القائمة الرئيسية

تقرير : من المخطط إلى الواقع: تعزيز الجدوى التجارية للبنية التحتية المشتركة للطاقة – دروس من تحوّل التجمعات الصناعية

تقرير : من المخطط إلى الواقع: تعزيز الجدوى التجارية للبنية التحتية المشتركة للطاقة – دروس من تحوّل التجمعات الصناعية
ملخص الدراسة

يناقش هذا التقرير كيف يمكن للتجمعات الصناعية أن تحوّل خطط إزالة الكربون من مجرد طموحات إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، عبر مشاركة البنية التحتية وتجميع الطلب وتقاسم المخاطر وتنسيق الاستثمار بين الحكومات والقطاع الخاص. ويستعرض نماذج ناجحة من المملكة المتحدة وبلجيكا وهولندا وغيرها، موضحاً كيف ساعدت الأطر التنظيمية الواضحة، ورأس المال العام، واتفاقيات الشراء طويلة الأجل، وإعادة استخدام البنية التحتية القائمة على جذب مليارات الدولارات لمشروعات الهيدروجين واحتجاز الكربون والطاقة النظيفة، قبل أن يخلص إلى أن نجاح التحول الصناعي واسع النطاق يعتمد على حوكمة قوية، وتمويل مبتكر، وشراكات عامة-خاصة قادرة على تحويل خطوط المشروعات الواعدة إلى استثمارات حقيقية.

التقديم

يشهد العالم تحولاً صناعياً واسع النطاق. ويزداد استهلاك الطاقة، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة، في حين تدفع التحولات الجيوسياسية في كثير من المناطق بأمن الطاقة والقدرة التنافسية إلى صدارة الأجندات السياسية وأجندات الشركات. وتتزايد حصة الطاقة المتجددة وتنوع مصادرها، لكن ذلك لا يزال غير كافٍ لتلبية الطلب. وفي الوقت نفسه، تجري إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصبح الموارد أكثر محدودية. ونتيجة لذلك، يُرجح أن تكون الاقتصادات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تجمع بين الكفاءة الصناعية وخلق القيمة محلياً والابتكار في الإنتاج الأنظف.

وتُعد القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، مثل الألمنيوم والأسمنت والصلب والمواد الكيميائية والطيران والشحن والنقل بالشاحنات، العمود الفقري للنمو والوظائف والتجارة، وستظل كذلك في أي اقتصاد مستقبلي. وللحفاظ على قدرتها التنافسية، تحتاج هذه الصناعات إلى التحول بطرق تقلل الانبعاثات وتعزز القيمة على المدى الطويل. ومع ذلك، لا يزال الاستثمار في هذا التحول الصناعي غير كافٍ، إذ لا يتجاوز نحو 30 إلى 50 مليار دولار سنوياً، في حين تواجه العديد من المشروعات منخفضة الكربون صعوبة في الوصول إلى الإغلاق المالي أو الانتقال إلى مرحلة التشغيل، ما يترك فجوة مستمرة بين الأهداف والنتائج.

وسيتطلب سد هذه الفجوة أكثر من مجرد تنفيذ مشروعات منفردة؛ فهو يحتاج إلى ابتكار منهجي في كيفية تنسيق الصناعات وسلاسل القيمة والحكومات والممولين لجهودهم وتنفيذها بشكل مشترك. وهنا يبرز دور التجمعات الصناعية المنظمة جيداً، وهي محور مبادرة «تحوّل التجمعات الصناعية» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي. فمن خلال تجميع الطلب والعرض، وتقاسم البنية التحتية، وتنسيق الاستثمار ضمن نطاق جغرافي محدد، تجعل التجمعات التحول الصناعي أكثر قابلية للتمويل وأكثر جاذبية تجارياً، مع حماية الوظائف وخلق فرص عمل جديدة.

ومنذ إطلاق مبادرة تحوّل التجمعات الصناعية خلال مؤتمر الأطراف السادس والعشرين، نمت لتصبح مجتمعاً عالمياً من التجمعات الصناعية يتمتع بإمكانات تقديرية لخفض ما يعادل 877 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، ويسهم بنحو 508 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويدعم 4.6 مليون وظيفة.

وكان تجمع HyNet North West في المملكة المتحدة، وهو من أوائل التجمعات الموقعة على المبادرة، قد وصل إلى قرار الاستثمار النهائي فيما يتعلق بمنظومة نقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، وهي محطة مهمة توفر نقطة مرجعية لتمويل البنية التحتية المشتركة للطاقة. ويظهر زخم مماثل في التجمعات الصناعية القائمة حول الموانئ، مثل أنتويرب-بروج وروتردام، وكذلك في المراكز الصناعية منخفضة الكربون حول العالم.

ويهدف هذا التقرير إلى توثيق بعض قصص النجاح الناشئة هذه ومشاركتها. وهو يستخلص الدروس المتعلقة بكيفية تنظيم التجمعات، وهيكلة تقاسم المخاطر، وتمويل البنية التحتية المشتركة بطرق تحقق التوافق بين السياسات والاستثمار الخاص. والمقصود هو تقديم مورد عملي لصناع السياسات والممولين وقادة الصناعات الساعين إلى تحويل الأهداف إلى ميزة تنافسية وتحقيق تحول صناعي يتسم في الوقت نفسه بالمتانة الاقتصادية والاستدامة البيئية.

ماثيو بليك
المدير العام، المنتدى الاقتصادي العالمي

جون كولاس
شريك؛ نائب رئيس الخدمات المالية للأمريكتين، مجموعة أوليفر وايمان – مارش

روبرتو بوكا
رئيس مركز الطاقة والمواد؛ عضو اللجنة التنفيذية، المنتدى الاقتصادي العالمي

يناير 2026

الملخص التنفيذي

إن إطلاق المرحلة التالية من التحول الصناعي في منظومات الطاقة أمر بالغ الأهمية لتعزيز القدرة التنافسية للصناعات المحلية، وحماية الوظائف القائمة، وخلق فرص عمل جديدة في قطاع التقنيات النظيفة الآخذ في النمو. ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات نماذج أعمال مبتكرة قادرة على تعبئة رأس المال على نطاق واسع، وتوجيه الموارد بكفاءة، وتنفيذ مشروعات توفر قيمة تجارية ومجتمعية واسعة النطاق.

ويقدم نموذج التجمع الصناعي، الذي تتعاون فيه شركات من قطاعات متعددة ومؤسسات عامة موجودة في الموقع نفسه حول مشروعات منخفضة الكربون وحلول مشتركة، مساراً قوياً للتحول. ويسلط هذا التقرير الضوء على نماذج من التجمعات الصناعية الرائدة، جرى اختيارها لأنها تعرض مشروعات منخفضة الكربون ناجحة وصلت بالفعل إلى قرار الاستثمار النهائي أو باتت قريبة من ذلك. كما يستند إلى أبحاث إضافية حول مجموعة أوسع من التجمعات الدولية التي تستخدم أساليب مبتكرة للتمويل.

ويوضح التقرير كيف يمكن للتجمعات الصناعية أن تمنح المشروعات منخفضة الكربون موقعاً أفضل من خلال ما يلي:

إعداد السوق والسياسات

– حشد الدعم المؤسسي، مع تزايد اعتماد الحكومات سياسات موجهة تدعم جهود التحول داخل التجمعات.

التطوير التقني

– مشاركة البنية التحتية مثل خطوط الأنابيب أو مرافق التخزين، بما يخفض الإنفاق الرأسمالي لكل وحدة ويزيد إلى أقصى حد الاستفادة من الأصول.

– توحيد تنسيق المشروعات في مركز واحد، بما يقلل الازدواجية، ويبسط العمليات، ويعزز ثقة المستثمرين.

تحقيق السوق

– تجميع العرض والطلب بحيث يؤدي تقارب المشروعات جغرافياً إلى توفير أحجام سوق موثوقة وقابلة للتمويل، مع تحسين استخدام البنية التحتية.

– خفض التكاليف من خلال الشراء بالجملة وكفاءة عمليات الإنشاء، مع تمكين «اللاحقين السريعين» من الاتصال بالبنية التحتية بمخاطر أقل، وهو ما يحقق وفورات الحجم.

التعلم والتطوير

– تعزيز الابتكار وتبادل المعرفة، وتسهيل البحوث المشتركة بين المؤسسات المختلفة لتسريع نضج التقنيات الجديدة.

وبناءً على هذه الدروس، يحدد التقرير أربعة محركات رئيسية للنجاح في تمويل البنية التحتية المشتركة للطاقة.

بالنسبة للصناعة

إنشاء جهة لإدارة التجمع: توحيد عمليات تنسيق التصاريح، وتطوير المشروعات، والإدارة المالية، والتواصل مع أصحاب المصلحة تحت إشراف جهة موثوقة لإدارة التجمع، بما يضمن كفاءة تنفيذ المشروعات وحوكمتها.

تجميع الموارد والاستثمار في بنية تحتية مهيأة للمستقبل: الاستفادة من المشتريات المشتركة والاستثمار المشترك في الأصول المشتركة، مثل خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والربط بالشبكة، لتحسين التكاليف الأولية وتهيئة المشروعات للتغيرات المستقبلية في الأسواق واللوائح.

مواصلة إبرام اتفاقيات شراء قوية: لضمان الجدوى التجارية خلال مرحلة التشغيل، ينبغي هيكلة عقود طويلة الأمد بين الموردين والمشترين، مثل اتفاقيات «خذ أو ادفع»، لتعزيز اليقين بشأن الإيرادات، والجدوى التشغيلية، وثقة المقرضين.

بالنسبة للحكومات

  1. استخدام رأس المال العام لتوظيف أدوات مالية ملائمة لكل مرحلة: يمكن للحكومات المحلية والوطنية النظر في ترتيب استخدام أدوات مثل الضمانات وآليات تثبيت الإيرادات عبر مراحل المشروع المختلفة. وفي بيئة التجمعات، يمكن لهذه الأدوات أن تخفض مخاطر البنية التحتية المشتركة وخط المشروعات المنسق، بما قد يجعل الدعم العام أكثر كفاءة وقابلية للتوسع.

وسيتطلب تحقيق التحول الصناعي على نطاق واسع اعتماد أساليب مبتكرة لتقاسم المخاطر وشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتوفر التجمعات الصناعية مساراً قادراً على المنافسة تجارياً لتحقيق هذا التحول ودعم اقتصاد عالمي مرن ومستدام.

إن التحول الصناعي في منظومات الطاقة يمثل محركاً قوياً للقدرة التنافسية والابتكار وخلق فرص العمل.

1. المقدمة: التجمعات بوصفها محركات للتحول الصناعي

مع تسريع البلدان والشركات لجهودها الرامية إلى تحقيق أهداف إزالة الكربون، فإنها تبحث عن طرق جديدة لخلق القيمة والحفاظ على القدرة التنافسية، بالتوازي مع خفض الانبعاثات.

1.1 واقع التحول الصناعي

يواصل الطلب العالمي على الطاقة ارتفاعه، إذ نما الاستهلاك بنحو 2% خلال عام 2024، مدفوعاً إلى حد كبير بالدول الواقعة خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي الوقت نفسه، يعيد السباق نحو إزالة الكربون تشكيل المنافسة العالمية. وحتى منتصف عام 2025، أعلنت 140 دولة، تمثل أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أهدافاً للوصول إلى صافي انبعاثات صفري أو كانت تدرس اعتماد مثل هذه الأهداف، كما تتجه نسبة متزايدة من كبرى الشركات إلى إزالة الكربون من عملياتها.

لكن العالم لا يزال بعيداً بدرجة كبيرة عن المسار المطلوب. ففي نوفمبر 2025، أفاد برنامج الأمم المتحدة للبيئة بأنه حتى في حال التنفيذ الكامل لجميع المساهمات المحددة وطنياً الحالية، فإن الاحترار المتوقع خلال هذا القرن سيظل عند 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية، وقد يصل إلى 2.8 درجة مئوية في ظل السياسات الحالية، وهو تحسن هامشي فقط مقارنة بالعام السابق.

ويؤكد ذلك اتساع الفجوة بين ارتفاع مستوى الطموح وبين التخفيضات الفعلية للانبعاثات على أرض الواقع، ويوضح أن الجهود الحالية لا تزال غير كافية للحفاظ على الأهداف المناخية ضمن نطاق آمن يمكن تحقيقه.

ومع ذلك، يتزايد الزخم، إذ حدّثت 61 دولة مساهماتها المحددة وطنياً في عام 2025، ما أدى إلى تكثيف البحث عن حلول قابلة للتوسع تجمع بين القدرة التنافسية وانخفاض الانبعاثات. ويتحول التركيز بصورة متزايدة نحو نماذج أعمال قوية تعزز مرونة القطاعات الصناعية، خصوصاً في الوقت الذي تواجه فيه أمن الطاقة تحديات ناتجة عن التحولات الجيوسياسية.

وتقع قطاعات صناعية مثل الألمنيوم والأسمنت والصلب والمواد الكيميائية والطيران والشحن والنقل بالشاحنات في قلب هذا التحول. فهي مسؤولة عن نحو 40% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، وتشكل عنصراً أساسياً في الناتج الاقتصادي والوظائف.

وتعد إزالة الكربون من هذه القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها عملية معقدة، وستتطلب مستويات غير مسبوقة من الابتكار والاستثمار والتعاون.

ولا تزال أبرز العوائق أمام تحول الصناعات الثقيلة تتمثل في:

– جاهزية التكنولوجيا والسوق: لا تزال العديد من التقنيات النظيفة في مرحلة النضج، والحلول القابلة للتوسع ليست متاحة دائماً.

– ارتفاع تكاليف رأس المال: يتطلب تحديث المنشآت الصناعية وإنشاء بنية تحتية جديدة استثمارات أولية كبيرة، ما قد يثني أصحاب المصلحة عن الاستثمار، لا سيما في الأسواق التي يسودها عدم اليقين.

– قيود سلاسل الإمداد: يؤدي ضعف تطور سلاسل القيمة المتكاملة من البداية إلى النهاية بالنسبة للتقنيات والمواد الناشئة إلى الحد من قدرتها على التوسع.

– السياسات والتصاريح: قد تؤدي فترات الموافقة الطويلة والدعم التنظيمي غير المتسق إلى تعطيل المشروعات وخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين.

ويمثل التصدي لهذه العوائق ضرورة اقتصادية وتنافسية. فالاستثمار يتجه في نهاية المطاف إلى العوائد، ولذلك فإن توسيع نطاق المشروعات الصناعية منخفضة الكربون يعتمد على توفير ربحية موثوقة وأداء مناسب للمخاطر.

