المقدمة التمهيدية
لطالما كانت التكنولوجيا محفزاً للإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي. إلا أن إمكاناتها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال البشر وقدرتهم على التكيف والتعلم وتطبيق قدرات جديدة في عالم تتطور فيه التكنولوجيا بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة على الاستجابة. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي والأنظمة القائمة على البيانات في إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية وتحويل الصناعات والاقتصادات، أصبح الإلمام الرقمي والقدرة البشرية على التكيف من الضرورات الاقتصادية الكلية.
فالذكاء الاصطناعي لا يغير فقط نوع المهارات المطلوبة، بل يغير أيضاً الطريقة التي تُطبّق بها هذه المهارات في مختلف مجالات العمل والصناعات لتشكيل الاقتصاد الجديد. وتشير التوقعات إلى أن التطورات التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات والروبوتات والأتمتة، ستكون من أكثر القوى تأثيراً في تشكيل عالم العمل خلال السنوات المقبلة.
ومن المتوقع أن تكون الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا الأسرع نمواً حتى عام 2030، فيما يتصدر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قائمة المهارات الأسرع نمواً. ويتطلب هذا التحول أشكالاً جديدة من الكفاءات متعددة التخصصات تمكّن البشر من الإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعاون معها. وبالنسبة إلى الاقتصادات الساعية إلى تسريع النمو والابتكار، فإن سد فجوة المهارات الرقمية لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو رأس المال.
تمثل هذه الورقة ثمرة تعاون بين المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة Cognizant، وهي الإصدار الثاني ضمن سلسلة «مهارات الاقتصاد الجديد». وتستكشف الورقة تطور العرض والطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية التي يُتوقع أن تشكل أساساً للنمو الاقتصادي والابتكار والقدرة على الصمود مستقبلاً.
ويبحث التقرير في الأماكن التي بدأت تظهر فيها فجوات المهارات، والاستثمارات اللازمة لسدها، والقدرات التكنولوجية المحددة التي يطلبها أصحاب العمل. كما يطرح دعوة إلى العمل من أجل تطوير أنظمة التعليم والقوى العاملة واعتماد المهارات، بحيث يتم تعلم المهارات الرقمية وتطبيقها بفاعلية والاعتراف بها من خلال تقييمات أكثر قابلية للنقل وأكثر عملية وموثوقية.
ويؤكد التقرير على التحدي المزدوج الناجم عن التقدم التكنولوجي السريع، وفي الوقت نفسه عن سوق عمل يواجه صعوبة في مواءمة عرض المهارات الأساسية مع الطلب القائم عليها. فالذكاء الاصطناعي يحدث بالفعل ثورة ليس فقط في مجموعات المهارات المطلوبة لدعم الاقتصاد الجديد، وإنما أيضاً في الطريقة التي تُستخدم بها المهارات الرقمية الموجودة حالياً.
وفي ظل هذه التطورات، يرتفع الطلب على المهارات بسرعة كبيرة، وهو ما يتجلى في الزيادة الحادة في الأجور المرتبطة بوظائف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وعلى الرغم من أن هذا الطلب المرتفع يشجع على تنمية المهارات، بالتوازي مع الزيادة الكبيرة في الطلب على التعلم الرقمي، فإن عدداً قليلاً فقط من قادة الأعمال يعتقدون أن أنظمة التعليم تهيئ العاملين بصورة فعالة ومناسبة. ويبرز ذلك الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة عبر دورة تطوير المهارات بأكملها.
ونأمل أن يساعد هذا الإصدار من سلسلة «مهارات الاقتصاد الجديد» قادة القطاعين العام والخاص أثناء تعاملهم مع التحول المدفوع بالتكنولوجيا، وأن يشجعهم على الاستثمار ليس فقط في التكنولوجيا نفسها، بل أيضاً في الأشخاص الذين يجعلون الاستفادة منها ممكنة، بما يضمن بناء اقتصاد رقمي شامل يتمحور حول الإنسان.
سعدية زاهدي
المديرة العامة
المنتدى الاقتصادي العالمي
رافي كومار
الرئيس التنفيذي
Cognizant
الملخص التنفيذي
لن تتحقق وعود الذكاء الاصطناعي إلا إذا امتلك الناس المهارات اللازمة للاستفادة منه
يفتح الذكاء الاصطناعي التوليدي والتكنولوجيات المتقدمة آفاقاً جديدة للنمو، ولكن هذه الفرص لن تتحقق إلا إذا امتلك الأفراد المهارات اللازمة للاستفادة منها. وتشير أبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 7%، أي بما يقارب 7 تريليونات دولار، على مدى عشر سنوات.
ومع ذلك، سيظل هذا الإمكان غير مستغل ما لم تتوافر قوة عاملة تتقن مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية وتستطيع استخدام التكنولوجيات الجديدة بفاعلية.
واستناداً إلى بيانات مقدمة من جهات تعمل في مجالات التعليم والصناعة وتكنولوجيا القوى العاملة، إضافة إلى مراجعة الأبحاث القائمة وإجراء مشاورات متعمقة مع الخبراء، يحدد هذا التقرير المهارات الرقمية المطلوبة للاقتصاد الجديد، ويحلل العرض والطلب العالميين على هذه المهارات، ويقترح إطاراً لتقييم المهارات الرقمية وتطويرها واعتمادها بصورة فعالة، كما يسلط الضوء على ممارسات رائدة من مختلف أنحاء العالم.
الذكاء الاصطناعي يغير المهارات الرقمية المطلوبة والطريقة التي تُستخدم بها
تعد مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية من أكثر المهارات تعرضاً للتحول، أي أن الذكاء الاصطناعي مرشح بدرجة أكبر لتغيير الطريقة التي تُستخدم بها هذه المهارات. وفي المقابل، يتوقع أن يكون تأثيره أقل نسبياً في المهارات المتمحورة حول الإنسان.
وفي المتوسط، يُتوقع أن تتغير طريقة تطبيق 68% من المهارات الرقمية، مقارنة بنحو 35% من المهارات الأكثر تمحوراً حول الإنسان. كما أن مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة أكثر عرضة بأكثر من 30 مرة للتحول الكامل أو الهجين مقارنة بمهارات مثل التعاطف والاستماع الفعال.
ولا تعني هذه النتائج بالضرورة إحلال العمال أو الاستغناء عنهم. بل تشير إلى تغير في مفهوم الكفاءة مع تزايد دور العاملين في الإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعاون معها.
السوق يكافئ بالفعل المهارات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والبيانات
ارتفعت أجور الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بنسبة 27% منذ عام 2019، لتصل إلى نحو 190 ألف دولار في المتوسط بحلول منتصف عام 2025، في تحول عكس حالة الركود السابقة وأبرز القيمة التي يمنحها السوق لهذه الخبرات.
وقد اتجهت الأجور الوسيطة عبر الوظائف الرقمية بوجه عام إلى الارتفاع، إلا أن الزيادة في وظائف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي منذ عام 2023 كانت بارزة بصورة خاصة.
فجوة المهارات الرقمية تتسع بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة على الاستجابة
لا يعتقد سوى اثنين من كل عشرة من قادة الأعمال أن أنظمة التعليم تطور مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات بفاعلية، فيما يرى أربعة من كل عشرة أن الأمر نفسه ينطبق على الإلمام بالتكنولوجيا.
وعالمياً، يعتقد نحو 20% فقط من القادة أن موظفيهم يتقنون مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، رغم الارتفاع المتوقع في الطلب عليها حتى عام 2030.
وفي الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، أفاد نحو 58% من المؤسسات التي كانت توظف أو تحاول توظيف متخصصين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلال عام 2023 بأنها واجهت صعوبة في شغل تلك الوظائف.
وفي الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على تعلم المهارات الرقمية بسرعة كبيرة، أصبحت دراسة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تمثل خُمس مجموع ساعات التعلم الرقمي. إلا أن طلب أصحاب العمل لا يزال متركزاً في وظائف مثل الأمن السيبراني وهندسة الشبكات، التي تمثل أكثر من نصف الوظائف الرقمية، في حين تمثل الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ما يزيد قليلاً على 1% من العمالة الرقمية.
ويعد الإلمام بالتكنولوجيا أكثر المهارات الرقمية طلباً، إذ يظهر في 34% من جميع إعلانات الوظائف في الولايات المتحدة، في حين تشير 2% فقط من إعلانات الوظائف إلى الحاجة إلى مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وتتركز معظم هذه الإعلانات في القطاعات كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
اكتساب المهارات الرقمية يحتاج إلى وقت، لكنه يمكن أن يكون متاحاً
تعد البرمجة أكثر المهارات الرقمية تطلباً للتعلم في المستويين المبتدئ والمتوسط، في حين تكون الشبكات والأمن السيبراني في كثير من الأحيان الأكثر استهلاكاً للوقت في المستويات المتقدمة، إذ تتطلب نحو 155 ساعة.
أما الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة فيوفران نقاط دخول أكثر سهولة، إذ يستطيع المبتدئون الانطلاق بما لا يزيد أحياناً على 30 ساعة من التعلم، غير أن الوصول إلى مستوى متقدم يتطلب التزاماً كبيراً قد يصل إلى 137 ساعة.
ليست كل منطقة أو صناعة تتقدم بالمعدل نفسه
تكشف نتائج هذا التقرير تفاوتات كبيرة في الطريقة التي يحدث بها التحول الرقمي عبر القطاعات. فالخبرات الرقمية المتقدمة مطلوبة بصورة كبيرة أساساً في الصناعات كثيفة التكنولوجيا، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية والسيارات والطيران والفضاء، بينما يظل الطلب عليها محدوداً في مجالات أخرى مثل الإقامة والأغذية والترفيه. ويهدد هذا النمط بتوسيع الفجوات الرقمية بين الصناعات والحد من الابتكار.
فالنمو والابتكار لا يعتمدان على التكنولوجيا وحدها، وإنما كذلك على قدرة الناس على التكيف والتعلم واكتساب المهارات الرقمية الجديدة واستخدامها.
وتبدو الاختلافات الإقليمية واضحة أيضاً. فأمريكا الشمالية تتصدر تنمية المهارات في الذكاء الاصطناعي والتحليلات، بينما تسجل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء مستويات قوة أعلى في المهارات المتمحورة حول الإنسان، مثل التعاون والإدارة، مقابل ثقة أقل في تنمية المهارات الرقمية.
المسار إلى الأمام: الاستثمار في اتساع القدرات الرقمية وعمقها
مع استمرار الذكاء الاصطناعي في تغيير المهارات المطلوبة من القوى العاملة، برزت أولويتان رئيسيتان:
توسيع القدرات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والبيانات من أجل إدارة الأنظمة الذكية وتفسير مخرجاتها والإشراف عليها.
تعزيز الإلمام الرقمي الأساسي بحيث يتمكن العاملون من تكييف الأدوات مع التحديات الواقعية.
ومن أفضل الممارسات لمعالجة هاتين الأولويتين إنشاء اعتمادات ذات معنى وقابلة للنقل بين أنظمة التعليم والعمل، ووضع معايير مشتركة للمهارات الرقمية، وتقييم المهارات الرقمية من خلال تطبيقها في مواقف واقعية.
المقدمة
يمر العالم بحقبة تتسم بالتغير التكنولوجي السريع. ومع إعادة الابتكارات الجديدة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، تشكيل الوظائف والصناعات والاقتصادات، أصبحت تهيئة الأفراد بالمهارات المناسبة أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة إلى القدرة التنافسية العالمية والتقدم المجتمعي.
ولا تمثل هذه المهارات واحداً من أكبر محفزات النمو في عصرنا فحسب، بل تعد أيضاً مساراً أساسياً يمكّن جميع العاملين من الازدهار في عالم يزداد رقمية وترابطاً.
ومع ذلك، تعاني الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم اليوم من نقص حاد في المهارات الرقمية الأساسية. ورغم أن التكنولوجيا ستكون المحرك الرئيسي لتحول الأعمال خلال السنوات الخمس المقبلة، فإن 63% من أصحاب العمل يعتبرون فجوات المهارات أكبر عائق أمام التقدم.
وتشير أبحاث حديثة في المملكة المتحدة إلى أن نقص المهارات الرقمية يحرم الاقتصاد من نمو تبلغ قيمته 23 مليار جنيه إسترليني. كما أظهر مسح أوروبي أنه في عام 2023، واجه 57.5% من مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي وظفت أو حاولت توظيف متخصصين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات صعوبة في شغل تلك الوظائف.
وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات إلى أن عدد الوظائف التي تتطلب مهارات رقمية في أفريقيا جنوب الصحراء قد يصل إلى 230 مليون وظيفة، بما يشير إلى فرصة كبيرة للنمو الاقتصادي يمكن أن تبلغ نحو 130 مليار دولار من الإيرادات.
في مختلف أنحاء العالم، يتجاوز الطلب على المهارات الرقمية حجم العرض المتاح منها. ومن دون استثمارات وإصلاحات كبيرة، ستتسع هذه الفجوة، ولا سيما مع تسابق المؤسسات إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي وغيره من التكنولوجيات المتقدمة.
وتؤكد الدراسات أن توافر المهارات والمواهب يمثل أحد أبرز العوامل التي تعرقل تبني الذكاء الاصطناعي في العديد من البلدان.
ومن ثم، تقف تنمية المهارات الرقمية عند مفترق طرق: فإما أن تصبح واحداً من أكبر مسرعات النمو الاقتصادي، أو أحد أكبر العوائق أمامه.
ومن أبرز التحديات أن أنظمة التعليم والمؤسسات حول العالم تفتقر إلى الأدوات اللازمة لتقييم هذه القدرات الحيوية وتطويرها واعتمادها بصورة فعالة، كما تعوقها بنى تحتية لم تواكب التغير التكنولوجي السريع.
