المنظومة بسرعة.
وكان مستوى الاهتمام مرتفعاً، مع مشاركة قوية عبر مختلف الوظائف.
2.5 دمج الجغرافيا السياسية في صنع القرار
«يمكنك القيام بتمرين للمخاطر: لوحة معلومات بالمخاطر، وقائمة طويلة، وخريطة حرارية تُحدث كل ثلاثة أشهر ويعاد تقييمها بالكامل كل عام، وغير ذلك. ولهذا بعض القيمة من حيث الوعي بالموقف. لكن الحاجة الحقيقية هي القدرة على دمج الرؤى الجيوسياسية بسرعة في القرارات الاستراتيجية أو التشغيلية التي تواجهها الشركة».
رئيس الاستشارات الجيوسياسية في بنك استثماري عالمي
تؤدي القوة الجيوسياسية دوراً محورياً كجسر بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية العليا من جهة، والوظائف المؤسسية ووحدات الأعمال من جهة أخرى.
ولا يتمثل هدفها في توفير المعلومات والمشورة فقط، بل أيضاً في الربط بين الأطراف، وجمعها، وتنسيقها، لضمان تحول الوعي الجيوسياسي إلى قرارات متسقة عبر المؤسسة.
وعلى أعلى مستوى، تدعم القوة الجيوسياسية مجلس الإدارة والقيادة التنفيذية من خلال توفير معلومات استخباراتية مستهدفة وفي الوقت المناسب.
– مجلس الإدارة: تقدم معظم الشركات تحديثات فصلية إلى مجلس الإدارة حول البيئة الجيوسياسية وتداعياتها على الأعمال. وتقدم بعض الشركات إحاطات فردية لأعضاء مجلس الإدارة تتوافق مع مجالات مسؤولياتهم، مثل التكنولوجيا والاستدامة.
– الرئيس التنفيذي والإدارة التنفيذية العليا: يكون التواصل هنا متكرراً ومباشراً وغير رسمي. وتعتمد الوظائف الفعالة على إحاطات قصيرة، ومكالمات هاتفية، ورسائل نصية، وتفاعلات خلال رحلات العمل لتزويد القيادة برؤى آنية وذات صلة. ومع ذلك، فإن المشاركة الرسمية بمقعد دائم في اللجنة التنفيذية أو لجنة الإدارة تضمن أن تؤخذ وجهات النظر الجيوسياسية في الاعتبار أثناء المناقشات الاستراتيجية واختيارات الاستثمار.
وإلى جانب تقديم المشورة إلى المستويات العليا، تسهم القوة الجيوسياسية عبر مجموعة متنوعة من الوظائف المؤسسية، حيث تستطيع تقديم المعلومات، وجمع الجهات المعنية، وفي بعض الحالات المساعدة في التحكيم بين الخيارات.
وكشفت المقابلات عن ثمانية مجالات لاتخاذ القرار تُدمج فيها الاعتبارات الجيوسياسية بصورة متكررة.
المشتريات وسلاسل الإمداد
تشمل القرارات تقييم انكشاف الموردين، ومستويات المخزون، ونقاط الاختناق اللوجستية، والتأثير المحتمل للعقوبات.
ومن الأمثلة التي قدمها المشاركون:
– توطين الموردين: ابتعاد إحدى شركات الرعاية الصحية عن موردين صينيين يتمتعون بالموثوقية والكفاءة من حيث التكلفة بالنسبة إلى سلسلة الإمداد الأمريكية، ضمن جهود توطين بدأت خلال كوفيد-19 وتسارعت مع تطبيق الرسوم الجمركية الأمريكية.
– أمن النقل: تنسيق إحدى شركات المواد الكيميائية مع البحرية الأمريكية لإنقاذ سفينة اعترضها قراصنة في خليج عدن، من خلال فريق عمل متعدد الوظائف ضم الشؤون الحكومية والأمن والشؤون القانونية وسلسلة الإمداد، وتم تفعيله الساعة الحادية عشرة ليلاً لتنسيق التحرك.
مراجعات المخاطر وإدارة المخاطر المؤسسية
تشمل مراجعة العوامل الجيوسياسية ضمن تصنيف المخاطر وتخطيط السيناريوهات.
