تصدير
يقوم العالم على اتفاقات صامتة لا نكاد نلحظها ما دامت تؤدي وظيفتها: المقبس الذي يتسع للقابس، والكيلوغرام الذي يزن كيلوغراماً في نيروبي كما يزنه في ناجبور، والرمز الشريطي الذي يسجّل ثمن علبة حليب أو يقيّد حاوية في عرض البحر. فالمعايير، أي القواعد المشتركة التي يقوم عليها الاتساق والتوافق والجودة، ليست مجرد تفاصيل فنية، بل هي جزء من البنية التحتية الخفية للاقتصادات الحديثة، ولا تقل أهميتها للرخاء عن الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء. فإذا عوملت منصةَ انطلاق دفعت التنمية إلى الأمام، وإذا تحولت إلى قيد خانق كبّلتها.
لقد تنامى الإقبال العالمي على المعايير تنامياً كبيراً، إذ صدرت معظم المعايير الدولية منذ مطلع هذا القرن، وباتت التدابير غير الجمركية، التي يرتبط كثير منها بالمعايير، تشمل اليوم التجارة العالمية بأسرها تقريباً. ويعكس ذلك تعقّد سلاسل الإمداد، ورقمنة التجارة، وتزايد الطلب على السلامة في البلدان المرتفعة الدخل. ومن ثم أصبح الامتثال للمعايير والإسهام في صياغتها شرطاً مسبقاً لنمو الصادرات وانتشار التكنولوجيا وصمود الخدمات العامة.
غير أن سقف المشاركة الفعلية في وضع المعايير الدولية لا يزال مرتفعاً، وكثيراً ما تغيب البلدان النامية عن هذه العملية. فهي في المتوسط ممثلة في أقل من ثلث اللجان الفنية التي تحدد المعايير العالمية في المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو)، بل في عدد أقل من ذلك من اللجان التابعة لمنظمات ليست هيئات حكومية دولية. والغياب في حقيقته رضوخ لأولويات الاقتصادات المتقدمة، فحين لا تشارك البلدان الأدنى دخلاً تتنازل عن فرص حيوية للدفع بأولوياتها، وتفرّط في خيارات حاسمة لتسريع خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي.
ويقدم هذا التقرير أول تحليل شامل للمشهد العالمي الراهن للمعايير، ويبيّن كيف يمكن للبلدان أن توظفها لتسريع التنمية الاقتصادية، مقدماً إطاراً عملياً للسياسات يلائم البلدان في جميع مراحل نموها. وما أحوج هذا الوقت إلى دروسه، فالتحولات التكنولوجية والجيوسياسية تجعل وضع المعايير مسألة ملحّة؛ إذ يتقدم الذكاء الاصطناعي وغيره من الابتكارات بوتيرة تفوق قدرة البلدان ومنظمات وضع المعايير الدولية على سنّ القواعد. والنتيجة مفارقة خطيرة: فيض من المعايير لمنتجات قليلة الشأن نسبياً مثل رقائق البطاطس المعبأة، في مقابل فجوات هائلة في تقنيات تحويلية عالية المخاطر مثل التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي.
إن المعايير أداة من أدوات السياسات يمكن ضبط درجتها كما يُضبط المؤشر. فالمعايير الطوعية، التي تقودها الصناعة في الغالب، قادرة على نشر الممارسات الجيدة بأساليب مرنة، أما المعايير الإلزامية المستخدمة في اللوائح الحكومية فتحمي الصحة والسلامة والبيئة. والمزج بين المعايير الإلزامية والطوعية، مع تدريجها بحسب قدرة البلدان والمنشآت والمستهلكين على الامتثال لها، يحقق أقصى قدر من الكفاءة ويصون المصلحة العامة في آن واحد. فالمعايير المتدرجة توسّع نطاق المشاركة، إذ تستطيع المنشآت الصغيرة أن تبدأ من مستوى أساسي ثم ترتقي، بدلاً من أن تواجه جرفاً شاهقاً لا يقدر على تسلقه سوى كبار اللاعبين الراسخين في السوق.
ولكي تتحول المعايير إلى منصة انطلاق، ينبغي لحكومات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تقاوم نزعة الإفراط في التنظيم، وأن تركز بدلاً من ذلك على بناء الممكّنات اللازمة للارتقاء بالجودة. ويشمل ذلك تحسين "البنية التحتية للجودة"، التي تضم علم القياس (أي وجود قياسات موثوقة ومتوائمة دولياً)، وتقييم المطابقة (الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات)، والاعتماد ("التحقق ممن يتحققون")، فضلاً عن التوحيد القياسي ذاته. فإذا أدت منظومة البنية التحتية للجودة وظيفتها كما ينبغي، لم تعد المنشآت والمستهلكون بحاجة إلى القلق بشأن الأمور اليومية المعتادة؛ إذ تستطيع المنشآت أن تركز على إثبات جودة منتجاتها بتكلفة معقولة، ويستطيع المستهلكون أن يثقوا بما يشترونه، ويتفرغ المنظمون للتركيز على النتائج.
ويقتضي تجنب الأثر الخانق المحتمل للمعايير أن يتوازن الطموح مع القدرة. فقد يغري الأمر الجهاتِ التنظيمية في بلد ما بنسخ أشد المعايير الدولية صرامة بشأن التلوث مثلاً، للتدليل على جديتها وصدق توجهها، لكن المعايير التي لا تتسق مع قدرة البلد على الامتثال لها وصفة مضمونة للتطبيق المتفاوت والفساد المستشري وتركّز الأسواق. فحيث تكون القدرة على الامتثال قوية، ينبغي للحكومات أن ترفع سقف طموحها وتواءم معاييرها مع القواعد العالمية، وحيث تكون ضعيفة، ينبغي لها أن تكيّف المعايير مع الواقع المحلي وتنشئ في الوقت نفسه آليات لبناء القدرات، على أن تظل المواءمة الكاملة للمعايير هي الهدف النهائي.
وينبغي للبلدان، وللقطاعات داخل كل بلد، أن ترسم مساراً واقعياً لوضع المعايير يتناسب مع مرحلة التنمية الاقتصادية التي بلغتها. ويقترح هذا التقرير إطاراً تدريجياً يقوم على ثلاث خطوات هي التكييف والمواءمة والتأليف. فبالنسبة للبلدان التي تمر بمرحلة مبكرة من التنمية، حيث تكون القدرة على الامتثال منخفضة عادة، يتمثل النهج الأكثر حكمة في تكييف المعايير الدولية بما يلائم الظروف المحلية عند الحاجة. وفي المراحل الأكثر تقدماً، ينبغي أن تسعى إلى مواءمة أسواقها المحلية مع المعايير الدولية. أما في جميع المراحل، فينبغي للبلدان أن تشارك في تأليف المعايير الدولية في المجالات ذات الأولوية التي اكتسبت فيها الخبرة اللازمة، وذلك بحضور اجتماعات لجان منظمات وضع المعايير الدولية، والتعليق على مسودات المعايير، وجمع أصحاب المصلحة المحليين حتى يسري التعلم في الاتجاهين.
وعلى البلدان المرتفعة الدخل والهيئات الدولية نصيبها من العمل كذلك. فعليها أولاً أن تفسح للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مقاعد حول طاولة وضع المعايير، وأن تمنحها الدعم الذي تحتاج إليه لتنجح. وعليها ثانياً أن تقلص الازدواجية في ما يُعرف بـ"وعاء السباغيتي" سيئ السمعة من المعايير الطوعية المتداخلة. وعليها ثالثاً أن تتعاون للحد من التباين، لا سيما في الحالات التي تكون فيها المصلحة العامة مشتركة وتكاليف التشرذم مرتفعة. وفي مجال التكنولوجيا الرائدة، ينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تحث كبرى شركاتها على وضع معايير أساسية، واختبار متانتها مع أصحاب مصلحة متنوعين، قبل أن تتصلب الأسواق حول إعدادات افتراضية مملوكة لجهات بعينها.
وهذا العمل بالغ الأهمية، لأن المعايير هي السبيل الذي تجعل به المجتمعات الخفيَّ جلياً وقابلاً للإدارة. فهي تخفض تكاليف المعاملات، وتنشر المعرفة الفنية، وتتيح التوسع. وفي البيئات التي تشح فيها الثقة تقوم مقام السمعة، وفي البيئات العالية التقنية تكون السبيل الوحيد لتشغيل الأنظمة المعقدة معاً تشغيلاً آمناً. فإذا أُحكمت صياغة المعايير خفّضت حواجز الدخول ووسّعت الفرص وحمت الفئات الضعيفة، وإذا أسيئت صياغتها رسّخت هيمنة اللاعبين الراسخين وعرقلت التقدم.
إن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في سباق مع الزمن، وقد وضعت عدة بلدان متوسطة الدخل نصب أعينها أن تصبح بلداناً مرتفعة الدخل في غضون جيل واحد أو أقل. وللفوز بهذا السباق، عليها أن تخوضه سباقَ تتابع، تكون فيه المعايير هي العصا التي تنتقل من المختبر إلى المصنع إلى الجهة التنظيمية إلى المنفذ الحدودي، ثم تعود عبر التغذية الراجعة والتعلم. وحين تُصمم المعايير وتُطبق على نحو جيد، يركض الفريق بأكمله أسرع.
إندرميت س. جيل
النائب الأول للرئيس ورئيس الخبراء الاقتصاديين
مجموعة البنك الدولي
الرسائل الرئيسية
المعايير هي الأسس الخفية للرخاء. فهي القواعد المشتركة التي تجعل القوابس تتلاءم مع المقابس، والأدوية تعمل بأمان، والأنظمة الرقمية تتصل بسلاسة. وتجسد المعايير المعرفة الجماعية، وتبني الثقة، وتمكّن الاقتصادات من العمل بكفاءة. فإذا أخفقت تشرذمت الأسواق، وإذا نجحت تبعها الرخاء.
لم تكن المعايير قط أكثر أهمية للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مما هي عليه اليوم. فنحو 90% من التجارة العالمية باتت تتشكل اليوم بفعل التدابير غير الجمركية، ويرتبط معظمها بالمعايير. ومن أنظمة الدفع الرقمية إلى محطات شحن المركبات الكهربائية، لا تستطيع التقنيات الجديدة أن تحقق منافع على مستوى الاقتصاد بأكمله إلا بوجود معايير. وإتقان التعامل مع هذه المعايير من شأنه أن يعزز القدرة التنافسية الوطنية ويقي من المخاطر التكنولوجية والمالية والبيئية.
ثمة ثلاثة أنواع من المعايير: معايير القياس التي تكفل قابلية المقارنة والدقة، ومعايير التوافق التي تتيح قابلية التشغيل البيني، ومعايير الجودة التي تحدد مستوى الأداء المقبول.
تبدأ معظم المعايير جهوداً طوعية، لكن الحكومات هي التي تمنحها ثقلها. إذ تصوغ الجهات الخاصة المعايير الطوعية لتلبية احتياجات السوق أو المجتمع، ثم تعزز الحكومات أثرها بجمع أصحاب المصلحة وإدراج المعايير الحاسمة في اللوائح التنظيمية حين تكون السلامة العامة على المحك.
المعايير أداة متعددة الاستخدامات في السياسة الاقتصادية. فبوسع الحكومات أن تستخدم المعايير الطوعية لدفع الابتكار وتقديم الإرشاد الفني بشأن الامتثال للوائح، كما يمكنها أن تجعلها إلزامية حين يكون الامتثال الموحد ضرورياً لحماية الصحة أو السلامة أو البيئة. ويمكن للحكومات فضلاً عن ذلك أن توظف المعايير أداةً للسياسة الصناعية دون الإحالة إلى تقنيات أو منشآت بعينها.
يجب أن يتناسب الطموح مع القدرة. فعلى البلدان أن تتبع مساراً يراعي مرحلة تنميتها الاقتصادية، فتبدأ بتكييف المعايير الدولية مع الواقع المحلي عند الحاجة، ثم تتواءم معها كلما نضجت مؤسساتها، وتشارك بفاعلية في تأليف المعايير في المجالات ذات الأولوية مع نمو قدراتها. ويجسد برنامج "زاموكانا أوبوزيراننغي" (أي "انمُ مع المعايير") في رواندا هذا المسار، إذ يساعد المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة على التقدم خطوة بخطوة نحو الامتثال للمعايير الدولية.
الاستثمار في البنية التحتية المعززة للجودة هو ما يجعل المعايير تؤدي عملها على نحو جيد. فمنظومة الاختبار ومنح الشهادات وعلم القياس والاعتماد في البلد هي ما يمنح المعايير فاعليتها. وهذه المنظومات مكلفة في بنائها وسهلة الإهمال. وينبغي للبلدان أن تبدأ بتوفير خدمات تعزيز الجودة عبر القطاع العام في القطاعات الرئيسية، ثم تفتح هذه الخدمات تدريجياً أمام مشاركة القطاع الخاص. وفي أماكن كثيرة تبدو فجوات القدرات صارخة، فلدى إثيوبيا أقل من 100 مدقق معتمد للتحقق من الامتثال لمعايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو)، مقابل 12000 مدقق في ألمانيا.
تبنّي المعايير مجزٍ، لكن ارتفاع التكاليف والتعقيد يعوقان المنشآت. فقد تبلغ تكاليف الامتثال ومنح الشهادات ما يصل إلى 425000 دولار أمريكي للمنشأة الواحدة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ومن شأن تبسيط إجراءات منح الشهادات، والاعتراف بالتكافؤ الإقليمي، والحد من تداخل اللوائح أن يكسر فخ الجودة المتدنية الذي يجد كثير من هذه البلدان نفسه عالقاً فيه. كما أن التنسيق والاعتراف المتبادل قادران على خفض تكاليف التجارة خفضاً كبيراً وإطلاق الإمكانات التصديرية للبلدان.
المعايير تجعل خدمات الرعاية الصحية والتعليم أكثر فاعلية. فهي تمنح الجهود المبذولة في هذين المجالين موثوقيتها، بضمان تدريب الأطباء تدريباً سليماً، وفاعلية اللقاحات، واستيفاء الأدوية والمدارس لمعايير الجودة. ففي مجال الرعاية الصحية، تعود 60% من الوفيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى حالات كان يمكن الوقاية منها أو علاجها برعاية عالية الجودة. وقد أسهمت معايير إجرائية بسيطة، مثل قوائم التحقق الخاصة بالولادة في المستشفيات، في خفض وفيات الأمهات بنحو 47% في الهند. وفي مجال التعليم، ساعدت معايير واضحة لجودة التدريس ولاية سيارا البرازيلية على رفع معدلات القراءة والكتابة في الصفوف الأولى إلى مستويات تقارب الشمول الكامل خلال عقدين من تطبيق تلك المعايير.
