تمهيد
في مطلع جائحة كوفيد 19، فُرض على المدينة التي كنت أقيم فيها إغلاق صارم. واحتجت إلى الخبز وبعض المواد الغذائية، فخرجت إلى المتجر الصغير القريب من منزلي لشرائها. كان المتجر مكتظاً بالزبائن، وكانت صاحبته وزميلها في العمل يحاولان جاهدين إحلال شيء من النظام بينهم للحد من خطر العدوى. وقد وضعا صناديق فارغة أمام آلة الدفع ليفرضا مسافة بينهما وبين الزبائن، في وسيلة حماية مرتجلة في وقت لم تكن فيه الكمامات ومعقمات اليدين متوافرة بسهولة.
ظل هذا المشهد عالقاً في ذهني طوال الجائحة، وكان تذكيراً مهماً بتفاوت درجات الخطر التي تعرض لها الناس خلالها، وبمدى ارتباط هذا الخطر بنوع العمل الذي يؤديه المرء. فبالنسبة إلى العاملين الأساسيين الذين اضطروا إلى مغادرة أمان منازلهم للقيام بواجباتهم، كان الخطر يتضاعف مع كل لقاء جسدي بزميل أو زبون أو مريض.
لقد ذكّرتنا أزمة كوفيد 19 بأهمية العاملين الأساسيين، وبأن اقتصاداتنا ومجتمعاتنا ستتوقف لو لم يحضر هؤلاء العاملون إلى أعمالهم، أو لو أُغلقت المنشآت والمنظمات التي يعملون فيها.
غير أن الجائحة، كما يبيّن هذا التقرير، كشفت أيضاً عن التفاوت بين ما يقدمه العمل الأساسي من إسهام وبين التقدير الذي يحظى به من حيث الدخل وسائر ظروف العمل. ويوثق التقرير هذه الفوارق في مختلف أنحاء العالم، ويقدم توجيهات في مجال السياسات لمعالجتها.
إن التقدير اللائق للعمل الأساسي أمر محوري لتجديد العقد الاجتماعي، وهو في صميم تعزيز العدالة الاجتماعية القائمة على مبدأ أن يكسب كل فرد من عمله عيشاً كريماً لائقاً. ومن شأن ذلك أن يحسّن أداء المجتمعات والاقتصادات، وأن يحدّ من الفقر وأوجه عدم المساواة والتوترات الاجتماعية.
وسيجعلنا ذلك أيضاً أكثر استعداداً للأزمات المقبلة. فالخطوة الأولى الحاسمة في تحسين قدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود في هذا العصر المليء بالأزمات هي تقوية مؤسسات العمل وزيادة الاستثمار في القطاعات الأساسية. ويهدف التحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية، الذي ستطلقه منظمة العمل الدولية في وقت لاحق من هذا العام، إلى تعزيز التضامن العالمي وتحسين اتساق السياسات دعماً للعمل اللائق والعدالة الاجتماعية. وسيكون الاعتراف بقيمة العمل الأساسي، وفق ما يوصي به هذا التقرير، جزءاً لا يتجزأ من جدول أعماله.
جيلبير ف. هونغبو، المدير العام لمنظمة العمل الدولية
الملخص التنفيذي
أظهرت جائحة كوفيد 19 مدى حاجة المجتمعات إلى العاملين الأساسيين في أوقات الرخاء والشدة على حد سواء، كما أظهرت مدى بخس قيمة معظم الوظائف الأساسية
في نهاية مارس 2020، كان 80% من سكان العالم يعيشون في بلدان فرضت إغلاق أماكن العمل. وفي الوقت الذي خيّم فيه الصمت على شوارع المدن والبلدات في أنحاء العالم، غادر العاملون الأساسيون أمان منازلهم متوجهين إلى أعمالهم. فقد أنتج هؤلاء الغذاء ووزعوه وباعوه، ونظفوا الشوارع والحافلات للحد من تفشي الجائحة، وحفظوا الأمن العام، ونقلوا السلع الأساسية والعاملين، ورعوا المرضى وعالجوهم. هؤلاء هم العاملون الأساسيون.