ويبحث هذا التقرير في العرض والطلب على المهارات الرقمية ومهارات البيانات والذكاء الاصطناعي، ويقدم توجيهات للشركات والمعلمين وصانعي السياسات حول كيفية تعزيز تطوير هذه المهارات وتقييمها واعتمادها، بحيث يستطيع الأفراد والشركات والاقتصادات الحفاظ على قدرتهم التنافسية ودفع عجلة التقدم.
وتستند هذه الرؤى إلى أبحاث واسعة ومشاورات متعددة الأطراف، تدمج وجهات نظر قطاع الأعمال والتعليم والسياسات العامة.
ويشكل هذا التقرير الإصدار الثاني من سلسلة «مهارات الاقتصاد الجديد»، التي تبحث في القدرات التي ستساعد الأفراد على التكيف مع التغيير ودعم النمو المستدام والابتكار والقدرة التنافسية في عالم سريع التطور.
وأصبحت المهارات الرقمية اليوم ضرورية للنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية العالمية، إلا أن استمرار النقص فيها، إلى جانب التحديات التي تواجه التعليم وأنظمة اعتماد المهارات، يهدد بإبطاء التقدم والابتكار.
1. مشهد مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية
يرتفع الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية بسرعة كبيرة، إلا أن تفاوت جودة التعليم وعدم تكافؤ فرص الوصول واختلاف مستوى جاهزية المعلمين يتركان فجوات عالمية في استعداد القوى العاملة دون معالجة.
1.1 ما مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية؟
أصبحت مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية أساسية للنجاح في سوق العمل الحديث. فهي تمكّن الأفراد من التعامل بثقة ومسؤولية مع التكنولوجيات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي وأدوات الاتصال والشبكات المترابطة، ومن تصميمها وإدارتها واستخدامها.
وتشمل الكفاءات الأساسية في هذا المجال إتقان الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة، وهي مهارات تمكّن الأفراد من تحليل مجموعات البيانات المعقدة واستخلاص الرؤى منها من أجل دعم عملية اتخاذ القرار على أساس المعلومات.
وتضمن مهارات الشبكات والأمن السيبراني إدارة البنية التحتية الرقمية بصورة آمنة وفعالة، بينما يمكّن الإلمام بالتكنولوجيا الأفراد من التكيف مع التغير التكنولوجي السريع.
وتزداد كذلك أهمية الخبرة في التصميم الرقمي وتجربة المستخدم، لأنها تتيح للمتخصصين إنشاء حلول رقمية بديهية وسهلة الاستخدام ومتاحة لمختلف الفئات.
أما مهارات البرمجة، بدءاً من كتابة التعليمات البرمجية الأساسية وصولاً إلى تطوير البرمجيات المتقدم، فتشكل الأساس للقدرة على بناء الأنظمة والتطبيقات الرقمية وصيانتها وتحسينها.
وجميع هذه المهارات ضرورية ليس فقط في الوظائف التي تركز على التكنولوجيا، وإنما في مختلف القطاعات مع تسارع التحول الرقمي.
ويؤكد هذا التقرير أهمية المهارات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا الرقمية من أجل التعامل مع الأنظمة التكنولوجية التي تزداد تعقيداً. لكنه يشدد أيضاً على ضرورة توافر مستوى أساسي من الإلمام بالتكنولوجيا في جميع الوظائف للنجاح في سوق العمل اليوم.
وفي عالم يتسم بتغير تكنولوجي متواصل، تصبح القدرة على التواصل بوضوح والتكيف بسرعة واكتساب المهارات الرقمية بصورة مستمرة أمراً أساسياً. ويساعد إتقان هذه المهارات الأفراد على الحفاظ على ملاءمة قدراتهم وميزتهم التنافسية، كما يمكّنهم من الاستجابة بصورة استباقية للتكنولوجيات الناشئة وأساليب العمل الجديدة.
ومع تزايد الطابع الرقمي للمجتمعات اليوم، لم تعد القدرة على فهم التكنولوجيا والعمل معها مقتصرة على المتخصصين التقنيين، بل أصبحت متطلباً أساسياً للجميع.
وسوف تمتد متطلبات مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية إلى جميع جوانب حياتنا المهنية والشخصية. إلا أن تطوير المهارات الرقمية بعيد كل البعد عن أن يكون متجانساً حول العالم، وباعتبار هذه المهارات محفزاً أساسياً للنمو الاقتصادي المستقبلي، فإن أنظمة التعليم تؤدي اليوم دوراً بالغ الأهمية.
مسار إعداد المواهب: تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية ما تزال متأخرة
ينظر إلى المهارات الرقمية في أنحاء العالم على نطاق واسع باعتبارها عاملاً أساسياً في التنمية الاقتصادية. ومع ذلك، لا يزال دمج التكنولوجيات الرقمية في أنظمة التعليم متفاوتاً.
ولا يوجد توافق عالمي كافٍ، بل ولا حتى توافق وطني في كثير من الحالات، حول كيفية تعريف المهارات الرقمية. وأكثر من نصف بلدان العالم لم تضع بعد معايير واضحة للمهارات الرقمية.
وفي حين بدأت بعض البلدان تحديد الكفاءات الرقمية التي ترغب في إعطائها الأولوية ضمن المناهج وأطر التقييم، فإن هذه الكفاءات كثيراً ما يتم تطويرها بصورة أساسية من جانب جهات تجارية.
ونتيجة لذلك، تعكس تعريفات المهارات في أحيان كثيرة تكنولوجيات مملوكة لشركات بعينها ومنظومات خاصة بموردين محددين، بدلاً من أن تستند إلى إطار شامل وقابل للتشغيل البيني يخدم الاحتياجات الأوسع للمتعلمين والصناعات والمجتمعات.
ومع ذلك، بدأت تظهر جهود تجمع قادة التعليم والمنظمات غير الربحية وشركات التكنولوجيا لدعم الحكومات والمعلمين في التوافق على تعريف مشترك للإلمام بالذكاء الاصطناعي وإدماجه في تعليم الأطفال حول العالم.
كما أن تطبيق التكنولوجيا في الفصول الدراسية وتدريب المعلمين يفتقر إلى الاتساق. فالعديد من الطلاب يحصلون على فرص محدودة لاستخدام الأدوات الرقمية في البيئات التعليمية.
وحتى في البلدان مرتفعة الدخل، لا يستخدم سوى نحو 10% من الأطفال في سن الخامسة عشرة الأجهزة الرقمية في دراسة الرياضيات والعلوم لأكثر من ساعة واحدة أسبوعياً.
إضافة إلى ذلك، كثيراً ما يبلغ المعلمون عن شعورهم بعدم الاستعداد الكافي وافتقارهم إلى الثقة عند دمج التكنولوجيا في التدريس. ولم يضع سوى نصف البلدان معايير لتطوير كفاءة المعلمين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ولم تمر هذه التفاوتات دون أن يلاحظها أصحاب العمل، الذين ما يزالون يرون اختلافات كبيرة في مدى قدرة أنظمة التعليم على تنمية المهارات الرقمية في مختلف المناطق.
ويعتقد اثنان فقط من كل عشرة من قادة الأعمال أن أنظمة التعليم تطور مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات بفاعلية، فيما يرى أربعة من كل عشرة أن الأمر نفسه ينطبق على الإلمام بالتكنولوجيا.
وعالمياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. إذ يعرب قادة الأعمال في أمريكا الشمالية وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن ثقة مرتفعة نسبياً في قدرة أنظمتهم التعليمية على تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي والتحليلات.
وفي الوقت نفسه، تسجل جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا أعلى مستويات الثقة في تطوير خبرات الشبكات والأمن السيبراني، فيما تسجل جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً تقييمات أكثر إيجابية لمستوى الإلمام بالتكنولوجيا لدى الطلاب.
وعلى النقيض من ذلك، يميل القادة في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى تقييم المهارات المتمحورة حول الإنسان بدرجة أعلى.
أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فتحصل مهارات مثل المرونة والإبداع والفضول والتعلم مدى الحياة والعمل الجماعي على تقييمات تتجاوز المتوسط العالمي.
وفي الواقع، تميل المناطق الأقل ثقة بقدرتها على تطوير المهارات الرقمية إلى الإبلاغ عن نقاط قوة نسبية في مجالات أخرى مثل التعاون والإدارة.
وفي المقابل، يميل قادة الأعمال في أمريكا الشمالية، رغم نظرتهم الإيجابية نسبياً إلى تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي والتحليلات، إلى منح تقييمات أقل للمرونة والتعلم مدى الحياة.
وبوجه عام، نادراً ما ينظر إلى أنظمة التعليم في أي منطقة باعتبارها جيدة في تطوير المهارات الرقمية مقارنة بالمهارات المتمحورة حول الإنسان.
وحتى في المناطق التي تكون فيها المهارات الرقمية أقوى، تظل مهارات العمل الجماعي والتعاون تحظى بتقييمات أعلى، وهو ما يبرز وجود فجوات وتفاوتات عالمية في تطوير المهارات من خلال أنظمة التعليم، ويشكل مؤشراً مقلقاً على أن تطوير المهارات الرقمية يتخلف عن توقعات معظم قادة الأعمال.
وتواجه أنظمة التعليم حول العالم صعوبة في دمج المهارات الرقمية بصورة فعالة، كما تختلف وتيرة التقدم بصورة كبيرة بين المناطق وحتى بين المدارس، بما يعكس عدم المساواة في الوصول إلى الموارد والبنية التحتية وتدريب المعلمين.
ولا تزال الدراسات تسلط الضوء على فجوات في التغطية الرقمية، من بينها نقص كبير في توافر موظفي الدعم الفني المؤهلين، إلى جانب محدودية الحوافز المقدمة للمعلمين من أجل دمج الأجهزة الرقمية في التدريس.
كما أن وصول الطلاب إلى التكنولوجيا بعيد عن التكافؤ. ويختلف الاتصال بالإنترنت بصورة كبيرة بحسب مستوى الثروة والمنطقة.
وتتفاوت نسبة الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و17 عاماً ممن تتوافر لديهم خدمة الإنترنت في المنزل بين الأسر الأكثر ثراء والأشد فقراً بصورة ملحوظة في بعض المناطق، بينما تكون منخفضة لدى جميع الفئات تقريباً في مناطق أخرى.
ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة الاتصال بالإنترنت أرقاماً أحادية منخفضة لدى جميع فئات الدخل. أما في اليابان، فيتمتع أكثر قليلاً من 60% من أفراد أفقر الأسر في هذه الفئة العمرية بالوصول إلى الإنترنت في المنزل، مقارنة بما يقارب 90% لدى الأسر الأكثر ثراء.
وفي المناطق التي يتمتع فيها الطلاب بوصول أفضل إلى التكنولوجيا، لا تتمثل المشكلة غالباً في ضعف الإلمام الرقمي لدى الطلاب أنفسهم، بل لدى معلميهم وغيرهم من البالغين.
ففي الاتحاد الأوروبي، يمتلك ما يقرب من 70% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً مستوى أساسياً على الأقل من المهارات الرقمية، مقارنة بنسبة 54% فقط من إجمالي السكان.
وتشير دراسات تناولت عدداً من البلدان إلى أن كثيراً من المعلمين العاملين لم يكتسبوا مهارات رقمية كافية قبل دخولهم الفصول الدراسية.
وفي المتوسط، أفاد 43% من المعلمين المشاركين في أحد المسوح بأنهم لم يدرسوا كيفية استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كجزء من إعدادهم الأولي لمهنة التدريس، وكانت هذه المشكلة أكثر وضوحاً بين المعلمين الأكثر خبرة.
ومع ذلك، يظل الشباب يواجهون تحديات في تطبيق هذه المهارات في مراحل لاحقة من حياتهم، ولا سيما المهارات الأكثر تقدماً مثل تحليل البيانات والبرمجة والقضايا الأخلاقية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وهي مجالات لا يتم تطويرها بالاتساق نفسه.
وفي حين يبرع الطلاب غالباً في استخدام التكنولوجيا للتواصل واسترجاع المعلومات، فإن عدداً أقل منهم يثبت كفاءة في التفكير الحاسوبي أو إنشاء المحتوى الرقمي.
ويشير ذلك إلى الحاجة إلى مناهج تتجاوز المهارات الأساسية وتدفع المتعلمين إلى استخدام التكنولوجيا بطرق أكثر تعقيداً وإبداعاً.
وتتمثل فجوة مهمة أخرى في مسار إعداد المواهب في الفجوة بين الجنسين. فقد ارتفعت مشاركة النساء في مجالات التكنولوجيا والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بدرجة طفيفة فقط في السنوات الأخيرة، من 26% عام 2016 إلى 28% عام 2024، ولا تزال النساء يمثلن أقل من ثلث القوى العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
كما أن النساء أقل احتمالاً لشغل وظائف هندسة الذكاء الاصطناعي وأكثر احتمالاً للعمل في وظائف تواجه مخاطر أعلى من الاضطراب الناجم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتشير البيانات إلى أنه بين عامي 2018 و2025، تفوق الرجال على النساء في تسجيل مهارات هندسة الذكاء الاصطناعي في نحو 92% من البلدان التي شملها التحليل.
1.2 العرض والطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية
قادة الأعمال يرفعون الطلب على المهارات الرقمية في أعقاب جهود التحول الواسعة
هناك ارتفاع كبير في الطلب الذي يتوقعه أصحاب العمل على المهارات الرقمية.
وتعتبر كفاءات مثل الإلمام بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والشبكات والأمن السيبراني والتصميم وتجربة المستخدم والبرمجة ضرورية في الوقت الحالي، ويتوقع أن تصبح أكثر أهمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
فعلى سبيل المثال، يعد الإلمام بالتكنولوجيا مهارة أساسية لدى 51% من المؤسسات التي شملها الاستطلاع في عام 2025، فيما يتوقع 68% منها ارتفاع أهميتها بحلول عام 2030.