ومع الحاجة إلى استثمارات إضافية تقدر بنحو 30 تريليون دولار بحلول عام 2050 لإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، سيعتمد التقدم على وجود طلب قوي في السوق، وسياسات مستقرة، وتخفيض للمخاطر يؤدي فعلياً إلى تحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات. ويمكن للتجمعات الصناعية المنظمة جيداً أن تؤدي دوراً رئيسياً في جعل هذا التحول قابلاً للاستثمار وقادراً على المنافسة دولياً.

1.2 بناء الحجة لصالح التجمعات الصناعية منخفضة الكربون

الاستثمار في الطاقة النظيفة يتجاوز الآن الاستثمار في الوقود الأحفوري

شهد جانب الاستثمار تطورات كبيرة. فقد ارتفع الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة، وفي عام 2024 مثلت الطاقة النظيفة أكثر من 60% من إجمالي الاستثمارات في قطاع الطاقة، ووصلت قيمتها التقديرية إلى تريليوني دولار تقريباً. وذهب نحو 40% من ذلك إلى توليد الطاقة المتجددة.

وتوضح تجربة مصادر الطاقة المتجددة كيف يمكن للأطر السياسية القوية والحوافز أن تساعد في بناء أسواق مستدامة وقادرة على الاعتماد على نفسها والمنافسة مع مصادر الطاقة التقليدية. وهناك حاجة الآن إلى تحول مماثل فيما يتعلق بالجزيئات النظيفة والتقنيات المطلوبة لإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها.

استثمارات التحول الصناعي شهدت حالة من الركود

خلال السنوات الثلاث الماضية، ظل الاستثمار في كفاءة الطاقة وكهربة الاستخدام النهائي مستقراً إلى حد كبير، مع توجيه معظم رأس المال إلى قطاعي المباني والنقل. وفي المقابل، بلغ الاستثمار في قطاع الصناعة في المتوسط نحو 50 مليار دولار سنوياً.

وتشير تحليلات أخرى إلى أنه، باستثناء الارتفاع الكبير إلى 75 مليار دولار في عام 2023 والذي كان مدفوعاً إلى حد كبير بالزيادة في الالتزامات تجاه مشروعات الصلب النظيف، بلغ متوسط إجمالي الاستثمار في «اقتصاد الصناعة النظيفة» الأوسع نطاقاً نحو 32 مليار دولار سنوياً منذ عام 2020.

ولا تكمن المشكلة في نقص الطموح، بل في القدرة على تحويل هذا الطموح إلى مشروعات قابلة للتمويل. ويمكن ملاحظة بعض التقدم، إذ ازداد عدد المشروعات منخفضة الكربون التي بلغت الإغلاق المالي بين عامي 2020 و2024. لكن الحجم الإجمالي للتمويل لا يزال غير كافٍ.

وفي نوفمبر 2025، كان هناك خط قوي يضم نحو 700 منشأة تتوافق مع مسار صافي الانبعاثات الصفري، إلا أن خُمس المنشآت الصناعية النظيفة المطلوبة فقط كان ممولاً في ذلك الوقت.

ولتسريع التحول الصناعي، يجب أن تصبح المشروعات منخفضة الكربون قابلة للاستمرار من الناحية التجارية، بحيث يستطيع المطورون والشركات والممولون تبرير بناء بنية تحتية جديدة وتحديث الأصول الحالية. وما ينقص هو نموذج تنفيذ يستطيع تحويل خط مشروعات مجزأ إلى حجم استثماري قابل للتمويل.

التجمعات الصناعية توفر مساراً قوياً لتسريع التحول في المستقبل

التجمعات الصناعية هي مناطق جغرافية تتعاون فيها شركات ومؤسسات عامة متجاورة حول رؤية مشتركة. ويعد تركيز الاستثمار في التجمعات نهجاً مجرباً اعتمدته الحكومات وقادة الصناعات لتسريع النمو ودعم تطوير الأسواق في مراحلها المبكرة.

وقد استخدمت الحكومات منذ فترة طويلة التجمعات أداةً للتنمية الإقليمية والاقتصادية. وتعد المناطق الاقتصادية الخاصة مثالاً بارزاً على ذلك؛ فمن خلال تركيز الحوافز والأراضي الحاصلة مسبقاً على التصاريح والبنية التحتية الممكنة، أتاحت المناطق الاقتصادية الخاصة في دول مثل الصين «نقاط خدمة موحدة» إدارية وقواعد وعقوداً موحدة وحوافز مالية وتنظيمية موجهة تقلل تكاليف المعاملات وعدم اليقين، وتجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

وفي هذا السياق، يبرز نموذج التجمعات الصناعية باعتباره مساراً قوياً لتحرير التمويل وتسريع التحول الصناعي. فمن خلال تجميع الطلب، وإتاحة البنية التحتية المشتركة، وتبسيط العمليات بواسطة حوكمة مركزية، تخلق التجمعات منظومات استثمارية كبيرة ومتنوعة تساعد على تقليل مخاطر المشروعات الأولى من نوعها، وتجعل التقنيات منخفضة الكربون أكثر كفاءة من حيث التكلفة وأكثر قابلية للاستمرار تجارياً.

ويتوقف إطلاق الإمكانات الكاملة للتجمعات الصناعية منخفضة الكربون على جعل المشروعات قابلة للتمويل. فالتنظيم القابل للتنبؤ، والحوكمة القوية، والجهات الراعية المرنة، عناصر أساسية لتقليل مخاطر الاستثمارات المعقدة وحشد رأس المال على نطاق واسع. وتجمع التجمعات الطلب، وتتقاسم البنية التحتية، وتفتح مسارات تمويل جديدة، بما يحول خطوط المشروعات الواعدة إلى مشروعات حقيقية.

كارلوس توريس فيلا، رئيس BBVA

وتدعو توصيات السياسات بصورة متزايدة إلى اعتماد مناهج مماثلة لدعم التحول الصناعي منخفض الكربون. ففي سبتمبر 2024، اقترح تقرير للاتحاد الأوروبي حول مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية تطويراً منسقاً لـ«تجمعات صناعية إقليمية خضراء حول الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في الاتحاد الأوروبي»، لدعم إزالة الكربون من تلك الصناعات، سواء من خلال تعزيز «التكافل الصناعي» في التجمعات القائمة أو بإنشاء تجمعات إقليمية خضراء جديدة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وبالمثل، أشار تحليل حديث حول تعزيز تصنيع التقنيات النظيفة إلى أن التكاليف المرتبطة بهذه المنشآت تكون عادة أقل في الصين، ويرجع ذلك جزئياً إلى قدرتها على تنظيم «تجمعات صناعية تغطي سلسلة القيمة بأكملها».

كما أشارت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين إلى المتنزهات والتجمعات الصناعية باعتبارها عنصراً مركزياً في إجراءاتها الإدارية الخاصة بإدارة الاستثمارات الواردة في الميزانية المركزية لتوفير الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.

التواجد المشترك داخل التجمعات يعزز الجدوى التجارية للتكنولوجيا النظيفة

تعمل التجمعات الصناعية النظيفة الرائدة اليوم على تعظيم فوائد التواجد المشترك. فالموانئ والمناطق الصناعية تنشئ مسارات مخصصة لنقل الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون المحتجز عبر خطوط أنابيب مشتركة وشبكات نقل أخرى.

ويمنح التقارب الجغرافي الشركات ميزة طبيعية في العثور على مستخدمين للبنية التحتية المشتركة ومشترين لمنتجات الطاقة، ما يجعل المشروعات الفردية منصات استثمارية أكثر جاذبية. وبالنسبة للرواد الأوائل في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، تساعد التجمعات على تجاوز أحد أهم عوائق التمويل: القدرة على تأمين مشترين موثوقين على المدى الطويل.

ويركز هذا التقرير بصورة خاصة على التمويل والجدوى التجارية للبنية التحتية المشتركة للطاقة داخل التجمعات الصناعية.

ولإثراء هذا التحليل، أجرى فريق المشروع 13 مقابلة معمقة بين أغسطس وسبتمبر 2025 مع مديري تجمعات وممولين ومطوري مشروعات في مجموعة مختارة من التجمعات الصناعية. وقد أُجريت هذه المقابلات خصيصاً لهذا التقرير، واستُكملت بأبحاث مكتبية موجهة، لتشكل الأساس لدراسات الحالات الفردية ومعظم النتائج المعروضة هنا.

وبناء على هذا البحث، تقوم هذه الورقة بما يلي:

– توضيح الجدوى المالية والتجارية للتجمعات الصناعية منخفضة الكربون، مع التركيز على تحسين هياكل رأس المال، وآليات تقاسم التكاليف، واستراتيجيات الحد من المخاطر، وعوامل النجاح الرئيسية.

– تسليط الضوء على تجمعات تقع في مراحل مختلفة من النضج في طريقها نحو قرار الاستثمار النهائي، بدءاً من التجمعات المبكرة التي بدأت إظهار فوائد التمويل الناتجة عن النهج المتكامل، وصولاً إلى التجمعات المتقدمة التي تستفيد من البنية التحتية المشتركة والتعاون لتسريع الحصول على التمويل.

– استخلاص الدروس والتوصيات الرئيسية لمطوري المشروعات وصناع السياسات الراغبين في توسيع نطاق التحول الصناعي من خلال التجمعات.

وبالنسبة للرواد الأوائل في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها، تساعد التجمعات في تجاوز أحد أهم عوائق التمويل: القدرة على تأمين مشترين موثوقين.

1.3 نطاق التقرير والمنهجية

يركز التقرير على نماذج التمويل والجدوى التجارية للبنية التحتية المشتركة للطاقة في التجمعات الصناعية، اعتماداً على دراسات حالات لمشروعات بلغت قرار الاستثمار النهائي أو اقتربت منه، وعلى مقابلات معمقة وأبحاث مكتبية موجهة.

2. نهج التجمعات: فوائد متعددة للمشروعات منخفضة الكربون

توفر التجمعات الصناعية فرصة فورية وفعالة لاتخاذ إجراءات تحويلية، ولا سيما في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها.

2.1 ما الذي يمكن تعلمه من مجموعة مختارة من التجمعات منخفضة الكربون؟

تضم مبادرة «تحوّل التجمعات الصناعية» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي 40 تجمعاً صناعياً نشطاً، توفر مجتمعة إمكانات تقديرية لخفض ما يعادل 877 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وتسهم بنحو 508 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتحمي أو تخلق 4.6 مليون وظيفة.

ويعتمد التقدم في هذه التجمعات على كل من المشروعات منخفضة الكربون، مثل إنتاج الهيدروجين أو احتجاز الكربون، وتطوير البنية التحتية المشتركة المُمكِّنة. وتشمل البنية التحتية منخفضة الكربون شبكات نقل وتخزين ثاني أكسيد الكربون أو خطوط أنابيب الهيدروجين ومراكز التخزين التي تربط عدة مشروعات ببعضها.

ويحدد التقرير ثلاثة نماذج أو أنماط عامة لتمويل المشروعات منخفضة الكربون وتطويرها داخل التجمعات الصناعية:

التمويل الذي تتيحه الحكومة

في البلدان التي تتمتع ببيئة سياسية قوية وداعمة، وحيث توجد لدى المستثمرين رؤية واضحة لآليات الدعم الحكومي، تستطيع المشروعات جمع التمويل من مصادر متعددة، بما في ذلك التمويل التجاري للمشروعات إلى جانب الاستثمارات الرأسمالية التي يقدمها المطورون.

البيئة السياسية: لوائح وحوافز متقدمة وواضحة للمشروعات.

التمويل: تحقق المشروعات قابلية التمويل بفضل اليقين التنظيمي، ما يسمح بجذب استثمارات القطاع الخاص على نطاق واسع.

الحوكمة: يكون دور إدارة التجمع في الغالب تيسيرياً، بينما يحدد الفاعلون من القطاع الخاص وتيرة التقدم.

التمويل القائم على رأس المال العام

يظهر هذا النهج في المواقع التي توجد فيها درجة من التوجه الاستراتيجي للسياسات، ولكن المستثمرين والممولين الخارجيين يشعرون بقدر أقل من اليقين تجاه الحوافز الحكومية، ما يدفع الجهات التي تدير التجمعات إلى أداء دور أكثر نشاطاً في خفض مخاطر المشروعات.

البيئة السياسية: متوسطة النضج، مع وجود بعض التوجهات الاستراتيجية واللوائح الممكنة، لكن بدرجة أقل من اليقين.

التمويل: تؤدي الجهات المسؤولة عن إدارة التجمعات، وغالباً ما تكون سلطات عامة، دور المستثمر الأساسي، من خلال إطلاق المشروعات الأولية، وتقديم الضمانات، أو الاستثمار المباشر المشترك.

الحوكمة: تتدخل الجهات التي تدير التجمعات مالياً في كثير من الأحيان، وتؤدي دوراً مركزياً في تنسيق أصحاب المصلحة وخفض مخاطر الاستثمار.

التمويل الذي يقوده مطور واحد

في المواقع التي لا تستطيع فيها المشروعات الوصول مباشرة إلى الدعم الحكومي، لكن يوجد فيها طلب قوي على التقنيات النظيفة، غالباً ما يوظف المطورون الأفراد مبالغ رأسمالية كبيرة لدفع المشروعات إلى الأمام، ويتحملون مخاطر التكنولوجيا والسوق في المراحل الأولى.

ويتمثل أحد أهم عناصر التمكين في هذه الحالات في قدرة المطور على خفض التكاليف وتأمين اتفاقيات شراء طويلة الأجل.

البيئة السياسية: حوافز أو إرشادات محدودة للمشروعات منخفضة الكربون داخل التجمعات.

التمويل: يتولى مطور واحد قيادة تطوير المشروع والبنية التحتية.

الحوكمة: تنسيق محدود على مستوى التجمع ككل، ويعتمد نجاح المشروع بدرجة كبيرة على التزام الجهة الراعية ورأس المال المتاح لديها.

2.2 فوائد التمويل في التجمعات منخفضة الكربون

من منظور التمويل، توجد مزايا متعددة لوجود المشروعات منخفضة الكربون داخل تجمع صناعي.

حشد الدعم المؤسسي من الحكومة

يسهم الدعم التنظيمي الحكومي طويل الأمد والموجه، وخاصة عندما يقترن بدعم أوسع من المجتمعات المحلية، في زيادة استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر وتخصيص رأس المال للمشروعات منخفضة الكربون.

وتشجع السياسات العامة وبرامج التمويل والأطر التنظيمية النمو والقدرة التنافسية داخل التجمع.

مشاركة البنية التحتية

يؤدي إتاحة البنية التحتية المشتركة لعدة مستخدمين، على سبيل المثال لمجموعة من الجهات المصدرة لثاني أكسيد الكربون أو مستخدمي الهيدروجين، إلى تقليل الازدواجية وتمكين تقاسم التكاليف. ويخفض ذلك حجم الاستثمار المطلوب من كل مستخدم ويرفع معدلات الاستفادة من الأصول.

