الفصل الثامن: الرؤى الإقليمية
أولويات متنوعة ومسارات متنوعة
ملخص
يستكشف هذا الفصل اتجاهات قطاع الطاقة وأولوياته في دول ومناطق تستأثر مجتمعة بنحو 90% من سكان العالم وناتجه المحلي الإجمالي والطلب على الطاقة فيه. وتتباين الأولويات والأهداف والظروف الوطنية تبايناً واسعاً بين المناطق وداخلها، غير أن ثمة اتجاهين واضحين في معظم أنحاء العالم، هما تنامي كهربة الاستخدامات النهائية، وارتفاع حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء.
وتتشكل اتجاهات الطاقة في الاقتصادات المتقدمة وفقاً لبنية اقتصاداتها، وارتفاع متوسط الدخل فيها، وارتفاع معدلات امتلاك المركبات والأجهزة. وقد بلغ إجمالي الطلب على الطاقة فيها ذروته في الغالب، وإن كان استخدام الكهرباء مستمراً في الارتفاع، مع إسهام المركبات الكهربائية ومراكز البيانات في زيادة الطلب.
أما نصيب الفرد من الطلب على الطاقة فهو أدنى عموماً في اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية، إذ لا يزال كثير من هذه الدول يطور صناعاته، ويعاني بعضها من عدم تعميم الوصول إلى الطاقة، ولدى معظمها متوسط دخل ومستويات امتلاك لمعدات استهلاك الطاقة أدنى مما هي عليه في الاقتصادات المتقدمة. غير أن الصورة متحركة، فكثير من هذه الدول يشهد تحضراً سريعاً، ويبني بنيته التحتية، ويحرز تقدماً سريعاً في الوصول إلى الطاقة الحديثة، ويشهد نمواً قوياً في اقتصاده وفي طلبه على الطاقة.
ويُعد أمن الطاقة محدداً رئيسياً لسياسات الطاقة. ورغم أن أمن الطاقة مفهوم واسع يشمل القدرة على تحمل التكاليف ومرونة سلاسل الإمداد، فإن من المقاييس الشائعة الاستخدام مدى الاعتماد على استيراد الوقود، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي والفحم. فعدد من الاقتصادات الكبرى مستورد صاف للطاقة، ومنها اليابان وكوريا والاتحاد الأوروبي والهند والصين، في حين أن مناطق أخرى، أبرزها الشرق الأوسط وأوراسيا وأفريقيا والولايات المتحدة، مصدّرة صافية للطاقة. ويمكن لارتفاع مستوى الاعتماد على الواردات أن يكون حافزاً لتعزيز الطاقة المتجددة والنووية، وتنويع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة الطاقة.
ويتناول هذا الفصل مسارات الطاقة في مختلف الدول والمناطق، ويتضمن تعمقاً في موضوع وثيق الصلة بكل منطقة. ففي حالة الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، نستكشف موضوعات تركز على تطوير الموارد المحلية، وفي حالة الهند وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط نبحث الاستراتيجيات والسياسات المعتمدة لإدارة نمو الطلب على الطاقة بما يتسق مع الأولويات الوطنية والإقليمية، أما الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا فنتناول فيها موضوعات القدرة التنافسية وأمن الطاقة. كما نستكشف مستقبل الطلب على الفحم في الصين، وتوقعات صادرات الغاز الطبيعي الروسية.
8.1 مقدمة
يستكشف هذا الفصل مسارات قطاع الطاقة في دول ومناطق تستأثر مجتمعة بقرابة 90% من سكان العالم وناتجه المحلي الإجمالي والطلب على الطاقة فيه. وتتفاوت المؤشرات الاقتصادية والديموغرافية ومؤشرات قطاع الطاقة الرئيسية تفاوتاً واسعاً بين هذه المناطق، بما يعكس تنوع تاريخها ويشكل أولوياتها السياسية المستقبلية. ويتتبع تحليلنا تطور الاتجاهات الإقليمية عبر الزمن من خلال دراسة التغيرات التي طرأت على مجموعة من المؤشرات.
وقد كانت الصين، تليها الهند وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، المحركات الرئيسية للنمو خلال العقد الماضي، إذ استأثرت بأكثر من 90% من الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة وبقرابة 60% من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد نجم ارتفاع الطلب على الطاقة فيها عن تزايد التصنيع والتحضر، إلى جانب اتساع امتلاك الأجهزة والمركبات. وفي مناطق أخرى، حدث تحول تدريجي نحو أنشطة اقتصادية أقل كثافة في استهلاك الطاقة، مع التركيز على تحسين الكفاءة. وتبرز هذه الاتجاهات بوضوح خاص في الاقتصادات المتقدمة التي بدأت احتياجاتها من الطاقة تستقر بل تتراجع أحياناً، فالطلب على الطاقة في الاتحاد الأوروبي عام 2024 كان أدنى بنحو 10% مما كان عليه عام 2015، رغم نمو اقتصاده بقرابة 20% خلال هذه الفترة. كما لا تزال هناك آثار باقية لجائحة كوفيد 19، إذ لم تتعافَ بعض القطاعات، ولا سيما الصناعة، في بعض المناطق.
ويبدو مشهد الطاقة مختلفاً اختلافاً واضحاً عند النظر إلى نصيب الفرد من الطلب على الطاقة. فدول ومناطق منها الولايات المتحدة وأجزاء من أوراسيا والاقتصادات الآسيوية المتقدمة والشرق الأوسط تشهد ارتفاعاً نسبياً في نصيب الفرد من الطلب على الطاقة، نتيجة مجموعة من العوامل منها ارتفاع الدخل، والاحتياجات الكبيرة للتدفئة أو التبريد، ووجود قاعدة صناعية كبيرة، ودعم الوقود الأحفوري في بعض الحالات. وفي الطرف المقابل، يظل نصيب الفرد من الطلب في أفريقيا متدنياً جداً، ولا سيما أن قرابة مليار شخص لا يزالون يفتقرون إلى الطهي النظيف، ونحو 600 مليون شخص يفتقرون إلى الكهرباء، معظمهم في المناطق الريفية من أفريقيا جنوب الصحراء.
ومن المقاييس الأخرى التي تكشف تباينات كبيرة بين المناطق حصة المصادر منخفضة الانبعاثات في توليد الكهرباء، التي بلغت 41% من التوليد العالمي عام 2024، منها 32% من الطاقة المتجددة و9% من الطاقة النووية. ويحصل الاتحاد الأوروبي على أكثر من 70% من كهربائه من مصادر منخفضة الانبعاثات، منها 48% من الطاقة المتجددة و23% من الطاقة النووية. وتسجل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي حصة أعلى من الطاقة المتجددة تبلغ 63%، معظمها من الطاقة الكهرومائية، لكن حصة الطاقة النووية فيها أصغر بكثير. وفي الطرف الآخر من المقياس، لا تشكل المصادر منخفضة الانبعاثات اليوم سوى حصة ضئيلة جداً من توليد الكهرباء في الشرق الأوسط، حيث يهيمن الغاز الطبيعي والنفط على مزيج التوليد.
وتعد حصة الكهرباء في إجمالي الاستهلاك النهائي مقياساً مهماً آخر. فقد تصدرت اليابان وكوريا هذا المقياس طويلاً، وانضمت إليهما الصين الآن بوصفها من أكثر المناطق كهربة، وهو ما يعكس التبني السريع للكهرباء في الصناعة، وتزايد امتلاك الأجهزة، واتساع الطلب على تبريد الأماكن، ونمو التنقل الكهربائي. كما لوحظ نمو سريع مماثل في جنوب شرق آسيا والهند، في حين تبقى حصص الكهرباء في أدنى مستوياتها في أفريقيا وأوراسيا، حيث لم تبدأ هذه الاتجاهات بالظهور إلا مؤخراً وتتقدم بوتيرة أكثر تدرجاً.
وتتجلى فوارق صارخة بين المناطق المختلفة في درجة الاعتماد على استيراد الوقود الأحفوري، الذي كثيراً ما يُستشهد به مؤشراً على أمن الطاقة. فاليوم تُلبَّى نسبة تتجاوز 80% بفارق كبير من الطلب على النفط في اليابان وكوريا والاتحاد الأوروبي والهند عبر الاستيراد، وكذلك أكثر من 40% من الطلب على الغاز الطبيعي في هذه المناطق وفي الصين. ويمكن لارتفاع مستوى الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد أن يحفز الجهود الرامية إلى تعزيز الطاقة المتجددة والنووية، وتنويع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة الطاقة.
ومن المقرر أن تقدم الدول الموقعة على اتفاق باريس عام 2025 التزاماتها المناخية الوطنية الجديدة، المعروفة بالمساهمات المحددة وطنياً. وحتى الخامس من نوفمبر 2025، كان 74 طرفاً، تمثل نحو 55% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية المرتبطة بالطاقة، قد قدمت مساهماتها الجديدة إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، فيما يُنتظر أن تقدم 50 دولة أخرى مساهماتها قبل مؤتمر الأطراف الثلاثين في بيليم بالبرازيل أو خلاله. وسينعكس الأثر الكامل للمساهمات الجديدة في التحليلات المستقبلية.
ويلقي ما تبقى من هذا الفصل نظرة أعمق على المناطق المختلفة، فيستكشف توقعات العرض والطلب على الطاقة فيها، ويتضمن لكل منها دراسة معمقة لموضوع وثيق الصلة بها.
8.2 الولايات المتحدة
8.2.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
يمر مشهد سياسات الطاقة في الولايات المتحدة بتغير كبير، إذ يشير إقرار قانون "مشروع القانون الكبير الجميل الواحد" عام 2025 إلى تجدد التركيز على الإنتاج المحلي للطاقة، ولا سيما الفحم والطاقة النووية والحرارية الجوفية والنفط والغاز الطبيعي، وعلى تطوير البنية التحتية للطاقة. ويُلزم هذا القانون بطرح مزادات لتأجير مناطق النفط والغاز في الأراضي الفيدرالية والمناطق البحرية، ويعيد العمل بالخصومات الضريبية على الحفر، ويُبقي على الإعفاءات الضريبية لتقنيات احتجاز الكربون والطاقة النووية والحرارية الجوفية والحيوية وتخزين البطاريات أو يمددها أو يعززها. كما يسرّع الإلغاء التدريجي للإعفاءات الضريبية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية والمركبات الكهربائية. وتعيد هذه التغييرات في السياسات، مقرونة بسلسلة من التغييرات التنظيمية وتغييرات في التوظيف الفيدرالي والتمويل العام، تشكيل مشهد الطاقة في الولايات المتحدة.
وفي سيناريو السياسات الحالية، يُتوقع أن يرتفع إجمالي الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة بنسبة 0.5% سنوياً حتى عام 2035، إيذاناً بعودة النمو بعد استقرار الطلب تقريباً خلال العقدين الماضيين. ويشهد الطلب على الغاز الطبيعي نمواً كبيراً حتى عام 2035، ويظل أكبر مصدر للطاقة في البلاد حتى عام 2050. ويواصل الطلب على النفط ارتفاعه البطيء على المدى المتوسط ثم يستقر على المدى الطويل، في حين يتراجع الفحم بثبات حتى عام 2050. وتبقى الطاقة النووية مستقرة على المدى القريب، قبل أن تدخل الخدمة في الثلاثينيات موجة جديدة من المفاعلات الكبيرة والمفاعلات المعيارية الصغيرة التي يجري تطويرها اليوم، مدعومة بسياسات مواتية واهتمام قوي من شركات التكنولوجيا. ويتوقف هذا الانبعاث النووي على مواصلة الجهود لتطوير القوى العاملة وسلاسل الإمداد اللازمة للإنشاء والوقود. وتظل الطاقة الحيوية أكبر مصدر للطاقة المتجددة حتى عام 2050، فيما تواصل الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح توسعهما، وإن بوتيرة أبطأ مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.
ولكل من قطاع الكهرباء وقطاعات الاستخدام النهائي المختلفة في الولايات المتحدة مزيج طاقة خاص به، لكنها جميعاً تشهد ارتفاعاً في الطلب على الطاقة في سيناريو السياسات الحالية. ففي النقل، يظل النفط مهيمناً، مستأثراً بأكثر من 80% من إجمالي استخدام الطاقة في النقل كل عام حتى عام 2050. وفي قطاع المباني، تواصل الكهرباء أداء دور محوري، فتلبي معظم الطلب الجديد تقريباً وتحل تدريجياً محل النفط، فيما يبقى استهلاك الغاز الطبيعي مستقراً على نحو عام، غير أن الغاز الطبيعي يلبي الحصة الأكبر من الطلب الجديد لمراكز البيانات. ويحافظ القطاع الصناعي على مزيج وقود متنوع، يلبي فيه الغاز الطبيعي نصف الطلب الجديد، مع ارتفاع استخدام النفط والكهرباء أيضاً. وفي قطاع الكهرباء، يواصل الطلب على الغاز الطبيعي ارتفاعه حتى عام 2035، ويظل أكبر مصدر لتوليد الكهرباء حتى عام 2050. كما يرتفع الطلب على طيف واسع من تقنيات الطاقة المتجددة، منها الطاقة الحرارية الجوفية من الجيل التالي والطاقة الحيوية والكهرومائية والشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح.
وتظل التوقعات طويلة الأمد غير مؤكدة بطبيعتها، إذ ستتغير مع تطور الإطار السياسي ومع تكيف الأطراف المعنية بالطاقة مع هذا التطور. ففي سيناريو السياسات المعلنة، يعكس مسار الولايات المتحدة تأثيراً أقوى للإجراءات على مستوى الولايات، ومنها معايير محافظ الطاقة المتجددة في قطاع الكهرباء. وفي هذا السيناريو، يبقى إجمالي الطلب على الطاقة مستقراً على نحو عام حتى عام 2035، مع نمو محدود للغاز الطبيعي، وتراجع متواضع للنفط، وانخفاض كبير في استخدام الفحم، واستمرار التوقعات الإيجابية للطاقة النووية، وتزايد تبني الطاقة المتجددة، مدفوعاً جزئياً بافتراض تمديد إلزامات الولايات في هذا السيناريو.
إطار: مستجدات إمدادات الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات في الولايات المتحدة
نشرت الوكالة الدولية للطاقة في أبريل 2025 أول تقرير لها عن الطاقة والذكاء الاصطناعي، تضمن تحليلاً مفصلاً للطلب على الكهرباء في مراكز البيانات، وبحث كيفية تلبية إمدادات الكهرباء لهذا الطلب. ومنذ ذلك الحين، غيّرت التحولات في السياسات على المستوى الفيدرالي توقعات قطاع الكهرباء في الولايات المتحدة، ومعها توقعات إمدادات الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات. وفي ضوء ذلك، حدّثنا تحليلنا ليعكس المشهد السياسي المتغير، ولا سيما الخطط الحالية للإلغاء التدريجي للإعفاءات الضريبية لعدد من تقنيات الطاقة المتجددة، ومنها الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح. ومع ذلك، ثمة ثلاثة عوامل رئيسية لم تتغير إلى حد كبير، هي أهداف الشركات المتعلقة بالطاقة المتجددة وغيرها من الطاقة منخفضة الانبعاثات وصافي الانبعاثات الصفري، التي تواصل كثير من شركات التكنولوجيا، ومنها الشركات الأربع الكبرى، السعي إلى تحقيقها، ومعايير محافظ الطاقة المتجددة على مستوى الولايات، والاختناقات في سلسلة إمداد التوربينات الغازية.
وكان الغاز الطبيعي أكبر مصدر للكهرباء المخصصة لمراكز البيانات في الولايات المتحدة عام 2024، إذ استأثر بأكثر من 40% من الإمدادات، فيما أسهمت الطاقة المتجددة، ومعظمها من الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، بربع الإمدادات، ووفرت الطاقة النووية نحو 20% والفحم قرابة 15%. ولأن جميع مراكز البيانات تقريباً متصلة بالشبكة، فإن هذه الحصص تعكس في جوهرها مزيج الكهرباء في الولايات التي تتركز فيها مراكز البيانات الأمريكية.