وتكتسب مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة أهمية خاصة، مدفوعة بالاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها المؤسسات في هذا المجال.
ويتوقع نحو 90% من قادة الأعمال أن تصبح هذه المهارات أكثر أهمية، في حين يعتبرها 45% مهارات أساسية بالفعل اليوم، وهو ما يؤكد الدور المحوري للذكاء الاصطناعي والأساليب القائمة على البيانات في تشكيل استراتيجيات الأعمال والعمليات والابتكار.
وبوجه عام، يظهر التحليل أن نسبة كبيرة من قادة الأعمال تتوقع ارتفاع قيمة جميع المهارات الرقمية، وهو ما يؤكد تصاعد الطلب في مختلف أنحاء هذا المجال.
ومع ذلك، تشير آراء قادة الأعمال إلى مخاوف من أن القوى العاملة قد لا تمتلك المهارات الكافية لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية.
فما يزيد قليلاً على 20% من القادة يعتقدون أن موظفيهم يتقنون مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، رغم الزيادة المتوقعة في الطلب عليها حتى عام 2030.
ويبدو مستوى كفاءة القوى العاملة في الإلمام بالتكنولوجيا أعلى نسبياً، إلا أن نصف القادة فقط يعبرون عن ثقتهم في مستوى هذه المهارة.
ويشير تحليل البيانات إلى أن اتجاهات كفاءة تطوير المهارات تنعكس بصورة متسقة على نتائج سوق العمل.
وبوجه عام، تظهر المناطق التي تمتلك أنظمة تعليم قوية في مهارات مثل الإلمام بالتكنولوجيا مستويات أعلى من كفاءة العاملين في المجال نفسه.
فعلى سبيل المثال، تسجل أمريكا الشمالية أعلى مستويات التطوير المدرك لمهارات الذكاء الاصطناعي وكفاءة العاملين فيها، بينما تسجل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بعض أعلى المستويات في المرونة والتعاون.
ومن المهم ملاحظة أن تصورات القادة حول كفاءة القوى العاملة تتجاوز في معظم الحالات تقييماتهم لقدرة أنظمة التعليم على تطوير المهارات الأساسية، وهو ما يشير إلى أن الأسس التعليمية في المهارات الأساسية قد تسمح بتسريع تطويرها أثناء العمل.
إضافة إلى ذلك، يواصل العاملون إظهار مستويات أقوى في المهارات المتمحورة حول الإنسان مقارنة بالمهارات الرقمية، وربما يرجع ذلك إلى صعوبة أكبر في تنمية الكفاءات الرقمية أو إلى التحديات التي تواجه أنظمة التعليم في إدماجها في المراحل المبكرة.
المتعلمون يخصصون وقتاً متزايداً لتنمية مهارات الذكاء الاصطناعي
في الوقت الذي يشدد فيه أصحاب العمل على ضرورة زيادة الكفاءة الرقمية، توفر بيانات منصات التعلم عبر الإنترنت مؤشرات مشجعة.
فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يُتوقع أن يمثل مجالاً ذا طلب مرتفع وفي الوقت نفسه مجالاً لا تزال فيه كفاءة الموظفين منخفضة نسبياً، فإنه أصبح يمثل واحداً من أكبر مجالات ساعات التعلم الرقمية.
ومن اللافت أن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي نما بصورة كبيرة بالتوازي مع زيادة التركيز على الكفاءات الأساسية في الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، كان الاهتمام بالتكنولوجيات الأخرى أكثر تقلباً. فقد انخفضت حصة الإلمام بالتكنولوجيا، وهو مهارة تأسيسية أساسية، من ساعات التعلم بعد زيادة ملحوظة في عام 2021. كما ظهرت اتجاهات هبوطية مماثلة في الشبكات والأمن السيبراني وكذلك في البرمجة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي واستمرار أهمية المهارات المتمحورة حول الإنسان
تؤكد بيانات التعلم الطلب القوي والمتطور على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية.
وأصبحت مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تمثل أكبر حصة من ساعات التعلم، إذ شكلت نحو 21% خلال الربع الثاني من عام 2025.
واتبعت أنشطة التعلم في هذا المجال مساراً صعودياً حاداً منذ منتصف عام 2022، وبلغت ذروتها عند نحو 6 ملايين ساعة تعلم، أي ما يعادل 27% من إجمالي وقت التعلم، بحلول منتصف عام 2024.
وكانت هذه الزيادة مدفوعة إلى حد كبير بالتبني السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي وبالاختراق الذي حققه الذكاء الاصطناعي التوليدي عقب الإطلاق الواسع لأدوات المحادثة التوليدية في أواخر عام 2022.
أما الشبكات والأمن السيبراني فأظهرت نمطاً أكثر تقلباً في الطلب، إذ ارتفع الاهتمام بها بعد عام 2023 قبل أن يعود إلى التراجع في منتصف عام 2025.
وشهد الإلمام بالتكنولوجيا ارتفاعاً حاداً في عام 2020، وهو ما يعكس على الأرجح التحول الواسع إلى العمل عن بعد والتعليم عبر الإنترنت وزيادة الاعتماد على المنصات الرقمية خلال جائحة كوفيد-19.
ومنذ ذلك الحين، انخفض الطلب بشدة حتى منتصف عام 2021، ثم أخذ يتراجع بوتيرة أكثر تدريجية، بما يشير إلى أن الشعور الأولي بالإلحاح بشأن اكتساب الثقافة الرقمية الأساسية تراجع مع تكيف المتعلمين وأماكن العمل مع الواقع الجديد.
وحافظت البرمجة على طلب مستقر منذ عام 2022، وبدأت تسجل اتجاهاً صعودياً في عام 2024، وهو ما يبرز استمرار دورها باعتبارها مهارة رقمية أساسية.
وفي الوقت نفسه، أظهر التصميم وتجربة المستخدم، رغم انطلاقهما من قاعدة أقل، نمواً متسارعاً منذ عام 2023 مع تزايد أهمية التصميم المتمحور حول الإنسان في تطوير المنتجات الرقمية.
ويظهر التدقيق في مهارات الذكاء الاصطناعي كيف أعادت الاختراقات التكنولوجية تشكيل الطلب على التعلم.
فبعد طفرة أولية خلال جائحة كوفيد-19، تسارع الاهتمام بمهارات الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة منذ أوائل عام 2022.
والأهم من ذلك أن صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي أدى إلى ظهور نمط نمو مميز: فبينما استمرت المهارات الأساسية في الذكاء الاصطناعي في التوسع، ارتفع الطلب على الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة حادة بعد نهاية عام 2022، بما شكل نقطة تحول واضحة في اتجاهات رفع المهارات عالمياً.
ويتسارع بوضوح إدراك قيمة المهارات الرقمية، ومن المتوقع أن تصبح الكفاءة الرقمية، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي، أصلاً يزداد تقديراً باستمرار.
لكن السؤال هو ما إذا كانت هذه القيمة المتصورة تتحول بالفعل إلى قيمة اقتصادية. وتمثل بيانات الأجور مؤشراً مهماً على ذلك، إذ تعكس ليس فقط ارتفاع القيمة المنسوبة إلى المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً اتساع الفجوة بين الطلب عليها والعرض المتاح.
ومع تنافس الشركات على جذب أفضل المواهب الرقمية والاحتفاظ بها، ترتفع حزم الأجور والمزايا، وهو ما يؤكد ندرة أصحاب هذه المهارات وأهميتهم الاستراتيجية.
الطلب المتزايد وعلاوات الأجور المرتبطة بالمهارات الرقمية
تمر القوى العاملة الرقمية بتحول سريع، ويسرع الذكاء الاصطناعي التوليدي الطلب على المهارات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي.
وفي حين تشير أبحاث حديثة إلى أن مهارات البرمجة معرضة بدرجة كبيرة للاضطراب الناتج عن الذكاء الاصطناعي، فإن هذا التحول يعزز أيضاً استمرار أهمية الكفاءات الرقمية التأسيسية.
وتظهر بيانات الوظائف والأجور أن نمو التوظيف في الوظائف التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ارتفع بين عامي 2019 ومنتصف 2025 بمقدار 13.8 مرة، متجاوزاً جميع فئات المهارات الرقمية الأخرى.
ورغم تباطؤ النمو في عام 2023 بسبب ضغوط اقتصادية شملت ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والتضخم وتغيرات في المعاملة الضريبية للبحث والتطوير، فإنه تعافى بقوة خلال عامي 2024 و2025، بالتزامن مع التطورات في الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وعلى الرغم من هذا النمو القوي، ما تزال وظائف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تمثل حصة صغيرة نسبياً من القوى العاملة الرقمية، إذ لم تتجاوز 1.1% من العمالة الرقمية في يوليو 2025.
وفي المقابل، شكلت الوظائف المرتبطة بالشبكات والأمن السيبراني أكثر من نصف إجمالي الوظائف الرقمية التي شملها التحليل، بنسبة 54.7%.
كما تباطأ نمو التوظيف في مجالي البيانات والبرمجة، وكذلك الشبكات والأمن السيبراني، بصورة متواصلة بين عامي 2021 و2025.
أما الوظائف التي تتطلب مهارات التصميم وتجربة المستخدم، فقد اتبعت مساراً مختلفاً. فبعد تباطؤ استمر من عام 2021 إلى عام 2024، عادت إلى النمو في أوائل 2025، وربما جاء ذلك مدفوعاً بدمج الذكاء الاصطناعي وزيادة الاستثمار في التجارب الرقمية التي تركز على المستخدم.
وتعكس ديناميكيات الأجور هذه التحولات أيضاً. فقد اتجه متوسط الأجور في الوظائف الرقمية إلى الارتفاع منذ عام 2019، إلا أن وظائف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي شهدت زيادة كبيرة في الأجور اعتباراً من عام 2023، ما عكس فترة الركود السابقة.
ومن عام 2019 حتى يوليو 2025، ارتفع متوسط الأجور في وظائف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من 150 ألف دولار إلى 189,800 دولار، وهو ما يؤكد القيمة السوقية الكبيرة للخبرة في هذا المجال.
ويبرز هذا التحليل الأهمية المتزايدة للمهارات الرقمية، إذ يوضح أنه بينما تنمو الوظائف والأجور بالنسبة إلى أصحاب الخبرة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، تظل المهارات الرقمية الأساسية مثل البرمجة والشبكات والأمن السيبراني والتصميم وتجربة المستخدم ركائز حاسمة للمسارات المهنية في مجال التكنولوجيا.
وتتعدد العوامل التي تقف وراء هذه الطفرة في الطلب وارتفاع الأجور مقابل الخبرة الرقمية.
فمع تسارع وتيرة الابتكار التكنولوجي، تتبنى المؤسسات أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والحلول الرقمية بوتيرة غير مسبوقة. وأدى ذلك إلى خلق حاجة إلى متخصصين لا يستطيعون فقط بناء هذه الأنظمة وصيانتها، بل يمكنهم أيضاً دفع الابتكار.
وفي الوقت نفسه، أدى الانفجار في حجم التهديدات السيبرانية إلى ارتفاع الطلب على متخصصي الشبكات والأمن السيبراني، في ظل إعطاء الشركات الأولوية لحماية البيانات الحساسة والحفاظ على المرونة التشغيلية.
ومع تخلف عرض المتخصصين الرقميين ذوي المهارات العالية عن الطلب المتزايد باستمرار، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، يقدم أصحاب العمل حزماً تنافسية بصورة متزايدة لاستقطاب المواهب.
إضافة إلى ذلك، دفع تزايد أهمية تجربة المستخدم الشركات إلى زيادة الاستثمار في وظائف التصميم وتجربة المستخدم، مع إدراكها للرابط الحاسم بين سهولة استخدام المنتجات الرقمية ورضا العملاء.
وتوضح هذه العوامل كيف أصبحت المهارات الرقمية عنصراً محورياً في استراتيجية المؤسسات وابتكارها وقدرتها التنافسية.
منحنيات تعلم المهارات الرقمية
تكشف الأبحاث عن اختلافات واضحة في مقدار الوقت المطلوب لبناء المهارات الرقمية.
فيمكن غالباً بلوغ المستوى الأساسي خلال بضعة أيام من الدراسة، لكن الانتقال إلى مستويات كفاءة أعلى يتطلب التزاماً أكبر بكثير، يتراوح بين 108 و155 ساعة، أي ما يعادل عدة أسابيع من التعلم بدوام جزئي.
وتعد البرمجة أكثر المهارات الرقمية تطلباً في مرحلتي المبتدئين والمتوسطين، إذ تحتاج إلى استثمار أكبر في الوقت منذ البداية.
أما الشبكات والأمن السيبراني فتشهد أكبر زيادة في الوقت المطلوب مع التقدم في المستوى، وتصبح الأكثر استهلاكاً للوقت في المستوى المتقدم بنحو 155 ساعة، بما يعكس التعقيد المتزايد لحماية الأنظمة والتعامل مع التهديدات السيبرانية المتطورة.
ويظهر الإلمام بالتكنولوجيا مساراً تصاعدياً مشابهاً، ويقترب من البرمجة من حيث الجهد المطلوب عبر المراحل المختلفة.
وعلى النقيض، يوفر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إلى جانب التصميم وتجربة المستخدم، نقاط دخول أكثر سهولة.
فيمكن للمبتدئين بدء تعلم الذكاء الاصطناعي بما لا يتجاوز نحو 30 ساعة، لأن العديد من الدورات التمهيدية تركز على الأساسيات المتعلقة بالإلمام بالذكاء الاصطناعي.