المعايير البيئية والتكنولوجية ضرورية لإدارة المخاطر العالمية. فاليوم يتنفس 99% من سكان العالم هواءً أشد تلوثاً مما تعدّه إرشادات منظمة الصحة العالمية آمناً، وهو ما يكلّف أرواحاً ويهدر إنتاجية. ومن شأن الامتثال لهذه الإرشادات أن يضيف قرابة عامين إلى متوسط العمر المتوقع على مستوى العالم. ومع ذلك، فإن المعايير الموحدة التي تُفرض على الجميع دون تمييز قد تثقل كاهل الحكومات ذات القدرة المحدودة على إنفاذها. ولذلك تمثل المناهج المتدرجة الميسورة التكلفة، المقرونة بالرصد والإنفاذ، مفتاحاً لتحقيق انتقال عادل إلى اقتصاد منخفض الكربون.
معايير الحوكمة تجعل الحكومات أكثر فاعلية. فهي الأسلاك الخفية التي تحوّل السلطة التقديرية إلى انضباط في القطاع العام، الذي يضم اليوم 373 مليون موظف حول العالم. ومن شأن وضع معايير واضحة للتوظيف والأجور والمشتريات أن يعزز الشفافية والكفاءة.
ولكي تصبح المعايير منصة انطلاق للتنمية، ينبغي للبلدان أن تخلق حوافز تدفع المنشآت إلى الارتقاء بجودة صادراتها بدلاً من فرض اشتراطات غير واقعية، وأن تكيّف المعايير وترتّب تطبيقها بما يتناسب مع القدرة الوطنية على إنفاذها، وأن تشارك بفاعلية في المحافل الدولية لوضع المعايير، وأن تستثمر في موارد البنية التحتية للجودة وتتقاسمها على المستوى الإقليمي.
أما المجتمع الدولي فعليه من جانبه أن يدعم مشاركة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في وضع المعايير الدولية، وأن يصمم معايير متدرجة تعكس تفاوت القدرات بين البلدان، وأن يعمّق التعاون التنظيمي ويحد من التشرذم، وأن يضع معايير موثوقة للتقنيات الناشئة ولإجراءات منع تغير المناخ أو التخفيف من آثاره، وأن يوسع نطاق البحوث والبيانات المتعلقة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية للمعايير.
المعايير مهمة للتنمية. فالبلدان التي تأخذها مأخذ الجد تمضي قدماً، والبلدان التي تتجاهلها تخاطر بالتخلف عن الركب.
لمحة عامة
"من يملك المعايير يملك السوق." فيرنر فون سيمنز
المعايير: المحفّز الصامت
طالما أسهمت الاتفاقات التجارية في تيسير حركة الاقتصاد العالمي، فقد ذللت العقبات العابرة للحدود، وأرست نفاذاً منتظماً يمكن التنبؤ به إلى الأسواق، وأدخلت قواعد موحدة في التنظيم المحلي، بما يتيح انتقال المنتجات على نطاق واسع. غير أن الثورة الحقيقية جاءت بهدوء، وفي وقت قريب نسبياً، على يد رائد أعمال أمريكي في مجال النقل بالشاحنات يدعى مالكوم ماكلين في منتصف خمسينيات القرن العشرين.
فحتى ذلك الحين، كانت البضائع تُنقل بأساليب لم تكد تتغير على مر القرون. إذ كان لا بد من تحميل الشحنات قطعة قطعة، في صناديق خشبية أو أكياس أو براميل، على العربات والشاحنات والقطارات والسفن. وفي كل مرحلة كانت البضائع تُنزل كلها من وسيلة نقل ثم يعاد تحميلها على الوسيلة التالية، وعادة ما يتطلب ذلك أنواعاً مختلفة من المعدات المتخصصة. فجاء ماكلين ووحّد مواصفات الصندوق الفولاذي المتواضع، وهيأه ليُحمّل بسهولة ويُشحن عبر جميع وسائل النقل برّاً وسككاً حديدية وجوّاً وبحراً. وبذلك سحق تكاليف المناولة وقلّص التأخير، فانخفضت تكلفة الشحن بنسبة لا تقل عن 25%، وتراجعت مخاطر السرقة والتلف. وإذا كانت المعاهدات قد مهدت المسرح لصعود العولمة بعد الحرب العالمية الثانية، فإن حاوية ماكلين هي التي جعلت العرض ممكناً.
ولم يقتصر أثر التوحيد القياسي الذي أرساه ماكلين على تنظيم الشحن، بل منحت الحاويات الموحدة العالمَ لغة تجارية مشتركة. فالحاوية التي تُختم في شنغهاي يمكن أن تُنزل من سفينة في روتردام إلى شاحنة، ونادراً ما تُفتح أو تمسها يد بشرية. لقد حولت المعايير الفوضى إلى نظام، وأطلقت المعجزات الاقتصادية للتصنيع في الوقت المحدد. فكبرت السفن، وتكاثرت سلاسل الإمداد، وازدهرت التجارة. ثم ضاعف ماكلين زخم هذه العملية حين منح المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) تراخيص مجانية لبراءات اختراعه الخاصة بالحاويات.
وفي عام 1965 قننت الأيزو كل ما يتعلق بالحاويات تقريباً: الأبعاد، وقواعد التكديس، وأقفال التثبيت الدوارة، والمتانة، والرفع. وفجأة أصبح هناك دليل عمل واحد، وتحققت قابلية التشغيل البيني على مستوى العالم.
وكان المردود استثنائياً. فقد منحت الحاويات التجارة دفعة دائمة، تمثلت في قفزة تراكمية بلغت 1240% في التجارة بين الاقتصادات المتقدمة بعد 15 عاماً، وهي بحسب تقديرات كثيرة تفوق الأثر المجتمع لجميع الاتفاقات التجارية المبرمة خلال نصف القرن السابق. وفي 22 بلداً صناعياً، رفعت الحاويات الموحدة التجارة الثنائية بنسبة 300% في 5 سنوات فقط، وبنحو 800% في 20 عاماً، متجاوزة بكثير الزيادة البالغة 45% التي حققتها اتفاقات التجارة الحرة الثنائية خلال الأعوام العشرين ذاتها، وزيادة 285% الناجمة عن العضوية في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، سلف منظمة التجارة العالمية.
واليوم تعود الاحتكاكات التجارية إلى التصاعد في أنحاء العالم، غير أن التعريفات الجمركية ليست سوى أوضح أشكال هذا الداء، لا أهمها. فالمعايير، في صورة تدابير غير جمركية مثل اشتراطات وسم المنتجات واختبارات السلامة، تؤثر اليوم في نحو 90% من التجارة، بعد أن كانت النسبة 15% في أواخر تسعينيات القرن الماضي. وكثيراً ما تراكم هذه المعايير المشكلات على البلدان النامية، فتزيد من حدة التراجع في تدفقات التجارة الدولية الخارجة منها والاستثمار الأجنبي المتجه إليها.
ولننظر في مجال واحد فقط هو المناخ. فآلية تعديل حدود الكربون التي أقرها الاتحاد الأوروبي مصممة لضمان أن تخفض الانبعاثاتِ لا الشركاتُ الأوروبية وحدها، بل الموردون العالميون للاتحاد الأوروبي أيضاً. وهي تفرض سعراً للكربون على الواردات في ستة قطاعات هي الإسمنت والألومنيوم والحديد والصلب والأسمدة والهيدروجين والكهرباء. ويتعين على الشركات التي تصدر سلعها إلى الاتحاد الأوروبي أن تقيس الانبعاثات الناجمة عن منتجاتها وتبلغ عنها وتتحقق منها وفقاً لمعايير مقررة. فإذا عجزت عن تقديم بيانات موثوقة على مستوى المصنع، لجأ الاتحاد الأوروبي إلى قيم افتراضية قد تبالغ في تقدير مستويات الانبعاثات الفعلية.
وتمثل آلية تعديل حدود الكربون أكثر تجارب السياسة المناخية طموحاً في العالم حتى الآن، وهي مسعى جاد لخفض الانبعاثات يعكس قيم الاتحاد الأوروبي في ما يخص الاستدامة والإنصاف ومسؤولية المستهلك. ومع ذلك فإنها تهدد بتوسيع الهوة العالمية بين البلدان الغنية والفقيرة.
فهي تمكّن الشركات في الاقتصادات المتقدمة، التي تملك منظومة امتثال قوية، من الحصول على ميزة كبيرة، بينما تحاصر المنشآت في الاقتصادات الأقل نمواً. وتواجه موزمبيق، التي ترسل نحو 90% من ألومنيومها إلى الاتحاد الأوروبي، خطراً خاصاً جراء هذه السياسة، وكذلك جمهورية مصر العربية التي تصدر قرابة نصف أسمدتها النيتروجينية إلى سوق الاتحاد الأوروبي.
وإليك مثالاً آخر: تعكف لجنة بازل للرقابة المصرفية على استحداث أول معايير عالمية لتعرّض المصارف للأصول المشفرة، تشمل البيتكوين والإيثيريوم والعملات المستقرة وغيرها. ومن المقرر أن تدخل هذه المعايير حيز التنفيذ في عام 2026، وستحدد كيفية حساب المصارف لمتطلبات رأس المال في سوق تبلغ قيمتها 4 تريليونات دولار أمريكي ظلت حتى الآن تعمل في منطقة رمادية من الناحية التنظيمية.
إن معايير بازل تعيد كتابة قواعد العمل المصرفي، فهي تسعى إلى إرساء النظام في منظومة متقلبة من خلال تحديد أعباء رأسمالية واضحة وحدود لتعرض المصارف للمخاطر. والهدف ليس خنق الابتكار، بل ترسيخه على أساس من الحيطة، عبر إطار عالمي واحد يحل محل القواعد الوطنية المتشرذمة. وكما تحفظ الحاوية حمولتها سالمة من ميناء إلى آخر، تعد هذه المعايير المالية بقدر من القدرة على التنبؤ في الحالات التي يمكن أن يمتد فيها عدم الاستقرار عبر الحدود.
ولا يقتصر استخدام المعايير لإدارة المخاطر على العمل المصرفي. فالتقنيات الرائدة، من وسائل التواصل الاجتماعي القائمة على إثارة الدوبامين والذكاء الاصطناعي إلى الكائنات المرآتية والحوسبة الكمومية، تنطوي على مخاطر جسيمة، ومع ذلك تفتقر حتى إلى أبسط الضوابط العالمية. وفي الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حول المعايير، تقضي الجغرافيا السياسية على التنسيق الذي يحتاج إليه العالم أشد الحاجة. ويشير هذا التقرير إلى المعايير بوصفها محفزاً صامتاً لا للتنمية الاقتصادية فحسب، بل للتعاون الدولي أيضاً.
المعايير منصاتٍ للانطلاق
تمثل المعايير ركيزة أكبر النقاشات المتعلقة بالسياسات في عصرنا. فهي صامتة حين تنجح، أما حين تخفق أو تغيب فلا يمكن أن تخطئ العين الفوضى الناجمة.
وكما تبيّن الأمثلة الواردة آنفاً، تعالج المعايير مشكلات التنسيق، وتحل إخفاقات السوق الناجمة عن رداءة المعلومات وعن الآثار الخارجية. وهي تبني الثقة بين المستهلكين، وتتيح للمنتجين أن يتاجروا ويجنوا وفورات الحجم. وباختصار، فإنها تجعل الأسواق تعمل على نحو أفضل.
الأبعاد الثلاثة للمعايير
يحدد تقرير عن التنمية في العالم 2025 ثلاث وظائف حاسمة للمعايير: القياس، أي الاتساق في القياس الذي لا غنى عنه للبناء والاختبار ومنح الشهادات؛ والتوافق، أي قابلية التشغيل البيني وقابلية الإحلال اللتان تتيحان التوسع والنظام؛ والجودة، أي خطوط الأساس للأداء والسلامة والموثوقية.
وليست هذه الوظائف الثلاث مجرد مبادئ مجردة مستمدة من النظرية الاقتصادية، بل إنها مجتمعة تجعل المعايير لبنة من لبنات التنمية الاقتصادية، بل أساسها أحياناً. ولننظر في الهند والولايات المتحدة وجمهورية كوريا، وهي على التوالي أكبر ديمقراطية في العالم، وأكبر اقتصاداته، وواحد من أكثر مجتمعاته ابتكاراً.
يبيّن تاريخ الهند بعد الاستقلال كيف تصنع معايير القياس الاتحادات الاقتصادية. فبعد أن أصبحت الهند دولة ذات سيادة عام 1947، أطلقت عام 1950 أول مسح وطني بالعينة لمستويات المعيشة. وكشف المسح عن افتقار لافت إلى توحيد الأوزان والمقاييس في المناطق الريفية من البلاد، إذ كان هناك 143 نظاماً مختلفاً لقياس الوزن، و150 نظاماً مختلفاً لقياس الحجم، و180 نظاماً لقياس مساحة الأرض. وكان هذا الافتقار إلى الاتساق الذي أعاق الاتحاد الاقتصادي للهند يشبه الفوضى التي سادت فرنسا قبل أن يرسي النظام المتري النظام فيها، إذ كان لدى فرنسا في القرن الثامن عشر نحو 250000 وحدة محلية للأوزان والمقاييس.
فما الحل؟ لقد كان "تهنيد" النظام المتري، أي إضفاء الطابع الهندي عليه، بدلاً من التمسك بالوحدات الإمبراطورية البريطانية وما يرتبط بها من إرث استعماري. وتطلب ذلك جهداً هائلاً شمل معايير فنية جديدة، وتثقيفاً على مستوى البلاد، ومواد متعددة اللغات، ومناهج دراسية مجددة.
واعتمدت الهند النظام المتري عام 1956، وأضفت عليه الصفة القانونية عام 1958، وجعلته إلزامياً بحلول عام 1962. وكان الانتقال مؤلماً لكنه كان محورياً. واليوم تُعد الهند رابع أكبر اتحاد اقتصادي في العالم، قائم على أساس متين من الاتساق في القياس.
