تمهيد
يسرّنا أن نصدر نسخة هذا العام من بارومتر التعاون العالمي.
تأتي هذه النسخة الثالثة في وقت يشهد فيه العالم تحولات عالمية بالغة الأهمية، حيث لا يسعى القادة حول العالم إلى مواكبة التطورات العالمية السريعة فحسب، بل أيضًا إلى فهم تداعياتها بصورة أفضل، واستباق ما قد يحدث لاحقًا والمساهمة في تشكيله.
وتتغذى حالة عدم اليقين وصعوبة التنبؤ بالمستقبل من تغيرات تاريخية تحدث على جبهات متعددة. فالهياكل الاقتصادية تشهد تحولًا مع تزايد تأثير الاعتبارات السياسية والجيوستراتيجية في الديناميكيات الجديدة للتجارة. وبالمثل، تخضع معادلة الاستقرار لإعادة النظر، في ظل تأثير ديناميكيات القوة الجديدة في الحسابات الأمنية في عدة مناطق. وإضافة إلى ذلك، تستعد الأنظمة التكنولوجية لإعادة تشكيل أسواق العمل والمجتمعات، بما تتيحه من فرص وما تطرحه في الوقت نفسه من مخاطر جديدة. وتدفع هذه الديناميكيات كثيرًا من الدول إلى توجيه اهتمام أكبر نحو الداخل وإعادة النظر في رؤيتها العالمية من منظور محلي.
وفي خضم هذا السياق المعقد، تبقى هناك حقيقة مؤكدة واحدة: إن الأساليب التعاونية ضرورية للنهوض بمصالح الشركات والدول والعالم.
ويُظهر بارومتر التعاون العالمي لهذا العام كيف يبدو التعاون في المشهد الراهن الذي يتغير باستمرار: فهو أصبح أكثر تخصيصًا، وأكثر ارتباطًا بالمصالح، والأهم من ذلك أنه لا يزال قائمًا.
وهذه النقطة الأخيرة تستحق التأكيد بصورة خاصة. فالبارومتر يخلص إلى أنه رغم الرياح المعاكسة القوية، لا يزال التعاون يحدث، وإن كان يتخذ أشكالًا مختلفة عن تلك التي عرفناها في الماضي. وربما تستند قدرة التعاون على الصمود، حتى وإن لم يبلغ المستويات المطلوبة، إلى إدراك مشترك حول العالم بأن التعاون أمر منطقي ومفيد.
فالسبيل الوحيد لتحقيق نمو اقتصادي واسع النطاق، والاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن العالمي، يمر عبر العمل المنسق والمتوافق.
وتكمن المفارقة في أنه في وقت تتسارع فيه وتيرة التغيير بهذا الشكل، فإن تطوير أساليب جديدة ومبتكرة للتعاون يتطلب إعادة التركيز على بعض الأساسيات، وفي مقدمتها مضاعفة الجهود من أجل الحوار.
وهذا العنصر الأساسي في التعاون، أي الانخراط المنفتح والصريح والبنّاء، بات معرضًا للتراجع، إذ تحل محله أحيانًا بيانات أحادية الاتجاه هدفها تثبيت المواقف وترسيخها بدلًا من تحقيق التقدم. ولا يمكن إحراز تقدم في مواجهة الأولويات العالمية إلا إذا بدأ الأطراف أولًا بالتحدث بعضهم مع بعض بحثًا عن أرضية مشتركة.
وانطلاقًا من ذلك، يقدم المنتدى الاقتصادي العالمي وماكنزي آند كومباني هذه النسخة من بارومتر التعاون العالمي. ويمنح التقرير أصحاب المصلحة رؤية حول كيفية حدوث التعاون في الوقت الراهن، وما يمكن للقادة القيام به لدفع التعاون إلى الأمام في عصر يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين.
بورغه برينده
الرئيس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي
بوب ستيرنفيلز
الشريك الإداري العالمي في ماكنزي آند كومباني
يناير 2026
الملخص التنفيذي
التعاون العالمي يحافظ على استقراره، لكن شكله يتطور
ظل المستوى العام للتعاون في بارومتر التعاون العالمي لعام 2026 دون تغير كبير مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن تركيبة هذا التعاون تبدو في طور التحول.
وكان الضعف الأكبر من نصيب المؤشرات المرتبطة بالتعددية الدولية. وفي المقابل، استمرت المؤشرات التي تتيح العمل من خلال ترتيبات تعاون أصغر وأكثر مرونة في النمو، بما في ذلك خلال عام 2025، مثل تدفقات البيانات، وتجارة الخدمات، وبعض تدفقات رأس المال.
وتظهر هذه الديناميكيات في كل ركيزة من الركائز الخمس للبارومتر:
– استقر التعاون في التجارة ورأس المال. ظل التعاون أعلى من مستويات عام 2019، لكن تركيبته آخذة في التغير. فقد نمت أحجام تجارة السلع، وإن بوتيرة أبطأ من الاقتصاد العالمي، كما بدأت التدفقات تتحول بصورة متزايدة نحو الشركاء الأكثر تقاربًا من حيث التوجهات. وتُظهر الخدمات وبعض تدفقات رأس المال زخمًا، ولا سيما بين الاقتصادات المتقاربة، خصوصًا عندما يمكن لتلك التدفقات أن تسهم في تعزيز القدرات المحلية. وبينما يواجه النظام التجاري العالمي متعدد الأطراف حواجز متزايدة، تتعاون مجموعات أصغر من الدول من خلال مبادرات مثل شراكة مستقبل الاستثمار والتجارة.
– ارتفع التعاون في الابتكار والتكنولوجيا بهدف فتح المجال أمام قدرات جديدة، حتى في ظل تشديد القيود. فقد زادت تدفقات خدمات تكنولوجيا المعلومات والمواهب، وأصبح عرض النطاق الترددي الدولي أكبر بأربع مرات مما كان عليه قبل جائحة كوفيد-19. وفي المقابل، توسعت القيود المفروضة على تدفقات الموارد والتكنولوجيات والمعارف الحيوية، ولا سيما، وإن لم يكن حصريًا، بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، ظهرت أشكال جديدة من التعاون، بما في ذلك التعاون بين الدول المتقاربة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس وغيرها من التقنيات المتقدمة.
– نما التعاون في المناخ ورأس المال الطبيعي، لكنه ما زال دون مستوى الأهداف العالمية. فقد حفّزت الزيادة في التمويل وسلاسل الإمداد العالمية نشر التقنيات النظيفة، التي بلغت مستويات قياسية بحلول منتصف عام 2025. وبينما استحوذت الصين على ثلثي الإضافات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية، عززت اقتصادات نامية أخرى مساهماتها. ومع ازدياد صعوبة المفاوضات متعددة الأطراف، تعمل مجموعات من الدول، مثل الاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، على الجمع بين أهداف إزالة الكربون وأهداف أمن الطاقة.
– ظل التعاون في الصحة والعافية مستقرًا، وتمكنت النتائج الصحية من الصمود حتى الآن، لكن المساعدات تتعرض لضغوط شديدة. ولم ينخفض المستوى العام للتعاون في هذه الركيزة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرار تحسن النتائج الصحية بعد انتهاء جائحة كوفيد-19. ولكن رغم صمود هذه النتائج، فإن هذا الاستقرار يخفي هشاشة متزايدة. فقد أدت الضغوط على المنظمات متعددة الأطراف إلى تآكل تدفقات الدعم، وتراجعت المساعدة الإنمائية للصحة بصورة حادة، مع مزيد من التشديد خلال 2025، وكان التأثير الأشد على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
– استمر التعاون في السلام والأمن في التراجع، إذ هبط كل مؤشر من المؤشرات التي يتابعها البارومتر إلى ما دون مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19. وتصاعدت النزاعات، وارتفع الإنفاق العسكري، وواجهت آليات التسوية العالمية متعددة الأطراف صعوبات في خفض حدة الأزمات. وبحلول نهاية عام 2024، بلغ عدد الأشخاص المهجرين قسرًا رقمًا قياسيًا وصل إلى 123 مليون شخص حول العالم. ومع ذلك، فإن تصاعد الضغوط يخلق دافعًا لزيادة التعاون، بما في ذلك من خلال آليات حفظ السلام الإقليمية.
ونظرًا إلى أن التحديات الأساسية والفرص المهمة لا يمكن لأي دولة بمفردها التعامل معها، ينبغي للقادة توقع التحولات والتحرك بصورة استباقية من أجل «إعادة رسم خريطة» الانخراط الدولي، وتعزيز القدرة على الصمود من خلال بناء قدرات جديدة، والعثور على منتديات جديدة للتعاون، مع اختيار الصيغة الأنسب لكل قضية.
عن بارومتر التعاون العالمي
يتمحور بارومتر التعاون العالمي حول خمسة أبعاد للترابط العالمي: التجارة ورأس المال، والابتكار والتكنولوجيا، والمناخ ورأس المال الطبيعي، والصحة والعافية، والسلام والأمن.
وقد اختيرت هذه الركائز الخمس لما لها من تأثير في التنمية العالمية واعتماد واضح على الجهود التعاونية بين الدول والاقتصادات.
وكعنصر إرشادي في التحليل، حدد البارومتر مجموعة من الأهداف التي تسعى الجهات المختلفة إلى تحقيقها في كل واحد من هذه المجالات. وفي ذلك، يستلهم البارومتر أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجهود مؤسسات عالمية أخرى.
ولقياس حجم التغير في هذه الركائز، جرى تحديد 41 مؤشرًا تشير الأبحاث إلى أنها تمثل إما إجراءات تعاونية تدفع التقدم نحو أهداف الركائز، أو نتائج واسعة النطاق ناتجة عن تلك الإجراءات.
وتقيس مؤشرات العمل التعاوني الإجراءات التي تقدم دليلًا فعليًا على وجود التعاون. فمؤشرات مثل تدفقات السلع وتبادل الملكية الفكرية تمثل أدلة على تعاون حقيقي وملموس، ولا تشمل مجرد الالتزامات الموجودة «على الورق».
أما مؤشرات النتائج، مثل متوسط العمر المتوقع، فتقيس التقدم الناتج عن التعاون، لكنها تتأثر عادة بعوامل أخرى إضافية تتجاوز التعاون نفسه.
وتغطي المؤشرات دولًا في جميع المناطق الجغرافية وعلى مختلف مستويات التنمية. ويدرس البارومتر الفترة من 2012 إلى 2024 من أجل تحديد مسار تطور التعاون.