ومن الأمثلة:
– حماية الأصول: أعدت شركة تعمل في الصناعات الاستخراجية ثلاثة سيناريوهات بشأن التوترات الأمريكية الصينية وشاركتها داخلياً، مع رسم تأثيراتها في اضطرابات الشحن، ومخاطر المشتريات، والقيود على تحويل أرباح الأسهم، وانكشاف الأصول لتدقيق المساهمين العموميين.
– استباق الامتثال: استعداد إحدى الشركات الصناعية مسبقاً للائحة البطاريات الأوروبية لضمان الامتثال الاستباقي واستمرار الوصول إلى السوق للجيل التالي من مركباتها الكهربائية.
المناصرة في مجال السياسات واستراتيجية التواصل
يتعلق ذلك بمواءمة أولويات التواصل مع درجة الانكشاف على الأسواق واللوائح التنظيمية.
ومن الأمثلة:
– التواصل المباشر: تواصل مشغل للخدمات اللوجستية مع وزارات الصحة في عدد من البلدان الأفريقية المتأثرة بتخفيضات مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بهدف سد الفجوات والتموضع كشريك متكامل من البداية إلى النهاية لسلاسل إمداد الرعاية الصحية من خلال عرض متخصص.
– الدفاع ضد استحواذ عدائي: نجحت شركة تعمل في الصناعات الاستخراجية في مقاومة محاولة استحواذ عدائية بفضل علاقاتها مع إدارة بلدها الأم التي عارضت الصفقة.
التخطيط الاستراتيجي
يشمل دمج الجغرافيا السياسية في قرارات دخول الأسواق، وإطلاق المنتجات، والتسعير.
ومن الأمثلة:
– إطلاق المنتجات: أعادت إحدى شركات الرعاية الصحية التفكير في عملية إطلاق منتج عالمياً نتيجة سياسة تسعير الأدوية الأمريكية وفق قاعدة «الدولة الأكثر تفضيلاً»، ودرست احتمال الامتناع عن دخول بعض الأسواق لأن ذلك قد يحدد سعراً أساسياً منخفضاً للغاية يصعب تطبيقه في أماكن أخرى.
– التركيز التجاري: أعطت شركة أوروبية الأولوية للمناقصات التجارية في دول أجنبية انطلاقاً من زاوية المنافسة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وحددت العملاء والعقود التي ينبغي توجيه الجهود نحوها.
تخصيص رأس المال والاستثمار
يشمل توجيه توطين التصنيع، وعمليات الاندماج والاستحواذ، وتخصيص الإنفاق الرأسمالي.
ومن الأمثلة:
– التوطين: إنشاء إحدى شركات السيارات مراكز صناعية جديدة في الهند والمكسيك لتقريب الإنتاج من الأسواق النهائية والتحوط ضد الاضطرابات الجيوسياسية في بصمتها التشغيلية.
– الموافقة على عمليات الاندماج والاستحواذ: دمجت إحدى شركات الطاقة القوة الجيوسياسية في قرارات الاستحواذ بهدف إشراك صانعي السياسات المحليين، والتعامل مع المشهد السياسي المرتبط بالشركة المستهدفة، والحصول على موافقة الجهات الحكومية.
الابتكار والملكية الفكرية
يتعلق الأمر بتحديد المكان المناسب لتوطين أو إعادة توطين البحث والتطوير والملكية الفكرية في ضوء السيادة التكنولوجية وضوابط التصدير.
ومن الأمثلة:
– التأجيل: تدرس إحدى شركات الرعاية الصحية نهج الانتظار والترقب بالنسبة إلى بعض منصات البحث والتطوير المعقدة وعالية المخاطر التي لا تكون قابلة للاستمرار اقتصادياً إلا إذا عملت على نطاق تجاري عالمي.
الاتصالات الخارجية والتسويق
يشمل ضمان توافق الرسائل العامة مع الحساسيات السياسية المحلية.
ومن الأمثلة:
– رؤية الشركة: وزعت إحدى شركات الرعاية الصحية نقاط حديث أسبوعية على المديرين العامين خلال الإعلان عن الرسوم الجمركية لضمان اتساق الرسائل ومنهجيتها.
