القائمة الرئيسية

تقرير عن التنمية في العالم 2025: معايير التنمية (8/2)

تقرير عن التنمية في العالم 2025: معايير التنمية (8/2)
ملخص الدراسة

يؤكد الفصل الثاني من التقرير الدور المحوري للمعايير (سواء كانت للقياس، أو التوافق، أو الجودة) في دفع عجلة التنمية، خاصة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مع الأخذ في الاعتبار تسارع التطور التكنولوجي والعولمة. يشدد الفصل على ضرورة الموازنة بين طموح المعايير وقدرة البلدان على الامتثال لها وتطبيقها، ويقترح مسارًا يبدأ بتكييف المعايير الدولية مع الظروف المحلية، ثم المواءمة معها تدريجيًا، وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في تأليفها. كما يبين كيف يمكن للمعايير أن تكسر الحلقة المفرغة لتدني الجودة من خلال تعزيز الطلب وبناء القدرات، ويستعرض أدوار الحكومات في دعم المعايير الطوعية أو فرض الإلزامية منها لمعالجة إخفاقات السوق. ويختتم بالتأكيد على أهمية مشاركة البلدان النامية في عملية وضع المعايير الدولية لضمان عكسها لاحتياجاتها الفريدة.

 

الفصل الثاني: استخدام المعايير محفزاً للتنمية

الرسائل الرئيسية

باتت المعايير أكثر أهمية للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل اليوم مما كانت عليه حين كانت البلدان المرتفعة الدخل في مستويات مماثلة من التنمية، لا سيما بسبب تزايد التطور التكنولوجي وضغوط العولمة وفرصها.

لا جدوى من المعايير إذا لم تطبق. ولذلك تحتاج البلدان إلى اتباع نهج متوازن يواءم بين طموحها إلى معايير أعلى وقدرتها على الامتثال لها.

تتيح المواءمة مع المعايير الدولية النفاذ إلى الأسواق والتعلم، لكن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قد لا تجد هذه المواءمة ممكنة دائماً. وينبغي للبلدان أن تبدأ بتكييف المعايير الدولية حسب الحاجة، ثم تتواءم معها بمرور الوقت، وتشارك في نهاية المطاف في تأليفها. وليس هذا المسار خطياً بالضرورة، وقد يختلف باختلاف البلدان والقطاعات.

قد تواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل حلقة مفرغة من تدني الجودة، تنشأ عن ضعف الطلب على الجودة في الأسواق المحلية والمجتمع، وضعف المؤسسات وتدني جودة الإنتاج، وضعف القدرة على الامتثال. والمعايير قادرة على المساعدة في كسر هذه الحلقة.

يتناول هذا التقرير طائفة واسعة من أنواع المعايير المختلفة، الطوعية منها والإلزامية، ويركز على ثلاثة أنواع منها بحسب وظيفتها الأساسية هي معايير القياس ومعايير التوافق ومعايير الجودة.

معظم المعايير طوعية، وتنشأ بفعل حوافز خاصة لتلبية احتياجات السوق أو المجتمع أو كليهما. وفي بعض الأحيان تحتاج الحكومات إلى المساعدة في جمع الأطراف لوضع المعايير الطوعية.

قد تصبح المعايير إلزامية إذا كُرست في القانون. وتكون المعايير الإلزامية مفيدة بوجه خاص حين يلزم امتثال موحد لبلوغ هدف معين، أو حين تبسط الامتثال والإنفاذ.

تشمل منافع السياسات المترتبة على استخدام الطيف الكامل للمعايير استخدامَ المعايير الطوعية لدفع الابتكار، وتوظيفها لدعم التنظيم، وتطبيق المعايير الإلزامية في المجالات العالية الخطورة.

مقدمة

يبدأ هذا الفصل بتعريف واضح لطبيعة المعايير وجوانبها المختلفة، ثم يستند إلى المبادئ الاقتصادية الأساسية لشرح المسوغات الكامنة وراء المعايير وكيفية تمييزها عن التنظيم. كما يطور إطاراً مفاهيمياً لمساعدة صناع السياسات على فهم كيفية استخدام المعايير الطوعية والإلزامية، مستفيدين من نقاط قوة كل نوع منهما بوصفها محفزات للتنمية. وينبغي قراءة هذا الفصل جنباً إلى جنب مع الفصل الثالث، الذي يركز على كيفية بناء المنظومة العامة والخاصة في البلد لتطبيق المعايير وإنفاذها، أي البنية التحتية للجودة.

فهم المعايير

تعريف المعايير وتصنيفها في هذا التقرير

تحيط بنا معايير مهمة، تحدد الأبعاد الدقيقة لأسنان البراغي وتفاوتاتها المسموح بها، ووزن الكيلوغرام، وطريقة بناء جدار مقاوم للحريق، والحد الأدنى لسن العمل القانوني، وكيفية تواصل الأجهزة الرقمية مع أبراج الاتصالات الخلوية ومع بعضها، وغير ذلك كثير. فالمعايير تتيح التجارة في السلع والخدمات، وتحسن التعليم والرعاية الصحية، وتساعد على حماية البيئة، وتدعم تبادل المعرفة.

وسعياً إلى الإحاطة بالطرق المختلفة التي تهم بها المعايير التنمية، يتبنى هذا التقرير تعريفاً واسعاً، فيعرف المعايير بأنها حلول مقننة معدة للاستخدام المشترك والمتكرر يعترف بها أصحاب مصلحة متعددون. ويتمحور هذا التعريف حول أربعة عناصر رئيسية:

التقنين: فالمعايير توثق القواعد أو المواصفات توثيقاً منهجياً، ومن ثم لا تُعد التقاليد أو القواعد التقريبية معايير.

الحاجة: ينبغي ألا توضع المعايير وتطبق إلا حين تكون هناك حاجة واضحة إليها، كمعالجة إخفاقات السوق، أو الاتفاق على ما تسميه المنظمة الدولية للتوحيد القياسي "أفضل طريقة لأداء أمر ما". وتقدم المعايير حلاً لهذه الحاجة، وقد يختلف هذا الحل باختلاف السياق. وهي وثائق معيارية، إذ لا تقدم معلومات فحسب، بل مواصفات مفضلة على البدائل أيضاً.

الاستخدام المشترك والمتكرر: فالمعايير مصممة للتطبيق الواسع والمتكرر، بما يضمن الاتساق أو التوحيد. فقد يستخدم مصنع مثلاً معايير لمدخلاته لضمان أن يقدم موردوه المستوى نفسه من الجودة باستمرار.

الاعتراف: تصبح الحلول المقننة معايير حين تعترف بها جهات أخرى. وقد يحدث هذا الاعتراف إما لأن الجهات تعد العملية المتبعة في وضع المعيار مشروعة، وإما لأنها تقبل الصفة المرجعية للمعيار، طوعاً أو كرهاً، كأن يكون ذلك للنفاذ إلى سوق ما أو للامتثال للائحة. ورغم أن المنظمات قد تضع معايير لعملياتها الداخلية، كحجم خبز الهامبرغر في سلسلة مطاعم للوجبات السريعة، فإن هذه المعايير الداخلية ليست محور هذا التقرير.

ويتسق تعريف التقرير للمعايير إلى حد كبير مع التعريفات القائمة، لكنه يكيفها لاستيعاب النطاق الواسع لتحليله. فالتعريف الذي تستخدمه الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية مثلاً يصف المعايير بأنها وثائق توضع بالتوافق، وهو مبدأ يعكس نموذج الحوكمة في هاتين المنظمتين. ورغم أهمية هذا المبدأ لدى الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية والهيئات الأعضاء فيهما، فإن كثيراً من المعايير الأخرى ذات الأهمية البالغة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لا سيما تلك التي تصدرها الاتحادات الصناعية أو الحكومات أو المبادرات الخاصة، لا تقوم على التوافق.

ومن المفيد التمييز بين الأنواع المختلفة من المعايير التي يتناولها التقرير والتي تندرج تحت التعريف الواسع المذكور آنفاً. ومن الأهمية بمكان أن الامتثال للمعايير قد يكون طوعياً أو إلزامياً. فرغم أن كثيراً من المعايير طوعي، فإنها تصبح إلزامية حين تُكرس في القانون. كما يمكن أن تكون المعايير الطوعية ملزمة قانوناً حين تُدرج في الالتزامات التعاقدية. ويؤكد التقرير أن المعايير الطوعية والإلزامية تؤديان كلتاهما دوراً حاسماً في التنمية، وأن على صناع السياسات أن يميزوا بينهما بوضوح، لأنهما تؤديان وظائف مختلفة وتطرحان تحديات متمايزة على صعيد السياسات.

ويختلف استخدام التقرير لمصطلحي المعايير الطوعية والمعايير الإلزامية اختلافاً طفيفاً عن الاستخدام الشائع في أوساط المعايير وفي منظمات مثل منظمة التجارة العالمية. ففي ذلك السياق المتخصص، تُفهم المعايير على أنها أدوات طوعية، أما حين تصبح اشتراطاتها ملزمة قانوناً فيشار إليها باللوائح الفنية. ويؤكد التمييز بين هذين المصطلحين أن ليست كل اللوائح الفنية قائمة على معايير معترف بها أو تحيل إليها، خلافاً للممارسة الدولية الجيدة.

ومع ذلك يتبنى هذا التقرير مصطلحي المعايير الطوعية والإلزامية لسببين: أولاً، لأنه يوفر وضوحاً أكبر للجمهور غير المتخصص؛ وثانياً، لأنه يعكس حقيقة أن المعايير تطبق في مجالات كثيرة تتجاوز السياسة التجارية، كالتعليم والبناء والإدارة العامة، حيث نادراً ما يستخدم مصطلح اللائحة الفنية. ولذلك يمكن في جميع أجزاء التقرير قراءة مصطلح المعيار الإلزامي بوصفه مرادفاً عاماً للائحة الفنية، لا سيما في السياقات المتعلقة بالتجارة.

ويمكن أيضاً تصنيف المعايير وفقاً لأنواع أصحاب المصلحة المشاركين في وضعها، كالحكومة أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني. وكثيراً ما يشار إلى المعايير التي تضعها الحكومة بالمعايير العامة، في حين تضع المعاييرَ الخاصة جهاتٌ خاصة أو جهات متعددة أصحاب المصلحة، وهي طوعية في العادة.

وقد توضع المعايير بالتوافق في منظمات رسمية لوضع المعايير، أو تتطور لتصبح معايير بحكم الواقع. فحين توضع بالتوافق، تكون المعايير، لا سيما الدولية منها، في العادة نتاج تجميع معارف كبار الخبراء المتفقين على ما يعدونه "أفضل طريقة لأداء الأمور". أما المعايير بحكم الواقع فتفرضها في العادة منشأة واحدة تتمتع بقوة سوقية. فصيغة ملفات مايكروسوفت وورد مثال على معيار وضعته شركة واحدة، ومن ثم دون توافق رسمي. ومن ناحية أخرى، كانت ملفات PDF معياراً بحكم الواقع، وتكنولوجيا مملوكة طورتها أدوبي، ثم أصبحت معياراً دولياً رسمياً بعد أن اعتمدت بالتوافق في الأيزو ضمن سلسلة المعايير 32000.

ويمكن إجراء تمييز آخر بين المعايير المفتوحة والمعايير المملوكة. فالمعايير المفتوحة متاحة للجمهور ويمكن لأي شخص استخدامها، والمعايير الموضوعة بالتوافق تميل إلى أن تكون مفتوحة، وإن ظلت أحياناً متاحة مقابل رسوم. أما المعايير المملوكة فتسيطر عليها في العادة شركة أو اتحاد، وقد تحميها حقوق الملكية الفكرية كبراءات الاختراع أو حقوق التأليف والنشر. وقد يتطلب استخدامها اتفاقات ترخيص أو رسوماً، أو يقترن بقيود فنية، بما يمنح صاحب الحقوق السيطرة على تطبيقها، وربما يحد من المنافسة أو قابلية التشغيل البيني. وكثيراً ما تكون المعايير بحكم الواقع معايير مملوكة.

كما يمكن تصنيف المعايير بحسب نطاقها الجغرافي (دولي أو إقليمي أو وطني أو دون وطني)، وبحسب ما توحده، أي هدفها. فقد تتعلق المعايير بالأشخاص (كمعايير المهارات)، أو العمليات (كأساليب اختبار المنتجات)، أو المنظمات والأنظمة (كأنظمة إدارة الجودة)، أو المنتجات والخدمات (كمعايير متانة المواد).

ويركز هذا التقرير على ثلاثة أنواع من المعايير بحسب وظيفتها الأساسية، هي معايير القياس والتوافق والجودة.

فمعايير القياس أساليب متفق عليها لضمان الاتساق والدقة والموثوقية في القياس. وهي حاسمة في مجالات شتى لتوفير فهم مشترك للأوزان والمقاييس، أو مقياس مشترك لتقييم الجودة أو التقدم، والحد من الأخطاء، وتعزيز ثقة المستهلكين في المنتجات والخدمات. وتتيح معايير القياس مقارنة دقيقة للقياسات عبر الأماكن والأزمنة المختلفة، فتدعم التجارة العالمية والتقدم التكنولوجي. وسنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة وسنوات العمر المعدلة حسب جودة الحياة مثالان على معايير القياس في الرعاية الصحية.

أما معايير التوافق فمواصفات متفق عليها تضمن قابلية التشغيل البيني والتوافق بين الأنظمة أو الأجهزة أو المكونات المختلفة، وتتيح للمنتجات أو الخدمات العمل معاً بسلاسة حتى لو طورها مصنعون مختلفون. والمقياس المعياري للقضبان في منظومات السكك الحديدية وحاويات الشحن الموحدة مثالان على معايير التوافق. كما تساعد معايير التوافق على تقليص تنوع المنتجات، ففي عشرينيات القرن العشرين مثلاً دفعت الحكومة الأمريكية المصنعين إلى التحول نحو "المقاسات الموحدة"، بما ساعد على إتاحة الإنتاج الضخم.

وأما معايير الجودة فتحدد الخصائص التي يجب أن يتمتع بها منتج أو خدمة أو نظام أو عملية لبلوغ مستوى أو حالة محددة من الجودة، كالأداء أو السلامة أو الموثوقية أو الاستدامة. فإذا كانت معايير القياس تحدد المسطرة، فإن معايير الجودة تحدد العلامة على المسطرة. ومن أمثلة معايير الجودة معايير سلامة المنتجات، والحدود القصوى لانبعاثات الوقود، وأنظمة إدارة الجودة، ومؤهلات المهارات المهنية. وكثيراً ما تكون معايير الجودة شرطاً مسبقاً مهماً لبيع منتج في السوق، ولعمل المدارس والمستشفيات والمنشآت.

وإلى جانب هذه الوظائف الأساسية الثلاث، يمكن تمييز أنواع أخرى من المعايير، فبعض المعايير مثلاً تخدم أساساً إرساء مصطلحات أو تعريفات مشتركة.

