الفصل الخامس: المعايير من أجل رأس مال بشري أفضل
الرسائل الرئيسية
معايير الجودة هي العمود الفقري لتقديم الخدمات في الرعاية الصحية والتعليم، ومن دونها تتسرب الاستثمارات هدراً بسبب سوء التنفيذ. ففي مجال الرعاية الصحية، تعود 60% من الوفيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى حالات كان يمكن الوقاية منها أو علاجها برعاية عالية الجودة. ويعتمد الامتثال للمعايير في مجالات تمتد من سلاسل الإمداد إلى التوظيف على بنية تحتية قوية للجودة.
المعايير المبكرة تشكل النجاح على امتداد العمر. فالأيام الألف الأولى من الحياة تضع الأساس لتعلم الطفل وصحته، وكل دولار أمريكي يُستثمر في التغذية والتحفيز في الطفولة المبكرة يدر ما يصل إلى 13 دولاراً أمريكياً من العوائد اللاحقة، عبر أداء مدرسي أفضل وإنتاجية أعلى. ومعايير الرعاية السابقة للولادة والتعلم المبكر ونسبة المعلمين إلى التلاميذ ترسخ هذه المكاسب.
ينبغي للبلدان أن تبدأ من حيث هي، ثم ترفع السقف. فوضع معايير مفرطة الطموح في وقت مبكر جداً قد يقصي الفقراء. وحين تتناسب معايير البلدان مع قدرتها على إنفاذها، فإنها توسع التغطية بسرعة أكبر وتتعلم بالممارسة. ومع نمو قدرة البلدان على الامتثال، يمكن للمعايير، بل ينبغي لها، أن ترتفع. ويفسر هذا المسار التكيفي كيف انتقلت فيتنام من أداء دون متوسط البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في درجات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة التابع للمنظمة إلى أداء في القمة في أقل من عقد.
المعايير الإجرائية تنقذ الأرواح. فقد خفضت قوائم تحقق بسيطة تتبعها المستشفيات الوفيات بنسبة 47%. وتعزز الإرشادات السريرية الموحدة وأدوات الرصد الإنصاف والابتكار، لا سيما في الأنظمة التي يكون فيها الفقراء الأكثر عرضة لمخاطر الرعاية المتدنية الجودة.
المعلمون هم أقوى المعايير في التعليم. فحين ترتفع جودة التدريس، يتبعها التعلم. ففي ولاية سيارا البرازيلية، ساعدت المعايير الواضحة لممارسة المعلمين والمرجعيات الواضحة للقراءة والكتابة كل طفل تقريباً على القراءة بحلول الصف الثاني، فرفعت درجات الولاية في المؤشر الوطني لجودة التعليم في البرازيل من 3.2 إلى 7.7 في أقل من عقدين.
ما يُقاس يتحسن. فقد هزت التقييمات العالمية للتعلم، كالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة، البلدانَ ودفعتها إلى العمل، من ألمانيا، حيث رفعت الإصلاحات التي أعقبت "صدمة البرنامج" عام 2000 درجات الطلاب فوق متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى بيرو، حيث حفز جرس إنذار مماثل إصلاحات شاملة لبرامج تطوير المعلمين والمناهج الدراسية.
الصلة بين السياسات والمعايير في الرعاية الصحية والتعليم
الصحة والتعليم جوهريان للتنمية البشرية والنمو الشامل. ويُرسى أساس رأس المال البشري في مرحلة الطفولة المبكرة، حين تتشكل معظم الوصلات العصبية في الدماغ. وتفويت الاستثمارات في الطفولة المبكرة أمر يصعب تعويضه ويكلف كثيراً في مراحل لاحقة من الطفولة أو المراهقة. فالعائد على الاستثمار في رأس المال البشري يبلغ أقصاه في السنوات الأولى من عمر الطفل. ويبدأ هذا الاستثمار المبكر بالصحة، عبر الرعاية السابقة للولادة والتحفيز المعرفي والتغذية، وهي أمور حاسمة لنمو الدماغ والتعلم في المستقبل. وترسي المعايير في الطفولة المبكرة أساساً رئيسياً للنجاح في المدرسة وفي الحياة اللاحقة. ورغم أن رأس المال البشري يتطور أيضاً عبر العمل، فإن هذا التقرير لا يتناول المعايير في أسواق العمل.
وتواجه الحكومات في البلدان النامية التحدي الهائل المتمثل في توفير الرعاية الصحية والتعليم لأعداد كبيرة من سكانها. وبالنظر إلى محدودية القدرة المؤسسية والموارد المالية في هذه البلدان، تتمثل المفاضلة الرئيسية في الاختيار بين معايير عالية مع مستويات منخفضة من الوصول، أو معايير منخفضة مع مستويات عالية من الوصول. ففي المستويات المنخفضة من الدخل، تكون العوائد الحدية لإتاحة حتى الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية لسكان القرى مرتفعة. ومن ناحية أخرى، لا يمكن خفض مستوى بعض التدخلات إذا أريد لها أن تحقق الأثر المتوقع. فالتحصين مثلاً يجب أن يبلغ حداً أدنى حرجاً من التغطية بين السكان لتحقيق السيطرة على الأمراض المعدية أو الحفاظ عليها. وعلى نحو مماثل، تزداد جودة العلاج في المستشفيات بازدياد أعداد المرضى، إلى حد أفضت فيه هذه العلاقة إلى وضع معايير للحدود الدنيا لأعداد المرضى.