أما الولايات المتحدة فهي أكبر اقتصاد في العالم منذ أكثر من قرن. وكثيراً ما يُعزى صعودها إلى ريادة الصناعة التحويلية العالمية بحلول منتصف القرن العشرين إلى رواد أعمال مثل هنري فورد، الذي غيرت نماذجه للإنتاج الضخم المنشآت في أنحاء العالم. غير أن تفوق الولايات المتحدة الصناعي لم يكن مجرد خط تجميع فورد، بل كان أيضاً ثمرة سعي الحكومة إلى "التبسيط"، الذي انطلق خلال الحرب العالمية الأولى، لدفع الصناعة نحو التوافق من خلال توحيد المقاسات وتقليل عددها والإنتاج الضخم. فقد كانت المعايير الصناعية في أوائل القرن العشرين داخلية في معظمها، وكان التشرذم مستشرياً، تغذيه شبكة متشابكة من القواعد على مستوى الولايات والمستوى المحلي والطلبيات المصنوعة حسب الطلب. ففي عام 1914 كانت المراتب تُصنع بثمانية وسبعين مقاساً، وفي غضون عقد واحد انخفض هذا العدد إلى 4 مقاسات تغطي 90% من الإنتاج.
وقلّصت الأجهزة الحكومية في زمن الحرب، بالعمل من خلال الاتحادات التجارية، تنوع المنتجات في نحو 250 خط إنتاج خلال 18 شهراً. ثم أحيا الرئيس هوفر هذا الجهد وأضفى عليه طابعاً مؤسسياً في عشرينيات القرن العشرين، فأنشأ شعبة الممارسات المبسطة لتكون وسيطاً محايداً لوضع معايير طوعية على مستوى الصناعة بأكملها. وأسفرت النجاحات الأولى في مجالات مثل طوب الرصف والمراتب ونوابض الأسرّة عن خفض أنواع المنتجات بأكثر من 90%. وبحلول أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، كانت هناك 135 توصية من توصيات الممارسات المبسطة سارية، ارتفعت إلى 173 بحلول عام 1939، وإلى 267 بحلول عام 1971. وكانت كل توصية منها توثق الصلة بين التصميم والكفاءة، فتقلل الهدر وتخفض التكاليف وتحرر رؤوس الأموال للابتكار.
لقد كانت معايير التوافق محرك قفزة الولايات المتحدة في الإنتاج والاستهلاك الضخمين، إذ حولت التنوع إلى نطاق واسع، والهدر إلى كفاءة. وما بدا تمريناً فنياً كان في الحقيقة سياسة اقتصادية ذات قوة غير مألوفة، ضاعفت الإنتاجية بهدوء عبر اقتصاد بأكمله.
وإذا قيس الابتكار بعدد طلبات براءات الاختراع للفرد، فقد تكون جمهورية كوريا أكثر اقتصادات العالم ابتكاراً اليوم، وهي بلا شك واحدة من أنجح قصص التنمية في التاريخ الحديث.
فقد بنت كوريا صعودها من أنقاض ما بعد الحرب إلى قوة تكنولوجية عظمى على أساس من معايير الجودة. وأدمجت الارتقاء بالجودة في استراتيجيتها الوطنية، وانتقلت من تبني المعايير العالمية إلى المشاركة في تشكيلها، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وسعياً إلى الفوز في أسواق التصدير في ستينيات القرن العشرين، بنت كوريا بنية تحتية وطنية للجودة تشمل علم القياس والتوحيد القياسي وتقييم المطابقة والاعتماد. فقد أنشأ قانونا علم القياس والتوحيد القياسي الصناعي الصادران عام 1961 المعاييرَ الصناعية الكورية، وتولت الجمعية الكورية للمعايير نشرها. وربط قانون فحص الصادرات الصادر عام 1962 الامتثالَ بجدوى التصدير. كما أسهم نظام شهادة علامة "KS" الذي أُطلق عام 1961، وما رافقه من أفضلية في المشتريات الحكومية للمنتجات الحاملة لهذه الشهادة، في دفع المنشآت إلى تبني المعايير.
ومع نمو صناعاتها الثقيلة والكيميائية، بدعم من ألمانيا والولايات المتحدة، حدّثت كوريا منظومة القياس لديها عبر معهد كوريا لبحوث المعايير، الذي أصبح يعرف اليوم بمعهد كوريا لبحوث المعايير والعلوم. ونص تعديل دستوري أُقر عام 1980 على إنشاء منظومة وطنية للمعايير، تدعمها خطة البلاد العشرية للتوحيد القياسي الصناعي والخطط الخمسية اللاحقة.
ومع مضي كوريا بلا هوادة في الارتقاء بهيكلها الاقتصادي بين عامي 1996 و2014، دمجت التوحيد القياسي بالابتكار. واكتسبت الهيئات الخاصة دوراً أكبر في صياغة المعايير، وكثفت كوريا مشاركتها في منظمات وضع المعايير الدولية، أي المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) واللجنة الكهروتقنية الدولية، وفي الاتحادات التكنولوجية مثل مشروع شراكة الجيل الثالث ومشروع شراكة الاتصال بين الآلات. وبذلك انتقلت من بلد يطبق معايير وضعها آخرون، أي "متلقٍّ للمعايير"، إلى بلد يشارك في وضع المعايير بل ويقوده، أي "صانع للمعايير".
والدرس المستفاد أن كوريا تعاملت مع المعايير بوصفها بنية تحتية اقتصادية معززة للجودة. وقد قرنت الدولة رؤيتها بقوانين ومؤسسات وحوافز، أبرزها مزايا المشتريات الحكومية للمنتجات الحاملة لشهادة علامة "KS"، كما حافظت خططها الطويلة الأجل وبناء القدرات على استمرار الزخم. وقد نتج التقدم الاقتصادي السريع لكوريا القائم على "تخطي المراحل" عن استثمار منسق بين القطاعين العام والخاص، واقتباس ذكي للمعرفة الفنية الأجنبية، وبناء الخبرة في التوحيد القياسي، وجعل هذه الخبرة مكملة للارتقاء الصناعي.
التكييف والمواءمة والتأليف: كيف تدعم المعايير التنمية
تدور التنمية في جوهرها حول الانتقال نحو سلع وخدمات ومؤسسات وبنية تحتية ونوعية حياة أعلى جودة. وكما أوضحت الأمثلة الواردة في الأقسام السابقة، تؤدي المعايير دوراً محفزاً في هذه الرحلة.
وثمة سؤال جوهري: كيف ينبغي للبلدان أن تقرر المعايير التي تستخدمها، وكيف ستتغير هذه القرارات مع تقدم التنمية الاقتصادية؟ ففي المستويات المنخفضة من التنمية، قد تحتاج البلدان إلى تكييف المعايير الدولية مع الظروف المحلية، لا سيما إذا كانت ستجعلها معايير إلزامية. غير أن الأسواق العالمية لا تنحني، فالمشترون يتوقعون امتثالاً كاملاً للمعايير الدولية الخاصة بالاتساق (بما فيه السلامة) والتوافق والجودة، فلا مبيعات دون امتثال. أما في الأسواق المحلية فالتكييف ممكن لكنه محفوف بالمخاطر، إذ قد تستحوذ الصناعة على العملية، فتميّع المعايير، وتجعل التراجع عنها عسيراً، وتحبس البلدان في قواعد متدنية الجودة ومستويات أدنى من التنمية. ولذلك ينبغي أن يكون الخروج عن المعايير الدولية الملاذ الأخير، فلا يُلجأ إليه إلا حين يتعذر بعدُ تعزيز قدرة المنشآت على استيفاء تلك المعايير.
وحين تكيّف البلدان النامية المعايير الدولية مع الظروف المحلية، فإنها تحتاج إلى الموازنة بين طموح هذه المعايير، من حيث صرامتها واتساع المجالات التي تغطيها، وبين قدرة المنشآت فيها على الامتثال لها.
فحين توضع المعايير الإلزامية عند مستوى متدنٍّ للغاية، يخسر المجتمع على صعيد جودة التعليم والرعاية الصحية وسلامة الغذاء وحماية البيئة. وحين توضع عند مستوى مرتفع للغاية وتثقل كاهل المنتجين بتكاليف امتثال باهظة، ترتفع الأسعار ارتفاعاً حاداً وتُقصي المستهلكين، فيخسر المجتمع مرة أخرى. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي فرض اشتراطات إبلاغ تتجاوز ما تستطيع المنشآت الصغيرة الوفاء به إلى إخراجها من السوق، كما هو الحال مع القواعد الصارمة لسلامة منتجات الألبان التي لا يقدر على تحمل تكاليف الامتثال لها سوى كبار المنتجين الصناعيين. والأسوأ من ذلك أن اللوائح الطموحة التي تفتقر إلى قوة الإنفاذ تفتح الباب أمام التطبيق المتفاوت والفساد المحتمل، وقد تغير مسار تنمية البلد إلى الأبد. ومن ثم فإن المهمة المحورية هي تحقيق التوازن الصحيح بين الطموح والقدرة.
ومع تنامي قدرة البلدان على الامتثال، ينبغي لها أن تواءم معايير السوق المحلية مع المعايير الدولية. وفي ذلك فائدة، لأن المعايير الدولية تعكس ممارسات دولية جيدة يمكن للبلدان أن تتعلم منها. وتشجع اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن العوائق الفنية أمام التجارة على مواءمة المعايير الوطنية مع المعايير الدولية، لضمان ألا تعرقل التدابير التي تتخذها البلدان لتحقيق أهداف عامة مشروعة، كالصحة والسلامة وحماية البيئة، حركة التجارة دون داعٍ. يضاف إلى ذلك أن مواءمة المعايير الوطنية مع الدولية تضمن ألا تضطر المنشآت في البلد إلى إنتاج نسخة للسوق المحلية وأخرى للتصدير. أما في المجالات غير القابلة للتداول تجارياً، كالتعليم والرعاية الصحية والإدارة العامة، فيجب أن تكون المعايير أكثر مراعاة للسياق، مع وجود مسار واضح للتحسين. وفي هذه المجالات، ورغم أن المعايير الدولية يمكن أن تكون مرجعاً للمقارنة، قد تحتاج البلدان النامية إلى وضع معاييرها الخاصة. وينبغي لعملية وضع المعايير ذاتها أن تشجع هذه البلدان على معالجة أولوياتها وقدراتها ضمن سياقات سياسية وثقافية محددة.
ومع ازدياد ثراء البلدان، ينبغي لها أن تنشط عن قصد في تأليف المعايير الدولية، سواء بوضع معايير جديدة أو بتحديث المعايير القائمة استناداً إلى تجربتها واحتياجاتها. فالمشاركة الفاعلة في وضع المعايير الدولية مهمة حتى لو كانت الخبرة الفنية للبلد محدودة في المجالات التي تنظمها تلك المعايير، إذ تتيح له عرض تحدياته وأولوياته، ومن ثم التأثير في ما ينبغي أن تشمله المعايير. فضلاً عن ذلك، تمثل منظمات وضع المعايير الدولية بيئات للتعلم، وتساعد البلدان على اكتساب فهم أعمق لكيفية وضع المعايير من خلال التفاعل مع المشاركين من الدول الأخرى ومع أصحاب المصلحة. وبطبيعة الحال، سيتوقف مستوى مشاركة البلد على أولوياته وخبرته في قطاعات بعينها.
ولا يسير مسار المعايير، من التكييف إلى المواءمة إلى التأليف، على نحو خطي أو موحد عبر القطاعات. فبوسع البلدان أن تتنقل بين خيارات التكييف والمواءمة والتأليف في مجالات مختلفة وبسرعات متفاوتة. فإثيوبيا مثلاً تؤلف معايير لإنتاج حبوبها المحلية المعروفة بالتيف، في حين تكيّف المعايير في مجالات أخرى. والهند تتولى الريادة في وضع المعايير الدولية للكهربة المنخفضة الجهد، بينما تكيّف معايير كفاءة استهلاك الوقود. ويجسد الانتقال من التكييف إلى المواءمة إلى التأليف تفاعلاً معقداً بين التقدم العلمي والتكنولوجي، والتقاليد الثقافية، والتفضيلات الاجتماعية، والبراغماتية الاقتصادية، ومصالح الأعمال، والطموح السياسي والقوة. وفهم عملية الانتقال هذه أمر بالغ الأهمية لصناع السياسات والمنشآت والمجتمع المدني، وهم يشقون طريقهم في مشهد عالمي للمعايير يزداد تعقيداً.
بناء القدرة على الامتثال للمعايير
لا يقتصر بناء القدرة على الامتثال للمعايير على تعليم المنشآت كيف تستوفي الخانات الصحيحة، بل يعني إنشاء منظومة متكاملة تجعل الجودة هي القاعدة. وتسمى هذه المنظومة من المؤسسات العامة والخاصة "البنية التحتية للجودة". ورغم أنها توصف بأنها نوع من البنية التحتية، فلا ينبغي الخلط بينها وبين المنشآت المادية كالطرق والجسور، بل إنها تمثل العمود الفقري للجودة وأساسها، وتتألف من أربعة مكونات تضمن تطبيق المعايير تطبيقاً صحيحاً ومتسقاً: التوحيد القياسي، أي تحديد المواصفات الفنية وغيرها من الأمور كمنهجية الاختبار؛ والمطابقة، أي إثبات استيفاء المتطلبات المحددة لمنتج أو عملية أو نظام أو شخص أو منظمة؛ والاعتماد، أي "التحقق ممن يتحققون" لضمان الكفاءة الفنية لهيئات تقييم المطابقة؛ وعلم القياس، أي ضمان دقة القياس واتساقه من خلال علم القياس وتطبيقاته.
وتخدم هذه المكونات مجتمعة كل قطاع وكل معيار، طوعياً كان أو إلزامياً. فالمختبر المعتمد من المشتري داخل مصنع للملابس، ومفتشو الصحة في المستشفيات، وفرق مراقبة الأسواق التي تسحب الألعاب غير الآمنة من الرفوف، كلها أمثلة على دور البنية التحتية للجودة. وحين تعمل منظومة البنية التحتية للجودة بسلاسة، تستطيع المنشآت إثبات الجودة، ويستطيع المنظمون إنفاذ القواعد، ويستطيع المستهلكون الوثوق بما يشترونه.