– السمعة: استفادت إحدى شركات السلع الاستهلاكية سريعة التداول من النظرة الإيجابية إلى شركاتها وعلاماتها التجارية المحلية لمواجهة تهديدات بالمقاطعة في أحد أسواقها.
تقنية المعلومات والأمن السيبراني
يشمل ربط المخاطر السيبرانية بالانكشاف الجيوسياسي، وترتيب أولويات الدول أو خطوط الأعمال عند تحديث البنية التكنولوجية.
ومن الأمثلة:
– تحديث التكنولوجيا: أعطت إحدى شركات الخدمات المالية الأولوية لتحديث بنيتها التكنولوجية مع مراعاة المدخلات الجيوسياسية، ولا سيما درجة تعرضها لمخاطر الأمن السيبراني، وكيف يمكن للتحديث أن يرسل إشارة إلى المرونة والالتزام بالاقتصادات المحلية والتوافق مع أولويات الحكومات.
وعلى الرغم من اتساع نطاق الاستخدام، لا تزال غالبية الشركات التي شملتها المقابلات تعتمد على آليات مخصصة وغير منتظمة لإدخال الرؤى الجيوسياسية في القرارات.
وفي حين تمنح المرونة بعض المزايا، فإن غياب الإجراءات الرسمية يمكن أن يؤدي إلى عدم الاتساق بين المناطق الجغرافية ووحدات الأعمال والآفاق الزمنية المختلفة.
ومن دون إضافة مستويات بيروقراطية جديدة، يمكن لتنظيم المدخلات الجيوسياسية، ولو عبر نماذج بسيطة أو بنود دائمة في جداول أعمال الاجتماعات، أن يعزز المواءمة والمساءلة.
وينبغي للشركات التي تسعى إلى دمج الجغرافيا السياسية في صنع القرار أن تبدأ بطرح أربعة أسئلة بسيطة ولكن عملية:
أصحاب المصلحة: من المسؤول عن عمليات اتخاذ القرار الرئيسية التي تلعب فيها الجغرافيا السياسية الدور الأكبر؟
الآليات: كيف ستتم مناقشة الرؤى الجيوسياسية ودمجها؟ هل من خلال اللجان، أم الإحاطات، أم المحفزات المحددة مسبقاً؟
المساهمات: ما المؤشرات الجيوسياسية أو مؤشرات الأداء الرئيسية المحددة التي ينبغي أن تصاحب كل عملية لاتخاذ القرار؟
التوقيت والتكرار: متى، وكم مرة، ينبغي للوظيفة الجيوسياسية تقديم مدخلاتها لضمان ملاءمتها دون إبطاء التنفيذ؟
أفضل الممارسات في دمج الجغرافيا السياسية في صنع القرار
الدمج في الحوكمة: تُدمج الجغرافيا السياسية ضمن هيئات ولجان اتخاذ القرار القائمة بدلاً من إنشاء طبقات بيروقراطية إضافية.
آليات منهجية ومرنة: استخدام مزيج من العمليات الرسمية المؤسسية، مثل اللجان، والتفاعلات المرنة المؤقتة، مثل السفر مع الرئيس التنفيذي أو اللجنة التنفيذية وتقديم المذكرات القصيرة.
حقوق اتخاذ القرار: ينبغي أن يكون لقادة الجغرافيا السياسية صوت في اللجان الرئيسية، وأن يمتلكوا حق التصويت عندما يكون ذلك مناسباً.
دراسة حالة 8: Philips – تنسيق لجنة دائمة لسياسة التجارة والجغرافيا السياسية
ظهر نموذج Philips الجيوسياسي خلال جائحة كوفيد-19، عندما أصبحت التكنولوجيا الصحية ذات حساسية استراتيجية.
وتقود إدارة الشؤون الحكومية التنسيق متعدد الوظائف وترفع تقاريرها إلى كبير مسؤولي الحوكمة البيئية والاجتماعية والقانونية.
وتستخدم الشركة نموذج فرق العمل للاستجابة لمخاطر مثل الرسوم الجمركية الأمريكية، من خلال تقديم تقييمات للأثر، ورسائل للمناصرة، وتحديثات لمجلس الإدارة.