وثمة صلات مهمة بين السياسات والمعايير في الصحة والتعليم معاً. فالتدخلات الرامية إلى تحسين صحة الأطفال يمكن أن تحسن نتائجهم التعليمية بفاعلية، والعكس صحيح. فقد زاد برنامج للتخلص من الديدان في كينيا مثلاً الحضور المدرسي زيادة كبيرة. وبوجه أعم، تزيد التدخلات الصحية، كتلك المتعلقة بالتغذية والصرف الصحي، قدرة الأطفال على التعلم مباشرة، ومن ثم تحسن النتائج التعليمية. ولا تقتصر برامج التغذية المدرسية، كمشروع "تاوانا" في باكستان، على معالجة سوء التغذية، بل تزيد أيضاً الالتحاق بالمدارس وتحسن قدرة الأطفال على الانتباه في المدرسة. وفي السياق ذاته، يفضي التعليم إلى صحة أفضل، فبرامج التغذية المدرسية تعزز عادات الأكل الصحية بين الأطفال، وتعليم الأطفال غسل الأيدي يقلل الإصابة بالأمراض.
الأجندة العالمية غير المكتملة لتنمية رأس المال البشري
رغم أن التقدم في الصحة والتعليم بلغ مستويات غير مسبوقة في أواخر القرن العشرين، فإنه يظل غير مكتمل وغير متكافئ التوزيع. فبفضل التحسينات في الطب والصحة العامة، بات متوسط العمر المتوقع في البلدان المنخفضة الدخل اليوم أعلى بكثير مما كان عليه في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حين كانت في مستويات مماثلة من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فبينما بلغ متوسط العمر المتوقع في البلدان المرتفعة الدخل 80 عاماً في عام 2023، لا يتجاوز 65 عاماً في البلدان المنخفضة الدخل. ولا تزال الأسر الفقيرة والريفية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تواجه معدلات مرتفعة من الأمراض المعدية، واضطرابات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والرضع والأطفال، وسوء التغذية، وهي أمور تترجم إلى عبء مرضي ثقيل.
وقد اتسع الوصول إلى التعليم اتساعاً كبيراً، إذ بلغ الالتحاق بالمدارس الابتدائية في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى 81% و87% على التوالي. غير أن نتائج التعلم لا تزال تمثل تحدياً، إذ يخفق كثير من الأطفال في بلوغ الحدود الدنيا للكفاءة في القراءة والرياضيات. فحصة الأطفال العاجزين عن قراءة نص بسيط بحلول سن العاشرة، أو ما يسمى "فقر التعلم"، تبلغ 91% في البلدان المنخفضة الدخل و60% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان المرتفعة الدخل، تظل نتائج التعلم غير مرضية، إذ تبلغ مؤشرات فقر التعلم في هاتين المجموعتين 29% و8% على التوالي.
وكانت التحسينات في الصحة أوضح في معدلات الوفيات منها في معدلات المراضة، بينما كانت التحسينات في التعليم أكبر بكثير في معدلات الالتحاق منها في نتائج التعلم.
المعايير في الصحة والتعليم
يمكن استخدام المعايير لتعزيز النتائج المتعلقة برأس المال البشري، كخفض المراضة والوفيات، وضمان النمو البدني السليم للأطفال، وتحسين مهارات القراءة. وتعتمد هذه النتائج على مدخلات جيدة، كالإمدادات والبنية التحتية والموظفين، وعلى عمليات جيدة، كالبروتوكولات السريرية وأساليب التدريس. ويمكن للبلدان أن تختار تبني المعايير الدولية التي تضعها منظمات كمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أو تكييفها أو المواءمة معها بما يلائم سياقاتها المحلية. والمعايير الدولية لأفضل الممارسات أكثر تأثيراً في الرعاية الصحية منها في التعليم، الذي يكون فيه التكيف مع الظروف المحلية أكثر أهمية.
وتتضح أهمية المعايير المتعلقة برأس المال البشري في لوائح كالحدود القصوى لحجم الفصول الدراسية، وفي أنظمة قياس كالاختبارات الموحدة، وفي بروتوكولات كقوائم التحقق للعمليات الجراحية المستخدمة يومياً في أنحاء العالم. فالمعايير تحدد المستويات المقبولة للجودة والممارسة في ترخيص المعلمين والمهنيين الطبيين، واعتماد المدارس ومختبرات التشخيص والمستشفيات، ووضع اشتراطات الجودة للتعلم أو الأدوية. والمقاييس الموحدة حاسمة لرصد الأداء، ومقارنة أفضل الممارسات، وإتاحة التحليل المقارن.
ومعظم معايير مدخلات رأس المال البشري وعملياته أمثلة على معايير الحد الأدنى للجودة، كمؤهلات المعلمين أو الأطباء أو الحدود الدنيا لاشتراطات التوظيف. وبعضها الآخر معايير توافق، منها شهادات الاعتماد. وتشمل معايير القياس سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة في الصحة، وسنوات الدراسة المعدلة حسب التعلم في التعليم، وهي مرجعيات لتقييم التحسينات في النتائج.
ويفترض هذا التقرير أن البلدان تحقق النتائج المرجوة في رأس المال البشري حين توضع المعايير لكل بلد على أساس قدرته على الامتثال لها. ومع نمو قدرة البلد، ينبغي تحديث المعايير، كما ناقش الفصل الثاني. والامتثال لمعايير الخدمات الصحية والتعليمية يبني الثقة في الأنظمة المرتبطة بهذه المعايير، بما يزيد بدوره الطلب على كلا النوعين من الخدمات.
أهمية السياسات التكميلية
غير أن المعايير ليست سوى أداة واحدة في صندوق أدوات السياسات. فلتحقيق النتائج المرجوة، قد تتطلب التدخلات أحياناً أدوات سياسات أخرى، كالحوافز والتدريب. فالمعايير تضمن تنفيذ التدخلات كما صُممت، لكن مجموعة التدخلات الخاطئة ستخفق في تحقيق النتائج المرجوة حتى مع استخدام المعايير الصحيحة.