أنواع المشكلات التي تعالجها المعايير

يمكن للمعايير أن تؤدي دوراً حاسماً في تحسين التنسيق وتيسير عمل الأسواق بكفاءة، بمعالجة إخفاقات التنسيق وإخفاقات السوق المتعلقة بنقص المعلومات أو الآثار الخارجية أو القوة السوقية. وتبعاً لطبيعة التحدي المطروح على صعيد السياسات وحوافز أصحاب المصلحة المعنيين، قد تقدم المعايير الطوعية حلاً أكثر فاعلية، وقد تقدمه المعايير الإلزامية. وعلى صناع السياسات أن يوازنوا بين نقاط القوة المتكاملة لهذين النوعين من المعايير، فيستعينوا بالمعايير الطوعية حين يدفع طلب السوق الابتكار والتبني، ويُنفذوا المعايير الإلزامية حين تتطلب المصالح العامة، كالصحة أو السلامة أو حماية البيئة، قواعد واجبة الإنفاذ. وتؤدي معايير الجودة والتوافق والقياس جميعها دوراً، لكن أنواعاً معينة منها تميل إلى أن تكون أكثر فاعلية في مشكلات بعينها، كمعايير التوافق في حالة الآثار الشبكية.

نشر المعلومات: تجسد معايير الجودة معلومات عن الممارسات الجيدة، لا سيما حين يضعها كبار الخبراء بالتوافق. والأفضل عادة أن تبقى معايير الجودة طوعية. فبوسع منظمة ما مثلاً أن تتبع الإرشادات والاشتراطات الواردة في معيار الأيزو 9001 لتتعلم كيف تنشئ نظاماً لإدارة الجودة يضمن اتساق جودة المنتجات، ويتتبع العيوب، ويدمج ملاحظات العملاء. فالمعايير تساعد المنظمات على تجنب "إعادة اختراع العجلة"، وهي كالوصفة تقنن الممارسات الجيدة، بما يتيح نقل المعرفة. ونتيجة لذلك تعزز المعايير الجودة وترفع الإنتاجية تعزيزاً كبيراً. ويمكن للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تستفيد من نقل المعرفة الذي تتيحه المعايير بتبني المعايير الدولية أو بالمشاركة في نقاشات الخبراء أثناء وضعها.

معالجة إخفاقات التنسيق: تساعد المعايير على معالجة إخفاقات التنسيق. فالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا يعاير معياراً لقياس الوقت باستخدام الساعات الذرية التي تختم بالوقت مئات المليارات من المعاملات المالية يومياً، وتتلقى خدمة الوقت عبر الإنترنت التابعة للمعهد أكثر من 40 مليار طلب يومياً لمزامنة الساعات في الحواسيب وأجهزة الشبكات. ومن صعود الإنتاج الضخم إلى تطور سلاسل القيمة العالمية وتزايد الاعتماد على الإنترنت، أصبحت المعايير أسساً جوهرية للاقتصاد. فبتقديمها مواصفات مشتركة، تتيح وفورات الحجم، وتدعم الصناعات الشبكية كالسكك الحديدية والاتصالات والاقتصاد الرقمي، وتزيد أحجام الأسواق، كما في التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يميز الاتحاد الأوروبي. كما تساعد المواصفات المشتركة على تقليص تنوع المنتجات والمكونات المتاحة، وهو ما قد يعزز الكفاءة تعزيزاً كبيراً، كما يحدث حين يوحد مصنعو السيارات أجزاء كالمسامير أو أحجام البطاريات عبر الطرازات المختلفة، فيسهل الشراء بالجملة، ويبسطون التجميع، ويجعلون الصيانة أيسر. ويمكن أن يحدث هذا النوع من التوحيد عبر قوى السوق من خلال المعايير الطوعية، أو عبر التنظيم الحكومي. كما تعزز معايير التوافق انتشار التكنولوجيا وسهولة استخدامها، إذ تتيح للمستخدمين التنقل بين المنتجات المتوافقة. فضلاً عن ذلك، يعد توحيد المنتجات ضرورياً لإتاحة تخصص العاملين داخل المنشآت، بما يفضي إلى إنتاجية ونمو أعلى.

تعزيز المنافسة: يمكن للمعايير أيضاً أن تعزز المنافسة العادلة بخفض حواجز دخول الأسواق. فمعايير التوافق في الاتصالات أو المدفوعات مثلاً تتيح لمستخدمي شبكة ما الاتصال بمستخدمي شبكة أخرى، بما يشجع المنافسة بين مقدمي الخدمات. وبتبادل المعلومات، تساعد المعايير المنشآت على المنافسة بتمكين المستهلكين من اتخاذ قرارات أكثر استنارة. كما يمكنها أن تخلق تكافؤاً في الفرص، فمعايير السلامة التي تقوم عليها علامات المطابقة تتيح للمصنعين الأصغر المنافسة بضمان استيفائهم اشتراطات السلامة ذاتها التي تستوفيها العلامات التجارية الراسخة. وعلى نحو مماثل، تتيح معايير التكافؤ الحيوي لمصنعي الأدوية الجنيسة منافسة الأدوية ذات العلامات التجارية، فتمنح المستهلكين الثقة بأن الأدوية الجنيسة لا تقل عنها فاعلية. غير أن المعايير قد تعمل أيضاً حاجزاً أمام الدخول، وهو أحد المخاطر التي يتناولها القسم الفرعي التالي.

الحد من عدم تماثل المعلومات: يمكن للمعايير أن تنقل معلومات حيوية تساعد على بناء الثقة بين الأشخاص والمنظمات. فحين تقترن بشهادات موثوقة، تساعد المعايير على سد فجوات المعلومات بالإشارة إلى جودة المنتج أو مواصفاته. فالمعايير مثلاً تتيح لمشتري الذهب أن يثق بأن وزن الذهب ونقاءه يطابقان ما يدعيه البائع. ويمكن لهذه الزيادة في الجدارة بالثقة أن تخفض التكاليف المرتبطة بإدارة المعاملات الاقتصادية في المنشآت والبيروقراطيات والمنظومات الاقتصادية الأوسع، ولهذا يمكن أن تكون المعايير الطوعية والإلزامية كلتاهما فعالة بحسب الموقف. فبوجود المعايير مثلاً لا تحتاج المنشأة إلى إنفاق الوقت والموارد للتحقق من الجودة والمواصفات مع كل عملية شراء. وخفض هذه التكاليف، التي كثيراً ما يشار إليها بتكاليف المعاملات، يتيح للمنظمات أن تزدهر وللبلدان أن تتطور.

معالجة الآثار الخارجية السلبية: المعايير حاسمة في معالجة الآثار الخارجية السلبية، وهي إخفاق كبير من إخفاقات السوق. وتحدث الآثار الخارجية السلبية حين لا يتحمل فاعل اقتصادي التكاليف الكاملة لأفعاله، فيحمّل الآخرين جزءاً منها. وتضع المعايير، الإلزامية منها عادة، قواعد أو عتبات أو إجراءات للمساعدة على منع الضرر الناجم عن هذه الآثار أو تخفيفه. فللحد من تلوث الهواء مثلاً، تقيد معايير الانبعاثات كمية المواد الكيميائية الضارة التي يمكن للمصانع أن تطلقها في البيئة. وترسي معايير الإقراض وكفاية رأس المال حداً أدنى من الاشتراطات التي يجب على المؤسسات المالية استيفاؤها لمنح الائتمان، بما يقلل خطر عدم الاستقرار المالي الناجم عن الإفراط في الإقراض. كما تدعم المعايير إنفاذ هذه القواعد أو العتبات أو الإجراءات. فمنظمة الصحة العالمية مثلاً تقدم إرشادات بشأن تلوث الهواء يمكن للبلدان استخدامها عند وضع معاييرها الوطنية. وفي ما يتعلق بغازات الاحتباس الحراري، يقدم معيار الأيزو 14064 إرشادات لقياس الانبعاثات وعمليات الإزالة ورصدها والإبلاغ عنها، بما يساعد الجهات على التخفيف من أثرها البيئي.

مخاطر التوحيد القياسي

رغم فائدة التوحيد القياسي، فإنه قد يولد مخاطر تبعاً لطريقة تصميم المعايير واستخدامها. فوضع معايير باشتراطات مرتفعة على نحو غير واقعي وتطبيقها قد يكون من قبيل "الأفضل عدو الجيد"، لا سيما إذا رفعت المعايير تكاليف التبني والإنفاذ. كما يمكن أن تكون المعايير إقصائية، خاصة بالنسبة للمنشآت الصغيرة التي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة لتطبيقها والحصول على شهادات باستيفائها.

ويمكن استخدام المعايير الإلزامية، التي تسمى كما أشرنا آنفاً "لوائح فنية" في بعض المجالات، حواجزَ أمام التجارة. فحصة التجارة العالمية الخاضعة لتدابير غير جمركية كالمعايير الإلزامية ارتفعت من نحو 15% في تسعينيات القرن العشرين إلى قرابة 90% في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وقد اعتمدت البلدان المرتفعة الدخل تاريخياً على هذه التدابير أكثر من غيرها، وكثيراً ما فرضت تدابير أشد صرامة، لكن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل باتت تطبقها اليوم بالقدر نفسه تقريباً. وإلى جانب أثرها في تدفقات التجارة الدولية، تؤثر المعايير الإلزامية وغيرها من التدابير غير الجمركية أيضاً في المنافسة بين المنشآت المحلية.

وقد تروج المنشآت المهيمنة لمعاييرها التكنولوجية الخاصة لزيادة قوتها السوقية. وطوال معظم القرن العشرين، لم يمثل ذلك عقبة كبيرة أمام المنافسة، بفضل العمليات المفتوحة والتعاونية المستخدمة في وضع معظم المعايير، سواء في المحافل الوطنية أو الدولية. غير أن هذا بدأ يتغير خلال الثورة الصناعية الثالثة، التي قادتها تكنولوجيا المعلومات، واستمر بل ربما تفاقم في الثورة الصناعية الرابعة الجارية، التي تلتقي فيها الأنظمة الرقمية والمادية والبيولوجية. فالآثار الشبكية الكامنة في هذه التقنيات الجديدة تخلق بيئة "الفائز يأخذ كل شيء"، بما يشجع استخدام براءات الاختراع الأساسية للمعايير أو غيرها من أشكال حماية الملكية الفكرية لجني الريوع.

ويمكن للمعايير أن تحبس المنشآت والبلدان في توازن دون المستوى الأمثل إذا حالت دون التكيف في بيئة سريعة التغير. فلوحة المفاتيح "كويرتي" مثال معروف على الانحباس التكنولوجي، إذ صُممت أصلاً لمنع تشابك أذرع الحروف في الآلة الكاتبة، ولا تزال التخطيط المعياري للوحات مفاتيح الحاسوب اليوم، رغم أن تصاميم أخرى قد تكون أكثر كفاءة. وعلى نحو مماثل، يبين استمرار نظام القياس الإمبراطوري البريطاني الاعتماد القوي على المسار في المعايير التي تترسخ عميقاً في المؤسسات والبنية التحتية والممارسات اليومية، بما يجعل التغيير مكلفاً.

من يضع المعايير ولماذا

لأن المعايير تخدم أغراضاً متعددة، فلدى أصحاب المصلحة أسباب شتى لوضعها. وينشأ الطلب على المعايير الطوعية في العادة من احتياجات السوق العملية. فقد كانت أسنان البراغي المصنوعة حسب الطلب مقبولة حين كانت تصنع بكميات صغيرة، لكن الإنتاج الضخم للسلع ذات البراغي خلق بطبيعة الحال ضرورة لأسنان براغٍ موحدة سبيلاً عملياً لتبسيط العمليات. وأبرز الخروج المتكرر للقطارات عن مساراتها في أواخر القرن التاسع عشر الحاجة إلى معايير إلزامية تضمن جودة متسقة للقضبان الفولاذية.

وتؤثر الدوافع المختلفة لأصحاب المصلحة في كيفية تعاونهم لوضع المعايير ومع من يتعاونون. ففي الصناعات الشبكية كتكنولوجيا المعلومات، كثيراً ما يكون لدى مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا حافز تجاري قوي لوضع معايير طوعية تعالج قضايا محددة، كبروتوكولات الاتصال والتبادل. وفي القطاعات التي تشهد تغيراً تكنولوجياً سريعاً، تصبح سرعة وضع المعايير أهم من المشاركة الواسعة لأصحاب المصلحة. ونتيجة لذلك كثيراً ما تشكل المنشآت اتحادات خاصة لوضع المعايير بدلاً من الاعتماد على منظمات وضع المعايير الدولية الرسمية كالأيزو أو اللجنة الكهروتقنية الدولية. وهذا أحد أسباب كون كثير من منظمات وضع المعايير حول العالم خاصاً بقطاعات بعينها.

وفي بعض السياقات قد يتطلب المعيار مشاركة كثير من أصحاب المصلحة المختلفين، كما في حالة المعايير الدولية. فالتزام الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية بالمشاركة الشاملة لأصحاب المصلحة وبالتوافق يقوم على فهم مفاده أنه لكي يكون المعيار قابلاً للتطبيق دولياً، يجب أن تكون عملية وضعه متاحة لمجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة. ولهذا السبب ولأسباب أخرى، أرست منظمة التجارة العالمية ستة مبادئ لوضع المعايير الدولية، منها الانفتاح والتوافق. غير أن هدف الشمول كثيراً ما يؤدي إلى إطالة فترات وضع المعايير، وإلى خطر تميع الغرض من المعيار بسبب كثرة المشاركين. وفي الوقت نفسه، تظل المشاركة الواسعة والمتوازنة لأصحاب المصلحة في التوحيد القياسي الدولي هدفاً منشوداً، إذ كثيراً ما يكون تمثيل البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل والمنشآت الأصغر غير كافٍ.

وتتفاوت الحوافز الخاصة لأصحاب المصلحة للمشاركة في وضع المعايير الدولية أو الوطنية. فقد يرغبون في التأثير في العملية لتشكيل الأسواق لصالح تقنياتهم، أو لتوجيه اللوائح المستقبلية المتعلقة بمعيار معين. غير أن حوافزهم للمشاركة في وضع معيار بعينه قد تكون ضعيفة إذا لم يكن المعيار جوهرياً لمجال عملهم، بما يفضي إلى مشكلة "الراكب المجاني". فمعيار مشترك لتبادل البيانات مثلاً قد يفيد صناعة بأكملها، لكن قد لا تكون أي منشأة بمفردها مستعدة لاستثمار وقتها ومواردها الخاصة في المساعدة على وضعه.