وفي سيناريو السياسات الحالية، يرتفع توليد الكهرباء المخصص لمراكز البيانات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، من نحو 200 تيراواط ساعة اليوم إلى 640 تيراواط ساعة بحلول عام 2035. ويسجل التوليد بالغاز الطبيعي أكبر زيادة بين جميع المصادر لتلبية الطلب الجديد لمراكز البيانات، إذ يرتفع بمقدار 260 تيراواط ساعة حتى عام 2035، يتحقق معظمها قبل عام 2030. وتعكس هذه الزيادة استمرار نمو الغاز الطبيعي، وتتحقق في معظمها بتشغيل محطات الكهرباء الغازية القائمة والمتصلة بالشبكة لفترات أطول. ويعتزم بعض المطورين كذلك إنشاء مراكز بيانات ضخمة بجوار مولدات كهرباء جديدة مخصصة تعمل بالغاز الطبيعي، وإن كانت القيود في سلسلة إمداد التوربينات الغازية قد تؤخر بعض هذه المشروعات إلى ما بعد عام 2030.
ويأتي ثاني أكبر مصدر للإمدادات الإضافية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية، اللتين تزدادان معاً بنحو 70 تيراواط ساعة بحلول عام 2035، ويعود ذلك أساساً إلى نمو قدرات الرياح والطاقة الشمسية في الولايات التي تقع فيها مراكز البيانات. ولتحقيق أهداف الشركات في مجال الطاقة النظيفة، يستثمر بعض مشغلي مراكز البيانات أيضاً في الطاقة المتجددة، ويبرمون اتفاقيات شراء كهرباء متجددة مطابقة على أساس ساعي. كما ترتفع الكهرباء المورّدة من مصادر متجددة أخرى قادرة على توفير الحمل الأساسي بنحو 13 تيراواط ساعة بحلول عام 2035. وتؤدي الطاقة الحرارية الجوفية، التي يدعمها كبار مشغلي مراكز البيانات فائقة النطاق بوصفها مصدراً قابلاً للتوزيع للكهرباء منخفضة الانبعاثات، دوراً أكبر، وكذلك الطاقة الكهرومائية التي ينصب التركيز فيها على تحديث المنشآت القائمة.
وتعد الطاقة النووية ثالث أكبر مصدر لإمدادات الكهرباء الإضافية، ولا سيما بعد عام 2030، حين يُتوقع أن يشغّل عدد من كبار المشغلين فائقي النطاق مفاعلات معيارية صغيرة لتزويد مراكز البيانات الجديدة بالكهرباء مباشرة. ونتيجة لذلك، يرتفع التوليد النووي المخصص لمراكز البيانات بنحو 70 تيراواط ساعة بحلول عام 2035. ولدى شركات التكنولوجيا الأمريكية بالفعل خطط لتمويل أكثر من 25 غيغاواط من المفاعلات المعيارية الصغيرة، وإن كان معظم هذه القدرة لا يُتوقع أن يتحقق إلا بعد عام 2035.
وبحلول عام 2035، يُتوقع أن يوفر الغاز الطبيعي أكثر من نصف الكهرباء التي تحتاجها مراكز البيانات في الولايات المتحدة، تليه الطاقة المتجددة والطاقة النووية بنحو 20% لكل منهما، ثم الفحم بنسبة 7%.
وتختلف هذه التوقعات عن الحالة الأساسية الواردة في تقرير الطاقة والذكاء الاصطناعي الصادر في أبريل 2025 من حيث مستوى الطلب، إذ تضيف قرابة 70 تيراواط ساعة من التوليد السنوي الإضافي المخصص لمراكز البيانات بحلول عام 2035. كما تختلف من حيث كيفية تلبية الطلب، فمزيج الإمدادات في تحليلنا المنقح يُظهر مراجعة كبيرة بالزيادة للغاز الطبيعي ومراجعة بالخفض لطاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية، بما يعكس تغير البيئة السياسية بعد إقرار القانون المذكور.
8.2.2 ما الخطوة التالية لعملاق الطاقة الأمريكي؟
ينعكس حجم الاقتصاد الأمريكي على استهلاكه للطاقة، إذ تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالمياً في الطلب على كل من النفط والغاز الطبيعي. ففي عام 2024، استأثر الطلب الأمريكي على النفط بقرابة 20% من الإجمالي العالمي، فيما تجاوز استهلاك الغاز الطبيعي 940 مليار متر مكعب، أي أكثر بنحو 80% من أي دولة أخرى. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الثالثة في الطلب على الفحم، والثانية في الطاقة المتجددة، مع إسهامات كبيرة في الإمدادات من الطاقة الحيوية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية والكهرومائية والحرارية الجوفية. كما أنها ثاني أكبر منتج للكهرباء في العالم، إذ تنتج نصف ما تنتجه الصين وأكثر من ضعف ما تنتجه الهند صاحبة المرتبة الثالثة. وتمتلك الولايات المتحدة كذلك أكبر أسطول نووي في العالم، بقدرة عاملة تتجاوز 100 غيغاواط اليوم.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الولايات المتحدة المنتج الأول لكل من النفط والغاز الطبيعي، إذ يبلغ إنتاجها من النفط 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة ضعف إنتاج ثاني أكبر منتج، ويمثل إنتاجها من الغاز الطبيعي ربع الإجمالي العالمي، بما يزيد بنسبة 60% على إنتاج الدولة صاحبة المرتبة الثانية. وقد حوّلت مستويات الإنتاج هذه الولايات المتحدة إلى مصدّر صاف للنفط والغاز، في تحول هائل عن الاتجاهات السابقة، ما يتيح لها أداء دور متزايد التأثير في أسواق الطاقة العالمية وأمن الطاقة.
وفي المستقبل، تتجه الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها رائدةً عالمية في إنتاج النفط والغاز، مع التوسع في استخدام تقنيات أخرى ذات أولوية كالطاقة النووية. وفي ظل الدعم الذي يقدمه القانون المذكور وغيره من السياسات الفيدرالية الجديدة للإنتاج المحلي من النفط والغاز، يرتفع إنتاج النفط في سيناريو السياسات الحالية بنحو 0.1 مليون برميل يومياً كل عام حتى عام 2035، متجاوزاً نمو الطلب المحلي، ومضيفاً 0.5 مليون برميل يومياً إلى صافي الصادرات. كما يتوسع إنتاج الغاز الطبيعي بثبات متجاوزاً نمو الطلب، فيرفع صافي الصادرات بأكثر من 130 مليار متر مكعب، ويرسخ مكانة الولايات المتحدة بوصفها أكبر مصدر للغاز في العالم. ويواصل إنتاج الفحم تراجعه عن ذروته المسجلة عام 2022، وإن ظل كافياً لتلبية الطلب المحلي بأكمله. وتبقى الولايات المتحدة أكبر منتج ومستهلك للنفط والغاز الطبيعي في العالم حتى عام 2035 في سيناريو السياسات الحالية وسيناريو السياسات المعلنة على حد سواء.
ويحفز القانون كذلك التوسع في عدد من تقنيات الطاقة المحلية. فالطاقة النووية مهيأة لنمو متجدد، مدعومة باستمرار الإعفاءات الضريبية وزيادة التمويل وإزالة العوائق التنظيمية أو تقليصها. وفي سيناريو السياسات الحالية، تظل القدرة النووية مستقرة حتى عام 2030، ثم ترتفع بمقدار الثلث حتى عام 2040، وبأكثر من 80% بحلول عام 2050. ورغم هذا النمو، تلحق الصين بالولايات المتحدة في القدرة النووية نحو عام 2030، ثم تتصدر حتى عام 2050. وتنمو قدرة الطاقة المتجددة بمقدار الثلثين حتى عام 2035، مع ارتفاع الطاقة الحرارية الجوفية بنسبة 75% في هذا السيناريو انطلاقاً من قاعدة صغيرة، بدعم من الحوافز الضريبية وتسريع إجراءات الترخيص، لاستخدامها في توليد الكهرباء وتطبيقات الحرارة المباشرة. ويظل الوقود الحيوي جزءاً من مزيج الطاقة، مع استمرار الدعم الفيدرالي المركز على الموارد المحلية، وحوافز أكثر محدودية لوقود الطيران المستدام، ويرتفع استخدامه بنسبة 6% حتى عام 2035 في هذا السيناريو.
ويتزايد الإدراك في الولايات المتحدة بأن سلاسل إمداد المعادن الحرجة المرنة ضرورية لتقنيات الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية والأمن القومي، ولذا تكثف البلاد جهودها لبناء سلاسل إمداد متنوعة عبر التمويل العام وتدابير السياسة الصناعية والشراكات الاستراتيجية. وقد قدمت وزارتا الطاقة والدفاع الأمريكيتان دعماً مالياً كبيراً لمشروعات محلية، منها منشآت معالجة الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، بموجب قانون الإنتاج الدفاعي وبرامج القروض. وفي مطلع عام 2025، أطلق بنك التصدير والاستيراد الأمريكي أداة تمويل جديدة هي مبادرة مرونة سلاسل الإمداد، لتقديم تمويل موجه لمشروعات المعادن الحرجة، كما وجّه أمر تنفيذي وزارة الدفاع ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية إلى إنشاء صندوق استثماري مخصص. وتتوسع أيضاً الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومن أمثلتها صفقة تحويلية بين شركة إم بي ماتيريالز، وهي منتج رائد للعناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة، ووزارة الدفاع، تتضمن دعماً تمويلياً واسع النطاق والتزامات بالشراء طويل الأجل وبحد أدنى للأسعار. وتؤكد هذه الخطوات طموح الولايات المتحدة إلى أداء دور ريادي في تشكيل مستقبل المشهد العالمي للمعادن الحرجة.
8.3 أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي
8.3.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
تمتلك منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي إمكانات كبيرة غير مستغلة من موارد الطاقة، تمتد من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى النفط والوقود الحيوي والمعادن الحرجة. وتمثل المرونة المناخية قضية ملحة، إذ تواجه المنطقة ظواهر جوية متطرفة متزايدة وما يصاحبها من انقطاعات للكهرباء واضطرابات أخرى. وفي نوفمبر 2025، تستضيف البرازيل مؤتمر الأطراف الثلاثين بهدف تسريع جهود تنفيذ التعهدات المناخية.
ويأتي نحو 65% من الكهرباء في المنطقة من مصادر متجددة، وهي أعلى نسبة بين جميع المناطق، ومن المرجح أن تتوسع حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء أكثر. ففي البرازيل، بلغت هذه الحصة بالفعل قرابة 90% بفضل الطاقة الكهرومائية إلى حد كبير، فيما تعد نسبة الكهرباء المولدة من الرياح والطاقة الشمسية في تشيلي وأوروغواي من أعلى النسب في العالم. وفي عام 2010، كانت الطاقة المتجددة تمثل نحو 40% من إضافات القدرة في المنطقة، وبلغت هذه الحصة 90% عام 2024، متجاوزة بكثير المتوسط العالمي البالغ نحو 80%. ويستمر هذا الاتجاه في سيناريو السياسات المعلنة، إذ تستأثر الطاقة الشمسية بأكثر من 45% من القدرة الجديدة بين عامي 2025 و2035، ومن ثم تبلغ حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء نحو 70% بحلول عام 2035، فيما ترتفع حصتها في إجمالي إمدادات الطاقة من 30% إلى أكثر من 35%. ويغير النمو السريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح ديناميكيات قطاع الكهرباء، فقد اضطرت كل من تشيلي والبرازيل أحياناً عام 2024 إلى تقليص إنتاج هذين المصدرين لموازنة شبكات الكهرباء. ولذا يلزم مزيد من الاستثمار في شبكات عالية الأداء لدعم مزيج الكهرباء المتطور في المنطقة.
وتعزز الحوافز الحكومية والمركبات الكهربائية الصينية ذات الأسعار التنافسية مبيعات المركبات الكهربائية، ولا سيما في البرازيل وكوستاريكا وأوروغواي وكولومبيا. فقد تضاعفت المبيعات في البرازيل بأكثر من مرتين عام 2024، واستأثرت المركبات الصينية بنسبة 85% منها. وتمتلك تشيلي وكولومبيا من أكبر أساطيل الحافلات الكهربائية في العالم، وكانت قرابة 8% من الحافلات المبيعة في المكسيك عام 2024 كهربائية. وفي سيناريو السياسات المعلنة، تجعل السياسات القائمة والمشروعات الصناعية قرابة 25% من المركبات المبيعة في المنطقة كهربائية بحلول عام 2035. ومع ذلك، يظل النفط أكبر مصدر للطاقة المستخدمة في المنطقة في هذا السيناريو، ويعود ذلك أساساً إلى قطاع النقل.
وتضم المنطقة دولاً مصدرة رئيسية للنفط والغاز، وتظل قيمة إنتاج الوقود الأحفوري ثابتة على نحو عام في سيناريو السياسات المعلنة، وإن تباينت الاتجاهات الكامنة وراءها. إذ يرتفع إنتاج النفط في البرازيل وغيانا والأرجنتين، بينما ينخفض في المكسيك وفنزويلا والإكوادور. والأرجنتين هي الدولة الوحيدة التي تشهد نمواً كبيراً في إنتاج الغاز الطبيعي بحلول عام 2035، فيما يتراجع إنتاج الفحم بنحو 65% بحلول العام نفسه، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض الإنتاج في كولومبيا.
كما تضم المنطقة دولاً منتجة ومصدرة مهمة للمعادن الحرجة، استأثرت بنحو ثلث السوق العالمية عام 2024. فتشيلي أكبر منتج للنحاس في العالم وبيرو ثالث أكبر منتج، وتضم المنطقة أيضاً مثلث الليثيوم المؤلف من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وقد ضاعفت الأرجنتين إنتاجها من الليثيوم بين عامي 2022 و2024. والمنطقة غنية كذلك بمعادن حرجة أخرى، منها العناصر الأرضية النادرة والنيكل. وترتفع الإيرادات من إنتاج المعادن الحرجة في سيناريو السياسات المعلنة، ومن شأن توسيع القدرة على معالجة الخامات المستخرجة وتكريرها أن ينعش الاقتصادات المحلية ويسهم في تنويع سلاسل الإمداد العالمية.
8.3.2 توقعات الطاقة الحيوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي
تعد المنطقة رائدة في مجال الطاقة الحيوية، التي وفرت نحو خمس احتياجاتها من الطاقة عام 2024، جاء قرابة 85% منها من الطاقة الحيوية الحديثة. وتمثل الطاقة الحيوية الحديثة الصلبة المصدر الرئيسي للطاقة الحيوية فيها، وتُستخدم في الغالب في أنشطة الصناعات الخفيفة كإنتاج الأغذية. وتؤدي معايير الاستدامة الصارمة للطاقة الحيوية دوراً مهماً في الحد من نطاق تغير استخدام الأراضي وآثاره، وفي تقليل انبعاثات الميثان إلى أدنى حد. غير أن الطاقة الحيوية المستخدمة في المنطقة ليست كلها حديثة، فرغم التقدم المحرز في بعض الدول، لا يزال قرابة 70 مليون شخص في المنطقة يعتمدون على الاستخدام التقليدي للكتلة الحيوية في الطهي والتدفئة.
وأُنتج في المنطقة نحو ربع الوقود الحيوي السائل في العالم عام 2024، ويستأثر الوقود الحيوي بأكثر من 10% من استهلاك الطاقة في قطاع النقل، مقارنة بمتوسط عالمي يقل عن 5%. واستجابة لأزمة النفط عام 1973، أطلقت البرازيل برنامج "برو ألكول" لإنتاج الإيثانول الحيوي، بهدف تقليل الاعتماد على واردات البنزين وتعزيز أمن الإمدادات المحلية. ويتألف نحو 85% من أسطول السيارات في البرازيل اليوم من مركبات مرنة الوقود قادرة على العمل بنسب مزج مرتفعة من الإيثانول. والبرازيل أكبر منتج ومستهلك للوقود الحيوي في المنطقة، وثاني أكبر منتج للوقود الحيوي السائل في العالم، فيما تبرز الأرجنتين وكولومبيا موردَين مهمين.