وفي الاقتصادات الأكثر ثراءً، تتولى مؤسسات متمايزة في العادة وظائف مختلفة، كوضع المعايير، وضمان دقة القياسات، والتحقق من كفاءة جهات منح الشهادات عن طريق الاعتماد. أما البلدان النامية فكثيراً ما تدمج هذه الأدوار في منظمة واحدة بسبب محدودية الموارد. بيد أن هذا الدمج قد يولّد تضارباً في المصالح، وأخطر صوره أن تتولى هيئة واحدة منح الشهادات للمنتجات (تقييم المطابقة) وتقييم جهات منح الشهادات الأخرى (الاعتماد) في آن معاً. فهذا الدور المزدوج يخل بالحياد ويقوض الثقة. فالمنظمة التي تشهد باستدامة منتج ما مثلاً، لا ينبغي أن تكون هي ذاتها من يقرر أي المنظمات الأخرى مؤهلة لإصدار مثل هذه الشهادات.
وينشأ تضارب آخر من الجمع بين وضع المعايير وتقييم المطابقة. وتشيع هذه الممارسة بوجه خاص في البلدان النامية، حيث تعتمد هيئات التقييس الوطنية في الغالب على الإيرادات المتأتية من تقييم المطابقة. ففي 94% من البلدان المنخفضة الدخل و82% من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، تشارك هيئات التقييس الوطنية في تقييم المطابقة. وفي المجموعة الأخيرة من البلدان، قد تمثل خدمات تقييم المطابقة نحو 40% من إيرادات هيئات التقييس الوطنية. ورغم أن إرشادات الأيزو تقتضي الفصل بين وظيفتي وضع المعايير وتقييم المطابقة لها، فإن محدودية الموارد في البلدان النامية كثيراً ما تجعل تطبيق هذا الفصل أمراً عسيراً.
ومع تقدم البلدان في مسار التنمية، يجب أن يتطور نهجها في بناء القدرة على الامتثال للمعايير الطوعية والإلزامية. ففي المراحل الأولى، تحتاج البلدان إلى بناء الأساسيات من خلال الاستثمار في البنية التحتية التأسيسية للجودة كعلم القياس. وعادة ما يضطلع القطاع العام في هذه المرحلة بدور قيادي في تقديم خدمات الاختبار ومنح الشهادات، لأن الأسواق الخاصة لم تبلغ بعدُ العمق الكافي. كما تحتاج الحكومات إلى إيلاء الأولوية للمعايير الإلزامية المتعلقة بالأنشطة التي تمس الحياة والموت، كالبناء والطب.
ومع ارتقاء البلدان في سلم التنمية، يمكنها أن توسع أهداف بنيتها التحتية العامة للجودة لتشمل مجالات أكثر، في الوقت الذي تفسح فيه المجال لمزيد من هيئات الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات الخاصة، التي قد تشرف الحكومة على جدارتها بالثقة عن طريق الاعتماد. وفي نهاية المطاف، تغطي البنية التحتية للجودة في البلدان الأهداف العامة على نحو أشمل. وفي هذه المرحلة ينبغي للبلدان أن توازن بين مناهجها في تطوير البنية التحتية للجودة، فتتولى الحكومة دور "الحَكَم" بينما يتولى القطاع الخاص معظم المسائل المتعلقة بالامتثال.
وعند بناء البنية التحتية للجودة عبر هذه المراحل الثلاث، ينبغي للبلدان أن ترتب استثماراتها وفقاً لاحتياجات السوق والمجتمع، وأن تحول دون تضارب المصالح المؤسسي.
ورغم أن تقسيم الأدوار بين القطاعين العام والخاص يمثل شاغلاً رئيسياً، فإن البلدان النامية تستطيع أن تعزز قدرتها على الامتثال بالعمل مع منظمات المجتمع المدني، كجمعيات المستهلكين والهيئات المهنية.
ومع أن الشركات هي التي تضع معظم المعايير الطوعية لضمان جودة مدخلاتها ومنتجاتها وعملياتها وسلامتها، فإن هذا التقرير يركز على المعايير الطوعية التي تضعها المنظمات الوطنية والدولية للتقييس بالتوافق بين مختلف أصحاب المصلحة، ومنهم الصناعة والأوساط الأكاديمية والحكومة والمستهلكون والمجتمع المدني.
هيمنة الحكومات على هيئات التقييس الوطنية في البلدان النامية
لدى معظم البلدان هيئة وطنية للتقييس تتولى تنسيق وضع المعايير وتمثيل البلد في منظمات وضع المعايير الدولية، كالمنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) واللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات. وكثير من هيئات التقييس الوطنية منظمات حكومية مستقلة أنشئت بموجب تشريعات، كما هو الحال في بنغلاديش وجنوب أفريقيا. أما في بعض البلدان، كالولايات المتحدة، فهيئات التقييس الوطنية منظمات غير حكومية تعترف بها الحكومة بهذه الصفة. ويبين مسح أجرته الأيزو والبنك الدولي لأغراض هذا التقرير أن جميع هيئات التقييس الوطنية في البلدان النامية تقريباً مؤسسات حكومية، في حين لا تتجاوز هذه النسبة 56% في الاقتصادات المتقدمة. وفي بلدان كثيرة، تضطلع هيئات التقييس الوطنية بوظيفة تنسيقية بين عدة منظمات وطنية لوضع المعايير؛ فمكتب المعايير الهندي مثلاً يعمل مع منظمات قطاعية لوضع المعايير، كجمعية تطوير معايير الاتصالات في الهند.
وإلى جانب اختلاف أطرها القانونية، تتبع هيئات التقييس الوطنية نماذج تمويل متباينة تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين البلدان النامية والاقتصادات المتقدمة، بما ينعكس على الأدوار التي تؤديها. ففي البلدان المرتفعة الدخل، تحقق هيئات التقييس الوطنية نحو 40% من إيراداتها من بيع المعايير، وهو ما يعكس ارتفاع طلب القطاع الخاص على المعايير وقدرته الأكبر على دفع ثمنها. وعلى النقيض من ذلك، لا تحصل هذه الهيئات في الدول النامية إلا على نحو 10% من إيراداتها من بيع المعايير. واللافت أن هيئات التقييس الوطنية في البلدان النامية تقدم طيفاً أوسع من الخدمات يتجاوز وضع المعايير، كالاختبار والتفتيش ومنح الشهادات، وهي خدمات تمثل في المتوسط نحو ثلث إيراداتها. فضلاً عن ذلك، فهي أكثر ميلاً إلى المشاركة في الوظائف التنظيمية، إذ تشارك 75% من هيئات التقييس الوطنية في البلدان النامية في وضع اللوائح الفنية (المعايير الإلزامية)، مقابل 35% فقط في البلدان المرتفعة الدخل.
وقد تبدو هذه الفروق عادية، لكنها قادرة على تغيير ديناميات وضع المعايير تغييراً جذرياً. ففي كثير من البلدان النامية، تؤدي هيئات التقييس الوطنية دوراً محورياً في اختبار المعايير الإلزامية وتفتيشها ومنح الشهادات بشأنها، وهي معايير تسهم هذه الهيئات نفسها في وضعها بوصفها جهات حكومية، وهو ما ينطوي على خطر تحولها من مقدمة للخدمات إلى مدققة للامتثال للمعايير الطوعية التي يطلبها القطاع الخاص. ويثير ذلك أيضاً احتمالات تضارب المصالح.
من يضع المعايير؟
من المنطقي أن تُترك صياغة المعايير الطوعية لمستخدميها الرئيسيين، أي منشآت القطاع الخاص. فمصنعو السيارات مثلاً كان لا غنى عنهم في صياغة معيار الأيزو 26262 الذي ينظم سلامة الأنظمة الإلكترونية في المركبات البرية. ولأن المعايير تعتمد على معرفة فنية تفصيلية، فإن الخبرة المتخصصة التي تملكها الصناعة ضرورية لوضعها.
غير أن المشاركة في وضع المعايير ليست تمريناً فنياً خالصاً. فتوجيه المعيار في اتجاه يخدم مصالح الطرف المشارك يمنحه ميزة تنافسية. وتؤثر المعايير الطوعية في السلوك التجاري حين تشير إليها المنشآت في عقودها، وتحفز الطلب حين تدرجها الحكومات في قواعد المشتريات العامة. فضلاً عن ذلك، قد تتحول المعايير الطوعية إلى معايير إلزامية متى ما نُص عليها في القانون الوطني.
وفي بعض الحالات، تصبح المنتجات التي تطورها منشأة واحدة مهيمنة، كمعمارية الحاسوب الشخصي من آي بي إم، ونظام ويندوز من مايكروسوفت، وملفات PDF من أدوبي، معايير صناعية بحكم الواقع، لأن آثار الشبكة الناجمة عن تجمع عدد كبير من المستخدمين على منصة واحدة تقيم حواجز دخول مرتفعة أمام الأنظمة المنافسة. وفي حالات كثيرة تنبثق المعايير من منافسة في السوق، لا من بحث محايد عن التصميم أو الفكرة "الأفضل". ولذلك يتعين على هيئات وضع المعايير أن توازن باستمرار بين هدفين: الاستفادة من معارف أصحاب المصلحة، وتجنب الاستحواذ التنظيمي من جانب المنشآت الأكبر حجماً أو الأوثق صلة بدوائر السياسة.
وهذه الموازنة تزداد صعوبة. فالتعقيد الفني للمنتجات في تزايد، وخبرة القطاع الخاص باتت تتفوق كثيراً على الخبرة المتوافرة داخل الحكومات. ويشتد هذا التحدي في كثير من البلدان النامية، حيث القطاعات الخاصة الرسمية صغيرة وتهيمن عليها في الغالب حفنة من المنشآت ذات النفوذ، بعضها مملوك للدولة.
كما تستغل الشركات المتعددة الجنسيات المنظومة لصالحها، إذ تستطيع تضخيم نفوذها بالانضمام إلى عدة هيئات تقييس وطنية، لكل منها صوت واحد في المحافل الحكومية الدولية. وتشير تقارير إلى أن بعض شركات التكنولوجيا الكبرى تنتهج هذا الأسلوب لتشكيل المعايير الناشئة للذكاء الاصطناعي، بل إنها تستعين بشركات استشارية محلية في بلدان لا وجود مادياً لها فيها. ولأن تشريعات مثل قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي ستعتمد على مرجعيات طوعية، فإن الفوز في سباق المعايير قد يمنح ميزة كبرى.
وخلافاً لهيمنة القطاع الخاص على وضع المعايير الطوعية، تتولى الحكومات وضع المعايير الإلزامية. وإلى جانب تحقيق التوازن الصحيح بين الطموح والقدرة، كما سبقت الإشارة، تمثل الآفاق الزمنية قضية رئيسية للحكومات. فالمنافع المترتبة على ارتفاع مستويات الامتثال لا تظهر في الغالب إلا على المدى المتوسط، إذ تمر دورة انتخابية واحدة على الأقل بين إقرار المعايير وجني ثمارها. فبناء مختبرات لاختبار تلوث التربة بالمعادن الثقيلة مثلاً يحقق مكاسب صحية قد تكون غير مرئية، أو عديمة الأهمية من الناحية السياسية، حين يحل موعد الانتخابات التالية.
ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تحكم المبادئ الأساسية للانفتاح والتوازن والتوافق عملية وضع المعايير. لكن وضع المعايير يتعلق أيضاً بالقوة والحوافز والحوكمة. وهو يعكس في بعض الحالات تفضيلات مجتمعية وأعرافاً ثقافية مختلفة، كما يتجلى في الخلافات الحادة حول مجالات مثل المحاصيل المعدلة وراثياً ومعايير اللحوم ومنتجات الألبان. ويتطلب إحكام هذه العملية إجراءات شفافة، ومشاركة واسعة من أصحاب المصلحة، وتقييماً دقيقاً للآثار الاقتصادية والتوزيعية للمعايير.
وعلى نطاق أوسع، تشير البحوث التي أجريت لإعداد تقرير عن التنمية في العالم هذا إلى المبادئ التالية: أن يكون الطلب هو المحرك لوضع المعايير، فلا تُسن المعايير إلا حيث توجد حاجة سوقية أو مجتمعية قوية؛ وأن يتولى القطاع الخاص وضع المعايير الطوعية في معظم القطاعات الاقتصادية؛ وألا تتدخل الحكومات في وضع المعايير الطوعية إلا حين يخفق العمل الجماعي أو تنشأ مشكلات تتعلق بالشمول أو التشرذم أو المنافسة، وحتى في هذه الحالة ينبغي أن يقتصر دورها على جمع الأطراف المعنية، لا تحديد المحتوى الفني للمعايير الطوعية؛ وأن تُقصر المعايير الإلزامية على المصالح العامة الأساسية في مجالات مثل الصحة والسلامة وحماية البيئة ومنع الممارسات التجارية المضللة.
المعايير من أجل النمو والرفاه والاستقرار
يمكن توظيف المعايير لخدمة التنمية بأربع طرق. أولاً، يحتاج كل بلد نامٍ إلى النمو الاقتصادي، والمعايير قادرة على أن تكون محركاً قوياً لنشر الممارسات الجيدة وزيادة الكفاءة وتحقيق وفورات الحجم، عبر ربط البلدان من خلال التجارة والاستثمار. ثانياً، تدور التنمية في نهاية المطاف حول تحسين رفاه الأفراد، والمعايير تسهم في ذلك مباشرة بالمساعدة على تحسين الصحة والتعليم، اللذين يمثلان بدورهما ركيزة للنمو الاقتصادي. ثالثاً، تعد المعايير أدوات مهمة لإدارة المخاطر، وهي ضرورة لا غنى عنها، إذ إن النمو الاقتصادي المنفلت قد يعجّل بمخاطر جسيمة تمتد من الأزمات المالية إلى تدمير البيئة. وأخيراً، تتطلب هذه المجالات الثلاثة جميعها قدرة حكومية، وهذه القدرة بدورها تعززها المعايير في مجالات تتراوح من إجراءات الموازنة والمشتريات إلى توظيف المسؤولين الحكوميين وتحديد أجورهم.