لقد أظهرت جائحة كوفيد 19 مدى حاجة المجتمعات إلى العاملين الأساسيين في أوقات الرخاء والشدة، لكنها أظهرت كذلك مدى بخس قيمة معظم الوظائف الأساسية، مما يثير القلق بشأن استدامة هذه الأنشطة الضرورية، ولا سيما مع ترجيح وقوع صدمات مستقبلية. ويدعو هذا التقرير إلى إعادة تقييم عمل العاملين الأساسيين، وإلى زيادة الاستثمار في القطاعات الأساسية بما يعكس إسهاماتهم الاقتصادية والاجتماعية على نحو أكمل. وهذا من أهم دروس السياسة العامة المستخلصة من جائحة كوفيد 19، إذ إن لكل بلد مصلحة أصيلة في تعزيز قدرته على الصمود أمام الاضطرابات والأزمات الكبرى أياً كانت طبيعتها.
يقدم العاملون الأساسيون السلع والخدمات الضرورية التي تمكّن المجتمعات من أداء وظائفها
يتوزع العاملون الأساسيون على ثماني مجموعات مهنية رئيسية، هي: العاملون في النظم الغذائية، والعاملون الصحيون، والعاملون في تجارة التجزئة، والعاملون في مجال الأمن، والعمال اليدويون، والعاملون في التنظيف والصرف الصحي، والعاملون في النقل، والفنيون والعاملون الكتابيون. وفي البلدان التسعين التي تتوافر عنها بيانات، يشكل العاملون الأساسيون 52% من القوى العاملة، وإن كانت هذه النسبة أدنى في البلدان المرتفعة الدخل، إذ تبلغ 34%، نظراً إلى تنوع الأنشطة الاقتصادية فيها.
وتمثل النساء 38% من مجموع العاملين الأساسيين على مستوى العالم، وهي نسبة أدنى من حصتهن في العمل غير الأساسي البالغة 42%. وتشكل النساء ثلثي العاملين الصحيين الأساسيين وأكثر من نصف العاملين الأساسيين في تجارة التجزئة، لكن تمثيلهن ضعيف جداً في مجالي الأمن والنقل. وتعتمد البلدان المرتفعة الدخل اعتماداً كبيراً على المهاجرين الدوليين لأداء الخدمات الأساسية في مهن مثل الزراعة والتنظيف والصرف الصحي.
لكنهم واجهوا مخاطر صحية مرتفعة وإجهاداً وظيفياً شديداً أثناء العمل في ظل الجائحة
عانى العاملون الأساسيون من معدلات وفيات بسبب كوفيد 19 أعلى من غيرهم، نتيجة تعرضهم الأكبر للفيروس. غير أن معدلات الوفيات تفاوتت بين فئات العاملين الأساسيين أنفسهم؛ فمع أن العاملين الصحيين كانوا على تماس كبير بالمرضى المصابين، فإن معدلات وفياتهم جاءت أدنى من معدلات وفيات العاملين في النقل الذين سجلوا أعلى المعدلات. وتكشف هذه النتائج أهمية الحماية في مجال السلامة والصحة المهنيتين، التي كان حظ العاملين في النقل منها أقل، كما تكشف مزايا العمل في أماكن عمل منظمة تتمتع بتمثيل جماعي. فسواء من حيث المخاطر الصحية الناجمة عن كوفيد 19 أو من حيث الإجهاد الوظيفي، كان العاملون المستخدمون بصورة منظمة، الذين يتمتعون بالأمان الوظيفي والتمثيل النقابي، أقدر على التكيف مع المتطلبات والمخاطر المتزايدة للعمل أثناء الجائحة من العاملين ذوي العقود غير المنظمة وغير المستقرة أو المحرومين من التمثيل الجماعي.
كافحت المنشآت الأساسية للحفاظ على عملياتها ومبيعاتها خلال الجائحة
واجهت المنشآت الأساسية التي قدمت السلع والخدمات التي عدّتها الحكومات ضرورية في بداية جائحة كوفيد 19 تحديات كثيرة، منها إدارة سلاسل الإمداد المضطربة، وعدم اليقين المالي، وتراجع الاستثمار، والمشكلات المتعلقة بتوفير الموظفين، وتطبيق إرشادات السلامة والصحة المهنيتين الطارئة. وكانت هذه المشكلات أشد حدة في المنشآت الصغرى والصغيرة.
ويعمل 51% من العاملين الأساسيين بأجر، بينما يعمل 49% منهم لحسابهم الخاص، وترتفع نسبة العمل لحساب الذات في البلدان المنخفضة الدخل لتبلغ 87.3%. ويشكل الرجال 62% من العاملين الأساسيين مقابل 38% للنساء، ومن بين كل خمسة عاملين أساسيين في البلدان المرتفعة الدخل يوجد مهاجر دولي واحد.