وتشرف لجنة دائمة لسياسة التجارة والجغرافيا السياسية على عمليات استشراف التطورات المستقبلية وتتبع المخاطر.
ويعقد الفريق اجتماعات شهرية تضم المشتريات، والامتثال التجاري، والضرائب، والشؤون القانونية، والشؤون الحكومية، واستراتيجية سلسلة الإمداد المتكاملة.
كما يحتفظ بمتتبع للمخاطر يتضمن تقييمات كمية للآثار المحتملة.
دراسة حالة 9: Nissan – هيكلة مراقبة المخاطر الجيوسياسية بقيادة الأعمال من خلال فرق العمل
تركز القوة الجيوسياسية لدى Nissan بصورة رئيسية على التخفيف من المخاطر والدفاع.
ويجري تقييم درجة الانكشاف للمخاطر باستخدام إطار من ثلاثة مستويات، يصنف المخاطر بحسب أثرها في الأرباح التشغيلية إلى أقل من 10 مليارات ين، وأقل من 100 مليار ين، أو أكثر من 100 مليار ين.
وتقع المسؤولية ضمن إدارة الاستراتيجية، مع وجود مجموعة مركزية صغيرة مسؤولة عن المراقبة المستمرة وتحديد القضايا.
ويعمل الفريق من منظور تجاري، بينما يتولى فريق منفصل لإدارة الأزمات، يضم متخصصين إقليميين، توفير الخبرة الجيوسياسية في مجال سلامة الموظفين والتخطيط لاستمرارية الأعمال.
وفي القضايا ذات التأثير الكبير، تفعّل Nissan فرق عمل متعددة الوظائف.
فعلى سبيل المثال، يضم فريق عمل الرسوم الجمركية ما بين 30 و40 عضواً، ويجتمع مرتين شهرياً لتحديد الإجراءات الضرورية والتأكد من تقدم تنفيذها، مع رفع تقارير دورية إلى الرئيس التنفيذي والمدير المالي.
ويركز فريق عمل آخر على نقاط ضعف التوريد وسلاسل الإمداد، من القضايا قصيرة الأجل إلى المسائل طويلة الأجل.
وتصب مدخلات الفريقين في خريطة مخاطر مؤسسية تُستخدم في التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل.
وتعادل 10 مليارات ين تقريباً 64 مليون دولار، فيما تعادل 100 مليار ين نحو 640 مليون دولار.
3. ماذا بعد؟
بناء القوة الجيوسياسية رحلة مستمرة؛ فالمؤسسات تطور نماذجها وتحسنها مع زيادة الخبرة والانكشاف.
وإلى جانب تطوير القوة الجيوسياسية من خلال المكونات الخمسة التي تناولتها هذه الورقة، يُدعى التنفيذيون إلى أخذ عوامل إضافية في الاعتبار.
تشير السوابق التاريخية إلى أن التوترات الجيوسياسية الحالية ستستمر على الأرجح لفترة طويلة.
وينبغي للشركات أن تستعد لبيئة تتحول فيها العلاقات التجارية العابرة للحدود، والتكنولوجيات والموارد، إلى أدوات تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها، بينما تظل الهجمات السيبرانية وغيرها من أشكال الحروب الهجينة سيناريوهات محتملة.
وتشير هذه العوامل إلى أن الشركات ستحتاج إلى قدرات جيوسياسية مستدامة لسنوات قادمة.
وهناك مجموعة من الاعتبارات التي يمكن أن توجه القيادة التنفيذية في السنوات المقبلة بصرف النظر عن نقطة البداية الحالية للشركة في بناء قوتها الجيوسياسية.
1. إثبات خلق القيمة لتبرير الاستثمار
قد لا يوفر التركيز على تجنب المخاطر وحده أساساً كافياً لضمان الاستثمار المستدام في القدرات الجيوسياسية، وذلك بسبب تحديين رئيسيين:
– مشكلة إسناد الفضل: حتى عندما تنجح الشركات في تجنب النتائج السلبية، قد لا تحصل الوظائف الجيوسياسية على التقدير المناسب، لأن اتخاذ القرارات عملية جماعية بطبيعتها.