النمو الاقتصادي: المعايير تزيد الكفاءة والجودة وتتيح التوسع
باتت التوترات الجيوسياسية، وتشرذم التجارة، والسياسات الصناعية الحازمة، والضغوط الطويلة الأجل لتغير المناخ، تقيد على نحو متزايد نمو البلدان النامية عبر التجارة، والآثار غير المباشرة للاستثمار الأجنبي المباشر، وانتشار التكنولوجيا، وهي القنوات التي تنقل المعرفة الفنية المتضمنة في المعايير. وللتصدي لذلك، تحتاج هذه البلدان إلى أن تبدأ من الداخل، فتهيئ الظروف التي تشجع المنشآت على الاستثمار في الارتقاء إلى معايير أفضل في الأسواق المحلية. وينبغي معايرة السياسات الصناعية بعناية حتى لا تحمي المنشآت من المنافسة أو تغير حوافزها على نحو قد يثبطها عن الارتقاء بالجودة بدلاً من أن يشجعها عليه. فإذا كانت الصناعات محمية من العواقب المرتبطة بتدني الجودة، فلماذا تستثمر في الجودة أصلاً؟
إن مواءمة الحوافز العامة والخاصة وضمان المنافسة أمران أساسيان لإتاحة "ضخ" المعرفة الفنية ونشرها. فالمعايير وحدها لن تحقق الارتقاء التكنولوجي، لكن السياسات واللوائح غير المتسقة قادرة بلا شك على إخراجه عن مساره.
ولواقع السوق أهميته أيضاً. فمعظم المنشآت أصغر من أن تبرر إنفاق الأموال على التكاليف الثابتة للامتثال للمعايير والحصول على شهادات تثبت امتثالها. ولذلك ينبغي للبلدان النامية أن تتبع استراتيجية عملية من أربعة محاور للارتقاء بجودة الإنتاج المحلي: أولاً، إيلاء أولوية عالية للمنشآت المتوسطة الحجم المستعدة لتبني المعايير؛ وثانياً، دعم نمو المنشآت لخلق حلقة حميدة من القدرة والامتثال؛ وثالثاً، تعزيز الروابط بين المنشآت الكبيرة والموردين الأصغر في سلاسل الإمداد لنشر المعايير؛ ورابعاً، الاستثمار في البنية التحتية للجودة وخفض تكاليف الخدمات لتوسيع نطاق الحصول عليها.
وتؤكد تجربة شرق آسيا عوامل نجاح مشتركة في توظيف المعايير لتعزيز النمو الاقتصادي، هي التوجه نحو التصدير، وثقافة الجودة، والمشاركة القوية للقطاع الخاص، والاستثمار المستدام في البنية التحتية للجودة بشقيها المادي والبشري، وكلها مرتبطة بالاستفادة من المعرفة الخارجية.
ولا يقل اتساق سياسات البلد المتعلقة باللوائح أهمية عن ذلك. فالطفرة الأخيرة في التدابير غير الجمركية لا تقتصر على الاقتصادات المتقدمة، بل باتت هذه التدابير شائعة على نحو متزايد بين البلدان النامية، ويمكن أن تخنق التجارة بين البلدان، فتضر بالمستهلكين وتحول دون توسع المنشآت. وتشمل الأولويات في هذا المجال المواءمة التنظيمية بين البلدان، وبناء قدرات منشآت البلد، وتيسير التجارة.
وينبغي للحكومات أن تبني لوائحها الفنية على المعايير الدولية كلما أمكن ذلك، وأن تعمق التعاون من خلال اتفاقات الاعتراف المتبادل، وهي ترتيبات تتيح للشركاء التجاريين قبول نتائج الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات الصادرة عن بعضهم بعضاً. وتعفي هذه الاتفاقات المنشآت من الاضطرار إلى إثبات الامتثال مرتين، مرة في بلد المنشأ وأخرى في بلد المقصد، فتخفض التكاليف وتسرّع دخول المنتجات إلى الأسواق.
ويساعد إشراك القطاع الخاص على توضيح دور المعايير الخاصة، كما يمكن للبوابات الرقمية وأدوات الشفافية أن تساعد المنشآت على استباق التغييرات التنظيمية والتكيف معها. وقد أتاحت المعايير الخاصة الاستعانة بمصادر خارجية وحسّنت ممارسات الاستدامة، لكن انتشارها خلق "وعاء سباغيتي" من الاشتراطات المتداخلة التي ترفع تكاليف منح الشهادات وتشرذم الأسواق. وكثيراً ما تنشأ المعايير الخاصة بدافع من اللوائح الصارمة في الاقتصادات المتقدمة، كتلك المتعلقة بسلامة الغذاء، وقد ترسخ دون قصد قوة كبار المشترين العالميين وتقصي المنتجين الأصغر العاجزين عن تحمل عبء الامتثال لها.
ولضمان أن تحمي اللوائح المستهلكين دون أن تتحول إلى حمائية، ينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تبسط لوائحها الفنية وتزيد شفافيتها. ومن شأن ذلك أن يخفض تكاليف الامتثال على المنتجين في البلدان النامية، وهي مهمة ملحة في ظل ارتفاع التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية.
وتمتد منافع المعايير الجيدة التصميم إلى ما هو أبعد من التجارة والقدرة التنافسية، فهي تشكل أيضاً جودة العمالة وشمولها. فبرفع المعايير للإنتاجية وجودة المنتجات، تولد وظائف أفضل. وبحدها من عدم اليقين وتيسيرها للتجارة والاستثمار، تغذي نمو المنشآت ومعه الطلب على العمالة. والارتقاء إلى معايير أعلى يجلب تقنيات جديدة وإدارة أفضل ومهارات جديدة، فيولد آثاراً على التعلم والتوظيف على امتداد سلسلة القيمة. وفي الخدمات التي تقوم فيها الثقة على منح الشهادات، تساعد معايير المهارات والاعتماد المهني العاملين على التنقل بين المنشآت والقطاعات والحدود، وتواءم أنظمة التدريب مع احتياجات أصحاب العمل، وتجعل أسواق العمل أكثر شمولاً. غير أن تحدياً مألوفاً يظل قائماً: هل تستطيع البلدان رفع معايير العمل اللائق دون أن تضع السقف عالياً إلى حد يدفع المنشآت أو العاملين إلى الانكفاء نحو القطاع غير الرسمي؟
الرفاه: معايير الصحة والتعليم
تستطيع البلدان النامية تحسين الصحة والتعليم بتعزيز معايير القياس والمدخلات، مدعومة بالمكونات ذات الصلة من البنية التحتية للجودة، لجعل النتائج في هذين المجالين موثوقة وقابلة للمقارنة. ورغم أن المعايير الدولية في هذين المجالين، التي تجسد أفضل الممارسات، يمكن أن تكون مرجعاً للمقارنة، فإنها تحتاج إلى تكييف مع السياقات الوطنية المحددة، نظراً لتباين الاحتياجات وقيود الموارد. ففي البيئات ذات الموارد المحدودة، لن يكون من الممكن تحقيق المعايير الطموحة على نطاق واسع، والنتيجة الأرجح هي تقنين خدمات الصحة والتعليم بما يخدم الفئات الميسورة.
إن البلدان تحقق النتائج المنشودة في مجال رأس المال البشري لا بتبني المعايير الدولية دون تغيير، بل بمواءمة معاييرها مع قدرتها على الإنفاذ وتحديثها كلما نمت هذه القدرة، أي بتكييفها مع الاحتياجات والإمكانات المحلية. وتمثل القوائم الوطنية للأدوية مثالاً جيداً على ذلك. فعند إعداد هذه القوائم، تكيّف البلدان القوائم النموذجية للأدوية الأساسية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لا وفقاً لاحتياجاتها الصحية فحسب، بل وفقاً لقدرة المنشآت المحلية على الامتثال أيضاً. ومع ارتفاع نصيب الفرد من الدخل في البلدان، يزداد عدد الأدوية المدرجة في قوائمها الوطنية للأدوية الأساسية من قائمة منظمة الصحة العالمية. وهكذا تكيّف البلدان الأدنى دخلاً القائمة وفق معيار أدنى للحد من فجوة الامتثال المحتملة بين المنشآت، ثم تواصل تكييفها وفق معايير أعلى مع تقدم قدرات تلك المنشآت.
وتبين الممارسات الناجحة في البرازيل والصين وجنوب أفريقيا فاعلية التسلسل القائم على التكييف ثم المواءمة ثم التأليف في وضع المعايير، الذي سبق بيانه في هذه اللمحة العامة، إذ يوائم بحكمة بين طموحات البلدان وقدراتها مع الارتقاء بكليهما تدريجياً. ومن الأمثلة البارزة على التقدم نحو معايير أعلى عبر نهج تكيفي في وضع المعايير برنامج "الأطباء الحفاة" في الصين. ففي عام 1965، حولت الصين تركيز سياستها الصحية إلى المناطق الريفية، وأعادت تخصيص الموارد لتدريب مسعف لكل قرية وتوفيره لها، عُرف شعبياً باسم "الطبيب الحافي". وبدلاً من المنهج الدراسي المعتاد في كليات الطب، ركز تدريب الأطباء الحفاة على الأساسيات، كالوقاية من الأمراض، وتشخيص الأعراض الشائعة وعلاجها، وتنظيم الأسرة وتوليد النساء، وأمراض النساء والأطفال، والإسعافات الأولية. ومع نضوج المنظومة الصينية، رفعت البلاد معاييرها تدريجياً، فاشترطت عام 1984 أن يجتاز الأطباء الحفاة مجموعة جديدة من الاختبارات المهنية ليصبحوا "أطباء قرى". وقد أشادت منظمة الصحة العالمية لاحقاً بهذا النموذج لأنه حقق أكبر قدر من المنافع الصحية بأقل قدر من الاستثمار.
وفي مجال التعليم، تجسد إنجازات ولاية سيارا في البرازيل التوصية القائلة "كيّف ما تتبناه وأنت تطبقه". فقد نجحت الإصلاحات التعليمية الأولى في سيارا بين عامي 1997 و2000 في رفع معدلات الالتحاق بالمدارس، لكنها لم تحسن تعلم الطلاب. واستجابة لذلك، أطلقت الولاية مرحلة ثانية تقوم على معايير واضحة للتعلم التأسيسي، ودمجت هذا الهدف في تحديثات لمعايير المنظومة بأكملها، شملت إصلاح المناهج مع التركيز على مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية، والتطوير المهني للمعلمين بما يتسق مع أساليب التدريس الجديدة، وإجراء تقييمات منتظمة على مستوى الولاية لمتابعة تقدم الطلاب. ورغم تشجيع التكييف المحلي، أصبح بلوغ مستويات الولاية المرجعية في القراءة والكتابة والحساب شرطاً للحصول على تمويل إضافي من الولاية. وفي غضون عقدين، حققت سيارا معدلات شبه شاملة لإتقان القراءة والكتابة بنهاية الصف الثاني.
ومع سعي البلدان النامية إلى توظيف التقنيات الرقمية لزيادة رأس المال البشري في المناطق النائية، تحتاج إلى إيلاء اهتمام أكبر للمعايير التي تقوم عليها هذه التقنيات. فالطب عن بعد يتيح لملايين الأشخاص الذين يعيشون في المناطق النائية إمكانية الحصول على الخدمات الطبية. فعلى سبيل المثال، تدير مؤسسة "تيليمديسن أفريكا" مركزاً افتراضياً للاستشارات الطبية عن بعد يتيح الأطباء الاختصاصيين والعامين للمرضى في أنحاء ليمبوبو، أفقر مقاطعات جنوب أفريقيا، موفرة على سكان الريف ملايين الدولارات سنوياً كانت ستنفق على السفر إلى مستشفيات المدن. وعلى نحو مماثل، توسع التقنيات الرقمية نطاق الدعم التعليمي ليصل إلى ملايين المتعلمين. وفي مكان آخر، ساعد برنامج "سيبال" في أوروغواي على ترسيخ مكانة البلاد رائدةً عالمياً في التعلم الرقمي. غير أن تحقيق ما تعد به مبادرات مثل "سيبال" و"تيليمديسن أفريكا" يتطلب معايير واضحة للبنية التحتية الرقمية، لضمان حصول جميع مقدمي الخدمات، وكذلك المرضى والطلاب، على وصول آمن إلى الأجهزة والاتصال بالإنترنت والمنصات الرقمية.
الاستقرار والسلامة: المخاطر المالية والبيئية في سبيل الصمود
كما أشرنا آنفاً، يعد النمو الاقتصادي ضرورياً للبلدان النامية، لكنه يجلب معه مخاطر يمكن أن تقوض الاستقرار والصمود، تمتد من الفقاعات المالية إلى تآكل الثروة الطبيعية، وصولاً إلى المخاطر المجتمعية الناشئة عن التقنيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي. ويتضح على نحو متزايد أنه بدون الضوابط التي توفرها المعايير لإدارة المخاطر إدارة متينة، يمكن للمخاطر أن تقوض ثمار النمو الاقتصادي، فتحوله إلى شيء عديم الجدوى الاقتصادية.
لقد ظل ضعف المعايير المالية أو غيابها، والتراخي في إنفاذها حين توجد، القاسمَ المشترك الثابت في تكرار الحماقة البشرية المتمثلة في الأزمات المالية على مدى ألف عام تقريباً، وقد أصابت البلدان المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل على حد سواء. فالمعايير المالية تمثل ركيزة الاستقرار المالي والاقتصادي للبلد، لكنها تحتاج إلى معايرة وفق المخاطر، على غرار المعايير التي تجسدها اتفاقيات بازل لرأس المال. وكما هو الحال في المجالات الأخرى، يتعين على المعايير المالية أن تتطور مع تطور النظام المالي للبلد وظهور تقنيات جديدة. فمن ناحية، كبحت معايير مكافحة غسل الأموال الصادرة عن مجموعة العمل المالي غسلَ الأموال، لكن عدم معايرتها بما يراعي أوضاع كل بلد على حدة جعل إرسال التحويلات المالية إلى البلدان التي تمزقها النزاعات أصعب كثيراً وأعلى تكلفة. ففي بلدان جزر المحيط الهادئ مثلاً، أدى انسحاب المصارف الدولية من علاقات المراسلة المصرفية إلى تقليص حاد في إمكانية الحصول على الخدمات المالية العابرة للحدود، بما قيد التجارة والسياحة وتدفقات التحويلات. ومن ناحية أخرى، يمكن توسيع نطاق معايير أخرى لمجموعة العمل المالي، كتلك المتعلقة بتدابير العناية الواجبة تجاه العملاء، لتشمل الأصول الافتراضية كالعملات المشفرة، وإن كانت طبيعتها اللامركزية والعابرة للحدود ستتطلب مناهج جديدة لتطبيقها وإنفاذها بفاعلية. وقد أظهرت التجربة مع إطار بازل أن المعايير تحتاج إلى أن تكون شفافة ومكيفة، وتحديداً باتباع نهج متدرج، لإتاحة الرصد والإشراف الفعالين، وينبغي تطبيق مبادئ مماثلة على معايير الأعداد الكبيرة من الأصول الافتراضية الناشئة.