ويجعل البارومتر بيانات عام 2020 نقطة الأساس للمؤشر لسبب محدد: فعندما بدأت جائحة كوفيد-19 في الانتشار، سرّعت عددًا كبيرًا من الاتجاهات القائمة بالفعل في قطاع الأعمال والمجتمع، كما أطلقت عددًا من الاتجاهات الجديدة. ومن ثم فإن اعتماد 2020 نقطة أساس للسلاسل الزمنية يساعد على إبراز الاتجاهات التي كانت قائمة قبل الجائحة وتلك التي ظهرت نتيجة لها.
وقد عُكست اتجاهات بعض المؤشرات بحيث يمثل أي ارتفاع فيها تطورًا إيجابيًا.
ورغم أن هذه الأداة ليست مثالية وهي بالضرورة غير مكتملة، فإنها تقدم نظرة عامة على التعاون العالمي تجمع بين رصد الاتجاهات الواسعة وتحديد الفروق والتفاصيل المهمة.
وتشمل نسخة هذا العام نتائج مسحين.
جُمع مسح بارومتر التعاون العالمي خلال الفترة من 1 سبتمبر إلى 26 سبتمبر 2025 من شبكة مجالس المستقبل العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي عبر منصة إلكترونية. وتلقى أعضاء الشبكة الحاليون خلال دورة 2025-2026، وكذلك من شاركوا في أحد المجالس خلال دورة 2023-2024 السابقة، دعوة للمشاركة في المسح. ومن أصل 224 إجابة تم تلقيها، استُخدمت 171 إجابة استنادًا إلى درجة اكتمالها.
وأُجري مسح ثانٍ عبر الإنترنت باستخدام لجنة عالمية خاصة بماكنزي تضم مسؤولين تنفيذيين في قطاعات مختلفة، واستمر من 27 أغسطس حتى 5 سبتمبر 2025. وجمع هذا المسح إجابات من 799 مشاركًا في 81 اقتصادًا، يمثلون مختلف المناطق والقطاعات وأحجام الشركات والتخصصات الوظيفية ومستويات الخبرة.
وفيما يلي المنهجية المستخدمة لقياس مؤشرات بارومتر التعاون العالمي.
التغطية البيانية
الجغرافيا: يهدف البارومتر في جميع المؤشرات إلى جمع بيانات على المستوى العالمي. وفي معظم الحالات يتوفر متوسط عالمي مرجّح. وعندما لا يتوفر هذا المتوسط، تُستخدم البيانات الأكثر شمولًا المتاحة، مثل بيانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو عينة من الدول التي تتوفر عنها بيانات لجميع السنوات.
السنوات: رغم أن البارومتر يقيس التعاون خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2024، فإن بعض المؤشرات لا تتوفر عنها بيانات لجميع السنوات. وتتوفر بيانات عام 2020 لجميع المؤشرات لضمان إمكانية احتساب مسار الاتجاه المؤشر.
احتساب المؤشر
من أجل تقييم التعاون العالمي بصورة عادلة ومقارنة الاتجاهات الخاصة بمؤشرات الإجراءات والنتائج عبر الركائز الخمس، يستخدم بارومتر التعاون العالمي المنهجية التالية:
– الاتجاهات المؤشرة: تُستخدم بيانات عام 2020 كسنة أساس لإنشاء اتجاهات قابلة للمقارنة، بحيث تكون جميع القيم في عام 2020 مساوية للرقم واحد. ويشكل هذا التوحيد لسنة الأساس قاعدة احتساب الدرجات، ويوفر نقطة مرجعية موحدة لجميع المؤشرات، بما يسمح بالمقارنة بينها رغم اختلاف الوحدات ومجموعات البيانات.
– تطبيع البيانات: حيثما أمكن، تُطبع المؤشرات لضمان تقييم اتجاهاتها بصورة مستقلة عن آثار النمو الاقتصادي أو التغيرات السكانية. فعلى سبيل المثال، يجري تطبيع التجارة ورأس المال وغيرها من التدفقات المالية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين يجري تطبيع مؤشرات الهجرة مقارنة بعدد سكان العالم.
– الترجيح: تتضمن كل ركيزة مؤشرين: مؤشر الإجراءات ومؤشر النتائج. وللوصول إلى كل منهما، تُمنح المؤشرات الفرعية أوزانًا متساوية، أي إن مؤشر الإجراءات يمثل متوسطًا بسيطًا للمؤشرات التي تقيس الإجراءات التعاونية. ويُحتسب المؤشر الإجمالي للركيزة باعتباره متوسط مؤشري الإجراءات والنتائج. كما تُحسب المؤشرات الإجمالية عبر مختلف الركائز باعتبارها متوسطًا بسيطًا لمؤشرات الركائز، بما يعني استخدام أوزان متساوية للركائز.
ملاحظة حول النهج التحليلي
تماشيًا مع النسخ السابقة من بارومتر التعاون العالمي، تستخدم هذه النسخة بيانات تعود إلى عامين قبل تاريخ النشر، باعتبارها أحدث سنة تتوفر عنها بيانات شاملة.
لكن نظرًا إلى التطورات السريعة في جميع المجالات التي يغطيها البارومتر، يكمل تقرير هذا العام نتائج 2024 ببيانات أحدث من عام 2025 حيثما كانت متاحة، سواء من خلال بيانات جزئية للسنة أو توقعات.
مقدمة: تطور التعاون العالمي
في وقت يواجه فيه التعاون العالمي متعدد الأطراف تحديات متزايدة، تظهر تحالفات تعاونية أصغر وأكثر قدرة على التكيف
مع تبلور حقبة عالمية جديدة، تتعرض التعددية الدولية لضغوط، حتى مع استمرار التعاون العالمي في تحقيق نتائج في بعض المجالات الرئيسية.
وشهد العالم استمرار حالة التجزؤ مع تصاعد الحواجز التجارية، وبقاء مستويات انعدام الثقة مرتفعة، واستمرار التوترات الجيوسياسية كعامل ضاغط دائم. واشتدت النزاعات في مناطق متعددة، ووصل النزوح القسري إلى مستويات قياسية.
وفي هذا السياق المقلق، ظل القياس الإجمالي للتعاون وفق بارومتر التعاون العالمي مستقرًا إلى حد كبير.
وقد لا تكون الضغوط التي يتعرض لها النظام العالمي للتعاون مفاجئة، لكن قدرة التعاون الإجمالية على الصمود قد تكون كذلك.
فبينما تراجع إلى حد كبير التعاون المرتبط بالتعددية العالمية، الذي يعتمد على أهداف وإجراءات مشتركة غالبًا ما يجري تنفيذها عبر المؤسسات الدولية، استمر التعاون من خلال تحالفات بديلة، غالبًا ما تتميز بالمرونة وتصمم لتحقيق أغراض محددة.
والأهم أن التعاون بين مجموعات أصغر من الدول استمر، إذ ما زالت الاقتصادات تجد قيمة في العمل بعضها مع بعض من خلال شراكات عملية ومرنة وقائمة على المصالح.
وغالبًا ما يطلق على هذه الديناميكية اسم «التعاون المصغر متعدد الأطراف»، وأحيانًا «التعاون متعدد الأطراف المحدود».
والنتيجة هي أن التعاون بعيد كل البعد عن الاختفاء.
فمن خلال متابعة 41 مؤشرًا فرديًا، يوضح البارومتر كيف يتكيف التعاون مع السياق الجديد. ولا تزال معظم مؤشرات التعاون أعلى من مستويات عام 2019، كما تظهر جميع الركائز، باستثناء السلام والأمن، زخمًا إيجابيًا قويًا في بعض المجالات على الأقل.
وتشير الأدلة إلى استمرار هذه الاتجاهات خلال عام 2025.
وعند النظر بصورة أكثر تفصيلًا، يظهر البارومتر ارتفاع مستويات التعاون في ركيزتي الابتكار والتكنولوجيا والمناخ ورأس المال الطبيعي، وغالبًا ما يحدث ذلك في المجالات التي تتقارب فيها المصالح المحلية أو الحوافز الاقتصادية مع الأهداف العالمية.
ففي مجال الابتكار والتكنولوجيا، عززت تدفقات البيانات عبر الحدود والخدمات الرقمية التعاون، في وقت تتسابق فيه الدول لتوسيع قدراتها استعدادًا لعصر جديد من الاقتصادات المدفوعة بالتكنولوجيا.
أما في المناخ ورأس المال الطبيعي، فقد أتاحت التطورات في التمويل والتجارة العالمية نشر مزيد من الطاقة النظيفة ووسائل النقل الكهربائية، وخاصة في المناطق التي تلاقت فيها أهداف خفض الانبعاثات وتحسين القدرة على تحمل التكاليف وتعزيز أمن الطاقة.
وتظهر ركيزة التجارة ورأس المال حالة من استقرار التعاون. فرغم بقائها فوق مستوى عام 2019 ووجود زخم في الخدمات وتدفقات رأس المال، تعرضت تجارة السلع لضغوط ناجمة عن النزعات الحمائية.
ومع ذلك، فمن اللافت أن التجارة لا تتراجع بدرجة كبيرة، بل يعاد تشكيلها عبر شركاء مختلفين.
أما استقرار التعاون في مجال الصحة والعافية فينطوي أيضًا على ديناميكيات متميزة. فقد بقيت معظم النتائج الصحية أعلى من مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19.
لكن هذه النتائج تعكس تطورات طويلة الأجل، وقد تنعكس اتجاهاتها في المستقبل. كما أدت الضغوط الواقعة على المنظمات متعددة الأطراف إلى تآكل المساعدات الإنمائية، وهو ما يزيد بدرجة كبيرة العبء الواقع على الميزانيات المحلية ويخلق تحديات لمستقبل الصحة في المناطق الأكثر ضعفًا.
وتبرز ركيزة السلام والأمن باعتبارها الأكثر تراجعًا، إذ تقع جميع مؤشراتها دون مستويات ما قبل الجائحة. وتشهد هذه الركيزة تدهورًا حادًا مع تصاعد التوترات العالمية وعجز الآليات متعددة الأطراف عن معالجة النزاعات.
لماذا يتطور التعاون؟
تراكمت الضغوط على المؤسسات والترتيبات الداعمة للتعاون العالمي متعدد الأطراف على مدى أكثر من عقد ونصف.
فقد أعقبت الأزمة المالية العالمية عام 2008 فترة طويلة من تزايد عدم الرضا عن النظام الدولي المعولم، إلى جانب تباطؤ نمو حصة التجارة والتمويل عبر الحدود من الاقتصاد العالمي.
وإذا كانت السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية مباشرة قد شكلت فترة تخمر فيها نوع من الفتور تجاه التعاون، فإن السنوات الخمس الأخيرة حملت سلسلة من الصدمات الحادة التي وضعت فكرة التعددية العالمية نفسها تحت الاختبار.