ويبين برنامج التحصين الأساسي لمنظمة الصحة العالمية كيف يمكن للمعايير أن تحقق النتائج المرجوة. فالتغطية بالتطعيم، أي النسبة المئوية من السكان التي يجب تطعيمها لتحقيق مناعة القطيع، تتفاوت بحسب المرض، فهي مثلاً 95% للحصبة و80% لشلل الأطفال. وهذه الحصة الدنيا من السكان التي يجب تطعيمها لتحقيق مناعة القطيع معيار، وكذلك معايير الجودة التي تضمن فاعلية اللقاحات. ورغم أن حملات التطعيم قادرة على إنقاذ الأرواح، فإن الالتزام بالمعايير يضمن تحصين عدد كافٍ من الناس خلال الحملة، واستخدام لقاحات وأساليب تطعيم جيدة.
وقد وسع برنامج التحصين الأساسي، الذي ركز في البداية على ستة أمراض معدية رئيسية، نطاق وصوله ودمج لقاحات أحدث، بدعم منذ عام 2000 من التحالف العالمي للقاحات والتحصين "غافي". وأدى توسيع التغطية بالتطعيم إلى انخفاض وفيات الأطفال الصغار جداً، ويقدر البعض أن البرنامج أسهم في انخفاض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 40%. وفي حالة هذا البرنامج، أفضى الامتثال للمعايير إلى تنفيذ ناجح للتدخل، خفض بدوره الوفيات، وهي النتيجة المقصودة.
وتقدم دراسة حديثة لمؤهلات المعلمين في باكستان مثالاً مغايراً. ففي عام 2016، غيرت باكستان ممارسات توظيف المعلمين في القطاع العام بإدخال اختبارات موحدة على المستوى الوطني واشتراط درجة نجاح للمرشحين لوظائف التدريس، بهدف تعزيز التوظيف القائم على الجدارة. وأسفر تغيير ممارسات التوظيف عن معلمين جدد أكثر تأهيلاً، إذ كان المعلمون المعينون بعد الإصلاح أكثر احتمالاً بكثير لحيازة شهادات الدراسات العليا، وكانت المعلمات أكثر احتمالاً للتخصص في العلوم. غير أنه رغم توظيف معلمين أكثر تأهيلاً، لم تتحسن الممارسات الصفية ونتائج تعلم الطلاب، بل تراجعت في الواقع.
وتبرز هذه النتائج حدود استخدام المعايير. فرغم أن تغيير ممارسات التوظيف حسن مؤهلات المعلمين كما كان مقصوداً، فإن معايير التوظيف الأعلى وحدها لم تكن كافية لتحسين الجودة الإجمالية للتعليم. فما كان مفقوداً هو الجهود التكميلية لتحسين طريقة تدريس المعلمين وضمان تدريسهم بفاعلية.
تبني المعايير لتحسين الجودة في القطاع الصحي
يتبنى المجتمع الطبي المعايير لضمان جودة الخدمات الطبية المقدمة وبناء الثقة بين الطواقم الطبية والمرضى، وهو أمر جوهري لزيادة الطلب على الخدمات الصحية العامة أو الخاصة. ويمكن للإنفاذ العام الموثوق لهذه المعايير أن يفضي إلى توسيع التغطية الصحية وتحسين النتائج الصحية. ويستكشف النقاش التالي استخدام المعايير في أمثلة مختارة من مجال الرعاية الصحية، مبرزاً الفرق بين جودة المدخلات والعمليات وأثرها في النتائج.
معايير الجودة للمدخلات الصحية
تشمل مدخلات الرعاية الصحية المرافق المادية، كالمستشفيات والعيادات والمراكز الصحية، وغيرها من أشكال الدعم المادي، كالمعدات والأدوية واللقاحات، ومقدمي الرعاية الطبية المعتمدين، كالأطباء والممرضين.
معايير إمدادات البلد من الأدوية: قوائم الأدوية الأساسية
لإرشاد البلدان في تحديد الأدوية التي ينبغي إيلاؤها الأولوية في ما يتعلق باحتياجاتها من الرعاية الصحية، تنشر منظمة الصحة العالمية منذ عام 1977 قائمة نموذجية للأدوية الأساسية وتحدّثها بانتظام. فمن 186 دواءً في القائمة الأولى، ارتفع العدد إلى 502 دواء بحلول عام 2023. وتختار المنظمة الأدوية المدرجة في القائمة على أساس سلامتها وفاعليتها وتكلفتها. وتحديث القائمة عملية مستمرة تواكب التغيرات في الظروف الوبائية والتقدم الصيدلاني.
وقد كانت القائمة النموذجية عاملاً أساسياً في تحسين الحصول على الأدوية الأساسية، وشكلت السياسات الصحية الوطنية بتشجيع كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على وضع قوائمها الوطنية للأدوية. فقد وضع أكثر من 150 بلداً، معظمها أدنى دخلاً، قوائم وطنية للأدوية استناداً إلى القائمة النموذجية، لتعكس أولوياتها الصحية الخاصة ومدى توافر الموارد لديها. وبوضع قائمة وطنية للأدوية، يلتزم البلد بشراء الأدوية المدرجة فيها وضمان توافرها في مرافق الرعاية الصحية لديه.
ووفق الإطار المفاهيمي الذي ناقشه الفصل الثاني، ينبغي للبلدان أن تكيف قوائمها الوطنية للأدوية لا على أساس احتياجاتها الصحية فحسب، بل على أساس قدرتها على إنفاذها أيضاً. فمع ازدياد القدرة على شراء الأدوية المدرجة في هذه القوائم، أي مع ازدياد القدرة على الامتثال، التي يقاس عليها تقريبياً بنصيب الفرد من الدخل، ينبغي للبلدان أن تدرج في قوائمها الوطنية مزيداً من الأدوية الواردة في القائمة النموذجية. وهذا بالضبط ما يحدث فعلاً، فمع ارتفاع نصيب الفرد من الدخل في البلدان، يزداد عدد الأدوية من القائمة النموذجية المدرجة في قوائمها الوطنية. فضلاً عن ذلك، يزداد العدد الإجمالي للأدوية في القائمة الوطنية للبلد، من القائمة النموذجية وغيرها، بارتفاع نصيب الفرد من الدخل فيه. وتُكيف القائمة الوطنية على نحو يقلص فجوة الامتثال، أي الفرق بين التوافر الكامل والتوافر الفعلي للأدوية المدرجة فيها، وتبقى هذه الفجوة متسقة عبر البلدان في مختلف مستويات الدخل.