تعكس أوجه القصور في ظروف العمل بخس قيمة العاملين الأساسيين
ينعكس تقدير العاملين الأساسيين في أجورهم وفي سائر ظروف عملهم، وعادة ما تمتد أوجه القصور في أي من هذه الجوانب لتطال الجوانب الأخرى.
ارتفاع مخاطر السلامة والصحة المهنيتين: كانت المخاطر المادية والبيولوجية، فضلاً عن المخاطر النفسية الاجتماعية، أكثر شيوعاً بين العاملين الأساسيين حتى قبل الجائحة. وخلال الجائحة، ارتفعت حالات الإساءة اللفظية والتهديد ارتفاعاً حاداً لدى جميع العاملين الأساسيين، وبدرجة تفوق ما شهده غيرهم، مع زيادات حادة بوجه خاص في التهديدات التي تعرض لها العاملون في تجارة التجزئة. وواجه العاملون الأساسيون مخاطر صحية إضافية خلال جائحة كوفيد 19 بسبب حضورهم الفعلي في أماكن العمل وتعاملهم مع العملاء. وقد صح ذلك بوجه خاص على العاملين في النقل والأمن والتنظيف، وهو ما يعكس على الأرجح تراخي ضوابط السلامة والصحة المهنيتين ومحدودية الحصول على الرعاية الصحية والإجازات المرضية المدفوعة الأجر في هذه المهن.
الإفراط في الاعتماد على العقود المؤقتة: يعمل قرابة واحد من كل ثلاثة مستخدمين أساسيين بعقد مؤقت، وإن كانت هناك فوارق كبيرة بين البلدان والقطاعات. ففي النظم الغذائية، يرتفع معدل العمل المؤقت بين المستخدمين الأساسيين ليبلغ 46% على مستوى العالم. لكن العمل المؤقت منتشر أيضاً في التنظيف والصرف الصحي وفي المهن اليدوية، حيث يحمل واحد من كل ثلاثة مستخدمين عقداً مؤقتاً.
ساعات العمل الطويلة وغير المنتظمة: يعمل أكثر من 46% من المستخدمين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل ساعات طويلة، في حين يعمل جزء كبير من العاملين الأساسيين حول العالم وفق جداول غير منتظمة أو لساعات قصيرة. وتشيع ساعات العمل الطويلة أكثر ما تشيع في قطاع النقل، حيث يعمل نحو 42% من العاملين الأساسيين في أنحاء العالم أكثر من 48 ساعة في الأسبوع.
انخفاض الأجور: في المتوسط، يُعد 29% من المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر، بصرف النظر عن مستوى تنمية بلدانهم. ويكسب المستخدمون الأساسيون أقل بنسبة 26% مما يكسبه غيرهم من المستخدمين، ولا يُفسَّر سوى ثلثي هذه الفجوة بالفوارق في التعليم والخبرة. وفي النظم الغذائية، ترتفع نسبة المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر ارتفاعاً لافتاً لتبلغ 47%. كما ترتفع هذه النسبة في مهن أساسية أخرى مثل التنظيف والصرف الصحي، حيث تبلغ 31%. وتشغّل هذه القطاعات، ولا سيما في البلدان المرتفعة الدخل، نسبة كبيرة من المهاجرين الدوليين. وتبلغ نسبة منخفضي الأجر بين المستخدمين الأساسيين 44% في البلدان المنخفضة الدخل مقابل 31% لغيرهم، و33% مقابل 21% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و28% مقابل 19% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و19% مقابل 13% في البلدان المرتفعة الدخل.
ضعف التمثيل، ولا سيما في بعض القطاعات الأساسية: مع أن الانتساب النقابي وتغطية المفاوضة الجماعية محدودان لدى كثير من العاملين، تشير البيانات المتاحة إلى أن معدلات الانتساب النقابي في عدد من القطاعات الأساسية، ومنها النظم الغذائية بنسبة 9%، والتنظيف والصرف الصحي بنسبة 13%، وتجارة التجزئة بنسبة 6%، أدنى بكثير من المعدلات المتوسطة في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.
قصور الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الإجازات المرضية المدفوعة الأجر: يفتقر قرابة 60% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى شكل من أشكال الحماية الاجتماعية. وفي البلدان المنخفضة الدخل، تكاد الحماية الاجتماعية تنعدم، إذ لا تشمل سوى 17% من العاملين الأساسيين. والصورة أكثر قتامة بالنسبة إلى العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في معظم البلدان النامية، إذ يكادون يُستبعدون كلياً من الحماية الاجتماعية.