وخلافاً للمعايير الصناعية التي لا يحرك وضعها سوى الحوافز التجارية، تتطور معايير الاستدامة الطوعية من مزيج من الحوافز التجارية والأهداف المجتمعية الأوسع. وكثيراً ما تكون معايير الاستدامة الطوعية هذه خاصة بقطاعات بعينها، وتضعها مجموعة من اللاعبين في الصناعة خارج منظمات وضع المعايير الوطنية أو الدولية الراسخة، وإن كان ذلك في الغالب بمساهمات من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية والأكاديميين. فعلى سبيل المثال، أسست شركة يونيليفر والصندوق العالمي للطبيعة مجلس الإشراف البحري لمعالجة المخاوف المتعلقة بالصيد الجائر ونقص معايير الاستدامة في مصايد الأسماك العالمية. ولما كانت لوائح الاستدامة كثيراً ما لا توفر سوى حد أدنى للأداء، فإن معايير الاستدامة الطوعية تتيح للمنشآت الأفضل أداءً أن تميز نفسها، وأن تجتذب شريحة من العملاء مستعدة لدفع علاوة سعرية تغطي التزام المنشآت بمعيار أعلى. وتزيد هذه المعايير المدفوعة تجارياً خطر تعايش معايير متعددة، أي التشرذم، الذي يسهم بدوره في أثر "وعاء السباغيتي" الذي يتناوله الفصل الرابع.

ثم هناك معايير قد لا يكون لدى أي صاحب مصلحة بمفرده حافز تجاري قوي لوضعها، كتلك التي تعالج الآثار الخارجية السلبية لحماية صحة الجمهور وسلامته. وفي هذه المجالات، كثيراً ما يتعين على الحكومات أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية أن تضطلع بدور قيادي. ومن الأمثلة على ذلك معايير سلامة الغذاء الموضوعة تحت مظلة الدستور الغذائي الذي تصدره منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ومعايير العمل التي تضعها منظمة العمل الدولية، والمعايير الصحية التي تتعهدها منظمة الصحة العالمية. ويعني الامتداد الدولي لهذه المعايير ضرورة إشراك أصحاب المصلحة إشراكاً كبيراً لضمان مشروعيتها وتبنيها.

تحديد العدد المناسب من المعايير

هل ثمة عدد أمثل من المعايير؟ ومتى يصبح فائض المعايير (التشرذم) أو نقصها (الغياب) مشكلة؟ يقدم النقاش السابق بعض الرؤى حول هذه الأسئلة. ففي القطاعات المتمحورة حول التكنولوجيا كتكنولوجيا المعلومات، تخلق الآثار الشبكية الخارجية حوافز "الفائز يأخذ كل شيء" التي تحبذ الوضع السريع للمعايير. وتفسر الحاجة إلى السرعة لماذا تضع الاتحادات أو المنشآت الفردية معظم معايير تكنولوجيا المعلومات. غير أن التشرذم يصبح مصدر قلق كبير حين تتعايش معايير متعددة، لأن الآثار الشبكية لاستخدام معيار واحد لا تتحقق. فمعيارا "بلو راي" و"إتش دي دي في دي" مثلاً تعايشا في البداية إلى أن اكتسب "بلو راي" حصة سوقية كافية ليصبح صيغة الفيديو المهيمنة. ومن ناحية أخرى، تستخدم الشركات معايير الاستدامة الخاصة لتمييز منتجاتها، وكثيراً ما تتجاوز ما تتطلبه لوائح الاستدامة القائمة. وقد يخلق التشرذم الناتج مشكلات إذا واجه المستهلكون صعوبة في التعرف على علامة استدامة معينة بين العلامات الكثيرة المختلفة. وفي الوقت نفسه، يتعلق عدد متزايد من معايير الاستدامة الطوعية بالعلاقات بين المنشآت، بما لا ينطوي إلا على خطر ضئيل لإرباك المستهلكين.

ولا تعاني المعايير التي تضعها منظمات وضع المعايير الدولية، كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات، من التشرذم عادة، لأنه لا يوضع سوى معيار واحد لكل حاجة محددة. ويصبح التشرذم مشكلة حين تختلف المعايير الوطنية عن المعايير الدولية، أو حين تتعدد علامات المطابقة. فعلامة المطابقة الأوروبية "CE" في الاتحاد الأوروبي، وعلامة الشهادة الصينية الإلزامية "CCC" في الصين، وعلامة لجنة الاتصالات الاتحادية "FCC" في الولايات المتحدة، وعلامة "ISI" الصادرة عن مكتب المعايير الهندي في الهند، إلزامية في العادة للمنتجات الإلكترونية. والمنتج الحامل لعلامة "CE" لا يمكن بيعه في الصين ما لم يستوفِ أيضاً اشتراطات علامة "CCC"، وهو ما يضيف تكلفة ويؤخر طرح المنتج في السوق. ويحدث ذلك لأن علامات المطابقة تقوم على معايير فنية مختلفة وإجراءات مختلفة لتقييم المطابقة، كإجراءات الاختبار وتدقيق المصانع والتوثيق وعمليات التفتيش اللاحقة.

ورغم أن التشرذم الناجم عن فائض المعايير مشكلة، فإن نقص المعايير مشكلة كذلك، لا سيما في المجالات المتعلقة بالسلامة. فقد يفتقر أصحاب المصلحة من القطاع الخاص إلى حوافز لوضع المعايير، بما يجعل تدخل الحكومات أو المنظمات الدولية ضرورياً. كما يمكن لجمعيات المستهلكين أن تؤدي دوراً في المطالبة بالمعايير. ففي القرن التاسع عشر مثلاً، طالب العمال الأكثر عرضة للموت جراء انفجارات المراجل بمعايير لسلامة المراجل. واليوم تضغط جمعيات المستهلكين من أجل سلامة الغذاء أو السيارات، لكن الجهود المنسقة من هذا النوع تتطلب عملاً جماعياً ووقتاً. وعلى نحو مماثل، كثيراً ما يزداد الطلب على معايير السلامة بعد وقوع كارثة، كالمطالبة بقوانين بناء أكثر صرامة بعد زلزال، أو بقوانين أقوى للحماية من الحرائق في أعقاب حريق مميت بوجه خاص.

ورغم أن هذا التقرير يؤكد المنافع التي يمكن للبلد أن يجنيها من الانتقال إلى معايير أكثر طموحاً، فإن ديناميات الاقتصاد السياسي قد تعرقل التقدم في هذا المجال. ففي بعض الحالات، لا يعكس غياب المعايير الإلزامية الصارمة افتقاراً إلى القدرة على الامتثال، بل يعكس المصالح الراسخة لجهات نافذة تستفيد من الثغرات التنظيمية. وعلى نحو مماثل، قد لا ينبع ضعف الإنفاذ من أوجه القصور المؤسسي وحدها، بل قد يكون سمة مقصودة في أنظمة يطبعها السعي إلى الريع والفساد. كما ينبغي الإقرار بأن أنظمة البنية التحتية للجودة غير المتطورة تطرح تحديات كبيرة في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فمنظومة البنية التحتية للجودة في البلد تؤثر مباشرة في قدرته على استخدام المعايير أو تبنيها والتحقق من الامتثال لها، ولذلك لا تستطيع بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل الانتقال إلى معايير أكثر صرامة، حتى لو أدركت المنافع الكبيرة التي يمكن أن توفرها هذه المعايير.

كيف تُستخدم معايير التنمية

المعايير أداةً للسياسة العامة

متى وكيف ينبغي للحكومات أن تستخدم المعايير أدواتٍ للسياسات؟ الإجابة عن هذا السؤال معقدة، لأن السياسة العامة تسعى إلى تحقيق أهداف متنوعة، من تعزيز التنمية الاقتصادية، إلى حماية صحة السكان وسلامتهم، إلى النهوض بالأمن الوطني، إلى صون البيئة. والمعايير ليست الأداة الوحيدة لتحقيق هذه الأهداف. فالمنتجات الأكثر أماناً مثلاً قد تنتج عن قواعد المسؤولية التقصيرية وأقساط التأمين المدفوعة بالتعويضات الباهظة في حالة الحوادث. ويمكن الحد من انبعاثات الكربون باتباع نهج قائم على السعر تُفرض فيه الضرائب على الانبعاثات. ويمكن تعزيز صحة السكان عبر حملات التوعية بالمخاطر الصحية.

غير أنه إذا كانت المعايير هي الأداة المختارة، فثمة طرق متعددة لاستخدامها. ويؤكد هذا التقرير أن على صناع السياسات الاستفادة من نقاط قوة المعايير الطوعية والإلزامية على حد سواء، ويشرح هذا القسم الفرعي الفروق الرئيسية بينهما.

فعند أحد طرفي الطيف، قد تترك الحكومات قضايا السياسات للمعايير الطوعية إذا كان طلب السوق يدفع وضعها وتبنيها، وقد لا يكون التدخل الحكومي ضرورياً إلا لتنسيق أصحاب المصلحة أو دعم الإقبال على المعايير الطوعية. وعند الطرف الآخر، يمكن للحكومات أن تشترط استيفاء المنتجات والخدمات لعتبات محددة أو معايير تصميم معينة، كحدود الانبعاثات للمركبات أو معايير السلامة للأجهزة الكهربائية. وقد ينطوي نهج مشترك على وضع اشتراطات قانونية بعبارات عامة، وإتاحة المجال للفاعلين في السوق لاستخدام المعايير الطوعية لسد الثغرات. فلائحة السلامة العامة للمنتجات في الاتحاد الأوروبي مثلاً تشترط أساساً أن تكون المنتجات آمنة، وتترك كثيراً من التفاصيل الفنية للمعايير الطوعية. ويمكن لهذا النهج أن يكون شكلاً فعالاً ومرناً من أشكال التنظيم المشترك مع القطاع الخاص، تفوض فيه الحكومة بعض الوظائف التنظيمية للمعايير الطوعية. والأهم من ذلك أنه حتى لو لم تكن المعايير الأداة الأساسية لمعالجة قضية من قضايا السياسات، فإنها قد تظل تؤدي دوراً داعماً. فتسعير الكربون مثلاً يعتمد على تحديد واضح للانبعاثات المشمولة، وكيفية قياسها، وكيفية التحقق منها، والمعايير حاسمة في هذه المجالات.

خمس طرق رئيسية لاستخدام المعايير أداةً للسياسات

ثمة خمس طرق رئيسية يمكن بها استخدام المعايير أداةً للسياسات، تتدرج بحسب مستوى التدخل الحكومي: المعايير التي يقودها السوق، والمعايير الطوعية بدعم حكومي، والمعايير الطوعية التي تسد الثغرات القانونية، والمعايير الإلزامية التي تدعم سياسات أخرى، والمعايير الإلزامية أداةً للأمر والسيطرة.

المعايير التي يقودها السوق

قد تختار الحكومات عدم التدخل في السوق على الإطلاق، وأن تفسح المجال بدلاً من ذلك للمعايير الطوعية التي يقودها السوق. وتبين حقيقة أن معظم المعايير طوعية ومطبقة على نطاق واسع قوة الحوافز الخاصة والمصلحة الذاتية. فكل مورد يجب أن يستوفي معايير المنشآت، المحلية أو الأجنبية، التي يبيع لها سلعه الأساسية أو بضائعه أو خدماته. فمصنع المصابيح الكهربائية مثلاً يحتاج إلى ضمان امتثاله لمعايير حجم المقابس التي يتوقع أن تستخدم فيها مصابيحه، وهو ما يبين كيف يمكن لمعايير التوافق أن تخلق حوافز قوية على امتداد سلسلة الإمداد. وفي حالات كثيرة، لا حاجة لأن تنخرط الحكومة في المعايير الطوعية، بل قد يأتي انخراطها بنتائج عكسية إذا أثرت الاعتبارات السياسية أو التنظيمية في المواصفات الفنية.

المعايير الطوعية بدعم حكومي

رغم أن المعايير الطوعية قد تكون مفيدة، فقد لا يشارك أصحاب المصلحة في وضعها أو لا يكونون مستعدين لدفع ثمنها. وقد تفتقر المنظمات الخاصة إلى القدرة على التنسيق والاتفاق على معيار مشترك، بما يؤدي إلى تنوع مفرط في المنتج الواحد ويقيد إمكانات الإنتاج الضخم. وفي مثل هذه الحالات، قد تتدخل الحكومة للمساعدة في وضع معايير صناعية، على غرار جهود الحكومة الأمريكية في التوحيد القياسي خلال عشرينيات القرن العشرين. فوضع المعايير يتطلب حضور اجتماعات فنية كثيرة، وهي تكلفة لا تقدر عليها جميع المنشآت، كما ينطوي على تكاليف عامة لتنسيق أصحاب المصلحة وتبادل المعلومات وتوزيع المعايير. وفي كثير من البلدان المرتفعة الدخل، تمول هيئات التقييس الوطنية وضع المعايير ببيعها للمستخدمين وطلب رسوم للمشاركة في وضعها. ولا يكفل نموذج الإيرادات هذا استمرار العملية فحسب، بل يوفر أيضاً إشارة سوقية، فكلما كثر شراء معيار ما واستخدامه، زاد احتمال أنه يلبي حاجة صناعية أو مجتمعية حقيقية. وعلى نحو مماثل، تعتمد كثير من منظمات وضع المعايير الدولية كالأيزو على مبيعات المعايير لدعم عملياتها. غير أنه في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، نادراً ما تغطي إيرادات بيع المعايير التكاليف الكاملة لوضعها. فبينما تحقق هيئات التقييس الوطنية في البلدان المرتفعة الدخل في المتوسط 38% من دخلها من مبيعات المعايير، لا تمثل المبيعات سوى 2% من إيرادات هذه الهيئات في البلدان المنخفضة الدخل، و6% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ويعود ذلك إلى أن هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل كثيراً ما تكون منظمات حكومية أقل توجهاً نحو المبيعات وتركيزاً عليها. ولذلك قد تحتاج الحكومة إلى التدخل، لا بتحديد مضمون المعيار الطوعي، بل بتشجيع وضعه. وعلى نحو مماثل، قد ترغب الحكومات أيضاً في تشجيع فئات معينة من أصحاب المصلحة على استخدام المعايير. فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة مثلاً قد تحتاج إلى دعم إضافي لتطبيق المعايير لافتقارها إلى المعلومات أو القدرة اللازمة لذلك، رغم أن تطبيقها سيعود عليها بالنفع، كما في ما يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق الدولية أو الارتقاء بالجودة.

المعايير الطوعية التي تسد الثغرات القانونية

كثيراً ما لا تكون القوانين محددة للغاية، وإلا لأصبحت سريعاً متقادمة أو مفرطة التعقيد. وفي مثل هذه الحالات، تكون المعايير الطوعية أدوات مهمة لسد الثغرات الفنية في الأحكام القانونية أو لإرشاد الامتثال للقوانين. فقد تجد الحكومات مثلاً أنه من غير العملي تحديد سماكة عزل الكابلات في قانون يعزز السلامة الكهربائية، فماذا لو اكتُشفت مادة عازلة جديدة توفر العزل نفسه بنصف السماكة؟ ولذلك فمن الممارسات التنظيمية الجيدة ترك هذه التفاصيل الفنية للمعايير الطوعية. ويمكن للحكومات أن تصدر هذه المعايير، أو أن تطلب من منظمات وضع المعايير وضعها. وإذا كان معيار طوعي متعلق بلائحة معينة قائماً بالفعل عند تقنين اللائحة، فبوسع الحكومة ببساطة أن تحيل إليه في اللائحة. ويوفر هذا النهج الوقت ويعتمد على معايير مألوفة بالفعل لدى الصناعة. ويطبق نهج مماثل في المشتريات العامة، حيث تستطيع المنشآت التقدم بعطاءات في المناقصات العامة، لكن الحكومة قد تشترط الامتثال لمعايير معينة، وهو ما يمثل وسيلة قوية لتعزيز المعايير.