وفي سيناريو السياسات المعلنة، يرتفع استخدام الطاقة الحيوية الحديثة بنحو 30% بحلول عام 2035، فيسهم في تلبية حصة متزايدة من الطلب على الطاقة. وتزيد إلزامات الوقود الحيوي في الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا حصة الطاقة الحيوية الحديثة في مزيج إمدادات الطاقة الإجمالي لديها، إذ يرتفع استخدام الوقود الحيوي السائل ارتفاعاً كبيراً، ويرتفع كذلك استخدام الغازات الحيوية بالقياس النسبي.
وثمة مجال أيضاً لزيادة إنتاج الغاز الحيوي، فالبرازيل تمتلك أكبر إمكانات لإمدادات الغاز الحيوي في العالم، لكن إنتاجها السنوي لا يزال صغيراً نسبياً، إذ يبلغ نحو 0.7 مليار متر مكعب من مكافئ الغاز الطبيعي. ويأتي معظم إنتاجها من الغاز الحيوي من مكبات النفايات، لكن ثمة إمكانية للاستفادة من الفيناس، وهو منتج ثانوي لصناعة الإيثانول، ولزيادة استخدام المواد الخام المستدامة كمخلفات المحاصيل وروث الحيوانات التي لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير. ومن المرجح أن تحفز التزامات الحصص الواردة في قانون "وقود المستقبل" الجديد في البرازيل نمو إنتاج الغاز الحيوي.
وإلى جانب قيمته الطاقية، يحقق إنتاج الغاز الحيوي منافع مصاحبة عدة، إذ يمكن استخدام المخلفات الهضمية، وهي منتج ثانوي غني بالمغذيات، سماداً، في حين تنتج ترقية الغاز الحيوي إلى ميثان حيوي تياراً نقياً من ثاني أكسيد الكربون الحيوي المنشأ يمكن احتجازه وتخزينه، أو استخدامه في صناعات كإنتاج الأغذية والمشروبات.
ويبلغ متوسط تكلفة إنتاج الميثان الحيوي في المنطقة نحو 23 دولاراً لكل غيغاجول، وهو أعلى قليلاً من أسعار الغاز الطبيعي للمستخدم النهائي في معظم دول المنطقة. ومن شأن حوافز إنتاج الميثان الحيوي أن توجد وظائف جديدة، وتحسن إدارة النفايات، وتقلل الحاجة إلى استيراد الغاز الطبيعي. كما يمكن لتحسين الوصول إلى البنية التحتية، كشبكات الغاز الطبيعي، أن يسهم في زيادة الطلب بتوسيع السوق المحتملة للميثان الحيوي. وفي البرازيل، يدرج النظام الخاص لحوافز تطوير البنية التحتية بالفعل الميثان الحيوي ضمن أنواع المشروعات المؤهلة للإعفاءات الضريبية على المواد والمعدات.
8.4 الاتحاد الأوروبي
8.4.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
وضع الاتحاد الأوروبي أهدافاً طموحة للطاقة والمناخ لعام 2030، تشمل خفضاً صافياً لانبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 55%، ونشر 600 غيغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية الجديدة، وخفض إجمالي الاستهلاك النهائي بنسبة 11.7% مقارنة بالمستويات الواردة في السيناريو المرجعي للاتحاد الأوروبي لعام 2020 الصادر عن المفوضية الأوروبية. وتهدف هذه الأهداف إلى تحقيق الغايات المناخية للاتحاد، وتعزيز أمن الطاقة والقدرة التنافسية عبر تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد مرتفع التكلفة. وقد تجلت المخاطر السلبية لهذا الاعتماد في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، حين قُطعت إمدادات الغاز الطبيعي الروسية عبر خطوط الأنابيب، ما أشعل أزمة طاقة. ورغم تراجع الدعم الحكومي لفواتير الطاقة، انخفض متوسط أسعار الطاقة السكنية في الاتحاد الأوروبي انخفاضاً طفيفاً منذ الأزمة، لكنه لا يزال أعلى بأكثر من 20% من متوسطه خلال الفترة بين عامي 2010 و2019.
وترتكز خطط الاتحاد الأوروبي للتحول إلى الطاقة النظيفة على تطوير مصادر طاقة نظيفة تنافسية التكلفة تقلص حصة الوقود الأحفوري في إجمالي الاستهلاك النهائي. ويقدم قطاع الكهرباء الإسهام الأكبر في هذا الهدف مع ارتفاع حصة الطاقة المتجددة في مزيج التوليد، إذ ينخفض الطلب على الفحم عام 2035 إلى قرابة التسع من مستواه الحالي في سيناريو السياسات المعلنة، ويتراجع الطلب على الغاز الطبيعي بأكثر من 40 مليار متر مكعب. وينخفض الطلب على الغاز بنسبة 14% بحلول عام 2035 في قطاع المباني مع تركيب مزيد من المضخات الحرارية، وبنسبة 12% في القطاع الصناعي مع تحسن الكفاءة. كما يتراجع الطلب على النفط، إذ يخفض تبني المركبات الكهربائية الطلب بنحو 2 مليون برميل يومياً بحلول عام 2035 في هذا السيناريو. ويتطلب الوفاء بالتعهد المناخي طويل الأمد للاتحاد الأوروبي ببلوغ الحياد الكربوني بحلول عام 2050 خفضاً إضافياً بنسبة 25% في استخدام الوقود الأحفوري عن المستوى المتوقع في سيناريو السياسات المعلنة عام 2035.
ويعتمد مسار إزالة الكربون في الاتحاد الأوروبي اعتماداً كبيراً على منظومته الكهربائية، وهي منظومة مترابطة وقوية، لكنها واجهت مؤخراً بعض الانتكاسات، منها انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد انخفضت حصة الوقود الأحفوري في التوليد إلى أقل من 30% عام 2024، أي دون الحصة المجمعة للطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، وتزايد التأييد للطاقة النووية في عدة دول أعضاء في الاتحاد، فقد صوتت بلجيكا على إبقاء مفاعلاتها في الخدمة والسماح ببناء مفاعلات جديدة، وتعتزم فرنسا تقديم قرض يغطي نصف تكاليف إنشاء ستة مفاعلات نووية على الأقل، وأعلنت إيطاليا خططاً لدراسة إعادة العمل بالطاقة النووية. وفي سيناريو السياسات المعلنة، يرتفع توليد الكهرباء بنسبة 40%، وترتفع حصتها في الاستهلاك النهائي بتسع نقاط مئوية عن المستوى الحالي بحلول عام 2035. ويتطلب دعم التحول في قطاع الكهرباء الأوروبي تخزين الطاقة وإصلاح السوق وتوسيع الشبكات، ويتضاعف الاستثمار في الشبكات تقريباً بحلول عام 2035 مقارنة باليوم في هذا السيناريو. ومن شأن هذه الاستثمارات أن تسرع دمج الطاقة المتجددة وتحسن القدرة على تحمل التكاليف لدى المستخدمين النهائيين، وإن كان المستهلكون يواجهون أسعار كهرباء متباينة جداً تبعاً للدولة التي يقيمون فيها، فقد دفعت الأسرة الألمانية المتوسطة في النصف الثاني من عام 2024 أسعاراً للكهرباء أعلى بنحو أربع مرات مما دفعته الأسرة المجرية المتوسطة، بفعل اختلاف أساسيات السوق والسياسات ومستويات الدعم.
وتستهدف المساهمة المحددة وطنياً الجديدة للاتحاد الأوروبي خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة تتراوح بين 66.25% و72.5% عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2035، بما يتسق مع هدف خفضها بنسبة 90% عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2040، الذي اتفق عليه وزراء البيئة في الاتحاد في نوفمبر 2025. وإلى جانب تدابير زيادة كهربة الاستخدامات النهائية، ورفع حصة الوقود منخفض الانبعاثات في قطاع الكهرباء، وتحسين الكفاءة، تتطلب إزالة الكربون العميقة تحقيق اختراقات ملموسة في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، كالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وسيتوقف النجاح على فعالية الاستراتيجيات الناشئة، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي عام 2025 عزمه حشد 100 مليار يورو، أي 108 مليارات دولار، لدعم إزالة الكربون من الصناعة في إطار الصفقة الصناعية النظيفة. ويمكن توظيف هذا التمويل لدعم آليات مستحدثة، كالمزاد المزمع على مستوى الاتحاد بعلاوة ثابتة بقيمة مليار يورو، أي 1.1 مليار دولار، المتعلق بإزالة الكربون من الحرارة المستخدمة في العمليات الصناعية، ويضاف إلى التمويل المقدم من الدول الأعضاء منفردة، كالمبلغ البالغ 4 مليارات يورو، أي 4.3 مليارات دولار، المخصص لعقود الفروقات الكربونية في ألمانيا.
إطار: انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الإيبيرية، الدروس المستفادة
في الثامن والعشرين من أبريل 2025، تعرضت شبه الجزيرة الإيبيرية لانقطاع واسع للتيار الكهربائي، قطع إمدادات الكهرباء في أنحاء إسبانيا والبرتغال وأجزاء من جنوب فرنسا، وطال أكثر من 50 مليون شخص. ووفقاً للتقرير الوقائعي الصادر عن الشبكة الأوروبية لمشغلي منظومات نقل الكهرباء، نجم الحادث عن سلسلة متلاحقة من الأعطال الفنية. ففي الدقائق التي سبقت الانقطاع، أصبحت منظومة الكهرباء غير مستقرة، مع تقلبات غير اعتيادية في الجهد وتدفقات الطاقة. وأعقب هذا الاضطراب ارتفاع حاد في الجهد، بعد أن أوقفت أنظمة الحماية خطأً مولدات كانت تمتص القدرة غير الفعالة، رغم أن مستويات الجهد لم تكن قد تجاوزت بعد الحدود التي تنص عليها اللوائح. ومع انفصال مزيد من المحطات، واصل الجهد ارتفاعه، ما أدى إلى سلسلة متتالية من حالات التوقف الإضافية. وتوقفت مئات الميغاواط من المصادر الموزعة الأصغر حجماً على نحو غير متوقع، ما زاد من صعوبة استجابة مشغلي المنظومة. وفي نهاية المطاف، انفصلت المنظومة الإيبيرية عن بقية أوروبا، ولم تتمكن أنظمة السلامة الآلية من منع الانهيار الكامل. وعقب الانقطاع، شرع مشغلو المنظومتين الإسبانية والبرتغالية، بالتعاون مع مشغلي المنظومات المجاورة، في استعادة الإمدادات باستخدام محطات كهرومائية قادرة على التشغيل من حالة الإطفاء التام، ومحطات حرارية، وواردات من فرنسا. وبحلول الساعات الأولى من صباح التاسع والعشرين من أبريل، كانت جميع محطات النقل الفرعية قد أُعيد تزويدها بالكهرباء، ولُبي الطلب بالكامل تقريباً.
ويبين هذا الحادث أن أمن الكهرباء في منظومات الكهرباء الحديثة لا يتوقف على التوليد وحده، بل يتوقف أيضاً على جودة تشغيل الشبكة وسلوك جميع الأصول المتصلة بها. ويبرز ذلك الحاجة إلى قواعد ملزمة تفرض على جميع المولدات دعم المنظومة في حالات الطوارئ، وعدم الانفصال إلا عند تجاوز حدود محددة بوضوح. وتظل الجاهزية أمراً أساسياً، فالاستعادة السريعة للكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية تحققت بفضل الترابط القوي مع الدول المجاورة، وبروتوكولات الطوارئ المتينة، وتوافر القدرة على التشغيل من حالة الإطفاء التام، ومن ثم يعد الحفاظ على هذه القدرات وتعزيزها أمراً بالغ الأهمية.
ويتيح الاهتمام الدولي المتزايد الذي أثاره هذا الانقطاع فرصة لإعادة النظر في بعض العناصر المشتركة لأمن منظومات الكهرباء ومرونتها في ظل تطورها. فرغم اختلاف منظومات الكهرباء وهياكل الأسواق من دولة إلى أخرى، حدد تحليل الوكالة الدولية للطاقة أربع ركائز حاسمة لا غنى عنها في جميع الحالات. أولاها البنية التحتية المتينة للشبكات، بما تشمله من شبكات قوية وروابط إقليمية، لأنها تمثل العمود الفقري للتشغيل الآمن. وثانيتها مرونة منظومة الكهرباء، الضرورية لموازنة العرض والطلب، وتشمل الاستجابة من جانب الطلب والتخزين والحفاظ على التوليد القابل للتوزيع، إلى جانب تدابير تضمن تقدير الأسواق لهذه الخدمات حق قدرها. وثالثتها الحلول الفنية، كالمكثفات المتزامنة أو البطاريات المزودة بعواكس مُشكِّلة للشبكة، اللازمة لدعم استقرار المنظومة مع تطور مزيج التوليد. ورابعتها تكييف الأطر التشغيلية مع تحول منظومات الكهرباء، عبر تحديث قواعد الشبكات ومتطلبات الاحتياطي وآليات الموازنة والهياكل التنظيمية، لمواكبة التحديات والتقنيات الجديدة.
8.4.2 كيف يمكن للمضخات الحرارية الصناعية أن تحقق القدرة التنافسية وإزالة الكربون؟
يعد تحسين القدرة التنافسية محورياً للنمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، وتؤدي الصناعات غير كثيفة الاستهلاك للطاقة دوراً مهماً في ذلك، فهي تستهلك 30% من الطاقة في القطاع الصناعي، لكنها تسهم بنحو 80% من القيمة المضافة التي يحققها هذا القطاع للاقتصاد. وقد ظلت الكهربة في الصناعات غير كثيفة الاستهلاك للطاقة في الاتحاد الأوروبي ثابتة منذ عام 2015، عند مستويات مماثلة للولايات المتحدة، وأدنى بكثير من المراكز الصناعية الكبرى في آسيا.
وتعد المضخات الحرارية الصناعية تقنية رئيسية لكهربة العمليات منخفضة ومتوسطة الحرارة، إذ تستهلك ما بين ثلث وخمس الطاقة التي تستهلكها الغلايات التقليدية، ولا تعتمد مباشرة على الوقود الأحفوري. ويمثل استخدامها في الكهربة وسيلة فعالة لإزالة الكربون وتحسين القدرة التنافسية وتقليل الاعتماد على الواردات، علماً بأن المنطقة تستورد أكثر من 90% من نفطها وقرابة 85% من غازها الطبيعي. وتقر الصفقة الصناعية النظيفة للاتحاد الأوروبي بأهمية الكهربة، وتسعى إلى رفع معدل الكهربة على مستوى الاقتصاد ككل إلى 32% بحلول عام 2030.
وتسهم أسعار الكهرباء المنخفضة في دفع الكهربة، لكن الأسعار الحالية متقلبة ومرتفعة بالمقاييس التاريخية. فقد حدد الغاز الطبيعي سعر الكهرباء بالجملة في سوق اليوم التالي نحو 60% من الوقت، رغم أنه لم يولد سوى 20% من الكهرباء عام 2022. كما أن الضرائب على الكهرباء في معظم الدول الأعضاء مرتفعة مقارنة بالغاز وبالمناطق الأخرى. ورغم هذه العقبات، تعد المضخات الحرارية الصناعية منافسة للغاز وفق متوسط أسعار الاستخدام النهائي الحالية للصناعة في الاتحاد الأوروبي، ويجعل التباين الإقليمي في الأسعار هذه الميزة أقوى في بعض الدول الأعضاء منها في غيرها. وتُترجم الكفاءة الفائقة لهذه المضخات مقارنة بالغلايات الغازية إلى تكاليف تشغيل أدنى، قد تعني تكاليف أدنى على مدى العمر الافتراضي، رغم ارتفاع نفقاتها الرأسمالية الأولية. ويمكن للمستهلكين الصناعيين الذين يستخدمونها الحد من تعرضهم لتقلبات الأسعار بإبرام اتفاقية لشراء الكهرباء، أو خفض التكاليف بتقليص إنتاج الحرارة عند ارتفاع الأسعار، شريطة توافر آليات مناسبة للمرونة من جانب الطلب.