عدم كفاية التدريب: تلقى أقل من 3% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى تدريباً خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، وتنخفض هذه النسبة إلى 1.3% بين العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص.
التوصيات الرئيسية
لبناء القدرة على الصمود، ينبغي للبلدان أن تستثمر في مؤسسات العمل وفي القطاعات الأساسية
لبخس قيمة العمل الأساسي آثار تتجاوز العامل الفرد. فحين تصبح ظروف العمل الصعبة والأجور المتدنية سمة منهجية، تنشأ عن ذلك نقص في اليد العاملة وارتفاع في معدل دوران الموظفين، وفي نهاية المطاف قصور في تقديم الخدمات الأساسية. ومن ثم فإن قدرة الخدمات الأساسية على الصمود في وجه الجوائح أو الأزمات المقبلة تتوقف على الاستثمارات الموجهة إلى هذه القطاعات الأساسية، وعلى ظروف عمل من يؤدون الأعمال الحيوية.
الاستثمار في مؤسسات العمل يحسّن ظروف العمل
مع أن العمل اللائق هدف عالمي، فإنه بالغ الأهمية للعاملين الأساسيين بوجه خاص، نظراً إلى أهمية عملهم في سير الاقتصادات والمجتمعات على نحو سليم، وإلى انتشار أوجه القصور في ظروف عملهم. ولتحقيق الأهداف التالية، لا بد من التنظيم، سواء عبر التشريعات أو اتفاقات المفاوضة الجماعية، بالتضافر مع مؤسسات العمل الأخرى، أي منظمات العمال وأصحاب العمل، ونظم إدارة العمل وتفتيشه، والمحاكم والهيئات القضائية:
أماكن عمل آمنة وصحية للجميع: أظهرت الجائحة أن بيئة العمل الآمنة والصحية ليست فائدة للعامل الفرد فحسب، بل للمنظمة التي يعمل فيها وللمجتمع ككل. وتكون نظم السلامة والصحة المهنيتين في أشد فاعليتها حين تكون متسقة، أي حين يتوافر أساس متين لجميع التدخلات التنظيمية المتصلة بهذا المجال. وينبغي تطوير هذا النظام عبر التعاون الثلاثي، مع تحديد واضح للواجبات والحقوق، وأن يسري على جميع فروع النشاط الاقتصادي وجميع العاملين أياً كان وضعهم الوظيفي، وأن يعطي الأولوية للوقاية عبر إجراء تقييمات للمخاطر على فترات منتظمة.
المساواة في المعاملة وضمانات أخرى لجميع الترتيبات التعاقدية: يحدد الإطار القانوني ما إذا كان العمل بدوام جزئي والعمل المؤقت والعمل عبر الوكالات والتعاقد من الباطن مصدراً لانعدام الأمان والحرمان في سوق العمل أم لا. فحيثما تفرض الأطر القانونية المساواة في المعاملة وتضع ضمانات أخرى، يرجح أن تُستخدم ترتيبات العمل هذه لما توفره من مرونة في تنظيم الإنتاج لا وسيلةً لخفض تكاليف العمل. ويقتضي مبدأ المساواة في المعاملة أن يحصل العاملون في هذه الترتيبات على الحقوق ذاتها الممنوحة لنظرائهم من العاملين بدوام كامل أو المستخدمين بموجب علاقة ثنائية، مع أجور ومزايا اجتماعية معادلة ومتناسبة مع ساعات العمل. ونظراً إلى ارتفاع مخاطر السلامة والصحة في الأعمال الخطرة، تقيد بعض البلدان استخدام وكالات الاستخدام الخاصة والتعاقد من الباطن في مهن أو فروع معينة من النشاط الاقتصادي.
ساعات عمل آمنة ويمكن التنبؤ بها: ترتبط ساعات العمل ارتباطاً وثيقاً بجودة الوظيفة، إذ إن قلتها وكثرتها وعدم انتظامها تولد كل منها مشكلات خاصة. ونظراً إلى الآثار الضارة لساعات العمل المفرطة على صحة العاملين وسلامتهم، ينبغي للبلدان أن تسعى إلى خفض ساعات العمل عبر التنظيم، بما في ذلك المفاوضة الجماعية. ولما كان العاملون لحسابهم الخاص لا يخضعون لتنظيم وقت العمل، فلا بد من تدخلات إضافية في السياسات لمعالجة تدني الإنتاجية والدخل اللذين يدفعانهم إلى إطالة ساعات عملهم.