المعايير الإلزامية التي تدعم سياسات أخرى

يمكن للمعايير أن تدعم أدوات السياسات بتوفير التعريفات وتحديد أساليب القياس والتحقق واشتراطات الامتثال. فإذا قدمت حكومة ما مثلاً حوافز مالية للأجهزة الموفرة للطاقة، فقد تعتمد على معيار لتحديد الأجهزة المؤهلة لاعتبارها موفرة للطاقة، وكيفية قياس كفاءة الطاقة، وكيفية التحقق من الامتثال عبر الاختبار أو منح الشهادات. وعلى نحو مماثل، يتيح نظام تداول الانبعاثات للسوق تخصيص أرصدة الكربون، لكنه قد يشترط أن يتبع قياس الانبعاثات والتحقق منها معايير محددة.

المعايير الإلزامية أداةً للأمر والسيطرة

يتعين على الحكومات أن تقرر متى تفرض اشتراطات محددة على الخيارات التكنولوجية للمنشآت عبر تدابير إلزامية، ومتى تستخدم الحوافز. ومن أمثلة المعايير الإلزامية، أي أدوات الأمر والسيطرة، اشتراط تزويد الآلات بأزرار توقف في حالات الطوارئ، أو حظر المواد الكيميائية الضارة في الأغذية. وتحدد هذه السياسات ما هو قانوني وما هو غير قانوني عبر الترخيص والحظر والقيود وضوابط الأسعار. أما الأدوات القائمة على الحوافز فتستخدم حوافز سعرية كالمشتريات الحكومية والإعانات والتخفيضات الضريبية، دون التحكم المباشر في المواصفات أو الكميات أو التخصيصات. ومن الناحية العملية، كثيراً ما تكون الحدود بين أدوات الأمر والسيطرة والأدوات القائمة على الحوافز ضبابية، فقد تجمع السياسات بين جوانب من الاثنين، بما يبين إمكانات التكامل بين النهجين. فمعايير الانبعاثات القابلة للتداول مثلاً تضع حدوداً لكثافة الانبعاثات، لكنها تتيح للمنشآت تجاوز هذه الحدود بشراء أرصدة انبعاثات من منشآت تقل انبعاثاتها عن الحدود.

إرشادات لتحديد متى تُستخدم المعايير الإلزامية بدلاً من الأدوات القائمة على الحوافز

ثمة إرشادان عامان لتحديد متى تكون المعايير الإلزامية أكثر جدوى من التدابير التي تعتمد على الحوافز: فالمعايير الإلزامية مفضلة حين يلزم امتثال موحد، أو حين تجعل تحقيق الامتثال وإنفاذه أيسر.

استخدام المعايير الإلزامية لتحقيق امتثال موحد

يُنظر إلى الأدوات القائمة على الحوافز عموماً على أنها أكثر فاعلية من حيث التكلفة من لوائح الأمر والسيطرة، لأنها توفر دافعاً مستمراً للابتكار والتحسينات الكفؤة في الأداء. فضريبة الكربون مثلاً تشجع مطلقي الملوثات الكربونية على خفض انبعاثاتهم بأقل الطرق تكلفة، بما يمكّن الشركات ذات تكاليف الخفض الأدنى من اتخاذ مزيد من الإجراءات. ورغم أن هذه الأدوات القائمة على الحوافز قد تكون أكثر كفاءة من التدابير الإلزامية، فإنها تنطوي أيضاً على خطر أكبر في عدم بلوغ أهدافها. فتقديم حوافز مالية للمستشفيات لخفض معدلات العدوى مثلاً قد لا يجدي إذا كانت إيرادات المستشفيات تعتمد أساساً على عوامل أخرى، كعدد المرضى ومدة إقامتهم ونسبة الأطباء إلى المرضى. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون إنفاذ معايير النظافة والتعقيم الأساسية في المستشفيات، كمحطات غسل الأيدي وإجراءات التعقيم، أكثر فاعلية.

وتضمن المعايير الإلزامية الامتثال لعتبة معينة، ولذلك فهي أنسب حين يتسبب عدم بلوغ العتبة في ضرر جسيم أو لا يمكن تداركه. فقد يكون من الأكثر أماناً وفاعلية من حيث التكلفة مثلاً اشتراط مواصفات للحد الأدنى من متانة مواد البناء بدلاً من المجازفة بالتكاليف الباهظة لعدم الامتثال، كانهيار جسر. كما قد يكون اشتراط معايير السلامة في محطات الطاقة النووية استراتيجية أحكم من فرض الغرامات بعد وقوع حادث يتعلق بالسلامة. وإجراء تحليلات التكلفة والعائد اللازمة لاتخاذ مثل هذه القرارات أمر معقد، إذ ينطوي على إصدار أحكام قيمية مهمة، منها كيفية تسعير الأضرار غير النقدية كفقدان الأرواح أو تدهور الصحة، وكيفية تقييم المستقبل مقارنة بالحاضر كاستثمارات اليوم البيئية من أجل الأجيال القادمة، وكيفية تحديد حدود النظام موضع التحليل كالتكاليف والمنافع غير المباشرة على الناس في بلدان أخرى أو على الأنواع الأخرى.

والمعايير الإلزامية مفيدة بوجه خاص حين يلزم امتثال موحد، كضمان استيفاء جميع المعلمين حداً أدنى معيناً من المؤهلات، أو عدم تجاوز مستويات بقايا المبيدات في الأغذية المستويات التي تُعد آمنة، أو كون جميع المعدات الكهربائية آمنة للمستهلكين. وقد يكون الامتثال الموحد مطلوباً حين يكون خطر الضرر مرتفعاً (كما في معايير السلامة)، أو حين تتوقف منافع الامتثال على التبني الشامل (كما في بروتوكولات النظافة)، أو حين يكون الإنصاف والمصداقية على المحك (كما في التعليم). غير أن الامتثال الموحد قد يقيد في الوقت نفسه قدرة الحكومة على مراعاة الفروق في القدرة على الامتثال، لأن بعض الأفراد قد يجدون استيفاء معيار معين أيسر من غيرهم.

استخدام المعايير الإلزامية حين تجعل تحقيق الامتثال وإنفاذه أيسر

تتطلب الأدوات القائمة على الحوافز (كالضرائب والإعانات) والمعايير الإلزامية كلتاهما الرصد والإنفاذ. غير أن الأدوات القائمة على الحوافز تحتاج عادة إلى قياس دقيق لمؤشرات الأداء، وهو ما قد يكون صعباً حين تكون القدرة على هذا القياس منخفضة. فالضرائب مثلاً تقوم على الدخل الفعلي، والحوافز المرتبطة بأداء المدارس تعتمد على قياس تحصيل الطلاب، وضرائب التلوث تعتمد على الرصد المستمر للانبعاثات. وقد تمتلك البيئات ذات القدرات العالية أدوات فعالة لأنواع القياس المطلوبة في مثل هذه الحالات، لكن محدودية جمع البيانات والقدرة المؤسسية في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تعيق القياس الموثوق للأداء.

وفي مثل هذه البيئات، تميل المعايير الإلزامية إلى أن تكون أكثر عملية، لا سيما حين يمكن التحقق من الامتثال عبر سمات ظاهرة أو وثائق أو عمليات تفتيش روتينية. فبدلاً من محاولة تقييم فاعلية المعلمين استناداً إلى التغيرات في نتائج تعلم الطلاب مثلاً، قد تشترط الحكومة حصول المعلمين على شهادة تدريس. وبدلاً من فرض الضرائب على انبعاثات يصعب تتبعها، قد تفرض لائحة على المصانع تركيب أجهزة تنقية معروفة بقدرتها على الحد من التلوث وتشغيلها.

وعلى نحو مماثل، يتطلب الاعتماد على نهج تنظيمي قائم على التقاضي، تُعالج فيه الأضرار بعد وقوعها عبر الدعاوى القضائية ومطالبات المسؤولية، نظاماً قانونياً يعمل بكفاءة، وهو ما قد تفتقر إليه بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل. كما أن تعزيز الامتثال عبر أنظمة التأمين لا ينجح إلا إذا كانت أسواق التأمين ناضجة بما يكفي لتعمل على النحو الصحيح. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون إنفاذ المعايير الإلزامية أيسر من نهج قائم على التقاضي أو الحوافز. وفي الوقت نفسه، وكما يناقش هذا التقرير بالتفصيل، يتطلب تطبيق المعايير وإنفاذها أيضاً توافر بنية تحتية للامتثال كمختبرات الاختبار.

وعادة ما تقدم المعايير الإلزامية تعليمات أوضح وأكثر تحديداً من الأدوات القائمة على الحوافز، وهو ما قد يقيد المرونة لكنه يوفر إرشاداً عملياً، لا سيما في الحالات التي تكون فيها القدرات منخفضة. فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة مثلاً كثيراً ما لا تعرف فرص توفير الطاقة أو التقنيات اللازمة لتحقيقها، واشتراط استخدام معدات تستوفي معايير أعلى لكفاءة الطاقة قد يوجه تصرفاتها بفاعلية أكبر. فضلاً عن ذلك، من منافع المعايير الإلزامية أن مقدمي الخدمات إما ممتثلون وإما غير ممتثلين، وهو ما يبسط الرصد والإنفاذ ويساعد على توضيح المعايير. فالمستهلكون مثلاً يستطيعون بسهولة معرفة ما إذا كان منتج ما قد اجتاز اختبار السلامة، أو ما إذا كان محاسبهم معتمداً ومؤهلاً.

حين لا يلائم المقاس الواحد الجميع

تستفيد البلدان عموماً من تبني المعايير الدولية المشتركة، لأن هذه المعايير معترف بها على نطاق واسع بوصفها أفضل الممارسات وموثوق بها. فلنأخذ مثلاً بلداً منخفض أو متوسط الدخل يرغب في استيراد مصابيح شمسية لكهربة المناطق الريفية. فقد يفتقر مستوردو المصابيح في البلد إلى الخبرة الفنية اللازمة لصياغة اشتراطات فنية مفصلة في وثائق الشراء، ويمكنهم ببساطة أن يطلبوا أن تستوفي المصابيح المستوردة المعيار الدولي الخاص بهذه المصابيح دون حاجة إلى معرفة متعمقة بالمواصفات الفنية. فضلاً عن ذلك، سيؤدي ارتفاع الطلب على المصابيح الممتثلة للمعيار الدولي إلى خفض أسعارها، لأن المعيار يضمن إمكانية إنتاجها بكميات ضخمة. وعلى العكس من ذلك، إذا اشترط المستوردون إنتاج المصابيح وفق معيار مختلف، فقد يرفع ذلك تكاليف الإنتاج والأسعار معاً.

وليس ثمة إجابة واحدة عن سؤال "هل يلائم المقاس الواحد الجميع؟". فاختيار "المقاس الواحد" أو عدمه ينطوي على مجموعة من المفاضلات تتفاوت بحسب السياق. ومن المفاضلات الرئيسية تلك القائمة بين التنوع والتوحيد، فالتنوع قد يعزز الابتكار، ويستوعب الممارسات والتقاليد المحلية، ويعزز الملاءمة والمشروعية، أما التوحيد فقد يتيح وفورات الحجم، ويقلل التعقيد بتقليص الأصناف، ويتيح كفاءة أكبر. ومن المفاضلات الأخرى تلك القائمة بين صرامة المعايير والقدرة على استيفائها أو إنفاذها، فالمعايير الأعلى مرغوبة من حيث الجودة لكنها تتوقف على القدرات المحلية. ويقع هذا التوتر بين الطموح والقدرة في صميم الإطار المفاهيمي الذي يعرضه هذا التقرير. ومن الأهمية بمكان أن مدى ملاءمة المقاس الواحد للجميع يتوقف على نوع المعيار المعني، أي ما إذا كان معيار قياس أو توافق أو جودة.

فمعايير التوافق هي الأكثر استفادة من نهج المقاس الواحد، لأن أي انحراف عن المعيار قد يتسبب في عدم التوافق. فبطاقات الائتمان التي يصدرها مصرف ما ولا تلتزم بالمعايير المشتركة لصيغ البيانات وبروتوكولات الأمن مثلاً قد لا تعمل في أجهزة الصراف الآلي التابعة لمصرف آخر. وفي الوقت نفسه، ليس ثمة ضمان بأن المعيار السائد هو الأكثر فاعلية، لا سيما حين يفرض التحول عنه تكاليف كبيرة. فضلاً عن ذلك، قد يرفع التبني الشامل لمعيار ما القوة السوقية حين لا يوفر المنتجات التي يُستخدم فيها المعيار، أو أي مكون لازم لاستيفائه، سوى منتج واحد أو بضعة منتجين متفردين.

كما تستفيد معايير القياس من نهج المقاس الواحد، لأن هدفها هو قابلية المقارنة. غير أن بعض أنظمة المعايير سبقت العولمة، وكانت بدلاً من ذلك أساساً للاقتصادات والمجتمعات، بما يجعل تغيير هذه المعايير مكلفاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. ونتيجة لذلك، قد تتعايش هذه الأنظمة إذا كان التحول إلى معيار مشترك مكلفاً للغاية. فرغم منافع التبني الشامل للنظام المتري، لا تزال عدة بلدان تستخدم النظامين المتري والإمبراطوري معاً، بما يفضي إلى تكاليف معاملات كبيرة. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما لا يكون هناك اتفاق على المعايير المثلى لقياس نتائج السياسات ومقارنتها، كالإنجازات في مجالات التعليم أو الصحة أو الحد من الفقر.

معايير قياس الفقر: مفاضلة بين التوحيد والملاءمة المحلية

يتمثل أحد التحديات الأساسية في قياس الفقر في الموازنة بين التوحيد والتنوع. فالمعايير الموحدة تيسر قابلية المقارنة الدولية، بما يتيح الرصد العالمي وتحديد الأهداف وتخصيص الموارد. أما التنوع فيتيح تكييف مقاييس الفقر الوطنية مع الظروف الاقتصادية المحلية والقدرات المؤسسية واحتياجات السياسات، بما يعزز ملاءمتها ودقتها.

وتتبع البلدان معايير مختلفة لقياس خطوط الفقر الوطنية وتحديدها، بما يعكس قرارات خاصة بالسياق تقوم على ظروف المعيشة النموذجية في البلد وأنماط الاستهلاك وأولويات السياسات. فالبلدان مثلاً تتبنى مقاييس للفقر قائمة إما على الاستهلاك وإما على الدخل تبعاً لسياقاتها الخاصة. وكثيراً ما تفضل البلدان المنخفضة الدخل استخدام بيانات الاستهلاك بسبب انتشار الاقتصاد غير الرسمي والمعاملات العينية والإنتاج المعيشي. أما البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل فتعتمد عادة على بيانات الدخل، مستفيدة من الأنظمة الإدارية وأسواق العمل الرسمية.