ويأتي تهديد متصاعد لصمود البلدان من الضغوط البيئية المتزايدة. فبالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل، تتمثل الأولوية العاجلة في النمو الاقتصادي والتخفيف من حدة الفقر، ومن المفهوم أن تحتل الشواغل البيئية مرتبة أدنى في جداول أعمال سياساتها. وبالنظر إلى الآثار السلبية المعروفة للتلوث، وهو أشد الضغوط البيئية التي تواجهها البلدان، على الصحة وإنتاجية العاملين ورأس المال البشري، ومن ثم على النمو الاقتصادي الطويل الأجل في نهاية المطاف، فإن لدى البلدان المتوسطة الدخل حوافز قوية لتجنب مسار "النمو أولاً، ثم التلويث، ثم التنظيف" الذي سلكته البلدان المتقدمة اليوم. فضلاً عن ذلك، تبين أمثلة حديثة، كصعود الصين السريع إلى الريادة العالمية في المركبات الكهربائية والطاقة المتجددة، أن البلدان النامية قادرة على القفز فوق التقنيات الملوثة، لا سيما في القطاعات الرئيسية كالطاقة والنقل.
غير أنه لا يمكن اتخاذ أي إجراء ذي معنى لمعالجة القضايا البيئية كالتلوث دون معايير قياس دقيقة. فمعظم سكان العالم يعيشون في مناطق تفتقر إلى بيانات موثوقة عن تعرضهم للتلوث. ولا تقدم بيانات يعتمد عليها بشأن جودة الهواء سوى 3.7% من الحكومات في أفريقيا، و6.8% من الحكومات في آسيا، و19% من الحكومات في أمريكا اللاتينية. وعلى نحو مماثل، يتعرض أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم لخطر الإصابة بالأمراض بسبب الجهل بجودة المياه في الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، ويرجع ذلك في معظمه إلى قصور الرصد. أما البيانات المتعلقة بتلوث التربة فهي أشد ندرة. ولذلك فإن توسيع أنظمة رصد البيئة وتحسينها أمر بالغ الأهمية لتحديد التحديات وتعزيز إنفاذ المعايير.
وإلى جانب زيادة قدرات الرصد لتوفير بيانات أشمل، تحتاج البلدان النامية إلى تعزيز المعايير التي تشكل الأساس لبناء أنظمة رصد التلوث، وكذلك المعايير التي تضمن جودة بيانات التلوث واتساقها وشفافيتها. والشفافية على وجه الخصوص مهمة لرفع الوعي ومن ثم تحفيز العمل، لا من جانب الحكومات والجهات الملوثة فحسب، بل من جانب الأفراد أيضاً، للضغط على الحكومات كي تتخذ تدابير أقوى لكبح التلوث. كما أنها تمكّن الأفراد من تبني سلوكيات تكيفية للتخفيف من الضرر، كتجنب بؤر التلوث أو استخدام المرشحات لتنقية مياههم.
وستكون المعايير محورية في مواجهة التحدي المزدوج المتمثل في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة من جهة، والحد من التلوث المحلي وتخفيف الانبعاثات من جهة أخرى. كما أن تدابير التكيف مع تغير المناخ، كزيادة الاعتماد على تكييف الهواء لمواجهة الحر الشديد، سترفع استهلاك الكهرباء. وللحد من نمو الطلب على الطاقة، تحتاج البلدان النامية إلى استخدام المعايير على امتداد سلسلة إمداد الطاقة واستخدامها، في مجالات تتراوح من توليد الكهرباء إلى خطوط النقل والتوزيع، وصولاً إلى كفاءة الطاقة في المباني والأجهزة المنزلية.
ورغم أن المعايير البيئية ينبغي أن تُدمج في إطار منسق أوسع للموازنة بين الأهداف المتنافسة، فثمة توتر واضح بين نهج "الملاءمة للسياق" والمخاوف المبررة من سباق نحو القاع. فالاختلافات في المعايير بين الولايات القضائية يمكن أن تؤدي، وهي تؤدي فعلاً، إلى تسرب التلوث، حيث تنتقل الأنشطة الملوثة إلى الولايات القضائية ذات المعايير الأضعف في مجال التلوث، بما يقوض الأهداف البيئية. ويمكن للجهود الدولية المنسقة، مثل اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، التي تنظم تدفقات مواد كاللدائن وتحظر التجارة مع البلدان غير الأطراف في الاتفاقية، أن تخفف من هذا التسرب.
تحقيق ذلك على أرض الواقع: المعايير لتعزيز الحكومات
لكي تصمم الحكومات المعايير بفاعلية وتضمن الامتثال لها، يجب عليها أن ترتب بيتها الداخلي أولاً. ويمكنها ذلك باستخدام المعايير لتعزيز حوكمتها للمؤسسات العامة المسؤولة عن تنفيذ السياسات.
وتكفل الحوكمة القائمة على المعايير أن توضع ثلاث مجموعات من المعايير، تشمل الوظائف التنظيمية المشتركة بين جميع المؤسسات العامة، وفقاً لقدرة الحكومة على الامتثال لها. المجموعة الأولى هي معايير الموازنة، التي تضمن صرف المدفوعات في مواعيدها وقياسها على نحو متسق. والمجموعة الثانية هي معايير التوظيف، التي تبني الكفاءة بضمان اختيار الموظفين من خلال تقييمات موضوعية كالاختبارات التحريرية. والمجموعة الثالثة هي معايير المشتريات، التي تصون شفافية المناقصات الحكومية وتنافسيتها.
وتضمن الحوكمة القائمة على المعايير نهجاً متسقاً في تصنيف الأنشطة الحكومية وقياسها. فمعايير الموازنة، كتصنيف الأمم المتحدة لوظائف الحكومة، تضع إطاراً موحداً للتصنيف والقياس داخل الموازنات. وينبغي لمعايير الجودة أن تقنن الاشتراطات الإجرائية والإرشادات التي تطبقها المؤسسات وموظفوها في أعمالهم التنظيمية الروتينية. فعلى سبيل المثال، يمكن لمعيار المشتريات أن ينص على أن المناقصات الحكومية تستلزم عطاءات تنافسية، أي مناقصة مفتوحة.
بيد أن وضع معايير الحوكمة وتطبيقها ينطوي على تكلفة. فالعبء الإداري للامتثال للمعايير مثلاً يحول الوقت المؤسسي ووقت الموظفين الشحيح من التنفيذ إلى الامتثال. وللتخفيف من التكاليف التشغيلية وتعظيم المنافع، تحتاج الحكومات إلى تقييم الأثر التنظيمي للمعايير بانتظام، ووضع المعايير موضع التطبيق من خلال نهج تكراري تحركه الأولويات. ويتطلب ذلك جمع بيانات المسوح والبيانات الإدارية عن العمليات التنظيمية وتحليلها، فضلاً عن الإصغاء إلى أصوات المؤسسات وموظفي القطاع العام والمواطنين الذين يستخدمون خدمات حكومية بعينها. ومن خلال هذا النهج، ينبغي للحكومات أن تولي الأولوية بواقعية لسن المعايير وتطبيقها بما يحقق نتائج أفضل لأصحاب المصلحة الرئيسيين، بدلاً من "أفضل الممارسات" العامة.
ورغم التكاليف، فإن الحكومات التي تكيف معايير الحوكمة مع الاحتياجات والموارد الوطنية تجني عوائد كبيرة. فعلى سبيل المثال، كيفت حكومة فيتنام المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام في صورة إطار وطني مصمم خصيصاً، هو معايير المحاسبة في القطاع العام في فيتنام. وإدراكاً منها للتكاليف الكبيرة لتنفيذ إصلاح شامل لنظام المحاسبة الحكومي وتعقيده، طبقت فيتنام معايير المحاسبة الجديدة تدريجياً على مدى عدة سنوات، واستهدفت جوانب محددة كالأصول، باتباع نهج قائم على الوحدات. ويقدم إطار الإنفاق العام والمساءلة المالية تقييماً قائماً على الأدلة يمكن للحكومات استخدامه لفهم إدارة المالية العامة، ويستند هذا التقييم إلى مراجعات السياسات وتحليل البيانات والتواصل مع المسؤولين الحكوميين. وتمكّن هذه المعلومات السياقية الحكومات من اتباع نهج أكثر ملاءمة لظروفها في تطبيق المعايير في منظومة حوكمتها.
أولويات صناع السياسات
ظلت البلدان النامية تاريخياً، بحكم ضعف قدراتها التكنولوجية، متلقية للمعايير بدلاً من أن تشارك بفاعلية في وضع المعايير الدولية، إذ كان تمثيلها فيها ضعيفاً إلى حد كبير. فبينما لا تشارك البلدان المنخفضة الدخل إلا في 7% من جميع اللجان الفنية العاملة في الأيزو، تشارك البلدان المرتفعة الدخل في 84% منها. وبعبارة أخرى، توضع معظم المعايير الدولية دون أن يكاد يجلس إلى الطاولة ممثلون عن البلدان النامية. والأكثر لفتاً للنظر أن البلدان النامية ترسل أيضاً عدداً أقل بكثير من المندوبين إلى الاجتماعات التي توضع فيها المعايير الدولية. ففي المتوسط ترسل الاقتصادات المتقدمة 525 مندوباً إلى اجتماعات الأيزو سنوياً، بينما لا ترسل البلدان المنخفضة الدخل سوى 9 مندوبين، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى 14 مندوباً فقط، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى 65 مندوباً لا غير. فلا عجب إذن أن تخفق بعض المعايير الدولية في تلبية احتياجات البلدان النامية، فهذه البلدان لم تشارك مشاركة فعالة في وضعها.
ولكن مع التحولات التكنولوجية الهائلة الجارية، تواجه البلدان النامية خطر الانحباس في مسارات تكنولوجية مكلفة أو غير ملائمة، وتقلص استقلالية سياساتها، إذا ظلت مجرد متبنٍّ سلبي للمعايير التي تضعها الاقتصادات المتقدمة والشركات المتعددة الجنسيات. ويتعين على هذه البلدان أن تصبح مشاركاً أكثر فاعلية في تشكيل المعايير ذات الصلة بأولوياتها، بما في ذلك معايير قابلية التشغيل البيني ومعايير التوافق في التقنيات الناشئة. وهذه المشاركة ليست دفاعية فحسب، بل استراتيجية أيضاً، إذ تتيح للبلدان النامية ضمان تكييف المعايير مع الواقع المحلي، كتحديات الاتصال، واحتياجات الخصوصية، وإدارة المخاطر، والتنوع اللغوي، وفي الوقت ذاته بناء القدرات اللازمة للمنافسة في سلاسل القيمة العالمية السريعة التطور.
أولويات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل (التي قد ترغب بلدان أخرى في النظر فيها أيضاً)
لكي تكون المعايير منصة انطلاق للتنمية، ينبغي لصناع السياسات في البلدان النامية أن يتبعوا نموذج التكييف والمواءمة والتأليف الذي سبق عرضه في هذه اللمحة العامة. فعليهم أن يبدأوا بتفصيل المعايير على مقاس الواقع المحلي (مرحلة التكييف)، ثم ينتقلوا نحو التقارب مع المعايير العالمية مع نمو القدرات (مرحلة المواءمة)، ثم يسهموا في نهاية المطاف في كتابتها (مرحلة التأليف). وإذا أحسن تطبيق هذا التسلسل، فإنه يحول المعايير إلى نفاذ إلى الأسواق، واستثمار، وارتفاع في مستويات المعيشة.
استخدام المعايير منصاتٍ للانطلاق
لا بد أن تكون نقطة البداية في البلدان النامية هي الارتقاء بالجودة دون اللجوء تلقائياً إلى المعايير الإلزامية. فعلى الحكومات أن تدمج المعايير في السياسة الاقتصادية بحيث تفتح الشهادات الأبواب أمام العقود الحكومية، وبرامج تعزيز الصادرات، ومخططات تطوير الموردين، والتمويل الأقل تكلفة. فحين يكافئ المشترون والمؤسسات المالية استخدام المعايير، سيسعى رواد الأعمال إلى نيل الشارة من تلقاء أنفسهم. فانتشار إدارة الجودة الشاملة في اليابان مثلاً كان مديناً للتعلم بين الأقران وإشارات المشتريات الحكومية أكثر مما كان مديناً للمراسيم. كما نجح تحول الهند من المصابيح المتوهجة إلى الإنارة القائمة على الصمامات الثنائية الباعثة للضوء لأن المعايير الطوعية واءمت الحوافز على امتداد سلسلة الإمداد، مع منح شهادات انتقائية للمساعدة على كسب ثقة المستهلكين.
وبعد ذلك، يتعين على الحكومات في البلدان النامية أن تكيف معايير الجودة بما يتسق مع قدرة أصحاب المصلحة على الامتثال. فوضع السقف عالياً للغاية لا يؤدي إلا إلى دفع المنشآت نحو الظل. والأفضل نشر اشتراطات متدرجة، واعتماد معايير قائمة على الأداء لتقييم الامتثال، وإتاحة فترات انتقالية سخية ترسم سلّماً متحركاً من قدرات اليوم إلى طموحات الغد. ففي بلدان مثل كينيا مثلاً، بذلت جهود لتوفير اشتراطات مبسطة لمعيار "غلوبال جي إيه بي" تتيح لصغار المزارعين تطبيق ممارسات زراعية جيدة تترسخ فعلاً، مع إبقاء هدف إنتاج سلع بجودة كافية للتصدير نصب الأعين. وقد أتقنت الاقتصادات الكبيرة منذ زمن طويل فن الترتيب المرحلي، ولنتأمل كيف شددت الصين والهند والاتحاد الأوروبي تدريجياً القواعد المنظمة لانبعاثات المركبات بمرور الوقت، تاركة للصناعة فرصة الاستثمار وللجهات التنظيمية فرصة شحذ أدواتها. والرسالة هنا: عايِر أولاً، ثم اصعد.