وتتيح الشركات لنفسها الوصول إلى مرافق مشتركة وروابط نقل ومرافق خدمية وخدمات متخصصة تقلل الازدواجية وتحسن الكفاءة.

توحيد تنسيق المشروعات

يتيح التعاون الفعال بين أصحاب المصلحة داخل التجمعات تخصيص رأس المال بكفاءة أكبر. فهو يقلل احتمال وجود طلبات استثمار متداخلة، ويبسط عملية الوصول أمام الممولين، ويعزز الثقة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تخصيص أكثر كفاءة لرأس المال.

ومن خلال مواءمة الأدوار والمسؤوليات بين أطراف متعددة، تساعد التجمعات كذلك على إعادة توزيع المخاطر نحو الأطراف الأكثر قدرة على إدارتها، ما يخفض مستوى تعرض المشروع الفردي للمخاطر ويحسن القابلية الإجمالية للتمويل.

وإضافة إلى ذلك، فإن تسهيل التوافق بين مصالح أصحاب المصلحة والقيود التي يواجهونها يساعد نهج التجمعات على ضمان قبول الأطراف المختلفة، ما يقلل مخاطر حدوث تعطيلات.

ومن المزايا المهمة الأخرى لنموذج التجمعات إمكانية تسريع إجراءات إصدار التصاريح، ما يساعد على الحد من التأخير وتجاوز التكاليف المخطط لها.

تجميع العرض والطلب

يؤدي وضع مصادر الطاقة والتكنولوجيا بالقرب من مواقع الطلب إلى توليد أحجام إنتاج أكبر للبنية التحتية الأساسية، ما يزيد من مصداقية المشروع أمام المقرضين التجاريين والجهات الحكومية الممولة.

وإضافة إلى ذلك، فإن وضع العمليات الصناعية خلف عداد الكهرباء إلى جانب إمدادات الطاقة، عندما تتوفر موارد متجددة وفيرة، يمكن أن يقلل المخاطر الناتجة عن ارتفاع تكلفة الوصول إلى الشبكات واختناقاتها.

ويؤدي القرب الجغرافي إلى تركيز السوق، ما يسهل على الموردين العثور على المشترين والعكس.

خفض التكاليف

تتيح فرص الشراء بالجملة وتحسين كفاءة الإنشاء للتجمعات تحقيق وفورات أكبر في الحجم. فعلى سبيل المثال، قد تمنح التجمعات القائمة مسبقاً فرصة لتكييف بنى تحتية موجودة بالفعل مثل خطوط الأنابيب ومحطات التخزين.

ويمكن لذلك خفض الإنفاق الرأسمالي الأولي مع ضمان تلبية الأصول للاحتياجات المتغيرة. ومع ذلك، تظل عمليات التحديث كثيفة رأس المال، ويتطلب تحقيق الوفورات إدارة دقيقة للتكاليف الخفية والتعقيدات الإضافية.

كما يخلق التجمع فرصة للمستخدمين الإضافيين الموجودين بالفعل في المنطقة، مثل الشركات التي تلحق سريعاً بالمبادرين الأوائل، للاتصال بالبنية التحتية بكفاءة والاستفادة من مزايا التكاليف، بما يوزع المخاطر على نطاق أوسع.

وتساعد الموارد المشتركة والشراء بالجملة وتقليص مسافات النقل على تحقيق وفورات الحجم وخفض نفقات التشغيل.

تعزيز الابتكار وتبادل المعرفة

تساعد القدرة على التعاون في البحث والتطوير مع مؤسسات أخرى، ومشاركة أفضل الممارسات، على خفض مخاطر التكنولوجيا وتسريع تنفيذ المشروعات ودفع المشروعات منخفضة الكربون نحو بلوغ مستويات تكلفة مماثلة للتقنيات ومصادر الطاقة التقليدية.

كما أن التفاعل المتكرر بين الشركات والمؤسسات البحثية والعمال المهرة يعزز تطوير تقنيات مبتكرة.

وتساعد الفوائد الست السابقة للتجمعات الصناعية على تقوية الحجة الاستراتيجية لصالح التجمعات عند السعي للحصول على التمويل.

وأشار المشاركون في مقابلات التقرير إلى أن إظهار الدعم الموحد من أصحاب المصلحة على امتداد سلسلة القيمة ضمن طلبات التمويل يزيد من الأهمية المتصورة للمشروعات ومصداقيتها، ويوفر أدلة ملموسة يمكن أن تساعد على تحرير رأس المال العام.

ويمكن لهذه المزايا المؤسسية أيضاً تقليص الوقت اللازم للحصول على التصاريح، ووضع قواعد واضحة لاستخدام البنى التحتية المشتركة مثل خطوط الأنابيب وتخزين ثاني أكسيد الكربون والربط بالشبكات، وإنشاء أطر أكثر قابلية للتنبؤ تقلل المخاطر وتساعد على تعبئة رأس المال للمبادرين الأوائل.

التزامات المشترين تحفز الاستثمار

يؤدي تأمين عقود شراء واسعة النطاق من المبادرين الأوائل إلى تحقيق قدر أكبر من اليقين بشأن الإيرادات، ما يعزز ثقة المقرضين والمستثمرين ويرسخ الطلب بالنسبة لأصحاب الأصول.

وفي حالة مجمع Chifeng الصناعي ذي صافي الانبعاثات الصفري، أتاحت اتفاقية شراء طويلة الأجل للأمونيا الخضراء مع شركة ماروبيني لمجموعة Envision الالتزام ببناء مصنع تجاري للأمونيا الخضراء.

وبالمثل، يضمن التزام TotalEnergies بمشروع محلل الكهرباء ELYgator في ميناء روتردام وجود طلب مضمون على الهيدروجين النظيف الجاري تطويره.

وفي التجمعات المقامة على مواقع جديدة كلياً لا توجد فيها بنية تحتية سابقة، ولا سيما في الأسواق الناشئة، من المهم ضمان تطوير سلسلة القيمة الأوسع، على سبيل المثال من خلال الاستثمار في الموردين الأصغر وتنمية المهارات.

لكن مجرد وجود تجمع لا يجعل المشروع تلقائياً «قابلاً للتمويل». وهناك أربعة اعتبارات رئيسية تحدد ما إذا كانت المشروعات الموجودة داخل التجمع ستتجاوز حواجز الاستثمار:

– يؤدي التنسيق والتكامل إلى خلق القيمة، إلا أن تجزؤ الملكية يزيد التعقيد؛ وهنا يصبح دور مدير التجمع أساسياً.

– قد توفر مشروعات البنية التحتية نقطة ارتكاز للتنمية منخفضة الكربون، لكن التزام المبادرين الأوائل والمشترين هو العامل الذي يحفز الاستثمار فعلياً.

– الدعم الحكومي ضروري، لكن لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع. وينبغي استخدام أدوات القطاع العام لخفض المخاطر بطريقة تحقق أعلى كفاءة، وأن تركز على المخاطر التي لا توجد طريقة أخرى معقولة لتغطيتها.

– يمكن لـ«تأثير الهالة» الذي يخلقه التجمع أن يخفض المخاطر الإجمالية، لكن يجب على كل مشروع أن يجتاز عتبات الاستثمار بصورة مستقلة.

2.3 أربعة اعتبارات تحدد قابلية المشروعات للاستثمار

تجزؤ الملكية يزيد التعقيد: مدراء التجمعات يؤدون دوراً حيوياً

تؤدي ميزة التنسيق التي تتيحها التجمعات، من خلال تجميع الطلب وتقاسم الأصول، إلى كفاءات مالية، لكنها تتطلب إدارة دقيقة للتعقيدات التي قد تنشأ بسبب تعدد المالكين وأصحاب المصلحة.

ويعد دور مدير التجمع بالغ الأهمية حتى تتحقق الفائدة التمويلية للتجمعات بالكامل. وعادة ما يكون مدير التجمع مطور مشروع واحداً أو جهة عامة، مثل سلطة ميناء، تمتلك الموارد والصلاحيات والحوافز اللازمة لضمان توافق المشروعات وإدارة المصالح المشتركة للأطراف ذات الصلة.

وغالباً ما يكون مديرو التجمعات محوريين في ضمان الحوكمة الفعالة وتنفيذ المشروعات بنجاح والتعاون بين أصحاب المصلحة.

وتزداد صعوبة مواءمة المصالح المتنوعة مع تطور اللوائح والأسواق والتقنيات، ما يزيد الحاجة إلى حوكمة قوية وإدارة ماهرة لأصحاب المصلحة.

ويظهر ذلك بصورة خاصة عندما يشارك في التجمع عدد من المؤسسات المملوكة للقطاع الخاص، مقارنة بالجهات العامة التي تتمتع في الغالب بمرونة أكبر فيما يتعلق بتوقعات العائد والاستعداد لتحمل المخاطر.

وغالباً ما تكون المشاركة الفاعلة للقطاع العام محورية في المشروعات الأولى من نوعها. فالممولون يحتاجون إلى الثقة في الاستقرار التنظيمي وفي وجود دعم مجتمعي أوسع لتقليل مخاطر التعطيل.

لكن هذا الدعم يتجسد بطرق مختلفة. ففي هولندا، قامت مؤسسات مملوكة للدولة بترسيخ الاستثمار المبكر في البنية التحتية لمشروع Porthos، أول مشروع هولندي لاحتجاز الكربون وتخزينه يصل إلى قرار الاستثمار النهائي. وقبلت هذه المؤسسات بعوائد استثمارية أقل، وأدارت المخاطر التنظيمية ومخاطر التصاريح، ما أتاح للمؤسسات الخاصة تركيز رأس مالها على تطوير مشروعات احتجاز الكربون.

الدعم الحكومي ضروري، لكن لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع

في المملكة المتحدة، وعلى النقيض من هولندا، قادت المؤسسات الخاصة تطوير المشروعات وتمويلها في كل من تجمع HyNet North West وتجمع Humber، ضمن إطار تنظيمي مدعوم من الحكومة ونماذج أعمال واضحة توفر يقيناً طويل الأجل بشأن الإيرادات.

أما في التجمع الصناعي في قرطاجنة بكولومبيا، فتستخدم مؤسسات خاصة ميزانياتها العمومية لتجربة مرافق الهيدروجين وبنائها، في حين تعتمد على الحكومة للحصول على أشكال دعم غير رأسمالية، مثل التصاريح، والوضوح التنظيمي، والإشارات الاستراتيجية للسياسات.

ويجسد ذلك نموذجاً يقوم فيه القطاع العام بالتمكين والتنسيق، بينما يتحمل المطورون من القطاع الخاص نسبة أكبر من الاستثمار الأولي.

ومع تزايد القيود على ميزانيات القطاع العام، يصبح من الضروري استخدام أدوات الحكومة لتقليل المخاطر بأكبر قدر ممكن من الكفاءة، وتركيزها على المخاطر التي لا تستطيع الأسواق تحملها بشكل معقول.

وفي هذا السياق، ستؤدي التدابير غير الرأسمالية، مثل تبسيط إصدار التصاريح وجعل اللوائح أكثر وضوحاً وقابلية للتنبؤ، دوراً متزايداً.

يجب على كل مشروع اجتياز حواجز الاستثمار بصورة مستقلة

رغم أن «تأثير الهالة» الذي يخلقه التجمع قد يزيد جاذبية الاستثمار، فإن هياكل التمويل الشاملة أو المجمعة لجميع المشروعات تظل نادرة.

فكل مشروع داخل التجمع لا يزال يخضع لإجراءات العناية الواجبة الخاصة به ولمستويات المخاطر المقبولة بالنسبة إليه.

وتبين النماذج التمويلية التي يستعرضها التقرير أن نطاقاً واسعاً من أنواع رأس المال وهياكل التمويل يمكن استخدامه لدعم مشروعات التحول واسعة النطاق، بما في ذلك تمويل المشروعات، والاستثمارات الرأسمالية، ورأس المال السهمي، والمنح، وعقود الفروقات.

كما أن تنوع نماذج التشغيل، مثل المشروعات المشتركة واتفاقيات الشراكة والمشغلين المنفردين، يبرز مدى المرونة المطلوبة لتحقيق توازن فعال بين مخاطر المشروع ومصالح أصحاب المصلحة وديناميكيات السوق المتغيرة.

وغالباً ما تظهر سرعة الوصول إلى السوق بوصفها العامل الأكثر أهمية، إذ تؤثر في خيارات التمويل والتشغيل على حد سواء.

ومن المهم الإشارة إلى أن مخاطر «المشروع المعتمد على مشروع آخر» في مرحلة الإنشاء، أي الحالات التي تعتمد فيها الجدوى المالية لمشروع على إتمام مشروع آخر بنجاح، تشكل تحدياً خاصاً.

فحجم هذه المشروعات وتعقيداتها يتطلبان في كثير من الأحيان مشاركة عدد من المقاولين في تطوير البنية التحتية، نظراً لحجم مخاطر التنفيذ ومستوى الخبرة التقنية المطلوبة. وفي هذا السياق، يصبح وجود مدير للتجمع يتمتع بقدرة قوية على التنسيق وجمع الأطراف أمراً محورياً.

3. مسارات قابلة للتطبيق لتحول الصناعات الثقيلة من خلال التجمعات الصناعية

توضح التجمعات الصناعية المختلفة كيف يمكن للبنية التحتية المشتركة والتنسيق الحكومي والتمويل المبتكر تسريع تحول الصناعات الثقيلة.

وفي تحول الصناعات الثقيلة، تشكل اللوائح مستوى الطلب، بينما تعني علاوة التكلفة المرتبطة بالحلول منخفضة الكربون أن نماذج التعاون تختلف حسب الإطار التنظيمي.

ويركز هذا الفصل على ثلاثة أنماط تمويل ظهرت في الممارسة العملية: التمويل الذي تتيحه الحكومة، والتمويل القائم على رأس المال العام، والتمويل الذي يقوده مطور واحد.

ومن خلال الاستفادة من خبرات تجمعات دولية، يوضح الفصل كيف يمكن للبنية التحتية المشتركة والتنسيق الحكومي والتمويل المبتكر تسريع تحول الصناعات الثقيلة عبر هذه الأنماط المختلفة.

وفي إطار هذه الأمثلة الأوسع، يطور التقرير «مخططات تمويلية» تفصيلية لمجموعة مختارة من التجمعات التي وصل فيها مستوى نضج المشروعات وتوفر المعلومات العامة إلى درجة تسمح بتوضيح هياكل رأس المال وتوزيع المخاطر بصورة موثوقة في الممارسة العملية.

وتعتمد هذه التجمعات على توليفات مصممة وفقاً لاحتياجاتها تجمع بين رأس المال الخاص والدعم العام وآليات تقاسم المخاطر.