وتُكيف أدوات المسوح المعدة لقياس الفقر مع السياقات المحلية، بما يؤدي إلى تباين في التعريفات ونطاق البنود وأساليب جمع البيانات. وحتى في ما يتعلق بالاستهلاك، تختلف بنية الاستبيانات وفترات الاستذكار ومعالجة الإنتاج المنزلي وأساليب الإسناد من بلد إلى آخر. وتضمن هذه الفروق الدقة داخل كل بلد، لكنها تعقد قابلية المقارنة على المستوى العالمي.

ولإتاحة المقارنات العالمية، استحدث البنك الدولي خطاً دولياً للفقر في تقرير عن التنمية في العالم 1990: الفقر. وقد عُرف في الأصل باسم "دولار واحد في اليوم"، وهو محدد حالياً بثلاثة دولارات أمريكية للفرد يومياً وفق تعادلات القوة الشرائية لعام 2021. ويُحوَّل هذا المرجع إلى العملات المحلية باستخدام تعادلات القوة الشرائية لمراعاة الفروق في مستويات الأسعار بين البلدان. ويؤدي خط الفقر الدولي دور العتبة المشتركة لتحديد الفقر المدقع عبر البلدان وعلى مر الزمن، بما يتيح مقارنة الأداء وتتبع الأهداف العالمية.

ومع ذلك، ورغم أن خط الفقر الدولي محدد عند المستوى نفسه عالمياً، تظل قابلية المقارنة العالمية منقوصة. فكما ذُكر آنفاً، تختلف البلدان في ما إذا كانت تجمع بيانات الدخل أو الاستهلاك لقياس الفقر، بل تختلف حتى داخل كل فئة في كيفية تعريف البيانات وجمعها. وهذه الاختلافات ضرورية للملاءمة المحلية لكنها تُدخل عدم اتساق بين البلدان. فدخل الأسرة في بلد ما مثلاً قد يشمل مكونات دخل معينة لا يشملها دخل الأسرة في بلد آخر، وقد تتفاوت بيانات الاستهلاك من حيث فترات الاستذكار، وإدراج السلع المعمرة من عدمه، ومعالجة الغذاء المنتج منزلياً.

ولمعالجة هذه التحديات، يعمل البنك الدولي بنشاط على تنسيق بيانات الدخل والإنفاق عبر البلدان. وتهدف جهوده إلى مواءمة التعريفات، وتحسين أدوات المسوح، وتعزيز الاتساق المنهجي، لا سيما في مسوح إنفاق الأسر التي تقوم عليها تقديرات الفقر في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

ولعل الحاجة إلى تكييف المعايير مع السياقات المحلية تبلغ أقصاها في ما يتعلق بمعايير الجودة. فقد تواجه البلدان أو المناطق تكاليف مختلفة جداً للامتثال لمعيار دولي، تحركها الاختلافات في القدرة الإنتاجية وتفضيلات المواطنين والقدرة على الإنفاذ. لكن الأهم ربما أن معايير الجودة لكثير من المنتجات والخدمات المختلفة يجب أن تتسق مع القدرة الشرائية، وهي محدودة جداً في البلدان المنخفضة الدخل. وتتطور معايير الجودة والقدرة الشرائية عموماً معاً، إذ تؤثر الثانية في الأولى.

وليس مدى وجوب تبني معيار دولي كما هو أو تكييفه مع سياق محلي سوى واحدة من مفاضلات كثيرة ينطوي عليها وضع المعايير. فتحقيق الحجم قد يقلل التنوع، فوجود معايير تعلم موحدة في أنحاء البلد مثلاً يقلل التنوع في أساليب التدريس، تاركاً للمعلمين مجالاً أضيق لمراعاة احتياجات التعلم الفردية. وتولي خبراء متخصصين قيادة وضع المعايير قد يجلب الخبرة، لكنه يزيد أيضاً خطر الاستحواذ. وتتفاوت المفاضلات بحسب المجالات التي تطبق فيها المعايير، ومستوى تنمية البلد، والتفضيلات المجتمعية.

ويقدم تحليل البيانات الإدارية للأيزو بعض الدعم التجريبي لوجود مفاضلة بين مشاركة أصحاب المصلحة وسرعة وضع المعايير. فكل بلد إضافي يشارك في وضع المعايير، بصرف النظر عن مستوى تنميته، لا يضيف سوى ثلاثة أيام إلى عملية نشر المعيار. أما إذا كانت أمانة اللجنة الفنية للأيزو المسؤولة عن المنتجات التي ينظمها المعيار في بلد مرتفع الدخل، فقد تقصر عملية النشر بثلاثة إلى أربعة أشهر.

وقد تتحقق تكاليف وضع المعايير ومنافعه على آفاق زمنية مختلفة، بل ربما عبر الأجيال، إذ تُتكبد تكاليف الامتثال فوراً وتتحقق المنافع على المدى الأطول، كما في حالة خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وآثار تغير المناخ. فضلاً عن ذلك، تعدل المعايير الحوافز التي يواجهها المستهلكون ومقدمو الخدمات. فالمعايير التي تتطلب جودة أعلى تحفز المنتجين على الاستثمار في مدخلات وعمليات أفضل تتيح لهم صنع منتجات أعلى جودة بأسعار أقل، فتدفع المستهلكين بدورهم إلى طلب جودة أعلى؛ والمعايير الأشد صرامة تتطلب تطوير تكنولوجيا أفضل للرصد والإنفاذ، بما قد ينطوي على تكاليف استثمارية كبيرة لكنه يجعل إنفاذ المعايير في المستقبل أيسر. وتبرز هذه الديناميات المكانة الجوهرية للمعايير في صميم عملية التنمية.

إطار للانتقال نحو معايير أعلى للجودة

تدور التنمية على مستوى البلد حول الانتقال نحو سلع وخدمات ومؤسسات وبنية تحتية ونوعية حياة أعلى جودة، إلى جانب أمور أخرى.

وكما يبين هذا التقرير، تؤدي المعايير دوراً محفزاً في هذه الرحلة، إذ يتطور وضعها عبر المراحل المختلفة لتنمية البلد. ومن الأهمية بمكان أن هذا المسار قد لا يتقدم على نحو موحد في أرجاء البلد، الذي قد يكون في نقاط مختلفة عدة من حيث التحولات في وضع المعايير في الوقت نفسه.

التكييف: في المستويات المنخفضة من التنمية، قد تحتاج البلدان إلى تكييف المعايير الدولية مع الظروف المحلية، بما في ذلك انخفاض القدرة على استيفاء المعايير، لا سيما حين يتعلق الأمر بالمعايير الإلزامية. غير أن التكييف كثيراً ما لا يكون خياراً متاحاً حين يتعلق الأمر بالنفاذ إلى الأسواق الدولية. فالمشترون الدوليون يشترطون عموماً أن تستوفي المنتجات المعايير الدولية للسلامة والجودة والتوافق، وإذا لم يستوفِ منتج ما هذه المعايير فلن يُقبل في الخارج. ولذلك فإن القرار الرئيسي بشأن المعايير الطوعية هو ما إذا كان ينبغي تبنيها أم لا. وتبين بيانات مسح شمل 116 عضواً في الأيزو، أجراه البنك الدولي والأيزو معاً عام 2025، أن أعضاء الأيزو يتبنون كما هي أكثر من 90% من معايير الأيزو التي ينظرون فيها، ويكيفون الباقي، ويعود ذلك أساساً إلى اختلافات المناخ.

أما عند وضع المعايير الإلزامية للأسواق المحلية، فبوسع البلدان أن تكيف المعايير الدولية. ولذلك تحتاج البلدان إلى تطبيق نظام مزدوج تتبع فيه المعايير الدولية للنفاذ إلى الأسواق الدولية، وتكيف المعايير الخاصة بالسوق المحلية مع الظروف المحلية.

وفي الحالة الأخيرة، ينبغي أن تتسق درجة التكييف، أي الانحراف عن المعيار الدولي، مع قدرة البلد على الامتثال للمعيار المعني. غير أن التكييف ينطوي على مخاطر كامنة، لأن المعايير المحلية الأقل صرامة من نظيرتها الدولية قد تصبح القاعدة على المدى الطويل، أو قد تؤثر الصناعات المحلية في عملية وضع المعايير، بما يفضي إلى معايير مفرطة التساهل. ولذلك ينبغي دائماً النظر إلى الانحراف عن المعايير الدولية بوصفه خياراً ثانياً في الأفضلية، لا يُلجأ إليه إلا إذا تعذرت زيادة القدرة على الامتثال.

ويمكن لتوسيع استخدام "المعايير المتدرجة" أن يساعد البلدان على تجنب حالات يؤدي فيها تكييف المعايير الدولية إلى التشرذم، لأن المعايير المتدرجة توفر إطاراً يستوعب مستويات مختلفة من القدرة على الامتثال أو الصرامة، مع الحفاظ على التوافق العام مع المعايير الدولية. ويتناول الفصل الثامن المعايير المتدرجة بالتفصيل.

وفي بعض الأحيان قد تفضي التكييفات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أيضاً إلى معايير أشد صرامة من المعايير الدولية المماثلة، كمعايير أكثر صرامة للسلامة الكهربائية لمراعاة الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي في بلد ما، أو اشتراطات للمنتجات الغذائية المدعمة لمكافحة سوء التغذية حيث يمثل مشكلة خاصة.

وتجد البلدان في الغالب أنها تحتاج إلى تكييف صرامة المعايير الدولية إذا كانت تعتزم استخدامها في التنظيم المحلي. ولأن الإقبال على المعايير الطوعية اختياري، فقد يكون تكييف صرامتها أقل إلحاحاً. ومع ذلك، حين تتبنى البلدان معياراً دولياً بوصفه معياراً وطنياً، من المهم أن تتشاور مع أصحاب المصلحة المحليين لتحديد أي حاجة إلى التكييف مع السياقات المحلية. وقد تتعلق تكييفات من هذا النوع بالممارسات والمصطلحات المحلية أكثر مما تتعلق بالصرامة، أي إنها قد تنطوي على فروق "أفقية" لا "رأسية". فقد وضعت إثيوبيا مثلاً معياراً وطنياً لخلايا النحل لمراعاة الاستخدام الواسع للخلايا التقليدية التي تختلف عن الخلايا ذات الإطارات الشائعة في أنحاء أخرى من العالم.

المواءمة: مع زيادة البلدان قدرتها على الامتثال، ينبغي لها أن تسعى إلى مواءمة معايير السوق المحلية مع المعايير الدولية. وفي ذلك فائدة، لأن المعايير الدولية تعكس ممارسات دولية جيدة في مجال ما يمكن للبلدان أن تتعلم منها. كما تشجع اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن العوائق الفنية أمام التجارة المواءمة مع المعايير الدولية، لضمان ألا يعرقل تحقيق الأهداف العامة المشروعة، كالصحة أو السلامة أو حماية البيئة، التجارة دون داعٍ. فضلاً عن ذلك، تضمن مواءمة المعايير المحلية مع الدولية ألا تضطر المنشآت إلى إنتاج نسخة من المنتج للسوق المحلية وأخرى لسوق التصدير. وفي مجالات أخرى كالتعليم أو الحوكمة، تحتاج المعايير إلى أن تكون أكثر مراعاة للسياق، ولكن مع مسار واضح للتحسين، وهو ما يعني في الغالب تنسيقها مع المعايير الدولية.

التأليف: مع تقدم البلدان في التنمية، ينبغي لها أن تنخرط أكثر في تأليف المعايير الدولية، سواء بوضع معايير جديدة أو بمراجعة المعايير القائمة استناداً إلى تجربتها واحتياجاتها. فالمشاركة النشطة في عملية وضع المعايير الدولية مهمة حتى لو كانت الخبرة الفنية للبلد محدودة في المجالات التي تنظمها المعايير، إذ تتيح له عرض تحدياته وأولوياته، ومن ثم التأثير في ما يشمله المعيار. فضلاً عن ذلك، تمثل منظمات وضع المعايير الدولية بيئات للتعلم، وتساعد البلدان على اكتساب فهم أعمق للموضوعات التي تُناقش خلال وضع المعايير، من خلال التفاعل مع المشاركين من الدول الأخرى ومع أصحاب المصلحة. وبطبيعة الحال، سيتوقف مستوى مشاركة البلد على خبرته في القطاع واهتمام أصحاب المصلحة.

ورحلة المعايير، من التبني إلى التأليف، ليست خطية ولا موحدة عبر القطاعات. فبوسع البلدان أن تتنقل بين خيارات التكييف والمواءمة والتأليف في مجالات مختلفة من المجتمع وبسرعات متفاوتة. فإثيوبيا مثلاً تؤلف معايير للتيف، وهو حبوب محلية، في حين تكيف المعايير في مجالات أخرى. والهند تتولى الريادة في وضع المعايير الدولية للكهربة المنخفضة الجهد بينما تكيف معايير كفاءة استهلاك الوقود. وتجسد هذه الرحلة تفاعلاً معقداً بين التقدم العلمي والتكنولوجي، والتقاليد الثقافية، والقبول الاجتماعي، والبراغماتية الاقتصادية، ومصالح الأعمال، والطموح السياسي والقوة. وفهم العمليات المعنية أمر حاسم لصناع السياسات والمنشآت والمجتمع المدني وهم يشقون طريقهم في مشهد عالمي للمعايير يزداد تعقيداً.

استخدام المعايير لكسر الحلقة المفرغة لتدني الجودة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل

كثيراً ما ينجم تدني جودة المنتجات والخدمات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عن حلقة مفرغة متعددة الأبعاد من عوامل العرض والطلب ومحدودية القدرة الحكومية. ويمكن للمعايير أن تساعد على كسر هذه الحلقة.

ورغم أن هذا التقرير يؤكد أن المعايير باتت أكثر أهمية للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل اليوم مما كانت عليه حين كانت البلدان المرتفعة الدخل في مستويات مماثلة من التنمية، لا سيما نتيجة لتزايد التطور التكنولوجي وضغوط العولمة وفرصها، فإنها ليست دواءً لكل داء. وبعبارة أخرى، لا يمكن توقع أن ترتفع جودة الإنتاج بمجرد رفع المعايير. ففي بعض الأحيان توضع معايير أعلى بعد حدوث تحسينات اجتماعية واقتصادية أوسع، وفي أحيان أخرى توضع قبل حدوث هذه التحسينات. وقد ظهر كلا النمطين في "معجزات" شرق آسيا في الصين واليابان وجمهورية كوريا. فقد أسهم الاستخدام الاستراتيجي والمستدام للمعايير في هذه البلدان في نموها الانفجاري، وهو يبين أن كسر الحلقة المفرغة لتدني الجودة أمر ممكن.