إلا أن الانتقال إلى المستويات الأعلى يتطلب قفزة كبيرة نحو مجالات أكثر تعقيداً مثل نماذج التعلم الآلي وعلوم البيانات، ويقدر متوسط الوقت اللازم لبلوغ المستوى المتقدم بنحو 137 ساعة.
أما التصميم وتجربة المستخدم فيتميزان بأكثر منحنيات التعلم سلاسة وأقلها تطلباً للوقت عبر جميع المستويات، وهو ما يعكس التركيز على التفكير التصميمي والممارسة المتمحورة حول المستخدم بدلاً من التخصص التقني العميق.
لكن المتعلمين نادراً ما يكتسبون المهارات في عزلة. فعند تعليم مهارات جديدة، تتقاطع غالباً مع قدرات مكملة لها، وهو ما يوضح مدى الترابط بين المهارات الرقمية واعتمادها على أساس من المهارات البشرية ومهارات الأعمال.
ويبرز الإلمام بالتكنولوجيا بوصفه كفاءة أساسية غالباً ما تُدرّس جنباً إلى جنب مع مهارات رقمية أخرى، بما يؤكد دوره قاعدةً للخبرة الأكثر تخصصاً.
كما تُدرّس البرمجة كثيراً مع الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إذ تتضمن 26% من دورات البرمجة أيضاً موضوعات في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، بينما تتضمن 17% منها محتوى يتعلق بالشبكات والأمن السيبراني.
وبالمثل، تكشف الروابط القوية بين تجربة المستخدم والذكاء الاصطناعي، حيث تتضمن 26% من دورات تجربة المستخدم محتوى في الذكاء الاصطناعي، وبين تجربة المستخدم والبرمجة بنسبة 15%، عن التركيز المتزايد على تصميم الحلول التكنولوجية حول احتياجات المستخدمين.
ومن بين المهارات المتمحورة حول الإنسان، يعد التفكير التحليلي والتفكير النظمي من أبرز المكملات للمهارات الرقمية.
كما يظهر التفكير الرياضي والإحصائي والقيادة والتأثير الاجتماعي والتفكير الإبداعي والموثوقية بصورة متكررة إلى جانب تعلم المهارات الرقمية.
وتبرز المجالات المتعلقة بالأعمال، مثل إدارة الموارد والعمليات والتسويق والإعلام ومراقبة الجودة، أهمية استخدام المهارات الرقمية في مواجهة تحديات واقعية وتطبيقية.
الحاجة الملحة إلى توسيع قاعدة المواهب الرقمية
حتى تستطيع الشركات مواءمة المواهب والمهارات المطلوبة مع أهدافها الاستراتيجية بفاعلية، وحتى تتمكن الحكومات من إطلاق الفرص الكامنة والمستقبلية لتحقيق الازدهار، يصبح من الضروري بذل جهد منسق لتوسيع نطاق تطوير المهارات الرقمية.
ومع ذلك، توضح البيانات المتعلقة بالوقت اللازم للوصول إلى مستويات الكفاءة في المهارات الرقمية أن توسيع قاعدة المواهب بصورة كبيرة سيظل عملية معقدة وتدريجية.
وتختلف رحلة إتقان المهارات الرقمية اختلافاً كبيراً بحسب المجال. ففي حين يمكن استيعاب الأساسيات بسرعة نسبياً، يتطلب التقدم نحو مستويات أعلى من الخبرة التزاماً زمنياً أكبر بكثير.
ولا تقل أهمية عن ذلك العلاقات المعقدة بين المهارات المختلفة. فالكفاءات الرقمية مترابطة في كثير من الأحيان، وتساعد هذه الروابط على تحسين تطور كل مهارة وتعظيم أثرها العام.
وتؤكد البيانات نقطة أساسية: تكون المهارات الرقمية أكثر قوة عندما تقترن بالمهارات المتمحورة حول الإنسان وقدرات الأعمال التي تسمح باستخدام التكنولوجيا بفاعلية في مواجهة التحديات الواقعية.
الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للطلب على المهارات وحلاً لمشكلة عرض المهارات في الوقت نفسه
من المرجح أن يظل الطلب على المهارات الرقمية قوياً، إلا أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل هذا الطلب في بعض المجالات مستقبلاً من خلال أتمتة المهام.
وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90% من الوظائف يمكن أن تتأثر بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2032، مع تعرض وظائف معينة، مثل مطوري البرمجيات، لمستويات كبيرة من الاضطراب.
ومع ذلك، تتباين التوقعات المتعلقة بالمستقبل.
فبعض الأبحاث وجدت أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لم يؤد سوى إلى تحسينات طفيفة في جودة التعليمات البرمجية وسرعة مراجعتها، بينما ارتبط أيضاً بانخفاض استقرار عمليات التسليم والإنتاجية.
كما وجدت دراسة أخرى أن مطوري البرمجيات مفتوحة المصدر ذوي الخبرة أصبحوا أبطأ بنسبة 19% عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتحدى الافتراضات الشائعة بشأن الزيادات المضمونة في الكفاءة.
وفي الوقت نفسه، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً جديدة يمكن أن تسرع تطوير المهارات.
فعلى سبيل المثال، تستطيع منصات التعلم المخصص المدعومة بالذكاء الاصطناعي تكييف المحتوى وسرعته وفقاً لكل متعلم، وهو ما يتيح للمبتدئين استيعاب المفاهيم الأساسية بسرعة في مجالات مثل الإلمام بالذكاء الاصطناعي أو البرمجة أو علوم البيانات.
كما يقدم المعلمون الافتراضيون التفاعليون ومساعدو البرمجة، مثل محررات التعليمات البرمجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أو روبوتات المحادثة، ملاحظات وتوجيهات فورية تساعد المتعلمين على حل المشكلات بكفاءة أكبر.
إضافة إلى ذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي تنظيم مسارات تعليمية مقترحة، وتسليط الضوء على الموارد ذات الصلة، وحتى إنشاء تمارين تدريبية مصممة خصيصاً للمتعلم، بما يبسط اكتساب المهارات التقنية والمهارات المتمحورة حول الإنسان معاً.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي المهارات الرقمية
أثار التقدم السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي نقاشاً واسعاً حول تأثيره في العمل، إذ لا يعيد تشكيل كيفية تنفيذ المهام فحسب، بل يغير أيضاً مدى أهمية المهارات في المستقبل، ولا سيما المهارات الرقمية.
وتبرز التحليلات القدرات المتزايدة لأدوات الذكاء الاصطناعي على تغيير طريقة استخدام المهارات الرقمية، بالتوازي مع تزايد أهمية إتقان البشر للأدوات والتكنولوجيات الرقمية في اقتصاد تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويتم تقييم آلاف المهارات التفصيلية المستخدمة في العمل وفق أربع فئات لإمكانات التحول في ظل الذكاء الاصطناعي التوليدي: تحول محدود، وتحول بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتحول هجين، وتحول كامل.
وتعد مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية الأكثر تعرضاً للتحول، في حين يتوقع أن يكون التأثير محدوداً نسبياً في المهارات المتمحورة حول الإنسان.
وفي المتوسط، ستشهد 68% من المهارات الرقمية تحولاً هجيناً أو كاملاً، مقارنة بنحو 35% في سائر المهارات الأكثر تمحوراً حول الإنسان.
وعند مقارنة أقصى الطرفين، يصبح الفارق واسعاً للغاية. فمهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، على سبيل المثال، أكثر عرضة بأكثر من 30 مرة للتحول الكامل أو الهجين مقارنة بمهارات التعاطف والاستماع الفعال.
وتظهر مهارات الذكاء الاصطناعي والبرمجة قابلية أكبر للتحول، لأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يستطيع بالفعل تنفيذ العديد من المهام الروتينية وحتى العمل بصورة مستقلة في مجالات مثل تصنيف النصوص والصور وتحليل المشاعر والمعالجة المسبقة للبيانات وهندسة الأوامر.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن العمال البشر سيتم الاستغناء عنهم بالضرورة.
فوتيرة التغيير ومداه سيعتمدان على قدرات النماذج، ومستوى تبني المؤسسات، والأطر التنظيمية، والسياق المحدد الذي تنفذ فيه المهام.
وبالمقارنة، فإن الإلمام بالتكنولوجيا، أي القدرة على استخدام الأدوات الرقمية في التعامل مع تحديات محددة في سياق الأعمال أو المجتمع، أقل تعرضاً بكثير للتحول.
فالعديد من هذه المهام يعتمد على الحكم البشري والإبداع والقدرة على التكيف.
ويؤكد هذا التباين ضرورة الاستثمار المزدوج في المهارات: الاستثمار في القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي والبيانات من أجل إدارة الأنظمة الرقمية والإشراف عليها، والاستثمار في إلمام رقمي واسع النطاق يمكّن جميع العاملين من التكيف مع التكنولوجيا وتطبيقها وإعادة تشكيلها لمعالجة التحديات الواقعية.
وعلى الرغم من أن تأثير الذكاء الاصطناعي في العرض والطلب على المهارات ما يزال غير مؤكد إلى حد ما، فإن هناك طلباً واضحاً على المتخصصين التقنيين لبناء المنصات التي ستتولى أتمتة العديد من المهارات أو تعزيزها وصيانتها.
فعلى سبيل المثال، رغم أن التحليل الإحصائي يمتلك إمكانات كبيرة للأتمتة، فإن دمجه بنجاح يعتمد على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متطورة والإشراف عليها، سواء باعتبارها منصات أساسية أو أدوات مخصصة للمؤسسات.
كما سيؤدي استمرار الطلب على التكنولوجيا بصورة عامة إلى زيادة الطلب على المهارات المرتبطة بها، حتى إذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يتحمل جزءاً من العبء الناتج عن محدودية عرض المواهب.
ويتوقع قادة الأعمال تنفيذ مجموعة واسعة من التكنولوجيات الجديدة. فعلى سبيل المثال، يتوقع 86% من أصحاب العمل أن تؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات إلى إحداث تحول في أعمالهم.
ويعتقد 58% أن الروبوتات والأنظمة الذاتية ستؤثر في مؤسساتهم، فيما يتوقع 41% أن تؤدي تقنيات توليد الطاقة وتخزينها وتوزيعها دوراً تحولياً.
كما تشمل مجالات الاستثمار أشباه الموصلات وتقنيات الحوسبة، وأجهزة الاستشعار والليزر والتقنيات البصرية، والمواد الجديدة والمركبات، والتقنيات الكمية والتشفير، والتكنولوجيا الحيوية وتقنيات الجينات، والأقمار الصناعية وتقنيات الفضاء.
وعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة في التكنولوجيا، تشير تحليلات إعلانات الوظائف إلى أن توظيف أصحاب المهارات الرقمية ما يزال شديد التخصص والتركيز.
فعلى سبيل المثال، رغم أن الذكاء الاصطناعي مهارة مرتفعة الطلب ويقف وراء استثمارات تكنولوجية ضخمة، فإنه يُذكر بوصفه مهارة مطلوبة في نحو 2% فقط من إعلانات الوظائف.
ورغم أن الاستثمار في التكنولوجيا منتشر في جميع الصناعات تقريباً، تختلف درجته وتركيزه الاستراتيجي بصورة كبيرة.
فالروبوتات المادية، مثلاً، تتخلف عن تكنولوجيات أكثر انتشاراً مثل الذكاء الاصطناعي في معظم القطاعات، باستثناء صناعات مثل التصنيع التي تكون فيها الاستثمارات في الروبوتات عادة أكثر كثافة.
ويتوقع أصحاب العمل بصورة متزايدة من العاملين في جميع المستويات تطبيق المهارات الرقمية في المهام اليومية، بدءاً من إدارة أدوات الإنتاجية وصولاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار.
ويظهر الإلمام بالتكنولوجيا في 34% من إعلانات الوظائف في الولايات المتحدة بوجه عام، مع تفاوت واسع بين القطاعات.
ففي قطاع الإقامة والأغذية والترفيه لا تتجاوز النسبة 16%، بينما تصل إلى 84% في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية.
أما المهارات الأخرى، مثل البرمجة والشبكات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتصميم وتجربة المستخدم، فتظهر بوتيرة أقل بكثير وتتركز بدرجة كبيرة في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
ويشير ذلك إلى أن الكفاءات التقنية المتقدمة لا تزال مطلوبة بصورة أساسية للوظائف المتخصصة، بدلاً من انتشارها على نطاق واسع في مختلف شرائح القوى العاملة.
وعند النظر بصورة أعمق إلى الأنماط القطاعية، يتبين أن الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية أكثر وضوحاً في الصناعات كثيفة التكنولوجيا، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية، وكذلك السيارات والطيران والفضاء.
وفي المقابل، تسجل القطاعات الأقل اعتماداً تقليدياً على التكنولوجيا، مثل الإقامة والأغذية والترفيه، طلباً منخفضاً جداً على هذه المهارات.
وتوجد أيضاً تفاوتات كبيرة في كيفية حدوث التحول الرقمي عبر القطاعات.
فالخبرة الرقمية المتقدمة مطلوبة بقوة أساساً في الصناعات كثيفة التكنولوجيا، بينما يكون الطلب عليها محدوداً في أماكن أخرى، ما يهدد بتوسيع الفجوات الرقمية والحد من الابتكار عبر الصناعات.
اتجاهات التحول على مستوى الصناعات والمناطق
تختلف أهمية المهارات الرقمية بصورة كبيرة من صناعة إلى أخرى.
ومن الطبيعي أن تكون القطاعات كثيفة التكنولوجيا، مثل خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الأكثر ميلاً إلى اعتبار المهارات الرقمية مهارات أساسية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والبرمجة.
وتعتمد هذه الصناعات اعتماداً كبيراً على التكنولوجيات الرقمية لتقديم منتجاتها وخدماتها الأساسية، ودفع الابتكار والحفاظ على ميزتها التنافسية.