فقد هزت الجائحة، والصراع بين روسيا وأوكرانيا وما ترتب عليه من صدمة في أسواق الطاقة، وتصاعد النزاعات في مناطق متعددة، والسياسات التجارية الأكثر تدخلًا، العديد من الأعراف والأنظمة الراسخة التي كان التعاون العالمي يعتمد عليها.
وعمقت هذه الصدمات النقاشات حول كيفية تحقيق التوازن بين الضرورات المحلية والأهداف المشتركة، بدءًا من خفض الانبعاثات والأمن ووصولًا إلى القدرة التنافسية والتنمية.
كما دفعت الجهات المسؤولة عن النظام نفسه إلى المطالبة بالتجديد والإصلاح، بما في ذلك منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة والبنك الدولي.
ومع امتداد آثار هذه الصدمات حول العالم، أعادت تشكيل ملامح التعاون بدلًا من أن تدمره.
ومن المؤكد أن التعاون تراجع في مجالات عديدة، ولا سيما في التعددية العالمية والأمن العالمي والتجارة.
لكن بعد خمس سنوات من بداية الجائحة، بدأت تتشكل صورة جديدة وأكثر تعقيدًا للتعاون، يتكيف فيها التعاون مع واقع أكثر تعددًا للأقطاب، بينما تواصل الاقتصادات السعي إلى تحقيق أهداف عالمية، لكنها تركز بصورة أكبر على الأماكن والأوقات التي ترى فيها أن التعاون يمثل مسارًا قابلًا للتطبيق لتحقيق أولوياتها الخاصة.
ويعكس بارومتر التعاون العالمي التراجع عن التعددية العالمية، إذ انخفضت المؤشرات المرتبطة بالآليات متعددة الأطراف.
وبحلول نهاية عام 2024، على سبيل المثال، انخفضت أنشطة حفظ السلام والقرارات متعددة الأطراف والمساعدات الصحية جميعها بأكثر من 20% مقارنة بمستوى ما قبل الجائحة في عام 2019، رغم ارتفاع عدد النزاعات والحاجة إلى المساعدات الإنسانية خلال الفترة نفسها.
وفي عام 2024 وحده، تراجعت المساعدات الخارجية بنسبة 11%، وهو اتجاه تفاقم خلال عام 2025.
ومع ازدياد تعقيد الأساليب متعددة الأطراف، بدأت تحالفات جديدة أصغر حجمًا وأكثر مرونة، سواء بين الأقاليم أو داخلها، في سد بعض الفجوات.
وفي مجال التجارة، ومع تصاعد التوترات بين أكبر اقتصادات العالم، تتخذ الاقتصادات الأصغر التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة دورًا أكثر فاعلية لحماية مزايا التكامل الاقتصادي.
ومن الأمثلة على ذلك شراكة «مستقبل الاستثمار والتجارة» التي أُطلقت في سبتمبر 2025 بمبادرة مشتركة من نيوزيلندا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة وسويسرا، وتجمع 14 اقتصادًا لتجربة أشكال عملية من التعاون.
وحتى في أكثر تدفقات التكنولوجيا والموارد حساسية، يعمل الشركاء المتقاربون على تعميق تعاونهم، مثل تعزيز الولايات المتحدة علاقاتها في مجال المعادن الحيوية مع دول من بينها أستراليا وكندا واليابان، أو التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بين الهند ودول الخليج واليابان وأوروبا.
وفي العمل المناخي، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الجمع بين القدرة التنافسية وإزالة الكربون من خلال قانون الصناعة ذات الانبعاثات الصفرية والصفقة الصناعية النظيفة، بالتوازي مع تطبيق قانون المواد الخام الحرجة لضمان توفر المدخلات الاستراتيجية.
وعلى المستوى الإقليمي في جنوب شرق آسيا، يمثل مشروع تكامل الطاقة بين لاوس وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، القائم على تجارة الكهرباء عبر الحدود، خطوة أولى نحو شبكة كهرباء متكاملة لرابطة دول جنوب شرق آسيا، بما يعزز أمن الطاقة ويسمح بنشر قدر أكبر من الطاقة النظيفة.
وبالمثل، في مجال الصحة، تعمل عدة اقتصادات ناشئة على تعزيز الوصول إلى الأدوية على مستوى التكتلات الإقليمية.
ومن أبرز خطوات عام 2025 إطلاق الوكالة الأفريقية للأدوية في أكتوبر، وميثاق أكرا بشأن السيادة الصحية الأفريقية، إضافة إلى توسيع منظمة دول شرق الكاريبي نموذجًا يهدف إلى خفض أسعار الأنسولين في أنحاء المنطقة.
وكقاعدة عامة، يكون التعاون في جميع الركائز أعلى عندما توجد مصالح وطنية واضحة، وغالبًا ما تكون اقتصادية، تربط الدول بعضها ببعض.
وقد يعكس ذلك ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بـ«البراغماتية الصارمة»، أي الفكرة القائلة إن التعاون يصبح منطقيًا عندما يؤدي إلى فوائد متبادلة ذات قيمة حقيقية.
ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم تزايد الضغط على التعددية العالمية، فإن الوضع لا يمثل انهيارًا كاملًا للنظام.
ففي مايو 2025، اعتمدت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية أول اتفاق عالمي بشأن الجوائح بعد ثلاث سنوات من المفاوضات الصعبة.
وفي مجال التعاون الرقمي، اجتمعت 65 دولة عضوًا في الأمم المتحدة في فيتنام في أكتوبر 2025 في مراسم توقيع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، التي ستسهل اعتماد أساليب تعاونية لمواجهة الجرائم الإلكترونية.
وعلى الصعيد البيئي، وبعد عقدين من المفاوضات، حصلت معاهدة أعالي البحار التابعة للأمم المتحدة على العدد المطلوب من التصديقات البالغ 60 تصديقًا، لتدخل حيز التنفيذ في يناير 2026، وتوفر بذلك أول إطار قانوني ملزم عالميًا لحماية ثلثي المحيطات الواقعة خارج نطاق الولايات الوطنية.
ومع أن هذه الحالات تشير إلى استمرار التعاون على المستوى العالمي حتى في مشهد أكثر تنازعًا، فمن اللافت أن أكبر اقتصاد في العالم، الولايات المتحدة، ليس طرفًا في اتفاقي الصحة والجرائم السيبرانية، كما لم يشارك في قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا.
وجهات نظر الخبراء والمسؤولين التنفيذيين بشأن التعاون
تصورات التعاون العالمي
لفهم كيفية تأثير تطورات العام الماضي في تصورات التعاون، يتضمن تقرير بارومتر التعاون العالمي لهذا العام نتائج مسحين، أحدهما شمل نحو 800 مسؤول تنفيذي، والآخر قرابة 170 خبيرًا من الأعضاء الحاليين أو السابقين في شبكة مجالس المستقبل العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي.
ويرى أعضاء المجالس على نطاق واسع أن التعاون العالمي يتراجع في كل ركيزة، إذ وصف 85% منهم حالة التعاون العالمي في عام 2025 بأنها «أقل تعاونًا» أو «أقل تعاونًا بكثير» مقارنة بعام 2024.
وكان تصور التدهور في التعاون كبيرًا بصورة خاصة في مجالي التجارة ورأس المال، والابتكار والتكنولوجيا.
وعندما سُئل المسؤولون التنفيذيون عن تأثير التغيرات في التعاون في أعمال شركاتهم، كان متوسط توجهاتهم سلبيًا أيضًا، إذ قال عدد أكبر منهم إن ممارسة الأعمال عبر الحدود أصبحت أكثر صعوبة بدلًا من أن تصبح أسهل.
وفي هذه الحالة، اعتُبر السلام والأمن المجال الذي شهد أكبر تدهور من حيث التحديات.
ومع ذلك، وفي جميع هذه الركائز باستثناء واضح لقضايا السلام والأمن، لا يزال المسؤولون التنفيذيون يرون فرصًا للتعاون في الوضع الراهن، كما أن 57% منهم لا يرون أن الظروف العامة قد تدهورت مقارنة بعام 2024.
الركائز الخمس لبارومتر التعاون العالمي
يكون التعاون أقوى في المجالات التي تظهر فيها تحالفات مرنة
يقيس بارومتر التعاون العالمي مستوى التعاون العالمي في خمسة مجالات أو ركائز: التجارة ورأس المال، والابتكار والتكنولوجيا، والمناخ ورأس المال الطبيعي، والصحة والعافية، والسلام والأمن.
وفي كل ركيزة، يبحث البارومتر عن أدلة على الإجراءات التعاونية والنتائج الناجمة عنها بهدف تحديد المستوى الإجمالي للتعاون العالمي في ذلك المجال.
الركيزة الأولى: التجارة ورأس المال
إعادة توجيه التعاون نحو التدفقات غير الملموسة، غالبًا بدافع الرغبة في إعادة تشكيل الاعتماد المتبادل، بينما حمل عام 2025 حالة من عدم اليقين بشأن الحواجز التجارية إلى جانب انخفاض تدفقات العمالة
تنظر ركيزة التجارة ورأس المال إلى التعاون من خلال تدفقات السلع والخدمات والتجارة ورأس المال والأشخاص.
وتشمل مؤشرات تتعلق بحجم التدفقات، مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو هجرة العمالة، إضافة إلى توزيع التدفقات بين الاقتصادات المختلفة.
وتشير أحدث قراءة للبارومتر إلى أن التعاون في التجارة ورأس المال ظل مستقرًا بصورة عامة، لكن تحت السطح تظهر تغيرات واضحة.
فقد استمرت تدفقات الخدمات ورأس المال في الارتفاع، لكن أحجام التجارة الإجمالية واجهت رياحًا معاكسة. ورغم أنها كادت تواكب نمو الاقتصاد ككل، بما في ذلك عام 2025، فإن تغيرات كبيرة تحدث في الروابط التجارية.
وشهدت تجارة السلع، التي تمثل تاريخيًا جوهر هذه الركيزة، نموًا أبطأ قليلًا من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما أدى إلى تراجع طفيف في هذا المؤشر.
لكن ما هو أكثر أهمية من القيمة الإجمالية للتجارة هو تركيبها.
فمع تعرض النظام العالمي متعدد الأطراف للضغوط، تحدث عملية إعادة تشكيل واسعة للشركاء التجاريين. وتشير أبحاث معهد ماكنزي العالمي إلى أن تجارة السلع تتراجع بين الدول المتباعدة جيوسياسيًا، أي الأقل توافقًا، وتتحول بدلًا من ذلك نحو شركاء أكثر تقاربًا من الناحية الجيوسياسية.
وانخفض متوسط المسافة الجيوسياسية لتجارة السلع العالمية بنحو 7% بين عامي 2017 و2024.