ومن خلال تركيز الطلب الصادر عن جهات متعددة مصدرة للانبعاثات وعن مستخدمين محتملين للطاقة النظيفة، إلى جانب الاستفادة من شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص، تضم هذه التجمعات مشروعات وصلت بالفعل إلى قرار الاستثمار النهائي أو أصبحت قريبة منه.

ورغم إمكانية استخلاص دروس مهمة من هذه الأمثلة، من الضروري إدراك أنه لا توجد وصفة واحدة تصلح للجميع، إذ تتشكل استراتيجية التمويل الخاصة بكل تجمع وفقاً للسياق المحلي والبيئة التنظيمية وديناميكيات أصحاب المصلحة ومتطلبات المشروعات.

3.1 التمويل الذي تتيحه الحكومة

توضح دراسات الحالات التالية كيفية تكوين التجمعات في بيئات تتمتع بدرجة قوية نسبياً من اليقين التنظيمي.

وفي المملكة المتحدة، تمنح السياسات طويلة الأجل وبرامج الدعم الموجهة والأدوار الواضحة للقطاع العام المطورين والمقرضين قدراً كافياً من الثقة للجمع بين الاستثمار من الميزانية العمومية والديون التجارية.

ويركز هذا القسم على تجمعين في المملكة المتحدة، هما HyNet North West وHumber، اللذان يوضحان كيف يمكن للنماذج التي تتيحها الحكومة أن تحول الطموحات السياسية إلى مشروعات تجمعات قابلة للتمويل.

دراسة حالة 1: HyNet North West

يُعد HyNet North West، الذي تقوده شركة Eni، أحد أبرز التجمعات الصناعية منخفضة الكربون في المملكة المتحدة. ويقود التجمع تطبيقاً متكاملاً لاحتجاز الكربون وتخزينه عبر شمال غرب إنجلترا وشمال ويلز.

ويشمل ذلك احتجاز الكربون من الصناعات القائمة التي يصعب خفض انبعاثاتها، إلى جانب نقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في مكامن الغاز البحرية المستنفدة. كما يعمل التجمع على تطوير شبكة مستقبلية لإنتاج الهيدروجين وتوزيعه.

وكان الإطار التشريعي في المملكة المتحدة لتحفيز مشروعات احتجاز الكربون وتخزينه عاملاً حاسماً في جذب التمويل الخاص لتوسيع قطاع احتجاز الكربون وتخزينه، إذ وفر اليقين التنظيمي وإشارات الاستثمار الضرورية لمشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية للطاقة النظيفة.

وتفتخر Eni بدورها في المساعدة على إطلاق هذه الصناعة المهمة من خلال مشروع احتجاز الكربون وتخزينه في خليج ليفربول، الذي يشكل العمود الفقري لتجمع HyNet. ومن شأن نجاح هذا المشروع أن يرسي الأساس لمزيد من النمو والابتكار مع استمرار تطور القطاع.

كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لشركة Eni

وتوجد ستة مشروعات رئيسية تحظى بالأولوية داخل تجمع HyNet وتسهم في دفع إزالة الكربون.

البنية التحتية

– شبكة النقل والتخزين في خليج ليفربول التابعة لـEni: يمثل هذا المشروع الرئيسي العمود الفقري لتجمع HyNet. وعند اكتماله، ستتمكن الجهات الصناعية المصدرة للانبعاثات من الاتصال ببنية النقل والتخزين، بحيث يتم احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه بصورة دائمة في مكامن الغاز المستنفدة في البحر الأيرلندي.

وستبلغ الطاقة الأولية للشبكة 4.5 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مع إمكانية التوسع إلى 10 ملايين طن بحسب الطلب. ووصلت Eni إلى الإغلاق المالي للمشروع في أبريل 2025 بعد الحصول على ترخيص اقتصادي من السلطات البريطانية.

الصناعة

– مشروع Encyclis لتحويل النفايات إلى طاقة: سيتم تطوير أول منشأة متكاملة على نطاق كامل لاحتجاز الكربون في منشأة بريطانية لتحويل النفايات إلى طاقة، وذلك في منشأة Protos Energy Recovery Facility التابعة لـEncyclis.

وسيُنقل ثاني أكسيد الكربون ويُخزن باستخدام بنية خطوط الأنابيب التابعة لـEni. ووصل المشروع إلى قرار الاستثمار النهائي في سبتمبر 2025، ومن المتوقع أن يمنع انبعاث نحو 370 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

– مصنع الأسمنت التابع لـHeidelberg Materials: تقوم الشركة ببناء إحدى أولى منشآت احتجاز الكربون في العالم لتمكين إنتاج أسمنت منزوع الكربون بالكامل، على أن تدخل المنشأة مرحلة التشغيل بحلول عام 2029.

ويمكن أن تصل كمية ثاني أكسيد الكربون المحتجزة في المصنع إلى مليون طن. وقد وصلت منشأة Padeswood التابعة للشركة في شمال ويلز إلى قرار الاستثمار النهائي في سبتمبر 2025 بعد إبرام الاتفاق النهائي مع السلطات البريطانية.

– مصنع إنتاج الهيدروجين: تعمل Essar Energy Transition على تطوير مصنع للهيدروجين الأزرق بقدرة 350 ميغاواط، ينتج الهيدروجين من الغاز الطبيعي مع دمج منشأة لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.

ومن المتوقع بدء الإنتاج قبل عام 2030، مع قدرة على احتجاز نحو 600 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وتستهدف المرحلة الثانية من المشروع قدرة 1,000 ميغاواط، مع إمكانية احتجاز 1.9 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

– إنتاج الكهرباء منخفضة الكربون: تعمل Uniper على تطوير محطة جديدة منخفضة الكربون ومجهزة بتقنية احتجاز الكربون في Connah’s Quay، مع خطط لتشغيل محطة توليد الكهرباء بتوربينات الغاز ذات الدورة المركبة بحلول عام 2030.

ومن المتوقع أن توفر المحطة نحو 1.1 غيغاواط من الكهرباء منخفضة الكربون على مرحلتين، مع خيار للتوسع إلى قدرة تصل إلى 1.38 غيغاواط.

– مشروع احتجاز الكربون من الطاقة الحيوية: يهدف مصنع Evero الذي يحول نفايات الخشب إلى طاقة إلى أن يصبح أول منشأة بريطانية للطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه، مستهدفاً إزالة أكثر من 200 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2029.

وتمثل هذه المشروعات الصناعية مرحلة أولى محتملة من مستخدمي بنية Eni التحتية لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه.

وهناك خمسة مشروعات إضافية تستعد للاتصال لاحقاً، تشمل منشأتي Viridor وEnfinium لتحويل النفايات إلى طاقة، ومصنعاً إضافياً لإنتاج الهيدروجين، ومشروعاً لاحتجاز الانبعاثات في مصفاة تابعة لـEssar، ومشروعاً للاحتجاز المباشر من الهواء تطوره Climeworks.

وقد حددت السلطات البريطانية هذه المشروعات بالفعل للاتصال مستقبلاً بشبكة النقل والتخزين في خليج ليفربول، ما يوضح ارتفاع مستوى الطلب المتوقع مستقبلاً.

كما يُتوقع تطوير بنية تحتية لنقل الهيدروجين وتخزينه، حيث تتولى Cadent، شركة توزيع الغاز الإقليمية، قيادة تطوير النقل عبر خطوط الأنابيب، بينما تتولى Inovyn، التابعة لـIneos، تطوير تخزين الهيدروجين باستخدام كهوف ملحية معاد استخدامها.

ويكشف المسار التمويلي المبتكر لـHyNet عن الآليات الرئيسية وديناميكيات السوق والحكومة المطلوبة لتوسيع الاستثمار في إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة.

ومن المتوقع أن تصل القدرة السنوية لخفض الانبعاثات إلى 10 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون ابتداءً من عام 2030.

ومن المتوقع أن تبلغ القيمة المضافة الإجمالية نحو 811 مليون جنيه إسترليني سنوياً حتى عام 2050، إلى جانب نحو 2,800 وظيفة إضافية ناتجة عن توسعة الشبكة.

فوائد التمويل في HyNet North West

حشد الدعم المؤسسي من الحكومة

كان الإطار التنظيمي القوي في المملكة المتحدة حاسماً في جذب استثمارات القطاع الخاص والتمويل التجاري.

وقد أسهم الترخيص الاقتصادي الصادر عن الحكومة البريطانية، وقواعد الشبكة الخاضعة لتنظيم مكتب أسواق الغاز والكهرباء، إلى جانب ضمانات الإيرادات المقدمة من شركة Low Carbon Contracts Company، في حماية المستثمرين أثناء مرحلة زيادة النشاط التدريجية للمشروع.

كما كان التمويل بالمنح المقدّم من هيئة البحث والابتكار البريطانية مهماً لشركة Eni وشركائها في المراحل المبكرة للتطوير.

توحيد تنسيق المشروعات

بصفتها مشغل النظام، كان لقيادة Eni في تطوير البنية التحتية الأساسية لنقل الكربون، والتي بلغت قرار الاستثمار النهائي في أبريل 2025، دور حاسم في التطوير اللاحق لمشروعات احتجاز الكربون داخل التجمع، حيث وصل اثنان منها إلى قرار الاستثمار النهائي في سبتمبر 2025.

تجميع العرض والطلب

عملت Eni عن كثب مع الجهات الصناعية المصدرة للانبعاثات لتأكيد وجود خمسة مستخدمين أوليين لشبكة احتجاز الكربون وتخزينه، وهم Encyclis وHeidelberg Materials وEET وUniper وEvero.

وقد ساعد ذلك في إقناع الممولين بوجود سوق قابلة للاستمرار للبنية التحتية الخاصة باحتجاز الكربون وتخزينه.

خفض التكاليف

تعيد Eni استخدام نحو 150 كيلومتراً من خطوط الأنابيب القائمة لنقل ثاني أكسيد الكربون المحتجز، ما يقلل تكاليف المشروع بصورة كبيرة.

كما تقوم INEOS Inovyn بإعادة توظيف كهوف ملحية تُستخدم حالياً لتخزين الغاز الطبيعي لكي تستوعب 35 ألف طن من الهيدروجين.

وأدى الجمع بين الأطر التنظيمية والترخيصية الملائمة في المملكة المتحدة والإثبات الواضح لوجود سوق قابلة للاستمرار لاحتجاز الكربون وتخزينه إلى دعم قابلية المشروع للتمويل.

وقد أتاح ذلك لشركة Eni تأمين حزمة تمويل للمشروع بقيمة 2.5 مليار جنيه إسترليني من اتحاد يضم أكثر من 20 بنكاً.

المخطط التمويلي لـHyNet North West

في المرحلة المبكرة، تقود Eni إدارة التجمع مع مجموعة من الجهات الصناعية ذات الأولوية. وتلقت مرحلة التطوير منحاً حكومية، بينما خُصصت مبالغ كبيرة لدعم أول تجمعين ضمن مسار الدعم البريطاني.

وخلال تطوير البنية التحتية، جرى تمويل شبكة نقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في خليج ليفربول من خلال أكثر من ملياري جنيه إسترليني من تمويل المشروعات، بمشاركة اتحاد واسع من المقرضين.

ويضم الجانب الصناعي استثمارات رأسمالية مباشرة من الشركات المالكة لمشروعات تحويل النفايات إلى طاقة، وتصنيع الأسمنت، ومحطات الكهرباء، والطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون.

أما إنتاج الهيدروجين، فيعتمد على استثمار من EET وشركائها، مع عقود للهندسة والمشتريات والإنشاء وخدمات التصميم الهندسي الأمامي.

دراسة حالة 2: Humber

تقع منطقة Humber، التي تضم أكبر تركّز في المملكة المتحدة للصناعات المصدرة لثاني أكسيد الكربون، في صميم طموحات البلاد لتحقيق صافي انبعاثات صفري.

وتتضمن رحلتها نحو تمويل إزالة الكربون عدة مشروعات لاحتجاز الكربون وتخزينه والهيدروجين والطاقة الحيوية.

وعلى عكس HyNet، يُعرّف «تجمع» Humber بصورة أكبر من خلال الجغرافيا بدلاً من وجود هيكل حوكمة مركزي واحد. فهو يعمل من خلال مجموعتين رئيسيتين من المشروعات: Viking CCS، وهو مشروع لاحتجاز الكربون وتخزينه تقوده Harbour Energy، وEast Coast Cluster، الذي يجمع Northern Endurance Partnership، وهو مشروع مشترك لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، مع Net Zero Teesside Power، وتقود BP وEquinor كلا المشروعين.

وهناك عدة مؤسسات في Humber تعمل على تطوير تقنيات نظيفة. وتشمل ستة من المشروعات الرئيسية التي تسهم في دفع إزالة الكربون ما يلي:

البنية التحتية

– Viking CCS: شراكة بين Harbour Energy وBP تعمل على إنشاء طاقة تخزينية أولية لثاني أكسيد الكربون تبلغ 400 مليون طن، مع خطط لتخزين 15 مليون طن سنوياً بحلول عام 2035.

– Northern Endurance Partnership: تخدم هذه الشراكة منطقتي Teesside وHumber ضمن ما يُعرف بتجمع الساحل الشرقي، وتعمل على تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت بحر الشمال.

وتضم الشراكة BP وEquinor وTotalEnergies، وستتولى نقل ثاني أكسيد الكربون من مجموعة مختارة من مشروعات احتجاز الكربون في منطقة Humber. وستحدد وزارة أمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفري في المملكة المتحدة المشروعات المؤهلة من خلال عملية توسيع تجمع الساحل الشرقي.

– Aldbrough Hydrogen Storage: شراكة بين Equinor وSSE، ومن المتوقع أن تتمتع المنشأة بطاقة أولية تصل إلى 420 مليون متر مكعب.

وباعتبارها جزءاً من البنية التحتية المشتركة لتجمع الساحل الشرقي، سيتم نقل الهيدروجين المخزن في Aldbrough بين المواقع الصناعية في منطقة Humber.

الصناعة

– Drax BECCS: تخطط شركة Drax للطاقة المتجددة لإزالة ثمانية ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً من خلال وحدتين للطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه.

– Humber H2ub: تعمل Uniper على تطوير منشأة لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون في موقع Killingholme، مع قدرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر بواسطة التحليل الكهربائي.

وستصل القدرة الأولية إلى 120 ميغاواط، مع إمكانية تجاوز 200 ميغاواط.

– Humber Zero: في إطار تجمع Viking CCS، يجري تطوير منشأتين لاحتجاز الكربون؛ واحدة لمحطة Immingham لتوليد الطاقة والحرارة المشتركة التابعة لـVitol Power International، والثانية لمصفاة Humber التابعة لـPhillips 66 Limited. وهما أول مشروعين محتملين لانبعاثات يمكن ربطهما بـViking CCS.