– النتائج السلبية الكاذبة: تحدث عندما توصي التقييمات الجيوسياسية بالتخلي عن فرص تجارية كان مسؤولون تنفيذيون آخرون يؤيدونها، ثم لا تتحقق النتيجة السلبية التي كان يُخشى منها. وفي هذه الحالة، قد يعتبر التنفيذيون الذين كانوا يؤيدون الفرصة أن التوجيه الجيوسياسي فرض قيوداً غير مبررة على خلق القيمة.
ومع ذلك، عندما يكون من الممكن ملاحظتها، تساعد المصادقة الخارجية على فعالية إدارة المخاطر في بناء حجة تجارية قوية لتوفير الموارد المناسبة للوظيفة الجيوسياسية.
فعلى سبيل المثال، قد تكافئ الأسواق المالية الشركات التي تثبت تفوقها في إدارة المخاطر الجيوسياسية من خلال انخفاض تكلفة رأس المال.
لكن مبررات الاستثمار تصبح أكثر إقناعاً عندما تحدد القدرات الجيوسياسية فرصاً لتحقيق ميزة استراتيجية أو الابتكار.
ويمكن للشركات الاستباقية، على سبيل المثال:
– استباق التحولات في تفضيلات المشترين والبيئات التنظيمية.
– تسريع تطوير المنتجات والخدمات التي تقدم قيمة مقنعة مرتبطة بالأمن.
– توليد رؤى تعزز التواصل مع الحكومات، في وقت أصبحت فيه الدول أكثر استعداداً لاستبعاد شركات معينة وتوجيه الموارد من خلال سياسات صناعية مرتبطة بالأمن.
ولا يسهل تحديد مؤشرات ومقاييس خلق القيمة ومتابعتها من دون إنشاء طبقات غير ضرورية من التقارير، إلا أن من المفيد إدراج هذا الاعتبار منذ المراحل المبكرة لتطوير القدرات الجيوسياسية.
2. إضفاء الطابع المؤسسي على التعلم من خلال التواصل بين النظراء و«الدروس المستفادة»
عند تطوير القدرات الجيوسياسية، تستفيد الشركات من التواصل المنظم مع نظيراتها في القطاع الخاص من مناطق جغرافية وقطاعات مختلفة، ولا سيما الشركات التي تمتلك تاريخاً طويلاً في التعامل مع الجغرافيا السياسية أو التي تعرضت لأكبر قدر من التأثير خلال السنوات الأخيرة.
ويمكن للشركات القيام بما يلي:
– حضور المنتديات والفعاليات الجماعية لتبادل أفضل الممارسات والدروس مع الرؤساء التنفيذيين وقادة الأعمال الآخرين، بما يساعد على التحقق من التصورات المتعلقة بالعوامل الجيوسياسية الناشئة، ويوفر دعماً متبادلاً في تحديد مسارات العمل المحتملة.
– إنشاء مراجعات لـ«الدروس المستفادة» عقب الأحداث الجيوسياسية التي تعطل ظروف الأعمال، بهدف بناء ذاكرة مؤسسية تبقى حتى بعد مغادرة أي مسؤول تنفيذي بعينه.
3. تأطير الجغرافيا السياسية من منظور الأمن الاقتصادي لتعزيز فعالية الحوار
ينبغي للوظائف الجيوسياسية في الشركات تطوير تقييمات لاعتبارات الأمن الاقتصادي ذات الصلة بأعمالها.
وتعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأمن الاقتصادي بأنه «قدرة دولة ما على حماية استقرارها الاقتصادي ونموها والحفاظ عليهما من خلال تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية».
ويتضمن ذلك القدرة على «حماية الأصول الاقتصادية الرئيسية، والحفاظ على البنية التحتية الحيوية، وضمان الوصول إلى الموارد الأساسية مثل الطاقة والغذاء والتكنولوجيا».
وكثيراً ما تؤطر حكومات مجموعة السبع والمفوضية الأوروبية القضايا الجيوسياسية من منظور الأمن الاقتصادي.
ويساعد فهم هذا المنظور الشركات على إجراء حوار أكثر إنتاجية مع هذه الحكومات.