كما زادت الدول النامية والصين حصتها من صادرات التصنيع. ففي عام 2024، ارتفعت صادراتها بمقدار 276 مليار دولار، أو خمس نقاط مئوية، وكانت الصين مسؤولة عن أكثر من نصف إجمالي هذه الزيادة.
وأصبحت العلاقات التجارية إجمالًا أكثر تنوعًا بصورة طفيفة، حيث انخفض مؤشر تركز التجارة بنحو 1%.
وتشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن التجارة العالمية يعاد توزيعها داخل شبكات من الشركاء المتقاربين، بالتزامن مع زيادة التنويع بين الشركاء.
ولا شك في أن سلسلة الإعلانات عن الرسوم الجمركية الأمريكية خلال عام 2025 أثارت تساؤلات بشأن مستقبل التجارة.
لكن المؤشرات الأولية توحي بأن هذه الإجراءات، بدلًا من أن تؤدي إلى انكماش التجارة، دفعت إلى إعادة تشكيلها.
وتشير التقديرات إلى أن أحجام التجارة نمت خلال 2025 بنحو 2.4%، وإن كان ذلك أقل قليلًا من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي البالغ 3.2%.
ومع ذلك، تسارعت عملية إعادة التشكيل.
فقد انخفضت الواردات الأمريكية من الصين بنحو 20% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في حين ارتفعت الواردات من الشركاء الأقرب جيوسياسيًا في أوروبا وآسيا.
وفي المقابل، اتجهت تدفقات رأس المال والخدمات إلى الارتفاع.
وكان أحد الدوافع وراء ذلك سعي الدول إلى جذب المعرفة ورأس المال من الخارج لتعزيز قدراتها المحلية.
فقد ارتفعت تدفقات رأس المال عبر الحدود بصورة مستمرة منذ عام 2022، مع نمو المؤشرات التي ترصد تدفقات الاستثمار في المحافظ المالية ورصيد الاستثمار المباشر.
وفي حالة الاستثمار الأجنبي المباشر، شهدت المشاريع الجديدة المعلنة من الصفر قفزة في القطاعات التي يتوقع أن تسهم في تشكيل المستقبل والموارد اللازمة لتشغيلها، مثل أشباه الموصلات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وبطاريات المركبات الكهربائية والمعادن الحيوية، في وقت تعمل فيه الدول مع شركائها المقربين لبناء قدرات في مجالات استراتيجية حساسة.
وبالمقارنة مع التجارة، انخفضت المسافة الجيوسياسية للاستثمار الأجنبي المباشر في المشاريع الجديدة بسرعة تقارب ضعف معدل انخفاضها في التجارة.
ويتجه جزء كبير من هذه المشاريع نحو الاقتصادات المتقدمة، ولا سيما الولايات المتحدة، مع زيادة استثمارات هذه الدول بعضها في بعض وتقليص الإعلانات عن الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين.
وانخفضت حصة الصين من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المعلنة من 9% خلال الفترة 2015-2019 إلى 3% فقط خلال الفترة 2022-2025.
وازدادت هذه الاتجاهات قوة خلال عام 2025.
كما واصلت تجارة الخدمات ارتفاعها، محافظة على مسار نمو استمر خمس سنوات منذ أدنى مستوى سجلته في 2020.
وكانت المكاسب مدفوعة بصورة أساسية بالخدمات المقدمة رقميًا، مثل خدمات تكنولوجيا المعلومات، والسفر، وغيرها من خدمات الأعمال بما فيها الخدمات المهنية والتقنية والبحث والتطوير والهندسة.
وفي عام 2025، أشارت تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى تباطؤ النمو في تجارة الخدمات مع بقائه إيجابيًا، فيما ظلت الخدمات المقدمة رقميًا قوية بينما اتجه السفر والنقل نحو مستويات أكثر اعتيادية في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات.
وكما هو الحال في معظم الركائز، سجلت المؤشرات الأكثر ارتباطًا بالتعاون العالمي متعدد الأطراف أكبر الانخفاضات.
وكانت المساعدة الإنمائية الرسمية أكبر مصادر التراجع في هذه الركيزة، إذ انخفضت بنسبة 10.8% في 2024، وسط انخفاض المساعدات المقدمة إلى أوكرانيا، وتراجع المساعدات الإنسانية والإنفاق المرتبط باللاجئين.
ولم تتجاوز سوى أربع دول هدف الأمم المتحدة المتمثل في تخصيص 0.7% من الدخل القومي الإجمالي للمساعدة الإنمائية الرسمية، في وقت أعادت فيه الدول ترتيب أولوياتها في ظل مشهد عالمي أكثر تجزؤًا.
وبالنسبة لعام 2025، قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضًا إضافيًا في المساعدة الإنمائية الرسمية يتراوح بين 9% و17%، بما يعكس تخفيضات تمتد لعدة سنوات لدى عدد من أكبر الجهات المانحة.
وأخيرًا، وبعد نمو متواصل منذ عام 2020، قد تكون هجرة العمالة الدولية قد اقتربت من نقطة تحول.
فقد ارتفع إجمالي عدد العمال المهاجرين عالميًا في 2024، لكن ظهرت مؤشرات على التباطؤ. فعلى سبيل المثال، انخفضت تدفقات الهجرة الجديدة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 4% في 2024.
وفي 2025 حدث انكماش حاد.
وتشير التقديرات إلى أن صافي تدفقات الهجرة إلى الولايات المتحدة وألمانيا انخفض بنسبة 65% و39% على التوالي مقارنة بعام 2024.
ورغم أن عام 2025 أدخل بلا شك توترات جديدة، فإن الاتجاه العام كان غالبًا متسقًا مع السنوات السابقة.
فقد انخفضت حصة تجارة السلع من الاقتصاد العالمي بصورة طفيفة، وارتفعت تدفقات رأس المال، وازدادت القيود المفروضة على هجرة العمالة.
وفي هذا السياق، رأى نحو 85% من أعضاء المجالس الذين شملهم المسح أن التعاون يشهد تراجعًا عامًا.
وأشار 40% من المسؤولين التنفيذيين الذين شملهم المسح إلى أن تنامي الحواجز في التجارة والمواهب وتدفقات رأس المال عبر الحدود يعرقل قدرتهم على ممارسة الأعمال.
لكن من اللافت أن الـ60% المتبقين قالوا إن الآثار لم تكن سلبية بدرجة كبيرة، على الأقل حتى الآن.
وقد يوضح ذلك أن العديد من المؤسسات استطاعت تعديل استراتيجياتها من أجل التعامل مع الاضطرابات المتزايدة في عالم التجارة.
وبالنظر إلى المستقبل، توجد الكثير من التيارات سريعة الحركة تحت السطح، بما في ذلك فرص إعادة ترتيب التجارة بين شركاء جدد، والمشاركة في ممرات تنمو بسرعة، مثل الممرات بين الاقتصادات الناشئة.
ومن الأمثلة الحديثة على تعزيز التعاون، سواء بين القوى الكبرى أو تحالفات الاقتصادات الأصغر، إطلاق شراكة مستقبل الاستثمار والتجارة في سبتمبر 2025 التي تجمع 14 اقتصادًا صغيرًا ومتوسطًا في مجال التجارة، وانتقال اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى مرحلة الاعتماد، وإبرام اتفاق الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا بعد عقد من المفاوضات، وإنجاز اتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي بين دول رابطة آسيان، وإبرام الولايات المتحدة اتفاقيات ثنائية بشأن المعادن الحيوية مع شركاء مقربين، مثل أستراليا في أكتوبر 2025.
وبطبيعة الحال، ليست فكرة التحالفات التجارية الأصغر جديدة؛ فقد جرى توقيع أكثر من 370 اتفاقية تجارية إقليمية منذ عام 1995.
وسيكون التحدي مستقبلًا أمام الشركات والدول هو التعامل مع طيف واسع من التفضيلات وترتيبات الوصول إلى الأسواق، وما قد يعنيه ذلك في نهاية المطاف للتدفقات التجارية العالمية.
الركيزة الثانية: الابتكار والتكنولوجيا
ازداد التعاون في هذه الركيزة مدفوعًا بالاستثمار الرامي إلى تسريع نشر الذكاء الاصطناعي، بينما حمل عام 2025 حالة جديدة من عدم اليقين، من بينها تزايد القيود
تبحث ركيزة الابتكار والتكنولوجيا في عناصر التعاون العالمي القادرة على تسريع الابتكار وتحقيق تقدم تكنولوجي مفيد.
وارتفع القياس الإجمالي للتعاون في هذه الركيزة بنحو 3% على أساس سنوي، مدفوعًا بزيادة تدفقات البيانات وتجارة سلع وخدمات تكنولوجيا المعلومات.
وبينما عادت بعض المؤشرات إلى النمو بعد تراجعات سابقة، توجد إشارات إلى حالة من عدم اليقين في المستقبل.
فقد انخفض التعاون في البحث العابر للحدود.
كما تراجع التعاون في تجارة مكونات التقنيات المتقدمة، إذ أصبحت تدفقاتها مرتبطة على نحو متزايد باعتبارات جيوستراتيجية.
وقد ظهر ذلك، على سبيل المثال، في تشديد القيود المفروضة على بعض التكنولوجيات المتطورة والموارد والملكية الفكرية المرتبطة بها، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين.
وربما لهذا السبب رأى المشاركون في مسح بارومتر التعاون العالمي أن هذه الركيزة هي الأقل احتمالًا لأن تشهد تحسنًا في التعاون.
وواصل التقدم في الرقمنة دعم نمو الترابط العالمي، من خلال ارتفاع تدفقات البيانات وتجارة تكنولوجيا المعلومات، وزيادة عرض النطاق الترددي الدولي بنسبة 25% على أساس سنوي، ليصبح الآن أكبر بأربع مرات مما كان عليه في عام 2019، إلى جانب استمرار الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، غالبًا بدافع الأجندات الوطنية والسعي إلى تأمين ميزات تنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي الرقمي.
وفي الوقت نفسه، واصلت خدمات تكنولوجيا المعلومات نموها دون انقطاع منذ ما قبل الجائحة، وعادت تجارة سلع تكنولوجيا المعلومات إلى النمو بعد انكماشها في 2023.
وبذلك خالفت سلع تكنولوجيا المعلومات الاتجاه الأوسع في تجارة السلع، بما يتوافق مع توجيه الدول استثمارات إلى قدرات الذكاء الاصطناعي عندما تتوافق حوافز التعاون مع دفع التقدم التكنولوجي.
وفي عام 2025، أدى سباق الذكاء الاصطناعي إلى زيادات أكبر في الأنشطة العابرة للحدود.
وبلغت الإعلانات عن الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد في مراكز البيانات مستويات قياسية، قُدرت بنحو 370 مليار دولار عالميًا في 2025، مقارنة بحوالي 190 مليار دولار في 2024.