ومن المتوقع أن يتراوح خفض الانبعاثات في Humber بين 16 و18 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2040.

وقد تصل مساهمته في القيمة المضافة الإجمالية إلى أربعة مليارات جنيه إسترليني بحلول عام 2035، مع خلق نحو 22,800 وظيفة جديدة بحلول عام 2030.

فوائد التمويل في Humber

حشد الدعم المؤسسي من الحكومة

حفز التمويل العام في المراحل المبكرة من هيئة البحث والابتكار البريطانية استثمارات كبيرة من المؤسسات الخاصة المشاركة في التجمع.

وقد قدم «تحدي إزالة الكربون الصناعي» التابع للهيئة منحاً بقيمة 58 مليون جنيه إسترليني لمشروعات في Humber، قابلها 78 مليون جنيه إسترليني قدمها مطورو المشروعات.

كما يقدم «صندوق الوقود المتقدم» البريطاني دعماً بالمنح للمشروعات التجارية ومشروعات العرض الأولى من نوعها المتعلقة بإنتاج الوقود منخفض الكربون.

توحيد تنسيق المشروعات

من منظور الحوكمة، يمكن أن يؤدي وجود «تجمعين فرعيين» داخل Humber إلى خلق تحديات عند محاولة تحسين التمويل.

وأدى هذا التعقيد إلى إنشاء مجلس Humber للطاقة في عام 2024 لتنسيق الاستراتيجية والبنية التحتية على مستوى التجمع بأكمله بين مختلف المشروعات.

تجميع العرض والطلب

في عام 2024، وقع مشروع H2ub لإنتاج الهيدروجين، الذي تطوره Uniper، اتفاق تعاون مع Phillips 66 Limited لتزويد مصفاتها في Humber بالهيدروجين الأخضر المنتج من خلال التحليل الكهربائي.

خفض التكاليف

في مشروع Viking CCS، يجري تحديث خط أنابيب بحري قائم لنقل ثاني أكسيد الكربون إلى موقع تخزين بحري، إلى جانب إنشاء خط أنابيب بري جديد لنقل ثاني أكسيد الكربون المحتجز لدى الجهات الصناعية المصدرة للانبعاثات.

كما توفر البنية التحتية القريبة للموانئ خيار استيراد ثاني أكسيد الكربون بواسطة السفن.

تعزيز الابتكار وتبادل المعرفة

يضمن التعاون الوثيق مع شبكة الجامعات والكليات في Humber تجهيز المواهب المستقبلية بالمهارات اللازمة لتطوير التكنولوجيا منخفضة الكربون.

ويشارك ممثلو الصناعة في هيئات تعاونية مثل مجلس Humber للطاقة ومجلس التدريب في قطاع الإنشاءات للتواصل بشأن فجوات المهارات الناشئة.

ويستفيد Humber، مثل HyNet، من النهج التنظيمي البريطاني لتطوير التجمعات الصناعية منخفضة الكربون.

وبالاقتران مع التعاون الوثيق بين Northern Endurance Partnership وNet Zero Teesside Power، تم تأمين حزمة تمويل مشتركة بقيمة ثمانية مليارات جنيه إسترليني من 21 بنكاً تجارياً.

ونظراً للروابط بين المشروعين والمخاطر المشتركة، قدم عدد من البنوك التمويل لكلا الصفقتين.

ويُعد هذا النموذج، الذي تقود فيه الحكومة تكوين التجمع وتؤدي عملياً دور الضامن، مميزاً للسياق البريطاني، لكنه أثبت نجاحاً كبيراً في جذب تمويل المشروعات من الممولين من القطاع الخاص.

3.2 التمويل القائم على رأس المال العام

توضح الأمثلة التالية نماذج يقودها رأس المال العام، حيث توجد توجيهات استراتيجية للسياسات، ولكن بدرجة أقل من اليقين بشأن أطر الحوافز طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، تؤدي الجهات المسؤولة عن إدارة التجمعات دوراً أكثر نشاطاً في جمع الأطراف وفي الاستثمار من ميزانياتها العمومية، مستخدمة رأس مالها ومصداقيتها لتقليل مخاطر المشروعات واجتذاب التمويل الخارجي.

دراسة حالة 3: ميناء أنتويرب-بروج

يستضيف ميناء أنتويرب-بروج أحد أكبر مراكز البتروكيماويات والخدمات اللوجستية في أوروبا، ويُعد من المواقع الرائدة في تحول الصناعات الثقيلة نحو انخفاض الكربون.

وترتكز رؤيته الطموحة لإزالة الكربون على بنية تحتية واسعة النطاق لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، والهيدروجين، والأمونيا.

ويوضح ميناء أنتويرب-بروج الفرص التي يمكن خلقها، ولا سيما لدفع تطوير المشروعات في مراحلها المبكرة، من خلال التمويل الفعال المشترك بين القطاعين العام والخاص.

وبصفتنا سلطة ميناء، فإننا نتمتع بموقع فريد يسمح لنا بأداء دور بناء المجتمع لأكثر من 1,400 شركة تعمل في منطقة الميناء. وهذا الدور ضروري لنجاح مشروعات إزالة الكربون التي تعتمد على البنية التحتية المشتركة وعلى وصول الشركاء الصناعيين إلى قرارات الاستثمار النهائي.

جاك فانديرميرين، الرئيس التنفيذي لميناء أنتويرب-بروج

ويستهدف الميناء احتجاز 50% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.

وتبلغ مساهمته في القيمة المضافة الإجمالية نحو 20.8 مليار يورو، أي ما يعادل 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يدعم نحو 160 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

وهناك عدة مشروعات تساعد الميناء على تحقيق أهدافه الطموحة المناخية والصناعية.

البنية التحتية

– مركز Antwerp@C لتصدير ثاني أكسيد الكربون: بنية تحتية مفتوحة الوصول لنقل ثاني أكسيد الكربون وتسييله وتحميله على السفن من أجل التخزين الدائم في البحر.

وسيتم جمع ثاني أكسيد الكربون المحتجز في مواقع الشركات الصناعية داخل منصة الميناء ونقله عبر شبكة داخلية من خطوط الأنابيب مفتوحة الوصول.

وسيتم إنشاء محطة مشتركة للتسييل والتصدير، تتضمن وحدة لتسييل ثاني أكسيد الكربون، ومنشآت تخزين مؤقت، ومرافق للتحميل البحري والنقل عبر الحدود.

ومن المتوقع أن يكون المشروع واحداً من أول وأكبر مرافق تصدير ثاني أكسيد الكربون متعددة الوسائط ومفتوحة الوصول في العالم.

وفي المرحلة الأولى، Kairos@C، ستقوم BASF وAir Liquide بربط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن خمسة من مصانعها.

وتؤدي سلطة الميناء دوراً رئيسياً في تنسيق التحالف الذي يضم ثماني مؤسسات مشاركة في المشروع، بينما يقود مطور البنية التحتية Fluxys تطوير شبكة ثاني أكسيد الكربون داخل الميناء.

– منظومة الهيدروجين: تعمل خمس مؤسسات على تطوير البنية التحتية الأساسية التي تمكن من إنتاج الهيدروجين النظيف.

ومن بينها:

– Air Liquide: يتضمن مشروع ENHANCE قيام Air Liquide ببناء وامتلاك وتشغيل منشأة لتكسير الأمونيا ووحدة لتسييل الهيدروجين. كما سيجري تحديث وحدة قائمة لإنتاج الهيدروجين لاستخدام الأمونيا مادةً أولية بدلاً من الغاز الطبيعي.

– Fluxys وAdvario: تشارك الشركتان بنسبة 50% لكل منهما في تطوير محطة للأمونيا، مستفيدتين من البنية التحتية القائمة والرصيف البحري في محطة Advario للغاز داخل الميناء.

– Vopak: استحوذ هذا المزود للبنية التحتية على مصفاة سابقة بهدف تطوير مركز للطاقة الخضراء والمواد الكيميائية، ويعمل في إطار الموقع على تطوير محطة للأمونيا.

– VTTI: في إطار مشروع Amplifhy، توفر شركة التخزين VTTI شبكة من محطات استيراد الأمونيا ومرافق تكسيرها في مختلف أنحاء أوروبا.

الصناعة

– Vioneo: بدأ متنزه الطاقة التابع لـVopak بالفعل في جذب استثمارات جديدة، مع التزام A.P. Møller Holding باستثمار رأسمالي بقيمة 1.5 مليار يورو في شركتها التابعة Vioneo لتطوير مصنع للبلاستيك الخالي من الوقود الأحفوري في الموقع المعاد استخدامه.

– مستهلكو الهيدروجين الأخضر: تمنح البنية التحتية الأساسية داخل الميناء الشركات الصناعية إمكانية الوصول إلى الهيدروجين من مصادر دولية.

وسيتم تزويد مصفاة TotalEnergies في أنتويرب بالهيدروجين الأخضر المنتج من محلل كهربائي تابع لـAir Liquide.

وفي سبتمبر 2025، شحنت CF Industries Holdings نحو 23,500 طن من الأمونيا منخفضة الكربون إلى ميناء أنتويرب لكي تستخدمها شركة Envalior المتخصصة في المواد الكيميائية والمواد الخام.

مشروعات أخرى مرتبطة بالتجمع

– مشروع Antwerp Refinery Carbon Capture and DeNOx المعروف باسم ARCaDE: مشروع في مرحلة مبكرة يهدف إلى أن يصبح أول تطبيق واسع النطاق لاحتجاز الكربون يُضاف إلى منشأة قائمة لمعالجة انبعاثات العمليات التي يصعب خفضها في مصفاة أوروبية.

وقد التزمت TotalEnergies بمبلغ 400 مليون يورو للمشروع في مصفاتها في أنتويرب، وحصل المشروع على منحة بقيمة 228 مليون يورو لتسريع تطويره.

– Ecluse: شبكة خطوط أنابيب داخل الميناء توفر البخار من موقع Indaver لتحويل النفايات إلى طاقة إلى خمس شركات. وتستخدم الشركات البخار حسب الحاجة، ما يسمح لها بإيقاف غلايات البخار الخاصة بها.

– شبكة تدفئة Antwerp North: ستُطوّر شبكة للحرارة المتبقية تستفيد من الحرارة الفائضة الصادرة عن الأفران الدوارة التابعة لـIndaver.

وقد وقعت شركة Boortmalt لإنتاج الشعير اتفاق التزام طويل الأجل للمرحلة الأولى، بينما ستقوم Fluvius، مشغل الشبكة وشركة الخدمات المتعددة، خلال المرحلة الثانية بربط شبكة للتدفئة المركزية.

فوائد التمويل في ميناء أنتويرب-بروج

حشد الدعم المؤسسي من الحكومة

حصل كل من Kairos@C وAntwerp@C على دعم كبير من المفوضية الأوروبية في صورة منح وإعانات يبلغ مجموعها نحو 380 مليون يورو.

ورغم أن هذا الدعم ساعد في تطوير المشروعات خلال المراحل المبكرة، أشارت شركات من القطاع الخاص مثل BASF إلى الحاجة مستقبلاً إلى «زيادة الدعم الحكومي» عند دخول مشروعات مثل Kairos@C مرحلة التشغيل، بما يشمل عقود الفروقات ودعم نفقات التشغيل.

توحيد تنسيق المشروعات

بصفتها مدير التجمع ككل، تؤدي سلطة الميناء دوراً مركزياً في دفع المشروعات وجمع أصحاب المصلحة.

ويشمل ذلك الإشراف على مكتب تمويل مركزي لتقديم الدعم في الحصول على التمويل الخارجي، وتوفير الأراضي بنظام الامتياز لتطوير مشروعات مثل محطة التسييل والتصدير التابعة لـAir Liquide وFluxys.

وبالنسبة لمشروع Antwerp@C، أدى الدعم المالي النشط الذي توفره سلطة الميناء إلى دعم تطوير شبكة خطوط أنابيب ثاني أكسيد الكربون.

ويجري تطوير الشبكة من خلال مشروع مشترك بين Fluxys وPipelink، التي تملك سلطة الميناء 80% منها، وAir Liquide.

وبصفتها جهة عامة، تستطيع سلطة الميناء قبول عوائد أقل قليلاً لدعم جدوى المشروع.

تجميع العرض والطلب

تشهد المرحلة الأولى من Antwerp@C بالفعل التزام Air Liquide وBASF بربط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خمسة مصانع قريبة.

خفض التكاليف

من خلال الاستحواذ على مصفاة سابقة لتطوير متنزه الطاقة، تستطيع Vopak الاستفادة من البنية التحتية القائمة وتحديثها، بما في ذلك الوصول عبر السفن والصنادل والشاحنات والسكك الحديدية، لتطوير محطة الأمونيا المقترحة.

وقد تحملت سلطة الميناء مسؤولية تمويلية كبيرة لتطوير البنية التحتية المشتركة للنقل والتخزين، والتي سيدفع مصدرو الانبعاثات رسوماً للوصول إليها.

كما دعم التمويل الكبير بالمنح عملية تطوير المشروعات.

المخطط التمويلي لميناء أنتويرب-بروج

في المرحلة المبكرة، تتولى سلطة الميناء تنسيق المشروعات الرئيسية، بما في ذلك Kairos@C وAntwerp@C، بمشاركة عدد من الشركاء الصناعيين.

وتلقت هذه المشروعات منحاً وإعانات عامة بمئات الملايين من اليوروهات.

وفي مرحلة تطوير البنية التحتية، تعتمد شبكة Fluxys c-grid Antwerp لنقل ثاني أكسيد الكربون على استثمارات رأسمالية من Fluxys، التي تملك 70%، وPipelink بنسبة 20%، وAir Liquide بنسبة 10%.

كما يجري تطوير مشروعات الهيدروجين والأمونيا من خلال مزيج من المنح الأوروبية ورأس المال الخاص.

وعلى الجانب الصناعي، خصصت BASF وAir Liquide نحو مليار يورو من الإنفاق الرأسمالي لمشروع Kairos@C، بينما تستثمر A.P. Møller نحو 1.5 مليار يورو في Vioneo لتطوير إنتاج البلاستيك الخالي من الوقود الأحفوري.

دراسة حالة 4: ميناء روتردام

يقع ميناء روتردام، أكبر ميناء بحري في أوروبا، في طليعة إزالة الكربون من الصناعة الأوروبية من خلال مشروعات متكاملة لاحتجاز الكربون وتخزينه والهيدروجين والأمونيا.

ويُظهر Porthos كيف يمكن للشركاء من القطاعين العام والخاص تأمين استثمارات حقيقية في إزالة الكربون. فمن خلال الاستفادة من الملكية العامة لتوفير الاستقرار، وتوقيع اتفاقيات طويلة الأجل مع العملاء لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، أصبح نقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه ممكناً وأصبح انضمام الصناعة إلى المنظومة أسهل.