وينبغي أن تكون الأدوية المدرجة في القائمة الوطنية للبلد متاحة وميسورة التكلفة لجميع المرضى في ذلك البلد الذين يحتاجون إليها. والأدوية المدرجة في القوائم الوطنية تميل في المتوسط إلى أن تكون أكثر توافراً من الأدوية غير المدرجة فيها، ومع ذلك يظل توافرها دون المستوى الأمثل. فلو تُركت سوق الأدوية لشأنها لما وفرت ما يكفي من الأدوية الميسورة التكلفة لتلبية احتياجات الصحة العامة. فهوامش الربح الضيقة تثني المصنعين عن إنتاج الأدوية الأساسية بكميات كافية لتلبية تلك الاحتياجات، في حين تحقق الأدوية غير الأساسية التي تخفف أعراض الحالات البسيطة هوامش ربح مرتفعة. ومن ثم تضمن القوائم الوطنية أسواقاً للأدوية الأساسية، فتمنح صناعة الأدوية حوافز لزيادة إنتاج هذه الأدوية مع قبول سعر أدنى مقابل قاعدة مستهلكين أوسع.
الحدود الدنيا لمعايير مؤهلات الأطباء والممرضين
كثيراً ما تستخدم البلدان وغيرها نسبة الأطباء إلى السكان معياراً على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية لقياس سهولة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية بين مختلف الفئات السكانية، حضرية كانت أو ريفية، ميسورة أو فقيرة. غير أن من الجوانب المهمة التي تغفلها هذه النسبة مؤهلات الطواقم الطبية، بمن فيها الأطباء والممرضون والصيادلة وفنيو المختبرات. وتضع أجهزة الاعتماد الوطنية معايير جودة وطنية للتحقق من مؤهلات الطواقم الطبية. وتؤدي منظمة الصحة العالمية دوراً رئيسياً بوضع معايير عالمية للتعليم الطبي على مستويات المرحلة الجامعية الأولى والدراسات العليا والتطوير المهني المستمر، واعتماد أجهزة الاعتماد الوطنية عبر برنامج الاعتراف التابع للاتحاد العالمي للتعليم الطبي.
والاعتراف الدولي بالمهارات أمر جوهري لكليات الطب وخريجيها الساعين إلى الحصول على الشهادات الوطنية والدولية معاً، ويمكن أن يساعد على إعادة التوازن إلى سوق العمل العالمية. فالبلدان المرتفعة الدخل وذات الدخل المتوسط الأعلى تحتاج إلى مهاجرين بمهارات ملائمة لتلبية متطلبات سوق الرعاية الصحية. بل يتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على العاملين في الرعاية الصحية ارتفاعاً كبيراً بحلول عام 2030، بما قد يسبب نقصاً بالملايين. وفي الوقت نفسه، لدى البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى فائض من العاملين في الرعاية الصحية. لكن مجرد نقل العاملين من البلدان الأدنى دخلاً إلى البلدان الأعلى دخلاً لن يحل المشكلة، لأن هؤلاء العاملين قد لا يملكون المهارات أو الشهادات اللازمة.
وتمثل شراكات المهارات العالمية أداة سياسات واعدة لمعالجة هذه المشكلة. ففي هذه الشراكات، تنفذ المنشآت والحكومات في بلدان المقصد وبلدان المنشأ برامج تدريبية مشتركة، وتتقاسم تكاليف تدريب العاملين وتنقلهم. ويجري التدريب أساساً في بلدان المنشأ، فيهاجر جزء من الخريجين إلى بلدان المقصد عبر قنوات رسمية، ويدخل الباقون أسواق العمل المحلية. ويتيح هذا النموذج ذو المسارين للبلدان على طرفي التبادل تقاسم المكاسب الاقتصادية من التدريب والتنقل. وحتى الآن، كانت معظم هذه الشراكات القائمة تجارب صغيرة النطاق، مع استثناءات قليلة. فقد درّبت كلية أستراليا والمحيط الهادئ التقنية ومنحت الشهادات لأكثر من 20000 طالب منذ عام 2007 من 14 بلداً من بلدان جزر المحيط الهادئ في خمسة قطاعات رئيسية، هاجر 8% من خريجيها إلى أستراليا. ومن برامج تنقل المهارات المشابهة لهذه الشراكات برنامج "الفوز الثلاثي" الألماني الذي أنشئ عام 2013، والذي ألحق منذ إطلاقه أكثر من 6000 ممرض وممرضة مسجلين بالعمل في ألمانيا من بلدان مختلفة.
الحدود الدنيا لمعايير جودة الأدوية واللقاحات
من وظائف منظمة الصحة العالمية وضع معايير للأدوية واللقاحات لضمان سلامتها وفاعليتها واستيفائها اشتراطات الجودة. وتشمل عملية أداء هذه الوظيفة عناصر كثيرة، كالتأهيل المسبق، وضمان الجودة، وإرشادات تفتيش مرافق تصنيع المستحضرات الصيدلانية، ورصد المنتجات والأدوية المزيفة أو المتدنية الجودة.
وتواجه البلدان النامية قضايا معقدة تتعلق بسلامة الأدوية. فبالنظر إلى الاختلافات بين البلدان المتقدمة والنامية في الأنظمة الصحية وأنماط الأمراض والأدوية المسوقة، لا تستطيع السلطات الصحية في البلدان النامية ببساطة تبني معايير البلدان المتقدمة وتطبيقها. ومن الضروري أن تمتلك البلدان النامية بنية تحتية للجودة تعمل على نحو سليم لرصد سلاسل إمداد المستحضرات الصيدلانية لديها وإنفاذ المعايير. ولا تزال المعايير الصيدلانية والأنظمة التنظيمية في أرجاء العالم النامي هشة ومتفاوتة وشديدة الاعتماد على المساعدات والدعم الفني من المانحين الدوليين. ولا يزال الاتجار بالأدوية المتدنية الجودة واستهلاكها شائعاً أكثر مما ينبغي.