كما أن التطوير والنشر السريعين للتكنولوجيات الجديدة في هذه القطاعات يتطلبان موظفين يتمتعون بمستويات عالية من الإلمام الرقمي حتى يتمكنوا من تطوير الأنظمة المعقدة وتنفيذها وإدارتها.
وبما أن هذه القطاعات تقف غالباً في مقدمة التحول الرقمي، تصبح القدرة على التكيف مع التكنولوجيات الناشئة والاستفادة منها عاملاً حاسماً للنجاح التشغيلي واستمرار النمو.
كما تولي قطاعات التأمين والخدمات المالية والطاقة والمرافق قيمة مرتفعة للمهارات الرقمية، ولا سيما الإلمام الأساسي بالتكنولوجيا، لأن عملياتها تعتمد بصورة متزايدة على التقنيات الرقمية لتحقيق الكفاءة والابتكار والأمن.
ففي الخدمات المالية وأسواق رأس المال، على سبيل المثال، تعد المهارات الرقمية ضرورية لأتمتة العمليات، وتطوير أنظمة معاملات آمنة، وإدارة مجموعات ضخمة من البيانات.
وتعتمد شركات التأمين على الأدوات الرقمية لتحليل المخاطر وتبسيط معالجة المطالبات وتخصيص العروض المقدمة للعملاء.
أما شركات الطاقة والتكنولوجيا والمرافق فتستخدم الإلمام بالتكنولوجيا لإدارة الشبكات الذكية، وتطبيق الصيانة التنبؤية، ودمج حلول الطاقة المتجددة.
وفي جميع هذه القطاعات، تجعل الحاجة إلى التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، والامتثال للمتطلبات التنظيمية، والاستجابة السريعة لتغيرات السوق، المهارات الرقمية أمراً حاسماً للحفاظ على القدرة التنافسية ودفع التحول المستمر.
ورغم الأهمية الكبيرة للإلمام التكنولوجي الأساسي، فإن هذه الصناعات تعتبر أيضاً مهارات متخصصة مثل البرمجة وتحليل البيانات مهارات محورية.
وبالمقارنة مع القطاعات الأخرى، تعد صناعات التعدين والمعادن، والزراعة والغابات وصيد الأسماك، والإقامة والأغذية والترفيه الأقل احتمالاً لاعتبار المهارات الرقمية ضرورية.
ففي الوقت الحالي، ترى نحو ربع شركات التعدين والمعادن أن الخبرة في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة أساسية لعملياتها، بينما يعتبر 5% فقط أن البرمجة مهارة جوهرية.
وتعتمد الأنشطة اليومية في هذه القطاعات بوجه عام بدرجة أكبر على العمليات المادية والآلات الثقيلة والعمل اليدوي بدلاً من الاعتماد على التكنولوجيات الرقمية المتقدمة.
ونتيجة لذلك، تؤدي الأدوات الرقمية في كثير من الأحيان دوراً داعماً بدلاً من أن تكون محوراً أساسياً للعمل، وهو ما يفسر التركيز المنخفض نسبياً على الكفاءات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجة.
وبالمثل، ما تزال الزراعة والغابات وصيد الأسماك تعتمد بدرجة كبيرة على العمل اليدوي والمتمحور حول الإنسان رغم إدخال تكنولوجيات جديدة.
كما تعطي قطاعات الترفيه أهمية أكبر للمهارات الشخصية والعملية، مثل التواصل وخدمة العملاء.
وفي كلا القطاعين، تعني الوتيرة الأبطأ للتحول الرقمي واستمرار أهمية الممارسات التقليدية أن المهارات الرقمية، رغم قيمتها، لم تصبح بعد ضرورية للأنشطة الأساسية.
وعند النظر إلى الفترة الممتدة من 2025 إلى 2030، تظهر اختلافات كبيرة بين الصناعات بشأن المهارات المتوقع أن تزداد أهميتها أو تنخفض.
فبالنسبة إلى مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، يتوقع 100% من الجهات التي شملها المسح في قطاعي الاتصالات والسيارات والطيران والفضاء زيادة واسعة النطاق في استخدامها، بينما يتوقع 69% من المؤسسات في الإقامة والأغذية والترفيه ارتفاع استخدام هذه المهارات.
وتختلف العوامل التي تدفع هذا الطلب المتوقع.
ففي قطاع السيارات، يؤدي التحول نحو المركبات المتصلة والذاتية القيادة، إلى جانب التصنيع الذكي، إلى زيادة الاعتماد على التحليلات المتقدمة لمعالجة بيانات أجهزة الاستشعار، وتعزيز السلامة، وتحسين سلاسل الإمداد، ودعم الابتكار في تقنيات المركبات الكهربائية وذاتية القيادة.
وتعمل شركات الخدمات المهنية في بيئات معقدة وغنية بالبيانات، مثل التمويل والاستشارات، وتعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لأتمتة المهام واستخلاص الرؤى وتقديم توصيات مخصصة.
وفي الوقت نفسه، تواجه شركات الاتصالات متطلبات متزايدة مع توسع الشبكات وظهور الجيل الخامس وانتشار إنترنت الأشياء، ما يدفعها إلى استخدام التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة كميات هائلة من البيانات وتحسين العمليات وتقديم تجارب مخصصة للعملاء.
وفي المقابل، تبدو قطاعات مثل الزراعة والغابات وصيد الأسماك والإقامة والأغذية والترفيه أكثر حذراً.
فحوالي 70% من القادة في كل من المجالين يتوقعون ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن 4% من قادة قطاع الزراعة والغابات وصيد الأسماك و8% من قادة الإقامة والأغذية والترفيه يتوقعون انخفاضه.
وربما تفسر الأهمية المستمرة للقدرات المتمحورة حول الإنسان، مثل مهارات التواصل في قطاع الترفيه والعمل اليدوي في الزراعة، النظرة الأقل حماساً إلى هذه التكنولوجيا.
وتظهر مهارات البرمجة صورة مشابهة في ظل توقعات بارتفاع الطلب، وإن كانت أقل قوة من الذكاء الاصطناعي.
فنحو نصف شركات الخدمات المالية وأسواق رأس المال، والجهات الحكومية والقطاع العام، وشركات تكنولوجيا الطاقة والمرافق، تتوقع زيادة الطلب على مهارات البرمجة، بينما تتوقع نحو شركة واحدة من كل عشر شركات انخفاض استخدامها.
ويغذي الطلب المتزايد على البرمجة في هذه القطاعات استمرار التحول الرقمي والحاجة إلى حلول برمجية متقدمة، رغم أن بعض الشركات تتوقع تراجع الطلب نتيجة الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام التطوير والاختبار.
ويتوقع نحو ربع شركات الزراعة والغابات وصيد الأسماك تراجع استخدام البرمجة، في حين يتوقع نحو 30% زيادته.
وفي العقارات، يتوقع 25% زيادة الطلب على مهارات البرمجة مقابل 15% يتوقعون انخفاضه.
وتعكس هذه الاختلافات مرة أخرى طريقة تعامل كل قطاع مع التكنولوجيا والدور الذي يؤديه العاملون البشر. فالزراعة ما تزال تعتمد على العمل اليدوي رغم الابتكارات الجديدة، فيما يعتمد التحول الرقمي التدريجي في العقارات بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية.
ويحاول كلا القطاعين الموازنة بين تبني التكنولوجيا الجديدة والحفاظ على الممارسات التقليدية، ما يؤدي إلى توقعات متباينة بشأن الحاجة إلى مواهب البرمجة.
1.3 الاتجاهات الإقليمية
توجد أيضاً اختلافات إقليمية كبيرة.
وقد تتأثر رؤية قادة الأعمال لما إذا كانت مهارات معينة في منطقة ما ستزداد أو تنخفض أهميتها خلال السنوات الخمس المقبلة بمجموعة متنوعة من العوامل.
وتشمل هذه العوامل مؤثرات خارجية مثل العرض الحالي للعمالة، والأطر الحكومية والتنظيمية، والبنية التحتية المتاحة، إضافة إلى اعتبارات داخلية مثل استراتيجيات الاستثمار ومتطلبات العملاء.
ومع ذلك، تبرز عدة اختلافات مهمة.
وبوجه عام، ينظر إلى مهارات الذكاء الاصطناعي والإلمام بالتكنولوجيا باعتبارها أكثر أهمية على المستوى الأساسي من مجالات مثل البرمجة التي تحظى بحماس أقل.
وتتصدر أمريكا الشمالية في إعطاء الأولوية للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، حيث يعتبر 60% من التنفيذيين هذه المهارات حيوية لقواهم العاملة.
وتسجل مستويات مماثلة من الأهمية في جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يبرز الانتشار الواسع لأهمية هذه التكنولوجيا.
وفي الوقت نفسه، تعطي شرق آسيا أهمية أكبر من المتوسط للتصميم وتجربة المستخدم.
كما تختلف نظرة التنفيذيين حول العالم إلى كيفية تغير أهمية المهارات خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتظل مهارات الذكاء الاصطناعي في الصدارة عالمياً، إذ تسجل جميع المناطق توقعات مرتفعة بشأن تزايد قيمتها، ما يؤكد الحاجة الملحة إلى تطويرها بما يتوافق مع احتياجات الأعمال.
وتبرز جنوب شرق آسيا بصورة خاصة في مجال الشبكات والأمن السيبراني، تليها أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما تتوقع أفريقيا جنوب الصحراء تسجيل أكبر زيادة في أهمية مهارات البرمجة.
وباستثناء شرق آسيا، حيث يتوقع انخفاض طفيف في أهمية البرمجة، تتوقع جميع المناطق ارتفاع أهمية المهارات الرقمية.
وتعمل المؤسسات حول العالم على تطوير استراتيجيات شاملة للتحول الرقمي مدفوعة بالتطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي.
وتمثل هذه الجهود في الوقت نفسه فرصاً لتعزيز الازدهار الاقتصادي من خلال الرقمنة المنهجية وتحسين أسواق العمل، واستجابة للضغوط التنافسية من أجل تقديم السلع والخدمات بكفاءة.
وباختصار، تشكل المهارات الرقمية أساس الاقتصاد الحديث، ويتزايد اعتماد المؤسسات عليها بصورة مستمرة، إلا أن العرض الحالي من المواهب لا يلبي الطلب القائم.
ومن دون إجراءات حاسمة لتوسيع قاعدة المواهب وتحسين تقييم المهارات وتطويرها واعتمادها عالمياً، سيؤدي هذا النقص إلى عرقلة تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي كبير.
2. دعوة إلى العمل: تطوير المهارات الرقمية وتقييمها واعتمادها
يجب دمج الاستثمار الاستراتيجي في المهارات الرقمية ضمن استراتيجيات القوى العاملة، مع وجود أطر واضحة للتطوير والتقييم والاعتماد.
ويمتلك الاستثمار الاستراتيجي في تنمية المهارات الرقمية القدرة على فتح مصادر جديدة للنمو، وتعزيز الاقتصادات، وبناء مجتمعات مرنة ومستعدة للمستقبل.
فالبلدان والمؤسسات التي تعطي الأولوية لرفع المهارات الرقمية ستكون في موقع أفضل للاستفادة من التطورات التكنولوجية، والتكيف مع التغير السريع، والاضطلاع بدور قيادي في الاقتصاد العالمي.
أما الجمود فلن يؤدي إلا إلى تعميق أوجه التفاوت وإبطاء التقدم.
ومن الضروري أن يتجاوز القادة في مختلف المؤسسات الخطاب النظري وأن يلتزموا باستثمارات ملموسة في التعلم الرقمي، وآليات تقييم قوية، وأطر اعتماد ذات معنى.
ويعني ذلك وضع المهارات الرقمية في صميم استراتيجيات القوى العاملة، والشراكة مع المعلمين وصانعي السياسات، وضمان حصول الموظفين على فرص للتعلم مدى الحياة تواكب التطور التكنولوجي.
نحو مبادئ توجيهية عالمية
يعد تطوير المهارات الرقمية وتقييمها واعتمادها عملية معقدة لا يمكن أن تعتمد على التعرض لمرة واحدة أو الاختبارات الجامدة.
فعلى خلاف المعارف التقنية التقليدية، تتسم المهارات الرقمية بالديناميكية والاعتماد على السياق والتطور السريع.
وتتطلب الاستراتيجيات الفعالة خبرات تعلم أصيلة، ووجهات نظر متنوعة، وأنظمة اعتراف تجعل هذه المهارات مرئية وقابلة للنقل.
إلا أن الأنظمة الحالية يتم تطويرها في الغالب من جانب مؤسسات تجارية توفر موارد تدريب وشهادات تتوافق مع المنظومات التكنولوجية الخاصة بموردين محددين، بدلاً من تبني إطار شامل يمكن تطبيقه عبر مختلف الصناعات.
ولمعالجة هذه الفجوات، يقدم هذا الفصل إطاراً عالمياً للمهارات الرقمية يهدف إلى تعزيز الاتساق والنزاهة والمواءمة بين التعليم والصناعة والسياسات العامة.
وقد صممت مبادئ هذا الإطار لمساعدة قادة الأعمال على تشكيل استراتيجيات القوى العاملة، والحكومات على فهم المواهب الرقمية وتنميتها، والمعلمين على إنشاء مسارات فعالة لتطوير المهارات الرقمية.
تقييم المهارات الرقمية
المهارات الرقمية معقدة وتعتمد بدرجة كبيرة على السياق المحدد.
فقد تختلف الكفاءة في مهارات مثل الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات أو الأمن السيبراني بين القطاعات نتيجة اختلاف متطلبات الصناعات والثقافات المؤسسية والبنى التحتية التكنولوجية.