بودفاين سيمونز، الرئيس التنفيذي لميناء روتردام

ومن المتوقع أن تسهم مشروعات الميناء في خفض نحو 9.3 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2030.

وتبلغ مساهمة الميناء في القيمة المضافة الإجمالية نحو 29.6 مليار يورو، أي ما يعادل 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم نحو 192 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في منطقة روتردام-راينموند.

وتشكل أربعة مشروعات مترابطة العمود الفقري لاحتجاز الكربون وتخزينه وإنتاج الهيدروجين داخل التجمع.

البنية التحتية

– Porthos CCS: مشروع بارز يقوم على شراكة بين القطاعين العام والخاص، وكان أول مشروع لاحتجاز الكربون وتخزينه في هولندا يصل إلى قرار الاستثمار النهائي في عام 2023.

وبعد محاولات سابقة للقطاع الخاص، أصبح Porthos مشروعاً مشتركاً مملوكاً للدولة بين EBN وGasunie وسلطة ميناء روتردام.

– Aramis: شراكة بين EBN وGasunie توسع نطاق Porthos من خلال خطوط أنابيب إضافية تربط الجهات المصدرة للانبعاثات داخل الميناء، كما توفر روابط مع تجمعات صناعية أخرى في المنطقة.

– CO2next: مشروع تقوده Gasunie وVopak، ويوفر الوصول إلى الشبكة، بواسطة السفن مع إمكانية التوسع إلى السكك الحديدية، للجهات الصناعية المصدرة للانبعاثات التي لا ترتبط بشبكة خطوط الأنابيب، وذلك عبر محطة لتسييل ثاني أكسيد الكربون.

الصناعة

– ELYgator: تعمل Air Liquide على تطوير مجمع محللات كهربائية بقدرة 200 ميغاواط لتنويع قدراتها الإنتاجية.

ومن المتوقع إنتاج نحو 23 ألف طن من الهيدروجين المتجدد سنوياً، وسيُخصص ما يعادل 130 ميغاواط لتزويد منشآت TotalEnergies في أنتويرب.

وفي المقابل، ستوفر TotalEnergies الكهرباء المنتجة من مزرعة الرياح البحرية OranjeWind.

وتشمل المشروعات الأخرى المرتبطة بالميناء:

– Hynetwork، وهي شركة تابعة بالكامل لـGasunie، تعمل على تطوير شبكة لتوزيع الهيدروجين الأخضر عبر التجمعات الصناعية في هولندا وبقية أوروبا.

– WarmtelinQ، التي تقودها Gasunie أيضاً، وهي شبكة خطوط أنابيب للحرارة المتبقية قيد الإنشاء، ستستخدم الحرارة الفائضة من الميناء لتدفئة المنازل في جنوب هولندا.

فوائد التمويل في ميناء روتردام

حشد الدعم المؤسسي من الحكومة

تستفيد مشروعات إزالة الكربون في ميناء روتردام من دعم قوي للسياسات العامة، يشمل المنح والإعانات والعقود طويلة الأجل من خلال برامج مثل SDE++ لتحفيز إنتاج الطاقة المستدامة والتحول المناخي.

ويمثل هذا البرنامج أداة الدعم الرئيسية للحكومة الهولندية، وقد صُمم لسد الفجوة بين تكلفة الاستثمار في احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه وأسعار سوق الكربون، بما يضمن قدراً أكبر من اليقين بشأن الإيرادات لمشروعات مثل Porthos وELYgator.

مشاركة البنية التحتية

في ميناء روتردام، توفر ثلاثة مشروعات بنية تحتية مترابطة، هي Porthos وAramis وCO2next، قدرات لتخزين ثاني أكسيد الكربون إلى جانب مسارات نقل عبر خطوط الأنابيب والسفن.

ويضمن هذا النهج التعاوني لتطوير البنية التحتية قدرة الجهات المصدرة للانبعاثات في الميناء، وكذلك التجمعات الصناعية الأخرى في المنطقة مثل ميناء أنتويرب-بروج، على الوصول إلى الشبكة.

توحيد تنسيق المشروعات

تعمل سلطة الميناء كمنسق للمشروعات ومالك لبنية تحتية حيوية، وغالباً ما تدخل في شراكات مع قادة من القطاع الخاص لدفع التنفيذ.

وكانت مشاركة الجهات المملوكة للدولة في تطوير بنية Porthos التحتية حاسمة في إدارة مخاطر التصاريح.

ونظراً للعائد المجتمعي الأوسع الناتج عن تطوير البنية التحتية، تتمتع هذه المؤسسات بقدرة أكبر على خوض إجراءات إصدار التصاريح التي قد تكون معقدة.

تجميع العرض والطلب

يستفيد مشروع ELYgator من قربه من طاقة الرياح البحرية التي توفرها مزرعة OranjeWind التابعة لـTotalEnergies.

وستوفر المزرعة الكهرباء اللازمة للمحلل الكهربائي مقابل الحصول على ما يعادل 130 ميغاواط من الهيدروجين المتجدد.

تعزيز الابتكار وتبادل المعرفة

تشارك ExxonMobil وShell وAir Products وAir Liquide، بالتعاون مع سلطة الميناء، في مبادرة لدعم المشروع وتبادل المعرفة وأفضل الممارسات بهدف حل المشكلات وتسريع تطوير Porthos.

وبالنسبة للمشروعات الرئيسية، كان رأس المال الحكومي عاملاً أساسياً في خفض المخاطر، في حين ضمنت الشراكات الاستراتيجية، مثل اتفاق Air Liquide مع TotalEnergies بشأن ELYgator، وجود طلب طويل الأجل.

المخطط التمويلي لميناء روتردام

تمثل سلطة الميناء وعدد من المؤسسات العامة والخاصة محوراً لتنظيم المشروعات منذ مراحلها المبكرة.

وفي Porthos، قُسمت مسؤوليات التنفيذ والتمويل وفق خبرات كل شريك، مع تولي جهات مختلفة تطوير محطة الضغط، وخطوط الأنابيب البحرية والبرية، والمنصات والآبار.

ووصل Porthos إلى قرار الاستثمار النهائي في 2023 بإنفاق رأسمالي يقارب 1.3 مليار يورو.

كما تلقت مشروعات أخرى مثل Aramis وCO2next وELYgator منحاً وإعانات كبيرة، بينما التزمت Air Liquide بنحو 500 مليون يورو من الإنفاق الرأسمالي على ELYgator.

وتستفيد مشروعات الهيدروجين كذلك من عقود شراء طويلة الأجل واتفاقيات تبادل للطاقة والهيدروجين.

أمثلة دولية أخرى للتمويل القائم على رأس المال العام

كان التمويل القائم على رأس المال العام أكثر الأنماط شيوعاً بين التجمعات التي شملها البحث. وفي جميع الأمثلة، كان الاستخدام المبتكر لرأس المال العام لدفع تطوير المشروعات في المراحل المبكرة عاملاً رئيسياً للنجاح.

ماليزيا: مركز ساراواك للهيدروجين

تلعب SEDC Energy، ذراع الطاقة الجديدة والشركة التابعة بالكامل لمؤسسة التنمية الاقتصادية في ساراواك، دوراً أساسياً في إدارة خط المشروعات وتنسيق التمويل داخل مركز ساراواك للهيدروجين.

وتجمع الشركة بين المنح والسندات الخضراء والاستثمار الدولي لتسريع إنتاج الهيدروجين من خلال تطوير البنية التحتية المشتركة.

وتمتلك SEDC Energy الحصة الأكبر في مشروعي H2ornbill وH2biscus للهيدروجين داخل المركز. ومن المقرر أن يورّد المشروعان إنتاجهما في البداية إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ثم ينفتحا لاحقاً على أسواق ومنتجات أخرى.

كما تتعاون الشركة مع شركاء استراتيجيين لتطوير سلسلة إمداد الهيدروجين في ساراواك، وتعمل على تطوير منشآت لتزويد المركبات بالهيدروجين وتجميع المحللات الكهربائية.

الهند: تجمع مومباي للهيدروجين الأخضر

دفعت المهمة الوطنية للهيدروجين الأخضر التابعة لوزارة الطاقة الجديدة والمتجددة في الهند إلى تكوين التجمع من خلال توفير قروض بشروط ميسرة وعقود فروقات.

وإلى جانب دعم مالي يصل إلى 1.8 مليار دولار التزمت به الحكومة الوطنية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، توفر سياسة الهيدروجين الأخضر لحكومة ولاية ماهاراشترا خدمات مرافق بأسعار مخفضة، وإعفاءات من رسوم الدمغة، وإعانات على الإنفاق الرأسمالي تصل إلى 30%.

ومن شأن ذلك مساعدة التجمع في بلوغ هدفه المتمثل في إنتاج عشرة آلاف طن من الهيدروجين سنوياً.

3.3 التمويل الذي يقوده مطور واحد

في نهج التمويل الذي يقوده مطور واحد، يأتي الزخم من مؤسسة واحدة تمتلك الحجم والخبرة والموارد اللازمة لدفع تنفيذ البنية التحتية.

ومن منظور التمويل، يعني ذلك أن المؤسسة تستخدم ميزانيتها العمومية لتمويل نسبة كبيرة من المشروع، ما يؤدي إلى عدد أقل من الروابط بين الحكومات وبنوك التنمية متعددة الأطراف والهيئات الأخرى المختصة بخفض المخاطر مقارنة بالنماذج السابقة.

ويمكن رؤية أمثلة لهذا النهج في ما يلي:

الصين: مجمع Chifeng الصناعي ذي صافي الانبعاثات الصفري

تم تطوير المشروع على خلفية الدفع الوطني القوي من اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين لإنشاء المتنزهات الصناعية.

وتقوم Envision Group بتمويل منشأة متعددة الغيغاواطات للطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر، تدمج طاقة الرياح والطاقة الشمسية والأمونيا على نطاق واسع.

وقد أصبحت المرحلة الأولى من المنشأة عاملة بالفعل، ومن المتوقع أن يصل إجمالي الاستثمار عبر المراحل الثلاث إلى نحو 5.5 مليارات دولار.

وعلى الرغم من الحوافز المالية المحلية المحدودة نسبياً، مضت الصناعة قدماً في المشروع. فقد ساعد وجود مشترٍ تجاري رئيسي واحد، في صورة اتفاقية شراء للأمونيا الخضراء مع شركة ماروبيني، أتاحتها سياسات الهيدروجين الملائمة في اليابان، على تسريع عملية التنفيذ.

كولومبيا: التجمع الصناعي في قرطاجنة

في عام 2022، أطلقت Promigas وEcopetrol مشروعات تجريبية للمحللات الكهربائية العاملة بالطاقة الشمسية في منشآتهما في قرطاجنة.

ومنذ ذلك الحين، أعلنت Ecopetrol أنها ستستثمر 28.5 مليون دولار لبناء مصنع للهيدروجين الأخضر في مصفاتها في قرطاجنة، بطاقة إنتاج تبلغ 800 طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً.

كما تعمل Frontera Energy، من خلال شركتها التابعة Puerto Bahia، على تطوير منشأة لغاز البترول المسال بقيمة تتراوح بين 50 و60 مليون دولار في خليج قرطاجنة.

ويهدف المشروع إلى تطوير وتشغيل محطة ميناء قادرة على استيراد وتخزين أكثر من 20 ألف طن من غاز البترول المسال.

السعودية: مركز احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في مدينة الجبيل الصناعية

في السعودية، تؤدي أرامكو دوراً مركزياً في تنسيق الاستثمارات في مركز احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.

وتتيح القوة المالية للشركة، إلى جانب الدعم السيادي، التزام أرامكو باستثمار 1.5 مليار دولار في المشروع، بالشراكة مع Linde وSLB لتوفير البنية التحتية.

كما تعمل أرامكو بوصفها المورد الرئيسي لثاني أكسيد الكربون، إذ ستأتي ستة ملايين طن من إجمالي طاقة تبلغ تسعة ملايين طن سنوياً من منشآت معالجة الغاز التابعة لأرامكو، بينما ستأتي ثلاثة ملايين طن المتبقية من الجهات المصدرة للانبعاثات في المواقع المجاورة.

اليابان: مجمع كاواساكي الصناعي المحايد كربونياً

في اليابان، تستخدم مؤسسات خاصة مثل Iwatani وKawasaki Heavy Industries وTaiheiyo Cement ميزانياتها العمومية لتمويل مشروعات مرتبطة بالهيدروجين واحتجاز الكربون وتخزينه في المنطقة الساحلية لكاواساكي.

ويركز دور مدينة كاواساكي على الدعم غير الرأسمالي، من خلال جمع الشركات في مجالس مخصصة، وتبسيط إجراءات الموافقات والامتثال البيئي، والعمل على تأمين الإعانات الوطنية وتمكين البنية التحتية المشتركة بدلاً من تمويل المشروعات مباشرة.

4. الخلاصة والطريق إلى الأمام

تكشف السياقات التنظيمية والاستراتيجيات المختلفة عن مسارات متعددة يمكن من خلالها للتجمعات تحرير الاستثمار وتوسيع نطاق التحول الصناعي في منظومات الطاقة.

ويتطلب تحقيق التحول الصناعي على نطاق واسع صياغة حجة تجارية جديدة بصورة جوهرية، ترتكز على الابتكار المالي وتقاسم المخاطر والتعاون الهادف بين القطاعين العام والخاص.

وعبر الأنماط الثلاثة التي تناولها هذا التقرير، تظل الرسالة واحدة: عندما يتوافر المزيج المناسب من الأدوات المالية والتنظيم الداعم، يصبح التحول الصناعي قابلاً للاستثمار بدلاً من أن يظل مجرد طموح.

وتوضح دراسات الحالات كيف يمكن للأطر التنظيمية المختلفة وأساليب تقاسم المخاطر أن تنقل المشروعات المعقدة وكثيفة رأس المال إلى قرار الاستثمار النهائي أو إلى مرحلة قريبة منه.

وتبين هذه الاستراتيجيات المتنوعة أنه لا يوجد نموذج واحد، بل توجد مسارات متعددة قابلة للتطبيق لسد الفجوة بين الطموح وبين المشروعات القابلة للتمويل.

ومن ثم، فإن معالجة العوائق المستمرة أمام الاستثمار وقابلية المشروعات للتوسع أمر ضروري إذا أريد للتجمعات الصناعية أن تحقق إمكاناتها الكاملة في تسريع التحول الصناعي.

ورغم أن الحماس لإزالة الكربون أدى إلى إنشاء خطوط قوية من المشروعات، فإن تحويل النوايا إلى واقع تجاري يعتمد على وجود تنظيم ممكن، وترتيبات عملية لتقاسم المخاطر، واتفاقيات شراء موثوقة.