ويتعين تكييف المعايير مع الظروف المحلية لا سيما في حالة الخدمات غير القابلة للتداول تجارياً، كالتعليم والصحة والإدارة العامة. فاستيراد المعايير العالية بكل بساطة قد يفضي إلى "المحاكاة الشكلية"، حيث تضع البلدان معايير عالية دون أن تتوقع إنفاذها. والمعايير التي تفوق كثيراً ما تستطيع الأنظمة الإدارية المحلية تطبيقه تولد ما يعرف بـ"التحميل المبكر"، أي افتراضات مفرطة في التفاؤل بشأن التقدم وتنامي القدرات، تلقي على الأنظمة ضغطاً زائداً يضعفها بل قد يؤدي إلى انهيارها.
وينبغي للبلدان النامية أن تنظر في تطبيق نظام مزدوج يخدم المصدرين (بتقديم المساعدة لهم في استيفاء المعايير الدولية) والمستهلكين المحليين (بتكييف تلك المعايير للأسواق المحلية) على حد سواء. فبالنسبة لقطاعات التصدير، يعد الامتثال الكامل للمعايير الدولية غير المكيفة أمراً حاسماً للمنافسة في أسواق التصدير، وكذلك توسيع إمكانية الحصول على خدمات الاختبار ومنح الشهادات المعتمدة. أما معظم المنشآت المحلية في البلدان النامية فهي على النقيض من ذلك صغيرة جداً، وتخدم مستهلكين شديدي الحساسية للأسعار، يقدمون القدرة على تحمل التكلفة على الجودة. وتحتاج هذه المنشآت إلى اشتراطات مكيفة ومتدرجة حتى لا تُقصى. ومن المرجح أن تكون السياسات التي تساعد المنشآت على النمو أفضل سبيل لتمكينها من تغطية التكاليف الثابتة لتبني المعايير. وتبين مخططات كوريا المبكرة لفحص الصادرات، التي استُخدمت بحكمة لحماية سمعة العلامة التجارية الوطنية، وحظر جنوب أفريقيا الحازم لهواتف الجيل الثاني لتسريع تبني الإنترنت عبر الهاتف المحمول، كيف يمكن معايرة المسارين المزدوجين.
وسيتعين على البلدان النامية أيضاً أن تحضر وترفع صوتها في الاجتماعات التي توضع فيها المعايير الدولية، وأن تنقل ما تتعلمه إلى الداخل. فبالنسبة للبلدان التي تمارس التجارة، باتت قواعد اللعبة تكتب على نحو متزايد لا في قاعات لجان الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات فحسب، بل في منظمات عالمية أخرى لوضع المعايير، مثل فريق عمل هندسة الإنترنت (في مجال الإنترنت)، ومشروع شراكة الجيل الثالث (في مجال الاتصالات المتنقلة)، ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (في مجالات فنية متعددة)، وجمعية مهندسي السيارات الدولية (في مجال الطيران والفضاء). وسيتعين على البلدان النامية أن تنتقي اللجان المهمة للقطاعات البارزة في اقتصاداتها، كتلك المعنية بوضع معايير أنظمة الطاقة المتجددة خارج الشبكة، أو سلامة الغذاء، أو التكنولوجيا الرقمية، وأن تمول مشاركة الخبراء فيها. كما سيتعين عليها أن تنشئ نظائر لهذه اللجان في المنظمات الوطنية للمساعدة على ترجمة مداولاتها إلى إرشادات ومناهج محلية.
وتبين إصلاحات الصين لمعاييرها خلال حقبة الإصلاح التي أعقبت عام 1978، والتي نقلت المعايير من نظام قائم على الأوامر البيروقراطية إلى نظام يحركه السوق بدرجة أكبر مع الانخراط في المحافل الدولية، كيف تسهم المشاركة الفاعلة في تشكيل التحديث المحلي وقواعد اللعبة العالمية على حد سواء. فالنفوذ يرافق الحضور، وكذلك المعرفة الفنية.
ولكي تعمل المعايير حقاً منصاتٍ لانطلاق التنمية، تحتاج الحكومات إلى استخدام المعايير الإلزامية باقتصاد، في الحالات التي يكون فيها الخطر واضحاً والإنفاذ ذا مصداقية. والمصالح العامة الأساسية، كالصحة والسلامة وجودة الهواء أو المياه، أمثلة واضحة على ذلك. غير أنه قبل فرض أي إلزام، تحتاج البلدان إلى الانضباط الذاتي وطرح الأسئلة التالية: هل ثمة خطر جوهري أو إخفاق في السوق؟ وهل يرجح أن تفوق المنافع التكاليف؟ وهل يمكن إنفاذ الاشتراطات؟ والأهم من ذلك: هل يمكن الجمع بين المعايير الطوعية والتنظيم في نهج مختلط يعزز الابتكار ويحقق في الوقت ذاته أهداف السياسة العامة؟
استخدام صندوق أدوات المعايير كاملاً، لا المطرقة وحدها
سيتعين على صناع السياسات في البلدان النامية أن يجمعوا بين التنظيم والمعايير الطوعية، لأن التنظيم لا يستطيع ولا ينبغي له أن يحدد كل التفاصيل الفنية المتعلقة بالامتثال. فمن شأن ذلك أن يخلق أعباء امتثال، ويرهق القدرات الحكومية والخبرات الفنية، ويجعل اللوائح أشد جموداً من أن تتيح الابتكار.
وينبغي أن تُكتب القوانين لتحقيق النتائج التي يهتم بها المجتمع، كسلامة المنتجات والخصوصية وكفاءة الطاقة مثلاً، وأن تحدد المعايير التفاصيل الفنية المتعلقة بكيفية تحقيق هذه النتائج. ويتيح ذلك للبلدان أن تحافظ على مواكبة سياساتها لتغير التكنولوجيا، ويسمح بتحديث المعايير المشار إليها في التشريعات تحديثاً سريعاً دون تغييرات تشريعية مفرطة.
وقد مارس الاتحاد الأوروبي هذا الفن منذ زمن طويل، إذ تستطيع المنشآت في الدول الأعضاء استيفاء "الاشتراطات الأساسية" باستخدام المعايير المنسقة أو بتقديم ما يثبت التكافؤ. ويسلك نظام الاتحاد الأوروبي الخاص بالذكاء الاصطناعي النهج نفسه، فيجعل إدارة المخاطر إلزامية للأنظمة العالية الخطورة، ويترك التفاصيل الفنية للمعايير الطوعية. وبالنسبة للبلدان النامية، يقلص هذا النهج الأعباء الإدارية ويحافظ على اتساق القواعد المحلية مع قواعد الأسواق العالمية، لكنه يتطلب زيادة القدرات الحكومية في مجالات مثل الرقابة على الأسواق والإنفاذ.
ومن شأن استخدام جميع الجهات التنظيمية للبنية التحتية للجودة على نحو متسق أن يخفض التكاليف. وتكتسي السياسات التي تلزم الجهات التنظيمية القطاعية بقبول نتائج المختبرات المعتمدة وهيئات التفتيش ومنح الشهادات المعتمدة أهمية خاصة. ويمكن للأجهزة الحكومية أن تتقاسم المرافق المكلفة، كمختبرات الاختبار العامة ومعدات القياس، عن طريق اتفاقات مستوى الخدمة بدلاً من تكرار القدرات. ويحول ذلك دون نشوء "وعاء سباغيتي" من عمليات التحقق المكررة التي ترفع تكاليف الامتثال وتعمل عمل حاجز غير جمركي خفي.
وينبغي الاستفادة من المعايير الخاصة ومن ضمان المطابقة الذي يقدمه طرف ثالث حيثما يساعد ذلك على تحقيق الأهداف العامة. فعلى الحكومات أن تعترف بالمبادرات الخاصة لضمان الجودة، بل أن تشجعها، شريطة الشفافية والرقابة، وأن تتيح لتقييم المطابقة المعتمد الذي يجريه طرف ثالث توسيع نطاق أجهزة التفتيش الهزيلة. ويبين نهج "الاعتراف المكتسب" في المملكة المتحدة، الذي يخفف أعباء التفتيش عن المشغلين الحاصلين على شهادات معينة، كيف تستطيع السلطات العامة تركيز مواردها الشحيحة على الجهات التي تنطوي على مستويات أعلى من المخاطر مع الحفاظ على مستويات كافية من الحماية. والمفتاح هنا هو ربط الاعتراف بالاعتماد، ونشر بيانات الأداء حتى تعزز المنافسة والثقة إحداهما الأخرى.
ورغم أن الحكومات التي تملك قدرة كافية تستطيع إنفاذ الامتثال لمعايير السلامة، فإن البلدان النامية تفتقر في حالات كثيرة إلى هذه القدرة القوية على الإنفاذ. وفي مثل هذه الحالات، قد تكون الأدوات الخاصة كالتأمين بدائل مجدية، كما يبين تاريخ معايير سلامة المراجل البخارية.
ويمكن تطبيق صندوق أدوات المعايير على التقنيات الرقمية السريعة التطور بطريقة لا تخضع فيها للمعايير الإلزامية سوى التطبيقات العالية الخطورة لهذه التقنيات، في حين تعتمد الاستخدامات الأقل خطورة على المعايير الطوعية والتوثيق والمراقبة اللاحقة للطرح في الأسواق. ويمكن للبلدان النامية أن تتبنى المعايير ذات الصلة بتقنية معينة، وأن تبني مسارات للمطابقة، تشمل بروتوكولات الاختبار ومعايير التدقيق ونماذج التوثيق الفني، حتى يعرف المبتكرون كيف يمتثلون للمعايير. كما ينبغي تطوير البيئات التنظيمية التجريبية، التي تُخفف فيها الاشتراطات التنظيمية لإتاحة التعلم بشأن السياسات، وربطها ببرامج عمل في مجالات التوحيد القياسي، لضمان أن تنعكس الدروس المستفادة من البرامج التجريبية في إرشادات أوضح ومعايير أفضل.
وتقوم الإمكانات الهائلة للتقنيات الرقمية في تحويل مسار التنمية على البنية التحتية الرقمية العامة، أي الأنظمة والمنصات الرقمية المشتركة والواسعة النطاق التي تتيح تقديم الخدمات الأساسية على نطاق كبير. ومن المهم أن تُبنى الطبقات الأساسية لهذه البنية على معايير مفتوحة، أي معايير متاحة عموماً لجميع من قد يتبنونها دون قيود على استخدامها، لا على معايير مغلقة تخضع لسيطرة منشأة واحدة أو اتحاد واحد قد يفرض رسوم ترخيص أو قيوداً على استخدامها، وذلك لتجنب حبس البلدان في مورد واحد أو مسار تطوير واحد. وقد اعتمد عدد من الحكومات، منها حكومات البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، سياسات تشترط المعايير المفتوحة في البنية التحتية الرقمية العامة.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومات إلى إدراك أن أكثر المعايير تقدماً في بعض المجالات التكنولوجية قد تنطوي على تقنيات محمية ببراءات اختراع. وفي هذه المجالات، يكون النهج الهجين القائم على المبادئ هو الأكثر واقعية، أي استخدام المعايير المفتوحة كلما أمكن، لا سيما في ما يتعلق بالواجهات، مع النظر في تبني تقنيات مملوكة إذا كانت تخدم المصلحة العامة ولا تقوض الانفتاح العام للنظام.
بناء القدرة على الامتثال من خلال البنية التحتية للجودة
ينبغي أن تتناسب البنية التحتية للجودة مع الطلب الفعلي عليها، لا مع الرغبة فيها. وعلى صناع السياسات أن يبدأوا بالأساسيات: هيئة تقييس وطنية قادرة، وعلم قياس أساسي، وإمكانية عملية للحصول على خدمات الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات والاعتماد، على أساس إقليمي إن لزم الأمر. ويمكن إضافة المختبرات المتخصصة حين تبررها الأسواق، مع إيلاء الأولوية القصوى للمعدات القابلة للاستخدام في قطاعات متعددة. وينبغي تطوير نماذج لاسترداد التكاليف ومقاييس إلكترونية لجودة الخدمات منذ نشأة البنية التحتية للجودة في البلد، حتى تكافأ المؤسسات على ما تقدمه من خدمات لا على مبانيها فحسب. ويمكن لترتيبات الاعتراف المتبادل الإقليمية ومراكز التميز أن تمنح المنشآت نتائج اختبار موثوقة دون أن يشتري كل بلد الآلات الباهظة نفسها ثم يكتشف أنه يفتقر إلى رأس المال البشري اللازم لتشغيلها.
وبعد ذلك، ينبغي تطوير القدرة على الامتثال في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص تتطور مع نضوج الأسواق. وحين يندر مقدمو الخدمات من القطاع الخاص، قد تحتاج الدولة إلى سد الفجوات، مع الحرص على الفصل بين دوري الجهة التنظيمية ومقدم الخدمة لتجنب التضارب. فهيئة الدستور الغذائي مثلاً تقدم إرشادات بشأن الإشراف على مثل هذه الأنظمة في مجال سلامة الغذاء.
وينبغي أن ينصب التركيز على توافر الخدمات، لا على الرموز البريدية لمواقعها. فما تحتاج إليه المنشآت هو نتائج موثوقة في الوقت المناسب، سواء أتت من مختبر في وسط المدينة أو من مختبر عبر الحدود في البلد المجاور. وينبغي لصناع السياسات أن يستندوا إلى الترتيبات الدولية والإقليمية للاعتماد، حتى يقبل المشترون تقارير الاختبار حيث تباع المنتجات بصرف النظر عن مكان صنعها، كما ينبغي التفاوض مع المختبرات الإقليمية للحصول على الاختبارات المتخصصة الباهظة التكلفة. ويتعين تبسيط الإجراءات اللوجستية للشحن والتخليص الجمركي حتى تصبح فترات إنجاز الاختبارات قابلة للتنبؤ. ويشير سعي أفريقيا نحو أطر تنظيمية فنية منسقة إلى المكاسب المترتبة على التفكير الإقليمي في هذا الاتجاه. فبناء بنية تحتية إقليمية للجودة سيرسيها على أسس أمتن. وكما أظهر تبني الاتحاد الأوروبي لمنافذ USB من النوع C، فإن مواءمة المعايير والاعتراف بها كثيراً ما يكونان أهم من تكرار البنية التحتية في الداخل.