سياسات أجور تدعم تقدير العمل الأساسي: ثمة مؤسستان من مؤسسات العمل قادرتان على تضييق فجوة الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم، وعلى ضمان أن تعكس أجور العاملين الأساسيين إسهامهم الاجتماعي على نحو أفضل. الأولى هي المفاوضة الجماعية، إذ تصغر فجوة أجور العاملين الأساسيين حيثما تكون نظم المفاوضة الجماعية شاملة وواسعة الانتشار، ولذلك ينبغي تقوية هذه النظم وتوسيع نطاقها لتشمل شريحة أوسع من المستخدمين. والثانية هي الحد الأدنى القانوني للأجور، الذي يُعد أداة فعالة أخرى لمعالجة بخس قيمة العمل الأساسي، بالنظر إلى أن العاملين الأساسيين ممثلون تمثيلاً مفرطاً في أدنى توزيع الأجور. وأولى وسائل تصحيح تدني دخولهم هي ضمان شمول جميع العاملين بالحد الأدنى للأجور، إذ يُستبعد منه أحياناً العمل الزراعي والعمل المنزلي على سبيل المثال. وعند تحديد الحد الأدنى للأجور، ينبغي للحكومات والشركاء الاجتماعيين مراعاة الإسهام الاجتماعي للعاملين الأساسيين. وأخيراً، ينبغي تحسين الامتثال للحد الأدنى للأجور عبر إنفاذ أكثر صرامة.
توسيع الحماية الاجتماعية من أجل قوى عاملة قادرة على الصمود: أوضحت جائحة كوفيد 19 أهمية الحصول على حماية اجتماعية كافية، ولا سيما الإجازات المرضية المدفوعة الأجر وإعانات المرض. وينبغي للبلدان أن تكيّف أطرها القانونية بحيث يشمل الحماية الاجتماعية جميع العاملين أياً كان وضعهم الوظيفي وترتيبهم التعاقدي. ومن شأن مواءمة جداول الدفع ومستويات الاشتراكات مع ظروف العاملين لحسابهم الخاص والعاملين بدوام جزئي والعاملين المؤقتين أن تجعل نظم الحماية الاجتماعية أكثر شمولاً.
التدريب من أجل قوى عاملة أساسية قادرة على التكيف والاستجابة: التدريب وسيلة لإعداد العاملين للمهام التي يؤدونها، كي ينجزوا عملهم بفاعلية وأمان، ولإعدادهم لحالات الأزمات. ولا يمكن أن يكون التدريب مسؤولية العامل وحده، فنظم التدريب الفعالة تتطلب مشاركة نشطة من منظمات العمال وأصحاب العمل إلى جانب الحكومات.
تحويل القانون إلى ممارسة عبر الامتثال والإنفاذ: تُقوَّض السياسات والنظم والبرامج الرامية إلى تعزيز قوانين العمل والسلامة والصحة المهنيتين والضمان الاجتماعي ما لم تتوافر نظم إنفاذ كافية. وينبغي منح المفتشين صلاحيات واسعة لجمع الأدلة والإنفاذ، بما فيها حظر الأنشطة والأمر بإجراء التحسينات، وإغلاق المنشآت عند الاقتضاء. فالصلاحيات الواسعة في الإنفاذ أقدر على معالجة مخاطر السلامة والصحة ومخالفات قانون العمل.
الاستثمارات القطاعية تدعم العاملين الأساسيين والمنشآت
تُعد الاستثمارات في البنية التحتية المادية والاجتماعية في القطاعات الأساسية شرطاً ضرورياً لتحسين ظروف العمل وتعزيز استمرارية الأعمال. فهذه الاستثمارات تضع الأسس لبناء اقتصادات ومجتمعات قادرة على الصمود، تملك القدرة على تحمّل الصدمات والأزمات والتكيف معها والتحول في مواجهتها.
الاستثمار في الصحة والرعاية الطويلة الأجل: يمكن تخفيف الآثار السلبية للأمراض المعدية وما يرتبط بها من أزمات صحية إذا كانت النظم الصحية مزودة بالموارد الكافية ومجهزة بالعاملين اللازمين. ولسوء الحظ، تعاني أنحاء كثيرة من العالم من قصور في إمكانية الحصول على رعاية صحية كافية ومن نقص في الإنفاق الصحي، ولا سيما البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تسجل أدنى معدلات تغطية الخدمات وأعلى حصص الإنفاق من الجيب الخاص. والاستثمارات الكافية في الصحة والرعاية الطويلة الأجل مكلفة، لكنها مجزية. وتقدّر منظمة العمل الدولية أن زيادة الإنفاق لبلوغ غايات أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتعلقة بالصحة ستوجد 173 مليون وظيفة. ومع أن فجوات التمويل أشد حدة في البلدان المنخفضة الدخل، فإن عدم معالجتها أكثر كلفة؛ فخلال وباء إيبولا بين عامي 2014 و2016، على سبيل المثال، تجاوزت المعونات الدولية المقدمة لمكافحة الوباء المبلغ اللازم لإنشاء رعاية صحية شاملة في أكثر البلدان تضرراً.