التكلفة الباهظة للأدوية المتدنية الجودة وغياب البنية التحتية للجودة
شراب السعال الملوث بثنائي إيثيلين الغليكول خطر متكرر. فقد وقع أول تسمم جماعي بثنائي إيثيلين الغليكول في الولايات المتحدة عام 1937، حين استُخدم المركب مذيباً في شراب للسعال في وقت لم يكن فيه اختبار السمية إلزامياً. وكانت النتيجة 105 وفيات، منهم 34 طفلاً. وحفزت المأساة إصلاحات شاملة تجسدت في القانون الاتحادي للأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل لعام 1938، مع تركيز قوي على السلامة. ولم تشهد الولايات المتحدة منذ ذلك الحين تسمماً جماعياً آخر بثنائي إيثيلين الغليكول.
لكن المشكلة لا تزال قائمة في البلدان النامية. ففي عام 2022، دفعت وفاة 66 طفلاً في غامبيا منظمةَ الصحة العالمية إلى إصدار تنبيه عالمي والإشارة إلى 20 شراباً ملوثاً للسعال. وتُتبعت الوفيات إلى مصنع هندي، فأوقفت السلطات الهندية الإنتاج، وحققت في المصنع المعني، ووجدت انتهاكات خطيرة لممارسات التصنيع الجيدة في البلاد. وكان موقف الحكومة أن الحادثة تعكس إخفاقاً في امتثال منشأة واحدة، لا ضعفاً منظومياً في التنظيم. ومع ذلك سرعان ما أدخلت ضمانات، شملت التأكد من استيفاء المصانع في الهند المعايير التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، واشتراط الاختبار ومنح الشهادات الإلزاميين قبل التصدير من مختبرات معتمدة، لتعزيز ضمان جودة الأدوية المتجهة إلى الأسواق الدولية. ومُنحت المنشآت الأصغر مهلة أطول للامتثال لهذه الضمانات، لكن بعد وفاة 24 شخصاً في الهند عام 2025 جراء تناول شراب سعال منتج محلياً ملوث بثنائي إيثيلين الغليكول، رفضت الهند طلبات مصنعي الأدوية تمديد المهلة، وألزمتهم بالارتقاء بمرافق التصنيع لديهم إلى المعايير الدولية بحلول نهاية العام.
ويتطلب منع تكرار مثل هذه الحوادث بنية تحتية وطنية متينة للجودة، تشمل مختبرات معتمدة لمراقبة الجودة في مراحل المنبع والمصب، ومراقبة لاحقة للتسويق، وعقوبات ذات معنى على إخفاقات الجودة. وفي غياب إنفاذ عالمي إلزامي، يجب على البلدان أن تنفذ معاييرها بنفسها. وتحتاج البلدان النامية مثل غامبيا إلى دعم فني ومالي خارجي لبناء قدرات التحقق.
الفجوات بين الجنسين في معايير الأدوية واللقاحات
يعالج وضع معايير الأدوية واللقاحات أيضاً فجوة قديمة بين الجنسين في مجال الصحة. فطالما أخفقت الجرعات المعيارية في الطب في مراعاة الفروق بين الجنسين. فكثير من الأدوية واللقاحات يُعطى بجرعات محايدة جنسانياً رغم الاختلافات البيولوجية بين النساء والرجال. فلقاح الإنفلونزا مثلاً له جرعة واحدة للجنسين، رغم أن النساء يطورن مستويات أعلى من الأجسام المضادة، وهن أكثر عرضة من الرجال للتفاعلات الدوائية الضارة.
وتاريخياً، كان تمثيل النساء ناقصاً في التجارب الطبية لتطوير الأدوية واللقاحات، بما ينعكس على سلامة الأدوية واللقاحات المطورة وفاعليتها. فأمراض القلب والأوعية الدموية هي السبب الرئيسي لوفيات النساء في الولايات المتحدة منذ عام 1989، ومع ذلك لم تمثل النساء سوى 25% من المشاركين في 31 تجربة بارزة لأدوية علاج قصور القلب الاحتقاني بين عامي 1987 و2012. ونماذج التنبؤ بالمخاطر المطورة للرجال كثيراً ما تغفل العلامات التحذيرية لخطر النوبات القلبية لدى النساء، وقد تكون التدابير الوقائية المطورة للرجال للحد من خطر النوبات القلبية أقل فاعلية لدى النساء. فرغم أن الأسبرين ثبتت فاعليته في الوقاية من النوبة القلبية الأولى مثلاً، وجدت دراسات أنه قد يكون عديم الفاعلية بل ضاراً لدى النساء. وفي الولايات المتحدة، حُظر 80% من الأدوية التي سحبتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من السوق لأنه تبين أن لها آثاراً ضارة على النساء.
وفي السنوات الأخيرة، أُحرز تقدم في أستراليا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ففي عام 2016 مثلاً، اشترطت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة تصنيف بيانات الدراسات التي تمولها وتحليلها بحسب الجنس، ما لم يكن هناك سبب قاهر لعدم القيام بذلك. وبحلول عام 2021، كانت النساء يمثلن نحو نصف جميع البحوث السريرية التي تدعمها هذه المعاهد، بما وسع مراعاة الجنس في تصميم البحوث وتحليلها والإبلاغ عنها، من الدراسات قبل السريرية إلى التدخلات السريرية. وبين عامي 2016 و2024، انخفضت حصة الأحداث الضارة المبلغ عنها من النساء في الولايات المتحدة بنقطة مئوية واحدة.