وقد تؤدي هذه المشاريع الجديدة إلى زيادات مقابلة في تدفقات سلع تكنولوجيا المعلومات عبر الحدود، مثل الرقائق والمكونات الإلكترونية ومعدات الاتصالات، إضافة إلى خدمات تكنولوجيا المعلومات، على المدى القصير إلى المتوسط.
كما تحمل هذه التطورات إمكانية تعزيز الإنتاجية، بعد سنوات أظهر فيها البارومتر بقاء إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية دون تقدم يُذكر.
فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات حديثة لمعهد ماكنزي العالمي إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يزيد نمو الإنتاجية العالمية بما يتراوح بين 0.1 و0.6 نقطة مئوية سنويًا حتى عام 2040.
ومع ذلك، فإن تنامي الحواجز والقيود يخلق حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل.
فرغم أن تدفق الطلاب الدوليين سجل نموًا أكبر من أي مؤشر آخر في هذه الركيزة خلال عام 2024، بارتفاع نسبته 8% وتجاوزه مستويات ما قبل الجائحة، فإن هذا الزخم قد يبدأ في التباطؤ مع زيادة القيود المفروضة على حركة المواهب.
وتشير المؤشرات المبكرة إلى حدوث انكماش في 2025. فقد انخفض إصدار تأشيرات الطلاب الجديدة من فئتي F-1 وM-1 في الولايات المتحدة بنسبة 11% خلال الربع الأول من 2025، وحدثت انخفاضات مشابهة في دول أخرى، منها أستراليا وكندا.
ولعل أبرز الحواجز تمثل في توسيع نطاق القيود المفروضة على التقنيات والموارد المتقدمة، وخاصة، وإن لم يكن حصريًا، تلك التي تفرضها الولايات المتحدة والصين.
ومع ذلك، يستمر التعاون في مناطق أخرى في تقنيات حيوية مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وتصنيع أشباه الموصلات والبنية التحتية للجيل الخامس بين مجموعات صغيرة من الدول.
ومن أمثلة ذلك الشراكات الجديدة بين الولايات المتحدة وشركائها في أوروبا والخليج والهند، إلى جانب شراكات الصين الجديدة مع الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا.
وربما تفسر هذه الرياح المعاكسة مستوى التشاؤم الكبير الذي عبّر عنه أعضاء المجالس بشأن مستقبل التعاون في هذه الركيزة.
فقد رأى 87% من الخبراء الذين شملهم المسح أن عام 2025 سيكون «أقل تعاونًا» أو «أقل تعاونًا بكثير» في مجال الابتكار والتكنولوجيا، ما يجعل إجابات هذا المجال الأكثر تشاؤمًا بين الركائز الخمس.
وفي نهاية المطاف، حتى في مشهد أكثر تجزؤًا، سيستمر التعاون البراغماتي أينما كانت الحوافز المشتركة واضحة، مثل هيئات وضع المعايير، والترتيبات المتعلقة بالحوسبة السحابية والبيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية، حتى مع تشديد القيود.
ويمكن للقادة الاستمرار في دفع الابتكار عبر الفصل بين الملكية الفكرية الحساسة والواجهات القابلة للتوسع، والاستثمار في الاعتراف المتبادل بالشهادات والمقارنات المعيارية، واستخدام الاتفاقات الإقليمية للنشر السريع عندما تكون القواعد والحوافز متوافقة بالفعل.
الركيزة الثالثة: المناخ ورأس المال الطبيعي
استمر التعاون في مجال المناخ في الارتفاع مع تمكين التجارة والتمويل من نشر قدر أكبر من الطاقة النظيفة، لكنه ظل غير كافٍ لتحقيق تقدم جوهري في النتائج المناخية
تنظر ركيزة المناخ ورأس المال الطبيعي إلى التعاون العالمي الرامي إلى خفض الانبعاثات والحفاظ على رأس المال الطبيعي والاستعداد للآثار المحتملة لتغير المناخ، من خلال مزيج من التعاون في التدفقات المالية وسلاسل الإمداد العالمية.
وتظهر أحدث قراءة للبارومتر ارتفاع التعاون في هذه الركيزة، لكن في ظل ديناميكيتين متناقضتين.
فقد ارتفع التعاون في التجارة عبر الحدود والتمويل المناخي العالمي، وهما أكبر مجالين للنمو في هذه الركيزة، الأمر الذي مكّن من استمرار زيادة انتشار التقنيات النظيفة.
وتضاعفت الإضافات الجديدة لقدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في عام 2024 مقارنة بعام 2022، من 300 إلى 600 غيغاواط، وكانت أعلى بنسبة 60% في النصف الأول من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
وفي الواقع، ركّب العالم خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية قدرًا من الطاقة الشمسية يفوق ما ركبه خلال السنوات الثلاث السابقة مجتمعة.
لكن هذه الزيادات لم تكن كافية.
فقد تدهورت النتائج المتعلقة برأس المال الطبيعي والمناخ، إذ لا يزال نشر التقنيات دون المستوى المطلوب لتحقيق الأهداف المناخية المتوافقة مع اتفاق باريس.
وقد يبدو ارتفاع التمويل الأخضر وتجارة السلع الخضراء أمرًا مفاجئًا بالنظر إلى الضغوط التي تتعرض لها الآليات متعددة الأطراف التي دعمت تقليديًا تدفق هذه العناصر الأساسية للعمل المناخي.
لكن إحدى طرق فهم نمو التعاون في مجال التقنيات النظيفة تتمثل في النظر إليه بوصفه نتيجة لتلاقي أهداف عالمية، مثل خفض الانبعاثات، مع أولويات محلية.
فقد أصبحت الكثير من هذه التقنيات أقل تكلفة، كما أصبحت تسهم في أمن الطاقة عبر تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأجنبية، بل وتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة بين سكان لم تكن متاحة لهم سابقًا.
فعلى سبيل المثال، لم يسهم انتشار المركبات الكهربائية الأقل تكلفة في خفض الانبعاثات فحسب، بل أدى أيضًا إلى تقليص استهلاك النفط في الصين وأوروبا، وهما منطقتان تعتمدان على استيراد النفط.
وفي باكستان، ساعد استيراد ألواح الطاقة الشمسية التي أصبحت أكثر قدرة على المنافسة من حيث التكلفة السكان المحليين على تحسين وصولهم إلى الطاقة.
وكان تمويل التقنيات المناخية، الذي يشمل التمويل الدولي والمحلي، عنصرًا أساسيًا في ارتفاع التعاون العالمي.
واستمر تمويل جهود التخفيف من تغير المناخ في مسار نمو دام خمس سنوات، ليصل بحلول عام 2024 إلى نحو ضعف قيمته المسجلة قبل الجائحة.
وكانت الأموال المتجهة إلى الاقتصادات الناشئة ذات أهمية خاصة، إذ كادت تتضاعف بين عامي 2018 و2023، وحصلت على دفعة إضافية في 2024 من بنوك التنمية متعددة الأطراف.
ويُقدّر أن تمويل التكيف نما أيضًا، وقد يحصل على دفعة إضافية من الاتفاق الجديد الذي تم التوصل إليه في مؤتمر الأطراف الثلاثين لمضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول عام 2035.
ومع ذلك، يظل مشهد التعاون المناخي معقدًا.
فقد نما تمويل التخفيف بنسبة 10% فقط في عام 2024، وهي أبطأ وتيرة له منذ 2020.
كما تعددت التخفيضات في المساعدة الإنمائية الرسمية، ولم ترق الشراكات الدولية إلى مستوى التوقعات.
فشراكات الانتقال العادل للطاقة، وهي آلية تمويل دولية تساعد الاقتصادات الناشئة على الانتقال نحو مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات، لم تقدم سوى 7 مليارات دولار حتى يونيو 2025، مقارنة بالتزام بلغ 50 مليار دولار.
وكانت التجارة في السلع منخفضة الكربون المحرك الكبير الآخر لنمو التعاون العالمي.
فقد ساعدت سلاسل الإمداد العالمية الشركات المصنعة على الوصول إلى نطاق إنتاج واسع وخفض الأسعار، وهو ما أتاح بدوره انتشار هذه التقنيات في العديد من الاقتصادات الناشئة.
فالهند، التي أضافت ثاني أكبر كمية من الطاقة الشمسية في 2025 بعد الصين، والبرازيل، استفادتا من الوصول إلى وحدات طاقة شمسية بأسعار ميسرة وعززتا عمليات التركيب.
وفي عام 2025، تجاوزت مبيعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية في الاقتصادات الناشئة نظيرتها في الولايات المتحدة وبعض أجزاء أوروبا التي شهدت تراجعًا في الزخم.
ومع ذلك، توجد مخاوف من التركيز المفرط لإمدادات هذه السلع في الصين، التي تستحوذ على الغالبية العظمى، وقد تصل النسبة إلى 70% أو حتى 80%، من عمليات تصنيع العديد من التقنيات النظيفة.
ورغم نمو الاستثمار والتجارة والنشر، واصلت النتائج البيئية التدهور.
وتشير أبحاث معهد ماكنزي العالمي إلى أن نشر تقنيات تحول الطاقة يتحرك بنصف السرعة اللازمة لتحقيق الأهداف المناخية المعلنة.
كما استمرت الانبعاثات في الارتفاع خلال عام 2024، كما حدث بصورة مستمرة خلال معظم العقود القليلة الماضية.
لكن توجد نقطة إيجابية واحدة: كثافة الانبعاثات، أي الانبعاثات مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، آخذة في الانخفاض، وهو ما يشير إلى قدرة العالم على مواصلة تحقيق النمو الاقتصادي مع إحراز تقدم في إدارة الانبعاثات.
أما قصة رأس المال الطبيعي فهي مقلقة بالقدر نفسه.
فبعد عدة سنوات من التقدم المستقر، فقد التعاون زخمه.
وتتراجع صحة المحيطات، كما توقف نمو المناطق البرية والبحرية المحمية خلال الفترة 2023-2024، في تحول عكسي مقارنة بالنمو المعتدل الذي سُجل منذ عام 2020.
وقد يتجدد النمو قريبًا مع دخول مشاريع مثل التوسع المعلن للمناطق البحرية المحمية في بولينيزيا الفرنسية حيز التنفيذ، إلى جانب إطلاق أداة جديدة خلال مؤتمر الأطراف الثلاثين في البرازيل تهدف إلى تعزيز الاستثمار في المناطق البرية المحمية.
وفي عام 2025، أظهرت بعض المؤشرات استمرار ديناميكيات السنوات السابقة.
فواصل الاستثمار في الطاقة المتجددة، والقدرات الجديدة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتجارة في السلع منخفضة الكربون الارتفاع.