ويمكن للغلايات الكهربائية، الأقل كفاءة من المضخات الحرارية الصناعية، أن تكون منافسة أيضاً إذا استُخدمت بمرونة، لأنها تتطلب إنفاقاً رأسمالياً أولياً قليلاً نسبياً. ويمكن تحقيق هذه المرونة باستخدام التخزين الحراري، أو بكهربة جزء فقط من أسطول الغلايات الغازية، وهو ما قد يقلل أيضاً تكاليف الربط بالشبكة عبر خفض قدرة الربط المطلوبة. ويفتح الاستخدام المرن للكهرباء فرصاً جديدة، منها تحقيق إيرادات ثانوية من الخدمات المساندة، والاستفادة من أسعار الجملة السالبة التي باتت شائعة على نحو متزايد في بعض أسواق الاتحاد الأوروبي، إذ سادت مثلاً قرابة 10% من الوقت في فنلندا عام 2024.
ورغم فعالية المضخات الحرارية الصناعية من حيث التكلفة في السنوات الأخيرة، فإن التقدم في انتشارها ظل محدوداً. فالنفقات الرأسمالية الأولية المرتفعة التي يستغرق استردادها وقتاً طويلاً تمثل عائقاً رئيسياً، وقد يتطلب تركيبها أيضاً أن تعيد المنشآت تهيئة مرافق الخدمات، ما يزيد التكلفة والتعقيد. ويمكن للسياسات أن تسهم في تخفيف هذه التحديات، فقد فازت مشروعات الكهربة بمعظم مزاد عقود الفروقات الكربونية الذي أجرته الحكومة الألمانية عام 2024، وقد تنخفض أسعار الكهرباء الصناعية هناك أكثر في إطار خطة لدعم فواتير الكهرباء للصناعة. وثمة أيضاً أمثلة من مناطق أبعد يمكن أن تمثل نموذجاً يحتذيه الاتحاد الأوروبي، ففي نيوزيلندا، حيث دعمت السياسات نمو المضخات الحرارية الصناعية، استُغل نحو ربع الإمكانات المتاحة، إذ قُدمت مساعدة لتغطية التكاليف الأولية، وعالج برنامج دعم المخاوف المتعلقة بالخبرات الهندسية.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة في الكهربة على الأسعار الفورية للغاز الطبيعي، بل يؤدي أمن الطاقة دوراً رئيسياً فيها. فبدافع من اعتبارات أمن الطاقة والأهداف المناخية، وضع الاتحاد الأوروبي هدفاً بأن توفر الطاقة المتجددة 42.5% على الأقل من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، وبالتوازي مع ذلك تسعى خطة عمله للشبكات إلى إضافة 64 غيغاواط من قدرات النقل العابرة للحدود بين عامي 2025 و2030. وتدل هذه الخطط على التزام قوي بأمن الكهرباء، ومن المرجح أن تعزز الكهربة، بما في ذلك تبني المضخات الحرارية الصناعية.
8.5 أفريقيا
8.5.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
يعد تأمين الاستثمار اللازم لتوسيع إمدادات الطاقة المحلية التحدي الرئيسي للطاقة في أفريقيا. فخلال العقد الماضي، تراجع تمويل مشروعات النفط والغاز الموجهة للتصدير، لكن الاستثمار انتعش منذ عام 2021 مدفوعاً بزيادة الإنفاق على البنية التحتية المحلية للطاقة، ولا سيما في قطاع الكهرباء. ويستمر هذا الاتجاه في سيناريو السياسات المعلنة، فيعود إجمالي الاستثمار في الطاقة بحلول عام 2035 إلى مستوى قريب من الذروة المسجلة آخر مرة عام 2015. ومع ذلك، تظل مستويات الاستثمار في هذا السيناريو قاصرة عن تلبية الاحتياجات الأساسية من الطاقة.
وتكتسب جهود تحقيق التقدم في الوصول إلى الطاقة الحديثة زخماً متجدداً، إذ يعيش معظم الأفارقة المحرومين من الطاقة الحديثة في دول اعتمدت سياسات جديدة منذ عام 2024. وبناءً على ذلك، يتسارع عدد من يحصلون على الطهي النظيف بحلول عام 2035 إلى 24 مليون شخص سنوياً في سيناريو السياسات المعلنة، ويبدأ في تجاوز النمو السكاني بحلول عام 2030. ويؤدي غاز البترول المسال الدور الأكبر في توسيع الوصول إلى الطهي النظيف، مع زيادة في الطلب قدرها 150 ألف برميل يومياً بحلول عام 2035. ويحصل نحو 20 مليون شخص سنوياً على الكهرباء حتى عام 2035 في هذا السيناريو، أي بوتيرة تفوق ما تحقق في العقد الثاني من القرن بنسبة 25%.
ويتطلب تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء توسعاً كبيراً في منظومات الكهرباء في أفريقيا. ففي سيناريو السياسات المعلنة، تُضاف في المتوسط 24 غيغاواط من القدرة الجديدة كل عام حتى عام 2035، أي ضعف المعدل المسجل خلال العقد الماضي، وتمثل الطاقة المتجددة أكثر من 70% من هذه الإضافات، تستأثر الطاقة الشمسية الكهروضوئية وحدها بنصفها. فالطاقة الشمسية الكهروضوئية أرخص مصدر جديد للكهرباء في معظم الدول الأفريقية، ويعزز توسعها ارتفاع حاد في واردات الألواح الشمسية من الصين، مع سعي الشركات المصنعة التي لديها فائض في الألواح إلى تطوير أسواق جديدة. وتتجاوز الطاقة الشمسية الكهروضوئية الطاقة الكهرومائية لتصبح ثاني أكبر مصدر للكهرباء بحلول عام 2035، فيما يظل الغاز الطبيعي أكبر مصدر للكهرباء، ويسهم في دعم موثوقية الشبكة في أفريقيا جنوب الصحراء. ويواصل الفحم إسهامه في مزيج التوليد، ويكتسب تطوير الطاقة النووية زخماً، ففي مصر يُتوقع أن تبلغ محطة الضبعة، أول منشأة للطاقة النووية في شمال أفريقيا، قدرتها الكاملة بحلول عام 2030. ولدى كثير من الدول الأفريقية خطط لتنويع مزيج التوليد، وقد اكتسبت هذه الخطط دفعة إضافية بفعل حالات العجز الحادة في الطاقة الكهرومائية مؤخراً. وتتوسع شبكات الكهرباء في هذا السيناريو، بإضافة 190 ألف كيلومتر في المتوسط كل عام حتى عام 2035، أي بزيادة 40% عن المستوى الحالي.
وتشهد أفريقيا ارتفاعاً في نشاط الاستثمار في النفط والغاز في سيناريو السياسات المعلنة. فالمنتجون الحاليون كليبيا والجزائر ونيجيريا يحافظون على مستوى إنتاجهم تقريباً في ظل ارتفاع حصص الإنتاج المسموح بها لتحالف أوبك بلس، ويدخل مصدرون جدد كأوغندا والسنغال إلى السوق، وتبدأ ناميبيا في إضافة براميل جديدة في منتصف الثلاثينيات. والمحصلة أن إنتاج النفط في أفريقيا يظل مستقراً تقريباً حتى عام 2035، مستأثراً بما يتراوح بين 7% و8% من الإجمالي العالمي. وفي الوقت نفسه، يرتفع إنتاج الغاز الطبيعي من 240 مليار متر مكعب عام 2024 إلى نحو 260 مليار متر مكعب بحلول عام 2035، ليمثل أكثر من 5% من الإجمالي العالمي.
ويظل الإنتاج في الجزائر ومصر مستقراً أو يتراجع قليلاً، لكنه يتضاعف تقريباً في موزمبيق ليتجاوز 20 مليار متر مكعب، وتأتي معظم هذه الزيادة من مشروعاتها البحرية للغاز الطبيعي المسال.
8.5.2 فرص الارتقاء في سلسلة إمداد المعادن في أفريقيا
تمتلك أفريقيا 80% من الاحتياطيات العالمية من فلزات مجموعة البلاتين والفوسفات، وأكثر من 55% من احتياطيات الكوبالت والكروم، و25% على الأقل من الاحتياطيات العالمية من المنغنيز والبوكسيت والغرافيت، و20% من احتياطيات اليورانيوم، و10% من احتياطيات النحاس. وتكتسب هذه المعادن أهمية بالغة لطيف واسع من تقنيات الطاقة وللصناعات الأخرى، وتتيح هذه الثروة الجيولوجية للدول الأفريقية مساراً لتجاوز دورها التاريخي مصدّراً للمواد الخام.
غير أن معظم الموارد المعدنية تُصدَّر اليوم مباشرة في صورة خامات أو في صورة شبه معالجة لتُكرر في الخارج. فعلى سبيل المثال، استأثرت جمهورية الكونغو الديمقراطية بثلثي الإنتاج العالمي من الكوبالت المستخرج من المناجم عام 2024، لكن إنتاجها كله تقريباً يُصدَّر بحد أدنى من المعالجة، ويتجه معظمه إلى الصين حيث يُكرر إلى مادة صالحة لصناعة البطاريات. ويتكرر هذا النمط في كثير من المعادن الأخرى مع استثناءات قليلة.
وقد قررت بعض الدول تشجيع القيمة المضافة المحلية باتباع نموذج إندونيسيا وحظر تصدير الخامات غير المعالجة. فقد فرضت زيمبابوي عام 2023 ضوابط أكثر صرامة على استخراج الليثيوم وتصديره، وأعلنت الغابون في مايو 2025 عزمها حظر تصدير خام المنغنيز الخام اعتباراً من يناير 2029. وأياً كانت النية من وراء هذه السياسات، فإن فعالية حظر التصدير تتوقف إلى حد كبير على الظروف الوطنية والسوقية المحددة، وقلة من الدول تمتلك القوة السوقية التي تجعل هذه الاستراتيجية فعالة.
ويتوقف النجاح في التوسع نحو أنشطة المراحل اللاحقة لزيادة القيمة الاقتصادية للموارد المعدنية على تطوير قدرات معالجة محلية فعالة من حيث التكلفة. فالانتقال من الخام إلى المنتجات المعالجة يتيح الاستحواذ على جزء كبير من القيمة المضافة في سلسلة إمداد المعادن، ويمكن للارتقاء في سلسلة القيمة على هذا النحو أن يكون حافزاً لدورة إيجابية من التصنيع تفضي إلى صادرات أعلى قيمة، وفرص عمل ماهرة إضافية، ومرونة اقتصادية دائمة. كما يمكن لصناعة محلية لمعالجة المعادن أن تحفز الاستثمار في البنية التحتية المحلية للطاقة لتلبية الطلب الذي تنشئه.
وإذا كانت العوامل التمكينية مواتية والأطر السياسية والاستثمارية قائمة، فبإمكان أفريقيا أن تؤدي دوراً رئيسياً في الإمدادات العالمية من المركزات والمعادن المكررة. ولإيضاح هذه الإمكانات، درسنا محفظة تمثيلية من موارد أفريقيا تشمل النحاس والكوبالت والغرافيت والنيكل والمنغنيز والفوسفات. إذ تمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا موارد ضخمة من النحاس والكوبالت، والنحاس المكرر مكون أساسي لكثير من تقنيات الطاقة وللاقتصاد عموماً، في حين يُستخدم الكوبالت الصالح لصناعة البطاريات في كاثودات بطاريات الليثيوم أيون من نوع النيكل والمنغنيز والكوبالت. وتحتاج هذه البطاريات أيضاً إلى المنغنيز والنيكل المكررين، وهما معدنان يُنتجان في جنوب أفريقيا والغابون ومدغشقر. ويمكن للمغرب أن يستفيد من احتياطياته الهائلة من الفوسفات لتوسيع إنتاج حمض الفوسفوريك المنقى، وهو مدخل رئيسي لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم. وبالمثل، يمكن ترقية الغرافيت المستخرج في موزمبيق ومدغشقر إلى غرافيت كروي، وهو مادة الأنود المعالجة اللازمة لجميع أنواع بطاريات الليثيوم أيون تقريباً.
وقد بحثنا مسارات معقولة لزيادة التكرير المحلي لمختلف المعادن. فنحو 60% من النحاس المستخرج في أفريقيا يُكرر فيها بالفعل، وقد أنتجت القارة 9% من الإنتاج العالمي للنحاس المكرر عام 2024، ويمكن رفع هذه النسبة إلى 80% بحلول عام 2040. وبالمثل، يُكرر نحو 55% من إنتاجها من النيكل داخل أفريقيا اليوم، وإن ظل الحجم الإجمالي صغيراً، ويمكن أن ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 65% عام 2040، فتزداد قيمته السوقية بنحو 10% حتى مع استقرار إنتاج المناجم. أما الكوبالت، فيمكن أن يرتفع تكريره في أفريقيا من 3% من الإنتاج المستخرج اليوم إلى 13% عام 2040، فيزداد الإنتاج المكرر مرتين ونصفاً ليبلغ 16 ألف طن. ويمكن أن يرتفع إنتاج الغرافيت الصالح لصناعة البطاريات من مستوياته المتدنية جداً اليوم ليبلغ 130 ألف طن عام 2040.
وبمستويات الأسعار الحالية، ستكون النتيجة زيادة إجمالي القيمة السوقية لهذه المعادن بنحو ثلاثة أرباع، من نحو 70 مليار دولار اليوم إلى 120 مليار دولار عام 2040. ويأخذ هذا التقدير في الحسبان التغيرات المتوقعة في إنتاج المناجم، الذي يتراجع في بعض الحالات، ونسبة الخام التي تُكرر بالفعل في أفريقيا. ويمكن للفوسفات المكرر أن يضيف 39 مليار دولار من القيمة عام 2040 مقارنة بعام 2024، فيما يمكن أن تزداد قيمة الكوبالت المكرر بأكثر من 300 مليون دولار، وإن كان ذلك لن يعوض بالكامل تراجع الإنتاج المستخرج.
8.6 الشرق الأوسط
8.6.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
يعد الشرق الأوسط منتجاً ومستهلكاً رئيسياً للطاقة، إذ يضم خمساً من أكبر عشر دول منتجة للنفط في العالم، هي المملكة العربية السعودية وإيران والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت، وثلاثاً من أكبر عشر دول منتجة للغاز الطبيعي، هي إيران وقطر والمملكة العربية السعودية. وقد ارتفع إنتاج النفط في دول تحالف أوبك بلس، التي تقع سبع منها في الشرق الأوسط، منذ بداية عام 2025 مع تخفيف التحالف تخفيضات الإنتاج المتفق عليها عام 2023. وتتسم دول الشرق الأوسط الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بارتفاع نصيب الفرد من استهلاك الطاقة ومستويات الدخل، إذ تستأثر بقرابة 60% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة وفق تعادل القوة الشرائية، وبأكثر من نصف الطلب على الطاقة، في حين لا يتجاوز عدد سكانها خمس سكان المنطقة إلا قليلاً. وتواجه أجزاء من الشرق الأوسط عدم استقرار جيوسياسي ونزاعات، وهو ما يؤثر حتماً في توقعات الطاقة والاقتصاد فيها.