معالجة اختناقات الجودة: لأن الجودة العالية كثيراً ما تأتي بسعر أعلى، فإن طلب المجتمع والسوق هو الذي ينبغي أن يحدد مستوى جودة منتجات البلد وخدماته. وحتى حين تثبت الجودة الأعلى أنها أكثر فاعلية من حيث التكلفة على المدى الطويل، كما في حالة المصابيح الموفرة للطاقة أو الأجهزة التي تدوم أطول وتخفض فواتير الطاقة، فإن ارتفاع التكاليف الأولية اللازمة لضمان جودة أعلى قد يكون باهظاً على شرائح واسعة من السكان في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وبصرف النظر عن القدرة على الدفع، قد لا يطلب الناس سلعاً وخدمات أعلى جودة إذا كانوا يفتقرون إلى الوعي بأهمية الجودة أو القدرة على تمييزها. فضلاً عن ذلك، قد يتردد المستهلكون في دفع علاوة سعرية إذا لم يستطيعوا الوثوق بجودة السلع والخدمات، كأن لا يوجد اختبار ومنح شهادات موثوقان يوفران إشارات سوقية جديرة بالثقة للمستهلكين. ولهذا أهميته، إذ بينت الدراسات أنه حين تطلب السوق الجودة وتكافئها، كما في حالة تصدير المنشآت، يرتقي المنتجون بالجودة فعلاً. أما إذا لم يستطع المستهلكون تمييز الجودة، بسبب نقص المعلومات في العادة، فلن يكون لدى المنتجين حافز للارتقاء بها.

كما قد لا تطلب المجتمعات والأسواق المحلية الجودة بسبب محدودية المنافسة أو انعدام تمايز المنتجات داخل هذه الأسواق. فإذا لم يكن في منطقة ما سوى مدرسة واحدة أو مستشفى واحد مثلاً، فقد لا يكون لديه حافز لتحسين الجودة. ووجود مجتمع مدني نشط، بما فيه وسائل الإعلام وجمعيات المستهلكين والهيئات المهنية، أمر حاسم لزيادة الطلب على الجودة، لكنه كثيراً ما يكون غائباً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وعلى جانب العرض، لا سيما لدى المنشآت وكذلك لدى المنظمات الأخرى، تمثل القدرات المنخفضة اختناقاً رئيسياً للجودة. فالمنشآت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مثلاً قد تفتقر إلى ضوابط الإنتاج الداخلية أو المهارات اللازمة لاستيفاء معايير جودة أعلى، بما يفضي إلى اختناقات في الجودة. ويفاقم ارتفاع مستويات الطابع غير الرسمي بين المنشآت في هذه البلدان أوجه القصور هذه، ويخلق تحديات حين تحاول هذه البلدان فرض عقوبات على انتهاكات المعايير الإلزامية أو تتبع المنتجات غير الممتثلة. ومن حيث المبدأ، يمكن للتمويل الخارجي أن يساعد على تيسير التعامل مع هذه المفاضلات، لكنه يكون محدوداً في العادة. ورغم أن التنمية قضية معقدة، فإن الإنتاج المتدني الجودة واحد من أبرز تحدياتها. فالمنشآت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تنتج منتجات أدنى جودة، سواء قيست بقيمة وحدة الصادرات، أو باستخدام التقنيات المتقدمة، أو بجودة إدارة المنشآت. ويفضي هذا الفارق في الجودة إلى فروق كبيرة في الإنتاجية بين البلدان والقطاعات.

فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تفتقر حكومات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى الموارد المالية والبشرية اللازمة لإنفاذ الامتثال للمعايير أو تقديم حوافز لزيادة الجودة، وتتفاقم المشكلة بقصور البنية التحتية اللازمة لإنفاذ المعايير كمختبرات الاختبار. وفي الوقت نفسه، كثيراً ما تعاني البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من أطر قانونية وأنظمة قضائية غير متطورة، تنطوي على أمور مثل الضعف في اجتهادات القانون الخاص، كما يتضح من قصور القوانين المتعلقة بمسؤولية المنتجات أو العقود. ويزيد عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات من ضعف الامتثال في هذه البلدان، لأن المنظمات والأفراد قد يتبنون نهج "الانتظار والترقب" قبل زيادة امتثالهم. وفي الوقت ذاته، كثيراً ما يمثل التنسيق بين المؤسسات الحكومية تحدياً، لا سيما أن إنفاذ المعايير الإلزامية يتطلب في العادة تعاوناً بين هيئات حكومية متعددة على مستويات إدارية مختلفة، فضلاً عن القطاع الخاص والمجتمع المدني، الذي كثيراً ما يملك مخزوناً أعمق من الخبرات.

والمعايير ليست الأداة الوحيدة لكسر حلقات تدني الجودة، لكنها قد تكون مهمة بوجه خاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فالمعايير في التجارة مثلاً تساعد المنشآت على النفاذ إلى السوق العالمية، وهو أمر حاسم للمنشآت في هذه البلدان التي تواجه طلباً محلياً محدوداً وضعفاً في الاستعداد لدفع ثمن المنتجات العالية الجودة. والمعايير الدولية مصدر رئيسي لانتشار التقنيات والمعرفة، وهو أمر أشد حيوية في البلدان ذات الخبرة الفنية المحدودة. كما أن غياب المعايير في الصحة والتعليم مثلاً يميل إلى أن يكون ضاراً بوجه خاص بأفقر شرائح السكان، بما يجعل هذه الفجوات أعلى تكلفة في سياقات الفقر المدقع والهشاشة. وعلى نحو مماثل، قد تكون تكاليف المعاملات ومدى إخفاقات السوق مرتفعة بوجه خاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فضلاً عن ذلك، يقيد ضعف قدرة الدولة قدرة هذه البلدان على تصميم سياسات فعالة وإنفاذها، ويفاقم أثر إخفاقات السوق وتكاليف المعاملات في إعاقة عملية التنمية.

الموازنة بين طموح المعايير والقدرة على الامتثال

تشير القدرة على الامتثال إلى قدرة أصحاب المصلحة على استيفاء المعايير الطوعية والمعايير المستخدمة في التنظيم، وإلى البنية التحتية للجودة اللازمة للتحقق من الامتثال (كتوافر المختبرات)، وإلى قدرة الحكومة على الإنفاذ. فالمعايير لا طائل منها دون تطبيق. ولهذا السبب تحتاج البلدان إلى الموازنة بين طموح معايير الجودة لديها، أي صرامتها ونطاق المجالات التي تغطيها، وقدرة الأفراد والمنشآت في البلد على استيفائها. وهذه المكونات مترابطة. فإذا كانت المعايير ضعيفة للغاية، فقد يقصر المجتمع في مجالات كالتعليم والصحة وسلامة الغذاء وحماية البيئة. أما إذا كانت مفرطة الطموح، فقد تصبح المنتجات والخدمات باهظة الثمن وبعيدة عن متناول معظم المستهلكين (بسبب ارتفاع الأسعار)، وغير مربحة لمعظم المنتجين (بسبب ارتفاع تكاليف الامتثال). فضلاً عن ذلك، فإن وضع معايير إلزامية عالية دون قدرة حكومية كافية لضمان الامتثال قد يفضي إلى إنفاذ متفاوت، وربما يفتح الباب للفساد.

وتكمن تحديات جوهرية في الموازنة بين الطموح والقدرة على الامتثال. فلكل مستوى معين من القدرة على الامتثال أعلى معيار يمكن بلوغه، والبلد الذي يضع معياراً عند هذا المستوى يضعه عند حدود قدرته على الامتثال، فلا تنشأ لديه فجوة امتثال. ويمكن أن تنشأ ثلاثة سيناريوهات على وجه الخصوص:

أولاً، رفع المعيار وبناء القدرة على الامتثال: في هذه الحالة لم يبلغ البلد بعد الحد الأدنى للمعيار في مجال معين، كسلامة الغذاء أو معايير العمل. ويتطلب سد الفجوة بين الأداء الفعلي والامتثال الكامل للمعيار الجمع بين رفع المعيار إلى الحد الأدنى وبناء القدرة على الامتثال. وليس بناء القدرة على الامتثال أمراً يسيراً، ومن المرجح أن ينطوي على بناء قدرات أصحاب المصلحة والاستثمار في البنية التحتية للامتثال كالمختبرات.

ثانياً، التكييف وبناء القدرة على الامتثال: فالمعايير العالية مع الامتثال المنخفض تفضي إلى إنفاذ متفاوت، بما يضعف الثقة ذاتها التي يفترض أن تعززها المعايير. وتبعاً للظروف المحددة، قد تحتاج البلدان إما إلى الاستثمار في القدرة على الامتثال لاستيفاء المعايير العالية، وإما إلى تكييف المعايير مع السياق المحلي، أو الأفضل من ذلك أن تنتهج مزيجاً من الأمرين.

وفي معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تمثل القدرة على الامتثال القيد الملزم، ومن ثم يكون هذان السيناريوهان هما الأكثر صلة بها. أما السيناريو الثالث فقد يكون أكثر صلة بالبلدان المرتفعة الدخل:

ثالثاً، زيادة طموح المعايير: فالبلدان التي تتمتع بقدرة عالية على الامتثال وطموح منخفض لا تستغل إمكاناتها استغلالاً كاملاً. ولأنه نادراً ما يكون من المنطقي خفض القدرة على الامتثال، ينبغي للبلدان أن تزيد طموح معاييرها، لا سيما إذا لم يكن الحد الأدنى للمعيار قد تحقق بعد.

وما إن تبلغ البلدان الحد الأقصى النسبي على خط التوازن بين الطموح والقدرة، فالأمثل أن تمضي على امتداد هذا الخط بزيادة القدرة على الامتثال والطموح تدريجياً. وأيهما تسعى إليه أولاً، القدرة أم الطموح، أمر يتوقف على القطاع والسياق. وينبغي للبلدان أن تضع المعايير على أساس الأولويات الوطنية وقدرتها على الامتثال لها، ثم ترفع طموحاتها تدريجياً مع تنامي قدراتها. ومن شأن ذلك أن يضمن قدرة البلدان على الامتثال لمعاييرها بصرف النظر عن مستويات دخلها. ويمكن تسمية ذلك بنهج نموذج النضج القائم على مكاسب تدريجية على مدى فترة من الزمن.

ولا يخلو وضع معايير دون القدرة على إنفاذها من عواقب. ففي بعض الحالات، يمكن النظر إلى وضع معايير "مرتفعة أكثر من اللازم" بوصفه طموحاً، وقد يدفع المشاركين في السوق إلى تغيير سلوكهم لاستيفاء المعيار. فمصادقة الصين على بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون مثلاً يُنظر إليها بوصفها عاملاً أساسياً في تحفيز سلسلة من الابتكارات أتاحت للبلاد تطوير تقنيات إنتاج أنظف وتبنيها على نطاق واسع. وفي مثل هذه الحالة، يمكن النظر إلى وجود فجوة امتثال، أو إلى قصور الواقع القائم عن بلوغ المعيار، بوصفه محفزاً للتنمية. وفي الوقت نفسه، فإن وضع معايير دون القدرة على ضمان امتثال موحد قد لا يقتصر أثره على إفشال الغرض من المعيار، بل قد يخلق أيضاً عدم يقين بشأن سلوك الامتثال الإلزامي فعلاً، بما قد يفضي إلى إنفاذ تعسفي على مجموعة فرعية من المشاركين في السوق ويمهد الطريق للفساد. وفي مثل هذه الحالة، قد تصبح فجوة الامتثال عائقاً كبيراً أمام التنمية.

وتعرض فصول الجزء الثالث من هذا التقرير وموضوعاته الخاصة أدلة تجريبية تدعم هذا الإطار، إذ تبين أن البلدان، باستثناء حالة المعايير البيئية، تتبع هذا الإطار حين تنظم مجالات متنوعة كالرعاية الصحية والمشتريات. فمعظم المعايير توضع وفق زيادة تدريجية في طموح البلدان وقدرتها على الامتثال معاً على امتداد خط التوازن، بما لا ينتج عنه فجوة امتثال. أما في حالة المعايير البيئية، فعلى النقيض من ذلك، تضع بعض البلدان معايير مرتفعة للغاية مقارنة بقدراتها على الامتثال، فتعاني نتيجة لذلك من فجوات امتثال كبيرة. وهذا أشبه بالمحاكاة الشكلية، حيث تضع البلدان معايير عالية، ربما بفعل ضغوط خارجية، دون أن تتوقع إنفاذها. ويفضي ذلك إلى علاقة على شكل حرف "U" بين المعايير الرسمية والتنمية، إذ تضع البلدان الأدنى دخلاً معايير أعلى (دون أن تنفذها) مما تضعه البلدان المتوسطة الدخل.

تأليف المعايير الدولية

توضع المعايير الدولية في محافل متنوعة، منها منظمات وضع المعايير الرسمية كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات، والمنظمات الحكومية الدولية كهيئة الدستور الغذائي (لمعايير الأغذية) ومنظمة العمل الدولية (لمعايير العمل). وتحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى الانخراط في ساحات مختلفة لتأليف المعايير الدولية، ولكل منها نماذج حوكمة وهياكل قوى مختلفة.

ففي الأيزو، يمكن للبلدان الأعضاء إرسال خبراء إلى أفرقة العمل التي تضع المعايير، ومندوبين إلى اللجان الفنية التي تتبعها هذه الأفرقة. غير أنه لأن اجتماعات أفرقة العمل واللجان تكلف وقتاً ومالاً وتتطلب خبرة فنية، كثيراً ما لا تشارك بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل إلا في اللجان الأوثق صلة بمصالحها. فالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الغنية بالمعادن مثلاً تشارك عموماً في لجان الأيزو المتعلقة بالتعدين لضمان قدرة منتجيها الوطنيين على الامتثال للمعايير التي تضعها هذه اللجان.

وبينما كانت الأيزو قبل جائحة كوفيد 19 تعقد اجتماعاتها حضورياً في أحد البلدان المشاركة، باتت معظم اجتماعاتها اليوم تعقد افتراضياً. غير أنه لأن اجتماعات اللجان الفنية تُعقد باللغة الإنجليزية، فقد تجد البلدان، لا سيما تلك التي ليست الإنجليزية لغتها الأم، صعوبة في المشاركة إذا لم يكن مندوبوها يتقنونها. ونتيجة لذلك كثيراً ما تجد البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل نفسها "متلقية للمعايير" لا "صانعة لها". أما البلدان المرتفعة الدخل، وكذلك الأسواق الناشئة الكبيرة، فتشارك على النقيض من ذلك في عدد أكبر بكثير من اللجان الفنية وبفاعلية أكبر، فترسخ حضوراً أكبر في عملية وضع المعايير. كما تحاول البلدان المستوردة التأثير في المعايير لحماية منتجيها المحليين.

وتبين البحوث أن اتخاذ القرار بالتوافق هو الأفضل لحل هذه المصالح المتنافسة وتشجيع تبني المعايير، وإن كان قد يولد أيضاً الخلاف والتأخير. ورغم أن ذلك لا يمثل قيداً في حالة التقنيات الناضجة، فقد يكون كذلك في القطاعات التي يكون فيها التغير التكنولوجي سريعاً، وفي مثل هذه القطاعات قد تنتقل عملية وضع المعايير إلى الاتحادات الصناعية أو المنشآت الفردية.