لكن الانبعاثات الناتجة عن نظام الطاقة ما زالت تنمو، وتوجد علامات على أن نمو التمويل المناخي بدأ يضعف.
وتنعكس الحالة المختلطة للتعاون المناخي في المسحين المقدمين في هذا التقرير.
إذ يرى ما يقرب من ثلثي الخبراء أن التعاون في المناخ ورأس المال الطبيعي كان «أقل تعاونًا بكثير» أو «أقل تعاونًا» في عام 2025.
وكانت نسبة المسؤولين التنفيذيين الذين أشاروا إلى هذا المجال باعتباره عاملًا يضر بقدرتهم على ممارسة الأعمال عبر الحدود أقل بكثير.
لكن من المهم أن عددًا كبيرًا وجد أسبابًا تدعو إلى التفاؤل.
فقد توقع 17% من أعضاء المجالس الذين شملهم المسح أن يكون عام 2025 «أكثر تعاونًا» أو «أكثر تعاونًا بكثير»، وهي أعلى نسبة بين جميع الركائز.
وقد يتطلب إحراز تقدم مستدام في النتائج المناخية أشكالًا جديدة من التعاون.
ولا تزال الجهود متعددة الأطراف تؤدي دورًا، كما يتضح من التطورات الأخيرة مثل معاهدة أعالي البحار.
لكن كما ظهر في فشل الجهود الرامية إلى صياغة معاهدة عالمية بشأن البلاستيك خلال عام 2025، وفي التأخير الذي واجه الاعتماد النهائي لهدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري في الشحن الدولي، لا تزال البيئة الحالية صعبة عندما يتعلق الأمر بتحويل الطموحات إلى اتفاقات دولية.
وبدلًا من ذلك، تعمل الدول على تحقيق أهداف المناخ من خلال تحالفات أصغر داخل الأقاليم وبينها.
فقد أنشأ الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى شراكة للهيدروجين في سبتمبر 2025 خلال المنتدى الإقليمي الثاني لآسيا الوسطى حول دبلوماسية إزالة الكربون في أستانا.
وعلى المستوى الإقليمي، قدمت المفوضية الأوروبية خطة الصفقة الصناعية النظيفة في فبراير 2025، بهدف جعل جهود إزالة الكربون محركًا للنمو الصناعي في أنحاء القارة.
وفي رابطة دول جنوب شرق آسيا، تمثل شراكة تجارة الكهرباء عبر الحدود بين لاوس وتايلاند وماليزيا وسنغافورة خطوة أولى نحو دمج الطاقة المتجددة على المستوى الإقليمي.
الركيزة الرابعة: الصحة والعافية
ظل التعاون الإجمالي مستقرًا مع صمود النتائج الصحية، لكن تدفقات المساعدات العالمية تآكلت بصورة حادة، في إشارة إلى تحديات محتملة مستقبلًا
يُظهر البارومتر أن المستوى الإجمالي للتعاون في ركيزة الصحة والعافية ظل مستقرًا، مدعومًا بصمود النتائج الصحية، وهو ما قد يعكس «عودة تدريجية إلى الوضع الطبيعي» بعد التراجع الذي حدث خلال الجائحة.
لكن هذا الاستقرار يخفي هشاشة متنامية.
فقد أدت الضغوط الواقعة على المنظمات متعددة الأطراف إلى تآكل دعم المساعدات، وانكمشت المساعدة الإنمائية للصحة بصورة حادة.
والنتيجة هي انتقال جزء أكبر من التكاليف إلى الدول منخفضة الدخل، بما قد يهدد النتائج الصحية مستقبلًا.
وجاء الضغط الأكبر على هذه الركيزة من الانخفاض في المساعدة الإنمائية للصحة، التي تراجعت بنسبة 6% إلى 50 مليار دولار في 2024، مواصلة تراجعها منذ عام 2021.
وقلّص مانحون رئيسيون، من بينهم ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، التمويل.
كما تراجعت التبرعات المقدمة عبر القنوات متعددة الأطراف بدرجة أكبر من التبرعات عبر القنوات الثنائية، إذ انخفض تمويل الأولى بنحو 20%، بينما انخفض التمويل من دولة إلى دولة بنسبة 3%.
وقد يشير ذلك إلى أن مشهد المساعدات يتجه بصورة متزايدة نحو ترتيبات ثنائية يمكنها إعطاء الأولوية للأدوية ووسائل التشخيص والخدمات المقدمة مباشرة في الخطوط الأمامية.
ومع أن هذه الترتيبات مفيدة عند نقطة تقديم الرعاية، فإنها قد تفرض ضغوطًا إضافية على الحكومات المتلقية، لأنها عادة لا تغطي تكاليف النظام الصحي ككل، وبالتالي تنتقل تلك التكاليف إلى الميزانيات المحلية.
فعلى سبيل المثال، تهدف التوجيهات الأمريكية الجديدة لبرنامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية إلى أن تتولى الجهات المحلية إدارة الخدمات، كما شددت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قواعد تقاسم التكاليف مع الحكومات المستفيدة.
وتشير تقديرات 2025 إلى مزيد من التدهور، مع انخفاض عالمي إضافي في المساعدة الإنمائية للصحة يبلغ 11 مليار دولار، ويعود جزء كبير منه إلى توقع خفض وكالات التمويل الأمريكية ما يقرب من 9 مليارات دولار.
ولذلك ليس من المفاجئ أن يتوقع عدد كبير من أعضاء المجالس والمسؤولين التنفيذيين مزيدًا من التدهور في التعاون ضمن هذه الركيزة.
ولم تبدأ النتائج الصحية حتى الآن في عكس الآثار المحتملة للتحول الجاري.
ففي عام 2024، أظهرت جميع النتائج الصحية تحسنًا، بما في ذلك سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة، ومتوسط العمر المتوقع، ووفيات الأطفال، ووفيات الأمهات.
لكن النتائج الصحية غالبًا ما تتأخر بدرجة كبيرة عن العوامل التي تؤثر فيها، وربما تعكس التحسينات الحالية انتعاشًا بعد الجائحة، وربما أيضًا نتائج تعاون طويل الأجل.
ورغم أن هذه المؤشرات تعكس نتائج إيجابية، تشير أدلة أخرى إلى اتساع الفجوة بين «مدة الحياة الصحية» وإجمالي العمر المتوقع، إذ لا تواكب الزيادة في متوسط العمر الصحي المكاسب المحققة في متوسط العمر المتوقع.
وبعبارة بسيطة، يعني ذلك أن الناس يعيشون سنوات أكثر وهم يعانون من المرض.
ورغم تباطؤ تجارة السلع بصورة عامة، ارتفعت تجارة السلع الصحية خلال عام 2024.
وكانت هذه الزيادة مدفوعة بالطلب الناتج عن الابتكار في قطاع الأدوية، وكان أبرز مظاهره ارتفاع الطلب على علاجات GLP-1، إلى جانب الصادرات من مراكز مثل أيرلندا والدنمارك وسويسرا التي تغذي الطلب الأمريكي والأوروبي.
كما حافظ اتفاق «صفر مقابل صفر» على التعريفات الجمركية للأدوية عند مستويات قريبة من الصفر.
وتشير الجهود العالمية متعددة الأطراف الأخيرة، مثل اتفاق منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح، رغم أنه لم يُصدّق عليه بعد ولا تشارك فيه الولايات المتحدة، وإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الأمراض غير المعدية والصحة النفسية، إلى استمرار الالتزام بالتنسيق في حوكمة الصحة العالمية.
وفي الوقت نفسه، يزداد وضوح التعاون الإقليمي.
ومن أمثلته توسيع منظمة دول شرق الكاريبي نموذجًا لخفض أسعار الأنسولين في مختلف أنحاء المنطقة، وإطلاق الوكالة الأفريقية للأدوية، إضافة إلى توافق حكومات أفريقية من خلال إجماع أكرا بشأن الأولويات المشتركة وآليات التنفيذ.
وبالنظر إلى المستقبل، يتمثل السؤال الحاسم في مدى احتمال أن يؤدي تراجع الجهود العالمية متعددة الأطراف إلى نتائج صحية أسوأ.
فمع ضعف التدفقات المالية العالمية، واقتصار تدفقات الدعم المتبقية بصورة متزايدة على العلاج وتقديم الخدمات، ستزداد الضغوط على الميزانيات الصحية المحلية.
ولن تتمكن اقتصادات محلية كثيرة من تعويض هذا النقص، وسيتمثل الاختبار المقبل في معرفة ما إذا كان من الممكن الحفاظ على التقدم المحقق في النتائج الصحية.
الركيزة الخامسة: السلام والأمن
تراجع التعاون العالمي بصورة حادة مع تصاعد النزاعات في مناطق عديدة من العالم
تدرس ركيزة السلام والأمن أثر التعاون العالمي في منع النزاعات وحلها.
وينصب التركيز على منع الوفيات والتخفيف من الآثار السلبية طويلة الأمد للنزاعات من خلال الالتزام بعمليات حفظ السلام متعددة الأطراف وجهود الاستقرار الدولية.
ويظهر البارومتر أن التعاون في السلام والأمن يتعرض لأكبر قدر من الضغوط بين الركائز الخمس، إذ كانت كل المؤشرات تقريبًا في عام 2024 دون مستويات ما قبل الجائحة.
ويعكس تراجع هذه الركيزة منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تصاعد النزاعات وما يصاحبها من أضرار تلحق بالأفراد.
كما واجهت التعددية العالمية صعوبات في أداء دورها في حفظ السلام، رغم أن أشكال التعاون الإقليمي بدأت تتولى هذه المهمة في بعض الحالات.
وفي عام 2024، استمر عدد النزاعات في الارتفاع، وشمل ذلك، ضمن نزاعات أخرى، استمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا، والحرب بين إسرائيل وحماس في غزة، والأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، وتصاعد القتال في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، والحروب الأهلية في السودان وميانمار.
وظلت الوفيات المبلغ عنها والمرتبطة بالمعارك قريبة من مستويات عام 2023، وكان الصراع الروسي الأوكراني مسؤولًا عن أكثر من 40% من إجمالي تلك الوفيات.
كما واصل عدد الأشخاص المهجرين قسرًا الارتفاع، ليصل إلى رقم قياسي بلغ 123 مليون شخص.
وتسببت الحرب في السودان وحدها في نزوح نحو 11.5 مليون شخص.
وخارج نطاق النزاعات العسكرية المباشرة، تدهورت أبعاد أخرى أيضًا.
فقد تصاعدت الهجمات السيبرانية، مع ارتفاع عدد الحوادث في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، بما في ذلك هجمات بارزة أثرت في مؤسسات كبيرة في القطاعين العام والخاص.