ويلبي الغاز الطبيعي والنفط على التوالي 56% و41% من الطلب على الطاقة في المنطقة، مقارنة بمتوسطين عالميين قدرهما 23% و30%. وتتباين هذه الحصص بين الدول، فأكثر من 70% من الطلب على الطاقة في إيران يُلبى بالغاز، وأكثر من 90% في قطر، في حين يُلبى أكثر من 80% من الطلب على الطاقة في كل من اليمن ولبنان بالنفط. ويتفاوت نصيب الفرد من الطلب على الطاقة في المنطقة تفاوتاً واسعاً بين الدول، لكنه على مستوى المنطقة ككل يزيد على ضعف متوسط اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية. وتسهم عدة عوامل في ارتفاع مستوى الطلب على الطاقة، فوفرة موارد الطاقة مقترنة بدعم الطاقة تجعل النفط والغاز الطبيعي في متناول اليد وميسوري التكلفة في بعض دول الشرق الأوسط، في حين يدفع وجود صناعات بتروكيماوية كثيفة الاستهلاك للطاقة، متكاملة في الغالب مع المصافي، استهلاك الطاقة في الصناعة. ويبلغ معدل امتلاك السيارات 143 سيارة لكل ألف شخص، أي أعلى بنحو 45% من متوسط اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية، وهو ما يعكس ارتفاع متوسط الدخل نسبياً في بعض الدول. كما أن احتياجات تبريد الأماكن كبيرة بسبب المناخ الحار، فضلاً عن أن معظم دول المنطقة تعاني إجهاداً مائياً أو شحاً في المياه، وتلجأ إلى تحلية المياه حيثما كانت مجدية مالياً.
وقد ارتفع الطلب على الطاقة في الشرق الأوسط بمعدل سنوي بلغ 2.6% بين عامي 2010 و2024، ويتباطأ هذا المعدل إلى متوسط سنوي قدره 1.8% حتى عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، و2.4% في سيناريو السياسات الحالية. ويرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بنسبة 30% بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، بينما يتراجع الطلب على النفط تراجعاً طفيفاً، ويرتفع استهلاك الكهرباء بوتيرة أسرع من إجمالي الطلب على الطاقة في كلا السيناريوهين. ويُستهلك اليوم 64% من الكهرباء المستخدمة في الشرق الأوسط في المباني التجارية والسكنية، و4% في تحلية المياه. ويقع نحو 80% من محطات التحلية الحرارية في العالم، أي تلك العاملة بالنفط والغاز، في الشرق الأوسط، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً نحو تقنيات تحلية كهربائية أكثر كفاءة، أبرزها التناضح العكسي. ويرتفع الطلب على الكهرباء لأغراض التحلية بأكثر من مرتين ونصف في سيناريو السياسات المعلنة بحلول عام 2035. ورغم هذه الزيادة السريعة، يظل تبريد الأماكن أكبر محرك لنمو الطلب على الكهرباء بين الاستخدامات النهائية حتى عام 2035. ورغم أن حصة المركبات الكهربائية في السوق لا تزال صغيرة جداً، فإنها تكتسب أرضية في أجزاء من المنطقة، ففي الأردن مثلاً استأثرت بأكثر من 50% من مبيعات سيارات الركاب الجديدة عام 2024.
8.6.2 أوجه التآزر بين تنامي الطلب على التبريد وتبني الطاقة المتجددة
يعد الشرق الأوسط من أشد مناطق العالم حرارة، إذ تتجاوز درجات الحرارة بانتظام 40 درجة مئوية في الصيف. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، يُتوقع أن تزداد درجات أيام التبريد، وهي مقياس لاحتياجات التبريد، بنسبة 10% بحلول عام 2035. وقد تضاعف الطلب على الكهرباء لتبريد الأماكن تقريباً بين عامي 2010 و2024، من 166 تيراواط ساعة إلى أكثر من 300 تيراواط ساعة اليوم، وبات التبريد يمثل نحو ربع إجمالي الطلب على الكهرباء في المنطقة. وتتأثر أنماط استهلاك الكهرباء تأثراً شديداً بالطقس، ولا سيما في فصل الصيف، فعندما تبلغ درجات الحرارة ذروتها، قد يكون التبريد مسؤولاً عن قرابة 50% من حمل الكهرباء في وقت الذروة.
ويرتفع الطلب على تبريد الأماكن بنحو 140 تيراواط ساعة إضافية بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، وبقرابة 160 تيراواط ساعة في سيناريو السياسات الحالية. ويعود هذا النمو إلى اتساع المساحات المبنية وتزايد امتلاك أجهزة التكييف وارتفاع درجات الحرارة، فيما يحد منه تحسن كفاءة أجهزة التكييف وتحسين العزل. ولدى عدد من دول الشرق الأوسط سياسات للحد من الطلب على التبريد، إذ تطبق معظم دول المنطقة معايير الحد الأدنى لأداء الطاقة في أجهزة التكييف، وتعمل دول منها الأردن ولبنان على إعداد خطط عمل وطنية للتبريد. وفي الإمارات العربية المتحدة، تحدد اللوائح أدنى درجة حرارة يمكن ضبط أجهزة التكييف عليها بعشرين درجة مئوية.
ويرتفع الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة في الشرق الأوسط بنحو 40% بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة مقارنة باليوم، وهو ما يؤكد أهمية كفاية المنظومة لأمن الكهرباء والحاجة إلى استثمارات إضافية. ويبلغ الاستثمار في الطاقة في الشرق الأوسط اليوم 6% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف المتوسط العالمي، ويُتوقع أن يذهب نحو 78% من هذا الاستثمار إلى الوقود الأحفوري عام 2025، مقارنة بمتوسط عالمي قدره 35%. وتنخفض هذه الحصة إلى 66% بحلول عام 2035 في هذا السيناريو مع تزايد الاستثمار في الشبكات والتخزين والكهرباء منخفضة الانبعاثات.
ويقود تبريد الأماكن نمو الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة في الشرق الأوسط، لكنه يتيح في الوقت نفسه فرصة لدعم دمج توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة. إذ يمكن الاستفادة من القدرة على إزاحة أحمال التبريد زمنياً لتقليص التفاوت اليومي في الحمل المتبقي، الذي يُعرَّف بأنه إجمالي الطلب على الكهرباء مطروحاً منه التوليد من الطاقة المتجددة. ويعد تقليص حجم هذه التفاوتات أمراً حاسماً لتخفيف الضغط التشغيلي على مصادر الكهرباء القابلة للتوزيع اللازمة لموازنة الشبكات. وتبعاً للقصور الحراري للمباني، أي سرعة ارتفاع حرارتها أو انخفاضها استجابة لتغيرات درجة الحرارة الخارجية، يمكن إزاحة أحمال التبريد لفترة تتراوح بين بضع عشرات من الدقائق وعدة ساعات، أو أكثر من ذلك إذا اقترنت بأنظمة التخزين الحراري كخزانات المياه. ويتيح ذلك نقل استهلاك الكهرباء إلى وقت أقرب من منتصف النهار، فتستفيد منظومات الكهرباء من ذروة توليد الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتتجنب تقليص الإنتاج. وبحلول عام 2035، يأتي أكثر من 15% من الكهرباء في الشرق الأوسط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية في سيناريو السياسات المعلنة، و5% من مصادر متجددة أخرى منها طاقة الرياح.
8.7 أوراسيا
8.7.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
تعد أوراسيا مستهلكاً ومنتجاً رئيسياً للوقود الأحفوري في آن واحد. ففي عام 2024، لبى الوقود الأحفوري 90% من الطلب على الطاقة في المنطقة، وهو ثاني أعلى متوسط إقليمي بعد الشرق الأوسط. كما أن أوراسيا مصدّر صاف كبير للوقود الأحفوري، إذ باعت نحو 200 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عام 2024، إلى جانب 7 ملايين برميل يومياً من النفط و130 مليون طن من مكافئ الفحم. وتستأثر روسيا بنحو 70% من صادرات المنطقة من النفط والغاز، وإن كانت هذه الصادرات قد تأثرت تأثراً كبيراً بتخفيضات الإمدادات الأحادية والعقوبات المفروضة بعد غزوها لأوكرانيا، ففي عام 2024 كانت صادرات الغاز الطبيعي الروسية أدنى بنسبة 45% من مستواها قبل الحرب البالغ 250 مليار متر مكعب.
وقد صدرت عن دول بحر قزوين وآسيا الوسطى عدة إعلانات خلال مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في باكو، منها التزامات بزيادة دعم الطاقة المتجددة وتحسين روابط البنية التحتية. ومن أمثلة ذلك ممر الطاقة الخضراء عبر بحر قزوين، الذي كان موضوع اتفاقية شراكة استراتيجية وقعتها أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان لربط شبكات الكهرباء فيما بينها وتصدير الطاقة المتجددة. غير أن التغيير في قطاع الطاقة ظل بطيئاً في معظم الحالات، فتقادم المباني والمنشآت الصناعية، وضعف صيانة خطوط الأنابيب التي تنقل الوقود عبر مسافات شاسعة، والمناخ البارد، كلها عوامل تجعل كثافة استهلاك الطاقة نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة أعلى بنسبة 40% من المتوسط العالمي. ويُترجم هذا القصور في الكفاءة إلى تكاليف طاقة مرتفعة وأعباء بيئية ثقيلة وزيادة في التعرض لاضطرابات الإمدادات.
وقد ارتبطت أوكرانيا، التي تندرج ضمن مجموعة أوروبا في نمذجتنا، تاريخياً بروابط قوية بفضاء الطاقة الأوراسي، لكنها باتت اليوم، ومعها مولدوفا، تتطلع بثبات إلى الاندماج في منظومة الطاقة الأوروبية الأوسع. وتواجه أوكرانيا مجموعة شاقة على نحو خاص من تحديات الطاقة، مع استهداف روسيا الممنهج لأصولها في قطاع الطاقة خلال الحرب، وهي تستكشف حالياً التحول نحو منظومة كهرباء أكثر لامركزية. ويدفع هذا التوجه في المقام الأول اعتبارات أمنية، لكنه قد يصبح على المدى الأطول نموذجاً لتشكيل مختلف تماماً للبنية التحتية للطاقة.
ويعد الغاز الطبيعي أكبر مساهم في مزيج الطاقة في المنطقة، ويجسد بعض معضلاتها. فالغاز قد يكون عاملاً ممكّناً للتغيير في كثير من الظروف، إذ يمكنه مثلاً أن يحل محل أنواع وقود أعلى كثافة في الانبعاثات، وأن يوفر مرونة للمنظومة تساعد على دمج مصادر جديدة للكهرباء منخفضة الانبعاثات. غير أن قطاع الغاز في كثير من أنحاء أوراسيا لا يؤدي هذا الدور، فالبنية التحتية في حالة سيئة عموماً، والأسعار مدعومة في الغالب بطرق تشجع الاستهلاك المسرف وتضعف القدرة التنافسية للبدائل، كما أن ارتفاع مستويات تسرب الميثان يقوض الحجة البيئية لاستخدام الغاز. وفضلاً عن ذلك، تحتاج موارد الغاز في المنطقة عادة، مع استثناءات قليلة، إلى خطوط أنابيب طويلة لبلوغ أسواق التصدير، وهو ما قد يضعها في موقف أضعف في وقت يبدو فيه أن المستهلكين يفضلون ما يتيحه الغاز الطبيعي المسال من خيارات ومرونة.
وفي سيناريو السياسات المعلنة، يبلغ متوسط نمو إجمالي الطلب على الطاقة في أوراسيا 0.2% سنوياً حتى عام 2050، وهو من أدنى معدلات النمو بين اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية. ويرتفع هذا المعدل ارتفاعاً هامشياً في سيناريو السياسات الحالية، لكن إجمالي النمو على امتداد فترة التوقعات، البالغ نحو 4 إكساجول، لا يعادل سوى أربع سنوات من متوسط نمو الطلب في جنوب شرق آسيا في السيناريو نفسه.
ويُتوقع أن يظل مزيج الطاقة ثابتاً في كلا السيناريوهين، فالوقود الأحفوري يستأثر حالياً بنسبة 90% من مزيج الطاقة في أوراسيا، ويبقى عند هذا المستوى تقريباً في كلا السيناريوهين حتى عام 2050. ويرتفع الطلب على النفط بمقدار 0.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة نتيجة النمو في قطاعي النقل والصناعة، ويرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بمقدار 30 مليار متر مكعب خلال الفترة نفسها، بما يعكس أساساً تزايد الطلب في قطاعي الكهرباء والصناعة. ويُلبى أكثر من نصف الزيادة في استهلاك الكهرباء حتى عام 2035 في هذا السيناريو بالغاز الطبيعي. وتتضاعف قدرة الطاقة المتجددة تقريباً بين عامي 2024 و2050، وهو أدنى معدل نمو إقليمي في هذا السيناريو، وتظل الطاقة الكهرومائية المصدر المهيمن للكهرباء المتجددة عام 2050.
ورغم بطء وتيرة التغيير في أوراسيا، فإن ثمة دولاً مضت أو تمضي في تنويع مزيج الطاقة والكهرباء لديها. فطاجيكستان وقيرغيزستان وجورجيا منتجة كبيرة وراسخة للطاقة الكهرومائية، وتوسع أوزبكستان وكازاخستان استخدامهما للطاقة المتجددة مع التركيز أساساً على الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وكذلك على طاقة الرياح. وفي أعقاب استضافتها مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين، تسعى أذربيجان إلى زيادة الاستثمار في التقنيات منخفضة الانبعاثات، وتهدف إلى رفع حصة الطاقة المتجددة في القدرة المركبة إلى 30% بحلول عام 2030.
وتؤدي الطاقة النووية أيضاً دوراً مهماً ومتنامياً في كثير من دول أوراسيا، فروسيا مصدّر رائد للتكنولوجيا النووية، وتسعى شركة روساتوم إلى توسيع التعاون في هذا المجال مع دول آسيا الوسطى. كما أن كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم، بحصة سوقية تقارب 40%.
8.7.2 توقعات صادرات الغاز الطبيعي الروسية
أربك الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا استراتيجية روسيا لتصدير الغاز الطبيعي. فقبل الغزو، كانت التوقعات الرسمية تشير إلى نمو مطرد في الصادرات، مع تعزيز السوق الأوروبية الراسخة بمرور الوقت بتدفقات أكثر تنوعاً من الغاز الطبيعي المسال وغاز خطوط الأنابيب، تتجه أساساً إلى الصين ووجهات أخرى في آسيا. وكانت استراتيجية الطاقة الروسية السابقة تتوقع أن تصدّر روسيا أكثر من 300 مليار متر مكعب من الغاز بحلول عام 2024.
أما الرقم الفعلي لعام 2024 فيُقدَّر بأقل من 160 مليار متر مكعب، وبات السعي إلى أسواق جديدة ضرورة استراتيجية لروسيا في ضوء التراجع الهائل في الكميات المرسلة إلى أوروبا. وجاءت استراتيجية الطاقة الروسية الجديدة المعتمدة عام 2025 أقل طموحاً من سابقتها، لكنها تظل أكثر تفاؤلاً بكثير من توقعاتنا، إذ تتوقع صادرات تتراوح بين 320 و375 مليار متر مكعب بحلول منتصف الثلاثينيات، مقارنة بنحو 150 مليار متر مكعب في سيناريو السياسات المعلنة.
وثمة أربعة منافذ رئيسية لصادرات الغاز الروسي، هي التصدير عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا والصين وآسيا الوسطى، وتصدير الغاز الطبيعي المسال، ويواجه كل منها حالة من عدم اليقين السوقي والسياسي. وتتكون صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا أساساً من الإمدادات المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي وتركيا وبيلاروسيا ومولدوفا ودول البلقان. وفي سيناريو السياسات المعلنة، تبقى الصادرات إلى تركيا فوق 20 مليار متر مكعب، وتظل الكميات المتجهة إلى الأسواق الأخرى من خارج الاتحاد الأوروبي ثابتة، لكن الإمدادات إلى الاتحاد الأوروبي تنخفض إلى أقل من 10 مليارات متر مكعب بحلول عام 2030، بعد أن اعتمد المجلس الأوروبي تدابير للإلغاء التدريجي لواردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول عام 2027. وحتى في حال توقف الأعمال العدائية في أوكرانيا، لا نتوقع عودة الغاز الروسي إلى أوروبا على نطاق واسع، ولا سيما في ظل توازن مريح نسبياً للإمدادات العالمية في النصف الثاني من العقد الحالي. وقد دفعت خسارة السوق الأوروبية روسيا إلى البحث عن عملاء في أماكن أخرى، منها دول آسيا الوسطى المرتبطة بها أصلاً بخطوط أنابيب، فارتفعت الصادرات إلى كازاخستان وأوزبكستان، وأُبرمت مؤخراً صفقة مدتها خمسة عشر عاماً مع سوق قيرغيزستان الأصغر في آسيا الوسطى. ولا يُتوقع أن يتجاوز استهلاك الغاز الروسي في آسيا الوسطى ما بين 10 و20 مليار متر مكعب سنوياً، لكن المنطقة قد تكون أيضاً ممراً لصادرات روسيا إلى إيران، وربما إلى الصين، وإن كانت الكميات المتوقعة غير كبيرة.