ويمكن لبلدان بعينها، أو منشآت بعينها، أن تضطلع أحياناً بدور قيادي في تأليف المعايير في قطاعات محددة. ويلاحظ ذلك كثيراً في التقنيات الناشئة كالمركبات الكهربائية وإنترنت الأشياء والأجيال المتعاقبة من تقنيات الاتصالات كالجيل الخامس. وفي بعض الحالات، قد يضع بلد ما معياراً على المستوى الوطني أولاً، ثم يقترحه على شركائه الدوليين لاعتماده معياراً دولياً. ولا يميل إلى أن يكون مؤثراً في وضع المعايير الدولية سوى البلدان التي تملك الخبرة التكنولوجية وقدرة الدولة والإرادة السياسية وقدرات إنتاجية مركزة في سلع أو خدمات محددة.

وثمة مخاوف من أن وضع المعايير في التقنيات الناشئة يتحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، بما يعكس المقولة المنسوبة إلى فيرنر فون سيمنز: "من يملك المعايير يملك السوق". فوضع المعايير لا يقتصر على صياغة المواصفات الفنية، بل المعايير تأكيد للنفوذ الجيوسياسي ومحاولة لتحديد شروط التعامل، في العصر الرقمي مثلاً. ومع تزاحم القوى الكبرى لتشكيل قواعد اللعبة العالمية، فإنها ترى في تشكيل المعايير الدولية على غرار المعايير التي وضعتها منشآتها الوطنية أمراً مهماً لترسيخ الهيمنة على الأسواق. لكن تأليف المعايير ليس حكراً على القوى العظمى العالمية. فالدول الأصغر، بل الجهات من غير الدول، يمكنها أن تؤدي أدواراً حاسمة في وضع المعايير، لا سيما في المجالات الناشئة التي لا تزال قواعدها قيد الكتابة. وتبين معايير إستونيا للحوكمة الرقمية وبروتوكولات البرمجيات المفتوحة المصدر الصادرة عن مؤسسة لينكس كيف يمكن للجهود المركزة أن تحدث آثاراً كبيرة على نحو غير متناسب في القواعد العالمية. ويصبح فهم الرحلة من التبني إلى التأليف أمراً حاسماً مع شق البلدان طريقها في عالم يزداد تعقيداً.

موضوع خاص 2: منظمات وضع المعايير الدولية

ظهرت طائفة متنوعة من منظمات وضع المعايير الدولية في النصف الثاني من القرن العشرين، في أعقاب تأسيس مجموعة أساسية من الهيئات الدولية، منها الاتحاد الدولي للاتصالات الذي تأسس عام 1865، واللجنة الكهروتقنية الدولية التي تأسست عام 1906، والمنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) التي تأسست عام 1947. ويشار إلى هذه المجموعة الثلاثية باسم "التعاون العالمي في مجال المعايير". والأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية شبكتان، أو اتحادان، لهيئات التقييس الوطنية يجمعان طيفاً واسعاً من أصحاب المصلحة لوضع المعايير الدولية، أما الاتحاد الدولي للاتصالات فيعمل منظمةً حكومية دولية. وتجسد هذه المؤسسات النزعة الدولية التكنوقراطية، وإن كانت بنيتها من نواحٍ كثيرة تحاكي بنية نظيراتها الوطنية، لأنها تجمع الصناعة والأوساط الأكاديمية وغيرها من أصحاب المصلحة لوضع المعايير بالتوافق.

وقد شهد وضع المعايير في منظمات وضع المعايير الدولية نمواً لافتاً. فمنذ تأسيسها، وضعت الأيزو أكثر من 20000 معيار، ووضعت مجموعة أحدث عهداً هي فريق عمل هندسة الإنترنت، الذي تأسس عام 1986، أكثر من 7600 معيار. فضلاً عن ذلك، تزايد وضع المعايير داخل منظمات وضع المعايير الدولية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين بسبب تنامي تعقيد أنظمة التصنيع، والطلب في مجالات جديدة تتراوح من التكنولوجيا إلى الاستدامة. فمنذ عام 2000، أصدرت الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية وهيئة الدستور الغذائي نحو 56% و75% و52% على التوالي من إجمالي المعايير التي وضعتها منذ إنشائها. وفي عام 2024 وحده، أصدرت أبرز هذه المنظمات مجتمعة أكثر من 7000 معيار جديد أو منقح.

ورغم أهمية عدد المعايير وضخامته، فإن ملاءمة مجالاتها الموضوعية وجودتها ومستوى التوافق عليها لا تقل أهمية. وقد اعتمدت هيئات وضع المعايير هذه أساليب عمل تضمن مشاركة أصحاب المصلحة وتحقيق الأثر، كما تدير الثغرات والتداخلات للحد من الازدواجية مع تلبية احتياجات الجهات التنظيمية والأسواق.

وقد شجع إنشاء منظمة التجارة العالمية ودخول اتفاقية العوائق الفنية أمام التجارة واتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية حيز التنفيذ في منتصف تسعينيات القرن العشرين على استخدام المعايير الدولية التي تصدرها منظمات وضع المعايير الدولية لتيسير التجارة الدولية.

ورغم تشجيع البلدان على تبني المعايير الدولية وسحب المعايير الوطنية المتعارضة معها، فقد تحدث انحرافات مشروعة بسبب احتياجات الأمن الوطني أو الصحة أو البيئة أو الجغرافيا. ولضمان الملاءمة على المستوى العالمي، يجب أن تستوفي المعايير الدولية معايير معينة، كالاستجابة لاحتياجات السوق والاحتياجات التنظيمية، وتجنب تشويه الأسواق، ودعم الابتكار. ولذلك فإن المشاركة الفاعلة في وضع المعايير الدولية، لا سيما من جانب البلدان النامية، أمر جوهري، حتى تعكس المعايير مباشرة الظروف الفريدة لهذه البلدان، بما يشجع بدوره تبنيها على نطاق أوسع.

دور منظمات وضع المعايير الدولية وتطورها

توفر منظمات وضع المعايير الدولية هيكلاً إدارياً وعملية عمل تتيحان للأطراف المهتمة وضع المعايير في مجال محدد ثم تقاسمها. وتضع هذه المنظمات معايير طوعية بالتوافق، فالمعايير لا تضعها جهة واحدة، بل يضعها، كما في الأيزو، خبراء يمثلون طيفاً من أصحاب المصلحة، منهم الصناعة والقطاع العام والأوساط الأكاديمية وغيرهم. ويمكن أن تصبح المعايير الطوعية إلزامية إذا أحيل إليها في التشريعات الوطنية، وتعرف حينئذ باسم "اللوائح الفنية".

ولبعض أبرز منظمات وضع المعايير العالمية، مثل جمعية مهندسي السيارات الدولية ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، تاريخ طويل في الولايات المتحدة في وضع المعايير الطوعية بالتوافق. وقد توسعت هذه المنظمات دولياً بعد الحرب العالمية الثانية مع عولمة الصناعات، ودخلت ميدانَ وضع المعايير منظماتٌ جديدة كثيرة في ذلك الوقت أيضاً.

وتجسد الجمعية الأمريكية للاختبار والمواد، التي تأسست عام 1898 لضمان موثوقية القضبان الفولاذية وأصبحت تعرف اليوم باسم "إيه إس تي إم الدولية"، التحول من التوحيد القياسي الوطني إلى العالمي. فقد ركزت في البداية على اختبار المواد، لا سيما في مجالي المعادن والخرسانة، ثم قننت عام 1908 عملية تشاركية تتطلب تمثيلاً متوازناً للمصنعين والمستخدمين وأصحاب المصلحة من عامة الجمهور. ومع تكاثر أوجه التقدم التكنولوجي، وسعت الجمعية نطاق عملها ليشمل طائفة متنامية من الصناعات. وساعدت الهيمنة الصناعية الأمريكية في أوائل القرن العشرين ومنتصفه على نشر معاييرها في أنحاء العالم. وحتى مع تراجع الصناعة التحويلية الأمريكية مع تقدم القرن، ظلت سمعتها الفنية راسخة، بما أفضى إلى تغيير اسمها إلى "إيه إس تي إم الدولية" عام 2001، إيذاناً بتحولها من هيئة وطنية إلى رائدة في التنسيق الفني الدولي.

وعلى مدى تاريخها الممتد 125 عاماً، تطورت الجمعية إلى منصة عالمية تخدم أكثر من 90 صناعة. وحتى عام 2025، وضعت قرابة 13000 معيار سارٍ، تبنى أكثر من نصفها ما يزيد على 140 بلداً. ويشارك أعضاؤها البالغ عددهم 30000 عضو من 150 بلداً في 147 لجنة فنية تنتج ستة أنواع من المعايير التوافقية الطوعية، تتراوح من أساليب الاختبار إلى المواصفات، وتحدّث بانتظام لتعكس المعارف والتطبيقات الجديدة. وبالحفاظ على رسوم عضوية منخفضة وعملية مفتوحة وشفافة، تعزز الجمعية مشاركة واسعة وشاملة. ومنذ عام 2001، وقعت اتفاقات تعاون مع 127 هيئة تقييس وطنية وإقليمية، تتيح لها تبني معاييرها أو تكييفها. واليوم تقوم على معاييرها أطر تنظيمية وأشكال من التعاون الدولي في قطاعات تمتد من البناء إلى الطيران والفضاء، ولدى منظمات مثل حلف شمال الأطلسي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية.

وفي مجال تقنيات الاتصالات، يضع قطاع الاتصالات الراديوية في الاتحاد الدولي للاتصالات ويتعهد مجموعة واسعة من المعايير الفنية المعترف بها دولياً، تعرف باسم "توصيات قطاع الاتصالات الراديوية". وتغطي هذه التوصيات مجالات مثل إدارة الطيف الترددي والبث والاتصالات الساتلية وعلم الفلك الراديوي. ورغم أنها طوعية عموماً، فإنها تصبح ملزمة حين تُدرج بالإحالة في لوائح الراديو الصادرة عن الاتحاد. ومن الناحية العملية، تُعتمد هذه التوصيات على نطاق واسع وتحظى بالاحترام، وتعمل معايير عالمية بحكم الواقع تضمن التنسيق وقابلية التشغيل البيني والاستخدام الكفء لطيف الترددات الراديوية والمدارات الساتلية. وقد كان قبولها العالمي حاسماً في إتاحة الابتكار، وتوفير اليقين التنظيمي، وضمان عمل أنظمة الاتصالات الراديوية بسلاسة عبر الحدود.

وإلى جانب الاتصالات الراديوية، يضع قطاع تقييس الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات معايير لشبكات النقل والنفاذ، والأمن السيبراني، والخدمات المالية الرقمية، والبنى التحتية للمفاتيح العامة. وفي المقابل، يضع مجلس معمارية الإنترنت وفريق عمل هندسة الإنترنت المعايير الأساسية التي تقوم عليها معمارية الإنترنت، ومنها معايير الإرسال عبر الألياف الضوئية وبروتوكولات التوجيه. وتشكل هذه الهيئات معاً الأساس الفني الذي يتيح للاتصالات العالمية والإنترنت العمل بموثوقية وأمان وعلى نطاق واسع.

وعمليات وضع المعايير في فريق عمل هندسة الإنترنت تصاعدية تنطلق من القاعدة، ويشارك فيها أصحاب مصلحة متعددون. وتُتخذ القرارات عبر البريد الإلكتروني بدلاً من الاجتماعات الحضورية لتوفير وقت السفر وتكاليفه. ورغم أن هذه العمليات شاملة من حيث المبدأ، فإنها أقل شمولاً بكثير في الممارسة العملية. ففي عام 2024 مثلاً، كان 85% من بين 7831 مشاركاً في جميع أنشطة الفريق من الرجال، و80% منهم من أوروبا وأمريكا الشمالية.

والفريق بحكم تصميمه منظمة تشاركية لا استشارية، ولذلك فإن المشاركة المنتظمة أمر جوهري، ومن يشاركون بكثرة يتمتعون بدافعية عالية، إذ يكرس المشاركون المنتظمون في المتوسط نحو تسع ساعات أسبوعياً لأنشطة الفريق. والخبرة حاسمة، لأنه كلما طالت مشاركة الأفراد في الفريق تحسن فهمهم. ويقدر الفريق أن المشاركين يحتاجون إلى ما بين 15 و20 عاماً من الانخراط ليشعروا بأن لديهم فهماً متيناً لعملياته، بما يبرز الاستثمار الكبير في الوقت اللازم لإنجاز المهام، على المستويين الشخصي والمؤسسي.

وفي الوقت نفسه، تشمل المبادئ الأساسية للفريق المشاركة المفتوحة، والكفاءة الفنية ("الجودة الهندسية")، والاعتماد على المتطوعين، واتخاذ القرار بالتوافق التقريبي، أي الاتفاق الواسع دون اشتراط الإجماع، والالتزام بـ"الشفرة العاملة"، بمعنى أن المعايير تقوم على تطبيقات عملية فاعلة لا على تصاميم نظرية. وقد مكنت هذه المبادئ الفريق من إنشاء معمارية عالمية للإنترنت تخدم المليارات، بميزانية سنوية لا تتجاوز نحو 7 ملايين دولار أمريكي. وأتاح نموذجه الرشيق المرن الذي يقوده المطورون الاستجابة السريعة للاحتياجات الفنية الناشئة. غير أن شموله متفاوت في الممارسة، إذ تحد حواجز الوقت والخبرة والتمثيل من المشاركة. وعلى النقيض من ذلك، تعتمد الأيزو طبقة مزدوجة من التوافق، أولاً بين الخبراء ثم بين البلدان، وهو ما قد يجعل عملياتها أبطأ ويتطلب موارد أكثر، لكنه قد يجعلها أيضاً أكثر تمثيلاً للمصالح المتنوعة وأرجح في إنتاج معايير قابلة للتطبيق على نطاق واسع ومستدامة.

ورغم أن الإنترنت يُنظر إليه بوصفه تكنولوجيا عالمية، لا يزال المليارات يجدون صعوبة في الاستفادة الكاملة من منافعه لعدم توافر أسماء النطاقات وعناوين البريد الإلكتروني بلغاتهم وأنظمة كتابتهم. ولسد هذه الفجوة، وسعت هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة نظام أسماء النطاقات ليشمل أكثر من 26 نظام كتابة، من العربية والصينية إلى السيريلية، وتعمل على تعزيز القبول الشامل حتى تتعرف البرمجيات والمواقع الإلكترونية على هذه العناوين المتعددة اللغات. ولا يقتصر أثر تمكين المستخدمين من التصفح والتعامل عبر الإنترنت بأنظمة كتابتهم على صون الهوية الثقافية، بل يعزز أيضاً الشمول الاقتصادي. فبخفض الحواجز أمام المستهلكين والمنشآت، يمكن أن يطلق فرصاً جديدة هائلة في التجارة الإلكترونية تقدر قيمتها السوقية الإضافية بنحو 10 مليارات دولار أمريكي على مستوى العالم.