وبناء على هذه الدروس، تظهر أربعة محركات رئيسية تقدم مساراً منظماً للصناعة والحكومات.

4.1 محركات النجاح

بالنسبة للصناعة

المحرك الأول: إنشاء جهة لإدارة التجمع لتنسيق التمويل وتطوير المشروعات

غالباً ما تواجه مشروعات التجمعات في مراحلها المبكرة صعوبات ناتجة عن تجزؤ الحوكمة وعدم وضوح المسؤوليات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعاملات وإبطاء جداول التطوير.

ومن خلال تعيين جهة مخصصة لإدارة التجمع، يستطيع أصحاب المصلحة تبسيط عمليات أساسية مثل تطوير المشروعات والحصول على التصاريح والتنسيق المالي والتعامل مع أصحاب المصلحة.

وقد يختلف نموذج إدارة التجمع من مكان إلى آخر. ففي بعض التجمعات، تتولى شركة واحدة لها مصلحة مباشرة في تطوير البنية التحتية دور المدير. وفي حالات أخرى، تضطلع سلطة عامة قائمة بهذه المسؤوليات.

وفي النهاية، يعتمد النموذج المناسب على السياق المحلي، لكن التنسيق المركزي يحسن الكفاءة ويزيد جاذبية التجمع أمام المستثمرين.

ومن منظور التمويل، تتميز أكثر التجمعات نجاحاً بوجود جهة راعية شاملة للمشروع تمتلك الحافز والخبرة التقنية ورأس المال اللازم لضمان التنفيذ.

المحرك الثاني: استغلال فرص تحسين التمويل داخل التجمعات من خلال تجميع الموارد وتهيئة البنية التحتية للمستقبل

توفر التجمعات فرصاً فريدة لتقليل التكاليف وتوزيع المخاطر من خلال التمويل التعاوني وتقاسم الموارد.

فمن خلال تجميع رأس المال والاستثمار المشترك في البنية التحتية الرئيسية، مثل خطوط الأنابيب والربط بالشبكات ومرافق تخزين ثاني أكسيد الكربون، تستطيع الشركات والممولون خفض تكلفة الوحدة وتقليل المخاطر بصورة جماعية.

ويمكن لمديري التجمعات اتباع نهج استراتيجي من خلال تنسيق أنشطة الشراء وتهيئة البنية التحتية لمواجهة التغييرات المتوقعة في السوق أو اللوائح.

ومن اللافت أن التجمعات التي تتبع أفضل الممارسات تستفيد غالباً من مكاتب تمويل مركزية لمتابعة فرص التمويل العام.

ويمكن توسيع هذا النهج إلى ما هو أبعد من طلبات التمويل الخاصة بالمشروعات الفردية، من خلال الدعوة إلى أساليب شاملة تعمل على تحسين التمويل على مستوى التجمع وبين مختلف أنواع رأس المال.

المحرك الثالث: مواصلة إنشاء اتفاقيات شراء قوية لضمان الجدوى التجارية في مرحلة التشغيل

توفر نماذج التعاون المستخدمة في التجمعات الصناعية عبر أطر تنظيمية مختلفة دليلاً عملياً قيماً للاستفادة من القرب الذي تخلقه التجمعات بين مطوري البنية التحتية وموردي الطاقة النظيفة والمشترين في الصناعات الثقيلة.

وتوضح التجمعات الأربعة التي تناولها التقرير كيف يمكن لاتفاقيات الشراء بين هذه الأطراف تسريع النجاح التجاري من خلال إثبات وجود أسواق ملموسة وقابلة للاستمرار.

ومن منظور المقرضين، تساعد إجراءات الحماية مثل بنود «خذ أو ادفع» على ضمان استمرار الإيرادات المتفق عليها تعاقدياً واستمرارية العمليات حتى عند تعثر الطرف المقابل أو حدوث اضطرابات في السوق.

ومن خلال إرسال إشارات واضحة بشأن جدوى السوق وتقاسم المخاطر على امتداد سلسلة الإمداد، تستطيع التجمعات الحصول على دعم مالي أكبر وإقناع المستثمرين بالإمكانات التجارية للمشروع.

بالنسبة للحكومات

المحرك الرابع: استخدام مجموعة من الأدوات المالية بشروط غير تقليدية أو ميسرة لتحفيز تكوين السوق على امتداد دورة حياة المشروع

يحتاج الممولون منذ البداية إلى رؤية واضحة لآليات الدعم الحكومية المتاحة طوال دورة حياة المشروع حتى يتمكنوا من تقييم المخاطر بدقة وتخصيص رأس المال.

ويساعد التواصل المبكر والشفاف بشأن الدعم المتاح على تحرير الاستثمارات الخاصة، لأن المستثمرين والمقرضين يصبحون أكثر قدرة على تصميم هياكل التمويل بما يتلاءم مع الاحتياجات المتغيرة للمشروع.

ويعد ذلك مهماً بصورة خاصة في التقنيات الناشئة كثيفة رأس المال التي تقوم عليها العديد من المشروعات منخفضة الكربون، حيث قد لا تكفي آليات التمويل التقليدية.

وتشمل الأدوات المفيدة التي يمكن استخدامها خلال دورة حياة المشروع ما يلي:

– خلال مرحلة التطوير: المنح والمساعدة التقنية لتقليل مخاطر دراسات الجدوى والتصاريح والتصميم.

– خلال مرحلة البناء: تسهيلات الضمان لخفض تكاليف التمويل وجذب المقرضين.

– خلال مرحلة التشغيل: عقود الفروقات ومدفوعات الإتاحة أو القدرة لتثبيت الإيرادات.

ومن شأن هذا المزيج من أدوات التمويل المصممة لكل مرحلة، إلى جانب السندات الخضراء والقروض المدعومة عند الاقتضاء، أن يساعد المبادرين الأوائل على تجاوز تركز المخاطر وتسريع الوصول إلى الجدوى التجارية في الأسواق التي لم تصبح بعد جاهزة للاعتماد على التمويل الخاص بالكامل.

ونظراً للطابع الإقليمي القوي للتجمعات، لا يمكن المبالغة في أهمية إشراك الحكومات المحلية والحصول على دعمها.

فيمكن للحكومات المحلية أداء دور أساسي في ضمان توافق الأدوات المالية مع ديناميكيات السوق المحلية واحتياجات البنية التحتية، بما يزيد إلى أقصى حد أثر التمويل الميسر.

وعند جمع هذه الإجراءات معاً، يمكن تحويل التجمعات الصناعية إلى منصات قوية للتنفيذ.

ومن خلال الجمع بين إشارات سياسية أكثر وضوحاً، وتقاسم أكثر ذكاءً للمخاطر، ورأس مال أكثر تنسيقاً، تستطيع التجمعات تحويل خطوط المشروعات الحالية إلى محافظ قابلة للتمويل، ونقل إزالة الكربون من الصناعة من مشروعات تجريبية واعدة إلى تحول حقيقي واسع النطاق.

الملحق: تفاصيل وسياق إضافيان حول دراسات الحالات الأربع

HyNet North West

يُعد HyNet أحد أبرز التجمعات الصناعية منخفضة الكربون في المملكة المتحدة، ويقود تطبيقاً متكاملاً لاحتجاز الكربون ونقله وتخزينه، إضافة إلى إنتاج الهيدروجين مستقبلاً في شمال غرب إنجلترا وشمال ويلز.

ويكشف مساره التمويلي المبتكر عن الآليات الأساسية وديناميكيات السوق والحكومة اللازمة لزيادة الاستثمارات الرامية إلى إزالة الكربون من مجموعة واسعة من الأنشطة الصناعية، ولا سيما القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها.

وكان HyNet واحداً من تجمعين اختارتهما الحكومة البريطانية في إطار «المسار الأول»، الذي يشير إلى أول تجمعين لإزالة الكربون الصناعي وقع عليهما الاختيار للحصول على دعم حكومي مبكر وتسريع تطوير التقنيات منخفضة الكربون.

وتحصل هذه التجمعات على أولوية في الوصول إلى التمويل وآليات السياسات لتسريع تنفيذ المشروعات.

وقد التزمت الحكومة البريطانية بتخصيص 21.7 مليار جنيه إسترليني على مدى 25 عاماً لمشروعات احتجاز الكربون وتخزينه والمشروعات الموجودة في التجمعين الأولين.

وسيستضيف HyNet أحد أول مصانع الهيدروجين الأزرق واسعة النطاق في المملكة المتحدة، وهو مصنع EET Hydrogen في Stanlow، كما يهدف إلى احتجاز ما يصل إلى عشرة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً خلال ثلاثينيات القرن الحالي.

هيكل المشروع والسياق التنظيمي

كان النموذج المنظم الذي اعتمدته المملكة المتحدة، من خلال الترخيص الاقتصادي وحزم الدعم الحكومية المصاحبة، العامل الرئيسي في التحفيز، ولا سيما فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية.

وتعمل منظومة النقل والتخزين باعتبارها كياناً منظماً يخضع لإشراف مكتب أسواق الغاز والكهرباء و«قواعد شبكة» ملزمة تحدد شروط الدخول التقنية والتجارية للمستخدمين، أي الجهات المصدرة للانبعاثات.

ويمنح الترخيص الاقتصادي شركة Eni، بصفتها مشغل نظام النقل والتخزين في HyNet، تفويضاً رسمياً لتطوير الشبكة وامتلاكها وتشغيلها.

ورغم أن Eni تعمل بوصفها مشغل النظام، فإن جميع اتفاقيات الدخول والإيرادات تظل خاضعة لتحديد الحكومة والمراجعة التنظيمية المستمرة.

ومع ذلك، خلال المراحل المبكرة من التطوير، مكنت قيادة Eni مجموعة المؤسسات المشاركة من تقديم رواية قوية ومتماسكة عن «التجمع»، عبر الجمع بين مشغل موثوق هو Eni وخط من مشروعات احتجاز الكربون، ما ساعد على طمأ الحكومة وترسيخ وضع HyNet ضمن المسار الأول لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.

مصادر وهياكل التمويل

وصلت Eni إلى قرار الاستثمار النهائي في أبريل 2025، وتأمنت حزمة بقيمة 2.5 مليار جنيه إسترليني من اتحاد يضم أكثر من 20 بنكاً تجارياً لتمويل بنية النقل والتخزين.

وكان الاهتمام التجاري كبيراً إلى درجة جعلت اللجوء إلى خيارات بديلة من بنوك التنمية أو صناديق البنية التحتية غير ضروري.

وكان أساس قابلية المشروع للتمويل وجود ترخيص اقتصادي قوي واتفاق دعم للإيرادات مع شركة Low Carbon Contracts Company المملوكة للحكومة.

وفي سياق HyNet، تضمن هذه الشركة حداً أدنى من الإيرادات بغض النظر عن مستوى ثاني أكسيد الكربون المحتجز أو المخزن خلال السنوات الأولى من زيادة التشغيل تدريجياً.

ويحمي ذلك المستثمرين من انخفاض معدلات الاستخدام في البداية، من خلال ضمان «الإيرادات المسموح بها» بينما تزيد مشروعات احتجاز الكربون نشاطها تدريجياً.

وبعد وصول شبكة النقل والتخزين إلى قرار الاستثمار النهائي في أبريل 2025، وصل مصنعان لاحتجاز الكربون إلى القرار نفسه في سبتمبر 2025: مصنع الأسمنت Padeswood التابع لـHeidelberg، ومنشأة Encyclis-Protos لتحويل النفايات إلى طاقة.

Humber

تضم منطقة Humber أكبر تركّز في المملكة المتحدة للصناعات المصدرة لثاني أكسيد الكربون، وتقع في قلب الطموحات الوطنية لتحقيق صافي انبعاثات صفري.

وتشمل رحلتها نحو تمويل مشروعات إزالة الكربون عدداً من مشروعات احتجاز الكربون وتخزينه والهيدروجين والطاقة الحيوية.

هيكل التجمع وحوكمته

على عكس HyNet، يُعرّف تجمع Humber جغرافياً بدرجة أكبر من اعتماده على حوكمة مركزية صارمة.

ويعمل من خلال تجمعين فرعيين رئيسيين: مشروع Viking CCS الذي تقوده Harbour Energy، وتجمع الساحل الشرقي الذي يضم Northern Endurance Partnership وNet Zero Teesside Power بقيادة BP وEquinor.

ويغطي تجمع الساحل الشرقي منطقتي Humber وTeesside، ويمتلك كل مشروع بنية تحتية خطوط الأنابيب وأصول التخزين الخاصة به.

وفي حين تدرس مشروعات مثل Drax للطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وPhillips 66 لمحطة الحرارة والطاقة المشتركة إمكانية الاتصال بالنظامين، فإن حدود الطاقة الاستيعابية تحدد مدى إمكانية تحقيق التكامل الكامل بين المشروعات.

وقد يؤدي هذا الترتيب متعدد المشغلين إلى تعقيدات في تحديد الطريقة المثلى لتحسين الروابط بين المشروعات وتدفقات الشبكة، لكنه قد يوسع أيضاً فرص التمويل.

وتستفيد المنطقة من كل من الدعم المقدم في المسار الأول لتجمع الساحل الشرقي والشراكة الشمالية، والمسار الثاني لـViking CCS، مع التزام حكومي كبير بتسريع نضج نماذج الأعمال وخفض المخاطر وتمكين قرارات الاستثمار النهائي لمشروعات النقل والتخزين والاحتجاز.

وإدراكاً للتحديات الناتجة عن هذا التعقيد، أُنشئ مجلس Humber للطاقة في عام 2024 لتوفير التنسيق الإقليمي، والعمل منصةً لمناقشة قضايا البنية التحتية والسياسات والاستراتيجية على مستوى التجمع ككل، والتي تتجاوز مصالح كل تجمع فرعي على حدة.

مصادر وهياكل التمويل

لدعم تطوير المشروعات في مراحلها المبكرة، حصل Humber على تمويل كبير في صورة منح من «تحدي إزالة الكربون الصناعي» التابع لهيئة البحث والابتكار البريطانية.

وكان هذا البرنامج مبادرة رئيسية لتسريع خفض انبعاثات غازات الدفيئة في أكثر الصناعات البريطانية كثافة في استهلاك الطاقة.

وقد أطلق في عام 2019 لدعم تطوير ونشر التقنيات والبنية التحتية منخفضة الكربون في ستة من التجمعات الصناعية الرئيسية في المملكة المتحدة.

وعبر Northern Endurance Partnership وشراكة Zero Carbon Humber وHumber Zero، حصل Humber على 58 مليون جنيه إسترليني من المنح، وقابلتها المؤسسات المستفيدة بنفقات تطوير بلغت 78 مليون جنيه إسترليني.