وقد بلغت صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر خط أنابيب "قوة سيبيريا 1" قدرتها المقررة البالغة 38 مليار متر مكعب سنوياً عام 2025، وبحثت مناقشات جرت مؤخراً إمكانية رفع قدرة الضخ إلى 44 مليار متر مكعب سنوياً. كما وُقّع عام 2022 عقد لتوريد 10 مليارات متر مكعب إضافية سنوياً من سخالين إلى شمال شرق الصين، عبر ما يُعرف بمسار الشرق الأقصى، وثمة توقعات لزيادة هامشية في قدرة هذا الخط. ومن المقرر أن تبدأ الإمدادات عبره عام 2027، لكنها قد تتأخر بضع سنوات.
ويتعلق قدر أكبر من عدم اليقين بالمفاوضات حول خط أنابيب إضافي ضخم هو "قوة سيبيريا 2"، الذي من شأنه نقل ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز من قاعدة الموارد الرئيسية في غرب سيبيريا إلى الصين. ويُفترض المضي في هذا الخط في سيناريو السياسات الحالية دون سيناريو السياسات المعلنة، إذ تبدو السوق الصينية في هذا الأخير مزودة جيداً بدونه. لكن ذلك قد يتغير إذا توافقت المواقف السياسية، أو إذا أبدت روسيا استعداداً لتقديم تنازلات في مفاوضات الأسعار. وإذا مضى المشروع قدماً في سيناريو السياسات المعلنة ودخل الخدمة في مطلع الثلاثينيات، فسيطيل أمد فترة وفرة الإمدادات في أسواق الغاز العالمية، ويضعف المبررات التجارية لمزيد من التوسع في مشروعات تصدير الغاز الطبيعي المسال، ومنها تلك المخطط لها في روسيا.
وتتوقع استراتيجية الطاقة الروسية الجديدة أن تبلغ صادرات الغاز الطبيعي المسال 142 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، بزيادة 100 مليار متر مكعب عن مستواها الحالي. وسيكون تحقيق ذلك عملياً بالغ الصعوبة، فهذا الهدف أعلى بكثير من الكميات المتحققة في سيناريو السياسات الحالية وسيناريو السياسات المعلنة على حد سواء. ومن العقبات القائمة العقوبات التي تحد من الوصول إلى تقنيات الغاز الطبيعي المسال الغربية وإلى التمويل والأسواق، والنقص في ناقلات الغاز الطبيعي المسال القادرة على الإبحار في المياه القطبية المتجمدة.
وتسعى روسيا إلى تخفيف القيد الأخير عبر تقنيات وناقلات تُنتج محلياً، لكن تطويرها إلى معايير الأداء المطلوبة سيستغرق وقتاً. وحتى إن أمكن تجاوز هذه العقبات، تبقى هناك عوائق تجارية إضافية في سوق شديدة التنافس، إذ سيشهد النصف الثاني من هذا العقد نمواً غير مسبوق في قدرات التصدير لدى دول أخرى، تتصدرها الولايات المتحدة وقطر.
وعموماً، يشير تحليلنا إلى أن روسيا تخوض معركة شاقة لاستعادة مكانتها المتقدمة بين مصدّري الغاز في العالم، رغم تكاليفها التنافسية للغاية في مراحل الاستكشاف والإنتاج. فحصة روسيا من الغاز المتداول دولياً، التي بلغت قرابة 25% عام 2021 قبل غزو أوكرانيا، لا تقترب مجدداً من هذه المستويات في أي سيناريو، وتنخفض إلى 10% بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة. ولذلك انعكاسات على إيرادات الغاز، التي تتراجع من متوسط 120 مليار دولار سنوياً في العقد الثاني من القرن إلى 28 مليار دولار سنوياً خلال الثلاثينيات في هذا السيناريو، وعلى نفوذ روسيا بوصفها لاعباً عالمياً في مجال الطاقة. وتشتد المخاطر السلبية على توقعات الغاز الروسي في السيناريوهات التي تشهد تحركاً متسارعاً لخفض الانبعاثات.
8.8 الصين
8.8.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين عام 2024 نحو 27 ألف دولار وفق تعادل القوة الشرائية، ومن المتوقع أن تنتقل إلى مصاف الدول مرتفعة الدخل عام 2025. وقد اتسم نموها الاقتصادي حتى الآن بكثافة استهلاك الطاقة، إذ يزيد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها بنسبة 10% على المتوسط العالمي، بينما يزيد نصيب الفرد من استهلاك الطاقة بنسبة 50%. وفي هذا التقرير، ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5% سنوياً حتى عام 2035. وقد بلغت مستويات إنتاج الصناعات الراسخة كالصلب والإسمنت ذروتها، وتواصل تراجعها في توقعاتنا، في حين يرتفع إنتاج منتجات صناعية أخرى كثيفة الاستهلاك للطاقة كالكيماويات والبتروكيماويات والمعادن غير الحديدية، غير أن الناتج المحلي الإجمالي يعتمد على نحو متزايد على الخدمات والتصنيع عالي القيمة المضافة. ويفضي هذا الاتجاه الهيكلي، إلى جانب استمرار تحسين الكفاءة والكهربة، إلى بلوغ استهلاك الطاقة في الصين ذروته ثم استقراره، وهو ما يمثل نقطة تحول مهمة بعد سنوات من النمو السريع.
ويشهد هيكل إمدادات الطاقة واستهلاكها في الصين تحولات جوهرية بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة. فالصين تسجل بالفعل واحدة من أعلى حصص الكهرباء في الاستهلاك النهائي في العالم، وترتفع هذه الحصة من مستواها الحالي البالغ 27% إلى 35% بحلول عام 2035. وتضيف الصين في المتوسط 460 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية سنوياً خلال العقد الممتد حتى عام 2035، وعند إضافة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى والطاقة النووية، تتوسع المصادر منخفضة الانبعاثات إجمالاً بنحو 600 تيراواط ساعة سنوياً. وبحلول عام 2035، تولد الصين أكثر من 10,000 تيراواط ساعة من الكهرباء منخفضة الانبعاثات، ويصبح إجمالي إمداداتها من الطاقة المتجددة والنووية أكبر بنسبة 10% من إمداداتها من النفط والغاز الطبيعي مجتمعين.
وفي العقد المنتهي عام 2024، كانت الصين مسؤولة عن أكثر من ثلثي نمو الطلب العالمي على النفط. ويتراجع طلبها على النفط بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة وسيناريو السياسات الحالية، وللمركبات الكهربائية دور كبير في هذا الاتجاه. ففي عام 2024، كان قرابة نصف مبيعات السيارات في الصين كهربائياً، وكان ثلثا هذه السيارات أرخص سعراً من نظيراتها التقليدية. وتؤدي قدرتها التنافسية إلى ارتفاع حصة السيارات الكهربائية إلى أكثر من 80% من المبيعات بحلول عام 2030 في سيناريو السياسات المعلنة. كما يسهم النمو القوي للسكك الحديدية فائقة السرعة في تجنب الطلب على النفط، ونتيجة لذلك يبدأ الطلب على النفط في النقل البري في الصين بالتراجع. وبحلول عام 2035، يبلغ إجمالي طلبها على النفط نحو 15 مليون برميل يومياً، أي أدنى بنسبة 5% من مستواه الحالي، وهو ما يتسق إلى حد كبير مع توقعات شركة النفط الصينية الكبرى سينوبك. ولا يتيح سيناريو السياسات الحالية سوى مجال ضئيل لارتفاع إضافي في إجمالي الطلب على النفط في الصين بحلول عام 2035، نظراً للقدرة التنافسية للمركبات الكهربائية والالتزام السياسي بها.
وكانت الصين مسؤولة عن قرابة ثلث الزيادة العالمية في الطلب على الغاز الطبيعي خلال العقد الماضي. ويواصل الطلب نموه في كلا السيناريوهين، لكن كهربة الاستخدامات النهائية تحد منه. فالإنتاج الصناعي في الصين يتسم بالفعل بدرجة عالية من الكهربة، إذ تمثل الكهرباء 27% من استهلاك الطاقة في الصناعة مقابل قرابة 10% للغاز، وتواصل الكهرباء كسب أرضية في الصناعة مستقبلاً. ويشهد قطاع النقل تزايداً في الطلب على الغاز الطبيعي للشاحنات، إذ كانت أكثر من 25% من مبيعات شاحنات الشحن الثقيل عام 2024 تعمل بالغاز الطبيعي، لكن هذا القطاع لا يزال يمثل حصة صغيرة نسبياً من إجمالي الطلب على الغاز. وفي قطاع الكهرباء، يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي، لكن إمكانات نموه محدودة بفعل منافسة الفحم والتخزين بالضخ المائي والبطاريات، التي تؤدي أدواراً حاسمة في موازنة الحصص المتزايدة من الطاقة المتجددة المتغيرة. ويتيح سيناريو السياسات الحالية مجالاً أعلى قليلاً لنمو الغاز، إذ يبلغ الطلب 630 مليار متر مكعب بحلول عام 2035، بزيادة 8% على سيناريو السياسات المعلنة.
8.8.2 مستقبل الفحم في الصين: نمو مرتقب أم ذروة تلوح في الأفق؟
يستأثر قطاع الكهرباء الضخم في الصين بثلثي طلبها على الفحم، فيما تستأثر الصناعة بمعظم الباقي، لكن طلبها على الفحم آخذ في التراجع، إذ بلغ استهلاك الفحم في القطاع الصناعي ذروته عام 2014 وانخفض منذ ذلك الحين بنسبة 25%. ولأن معظم الاستخدام الصناعي للفحم في الصين يتجه إلى إنتاج الإسمنت والصلب، فإن تشبع احتياجاتها من الإسكان والبنية التحتية يعني أن الطلب على الفحم في الصناعة سيواصل تراجعه. وبحلول عام 2035، يصبح استهلاك الفحم في الصناعة الصينية أدنى بنسبة 20% إضافية من مستوى عام 2024 في سيناريو السياسات المعلنة.
ومن ثم سيحدد قطاع الكهرباء مستقبل الفحم في الصين. فخلال السنوات الخمس الأخيرة، أضافت الصين من قدرات توليد الطاقة المتجددة والنووية أكثر مما أضافه بقية العالم مجتمعاً، وباتت الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح تمثلان 18% من التوليد. ورغم ذلك، ارتفع الطلب على الفحم لتوليد الكهرباء بأكثر من 25% بين عامي 2019 و2024، ونتيجة لذلك بلغ استهلاك الفحم في قطاع الكهرباء 2,250 مليون طن من مكافئ الفحم عام 2024، أي 65 إكساجول، وهو ما يفوق إجمالي الطلب على الطاقة من جميع المصادر مجتمعة، من فحم وغاز وطاقة نووية ونفط وطاقة متجددة، في أي دولة أخرى في العالم باستثناء الولايات المتحدة.
وقد اتسم النمو الاقتصادي في الصين بكثافة عالية في استهلاك الكهرباء خلال فترة ما بعد جائحة كوفيد 19، إذ ارتفع استهلاك الكهرباء في القطاعات السكنية والصناعية والخدمية بوتيرة أسرع من النشاط الاقتصادي بين عامي 2019 و2024.
ولدمج الحصص المتزايدة من الموارد المتغيرة، تستثمر الصين في الشبكات وفي القدرة القابلة للتوزيع، بما يشمل البطاريات والتخزين بالضخ المائي والطاقة النووية، كما تجري إصلاحات لتحفيز المرونة ونشر الطاقة المتجددة على نحو أكثر توافقاً مع متطلبات الشبكة. غير أن لديها أيضاً أكثر من 200 غيغاواط من قدرات التوليد بالفحم قيد الإنشاء. ويعني انخفاض التكاليف الرأسمالية لمحطات الفحم في الصين أن تشغيلها بمرونة لدعم الطاقة المتجددة ينطوي على تكاليف فرصة أدنى بكثير مما هي عليه في الأسواق الأخرى، فحتى عند معامل قدرة يبلغ 30%، تبلغ التكلفة المستوية المتوسطة للتوليد بالفحم 80 دولاراً لكل ميغاواط ساعة، وهي أدنى من التكلفة المستوية للتوليد بالغاز البالغة 110 دولارات لكل ميغاواط ساعة.
ولذلك تتشكل توقعات الفحم في الصين وفق سباق ثلاثي بين النمو المتسارع للطاقة المتجددة، وارتفاع الطلب على الكهرباء، والجهود الرامية إلى جعل الشبكة أكثر حداثة ومرونة. وتختلف مجريات هذا السباق بين سيناريو السياسات المعلنة وسيناريو السياسات الحالية، لكن الاتجاهات طويلة الأمد تشير إلى بلوغ الذروة ثم التراجع. ففي سيناريو السياسات الحالية، يكون الطلب على الكهرباء أعلى منه في سيناريو السياسات المعلنة بحلول عام 2035، إذ يشهد هذا السيناريو مستوى أدنى من الكهربة، لكنه يشهد أيضاً قدراً أقل من مكاسب الكفاءة التي تكبح نمو الطلب في السيناريو الآخر. ويبلغ متوسط إضافات قدرة الطاقة المتجددة نحو 480 غيغاواط سنوياً في سيناريو السياسات المعلنة، مقارنة بنحو 450 غيغاواط سنوياً في سيناريو السياسات الحالية. ويرتفع تقليص الإنتاج في سيناريو السياسات المعلنة، لكن جهود إضافة مزيد من المرونة عبر تخزين البطاريات والتخزين بالضخ المائي وقدرات الشبكة تبقي معدل التقليص أدنى بكثير منه في سيناريو السياسات الحالية. وحتى مع المستويات الأعلى للطلب على الكهرباء في سيناريو السياسات الحالية، تفضي القدرة التصنيعية الهائلة للصين في مجال الطاقة المتجددة والقدرة التنافسية الاقتصادية لهذه الطاقة إلى نمو كاف في قدرتها يدفع الفحم نحو التراجع. ونتيجة لذلك، ينخفض إجمالي الطلب على الفحم بنحو 20% حتى عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، وبنحو 10% في سيناريو السياسات الحالية.
8.9 الهند
8.9.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
تعد الهند أكبر مصدر لنمو الطلب على الطاقة في العالم وفق توقعات هذا التقرير، إذ يرتفع الطلب على الطاقة فيها بأكثر من 15 إكساجول بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، وهو ما يقارب نمو الطلب في الصين وجميع دول جنوب شرق آسيا مجتمعة. والهند أكبر مساهم في نمو الطلب على النفط خلال هذه الفترة، وثاني أكبر مساهم في نمو توليد الكهرباء والطلب على الفحم، وثالث أكبر مساهم في نمو الطلب على الغاز الطبيعي.
ويدفع تنامي النشاط الاقتصادي الطلب على الطاقة في الهند، فبين عامي 2010 و2024 جاء معدل نمو ناتجها المحلي الإجمالي في المرتبة الثانية بعد الصين بين الدول والمناطق الكبرى. وخلال الفترة حتى عام 2035، ينمو الناتج المحلي الإجمالي للهند بمتوسط 6.1% سنوياً، وهو أعلى من أي دولة أو منطقة كبرى أخرى، ويصبح نصيب الفرد منه عام 2035 أعلى بنسبة 75% من مستواه الحالي. وتقبع الهند حالياً دون المتوسط العالمي بفارق كبير في طيف من المؤشرات الرئيسية للطاقة والاقتصاد، لكنها ما فتئت تقترب منه، وتواصل ذلك خلال العقد المقبل. وتضيف الهند إلى سكانها الحضريين ما يعادل مدينة بنغالور كل عام حتى عام 2035، وتتوسع مساحاتها المبنية بنسبة 40%، كما تضيف قرابة 12 ألف سيارة إلى طرقها يومياً، وما يزيد كثيراً على 250 مليون جهاز تكييف إلى منازلها خلال العقد المقبل.