ورغم وجود مجموعة واسعة من طرق التقييم المعيارية التي تتضمن مقاييس معترفاً بها للمقارنة والتحقق، فإن التقييم الشامل لهذه الكفاءات يحتاج إلى نهج أكثر دقة وتخصيصاً.
ويمكن للمبادئ التالية مساعدة القادة على وضع معايير جديدة لتقييم المهارات الرقمية.
رؤية الإنسان بصورة كاملة
يجب أن تقدم أنظمة التقييم صورة متكاملة لكل فرد، بحيث تعترف بإنجازاته المثبتة وبنموه المستمر.
ومن خلال الجمع بين معايير الصناعة لضمان الاتساق، والتقييمات القائمة على الأداء لإثبات المهارات في العالم الحقيقي، وأدوات التفكير الذاتي التي توثق النمو المستمر، يستطيع القادة تقييم ما يعرفه المتعلمون، وكيف يفكرون، وكيف تتطور قدراتهم.
كما تقيس التقييمات الموجهة نحو الغرض النتائج، إلى جانب التفكير النقدي والتفكير الأخلاقي والإبداع وحل المشكلات التي يظهرها الأفراد أثناء عملية التعلم، بما يتيح تطويراً أكثر تخصيصاً واعترافاً ذا معنى بالتقدم.
وتغير التكنولوجيا بصورة متزايدة كيفية إجراء مثل هذه التقييمات.
فيمكن للاختبارات التكيفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تخصيص التحديات بما يتناسب مع نقاط قوة كل متعلم ومجالات التطوير لديه، وتقديم ملاحظات سريعة ومصممة خصيصاً له.
كما يمكن للتكنولوجيات الغامرة، مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، محاكاة سيناريوهات معقدة وعالية المخاطر تشبه الحياة الواقعية، مثل الاستجابة لحوادث الأمن السيبراني أو التصميم التعاوني للمنتجات.
وتستطيع المنصات الرقمية جمع ملاحظات الأقران ومؤشرات الأداء على نطاق واسع، بما يشجع التقييم التعاوني والتحسين المستمر.
كما يمكن لحلول الذكاء الاصطناعي التي تعمل دون اتصال دائم بالشبكة أو على الأجهزة الطرفية إزالة عوائق الوصول، وجعل أدوات التقييم المتطورة متاحة حتى في المناطق ضعيفة الاتصال أو النائية.
اجعل التقييم واقعياً
تسهل الشهادات الموحدة مقارنة المهارات وتوفر معايير معترفاً بها عبر الصناعات.
لكن هذه الشهادات تميل في كثير من الأحيان إلى التركيز على المعرفة النظرية والإجراءات بدلاً من المرونة والقدرة على حل المشكلات التي تتطلبها المهارات الرقمية في السياقات الواقعية.
ومن الأفضل تقييم المهارات الرقمية من خلال تقييمات واقعية قائمة على الأداء، مثل تحديات البرمجة والمسابقات التقنية وملفات المشاريع، لأنها تختبر ليس فقط القدرة التقنية، وإنما أيضاً الإبداع والعمل الجماعي والقدرة على التكيف.
كما يكمل التقييم الذاتي ومراجعة الأقران هذه الأساليب من خلال إبراز مهارات التعاون وتشجيع التعلم المستمر.
ولكل طريقة نقاط قوة ونقاط ضعف. فالمسابقات التقنية تتطلب موارد كبيرة وتقيس المهارات في لحظة زمنية واحدة فقط، بينما يمكن أن يفتقر التقييم الذاتي إلى الإنصاف والدقة.
إلا أن الجمع بين الشهادات الموحدة والمهام العملية وتقييم الأقران يتيح نظام تقييم أكثر توازناً وموثوقية لتلبية احتياجات المشهد التكنولوجي المتغير اليوم.
تتبّع طريقة التفكير، وليس النتائج فقط
نادراً ما تلتقط التقييمات المنفردة القدرة على التكيف والنمو، وهما عنصران أساسيان في تطوير المهارات الرقمية.
وتتيح ملفات الإنجاز الرقمية والمنصات الإلكترونية وسجلات التعلم المستمر للأفراد عرض مشاريعهم ومساهماتهم والملاحظات التي تلقوها بمرور الوقت، بما يظهر قدراتهم وتطور مهاراتهم.
ومع ذلك، تستمر تحديات تتعلق بالخصوصية وقابلية المقارنة والوصول، ويجب التعامل معها لضمان الإنصاف والشمول.
وإضافة إلى عرض النتائج الملموسة، يمكن لهذه الأدوات أيضاً توثيق كيفية حل الأفراد للمشكلات، واستجابتهم للملاحظات، وتحسنهم من خلال التكرار والتجربة.
ويوفر ذلك رؤى أكثر عمقاً حول كيفية تكيف المتعلم مع التحديات الجديدة ودمج الملاحظات في عمله المستقبلي.
وهذا أمر بالغ القيمة للمعلمين الساعين إلى تخصيص التعليم، ولأصحاب العمل الذين يرغبون في تحديد المرشحين الذين يجمعون بين الخبرة التقنية وعقلية النمو والمرونة.
ويمكن للتكنولوجيا أن تعزز بصورة كبيرة فاعلية أنظمة تقييم المهارات الرقمية.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع متابعة مسارات التعلم التي يختارها الفرد وتقديم توصيات مخصصة لتحسين تقدمه ومعالجة فجوات محددة لديه.
وبهذه الطريقة، يمكن للذكاء الاصطناعي إبراز أساليب حل المشكلات المبتكرة أو الفعالة بصورة خاصة، وضمان التعرف على الإنجازات الإبداعية والحلول الفريدة التي قد تمر دون ملاحظة في أطر التقييم التقليدية وتوثيقها.
كما تستطيع الرؤى المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحديد فرص تدريب مستهدفة لمن يحتاجون إلى مزيد من التطوير، وتوثيق المساهمات المتميزة لأصحاب الأداء المرتفع والاحتفاء بها.
ولتطبيق هذه المبادئ عملياً:
المعلمون: يمكنهم الشراكة مع قطاع الأعمال لتطوير تجارب تقييم واقعية قائمة على الأداء، بما في ذلك المسابقات التقنية والمشاريع المحاكاة والتدريب العملي، بحيث تعكس متطلبات أماكن العمل.
أصحاب العمل: يمكنهم التعاون مع أصحاب عمل آخرين داخل صناعاتهم وعبر صناعات مختلفة للتوافق على تقييمات معترف بها لمهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليلات لرسم خريطة للقدرات الرقمية للقوى العاملة.
الحكومات: يمكنها تطوير أطر وطنية لتقييم مهارات التكنولوجيا الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي وتعزيزها، والاستثمار في بنية تحتية متاحة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي للتقييم، ولا سيما في المناطق المحرومة أو ضعيفة الاتصال، وتحفيز التعاون بين قطاع التعليم والصناعة ومقدمي الشهادات من أجل توحيد ممارسات التقييم، ودعم الأبحاث والتجارب التي تختبر نماذج تقييم مبتكرة.
تطوير المهارات الرقمية
تتطلب المهارات الرقمية ممارسة مستمرة وملاحظات موجهة وبيئات داعمة.
ويحتاج المتعلمون إلى مهام عملية وإرشاد ومساحات آمنة يستطيعون فيها ارتكاب الأخطاء والتعلم منها.
كما أن التعاون والوصول إلى الموارد والدعم المستمر أمور حيوية لبناء المهارات الرقمية والاحتفاظ بها وتطبيقها في العالم الحقيقي.
إعطاء الأولوية لمهارات الاقتصاد الجديد
لم تعد المهارات الرقمية اختيارية، بل أصبحت محورية للابتكار والنمو والمرونة.
ولذلك يجب دمجها بصورة مقصودة في المناهج وبرامج التطوير المهني، ودعمها باستثمارات قوية والتزام استراتيجي واضح وتطبيق عملي مستمر.
ويجب تضمين فرص منظمة وعملية لبناء المهارات الرقمية وتطبيقها بما يتجاوز الإلمام الأساسي، سواء داخل أنظمة التعليم أو أماكن العمل.
ويتطلب ذلك دمجاً مقصوداً واستثماراً مستداماً وتطبيقاً عملياً، بدلاً من مبادرات مؤقتة تنفذ لمرة واحدة.
ومع ذلك، ما تزال مشكلات العرض تعرقل الاقتصادات العالمية.
ويتطلب سد هذه الفجوة تحولاً في طريقة التفكير، بحيث تُعامل المهارات الرقمية بوصفها بنية تحتية أساسية لا مجالاً متخصصاً محدوداً.
كما يعد مواءمة تطوير المهارات الرقمية مع معايير معترف بها في الصناعة، وتوفير بيئات تعلم تتيح الممارسة الحقيقية والتفكير، عاملين أساسيين.
ومن المهم بالقدر نفسه أن يلتزم القادة بالموارد على المدى الطويل، بما يضمن حصول المتعلمين على الأدوات والدعم وفرص التعلم المنظمة طوال حياتهم المهنية.
إنشاء مساحات آمنة
يتطلب تطوير المهارات الرقمية بيئات يستطيع فيها الأشخاص الفشل بأمان والتعلم من خلال التطبيق.
ويمكن للبيئات الآمنة التي تحاكي الأنظمة الحقيقية توفير مساحات واقعية للممارسة دون المخاطرة بإحداث أضرار.
وهنا يمكن للتكنولوجيا أن تساعد. فالذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة خصوم متطورين في مجال الأمن السيبراني، بما يتيح للمتعلمين اختبار دفاعاتهم في مواجهة تهديدات واقعية وقابلة للتكيف داخل بيئة آمنة.
وفي الوقت نفسه، يسمح الواقع الافتراضي للمشاركين بتقليص الفجوة بين النظرية والتطبيق من خلال خبرة عملية وتفاعلية.
كما تعد ثقافة الأمان النفسي مهمة.
فالأخطاء تتحول فيها إلى فرص قيمة للتعلم، ما يسمح للمتعلمين ببناء المرونة والثقة أثناء تجربة أدوات ومناهج وحلول رقمية جديدة.
تعزيز التعلم الهادف
تعد الخبرات الغامرة والعملية المرتبطة بهدف واضح ضرورية لتطوير مهارات رقمية حقيقية.
فأنشطة مثل المحاكاة التفاعلية، وبناء ملفات مشاريع البرمجة، وتمثيل السيناريوهات الرقمية، تتيح للمتعلمين التجريب وتطبيق معارفهم في مواقف واقعية والتعلم من الملاحظات المباشرة.
وعندما يرتبط التدريب بهدف واقعي، مثل محاكاة لهجوم سيبراني يدافع فيها المتعلمون عن تمثيل رقمي لمؤسستهم، يصبح الغرض من التدريب أكثر وضوحاً.
ولتطبيق هذه المبادئ:
المعلمون: يمكنهم إنشاء «بيئات تجريبية رقمية» أو مختبرات افتراضية يستطيع الطلاب فيها اختبار التعليمات البرمجية وإجراء عمليات محاكاة وحل تحديات واقعية بصورة آمنة، وتعزيز ثقافة تحتفي بالتجريب والتفكير، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لمحاكاة سيناريوهات رقمية معقدة للتعلم العملي.
أصحاب العمل: يمكنهم إنشاء بيئات تجريبية رقمية وبيئات محاكاة داخلية للابتكار الآمن، ورسم خريطة لفجوات المهارات الرقمية، وإدراج بناء المهارات ضمن استراتيجيات تطوير القوى العاملة، وربط برامج التدريب بأهداف أعمال ملموسة.
الحكومات: يمكنها إنشاء استراتيجيات وطنية للمهارات الرقمية تتوافق مع الأولويات الاقتصادية واحتياجات الصناعة، وتمويل شراكات بين القطاعين العام والخاص توسع الوصول إلى التدريب الرقمي المتقدم، ووضع معايير أخلاقية ومعايير سلامة لبيئات التعلم الرقمي.
اعتماد المهارات الرقمية
يمثل اعتماد المهارات الرقمية تحدياً لأن الاعتراف بها يجب أن يكون قوياً وقابلاً للنقل وموثوقاً عبر المناطق والقطاعات المختلفة.
وفي حين توجد مؤهلات راسخة ومعروفة، فإن أشكالاً أحدث مثل الاعتمادات المصغرة ما تزال تواجه مشكلات تتعلق بمحدودية قابلية نقلها وعدم اتساق الاعتراف بها.
وضع معايير مشتركة
تعد المؤهلات التقليدية مثل الدرجات الجامعية والشهادات مؤشرات موثوقة للكفاءة الرقمية، لكنها غالباً ما تقيس المعرفة النظرية بدلاً من التطبيق العملي.
وفي المقابل، تتزايد شعبية الاعتمادات المصغرة والشارات الرقمية والتزكيات بسرعة لإثبات المهارات في مجالات مثل تحليل البيانات والبرمجة والأمن السيبراني والشبكات.
وبفضل مرونتها وقابليتها للتجميع، تقدم هذه الاعتمادات مسارات أكثر مباشرة للتقدم التعليمي والمهني، لكنها ما تزال تحتاج إلى معايير عالمية وقبول واسع من أصحاب العمل.
كما أدى انتشار الاعتمادات الخاصة بموردين محددين أو بمؤسسات بعينها إلى تضخم عدد الشهادات وظهور مشهد مزدحم بمؤهلات متداخلة وغير واضحة.
ولذلك من الضروري إنشاء أطر تحقق عالمية ووطنية تضمن الاتساق وقابلية التشغيل البيني.
إثبات المهارة في التطبيق العملي
أفضل طريقة لإظهار الكفاءة الرقمية هي إظهار ما يستطيع الأشخاص فعله بالفعل.
فالأدلة العملية، مثل مستودعات البرمجيات المنتقاة والمشاريع الموثقة وملاحظات الأقران والمذكرات الرقمية، تقدم أدلة قوية على المهارات التطبيقية، لكنها كثيراً ما تفتقر إلى الاعتراف الرسمي.