معايير عمليات الرعاية الصحية
الرعاية الصحية العالية الجودة هي الرعاية الصحيحة المقدمة في الوقت الصحيح، على نحو منسق، استجابة لاحتياجات المرضى وتفضيلاتهم، مع تقليل الضرر وهدر الموارد إلى أدنى حد. ولسوء الحظ، ثمة أدلة كثيرة على أن جودة الرعاية في كثير من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى متدنية، لا سيما للفقراء. ويمكن لتطبيق المعايير الإجرائية أن يساعد على دفع تقديم الرعاية الصحية إلى مستويات أعلى من الجودة.
قائمة التحقق: معيار إجرائي لعلاج المرضى
من الأمثلة البارزة على المعايير الإجرائية التي تقلل الأخطاء الطبية استخدام قوائم التحقق لضمان اتباع الطواقم الصحية خطوات حيوية خلال العمليات الطبية المعقدة. وقد ارتبط الالتزام بهذا النوع من المعايير بتحسن نتائج المرضى في طائفة واسعة من الأمراض، منها قصور القلب وسرطان الثدي والالتهاب الرئوي. كما يرتبط توحيد علاج أمراض الطفولة في المجتمعات المحلية والمرافق الصحية، عبر نهج يعرف بالإدارة المتكاملة لأمراض الطفولة يتضمن خوارزميات سريرية، بانخفاض وفيات الأطفال حين يُستخدم على نطاق واسع.
واستلهاماً لقوائم التحقق التي يستخدمها الطيارون، طورت منظمة الصحة العالمية وفريق من الباحثين قائمة التحقق من سلامة الجراحة لمعالجة الهفوات الشائعة في السلامة أثناء الجراحة والاستعداد للمضاعفات غير الشائعة. ولا يُقصد بقائمة التحقق أن تكون شاملة، بل يُراد تكييفها مع الظروف المحلية للرعاية الصحية. وقد اختُبرت عام 2008 في ثمانية مستشفيات حول العالم، وبينت نتائج التقييم أن معدل المضاعفات في المستشفيات التي أدخلت القائمة انخفض بنسبة 36%، وانخفضت الوفيات بنسبة 47%. وتوصي المنظمة باستخدام قوائم التحقق من سلامة الجراحة، التي تقتضي من فرق المستشفيات التأكد من فحص الحساسيات المعروفة لدى المريض قبل الإجراءات الجراحية، وعدّ الأدوات والإبر والإسفنجات بعدها للتأكد من عدم ترك أي منها داخل جسم المريض. وقد بينت الدراسات أن هذه القوائم خفضت معدل المضاعفات الجراحية، بما فيها الوفيات.
وفي كينيا، بين عامي 2013 و2015، طور البنك الدولي ووزارة الصحة آلية تنظيمية جديدة لمقدمي الرعاية الصحية في القطاعين العام والخاص. واقترن ذلك بتقييم للأثر لقياس آثار الآلية الجديدة، شمل تجربة عشوائية مضبوطة على 1348 مرفقاً صحياً في ثلاث مقاطعات كينية، صُنفت في 273 سوقاً صحية متمايزة. وطبق المشروع بروتوكولاً موحداً للتفتيش، هو قائمة التحقق المشتركة للتفتيش الصحي، لتقييم امتثال المرافق لبروتوكولات السلامة. ووُزعت الأسواق الصحية عشوائياً بين مجموعة خضعت لاحتمال تفتيش مرتفع مع إنفاذ معايير السلامة (مجموعة المعالجة)، وأخرى خضعت لاحتمال تفتيش منخفض (المجموعة الضابطة). ونجح إنفاذ المعايير في زيادة الامتثال لتدابير سلامة المرضى في المرافق العامة والخاصة على حد سواء، وزاد الثقة في الرعاية الصحية العامة وسلامة المرضى، وحسن تقديم الرعاية الصحية مع الحفاظ على إمكانية الوصول إليها. فقد حققت المرافق الخاضعة للمعالجة في المتوسط 41% من الدرجة القصوى، مقابل 35% في المرافق الضابطة.
معايير أنظمة المساءلة والرصد في الرعاية الصحية
تزود منظمة الصحة العالمية البلدان بأطر وأدوات لتطوير بنيتها التحتية الوطنية للجودة التي تغطي جوانب مختلفة من تقديم الرعاية الصحية، كتلك المتعلقة بالموظفين والمعدات والبروتوكولات السريرية. كما تقدم للبلدان إرشادات لوضع أطر تضمن سلامة الأجهزة الطبية والأدوية وجودتها وفاعليتها. فهي تنشر مثلاً أدلة كـ"المعايير العالمية لخدمات الرعاية الصحية الجيدة للمراهقين" (2015) و"معايير تحسين جودة رعاية الأمهات والمواليد في المرافق الصحية" (2016).
وتصدر المنظمة الدولية للتوحيد القياسي معايير لجودة الأجهزة الطبية والمختبرات. فمعيار الأيزو 13485 مثلاً يحدد اشتراطات الأجهزة الطبية، بما يضمن اتساق تصميمها وتطويرها وإنتاجها وتسليمها، وتشترط بلدان كثيرة الامتثال لهذا المعيار شرطاً مسبقاً للموافقة التنظيمية. ويحدد معيار الأيزو 15189 اشتراطات الجودة والكفاءة في المختبرات الطبية. وعلى المستوى القطري، تساعد الأجهزة التنظيمية الوطنية على إنفاذ معايير الأيزو، ففي الولايات المتحدة مثلاً تعتمد إدارة الغذاء والدواء الأجهزة الطبية وتنظمها.