وإلى جانب تعزيز إمدادات الطاقة لتلبية الطلب المتسارع النمو، تتصدى الهند لطائفة من التحديات الأخرى المرتبطة بالطاقة، منها ضمان تعميم الوصول إلى الطاقة الحديثة، وتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، وتحسين موثوقية إمدادات الكهرباء، والحد من تلوث الهواء، وخفض انبعاثات غازات الدفيئة. ولمواجهة هذه التحديات والطموحات المتعددة في قطاع الطاقة، اعتمدت الهند مجموعة واسعة من السياسات والبرامج.
ويتمثل أحد التحديات الرئيسية في تعميم الوصول إلى الطاقة الحديثة. فقد أحرزت الهند تقدماً لافتاً في تحسين الوصول إلى الطاقة خلال العقود الأخيرة، لكن قرابة 20% من سكانها لا يزالون يعتمدون كلياً أو جزئياً على الكتلة الحيوية التقليدية في الطهي. وتسعى سياسة "برادهان مانتري أوجوالا يوجانا" إلى معالجة ذلك بتقديم دعم لاستخدام غاز البترول المسال للأسر الفقيرة.
وتعهدت الهند ببلوغ صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2070، واعتمدت عدة أهداف قصيرة الأجل، منها هدف زيادة قدرة توليد الكهرباء من مصادر غير أحفورية. ويدعم أهدافها طويلة الأجل هدف رفع قدرة الطاقة النووية إلى 100 غيغاواط بحلول عام 2047 من 8 غيغاواط اليوم، وخطتها لتطبيق سوق للكربون في صناعات مختارة عام 2026، وإلزام بالوقود الحيوي حقق نسبة مزج للإيثانول في البنزين بلغت 20% عام 2025، بهدف الحد من واردات النفط أيضاً.
وبفضل الدعم السياسي، تمثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح أسرع مصادر الطاقة نمواً حتى عام 2050 في سيناريو السياسات المعلنة، وتبلغ حصتهما قرابة 20% من مزيج الطاقة، وإن ظل الفحم والنفط ركيزتين أساسيتين. وينمو الطلب على الطاقة بأسرع وتيرة في قطاعي الصناعة والنقل، إذ تستأثر الصناعة وحدها بأكثر من نصف الزيادة في الطلب بحلول عام 2050. وتبلغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الهند ذروتها نحو عام 2040 في هذا السيناريو، وتستقر عند نحو 3.4 غيغاطن سنوياً بحلول عام 2050.
8.9.2 الهند تبلغ هدف 50% من قدرة الكهرباء غير الأحفورية مبكراً: ما الخطوة التالية؟
دعماً لهدفها طويل الأجل ببلوغ صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2070، أعلنت الهند عام 2022 هدفاً برفع حصة المصادر غير الأحفورية في مزيج توليد الكهرباء إلى 50% بحلول عام 2030. وقد حققت الهند هذا الهدف بالنسبة للقدرة المتصلة بالشبكة عام 2025، أي قبل موعده بخمس سنوات، وتحققه في سيناريو السياسات المعلنة عام 2026 حتى عند احتساب المنتجين الذاتيين، أي المنشآت التي تنتج الكهرباء أساساً لاستخدامها الخاص. وقد ارتكز هذا النجاح على طفرة في الاستثمار في الطاقة المتجددة، ففي عام 2015 كان كل دولار يُستثمر في مصادر توليد الكهرباء الأحفورية في الهند يقابله تقريباً دولار يُستثمر في المصادر غير الأحفورية، أي بنسبة واحد إلى واحد، وبحلول عام 2025 ارتفعت هذه النسبة إلى واحد إلى أربعة لصالح المصادر غير الأحفورية. واستقطبت الطاقة الشمسية الكهروضوئية وحدها 113 مليار دولار من الاستثمارات التراكمية خلال العقد الماضي، مقارنة بمبلغ 112 مليار دولار لجميع مصادر توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري مجتمعة.
وترتفع حصة المصادر غير الأحفورية في القدرة المركبة للتوليد إلى 60% عام 2030 و70% عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، وتستأثر بأكثر من 95% من الزيادات في القدرة حتى عام 2035، في تناقض صارخ مع الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2024، حين استأثر الفحم والغاز الطبيعي بأكثر من 70% من الزيادة في التوليد. ومع ذلك، يرتفع الطلب على الفحم ارتفاعاً معتدلاً حتى عام 2035 بقيادة الصناعة، ويظل الفحم ركيزة أساسية في مزيج توليد الكهرباء، موفراً توليداً قابلاً للتوزيع ومرونة قيّمين. وترتفع حصة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح في التوليد من 11% اليوم إلى أكثر من 25% بحلول عام 2030، وإلى قرابة 40% بحلول عام 2035، ويتضاعف التوليد النووي ثلاث مرات بحلول عام 2035. ونتيجة لذلك، تصبح المصادر غير الأحفورية مسؤولة عن أكثر من نصف توليد الكهرباء في الهند بحلول عام 2035 في هذا السيناريو. ويخفض ذلك كثافة الكربون في توليد الكهرباء بنحو 45% لتبلغ قرابة 400 غرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة، ما يضيّق الفجوة بين الهند والمتوسط العالمي لكثافة الكربون في توليد الكهرباء. ومن المنافع الأخرى انخفاض كبير في انبعاثات ملوثات الهواء الرئيسية، كالجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت.
ويحمل ارتفاع حصة الطاقة المتجددة المتغيرة في توليد الكهرباء تحديات وفرصاً معاً. ومن التحديات الحاجة إلى الاستثمار في التخزين والنقل لتيسير نشر الطاقة المتجددة، ففي سيناريو السياسات المعلنة تُضاف إلى المنظومة أكثر من 230 غيغاواط ساعة من تخزين البطاريات بحلول عام 2030، والحكومة بصدد طرح مناقصات لقدرات تخزين جديدة. وبحلول عام 2030 في هذا السيناريو، تتوسع شبكة النقل بنسبة 35% بأكثر من 200 ألف كيلومتر من خطوط النقل الجديدة، منها قرابة 60 ألف كيلومتر لتيسير دمج الطاقة المتجددة. ويسعى مشروع ممر الطاقة الخضراء في الهند إلى سد جانب من هذه الفجوة عبر تيسير إنشاء خطوط النقل الداعمة للتوليد من المصادر المتجددة.
وتواجه الهند تحديات ناجمة عن الضعف المالي لشركات التوزيع، تجسدها المدفوعات المتأخرة لشركات التوليد التي بلغ مجموعها 7 مليارات دولار في أكتوبر 2025. وقد اعتُمدت مجموعة من الإصلاحات، منها إنشاء آلية لضمان السداد، وصندوق لضمان السداد، وضمانات من حكومات الولايات لتعزيز ثقة المستثمرين في مشروعات الطاقة المتجددة. وأسهمت هذه الإصلاحات، إلى جانب تدابير أخرى لتخفيف المخاطر، في مضاعفة حصة الاستثمار الأجنبي المباشر في إجمالي الاستثمار في قطاع الكهرباء لتبلغ قرابة 10%، مقارنة بمتوسطها بين عامي 2015 و2020.
8.10 اليابان وكوريا
8.10.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في اليابان وكوريا بنسبة 0.8% سنوياً حتى عام 2050، في حين يواصل عدد السكان في المنطقة الانكماش بنسبة 0.6% سنوياً خلال الفترة نفسها. وترتكز التوقعات الاقتصادية على الرقمنة والأتمتة والقطاعات عالية القيمة المضافة، كالذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات، مع مضاعفة الحكومتين رهانهما على الابتكار ومكاسب الإنتاجية والتحول الصناعي لتعويض نقص العمالة والحفاظ على النمو الاقتصادي.
وتحدد استراتيجية الطاقة في اليابان، المسترشدة بالخطة الاستراتيجية السابعة للطاقة المعتمدة في فبراير 2025، مسارات متعددة لتحقيق إزالة الكربون وأمن الطاقة. ومن أبرز التحولات فيها الارتقاء الصريح بالطاقة المتجددة إلى مصدر رئيسي للكهرباء يوفر ما بين 40% و50% من التوليد بحلول عام 2040، صعوداً من 24% عام 2024. كما تمثل الخطة نقطة تحول في السياسة النووية، إذ تضع الطاقة النووية إلى جانب الطاقة المتجددة بوصفهما عنصرين لا غنى عنهما لأمن الطاقة والإزالة الفعالة للكربون على حد سواء، وتتصور رفع حصة الطاقة النووية من 9% عام 2024 إلى نحو 20% بحلول عام 2040. غير أن حالة من عدم اليقين لا تزال تحيط بإعادة تشغيل المفاعلات، إذ سيتوقف توقيتها على مراجعات السلامة وتحديث المنشآت وتفهم الرأي العام، وقد يفرض أي تأخير الاعتماد على مصادر بديلة، بما يعقّد مسار إزالة الكربون وأمن الطاقة.
وتسعى الخطة الأساسية الحادية عشرة لعرض الكهرباء والطلب عليها في كوريا، للفترة بين عامي 2024 و2038، إلى الموازنة بين الطلب المتزايد والالتزامات بإزالة الكربون، مع مراعاة اعتبارات أمن الطاقة. ومن المقرر أن ترتفع حصة الطاقة النووية في توليد الكهرباء من نحو 30% إلى 35% بحلول عام 2038 مع إدخال مفاعلات جديدة ومفاعلات معيارية صغيرة إلى الخدمة، ويُتوقع أن ترتفع حصة الطاقة المتجددة في التوليد، وأن تنخفض حصتا الفحم والغاز الطبيعي المسال. وبحلول عام 2038، يُتوقع أن يأتي أكثر من 70% من التوليد من مصادر منخفضة الانبعاثات، منها الطاقة النووية والمتجددة والهيدروجين والأمونيا، تحقيقاً لهدفين متلازمين هما تعزيز أمن الطاقة والمضي نحو الحياد الكربوني.
وتعتريها حالة من عدم اليقين، لكن من المرجح أن تواصل كوريا دعم تمديد أعمار المحطات النووية القائمة وتطوير المفاعلات المعيارية الصغيرة، وإن كانت وتيرة المشروعات النووية الكبيرة الجديدة قد تتباطأ، وقد يتحول تركيزها العام على نحو متزايد نحو الطاقة المتجددة وتقنيات الجيل التالي.
وانعكاساً لهذه الاستراتيجيات والسياسات، يرتفع الطلب على الكهرباء في المنطقة من نحو 1,460 تيراواط ساعة عام 2024 إلى نحو 1,660 تيراواط ساعة في سيناريو السياسات المعلنة، وإلى ما يزيد قليلاً على 1,670 تيراواط ساعة في سيناريو السياسات الحالية بحلول عام 2040. ويستأثر قطاع النقل بأكثر من 35% من نمو الطلب على الكهرباء في سيناريو السياسات المعلنة، بينما يقود قطاع المباني نمو الطلب في سيناريو السياسات الحالية مستأثراً بقرابة 50% من الإجمالي. ومن أسباب نمو الطلب في كلا السيناريوهين الزيادة السريعة في الطلب على الكهرباء لخدمة مراكز البيانات، إذ يزيد طلبها على الكهرباء في اليابان وكوريا اليوم قليلاً على 20 تيراواط ساعة، وتدعمه قدرة مركبة تزيد قليلاً على 5 غيغاواط. وعلى المدى القريب، يُتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء لمراكز البيانات تقريباً في كلا السيناريوهين، ليسهم بنحو 20% من نمو الطلب على الكهرباء بين عامي 2024 و2030.
ومع الدعم السياسي في البلدين للوقود منخفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة، يتراجع الطلب على الوقود الأحفوري بين عامي 2024 و2040 بمعدل سنوي متوسط قدره 1.5% في سيناريو السياسات الحالية، وبأكثر من 2% في سيناريو السياسات المعلنة. وقد ظلت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة في المنطقة تتراجع منذ عام 2014 مع تقلبات طفيفة، ويستمر هذا الاتجاه في كلا السيناريوهين، فتصبح هذه الانبعاثات عام 2040 أدنى من مستواها الحالي بأكثر من 30% في سيناريو السياسات الحالية، وبنسبة 40% في سيناريو السياسات المعلنة.
ويؤدي الغاز الطبيعي دوراً مهماً في كلا السيناريوهين بوصفه مصدراً قابلاً للتوزيع للطاقة، لكن كليهما يشهد تراجعاً تدريجياً في استخدامه بعد عام 2030. وتزداد قدرة الطاقة المتجددة بوتيرة أبطأ في سيناريو السياسات الحالية منها في سيناريو السياسات المعلنة، ما يعني بقاء الطلب على الغاز عند مستوى أعلى. ويبلغ الطلب على الغاز الطبيعي حالياً نحو 150 مليار متر مكعب، ويُتوقع في سيناريو السياسات الحالية أن يرتفع حتى مطلع الثلاثينيات، ثم يعود إلى ما يقارب مستواه الحالي عام 2040، في حين ينخفض في سيناريو السياسات المعلنة بنسبة 10% عن مستواه الحالي بحلول عام 2040.
ويولي البلدان أهمية كبيرة لتعزيز الطاقة المتجددة في سعيهما إلى التقدم نحو هدف بلوغ صافي الانبعاثات الصفري. وتزداد قدرة الطاقة المتجددة في كلا السيناريوهين، وإن بمعدلات مختلفة، إذ يُتوقع أن ترتفع بنحو مرة ونصف بحلول عام 2040 في سيناريو السياسات الحالية، فيما تتضاعف تقريباً لتبلغ 420 غيغاواط في سيناريو السياسات المعلنة بفضل دعم سياسي إضافي وتطور تقني أسرع.
8.10.2 أمن الطاقة في مشهد جيوسياسي متغير
استأثر الوقود الأحفوري بنسبة 80% من إجمالي الطلب على الطاقة في اليابان وكوريا عام 2024، وكان مستورداً بالكامل تقريباً. وتمر واردات الوقود الأحفوري هذه عبر نقاط اختناق حيوية، إذ يمر نحو 70% من واردات النفط الخام عبر مضيق هرمز، و85% عبر مضيق ملقا، وأكثر من 70% من واردات الغاز الطبيعي المسال عبر بحر الصين الجنوبي. وقد شهدت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية تقلبات حادة في السنوات الأخيرة، إذ بلغ متوسطها 34 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ووصلت ذروتها إلى 85 دولاراً عام 2022 مع ارتفاع الأسعار لفترة مطولة خلال أزمة الطاقة التي شهدها ذلك العام. وفي عام 2024، انخفض السعر إلى متوسط 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، لكن تقلبات الأسعار ذات الدوافع الجيوسياسية عام 2022 دفعت اليابان وكوريا إلى زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة الإقليمية، وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية، والسعي إلى بناء سلاسل إمداد متنوعة عبر سياسات جديدة والتزامات من الشركات. وبالتوازي مع ذلك، اعتمدت الحكومتان تدابير مالية طارئة لامتصاص صدمات الأسعار قصيرة الأجل، فقد أنفقت اليابان منذ عام 2022 أكثر من 10 تريليونات ين، أي نحو 67 مليار دولار وفق متوسط سعر الصرف السنوي لعام 2024، على دعم استهلاك البنزين والكهرباء والغاز.