ولتحسين عملية التحقق، تجمع النماذج الهجينة اليوم بين المؤهلات التقليدية واعتمادات معيارية قائمة على المهارات تركز على قدرات رقمية محددة وعلى التعلم مدى الحياة.
فعلى سبيل المثال، يستطيع المطور الجمع بين شهادة جامعية وملف من المشروعات مفتوحة المصدر التي يزكيها أقرانه.
كما تستطيع التكنولوجيات الناشئة زيادة المصداقية، إذ تتيح المنصات الرقمية والتحقق القائم على تقنيات السجلات الموزعة والشارات الذكية لأصحاب العمل والمؤسسات التأكد من صحة الإنجازات.
اعتماد ما يهم فعلاً
حتى تكون الاعتمادات الرقمية ذات معنى وقابلة للنقل، يجب أن تنقل بوضوح السياق والعملية والنتائج.
إضافة إلى ذلك، تتغير المهارات الرقمية التي يطلبها أصحاب العمل بصورة متكررة، ويطور موردو التكنولوجيا اعتماداتهم الخاصة على نطاق واسع، بينما تفشل المؤهلات التقليدية في أحيان كثيرة في التقاط اتساع القدرات العملية وعمقها.
وتوضح الشارات الغنية بالبيانات الوصفية وملفات الإنجاز كيف تم تطوير المهارات واختبارها وتطبيقها، بما يساعد أصحاب العمل والمعلمين على تفسير المؤهلات بدقة وضمان توافق المهارات مع احتياجات الصناعة ومعاييرها.
ويمكن للتكنولوجيات الناشئة أن تساعد في ذلك.
فالسجلات الرقمية الآمنة وملفات الإنجاز الإلكترونية تجعل الاعتمادات الرقمية قابلة للنقل وشفافة ويمكن التحقق منها عبر الحدود.
كما يمكن للشارات المشفرة والبيانات الوصفية المدمجة ربط الاعتماد بأدلة موثقة على التعلم والتقييم.
وتساعد الحلول التي تعمل دون اتصال كامل بالشبكة والحلول الهجينة على ضمان بقاء اعتماد المهارات الرقمية منصفاً ومتاحاً للجميع.
ولتطبيق هذه المبادئ:
المعلمون: يمكنهم إبراز الكفاءات الرقمية المحددة في السجلات الأكاديمية وأوصاف المقررات، وتشجيع المتعلمين على عرض مشاريعهم، والتنسيق مع قادة الصناعة بشأن المعايير.
أصحاب العمل: يمكنهم الاعتراف بملفات الإنجاز الرقمية وسجلات المهارات في التوظيف والترقية والتنقل الداخلي، والتعاون داخل الصناعات وعبرها لوضع معايير مشتركة للمهارات الرقمية.
الحكومات: يمكنها تطوير إرشادات ومعايير وطنية للاعتمادات الرقمية، وتحفيز استخدام الأدوات التي تجعل الاعتراف بالمهارات شفافاً وقابلاً للتتبع ومتاحاً للجميع.
الشروط الممكنة لبناء منظومة للمهارات الرقمية
لن تنجح هذه الأساليب إلا إذا دعمتها شروط تضمن الإنصاف والثقة.
أولاً، من الضروري ضمان وصول جميع المتعلمين، بغض النظر عن خلفياتهم، إلى فرص تطوير المهارات الرقمية وتقييمها والاعتراف بها.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحقيق المواءمة بين نتائج التعلم وممارسات التوظيف وآليات الاعتراف عبر الأنظمة المختلفة.
ويتعزز هذا الفهم المشترك من خلال تصميم التقييمات ومسارات التطوير والاعتمادات بطريقة تعترف بتنوع وجهات النظر الثقافية والمتعلقة بالنوع الاجتماعي، مع العمل النشط على الحد من التحيز.
ويعزز الشمول الثقة في الاعتراف بالمهارات الرقمية ويضمن ملاءمتها عبر القطاعات والحدود.
وأخيراً، ينبغي أن تعمل التكنولوجيا بوصفها عاملاً ممكناً، يوسع فرص الوصول، ويدعم التوسع، ويشجع على التأمل والتعلم.
ومن خلال دمج هذه المبادئ في أنظمة التطوير والتقييم والاعتماد، وربطها بشروط الإنصاف واللغة المشتركة وفهم السياق والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، تستطيع المجتمعات ضمان أن تكون المهارات الرقمية مرئية ومقدرة ومدعومة بما يخدم مستقبل العمل والتعلم مدى الحياة.
3. من المبادئ إلى التطبيق: تقييم مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية وتطويرها واعتمادها
تجسد دراسات الحالة التالية هذه المبادئ في الواقع.
وقد اختيرت كل حالة بناءً على توافقها مع مبدأ محدد، وتم تطويرها من خلال مزيج من المشاورات مع الخبراء والأبحاث المتعمقة.
وهي مجتمعة تسلط الضوء على مسارات عملية لبناء القدرات الرقمية والاعتراف بها عبر أنظمة التعليم والعمل والتعلم مدى الحياة.
ويعتزم المنتدى الاقتصادي العالمي مواصلة جمع أمثلة مبتكرة ومشاركتها من مؤسسات وحكومات وأنظمة تمنح قيمة لمهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية وتعترف بها.
وتوضح أربعة أمثلة واقعية أثر تطبيق استراتيجيات منظمة لبناء المهارات الرقمية، متوافقة مع أطر واضحة وعلى مستوى المؤسسة بأكملها.
دراسة الحالة الأولى: Check Point – تتبع طريقة التفكير وليس النتائج فقط في بيئات المحاكاة السيبرانية
السياق
تعيد Check Point التفكير في الطريقة التي يتعلم بها خبراء الأمن السيبراني من خلال السماح لهم بالتدرب داخل بيئات واقعية تتسم بضغط مرتفع.
ومن خلال ذراعها التعليمية، تستخدم الشركة بيئات محاكاة سيبرانية افتراضية تعيد تمثيل هجمات حقيقية، بهدف مساعدة المحللين على تحسين قدرتهم على اتخاذ القرار تحت الضغط.
وفي عام 2025، نظمت الشركة أول تحدٍ عالمي لها في بيئات المحاكاة السيبرانية، وهو حدث افتراضي جمع مشاركين من 11 دولة و12 جامعة.
واستخدمت الفرق منصة محاكاة للتحقيق في حوادث سيبرانية كاملة من بدايتها إلى نهايتها.
ويبين ذلك كيف يساعد التدريب العملي الغامر على بناء خبراء أمن سيبراني أقوى وأكثر ثقة من خلال تتبع الطريقة التي يفكر بها المحللون تحت الضغط، وليس فقط النتائج التي يتوصلون إليها.
وإلى جانب الفعاليات، توفر الشركة برامج تدريب وكتالوجاً موحداً للدورات بهدف تنظيم تطوير المهارات المتقدمة والحيوية للفرق والمؤسسات.
وخلال السنوات الأربع الماضية، درب البرنامج ما متوسطه 8,500 متعلم سنوياً، ووصل إلى أكثر من 34 ألف متخصص حول العالم.
النهج
صممت بيئة المحاكاة السيبرانية لإظهار كيفية تفكير الأشخاص أثناء حل المشكلة، وليس فقط ما إذا كانوا قد توصلوا إلى الإجابة الصحيحة.
ويبدأ المشاركون باستكشاف إحدى الشبكات، ثم ينتقلون خطوة بخطوة عبر عملية التحليل باستخدام أدوات الأمن السيبراني المعتادة.
وفي النهاية، يكتبون تقريراً يشرح قراراتهم والمفاضلات التي أجروها.
وخلال التمرين بأكمله، يسجل النظام ما يقومون به، والمعلومات التي يفحصونها، وكيفية اختبارهم لأفكارهم.
ويسمح ذلك للمدربين بتقييم التفكير والعمل الجماعي والتواصل إلى جانب النتائج التقنية.
وللحفاظ على اتساق التقييم، تستخدم الفرق إطاراً مشتركاً لربط ما تلاحظه بمجموعة متفق عليها من المهارات وأنواع التهديدات.
وينشئ ذلك لغة مشتركة للملاحظات ويساعد على مقارنة الأداء بصورة عادلة بين المجموعات.
النتائج
يطور المتعلمون عادة متكررة لحل المشكلات تقوم على التخطيط والتحقيق والشرح والتحسين.
ويتمكن المدربون من رؤية كيفية اتخاذ القرارات، وليس فقط ما إذا تم التوصل إلى الإجابة الصحيحة، وبالتالي يمكنهم تركيز التدريب حيث تكون الحاجة أكبر، مثل تكوين فرضيات جيدة، والتعامل مع الأدلة، والعمل مع الآخرين، والتواصل بوضوح.
ويساعد هذا النهج المحللين على اكتساب الثقة بصورة أسرع ويعزز ممارسات متسقة بين الفرق.
أما بالنسبة إلى المؤسسات، فيوفر هذا النموذج طريقة شبه تلقائية لقياس الجاهزية.
فالبيانات الناتجة عن التمارين، بما في ذلك نتائج المحاكاة ومعايير التقييم وملاحظات المراقبة، تشكل ملفاً للمهارات يستطيع القادة استخدامه لتوجيه قرارات توزيع الموظفين والإرشاد والاستثمار.
كما أن ربط التقييم مباشرة بالتدريب يقلل الوقت الفاصل بين اكتشاف فجوة في المهارات وبناء القدرة المطلوبة لمعالجتها.
والنتيجة هي مسار مستقر ومستعد للمستقبل من المواهب في الأمن السيبراني والتكنولوجيا الرقمية، الجاهزة للعمل في الخطوط الأمامية.
ويمتد أثر البرنامج من تعلم الأفراد إلى جاهزية المؤسسة بأكملها.
وخلال أربع سنوات، أظهر المشاركون:
تحسناً يصل إلى 40% في سرعة الاستجابة للحوادث بعد عمليات المحاكاة المتكررة.
دقة أعلى في تحليل الأسباب الجذرية واحتواء الحوادث.
تحسناً في تنسيق الفرق ووضوح التواصل.
ويصف المتعلمون بيئة المحاكاة بأنها أقرب ما يمكن إلى أزمة سيبرانية حقيقية.
كما يواصل أكثر من 75% من المشاركين التدريب عبر وحدات إضافية أو تحديات جماعية، بما يعزز ثقافة النمو المهني المستمر.
وتوفر الشركة للمؤسسات لوحة متابعة لقياس جاهزية المهارات تدمج البيانات السلوكية والنتائج التقنية وتحليلات التعلم.
ويمنح ذلك كبار مسؤولي أمن المعلومات وقادة الأمن رؤية لحظية حول مدى استعداد فرقهم، ويسمح لهم بما يلي:
تحديد فجوات القدرات وسدها بصورة أسرع.
مواءمة برامج التدريب مع التهديدات الواقعية.
تحسين الاستثمار في رأس المال البشري والمرونة السيبرانية.
دراسة الحالة الثانية: Censia – رؤية شاملة بزاوية 360 درجة لمهارات القوى العاملة
السياق
سعت إحدى شركات الاتصالات الأمريكية الكبرى إلى بناء رؤية حية تضع المهارات أولاً لفهم قدرات قواها العاملة، والكشف عن القدرات غير الظاهرة، وتسريع التنقل الوظيفي داخل المؤسسة.
وكانت الشركة تواجه مشكلة تتمثل في ملفات موظفين ثابتة تعتمد على المعلومات التي يدخلها الموظفون بأنفسهم، وكانت نسبة اكتمالها أقل من 10%.
وبالتالي، لم تستطع الشركة رؤية المهارات القريبة أو القابلة للتحويل لدى الموظفين، وخاصة في الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية.
وأطلق القادة مبادرة لاستبدال هذه الصور الجزئية وغير المكتملة برؤى آنية قائمة على الأدلة ومأخوذة من مصادر بيانات متعددة.
واسترشاداً بمبدأ «رؤية الإنسان بصورة كاملة»، سعى النهج إلى تحقيق توازن بين الكفاءات التقنية والقدرات البشرية، ومنح الموظفين دوراً في التحقق من صحة مهاراتهم، وإنشاء صورة أكثر ثراءً وديناميكية لإمكانات القوى العاملة.
النهج
مكنت Censia، وهي شركة متخصصة في ذكاء المواهب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، شركة الاتصالات من الاستفادة بصورة أكبر من إمكانات قواها العاملة من خلال تطبيق حل يثري ملفات الموظفين بمهارات يستنتجها الذكاء الاصطناعي ويجري التحقق منها مع مراعاة السياق.
وتستند هذه المهارات إلى بيانات الموظفين وتاريخ العمل والرؤى المستمدة من سوق العمل العالمي.
كما يقوم النظام بتقييم المهارات استناداً إلى خبرات الموظفين، بما في ذلك تاريخ الوظائف والمشاريع والإنجازات، ثم يتحقق منها بمقارنتها بالمعايير الداخلية ومعايير السوق.
ويراجع الموظفون كل مهارة يستنتجها النظام ويؤكدون دقتها وملاءمتها.
وبدأت المبادرة بتجربة مدتها ستة أسابيع شملت 4,700 موظف، حيث راجع المشاركون كل مهارة تمت إضافتها بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي وأكدوا دقتها وارتباطها بخبراتهم.
وساعدت عملية التحقق هذه على بناء الثقة وضمان الإنصاف عبر الفئات الديموغرافية والعائلات الوظيفية والمستويات التنظيمية المختلفة.
وأصبحت الملفات سجلات ديناميكية تتطور مع انتقال الموظفين إلى أدوار أو مشاريع أو تدريبات جديدة، وهو ما يقلل مشكلة تقادم بيانات المهارات.