4. التعلم المتبادل من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص
يوفر تطور القدرات الجيوسياسية للشركات منذ جائحة كوفيد-19 فرصاً كبيرة للتعلم.
ويمكن للقطاعين العام والخاص الاستفادة من هذا التطور.
وفي هذا السياق، تؤدي المنصات الموثوقة التي تجمع القطاعين العام والخاص دوراً مهماً، إذ تتيح للخبراء تبادل الأفكار والتقييمات.
وبالطبع، يجب احترام القيود القانونية المتعلقة بالمنافسة في جميع هذه التفاعلات.
واعتمدت الشركات الرائدة أساليب أكثر تطوراً في التقييم الجيوسياسي.
فهي تستخدم بصورة متزايدة منظوراً يغطي سلسلة القيمة بأكملها.
ويتوافق هذا التركيز التحليلي مع المخاوف الحكومية الأوسع بشأن الآثار المتتابعة واسعة النطاق للاضطرابات الجيوسياسية.
ويمكن للحكومات اكتساب رؤى قيمة من الشركات التي تمتلك قدرات جيوسياسية متقدمة.
وقد تكشف عمليات التحليل والتركيب التي يجريها القطاع الخاص عن طرق جديدة لدمج الإشارات المختلفة في تقييمات قابلة للاستخدام العملي.
ويمثل ذلك مجالاً يمكن فيه للحكومات والشركات تبادل الخبرات والتعلم من تجارب بعضها بعضاً.
وقد تنظر الحكومات في تعزيز دمج الرؤى القادمة من أجهزة الأمن القومي لديها مع تحليلات القطاع الخاص.
وقد لا يكون من المناسب مشاركة بعض المعلومات الاستخباراتية المصنفة سرية مع القطاع الخاص، إلا أن التقييمات المتقدمة التي يجريها القطاع الخاص بشأن الترابط الاقتصادي وديناميكيات الأسواق توفر قيمة مكملة.
وقد تساعد الرؤى الناتجة في توضيح كيفية تأثير التطورات الجيوسياسية في المجتمعات بصورة أفضل.
وفي كثير من الأوضاع شديدة التعقيد، يشترك المسؤولون الحكوميون والتنفيذيون في الشركات في مصلحة قوية واحدة هي الحفاظ على استمرارية الأعمال.
الخاتمة
أصبحت الجغرافيا السياسية بُعداً لا يمكن تجنبه في الاستراتيجية المؤسسية.
وبالنسبة إلى كثير من الشركات، أصبحت اليوم تحدد أولويات الاستثمار، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، واستمرارية الأعمال، بل وحتى خيارات الابتكار.
ولا يتطلب هذا الواقع الجديد وعياً أكبر فحسب، بل يتطلب أيضاً قوة مؤسسية أكثر رسوخاً.
وتوضح هذه الورقة البيضاء أنه رغم إحراز معظم المؤسسات تقدماً في دمج الجغرافيا السياسية في مناقشات القيادة، فإن عدداً قليلاً فقط يمتلك القدرات المنهجية اللازمة لتحويل الرؤية إلى تنفيذ.
وتشترك الشركات التي تتميز عن غيرها في نمط واضح: تفويضات محددة ومرتكزة على القيادة العليا، ورادار وسونار قويان لاكتشاف الإشارات والاتجاهات، ونماذج تشغيل قابلة للتكيف، وقيادة ومواهب تتمتع بالمصداقية، ودمج منضبط للجغرافيا السياسية في عملية صنع القرار.
ومع بقاء حالة عدم اليقين العالمية عند مستويات مرتفعة واستمرار التنافس الجيوسياسي في تغيير مشهد الأعمال العالمي، سيتعين على القوة الجيوسياسية للشركات أن تتكيف باستمرار.
ويجب أن تظل الشركات مرنة وقادرة على إعادة تشكيل هياكلها وعملياتها مع استمرار تطور مصادر التوترات الجيوسياسية وطبيعتها.
أما المهمة التالية، فهي الانتقال من مجرد بناء القدرات إلى إثبات أثرها: أي إظهار كيف تعزز الجاهزية الجيوسياسية القدرة على الصمود، وتسرع اغتنام الفرص، وتقوي القدرة التنافسية على المدى الطويل.