وتنتهج اليابان وكوريا تدابير متنوعة لتعزيز ثقة المستثمرين في تقنيات مستقرة منخفضة الانبعاثات، دعماً لإزالة الكربون وأمن الطاقة والقدرة على تحمل التكاليف، والطاقة النووية إحدى هذه التقنيات. إذ يروج لها البلدان بوصفها مصدراً منخفض الكربون قابلاً للتوزيع، يكمّل الطاقة المتجددة المتغيرة، ويمكن أن يسهم في تحقيق أهداف إزالة الكربون وتعزيز الاكتفاء الذاتي من الطاقة وتقليص فواتير استيراد الوقود الأحفوري. وتولد الطاقة النووية اليوم 280 تيراواط ساعة من الكهرباء في المنطقة، وهو ما يقارب التوليد المجمع للمصادر الرئيسية الأخرى منخفضة الانبعاثات، ومنها الطاقة الشمسية الكهروضوئية والكهرومائية والحيوية وطاقة الرياح. وفي كلا السيناريوهين، تظل الطاقة النووية أكبر مصدر للكهرباء منخفضة الانبعاثات في المنطقة، لتبلغ قرابة 500 تيراواط ساعة عام 2040. وفي اليابان، تتمثل الأولوية حالياً في إعادة تشغيل المفاعلات القائمة لزيادة حصتها في التوليد، إلى جانب الإعلان عن خطط لبناء مفاعلات جديدة، أما في كوريا فالأولوية للمضي في مفاعلين جديدين قيد الإنشاء هما سايول 3 وسايول 4. وإذا تأخر تطوير الطاقة النووية وبقي التوليد عند مستوياته الحالية، فستحتاج المنطقة عام 2040 إلى أكثر من 180 غيغاواط من القدرة الشمسية الكهروضوئية الإضافية، أو قرابة 40 مليار متر مكعب من الغاز الإضافي لسد الفجوة.
ورغم اختلاف الظروف بين البلدين، تعد القيادة العامة ضرورية في كليهما لإرساء إجراءات ترخيص قابلة للتنبؤ لتطوير الطاقة النووية، وتنفيذ إصلاحات مؤسسية تحسن الربحية، وإنشاء أدوات مالية كضمانات القروض والسندات الخضراء أو صناديق الاستثمار المخصصة لحشد رأس المال الخاص. وفي الوقت ذاته، سيعزز الاستثمار في تنمية القوى العاملة وتنويع سلاسل الإمداد المرونة والقدرة التنافسية، وتتمتع كوريا بنقطة قوة رئيسية في هذا المجال يدعمها رصيد متين من المشروعات النووية المحلية والدولية. ولا يقل عن ذلك أهمية وجود مسار واضح للتخلص الآمن والنهائي من النفايات النووية، وهو أمر حاسم لثقة الرأي العام وللاستدامة طويلة الأمد، وفي اليابان تمضي الإجراءات القانونية لاختيار موقع لهذا الغرض بخطى ثابتة. ومن خلال توفير خرائط طريق شفافة ومعالجة مخاوف الرأي العام، يمكن لصناع السياسات المساعدة في ضمان بقاء الطاقة النووية ركيزة لمستقبل منخفض الانبعاثات.
وتمثل شبكات الكهرباء استثماراً أساسياً آخر في أمن الطاقة. فقد واجه بعض مشغلي المنظومات في اليابان صعوبة في المضي بمشروعات النقل المدرجة في الخطة الرئيسية الوطنية لنقل الكهرباء على مستوى البلاد، ومنها أكبر مشروع فيها بتكلفة 3 تريليونات ين، أي 20 مليار دولار، رغم أن هذه المشروعات ضرورية للتشغيل الآمن لقطاع الكهرباء.
8.11 جنوب شرق آسيا
8.11.1 الاتجاهات الرئيسية للطاقة
يعد جنوب شرق آسيا من أسرع مناطق العالم نمواً، إذ ارتفع ناتجه المحلي الإجمالي بنحو 5% على أساس سنوي عام 2024، ويُتوقع أن يواصل ارتفاعه بمتوسط 4% سنوياً حتى عام 2035، مدعوماً بمكانته مركزاً عالمياً للتصنيع. وقد ارتفع إجمالي الطلب على الطاقة في المنطقة بنسبة 40% منذ عام 2015 مع توسع اقتصادها، وبات 97% من الأسر يحصل على الكهرباء، والمنطقة في طريقها إلى تحقيق الوصول الكامل بحلول عام 2030. وأدت الطفرة في الطلب على الطاقة إلى تضاعف استهلاك الفحم منذ عام 2015، ومعظمه لتوليد الكهرباء، في حين ارتفع الطلب على النفط والغاز الطبيعي بأكثر من 10%. وبرزت الطاقة الحيوية الحديثة وقوداً مهماً، إذ تضاعف استهلاكها منذ عام 2015، لتحل في المرتبة الثانية بعد الفحم من حيث النمو المطلق منذ ذلك العام.
وفي سيناريو السياسات المعلنة، يواصل الطلب على الطاقة ارتفاعه السريع بنحو الثلث بحلول عام 2035، ويسجل الفحم أكبر زيادة مطلقة، يليه الغاز الطبيعي ثم النفط. ويتباطأ نمو الطلب على الطاقة الحيوية، بينما تلبي الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح حصة متزايدة من الطلب. أما في سيناريو السياسات الحالية، فيرتفع الطلب على الطاقة بوتيرة أسرع، إذ يزداد استهلاك الفحم والغاز الطبيعي بنحو الثلث حتى عام 2035، واستهلاك النفط والطاقة الحيوية بنحو الربع. وتعني تحديات الدمج المرتبطة بمزيج توليد أقل مرونة وشبكات أكثر تقييداً أن الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح تتوسعان في سيناريو السياسات الحالية بوتيرة أبطأ بنحو 20% منها في سيناريو السياسات المعلنة.
ولدى ثماني دول في جنوب شرق آسيا أهداف لبلوغ صافي الانبعاثات الصفري في سنوات تتراوح بين 2050 و2065. وفي سيناريو السياسات المعلنة، ترتفع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الإقليمية من 2 غيغاطن اليوم إلى 2.4 غيغاطن بحلول عام 2035، وتبدأ في الاستقرار في أواخر الأربعينيات، لكن استهلاك الوقود الأحفوري يواصل ارتفاعه بنحو 0.5% سنوياً، فتبلغ الانبعاثات السنوية 2.5 غيغاطن بحلول عام 2050. وفي سيناريو السياسات الحالية، ترتفع الانبعاثات إلى أكثر من 3 غيغاطن بحلول منتصف القرن.
ويفضي تراجع إنتاج النفط وارتفاع الطلب في قطاع النقل إلى زيادة صافي واردات النفط في جنوب شرق آسيا من 3.3 ملايين برميل يومياً عام 2024 إلى 4.7 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، و4.8 ملايين برميل يومياً في سيناريو السياسات الحالية. كما يؤدي اجتماع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي وتزايد الطلب عليه إلى تحول المنطقة من مصدّر صاف للغاز إلى مستورد صاف له قبل نهاية هذا العقد. ويُلبى الطلب على الغاز المستورد أساساً عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال في دول مثل سنغافورة وتايلاند والفلبين وفيتنام، حيث يُستخدم الغاز في الغالب لتلبية الطلب المتزايد في قطاعي الكهرباء والصناعة. ويبلغ صافي الواردات قرابة 70 مليار متر مكعب بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، ويقل بنحو 20% في سيناريو السياسات الحالية، بما يعكس طلباً أضعف قليلاً وإنتاجاً محلياً أعلى.
وقد ارتفع إنتاج الفحم في جنوب شرق آسيا ارتفاعاً كبيراً من 400 مليون طن من مكافئ الفحم إلى 670 مليون طن بين عامي 2015 و2024، نتيجة تزايد الاستهلاك في قطاع الكهرباء والطلب القوي على الصادرات، ولا سيما من الصين والهند. غير أن العقد المقبل يُتوقع أن يشهد تحولاً، ففي سيناريو السياسات المعلنة يؤدي تباطؤ نمو الاستهلاك المحلي للفحم وتراجع صادرات الفحم الإندونيسي إلى الصين إلى انخفاض مستمر في إنتاج الفحم الإقليمي ليبلغ نحو 500 مليون طن من مكافئ الفحم عام 2035. أما في سيناريو السياسات الحالية، فيعني ارتفاع الطلب أن إنتاج الفحم يتراجع بوتيرة أبطأ.
8.11.2 تفكيك النمو السريع للطلب على الكهرباء وإمداداتها
سجل جنوب شرق آسيا عام 2024 ثاني أسرع معدل لنمو الطلب على الكهرباء بين المناطق والدول الكبرى، ولم يتفوق عليه في سرعة النمو سوى الصين. فقد ارتفع الطلب بنسبة 7% على أساس سنوي ليبلغ 1,300 تيراواط ساعة، وسجلت إندونيسيا أسرع معدل نمو بأكثر من 9%. وجاء معدل النمو عام 2024 متسقاً مع اتجاه السنوات الأخيرة، إذ ارتفع الطلب على الكهرباء في المنطقة منذ عام 2015 بنسبة 65%، استأثرت الصناعات غير كثيفة الاستهلاك للطاقة بأكثر من 40% منه، مدعومة بكهربة عملياتها، وبات معدل الكهربة الصناعية في المنطقة اليوم مماثلاً لنظيره في الاتحاد الأوروبي.
ويظل جنوب شرق آسيا من أسرع مناطق العالم نمواً في الإنتاج الصناعي حتى عام 2035. وفي سيناريو السياسات المعلنة، يرتفع الطلب على الكهرباء بنحو 4% سنوياً ليبلغ 2,100 تيراواط ساعة بحلول عام 2035، وتسهم مكاسب الكفاءة في كبح نمو الطلب الذي كان سيرتفع لولاها إلى نحو 6% سنوياً. وتستأثر الصناعات غير كثيفة الاستهلاك للطاقة بأكثر من 25% من نمو الطلب على الكهرباء حتى عام 2035، ويرتفع الطلب السنوي لمراكز البيانات من ما يزيد قليلاً على 10 تيراواط ساعة اليوم إلى 25 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، ويتركز جزء كبير منه في سنغافورة وولاية جوهور الماليزية.
ويستأثر تبريد الأماكن بنحو ربع الزيادة في الطلب على الكهرباء حتى عام 2035. فاليوم، ورغم أن احتياجات التبريد في جنوب شرق آسيا من بين الأعلى في العالم، لا يمتلك أجهزة التكييف سوى أقل من 30% من الأسر. وبحلول عام 2035، تتضاعف نسبة الامتلاك بأكثر من مرتين في سيناريو السياسات المعلنة لتقارب المستويات المسجلة في الاقتصادات المتقدمة اليوم. وتشكل السيارات الكهربائية أكثر من 30% من السيارات الجديدة المبيعة بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، ونحو 15% في سيناريو السياسات الحالية، صعوداً من نحو 10% اليوم. وأثرها على نمو الطلب الإجمالي على الكهرباء صغير، لكنها تحل محل نحو 0.5 مليون برميل يومياً من استخدام النفط بحلول عام 2035 في سيناريو السياسات المعلنة، فتجعل الطلب على النفط أدنى بنسبة 6% مما كان سيكون عليه لولاها.
وقد لبى الفحم معظم الزيادة في الطلب على الكهرباء في جنوب شرق آسيا خلال العقدين الماضيين. ويواصل الطلب على الفحم ارتفاعه في سيناريو السياسات المعلنة، لكن الغاز الطبيعي يحل محله بوصفه أكبر مصدر للكهرباء الإضافية. وفي الوقت ذاته، تتسارع إضافات قدرات طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية، بدعم من المبادرات السياسية وتراجع التكاليف، لتستأثرا معاً بنسبة 35% من الكهرباء الإضافية المولدة عام 2035 في هذا السيناريو. ومع الاقتراب من عام 2035، يؤدي تخزين البطاريات دوراً متزايد الأهمية في المساعدة على دمج الحصة المتنامية من الطاقة المتجددة المتغيرة في شبكات الكهرباء، إلى جانب تحديث الشبكات والاستجابة للطلب وتدابير زيادة مرونة أسطول المحطات التقليدية. وتدخل الطاقة النووية مزيج الإمدادات بعد عام 2035، إذ تسعى كل من إندونيسيا وفيتنام إلى تشغيل أول مفاعلاتها بحلول منتصف العقد المقبل. ويرتفع توليد الكهرباء بالفحم بقوة أكبر في سيناريو السياسات الحالية، بفعل تباطؤ تبني طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية.
ويتطلب تلبية النمو المتوقع في الطلب على الكهرباء وضمان أمن الإمدادات توسيع الاستثمار في التوليد والشبكات المحلية والربط البيني. وفي سيناريو السياسات المعلنة، يرتفع إجمالي الاستثمار في قطاع الكهرباء بنسبة 80% ليبلغ 60 مليار دولار عام 2035. وستلزم مصادر تمويل متنوعة لدعم أهداف المنطقة في مجالي الطاقة والاستدامة، بما في ذلك دور لتمويل التحول. غير أن العوائق التنظيمية وعدم استقرار السياسات وارتفاع أسعار الفائدة وغياب الالتزامات المالية العامة لا تزال تعرقل حشد رأس المال اللازم في الاقتصادات الناشئة في جنوب شرق آسيا.
إطار: دور تمويل التحول في جنوب شرق آسيا والعالم
تعد الإجراءات التي تتخذها القطاعات والشركات والدول الأعلى كثافة في الانبعاثات حاسمة لوضع العالم على مسار مستدام، وتحتل الجهود المبذولة داخل منطقة جنوب شرق آسيا مكانة ذات أهمية خاصة. وبينما يحظى دعم الاستثمار الأخضر في المنطقة باهتمام كبير، وسيتعين أن يظل هذا الدعم أولوية في المستقبل، فإن هذا الاستثمار وحده لا يستطيع إحداث كل التغيير اللازم لخفض الانبعاثات، ولا سيما في المجالات التي لم تصبح فيها التقنيات النظيفة متاحة تجارياً أو منافسة من حيث التكلفة بعد. ويمكن لتمويل التحول أن يساعد الدول والشركات والقطاعات كثيفة الانبعاثات على التحول تدريجياً نحو ممارسات مستدامة تتسق مع الأهداف المناخية والتنموية طويلة الأجل.
ولا تزال تدفقات تمويل التحول في جنوب شرق آسيا وغيرها متواضعة حالياً، لكن السيناريوهات المتسقة مع الأهداف الوطنية أو العالمية لخفض الانبعاثات تشير إلى إمكانية حشد ما بين 400 و500 مليار دولار سنوياً من تمويل التحول خلال العقد المقبل، أي ما مجموعه بين 4 و5 تريليونات دولار خلال هذه الفترة، يتجه أكثر من نصفها إلى اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية، وهو حجم يضاهي السوق العالمية الحالية للسندات الخضراء. وقد تباطأ الإقبال عليه حتى الآن بسبب التحديات المرتبطة بتعريف تمويل التحول، لكن في ظل استراتيجيات حكومية ومؤسسية موثوقة، يمكن لهذا التمويل أن يسهم في إطلاق الاستثمار في مشروعات لا تندرج تحت تصنيف التمويل الأخضر، لكنها مع ذلك ضرورية لتحولات مستدامة.
وقد أُعدت إرشادات لتطبيق تمويل التحول في جنوب شرق آسيا في إطار منتدى أسواق رأس المال لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وهو مجموعة من الجهات التنظيمية لأسواق رأس المال. وإدراكاً لأن ليس كل شركة في المنطقة قادرة على الالتزام بهدف 1.5 درجة مئوية، اعتمد الإطار نهجاً متدرجاً يتيح تصنيف الشركات إلى شركات متوافقة أو ساعية إلى التوافق مع هدف 1.5 درجة مئوية، وشركات متوافقة أو ساعية إلى التوافق مع هدف إبقاء الاحترار دون درجتين مئويتين بفارق كبير، وشركات "متقدمة" نحو ذلك، وهي الشركات التي لم تلتزم بعد بهذه الأهداف لكنها تتخذ خطوات للتوافق معها في المستقبل القريب. وتوفر الإرشادات للجهات المعنية إطاراً لتقييم التحول الموثوق في المنطقة وإثباته، وتيسير الحصول على التمويل، كما تقر بالحاجة إلى المرونة لاستيعاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، التي قد تفتقر لولا ذلك إلى القدرات والخبرات اللازمة للمشاركة في سوق تمويل التحول.