الاستثمار في نظم غذائية قادرة على الصمود: زادت الأزمات الأخيرة من هشاشة سلاسل الإمداد الغذائي، مما أثر في توافر الغذاء والقدرة على تحمّل كلفته، وفي سبل عيش العاملين في الزراعة. والعاملون في الزراعة شديدو التأثر بتقلبات الدخل بسبب موسمية الإنتاج وتفاقم المخاطر المناخية، وكذلك بسبب تقلب أسعار الغذاء الذي ازداد منذ عام 2005. ومن التدابير المعاكسة لذلك الأسعار الدنيا المضمونة ونظم التأمين، بما في ذلك إجراءات مصممة لتشجيع المزارعين على الاستفادة منها. وثمة حاجة إلى اعتماد آليات التأمين وتعزيزها، بما فيها الحماية الاجتماعية، مع مراعاة خصوصيات هذا القطاع، مثل ارتفاع نسبة العمل لحساب الذات والعمل الأسري المساهم. ومن شأن الاستثمارات في البنية التحتية أن تدعم إنتاجية النظم الغذائية واستدامتها. وإلى جانب الاستثمارات العامة في الطرق والكهرباء والاتصالات وغيرها من البنى التحتية في المناطق الريفية، يضطلع القطاع الخاص والحكومات بدور مهم في الاستثمار في الحلقات الوسطى من سلاسل النظم الغذائية، كالتجهيز والتخزين والنقل، مما يزيد إمكانية الوصول إلى الأسواق ويحسن الإنتاجية.
الاستثمار في منشآت مستدامة: يعمل 85% من العاملين الأساسيين في القطاع الخاص. ولذلك فإن ضمان امتلاك المنشآت الموارد والقدرات الكافية شرط مسبق لتحقيق العمل اللائق للعاملين الأساسيين، ولتعزيز قدرة الاقتصادات على مواصلة تقديم المنتجات والخدمات الأساسية أثناء الأزمات. وخلال جائحة كوفيد 19، عانت المنشآت الصغرى والصغيرة، التي غالباً ما تكون غير منظمة، بسبب محدودية مواردها المالية والبشرية وصعوبة حصولها على الائتمان والدعم الحكومي. وينبغي دعم هذه المنشآت في انتقالها إلى الاقتصاد المنظم. ويُعد تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية والموارد البشرية والابتكار من العوامل التمكينية الإضافية القادرة على تحسين الإنتاجية. ونظراً إلى تزايد خطر الأزمات، ينبغي إشراك المنشآت بوصفها جهات فاعلة في تخطيط الحكومات لإدارة الكوارث، وفي تصميم خطط استمرارية الأعمال الخاصة بها أو بقطاعاتها.
الحوار الاجتماعي ضروري لبناء القدرة على الصمود
كما أن الأسواق لا تستوعب العوامل الخارجية البيئية في حساباتها، فإنها بمفردها لم تستوعب الإسهام الاقتصادي والاجتماعي الجوهري للعمل الأساسي. ولذلك لا بد من عملية مقصودة للتقييم والتخطيط المشتركين عبر الحوار الاجتماعي من أجل تقوية مؤسسات العمل وزيادة الاستثمار في القطاعات الأساسية، بهدف معالجة المخاطر الكامنة التي تهدد قدرتها على الصمود. ويمكن تنظيم هذه الحوارات الاستراتيجية بشأن القدرة على الصمود على المستوى الوطني وداخل قطاعات بعينها.
وستستفيد الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال من الالتقاء لوضع خريطة طريق قابلة للتنفيذ تحدد أوجه القصور المحددة التي قد تعوق تقديم السلع والخدمات الأساسية وتعالجها، في أوقات الرخاء والشدة على حد سواء. وكما هو حال وثيقة التأمين، فإن مثل هذه الاستراتيجية ستعوض كلفتها وزيادة حين تحل الأزمة التالية. وهذا من أهم الدروس المستخلصة من جائحة كوفيد 19 في مجال السياسات.