كما ازدادت أنشطة «المنطقة الرمادية» واضطرابات البنية التحتية الرقمية وبنية الطاقة، وخاصة خلال عام 2025.
وشهدت أوروبا أعمال تخريب في خطوط أنابيب الغاز وأضرارًا لحقت بالكابلات البحرية، بينما وقعت ثلاثة انقطاعات كبيرة شملت عدة كابلات في البحر الأحمر وغرب أفريقيا.
وكان أكبر تراجع داخل هذه الركيزة هو التدهور في الإجراءات العالمية متعددة الأطراف، وتحديدًا القرارات ومهام حفظ السلام، التي لم تتمكن من مواكبة نمو عدد النزاعات.
فقد انخفض عدد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من 50 قرارًا في 2023 إلى 46 في 2024، كما انخفضت نسبة عمليات السلام متعددة الأطراف إلى عدد النزاعات بنحو 11% على أساس سنوي.
ويعكس ذلك ارتفاع مستوى التوترات الجيوسياسية، الذي جعل الظروف أكثر صعوبة أمام تدخل الأمم المتحدة.
وحتى تصويت مجلس الأمن في نوفمبر 2025 لصالح السماح بإنشاء قوة دولية للاستقرار في قطاع غزة، لم يكن مجلس الأمن قد أصدر تفويضًا لإنشاء عملية حفظ سلام جديدة منذ عام 2014.
وإضافة إلى ذلك، فرضت تخفيضات الميزانيات ضغوطًا على المهام القائمة.
فقد انخفض عدد الأفراد المنتشرين في عمليات السلام متعددة الأطراف بأكثر من 40% بين عامي 2015 و2024، كما أدت أزمة في الميزانية إلى تعطيل أداء إحدى المهمات خلال عام 2024.
وفي هذا السياق، تطور دور الأمم المتحدة بحيث أصبح يعتمد بدرجة أكبر على البعثات السياسية الخاصة والمبعوثين الخاصين، بالتزامن مع تزايد الأطر التي تقودها مناطق إقليمية.
وبالنظر إلى الضغوط الواقعة على السلام والأمن، ليس من المفاجئ أن تكون التصورات بشأن التعاون متشائمة.
فقد توقع نحو نصف أعضاء المجالس الذين شملهم المسح تدهور التعاون، كما أشار نحو نصف المسؤولين التنفيذيين إلى أن التطورات في السلام والأمن تؤثر في قدرتهم على ممارسة الأعمال.
وكانت هذه النسبة الأعلى بين جميع الركائز بعد التجارة ورأس المال.
كما تظهر هذه التوترات في الطريقة التي تستعد بها الاقتصادات للمستقبل.
فقد استجابت دول كثيرة من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك الصين والهند والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا.
وفي الوقت نفسه، حققت جميع الدول الأعضاء الـ32 في حلف شمال الأطلسي هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، في حين أن أكثر من عشر دول لم تحقق هذا الهدف في العام السابق.
ومع رفع حلف شمال الأطلسي هدف الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الوطني بدرجة أكبر.
ومع ذلك، توجد بعض مصادر الأمل.
فقد أشار المشاركون في المسح إلى أن القوى الكبرى نجحت حتى الآن في إدارة تنافسها بقدر من ضبط النفس، ما حال دون تحول المنافسة إلى تصعيد مباشر.
كما أبرزت مجموعة من الخبراء الجيوسياسيين الذين أُجريت معهم مقابلات لإعداد هذا التقرير صعود مفهوم «المرونة الرقعية»، حيث ينجح التعاون في المبادرات الإقليمية حتى في الوقت الذي يتراجع فيه داخل الترتيبات العالمية متعددة الأطراف.
وفي الواقع، تحقق تعاون ناجح في هذه الركيزة من خلال تحالفات أصغر.
فقد عززت عدة هيئات إقليمية دورها في استقرار الأزمات أو إدارتها، مثل عملية الانتقال الأمني بقيادة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وانتشار قوات مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي في موزمبيق وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وإلى جانب الأطر الرسمية، أسهمت الدبلوماسية المصغرة متعددة الأطراف أيضًا في خفض التصعيد خلال عام 2025.
فقد توسطت تركيا في محادثات بين إثيوبيا والصومال في إطار إعلان أنقرة، ما أدى إلى خفض حدة التوترات.
كما اتفقت أرمينيا وأذربيجان على نص معاهدة سلام وعلى خطوات لإبعاد قوات الدول الأخرى عن حدودهما، بدعم وتيسير من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وتوضح هذه الأمثلة أنه حتى مع تقلص عمليات نشر القوات الكبيرة التابعة للأمم المتحدة، تستطيع التحالفات المصممة وفق ظروف محددة أن تواصل خفض المخاطر وفتح قنوات أمام التسويات السياسية.
التوصيات: استراتيجيات لأشكال جديدة من التعاون
يظل التعاون عنصرًا حاسمًا لتعزيز الاقتصادات في وقت يشهد نموًا ضعيفًا، ودعم الأمن في مرحلة تتزايد فيها حالة عدم الاستقرار والنزاعات، والاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة في عصر الذكاء الاصطناعي.
لكن ما دامت الاعتبارات السياسية المرتبطة بالسيادة الوطنية تمثل سمة بارزة في دول كثيرة، فمن المرجح أن تستمر الرياح المعاكسة التي تواجه التعاون.
وفي هذا السياق، يصبح الحوار ضروريًا لدفع التعاون وفهم المجالات التي توجد فيها إمكانية للتوصل إلى اتفاق.
لكن الحوار لا يُمارس في كثير من الأحيان بصورة فعالة.
إذ تستخدم الأطراف تواصلها بعضها مع بعض ليس لتحديد مجالات المصالح المتبادلة أو تبادل الرؤى أو دفع الأجندات المشتركة، بل لتقديم بيانات أحادية الاتجاه هدفها تثبيت مواقفها.
وبهذه الطريقة، قد يؤدي الحوار إلى الانقسام بدلًا من الوحدة.
ولذلك ينبغي للأطراف التعامل مع المناقشات بصورة بناءة، باعتبارها آليات لبناء الثقة تهدف إلى تحديد المصالح المشتركة.
وسيكون قادة القطاعين العام والخاص الذين يتعمدون تعزيز الحوار في موقع أفضل لتحديد مسارات تعاون مستقبلية يمكن أن تستند إلى مجموعة من القدرات والاستراتيجيات الأساسية:
– المطابقة الاستباقية بين صيغة التعاون المناسبة والقضية المناسبة. ستكون أشكال فرص التعاون التي تنشأ من الحوار متنوعة. وينبغي للقادة أن يتبنوا عقلية استباقية ومرنة بهدف «إعادة رسم خريطة» الانخراط الدولي. وسيتطلب ذلك التعاون على مستويات متعددة، عالميًا وإقليميًا، وكذلك عبر مجموعات مصغرة مختلفة تتسم بالبراغماتية وتقوم على المصالح. وبهذه الطريقة، تتشكل الشراكات والتحالفات على عدة مستويات ويتم تعزيزها في وقت يتسم بقدر أكبر من صعوبة التنبؤ. وقد أوصى المشاركون في مسح بارومتر التعاون العالمي بهذا النوع من التعاون، حيث دعا بعضهم إلى «الاستثمار في تحالفات متعددة أصحاب المصلحة»، و«التركيز على التعاون الإقليمي أو القطاعي»، و«استخدام تجمعات جديدة وأكثر مرونة».
– تعزيز القدرة على الصمود والتعاون من خلال قدرات تنظيمية جديدة. ستحتاج الجهات العامة والخاصة إلى بناء قدرات تعاونية تستطيع تعزيز قدرتها على الصمود في عصر من الاضطرابات المتواصلة. ويعني ذلك عمليًا الحفاظ على رؤية محدثة باستمرار لمشهد التعاون، بما يشمل المنصات والشركاء والحوافز وآليات التمويل التي تشكل محور النقاش. وتعمل مؤسسات على إنشاء فرق استخبارات صغيرة ومتعددة الوظائف لمتابعة المسارات الجديدة، مثل الاتفاقيات التجارية ومبادرات الممرات وتحالفات المعايير ومرافق التمويل العام، وتحديد فرص المشاريع التجريبية بالتعاون مع الجهات الحكومية وشركاء الصناعة. كما تعمل جهات خاصة كثيرة على تطوير قدراتها في مجال الشؤون المؤسسية للتفاعل بصورة أكثر فاعلية مع المؤسسات العامة وأصحاب المصلحة. وبالتوازي، يمكن للقادة إنشاء آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتحديد حدود تستدعي التصعيد، وإصدار موافقات مسبقة على المشاريع التجريبية، والاتفاق على بروتوكولات لتبادل المعلومات، وبناء قنوات اتصال مع الوزارات النظيرة والهيئات الصناعية، بحيث تستطيع المبادرات متعددة الأطراف التحرك بسرعة عندما تظهر الفرص.
– دفع المصالح المشتركة من خلال تحالفات جديدة بين القطاعين العام والخاص وبين مؤسسات القطاع الخاص نفسها. تستطيع الشركات أن تكون محركات للتعاون العالمي من خلال الانخراط بطرق مختلفة. فقد كان الحوار بين القطاعين العام والخاص دائمًا آلية مهمة للنهوض بالأولويات العالمية الأساسية، وأصبح اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى لدعم الأمن الاقتصادي في بيئة عالمية سريعة التحول. ومن الأمثلة على ذلك شراكة أمن المعادن التي جرى إنشاؤها بين الحكومات والشركات الرائدة بهدف نقل مجموعة من مشاريع المعادن الحيوية إلى مرحلة الاستثمار. وإضافة إلى ذلك، نظرًا إلى أن تطوير السياسات العامة قد يستغرق وقتًا أطول من المرغوب، يمكن للتعاون بين مؤسسات القطاع الخاص أن يصبح عاملًا مضاعفًا للقوة عندما يركز القطاع الخاص على قضايا محددة تسمح المصالح المشتركة فيها بالتنسيق السريع. ومن الأمثلة على ذلك «اتحاد المرونة» الذي أنشأه المنتدى الاقتصادي العالمي وماكنزي آند كومباني بهدف الجمع بين مرونة الشركات، والرؤية طويلة الأجل للقطاع العام، وقدرة بنوك التنمية متعددة الأطراف على تعبئة رأس المال الخاص.
إن التعامل مع تحديات وفرص اليوم يستلزم عملًا تعاونيًا.
ولم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي التعاون أم لا، بل كيف ينبغي أن يحدث التعاون.
وقد تكون الأساليب الموحدة أكثر هشاشة من أن تتحمل ضغوط مشهد سريع التغير.
وبدلًا من ذلك، سيحتاج القادة إلى التحلي بالحسم في السعي نحو التعاون، مع الحفاظ على المرونة في الأساليب التي يستخدمونها، حتى يكون التعاون قادرًا على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.