وتقدم معايير سلامة الغذاء مثالاً آخر على التنسيق الدولي. فقد أرسى الدستور الغذائي النمساوي لعام 1911 الأساس لما سيصبح على مدى القرن التالي إطاراً عالمياً شاملاً. فبعد أن اعتُمد في البداية في أوروبا باسم الدستور الغذائي الأوروبي، ركز على تنسيق اختبار عينات الأغذية لإزالة الحواجز التجارية الإقليمية. ثم انضم لاحقاً، في عام 1963، إلى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية لتشكيل هيئة الدستور الغذائي. وقد قدم الدستور الغذائي الناتج إرشادات للحكومات بشأن اللوائح في مجال سلامة الغذاء، كما كانت التعريفات وإجراءات الاختبار التي يتيحها نقاطاً مرجعية للمعايير الخاصة المتعلقة بسلامة الغذاء.

غير أن بعض منتقدي الدستور الغذائي يرون أنه بطيء في وضع الحدود القصوى لبقايا المبيدات، وهي أقصى مستويات البقايا المسموح بها قانوناً في المحصول، التي تضمن بقاء كمية المبيدات التي يستهلكها البشر والحيوانات ضمن حدود آمنة استناداً إلى تقييمات علمية للمخاطر. ففي حالة الأرز مثلاً، وضعت البلدان في أنحاء العالم مستويات قصوى للبقايا لـ1144 مبيداً مختلفاً، بينما لم يعتمد الدستور الغذائي حدوداً قصوى للبقايا إلا لستة وستين مبيداً.

وكثيراً ما تعتمد أنظمة الضمان الخاصة لسلامة الغذاء على القواعد الدولية للتدقيق ومنح الشهادات والاعتماد التي وضعتها الأيزو. وتجعل هذه الأنظمة ضمان الامتثال ميسور التكلفة وتعزز المشروعية، وهو أمر حاسم لتبنيها على نطاق واسع عبر أسواق متنوعة.

مشاركة هيئات التقييس الوطنية في الأيزو

الأيزو منظمة غير ربحية ومنظمة دولية غير حكومية. ويمكن للبلدان أن تصبح أعضاء كاملي العضوية، أو أعضاء مراسلين، أو أعضاء مشتركين. ولكل نوع من أنواع العضوية رسوم مقابلة تمنح حقوقاً وفرصاً مختلفة للانخراط في منظومة معايير الأيزو. وتقوم رسوم العضوية ومبيعات معايير الأيزو جميعها على مبدأ استرداد التكاليف، وتستخدم لدعم تشغيل الأمانة المركزية في جنيف. وتتيح فئات العضوية المختلفة فرصاً للبلدان من جميع مستويات الدخل للمشاركة في وضع المعايير الدولية، وإن كان الأعضاء المراسلون والمشتركون لا يستطيعون المشاركة في حوكمة الأيزو.

ويستطيع الأعضاء الكاملو العضوية في الأيزو المشاركة في وضع المعايير، والإشراف على حوكمة المنظمة، وبيع معاييرها. ويختار الأعضاء المشاركة في اللجان المتصلة بالأولويات الوطنية والخبرات المتاحة داخل البلد لدى مختلف مجموعات أصحاب المصلحة، إما بوصفهم أعضاء مشاركين فاعلين وإما بوصفهم مراقبين.

وفي حين ظلت هيئات التقييس الوطنية في معظم البلدان المرتفعة الدخل أعضاء في الأيزو على الدوام منذ تأسيسها عام 1947، ازدادت عضوية هيئات التقييس الوطنية في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والمتوسط الأدنى والمنخفض زيادة كبيرة عام 1993، في أعقاب انتهاء جولة أوروغواي من المفاوضات في إطار الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، تحسباً لإنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995.

وتضم منظومة الأيزو 270 لجنة فنية عاملة، و509 لجان فرعية، و2556 فريق عمل، و726 مجموعة فرعية ومجموعة دراسية مخصصة. وتغطي اللجان طيفاً واسعاً من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وتوضع المعايير أو تُصاغ فعلياً داخل أفرقة العمل، التي ترتبط بـ"لجان أم" قد تكون لجاناً فنية أو لجاناً فرعية، لكل منها عنوان ونطاق عمل محددان. ولكل لجنة فنية أو لجنة فرعية أمانة تستضيفها هيئة تقييس وطنية، توفر الدعم الفني والإداري للجنة. وترفع الأمانة تقاريرها إلى مجلس الإدارة الفنية للأيزو، فترصد تقدم اللجنة وتبلغ عنه، وتضمن بقاءها نشطة، وتتحقق من التطبيق السليم لتوجيهات الأيزو وقرارات المجلس.

وقد ارتفع العدد التراكمي للجان الفنية واللجان الفرعية في الأيزو بمرور الوقت، ويضم قطاع الصناعة التحويلية والهندسة العدد الأكبر منها. وازداد عدد اللجان واللجان الفرعية زيادة حادة بعد جولة طوكيو لمفاوضات الغات عام 1979، التي أسفرت عن اتفاقية العوائق الفنية أمام التجارة. فقد تكاثرت اللجان واللجان الفرعية بسبب ما نتج عن ذلك من تحول عالمي في التركيز من التعريفات الجمركية التقليدية إلى الحواجز غير الجمركية بوصفها العقبات الرئيسية أمام التجارة الدولية. وقد هدفت الاتفاقية تحديداً إلى تنظيم استخدام اللوائح الفنية والمعايير، فشجعت استخدام المعايير الدولية أساساً للوائح الفنية، بما ولد طلباً على المعايير الدولية. كما هدفت إلى تعزيز الشفافية والتعاون بين البلدان، بما حفز مشاركة أكبر في الأنشطة المتصلة بالتوحيد القياسي الدولي.

وتبين بيانات مسح شمل 116 هيئة تقييس وطنية، أجراه البنك الدولي والأيزو معاً عام 2025، أنه كلما ارتفع مستوى دخل البلد ازداد عدد اللجان الفنية واللجان الفرعية للأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية التي تشارك فيها هيئة التقييس الوطنية لديه. فبينما لا تشارك البلدان المنخفضة الدخل إلا في 7% من جميع اللجان الفنية العاملة في الأيزو، تشارك البلدان المرتفعة الدخل في 84% منها. فضلاً عن ذلك، يزداد عدد المندوبين المرسلين إلى الاجتماعات العامة للجان الأيزو، بمن فيهم ممثلو الصناعة والأوساط الأكاديمية وموظفو هيئة التقييس الوطنية، زيادة سريعة بارتفاع مستوى دخل البلد. ويقدم هؤلاء المندوبون الخبرة الفنية لوضع المعايير، ويناقشون الاحتياجات التي يتوقعون أن تلبيها المعايير من منظور بلدانهم.

وتتراجع مشاركة هيئات التقييس الوطنية ذاتها في لجان الأيزو ولجانها الفرعية، مقيسة بحصة موظفي هذه الهيئات من المندوبين في الاجتماعات، كلما ارتفع مستوى دخل البلد. ففي البلدان المنخفضة الدخل، يشكل موظفو هيئات التقييس الوطنية قرابة نصف المندوبين، أما في البلدان المرتفعة الدخل فيقود ممثلو القطاع الخاص الوفود أساساً ويمثلون معظم المندوبين.

ولأغراض هذا التقرير، حُللت بيانات الأيزو الخاصة بكل معيار نُشر على الإطلاق، بما في ذلك عدد البلدان الممثلة في اللجنة المسؤولة عن وضع المعيار وتركيبتها من حيث الدخل، فضلاً عن الوقت المنقضي من طلب وضع المعيار حتى نشره. وتبين النتائج أن المعايير تستغرق وقتاً أطول في وضعها حين يشارك عدد أكبر من البلدان في عملية الوضع. فتحديداً، يرتبط كل بلد إضافي مشارك، بصرف النظر عن مستوى دخله، بنحو ثلاثة أيام إضافية من البدء حتى النشر. فضلاً عن ذلك، إذا كانت أمانة اللجنة الفنية أو اللجنة الفرعية المسؤولة عن المعيار في بلد مرتفع الدخل، فإن المعيار يُنشر في المتوسط أسرع بثلاثة إلى أربعة أشهر.

دوافع المشاركة في وضع المعايير الدولية والحواجز التي تعترضها

تتطلب المشاركة في وضع معايير الأيزو من هيئات التقييس الوطنية وأصحاب المصلحة لديها استثمار قدر كبير من الوقت والموارد. ومن ثم يتفاوت قرار هيئة التقييس الوطنية بشأن لجان الأيزو التي تشارك فيها تفاوتاً كبيراً بحسب مستوى دخل البلد والخبرات المتاحة. ففي البلدان المنخفضة الدخل، تؤثر في هذا القرار أساساً عوامل مثل الاستراتيجية الوطنية للتوحيد القياسي، التي تعدها 54% من هيئات التقييس الوطنية في هذه البلدان عاملاً مهماً، والقرارات المباشرة للحكومة الوطنية (46%).

ومع ارتفاع مستوى دخل البلدان، يتحول اتخاذ القرار نحو نهج تصبح فيه المقترحات أو الطلبات المباشرة من صناعة بعينها العاملَ الرئيسي الذي يحدد ما إذا كانت هيئة التقييس الوطنية في البلد ستشارك في وضع المعايير الخاصة بتلك الصناعة، ومن ثم في اللجنة الفنية أو اللجنة الفرعية ذات الصلة في الأيزو. فضلاً عن ذلك، تتزايد أهمية المقترحات المقدمة من الباحثين (التي تعدها مهمة 18% من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى مقابل 46% من البلدان المرتفعة الدخل)، ومن المجتمع المدني (التي لا تعدها البلدان المنخفضة الدخل مهمة، بينما تعدها مهمة 29% من البلدان المرتفعة الدخل)، بارتفاع مستوى دخل البلد. وتبين هذه النتيجة أن مجموعة أكثر تعقيداً وتنوعاً من الفاعلين تتجاوز الحكومة والصناعة تؤثر في جدول أعمال المعايير في البلدان المرتفعة الدخل.

وتشمل المنافع الرئيسية التي تجنيها هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى وذات الدخل المتوسط الأعلى من المشاركة في وضع المعايير الدولية اكتساب الوعي بالمعايير تمهيداً لتبنيها وطنياً (أشارت إلى ذلك 46% و54% و50% من هيئات التقييس الوطنية في البلدان من مستويات الدخل هذه على التوالي)، والتعاون مع البلدان الأخرى والشركاء الإقليميين (أشارت إلى ذلك 69% و46% و41% من هذه الهيئات على التوالي).

ما الاستراتيجية الوطنية للتوحيد القياسي؟

الاستراتيجية الوطنية للتوحيد القياسي خريطة طريق لسياسات البلد تضمن أن تدعم المعايير الوطنية والدولية ذات الصلة الأولويات الاستراتيجية للبلد. وتتولى هيئة التقييس الوطنية تنسيقها، فتضمن أن تحدد الاستراتيجية، من بين المعايير قيد الوضع، أكثرها ملاءمة للسياق الوطني لضمان تخصيص فعال للموارد. ومن أهم جوانب الاستراتيجية الوطنية للتوحيد القياسي أنها تقوم على الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للبلد، بما يجعلها متسقة مع الاستراتيجية الوطنية الشاملة، وتؤكد الاستخدام الفعال للموارد في وضع المعايير. وهي تتناول مباشرة الرؤية المتوسطة والطويلة الأجل لهيئة التقييس الوطنية في البلد، ويمكن أن تكون أداة لتعزيز البنية التحتية الوطنية للجودة.

فضلاً عن ذلك، ومع ارتفاع مستوى دخل البلدان، يشير عدد أكبر منها إلى أهمية التأثير في وضع المعايير ومضمونها (62% من هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل، و79% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والأعلى، و83% في البلدان المرتفعة الدخل). ويرجح أن ذلك يعود إلى أن عدداً أكبر من الشركات في البلدان الأعلى دخلاً يرغب في الاستثمار في وضع المعايير ليضطلع بدور ريادي.

وتشير البيانات المتعلقة بالمعايير الخمسة الأعلى مبيعات تراكمية في كل بلد، وبالمشاركة الفاعلة لهيئات التقييس الوطنية في وضع هذه المعايير، إلى ارتباط إيجابي: فالمعايير التي وضعت بمشاركة بلد ما أرجح أن يتبناها ذلك البلد وأن تدخل قائمة المعايير الخمسة الأكثر رواجاً فيه.

وتبين البيانات الإدارية للأيزو بشأن تركيبة اللجان الفنية وحجمها وإنتاجيتها في كل قطاع، مقرونة بمؤشر لتعقيد المنتجات التي تضع كل لجنة معاييرها، أن اللجان الفنية في قطاع الأغذية والزراعة والقطاع الذي يغطي تعدين المواد غير الفلزية تضم حصة أكبر من البلدان المنخفضة الدخل بين المشاركين فيها، وكلا القطاعين منخفض في متوسط درجات مؤشر التعقيد. بل إنه كلما ازداد تعقيد المنتجات التي تتناولها لجنة فنية، تراجع عدد البلدان الأدنى دخلاً المشاركة فيها، وازدادت حصة البلدان المرتفعة الدخل المشاركة. وتميل القطاعات ذات المتوسط الأعلى في درجات مؤشر التعقيد إلى أن يكون عدد أكبر من أعضائها قادماً من الصناعة لا من الحكومة.

ونظراً للأهمية المتزايدة للمعايير الدولية، من الضروري خفض حواجز المشاركة مع ضمان ألا تؤدي زيادة المشاركة إلى إبطاء عملية وضع المعايير. ويدعم الاتحاد الدولي للاتصالات المشاركة الطويلة الأجل للبلدان النامية عبر عدة آليات متكاملة، منها المنح لحضور الاجتماعات، وخدمات الترجمة التحريرية والشفوية، والبرامج على المستوى القطري أو الإقليمي التي تعزز الاتصال وتطبيق المعايير. وتوفر المجموعات والاجتماعات والفعاليات الإقليمية منصة لمعالجة القضايا المحلية وتشجيع انخراط أوسع، وتضمن الأدوات الإلكترونية الوصول إلى الموارد في الوقت المناسب. فضلاً عن ذلك، يقدم الاتحاد تدريباً على وضع المعايير مصمماً للمستجدين والخبراء المتقدمين والقادة، يقدم عبر الإنترنت وحضورياً حسب الحاجة.

ومن خلال برنامج الرعاية التابع للأيزو، تحصل البلدان النامية المؤهلة على تمويل لحضور اجتماعات لجان الأيزو وأفرقة العمل المرتبطة بأولوياتها الوطنية. ويقدم برنامج الرعاية في إطار خطة عمل الأيزو للبلدان النامية، وهي الإطار الشامل لدعمها في مجال المساعدة الفنية والتدريب، المرتبط باستراتيجية الأيزو 2030. ومن التطورات الأخيرة الرامية إلى زيادة سرعة وضع المعايير الوضعُ الإلكتروني للمعايير والمشاركة الافتراضية في اجتماعات اللجان. ويتولى مجلس الإدارة الفنية للأيزو مهمة رصد أداء اللجان ووضع سياسات وإجراءات جديدة للتحسين المستمر في مجالات مثل زمن طرح المعايير وجودة المعايير التي تنتجها الأيزو.

دراسة ذات صلة