وأخيراً، ينبغي للبلدان أن توسع أدوات الإنفاذ لديها لتتجاوز المفتشين. فالتأمين وقانون المسؤولية التقصيرية يمكن أن يكملا إنفاذ الدولة لمعايير السلامة، ويمكن للجامعات والجمعيات المهنية أن تساعد على إبقاء المعايير محدثة وذات صلة. كما يمكن لجمعيات حماية المستهلك أن تعمل رقيباً عاماً، فتجري اختبارات مقارنة تُبقي المنتجين نزيهين والمستهلكين مطلعين. وفي البيئات التي تشح فيها القدرات، لا تُعد هذه التعددية ترفاً، بل هي السبيل الذي تتسع به المصداقية بوتيرة أسرع مما تستطيعه الخدمة المدنية.
كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد
وضع معايير دولية تخدم البلدان النامية على نحو أفضل
تتمثل المسؤولية الأولى للبلدان المتقدمة في فتح الباب أمام مشاركة البلدان النامية في وضع المعايير الدولية ودعم هذه المشاركة بفاعلية. فكما سبقت الإشارة في هذه اللمحة العامة، يعاني التمثيل في منظمات وضع المعايير الدولية من اختلال هيكلي، إذ تشغل الاقتصادات المرتفعة الدخل والصين مقاعد في عدد أكبر بكثير من اللجان الفنية، وترسل عدداً أكبر بكثير من المندوبين إلى اجتماعات هذه المنظمات، فتأتي المعايير الصادرة عن هذه اللجان في الغالب بعيدة عن واقع البيئات ذات القدرات الأدنى. وهذا أمر مفهوم إلى حد ما، بالنظر إلى عمق مخزون الخبرات في البلدان الأكثر تقدماً. وينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تقدم التمويل والإرشاد والمساعدة الفنية لضمان جلوس خبراء البلدان النامية إلى الطاولة، وذلك لتحسين جودة المعايير ومشروعيتها وزيادة الإقبال على تبنيها. وليس ذلك عملاً خيرياً، بل هو عمل براغماتي، فالمعايير المصوغة بصورة مشتركة أرجح أن تطبق على نحو متسق عبر الأسواق، بما يقلل الاحتكاكات ويعزز قابلية التشغيل البيني على المستوى العالمي.
ويتمثل الدور الثاني للبلدان المتقدمة، المتمحور حول التصميم، في تعزيز المعايير المتدرجة أو القائمة على الوحدات التي تتناسب مع مستويات القدرة المختلفة للبلدان والمنشآت. فبتضمين درجات متفاوتة من الصرامة في المعايير التي تضعها، تستطيع منظمات وضع المعايير الدولية أن تتيح التبني والارتقاء التدريجيين دون الإخلال بالتجارة. والتصاميم التي تتبع هذا النموذج التنموي تقر بتفاوت القدرات التنظيمية وقدرات المنشآت، وترسم مسارات واضحة للتقارب مع المعايير الدولية بمرور الوقت.
تعميق التعاون الدولي بشأن المعايير الإلزامية
من المجالات الرئيسية التي تستدعي تركيزاً عالمياً تعميق التعاون الدولي حتى لا تعرقل المعايير الإلزامية الحسنة النية المدمجة في لوائح الاقتصادات المتقدمة التنمية في أماكن أخرى. فمع ازدياد تعقيد التنظيم في مجالات المناخ، وسلاسل الإمداد الخالية من إزالة الغابات، والأسواق الرقمية، وسلامة المنتجات، يتزايد خطر تعارض الاشتراطات من بلد إلى آخر. ويمكن للتنسيق المبكر بشأن المصطلحات المشتركة والمبادئ الأساسية والاعتراف المتبادل بآليات الامتثال أن يحول دون تحول المعايير إلى حواجز تجارية بحكم الواقع. وبناء الثقة أمر محوري هنا، إذ يعتمد الاعتراف المتبادل على الثقة بأنظمة تقييم المطابقة في البلدان الأخرى.
ويحتاج المجتمع الدولي أيضاً إلى التحرك بوتيرة أسرع للاتفاق على معايير موثوقة تخفف المخاطر التكنولوجية العالمية وتطبيقها. ففي مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والمنصات الرقمية، يسبق الابتكار الحوكمة، فتنتقل الآثار الخارجية للتقنيات الجديدة إلى المجتمعات والنظم البيئية. والعمل الأحادي لا يكفي للتصدي للمخاطر التكنولوجية العالمية، بل قد يغذي سباقاً نحو القاع؛ ولذلك لا بد من اتفاق جماعي على ضوابط تواءم التطور التكنولوجي مع تفضيلات المجتمعات، وتتجنب الأزمات التي تكون إدارتها بعد وقوعها أعلى تكلفة بكثير مما لو عولجت وهي لا تزال مجرد مخاطر.
ولا تزال المعايير موضوعاً لا يحظى بما يستحقه من تقدير وبحث، ويعود ذلك جزئياً إلى تعدد أشكالها وعملها جنباً إلى جنب مع سياسات أخرى. وينبغي للمجتمع الدولي، بما فيه المنظمات الدولية وهيئات وضع المعايير والأوساط الأكاديمية، أن يستثمر في بيانات أفضل عن المعايير، تشمل مسوحاً على مستوى المنشآت ترصد مدى تبنيها عبر القطاعات وأنواع المنشآت، ومقاييس أغنى للبنية التحتية للجودة، ومجموعات بيانات إدارية متاحة. وستساعد قاعدة الأدلة الأقوى الناتجة عن هذه البيانات الإضافية على تحسين تصاميم المعايير المتدرجة، وتقييم نماذج التعاون الأكثر فاعلية في منع التشرذم.
ورغم أن البلدان المتقدمة ينبغي أن تبذل مزيداً من الجهد لتقاسم الطاولة وإعادة تصميم الأدوات، فإن المجتمع الدولي يحتاج إلى تعزيز الإطار العام، بالتعاون المبكر، وحوكمة المخاطر الناشئة حوكمة موثوقة، وبناء الأدلة اللازمة لجعل المعايير أداة حقيقية للتنمية الاقتصادية السريعة.
المشهد المتناقض للمعايير العالمية
يحفل مشهد المعايير العالمية بالمفارقات. فمن ناحية، تتكاثر المعايير، لا سيما في المجالات البيئية والاجتماعية ومجالات الحوكمة، وتمتد لتشمل المقاييس والتصنيفات والتقييمات والمؤشرات الدولية. ورغم أن كثيراً من المعايير في هذه المجالات طوعي من الناحية الرسمية، فإنها أصبحت إلزامية بحكم الواقع، ويفرض الامتثال لها متطلبات ثقيلة على البلدان النامية بالنظر إلى قدراتها الحالية.
ومن ناحية أخرى، لا تحظى التقنيات التحويلية الناشئة إلا بقليل من الضوابط في صورة معايير دولية. فرغم ما قد تنطوي عليه من آثار خطيرة على سلامة البشر ورفاههم، حالت المنافسات الجيوسياسية المحتدمة دون الإسراع في إرساء الضمانات اللازمة في هذه المجالات. وحين يحظى كيس من رقائق البطاطس بعدد من المعايير الدولية يقارب ما يحظى به الذكاء الاصطناعي، الذي قد يقلب حياة المليارات رأساً على عقب، فذلك تذكير رصين بأن المجتمع الدولي "يرثي للريش وينسى الطائر المحتضر".
ووسط الهبوب العاتي لرياح الفوضى العالمية وانعدام الثقة المجتمعية، تقدم المعايير مرفأً آمناً يرسخ النظام والثقة، ومن دونها تغدو مهمة التنمية أشق بكثير.
خاتمة: المعايير في اقتصاديات التنمية
أعد تقرير عن التنمية في العالم 2025 فريق من اقتصاديي التنمية. وفي ختام هذه اللمحة العامة، نظر الفريق في المعايير السائدة داخل مهنة اقتصاديات التنمية ذاتها.
ومن النتائج اللافتة التي توصلت إليها بحوث حديثة ضعف تمثيل البلدان النامية الشديد في اقتصاديات التنمية، وتتزايد حدة هذا الضعف في الدوريات الأعلى تصنيفاً من حيث الجودة الأكاديمية أو المكانة، وهي الدوريات المهمة فعلاً لنيل الاعتراف في هذا الميدان. فبحسب إحدى الدراسات، "لم تشهد ميادين كالاقتصاد الدولي أو اقتصاديات التنمية، التي كان يُتوقع أن تشهد تنوعاً عالمياً، زيادة تذكر في عدد المؤلفين من البلدان النامية. وتتسق هذه النتائج مع زيادة عامة في المعروض النسبي من البحوث في بقية العالم، لكنها تشير أيضاً إلى أن المؤلفين من البلدان النامية لا يزالون مقصيين عن أعلى الدوريات تصنيفاً في المهنة".
فهل يعود ذلك إلى أن لهذه الدوريات معايير عالية لنشر الدراسات، وأن الباحثين من البلدان النامية عاجزون عن تجاوز السقف؟ إن كان الأمر كذلك، فقد يعكس افتقاراً إلى الموهبة والخبرة، أو يشير إلى قيود في الموارد. فإذا كانت معايير الدوريات مثلاً تفضل نوعاً معيناً من المنهجيات يتطلب قدراً كبيراً من الموارد، كالتجارب العشوائية المضبوطة، فإن التكاليف الكبيرة لإجراء بحوث تعتمد هذه المنهجية قد تمثل حاجز دخول هائلاً أمام الباحثين في التنمية الاقتصادية المقيمين في البلدان النامية.
غير أن حصة المقالات الصادرة من البلدان النامية في الدوريات الرائدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، خلافاً للاقتصاد، ما فتئت تتزايد باطراد، بقيادة الصين أساساً، وكذلك الهند وعدة بلدان أخرى. والمعايير العالية في النشر الأكاديمي وحدها لا تفسر هذين الاتجاهين المتناقضين. والتفسير الأرجح أن النشر في أعلى دوريات العلوم الاجتماعية، مقارنة بالنشر في المجالات العلمية، عملية تقديرية بدرجة أكبر تؤدي فيها أذواق المحررين ومراجعي المقالات المرشحة دوراً أكبر. وبعبارة أخرى، فالمسألة تتعلق بغموض المعايير ذاتها أكثر مما تتعلق باستيفائها. فالمعايير، كما يعرّفها تقرير عن التنمية في العالم هذا، يجب أن تكون دقيقة، وتُبذل جهود هائلة في عملية وضع المعايير لتحقيق هذا الهدف.
وقد يترتب على غياب الدقة في المعايير عواقب إقصائية. فلأن النشر في الدوريات الكبرى هو تذكرة الدخول إلى النوادي المرموقة في ميدان اقتصاديات التنمية، فإن غياب مقالات الباحثين المقيمين في البلدان النامية عن هذه الدوريات يعني غيابهم عن هذه النوادي أيضاً. ولنأخذ مكتب البحوث والتحليل الاقتصادي للتنمية، المكرس لتشجيع البحث والدراسة في اقتصاديات التنمية؛ فرغم هدفه هذا، يقيم أقل من 2% من زملائه المنتسبين خارج أوروبا والولايات المتحدة. كما أن أقل من 5% من أعضاء الهيئة الأكاديمية المنتسبين إلى مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر، وهو المركز العالمي الأكثر تأثيراً في البحوث القائمة على التجارب العشوائية المضبوطة، كانوا يقيمون في البلدان النامية، مع أن جميع البيانات المستخدمة في أعمالهم تُجمع فيها، ولا يوجد أي تمثيل لمؤسسات من شرق آسيا، المنطقة الأنجح في مجال التنمية الاقتصادية. ولا يقيم في البلدان النامية سوى 6% من أعضاء هيئة تحرير مجلة اقتصاديات التنمية البالغ عددهم 98 عضواً، رغم أن عنوانها ينص بوضوح على أهدافها، ولا يقيم أي منهم في أفريقيا.
ولهذا الأمر أهميته بالنسبة للتنمية، إذ إن آراء باحثي التنمية وأصواتهم من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لا تسهم في تشكيل النقاشات العالمية حول سياسات التنمية، وربما حتى حول المسائل المهمة الخاصة بظروف بلدانهم. ولما كان تحدي التنمية أشد إلحاحاً في أفريقيا، فإن إقصاء الأصوات المقيمة فيها يبدو أكثر فداحة.
الجزء الأول: مقياس التقدم: كيف أسهمت المعايير في تشكيل النظام والثقة والابتكار
يقدم الجزء الأول عرضاً عاماً لكيفية دعم المعايير لسعي البشرية نحو النظام والثقة والابتكار، من خلال الحد من المخاطر، وإرساء ممارسات متسقة، وصون الجودة والسلامة.
ويتناول الفصل الأول تاريخ المعايير، من أنظمة القياس القديمة إلى البروتوكولات الرقمية الحديثة، مبيناً كيف أدت المعايير دور الأدوات الفنية، وكانت كذلك وسائل للتنسيق والسلطة والتبادل، دعمت حكم الإمبراطوريات، وتوسع شبكات التجارة، وتقدم العلوم والصناعة. وقد أسهمت التطورات في هذه المجالات إسهاماً كبيراً في بناء الأمم وتكامل الأسواق والتعاون الدولي، وكانت محفزات للتحول الاقتصادي.
ويبين الموضوع الخاص الأول كيف دفعت المعايير معجزة التنمية في شرق آسيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد قام النجاح الباهر الذي حققته المنطقة على ثلاثة عوامل مترابطة: قدرة قوية لدى الدولة على تنسيق منظومات المعايير، واستراتيجيات نمو قائمة على التصدير تشجع الارتقاء بمعايير الجودة، ومواءمة معايير الشركات الأصغر مع معايير المنشآت الرائدة، الدولية منها والمحلية، لنقل المعرفة.
وبوجه عام، يتناول الجزء الأول العوامل العملية والسياسية الكامنة وراء الكون المتنامي للمعايير. ومن ذلك المفاضلات المتعددة في وضع المعايير وتبنيها وتكييفها مع السياقات المحلية، والقوى السياسية التي تشكل المعايير حين تكون مصالح تجارية ووطنية كبيرة على المحك، والفجوات القائمة في حالة المعايير الإلزامية بين تبنيها والامتثال لها. ويمهد الجزء الأول الطريق لما يتناوله الجزء الثاني من أنواع المعايير وأشكالها ووظائفها المختلفة، ومن الدور الحاسم للامتثال.