الملحق
المصادر والمنهجية
يسلط هذا القسم الضوء على خاصيتين مهمتين من خصائص المؤشرات الـ41 التي يتضمنها البارومتر: المنهجية المستخدمة لبناء الاتجاهات العالمية، بما في ذلك التحويلات التي طُبقت على البيانات عند الحاجة، وتنظيم المؤشرات بحسب كل ركيزة.
التجارة ورأس المال
حصة الدول النامية من الاستثمار الأجنبي المباشر
يُعرَّف الاستثمار الأجنبي المباشر في هذا المؤشر باعتباره الرصيد الوارد للاستثمار المباشر.
ويستخدم الاحتساب تصنيف الدول النامية والمتقدمة وفق التصنيف المعتمد لدى شعبة الإحصاءات في الأمم المتحدة.
حصة الدول النامية من صادرات الصناعات التحويلية
يستخدم الاحتساب تصنيف الدول النامية والمتقدمة وفق التصنيف المعتمد لدى شعبة الإحصاءات في الأمم المتحدة.
رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يُقاس رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بهدف تقييم عمق مراكز الاستثمار المتراكمة عبر الزمن.
الاستثمار في المحافظ المالية الأجنبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
استُخدمت أرصدة نهاية ديسمبر بالنسبة إلى عام 2012، بينما استُخدمت أرصدة نهاية يونيو للفترة من 2013 إلى 2024 بسبب توافر البيانات.
تجارة السلع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يقيس هذا المؤشر قيمة تجارة السلع مقارنة بحجم الاقتصاد.
هجرة العمالة كنسبة من السكان
بالنسبة إلى الدول التي لم تتوفر عنها بيانات لعام 2024، جرى استقراء بيانات المهاجرين الدوليين باستخدام معدل نمو سنوي مركب لخمس سنوات.
المساعدة الإنمائية الرسمية كنسبة من الدخل القومي
قبل عام 2018، كانت المنهجية المستخدمة لتدفقات المساعدة الإنمائية الرسمية تتعامل مع القروض وفق «أساس نقدي»، بمعنى إدراج القيمة الاسمية الكاملة للقرض، ثم طرح عمليات السداد عند حدوثها.
ومنذ عام 2018، أصبحت منهجية «المكافئ للمنحة» هي المعتمدة، بحيث لا يُحتسب ضمن المساعدة الإنمائية الرسمية سوى «جزء المنحة» من القرض، أي القيمة التي تعتبر مقدمة فعليًا بسبب الإقراض بسعر أدنى من أسعار السوق.
التحويلات المالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يقيس هذا المؤشر تحويلات الأموال عبر الحدود مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
تجارة الخدمات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يقيس هذا المؤشر حجم تجارة الخدمات الدولية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
تركّز التجارة
يُعرّف التركّز في هذه الحالة بأنه القيمة الإجمالية للواردات المركزة كنسبة من إجمالي الواردات.
ويُحتسب أولًا مؤشر هيرفيندال-هيرشمان للواردات عبر جميع المنتجات وفي جميع الدول.
ثم تُصنف المنتجات المستوردة في كل دولة باعتبارها «عالية التركّز» عندما تتجاوز قيمة المؤشر 3000، أو «منخفضة التركّز» عندما تقل القيمة عن 3000.
وفي الخطوة الأخيرة، تُجمع القيمة الإجمالية للتجارة في فئتي التركّز على امتداد الزمن، من أجل احتساب الحصة العالمية من قيمة المنتجات ذات التركّز المرتفع والمنخفض.
وجرى استقراء رقم عام 2024 من خلال تطبيق معدل التغير المستنتج من البيانات الجزئية المتوفرة لعام 2024 على البيانات المقابلة لعام 2023، ثم تطبيق هذا المعدل على بقية بيانات عام 2023.
الابتكار والتكنولوجيا
متوسط سعر بطارية الليثيوم-أيون
استُخدمت سلسلتان منشورتان لبناء المسار الاتجاهي على مدى العقد.
وتعرض إحدى السلسلتين بيانات الفترة من 2010 إلى 2018، في حين تعرض الأخرى بيانات من 2013 إلى 2024.
واستُخدمت بيانات السلسلة الأولى للسنوات من 2012 إلى 2018، بينما جرى استقراء بيانات 2019 إلى 2024 باستخدام معدلات النمو السنوية الموجودة في السلسلة الثانية.
تدفقات البيانات عبر الحدود كنسبة من إجمالي حركة الإنترنت
جرى استقراء قيمة الفترة 2023-2024 باستخدام معدل النمو المبلغ عنه في بيانات الاتصالات الدولية.
طلبات براءات الاختراع عبر الحدود كنسبة من إجمالي طلبات البراءات
يقيس هذا المؤشر مدى حدوث عمليات تسجيل براءات الاختراع عبر الحدود مقارنة بإجمالي طلبات البراءات.
البحث والتطوير عبر الحدود كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يُستخدم الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير الممول من بقية العالم لقياس البحث والتطوير عبر الحدود.
ونظرًا إلى عدم توفر بيانات 2024، أُبقيت قيمة هذا المؤشر ثابتة.
الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت
يقيس هذا المؤشر انتشار استخدام الإنترنت بين السكان.
الطلاب الدوليون كنسبة من السكان
نظرًا إلى توافر البيانات، تشمل دول المقصد المدرجة أستراليا وكندا والصين وفرنسا وألمانيا واليابان ونيوزيلندا والنرويج وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
وجرى تقدير قيم عام 2021 للصين والنرويج باستخدام الاستيفاء الخطي.
تجارة سلع ومدخلات تكنولوجيا المعلومات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
جرى استقراء رقم 2024 باستخدام البيانات الجزئية المتاحة لعام 2024 ومقارنتها بالبيانات المقابلة لعام 2023، ثم تطبيق معدل التغير على بقية بيانات 2023.
تجارة خدمات تكنولوجيا المعلومات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يقيس هذا المؤشر قيمة تجارة خدمات تكنولوجيا المعلومات بالنسبة إلى حجم الاقتصاد.
نمو إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية
يقيس هذا المؤشر مقدار التحسن في الإنتاجية الذي لا يمكن تفسيره فقط بزيادة مدخلات رأس المال أو العمل.
المناخ ورأس المال الطبيعي
تمويل التكيف العالمي مع تغير المناخ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
جرى استقراء بيانات عام 2024 باستخدام معدل النمو السنوي المركب للفترة 2013-2023.
انبعاثات غازات الدفيئة
يقيس هذا المؤشر إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا.
كثافة انبعاثات غازات الدفيئة
يقيس هذا المؤشر نسبة الانبعاثات إلى الناتج المحلي الإجمالي.
التجارة العالمية في منتجات التكنولوجيا منخفضة الكربون كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
جرى استقراء رقم عام 2024 من البيانات الجزئية المتاحة لعام 2024 مقارنة ببيانات 2023، ثم تطبيق معدل التغير المستنتج على بقية بيانات 2023.
كما جرى تعديل القيم باستخدام مؤشر أسعار معدات الطاقة النظيفة بهدف عزل أثر تغيرات الأسعار.
المناطق البحرية المحمية
يقيس هذا المؤشر مساحة المناطق البحرية الخاضعة للحماية.
تمويل التخفيف العالمي من تغير المناخ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يشمل تمويل التخفيف التمويل ذي الاستخدام المزدوج، إذ يُفترض أنه يمثل إجمالي التمويل المناخي مطروحًا منه تمويل التكيف.
وجرى استقراء رقم 2024 الخاص بإجمالي التمويل المناخي بالاعتماد على معدل النمو السنوي المركب للفترة 2013-2023.
مؤشر صحة المحيطات
يقيس هذا المؤشر الحالة العامة للنظم البيئية البحرية وقدرتها على تقديم منافع بيئية واقتصادية واجتماعية بصورة مستدامة.
المناطق البرية المحمية
يقيس هذا المؤشر مساحة النظم البيئية البرية التي تخضع للحماية.
الصحة والعافية
البحث والتطوير الدوائي عبر الحدود كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
نظرًا إلى عدم توفر بيانات عام 2024، أُبقيت قيمة هذا المؤشر ثابتة.
المساعدة الإنمائية للصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
يقيس هذا المؤشر الدعم المالي الموجه إلى الصحة في سياق التنمية مقارنة بحجم الاقتصاد.
سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة
استُخدمت القيم المتوقعة للفترة من 2020 إلى 2024.
ويجمع هذا المقياس بين أثر الوفاة المبكرة والأعوام التي يعيشها الأشخاص في حالة مرض أو إعاقة.
تجارة السلع المتعلقة بالصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
جرى استقراء قيمة 2024 عبر تطبيق معدل التغير الموجود في البيانات المبلغ عنها بين 2023 و2024 على قيمة 2023.
درجة اللوائح الصحية الدولية
استُخدم متوسط درجات جميع القدرات التي تقيسها اللوائح الصحية الدولية.
متوسط العمر المتوقع عند الولادة
يقيس هذا المؤشر متوسط عدد السنوات التي يتوقع أن يعيشها الفرد عند الولادة وفق معدلات الوفيات السائدة.
وفيات الأمهات
يقيس هذا المؤشر الوفيات المرتبطة بالحمل والولادة.
وفيات الأطفال دون سن الخامسة
يقيس هذا المؤشر معدل الوفيات بين الأطفال قبل بلوغ الخامسة من العمر.
السلام والأمن
النزاعات
يقيس هذا المؤشر عدد النزاعات المسلحة.
الوفيات الناجمة عن النزاعات
يقيس هذا المؤشر عدد الوفيات المرتبطة بالنزاعات.
الأشخاص المهجرون قسرًا
يقيس هذا المؤشر عدد الأشخاص الذين أجبروا على مغادرة منازلهم بسبب النزاع أو الاضطهاد أو انعدام الأمن.
نسبة عمليات حفظ السلام متعددة الأطراف إلى النزاعات
يقيس هذا المؤشر حجم الاستجابة متعددة الأطراف مقارنة بعدد النزاعات القائمة.
الحوادث السيبرانية الكبيرة
تُعرّف الحوادث السيبرانية الكبيرة بأنها الهجمات الإلكترونية التي تستهدف الهيئات الحكومية أو شركات الدفاع أو شركات التكنولوجيا المتقدمة، أو الجرائم الاقتصادية التي تتجاوز خسائرها مليون دولار.
وجرى استقراء رقم 2024 بالاعتماد على بيانات التحقيقات المتعلقة بخروقات البيانات.
نسبة قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى النزاعات
يقيس هذا المؤشر عدد قرارات مجلس الأمن مقارنة بعدد النزاعات القائمة.