ومعايير أفضل الممارسات التي تضعها منظمة الصحة العالمية طوعية، ويتعين على البلدان التي تتبناها أو تكيفها أن تجد سبلاً لإنفاذها بالعمل مع مجتمعاتها الطبية. فرغم أن المنظمة تضع معايير الجودة للأدوية مثلاً، فإن البلدان التي تُنتج فيها الأدوية هي المسؤولة عن إنفاذ هذه المعايير، وهو ما يتطلب قدرة لدى البلدان المستوردة على التحقق من جودة الأدوية. ولأن معظم البلدان المنخفضة الدخل تستورد أدويتها وتملك قدرة محدودة على التحقق، يتعين على البلدان المنتجة أن تنفذ معايير الجودة لضمان السلامة.
وتقدم استراتيجية فيتنام لإنشاء بنية تحتية للجودة في مجال الأدوية مثالاً جيداً. ففي عام 2009، أطلقت البلاد المركز الوطني لمعلومات الأدوية ورصد التفاعلات الدوائية الضارة، التابع لوزارة الصحة، والمسؤول عن اليقظة الدوائية. ويجمع المركز التقارير عن الأحداث الضارة الواردة من مهنيي الرعاية الصحية وبرامج الصحة العامة الوطنية وشركات الأدوية، الملزمة بتقديم تقارير دورية محدثة عن السلامة، ويحللها ويقيّمها، ويحدث قاعدة بيانات اليقظة الدوائية في البلاد، ويقيّم المخاطر المتعلقة بالأدوية ويبلغ عنها. وقد ساعدت المساعدة الفنية الخارجية البلاد على تطوير نظام قوي وشامل لليقظة الدوائية واكتشاف مشكلات جودة الأدوية، واستوفى النظام إلى حد كبير الحد الأدنى من اشتراطات المنظمة لمركز يقظة دوائية فاعل.
معايير قياس الصحة
يمكن لمعايير الجودة، حين تُنفذ ومع الحوافز، أن تفضي إلى نتائج صحية أفضل. وجمع البيانات عن النتائج الصحية أمر جوهري لقياس الأثر الفعلي لزيادة الجودة في أرجاء النظام الصحي للبلد. وبالنظر إلى تركيز هذا التقرير على تنمية الطفولة المبكرة، فإن من مقاييس النتائج المهمة بوجه خاص معايير منظمة الصحة العالمية لنمو الأطفال، التي يستخدمها أطباء الأطفال في أنحاء العالم لقياس النمو البدني المبكر للأطفال مقارنة بعينة من الأطفال. ويتيح هذا المقياس للعاملين في الرعاية الصحية تقييم ما إذا كان نمو الطفل يسير في مساره الصحيح. والكشف المبكر عن تعثر النمو بالغ الأهمية لعكس أي ميل نحو التقزم بتقديم تغذية علاجية في الوقت المناسب.
وتقدم التقديرات الصحية العالمية لمنظمة الصحة العالمية بيانات سلاسل زمنية شاملة وقابلة للمقارنة منذ عام 2000 عن النتائج المتعلقة بالصحة، بما فيها متوسط العمر المتوقع، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والوفيات، والمراضة، فضلاً عن أعباء الأمراض على المستويات العالمية والإقليمية والقطرية، مصنفة بحسب العمر والجنس والسبب. ويتيح حساب هذه المؤشرات الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض، الذي يوحد عبر الرموز تشخيص الأمراض وأسباب الوفاة على المستوى العالمي. وقد ساعد ترميز الأمراض والعلاجات في المستشفيات على تحسين التشخيص والعلاج. كما يتيح هذا التصنيف مقارنة بيانات المراضة والوفيات عبر المناطق والبلدان المختلفة وعلى مر الزمن، والإحصاءات المرضية التي يولدها أساسية للصحة العالمية، بما في ذلك البحوث المتعلقة بالخدمات الصحية وأنظمة الدفع الصحية والتخطيط الصحي.
ولا يجسد التركيز على معدلات الوفيات وحدها عبء المرض تجسيداً كافياً. فسنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة معيار قياس يجمع بين سنوات الحياة الصحية المفقودة بسبب الوفاة المبكرة الناجمة عن أمراض بعينها، وتلك المفقودة بسبب الإعاقة. وتساعد هذه السنوات صناع السياسات على تحديد القضايا الصحية ذات الأولوية بتحديد العبء الذي تفرضه الأمراض المختلفة كمياً. ففي البلدان المنخفضة الدخل مثلاً، تسبب الأمراض المعدية كالملاريا والسل خسائر صحية كبيرة، ولذلك يكون تركيز الموارد عليها فعالاً من حيث التكلفة على نحو خاص. كما كان استخدام هذه السنوات حاسماً في إظهار أن بعض الأمراض المدارية وحالات الصحة النفسية معيقة بدرجة كبيرة حتى لو لم تكن سبباً رئيسياً للوفاة المبكرة.
غير أن قابلية تطبيق هذا المقياس تعرضت للانتقاد. ومن المخاوف التي أقر بها واضعوه عدم تمثيلية الأوزان المستخدمة للأمراض المختلفة بسبب قيود المسوح. ومع ذلك يظل المقياس الملخص المهيمن للصحة الذي تستخدمه الجهات الفاعلة الرئيسية في الصحة العالمية، ومنها منظمة الصحة العالمية ومجموعة دوريات "ذا لانسيت" ومؤسسة غيتس، التي تتخذ قرارات التمويل على أساسه.
الانتقال إلى معايير أعلى للرعاية الصحية: حالة "الأطباء الحفاة" في الصين
بضمان جودة الخدمات الطبية وبناء الثقة فيها، تعد المعايير أداة مفيدة لتحسين نتائج الرعاية الصحية. غير أنه لكي تكون المعايير في أقصى فاعليتها، ينبغي أن يتبع وضعها في كل بلد الإطار المفاهيمي الذي يعرضه الفصل الثاني. فضلاً عن ذلك، يجب أن تُستخدم المعايير بمرونة وأن تُحدث بمرور الوقت مع تطور الاقتصادات وتغير الأوضاع.