وفي عام 2024، تم الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي لتطوير البنية التحتية لمشروعات احتجاز الكربون وتخزينه عبر Northern Endurance Partnership وNet Zero Teesside Power.

ويبرز هذا الإنجاز قوة التعاون بين التجمعات، إذ تم تأمين حزمة تمويل بقيمة ثمانية مليارات جنيه إسترليني من اتحاد يضم 21 بنكاً تجارياً، من بينها BBVA وING وMizuho، لتوزيعها بين المشروعين.

ومع تأكيد تمويل المسار الثاني في يونيو 2025 ومنح الحكومة الموافقة على تطوير خط الأنابيب في أبريل 2025، أصبح من المتوقع أيضاً الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي لـViking CCS.

وتستهدف Drax اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في عام 2026 بشأن وحدة الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون. وسيبلغ استثمار الشركة ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، مع قدرة على إنتاج نحو تيراواطين ساعيين من الكهرباء المتجددة من الكتلة الحيوية المستدامة، إلى جانب احتجاز نحو ثلاثة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

ومع ذلك، يظل تطوير أسواق موثوقة لإزالة ثاني أكسيد الكربون عنصراً أساسياً لإطلاق الاستثمار الخاص طويل الأجل في مشروعات واسعة النطاق مثل الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون واحتجاز الكربون وتخزينه في Humber وفي مناطق أخرى.

فتحتاج المشروعات إلى القدرة على بيع أرصدة إزالة ثاني أكسيد الكربون في الأسواق الطوعية لضمان أن يكون استخدام التخزين الدائم لثاني أكسيد الكربون مجدياً تجارياً على المدى الطويل.

ويتطلب ذلك وجود أسواق تستطيع المؤسسات البيع فيها مقدماً، بما يساعد على جعل المشروعات قابلة للتمويل.

وإلى جانب التقدم في احتجاز الكربون وتخزينه، تشهد منطقة Humber أيضاً استثمارات متزايدة في تقنيات وقود الطيران المستدام.

ويحظى هذا التسارع بدعم من صندوق الوقود المتقدم البريطاني، وهو مبادرة حكومية رئيسية مكرسة لتوسيع إنتاج الوقود منخفض الكربون، وتقدم منحاً للمشروعات التجارية ومشروعات العرض الأولى من نوعها.

ميناء أنتويرب-بروج

يضم ميناء أنتويرب-بروج أحد أكبر مراكز البتروكيماويات والخدمات اللوجستية في أوروبا، ويشكل موقعاً رائداً لتحول الصناعات الثقيلة نحو انخفاض الكربون.

وترتكز رؤيته الطموحة لإزالة الكربون على بنية تحتية على نطاق التجمع لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه والهيدروجين والأمونيا.

ويوضح الميناء الفرص التي تنشأ عند الجمع بين التمويل العام والخاص واللوائح الجديدة واقتصاديات الشبكات بين الجهات الصناعية.

وتبين المشروعات الرئيسية، بما فيها شبكة Antwerp@C لثاني أكسيد الكربون ومتنزه Vopak للطاقة، كيف يمكن للطلب الجماعي واستراتيجيات التمويل متعددة الطبقات أن تساعد على تحقيق أهداف صناعية ومناخية طموحة.

هيكل التجمع وحوكمته

بصفتها الجهة المشرفة على التجمع بأكمله، تؤدي سلطة الميناء دور مدير التجمع العام ومدير المشروع في عدد من مشروعات البنية التحتية الرئيسية.

وتؤدي السلطة دوراً بالغ الأهمية في تنسيق البنية التحتية المشتركة، وجمع أصحاب المصلحة، وتمكين التمويل، ولا سيما بالنسبة للأصول المشتركة الكبرى مثل خطوط الأنابيب ومحطات الاستيراد والتصدير.

وتبني مشروعات مشتركة منفصلة، مثل Kairos@C، روابط محددة في سلسلة القيمة الإقليمية.

وتحافظ سلطة الميناء على الإشراف من خلال امتلاك حصص أغلبية في مؤسسات رئيسية مثل Pipelink بنسبة 80%، وتنسيق مكتب تمويل مركزي لدعم الحصول على التمويل الخارجي، ومنح الأراضي بنظام الامتياز للمؤسسات الخاصة.

ويتيح هذا النهج تواصلاً أكثر كفاءة وفعالية بين المؤسسات الخاصة العاملة داخل التجمع، ويسهل اتباع نهج أكثر تنسيقاً في التعامل مع الجهات الممولة الخارجية.

نماذج وهياكل التمويل

Antwerp@C تحالف يضم ثمانية شركاء وتنسقه سلطة الميناء.

ويهدف المشروع إلى ربط ست جهات كبيرة مصدرة للانبعاثات بمرافق التسييل والتصدير، بينما يقدم الميناء الأراضي والدعم التنظيمي، ويستثمر الشركاء رأس المال اللازم للتطوير.

وفي المرحلة الأولى، Kairos@C، ستربط BASF وAir Liquide انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خمسة مصانع، تشمل مصنعاً للأمونيا ومصنعين للهيدروجين ومصنعين لأكسيد الإيثيلين.

وكان قرار الاستثمار النهائي لـKairos@C معلقاً، مع إشارة BASF إلى الحاجة إلى «زيادة الدعم الحكومي»، ولا سيما إلى ضمان وجود دعم مالي مباشر أكبر عندما يصل المشروع إلى مرحلة التشغيل.

ورغم ذلك، كان إنشاء «العمود الفقري لثاني أكسيد الكربون» عنصراً أساسياً في تطوير المشروع.

وتخضع شبكة خطوط الأنابيب، وهي قيد الإنشاء، لسيطرة Fluxys c-grid Antwerp، وهو مشروع مشترك تمتلك فيه Fluxys حصة 70% وPipelink حصة 20% وAir Liquide حصة 10%.

وبما أن سلطة ميناء أنتويرب-بروج تمتلك الحصة الأكبر في Pipelink، تستطيع السلطة ضمان ملاءمة البنية التحتية لمختلف الجهات المصدرة للانبعاثات التي قد تتصل بها مستقبلاً.

وبصفتها جهة عامة، تستطيع السلطة قبول عوائد أقل نظراً إلى المنافع العامة التي يحققها المشروع.

ويمثل Vopak Energy Park أيضاً مثالاً بارزاً على إعادة توظيف المنشآت الصناعية لتسريع التحول الصناعي.

ففي عام 2023، استحوذت Vopak على مصفاة سابقة وبدأت تحويلها إلى مركز للطاقة الخضراء والمواد الكيميائية يتمتع بإمكانية الوصول عبر البحر العميق والأنهار وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية.

ويجري تجهيز الموقع لمحطات جديدة للهيدروجين والأمونيا والميثانول، بدعم من التعاون الاستراتيجي مع سلطة الميناء والقرب من البنية التحتية القائمة في التجمع.

وقد التزمت A.P. Møller Capital بالفعل باستثمار رأسمالي بقيمة 1.5 مليار يورو في Vioneo.

وتعتزم Vioneo بناء مصنع بطاقة 300 ألف طن سنوياً لإنتاج البولي بروبيلين والبولي إيثيلين الخاليين من الوقود الأحفوري في متنزه Vopak للطاقة.

وسيستخدم المصنع، الذي سيكون الأول من نوعه عالمياً، الميثانول الأخضر المنتج من الكتلة الحيوية أو الهيدروجين منخفض الكربون مادةً أولية إلى جانب الطاقة المتجددة، ما سيسهم في خفض نحو 1.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

وبناء على هذه المبادرات، يعمل ميناء أنتويرب على تطوير مشروع مهم آخر هو ARCaDE.

ورغم أنه لا يزال في مرحلة مبكرة، يهدف المشروع إلى أن يكون أول تطبيق واسع النطاق لاحتجاز الكربون يُضاف إلى منشأة قائمة لمعالجة انبعاثات يصعب خفضها في مصفاة داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد التزمت TotalEnergies بمبلغ 400 مليون يورو للمشروع، الذي سيعمل على احتجاز ثاني أكسيد الكربون من وحدة التكسير التحفيزي المائع في مصفاتها بأنتويرب، ثم نقله عبر بنية Antwerp@C التحتية للتصدير إلى روتردام من أجل التخزين.

وحصلت المبادرة على دعم مالي كبير بقيمة 228 مليون يورو لتقليل مخاطر التطوير في مراحله المبكرة وتسريع التنفيذ. ومن المتوقع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي بحلول نهاية عام 2027.

ميناء روتردام

يقع ميناء روتردام، أكبر ميناء بحري في أوروبا، في طليعة إزالة الكربون من الصناعة الأوروبية من خلال مشروعات متكاملة لاحتجاز الكربون وتخزينه والهيدروجين والأمونيا.

ويمثل Porthos مشروعاً بارزاً قائماً على شراكة بين القطاعين العام والخاص، بينما تسرع بنية الهيدروجين الجديدة من خلال ELYgator ومشروع Aramis المرتبط باحتجاز الكربون التحول من خلال تمكين الإنتاج واسع النطاق.

هيكل التجمع وحوكمته

تعمل سلطة الميناء في الوقت نفسه منسقاً للمشروعات ومالكاً لبنية تحتية حيوية، وتتعاون مع مؤسسات خاصة لتحفيز تطوير المشروعات.

وتشكل ثلاثة مشروعات رئيسية العمود الفقري لمنظومة احتجاز الكربون وتخزينه: Porthos وAramis وCO2next.

ويتولى Porthos، وهو مشروع مشترك مملوك للدولة بين EBN وGasunie وسلطة ميناء روتردام، إدارة النقل المشترك والتخزين البحري.

أما Aramis، وهو مشروع بين EBN وGasunie، فيوسع نطاق احتجاز الكربون وتخزينه عبر خطوط أنابيب إضافية وروابط بين التجمعات.

ويوفر CO2next، الذي تقوده Gasunie وVopak، إمكانية الوصول إلى الشبكة للجهات الصناعية التي لا ترتبط بخطوط الأنابيب عبر محطة لثاني أكسيد الكربون السائل.

ويُعد ELYgator مشروعاً رئيسياً آخر مرتبطاً بروتردام. وهو مجمع محللات كهربائية بقدرة 200 ميغاواط تقوده Air Liquide ويدمج تقنيات التحليل الكهربائي بغشاء تبادل البروتون والتحليل القلوي، في أول تطبيق من نوعه بهذا الحجم في أوروبا.

وسيُنتج ELYgator نحو 23 ألف طن من الهيدروجين المتجدد سنوياً، وسيخصص ما يعادل 130 ميغاواط من إنتاجه لتزويد منشآت TotalEnergies في أنتويرب، ما يظهر تزايد استخدام الروابط بين التجمعات.

وفي المقابل، ستوفر TotalEnergies الكهرباء من مزرعة الرياح البحرية OranjeWind.

كما يدفع ميناء روتردام تطوير مشروعين إضافيين للبنية التحتية يشكلان عنصراً مهماً للتحول الصناعي في هولندا وأوروبا بصورة أوسع.

أولاً، أكملت Hynetwork، وهي شركة تابعة بالكامل لـGasunie، في عام 2025 أول خط أنابيب لها بطول 32 كيلومتراً من Maasvlakte 2 في روتردام إلى مصفاة Shell Pernis.

وعند اكتمال الشبكة، ستربط Hynetwork خمسة تجمعات صناعية في هولندا بمراكز صناعية أخرى في ألمانيا وبلجيكا لتوزيع الهيدروجين الأخضر.

وإلى جانب ذلك، ستنقل شبكة WarmtelinQ للحرارة المتبقية، التي تقودها Gasunie ويجري إنشاؤها على مراحل، الحرارة الفائضة من ميناء روتردام لتدفئة المنازل في جنوب هولندا.

ومن خلال الاستفادة من الحرارة الصناعية التي كانت ستضيع وإعادة توزيعها، يخفض المشروع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بصورة كبيرة ويدعم أهداف المنطقة المناخية وطموحات الاقتصاد الدائري.

نماذج وهياكل التمويل

بعد محاولات سابقة لم تنجح في تطوير تقنية احتجاز الكربون وتخزينه داخل التجمع، أطلق ميناء روتردام مشروع Porthos وأشرك مؤسسات تمتلك معرفة كبيرة لتطوير البنية التحتية الأساسية.

وجرى توزيع مسؤوليات التنفيذ والالتزامات التمويلية على أساس خبرة كل شريك.

فالمسؤولية عن البنية التحتية البرية والاستثمار فيها مقسمة مناصفة بين Gasunie وميناء روتردام.

أما محطة الضغط والتخزين البحري، فتنقسم المسؤولية عنها مناصفة بين EBN وGasunie.

وتقع مسؤولية تشغيل نظام Porthos على مشروع مشترك مناصفة بين EBN وGasunie.

وتملك المؤسسات الثلاث حصصاً متساوية في تنفيذ المشروع ككل والإشراف على الكيان التجاري لـPorthos.

ويضمن هذا التحديد الواضح للمسؤوليات امتلاك كل مساهم تفويضاً واضحاً بشأن المجالات التي ينبغي له الاستثمار فيها، كما يقلل الحاجة إلى تمويل منفصل للمشروع.

واستفاد Porthos من مجموعة واسعة من الأدوات المالية التي شملت المنح المباشرة والإعانات وعقود الفروقات.

ويغلق برنامج SDE++ الحكومي الفجوة بين تكلفة احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه وبين أسعار سوق الكربون.

كما ترتبط الجهات الصناعية المصدرة للانبعاثات، ومنها Air Liquide وAir Products وExxonMobil وShell، بعقود طويلة الأجل مع Porthos لتخزين ثاني أكسيد الكربون، ما يوفر يقيناً بشأن الإيرادات.

وبالنسبة إلى ELYgator، كان الدعم العام بقيمة 99 مليون يورو، إلى جانب الإعانات الحكومية الهولندية، عاملاً مهماً في دعم التطوير المبكر للمشروع.

كما أن المشروع واحد من المستفيدين من برنامج دعم هولندي لإنتاج الهيدروجين على نطاق واسع، يمكن بموجبه للحكومة تغطية ما يصل إلى 80% من التكاليف الرأسمالية للمشروع وتقديم دعم تشغيلي عن كل كيلوغرام من الهيدروجين المنتج.

لكن العنصر الأكثر أهمية كان اتفاق الشراكة بين Air Liquide وTotalEnergies في أوائل عام 2025، الذي وفر طلباً مضموناً طويل الأجل وسمح لـAir Liquide بالالتزام باستثمار رأسمالي قدره 500 مليون يورو.

وسيتم توزيع الكمية المتبقية من الهيدروجين عبر شبكة خطوط الأنابيب الإقليمية التابعة لـAir Liquide للاستخدام في الصناعة ووسائل النقل الثقيلة في هولندا وبلجيكا.

المصدر

دراسات ذات صلة