كما أتاح التكامل مع نظام الموارد البشرية القائم للموظفين استكشاف كيفية ارتباط مهاراتهم بالمسارات المهنية المحتملة داخل المؤسسة.
وضمن الإثراء المدعوم بالذكاء الاصطناعي السرعة والدقة وقابلية التوسع على مستوى لا تستطيع العمليات اليدوية تحقيقه، ما وفر طريقة أكثر دقة وعدلاً وتمكيناً لإظهار القدرات الحقيقية للأفراد.
النتائج
أدت الملفات الأكثر ثراءً ودقة إلى زيادة بنسبة 26% في التنقل الداخلي للموظفين، مدفوعة بتحسن مطابقة الأشخاص بالوظائف وارتفاع طلبات الموظفين للتقدم إلى الوظائف الشاغرة داخل المؤسسة.
وأفاد الموظفون بأن المهارات التي استنتجها الذكاء الاصطناعي كانت دقيقة بنسبة تزيد على 85%، وأن التجربة جعلتهم يشعرون بأن قدراتهم مرئية ومقدرة وبأن أمامهم فرصاً جديدة.
وأدى توفير رؤية حية بزاوية 360 درجة للمهارات، تستند إلى الأداء الفعلي والتحقق وفق المعايير ومراجعة الموظف، إلى تعزيز مرونة القوى العاملة، وتحسين الإنصاف في القرارات المهنية، وتمكين المؤسسة من الاستجابة بثقة للاحتياجات المستقبلية من المواهب، مع خفض معدل الاستقالات الطوعية بصورة كبيرة.
وتوسعت التجربة لاحقاً لتشمل جميع موظفي الشركة في الولايات المتحدة البالغ عددهم 75 ألف موظف.
وخلال عام واحد، حققت المبادرة مكاسب تشغيلية كبيرة، إذ وفرت 65 ألف ساعة عمل، بما يعادل 29 مليون دولار من التكاليف العامة، من خلال أتمتة إثراء بيانات المهارات بدلاً من الاعتماد على إدخال الموظفين للبيانات يدوياً.
وأنشأ ذلك الأساس لسوق داخلية واسعة ومرنة للمواهب، تصبح فيها قدرات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية إلى جانب نقاط القوة البشرية مرئية ومقدرة، بما يسمح بإعادة توزيع الموظفين بثقة مع تغير الاحتياجات.
دراسة الحالة الثالثة: SkillsFuture Singapore – إعطاء الأولوية لمهارات الاقتصاد الجديد من خلال نظام قائم على البيانات والمهارات أولاً
السياق
تعمل مبادرة SkillsFuture Singapore على بناء اقتصاد يضع المهارات أولاً من خلال وضع معلومات سوق العمل ولغة مشتركة للمهارات في صميم تطوير القوى العاملة.
وتُستخدم مجموعات البيانات العامة والتصنيفات المشتركة وإشارات أصحاب العمل لتحديث قائمة المهارات الأكثر أهمية بصورة مستمرة، بحيث تظل استثمارات المتعلمين ومقدمي التدريب والشركات متوافقة مع الطلب سريع التغير في الاقتصاد الرقمي.
النهج
تحول بوابة الوظائف والمهارات التابعة للمبادرة معلومات سوق العمل إلى إرشادات قابلة للتطبيق بشأن أحدث اتجاهات الأعمال، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا الرقمية، وتسلط الضوء على المهارات القابلة للنقل والمرتفعة الطلب حتى يعرف المتعلمون ومقدمو التدريب ما الذي ينبغي تطويره تالياً.
كما توضح التوقعات المتعلقة بكل وظيفة من خلال عرض التكنولوجيات التي يطلبها أصحاب العمل حالياً، بما في ذلك مجموعة فرعية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتظهر البيانات أن هذه المتطلبات تتركز بصورة خاصة في تكنولوجيا المعلومات بنسبة 29%، والهندسة بنسبة 12%، والبحث بنسبة 7%، ما يسمح للأفراد بمقارنة مهاراتهم ومستوى إتقانهم للأدوات مع متطلبات السوق وتعديل خطط رفع المهارات وفقاً لذلك.
وخلال الفترة من 2019 إلى 2023، ارتفع الطلب بأسرع وتيرة على الأدوات الداعمة للذكاء الاصطناعي والتقنيات السحابية، ما أعطى المؤسسات والجهات التعليمية أهدافاً واضحة لتحديث المقررات وبرامج تطوير المواهب.
وتسهم البوابة في إتاحة البيانات والرؤى للجميع، من الأفراد والشركات إلى المؤسسات التعليمية ومقدمي التدريب.
وإلى جانب الرؤى المتعلقة بأحدث المهارات والتكنولوجيات المطلوبة في مختلف الوظائف، توجد أدوات تتناول التنقل الوظيفي والمسارات المهنية تجمع بين تشابه المهارات والطلب المرتبط بالأجور وسجل الانتقالات الوظيفية من أجل إبراز تحركات مهنية عملية نحو وظائف تتمتع بآفاق نمو جيدة وفرص للتنقل المهني، بما في ذلك الوظائف كثيفة التكنولوجيا.
والأهم من ذلك، توضح الأدوات المهارات اللازمة للانتقال إلى الوظائف الجديدة والدورات التدريبية المناسبة عندما تكون إعادة التأهيل ضرورية، ما يوسع فهم الأفراد لخيارات التعلم والمسارات المهنية الواقعية.
ويستند نظام معلومات الوظائف والمهارات القائم على البيانات إلى إطار موحد للمهارات تم تطويره واعتماده عبر قطاعات مختلفة من الاقتصاد، بما يسمح للأفراد وأصحاب العمل ومقدمي التدريب بتحديد التدخلات المناسبة لتطوير المهارات سواء داخل القطاع الواحد أو بين القطاعات.
ولدعم أصحاب العمل والشركات، تعين المبادرة قادة من الصناعات المختلفة ليعملوا بوصفهم جهات محورية للمهارات.
وقد عُيّن 37 من هؤلاء القادة حتى الآن للعمل كنقاط ارتكاز قطاعية تجمع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتقدم الاستشارات المتعلقة بالمهارات، وتنظم التدريب ومشاريع إثبات المفهوم، بما يساعد على نشر القدرات الرقمية ذات الأولوية عبر شبكات الشركات.
وانطلاقاً من فرصة دمج التغيير في منظومة أصحاب العمل بأكملها، كلفت سنغافورة هؤلاء القادة بدفع التبني لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة من الداخل، وتحويل إشارات السوق إلى إجراءات عملية خاصة بكل قطاع.
وعلى مستوى الصناعة، تستخدم الجهات الشريكة معلومات سوق العمل القائمة على البيانات لتحديد المهارات الناشئة، والمشاركة في تطوير حلول التدريب، وتعزيز الاعتراف بالمهارات من خلال مسارات مهنية منظمة قائمة على المهارات.
فعلى سبيل المثال، حدد أحد الشركاء الأمن السيبراني والحوسبة السحابية بوصفهما اتجاهين رئيسيين، وأطلق مسارات مهارية متخصصة لتلبية احتياجات الصناعة.
كما أقام شريك آخر تعاوناً مع جامعة محلية لإطلاق سلسلة من البرامج التي تهدف إلى رفع مهارات تطبيق الذكاء الاصطناعي في الأعمال لدى المؤسسات السنغافورية.
النتائج
يتمكن المتعلمون من العثور على الدورات المناسبة بسرعة أكبر، ويهدرون وقتاً واعتمادات تعليمية أقل، ويحصلون على مؤهلات معترف بها وقابلة للتجميع تؤدي إلى وظائف توفر فرص تنقل حقيقية بين القطاعات.
وفي عام 2024، تلقى 550 ألف شخص تدريباً بدعم من المبادرة، كما ارتفعت المشاركة في دورات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتسويق الرقمي بصورة كبيرة من 34 ألف مشارك في عام 2023 إلى 96 ألفاً في عام 2024.
وينتقل أصحاب العمل من التوظيف التفاعلي بعد ظهور الحاجة إلى تخطيط قائم على المهارات، كما تتحسن مطابقة الوظائف بالمهارات، ويرتفع التنقل الداخلي، وينخفض الاعتماد على التوظيف الخارجي.
كما يقوم مقدمو التعليم بتحديث محافظ البرامج بصورة أكثر تواتراً لأنهم يستطيعون رؤية المهارات المطلوبة في السوق، وهو ما يزيد ملاءمة برامجهم وثقة أصحاب العمل فيها.
وفي عام 2024، تواصلت شبكة القادة القطاعيين مع أكثر من 5,200 شركة، كان 80% منها من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وانخرطت هذه الشركات لاحقاً في تدريبات مدعومة تم تنظيمها وتقديمها من خلال الشبكة.
وتستند هذه التدريبات إلى معلومات سوق العمل وتحول الرؤى إلى تطبيق عملي من خلال برامج مثل الدروس الرقمية المتقدمة، والإرشاد في مجال الذكاء الاصطناعي، ومشاريع إثبات المفهوم التكنولوجية التي تسرع بناء القدرات في الميدان.
وفي عام 2024 أيضاً، دعم عدد أكبر من أصحاب العمل مشاركة موظفيهم في برامج التدريب، إذ وصل العدد إلى 24 ألف مؤسسة مقارنة بـ23 ألفاً في عام 2023، فيما شارك 241 ألف موظف مقارنة بـ228 ألفاً في العام السابق.
كما أدت زيادة جودة التدريب وملاءمته إلى ارتفاع رضا المتعلمين، إذ أكد أكثر من 84% ممن شملهم المسح أن التعلم والرؤى التي اكتسبوها كانت قابلة للتطبيق في وظائفهم، مقارنة بـ78% في عام 2023.
وعلى مستوى المنظومة الأوسع، تساعد الرؤى المنتظمة والعامة حول المهارات على توحيد الأطراف حول أولويات مشتركة وتوجيه الاستثمار إلى المجالات التي يحقق فيها أكبر أثر.
وبذلك تتدفق الموارد نحو الأولويات، ويتم سد الفجوات في وقت أبكر، وتتوسع الشراكات، ما ينشئ حلقة متجددة ذاتياً تبدأ بالمعلومات، ثم الأدوات، ثم الاختيارات، ثم النتائج، ثم المعلومات المحدثة، وتحافظ على تركيز البلاد على مهارات الاقتصاد الجديد التي تدفع النمو والقيمة.
دراسة الحالة الرابعة: تحويل استراتيجية المهارات والتعلم بالذكاء الاصطناعي إلى ممارسة فعلية
السياق
تعمل EY على بناء مؤسسة جاهزة للذكاء الاصطناعي من الداخل إلى الخارج من خلال تمكين موظفيها من استخدام الذكاء الاصطناعي بثقة ومسؤولية، وتعزيز جودة الخدمات الأساسية وفتح مجالات جديدة لخدمات العملاء.
والهدف واضح: ممارسة مهارات الذكاء الاصطناعي وبناؤها والاعتراف بها في الوقت الفعلي، وليس مجرد تتبع معدلات إكمال الدورات.
وتجعل الاستراتيجية المهارات مرئية وقابلة للنقل بين المناطق الجغرافية وخطوط الخدمات من خلال الجمع بين التعلم المرتبط بالوظيفة، والاعتمادات المدعومة بأدلة، والمعايير الواضحة للاستخدام المسؤول.
النهج
يتيح ملف المهارات ربط الاعتمادات بأدلة العمل، ويتطلب إظهاراً واضحاً لكيفية تطبيق المهارة، كما يشجع على نهج «التعلم من خلال الممارسة».
ويتقدم المتعلمون عبر مسارات مرتبطة بأدوارهم تجمع بين الأساسيات والوحدات التطبيقية وحتى المشاريع الخاضعة للإشراف.
وتشمل المخرجات التعليمات البرمجية والتحليلات والأوامر والوكلاء والكتابات وعمليات المحاكاة الآمنة للعملاء.
ويتم ربط هذه المخرجات بإطار للمهارات والتحقق من أن استخدامها كان ذا معنى قبل منح شارات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالمؤسسة.
وتكون هذه الشارات قابلة للنقل في جميع أنحاء المؤسسة، ويمكن تجميعها لتكوين مسارات تعليمية ممولة من المؤسسة تصل إلى مستوى الدرجات الأكاديمية.
النتائج
تعمل منظومة تعلم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتحقق نتائج قابلة للقياس.
فخلال السنة المالية 2025، أكمل الموظفون 25 مليون ساعة تعلم، بمتوسط 61 ساعة للفرد، مدعومة باستثمار قدره 442 مليون دولار في التعلم.
ووصل برنامج مصمم لمنح الأفراد تعلماً عملياً باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه «شريكاً في التفكير» إلى أكثر من 200 ألف شخص، ما أنشأ مستوى أساسياً مشتركاً للاستخدام الآمن والفعال.
كما أصبحت خبرة الذكاء الاصطناعي واسعة الانتشار عالمياً ومتينة وتواصل النمو.
وقد تم منح أكثر من 100 ألف شارة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهناك 90 ألف شارة أخرى قيد الإنجاز، إلى جانب قاعدة أوسع تضم أكثر من 650 ألف شارة في مختلف مهارات المستقبل.
وتعمل هذه الاستراتيجية الاستباقية والقوية للتعلم على توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي وتمنح القادة اعتمادات قابلة للتحقق تساعدهم على تشكيل فرق مشاريع الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع وتوجيه التدريب إلى المجالات الأكثر حاجة.
وعند مقارنة معدلات بناء مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ببيانات الصناعة، تظهر النتائج أن المؤسسة تطور هذه المهارات بما يقارب ضعف معدل المؤسسات الأخرى وعلى نطاق أوسع.
وفي السنة المالية 2025، سجلت المؤسسة أيضاً زيادة سنوية بنسبة 30% في الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع تطبيق هذه المهارات في العمل اليومي.