ولنتأمل حالة "الأطباء الحفاة" في الصين، وهو نهج تكيفي مرحلي في وضع المعايير أتاح للنظام الصحي في البلاد أن ينمو. فبين عامي 1950 و1985، خفضت الصين الوفيات أكثر بكثير مما فعلته البلدان النامية الأخرى ذات المستويات المماثلة من الدخل. فقبل عام 1949، كان انتشار الأمراض المعدية، كحمى التيفود والكوليرا والسل، والوفيات المبكرة في الصين مرتفعاً، وكذلك معدلات الوفيات، إذ تراوح معدل الوفيات الخام بين 30 و40 لكل ألف نسمة، وبلغت وفيات الرضع 200 لكل ألف مولود حي، وكان متوسط العمر المتوقع 32 عاماً. وبحلول عام 1978، في بداية عملية الإصلاح والانفتاح في الصين، ورغم أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كان 156 دولاراً أمريكياً، كان متوسط العمر المتوقع قد ارتفع بالفعل إلى 63 عاماً، متجاوزاً المستوى المتوسط في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بعشر سنوات.
ففي منتصف ستينيات القرن العشرين، كان عدد سكان الصين 730 مليون نسمة، يعيش 80% منهم في المناطق الريفية، في حين لم يكن يقيم في المناطق الريفية سوى 31% من مهنيي الرعاية الصحية، ويعيش الباقون في المناطق الحضرية. وإدراكاً منها أن لديها عدداً أقل بكثير مما ينبغي من الطواقم الطبية المدربة تدريباً تقليدياً لخدمة سكانها الريفيين الهائلي العدد، حولت الصين سياستها الصحية عام 1965 لتركز بحزم على المناطق الريفية. وأعيد تخصيص الموارد لتدريب مسعف، أطلق عليه شعبياً "الطبيب الحافي"، وتوفيره لكل قرية. وفي الوقت نفسه، أوقفت جميع الجامعات الصينية، بما فيها كليات الطب، قبول الطلاب المتفرغين.
ومصطلح "الطبيب الحافي" في الحقيقة تسمية مضللة، لأن الطواقم الطبية المدربة في إطار البرنامج لم يكونوا حفاة ولا أطباء، بل كانوا، كما أشرنا، مسعفين: مزارعين محليين تلقوا تدريباً قصيراً ومكثفاً لتقديم الرعاية الأساسية وخدمات الصحة العامة في مجتمعاتهم المحلية. ونشأت تسمية "الحافي" من أن المزارعين كانوا يعتزون بزوج أحذيتهم الوحيد إلى حد يمنعهم من ارتدائه في الحقول الموحلة التي يعملون فيها. ولأن هؤلاء الفلاحين المدربين طبياً كانوا يقسمون وقتهم بين العمل في الحقول ورعاية المرضى، كانوا كثيراً ما يركضون بين هذا وذاك بأقدام موحلة. وفي ذروة البرنامج عام 1975، كان هناك نحو 1.6 مليون طبيب حافٍ.
وبدلاً من تلقي التعليم المعتاد في علم التشريح ووظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية وعلم الأدوية، اعتمد الأطباء الحفاة على دليل عملي موجه نحو النتائج، ركز على الوقاية من الأمراض، وتشخيص الأعراض الشائعة، وعلاج الأمراض، والطب الصيني التقليدي بالأعشاب، والوخز بالإبر، وتنظيم الأسرة والتوليد، وأمراض النساء والأطفال، والإسعافات الأولية. وكان الأطباء الحفاة يحملون صندوقاً طبياً يحتوي على حقنة وسماعة طبية وبضع ضمادات شاش وبضعة أقراص دوائية يستخدمونها في تقديم الرعاية الصحية الأولية لإخوانهم الفلاحين. وقد أشادت منظمة الصحة العالمية بالنموذج آنذاك لأنه حقق أكبر المنافع بأقل استثمار.
ويصعب تقييم مقدار التحسن الصحي في الصين خلال فترة وجود البرنامج الذي يمكن عزوه إلى الأطباء الحفاة. فمن ناحية، سبق اتجاه البلاد نحو التحسينات الصحية إطلاق تدريب الأطباء الحفاة ونشرهم. ومن ناحية أخرى، أعاد البرنامج توازن الموارد، فساعد بذلك على سد الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في الوصول إلى الرعاية الصحية.
ومع نضوج المنظومة الصينية، رفعت البلاد معاييرها تدريجياً، فاشترطت عام 1984 أن يجتاز الأطباء الحفاة مجموعة جديدة من الاختبارات المهنية ليصبحوا "أطباء قرى". وفي عام 1985، خاض نحو 1.25 مليون طبيب حافٍ الاختبارات على المستوى الوطني، فنجح 50% منهم وحصلوا على شهادات رسمية بوصفهم أطباء قرى. وتشير السجلات الحديثة إلى وجود نحو 910000 طبيب قرية معتمد في الصين.
تبني المعايير لتحسين الجودة في قطاع التعليم
تحدد معايير التعليم العام المعارف والمهارات والقدرات الأساسية التي ينبغي أن يكتسبها الطلاب نتيجة للتعليم الذي يتلقونه. ورغم أن تعلم الطلاب هدف أساسي للتعليم، فإن نجاح أي منظومة تعليمية يتوقف على الالتزام بمعايير الجودة في مجالين حاسمين: المدخلات (البنية التحتية والمعلمون والمناهج) والعمليات (أساليب التدريس والقيادة والمساءلة). ووضع المعايير بفاعلية في هذين المجالين يزيد فرص تقديم خدمات تعليمية أعلى جودة، وييسر المقارنة عبر الزمان والمكان، ويتيح صنع سياسات متسقة وتحسينات موجهة في قطاع التعليم. وإذا امتُثل للمعايير، فإنها تخلق الثقة في القطاع وتزيد الطلب على الخدمات التعليمية، فترفع الحضور المدرسي وتحسن نتائج التعلم.
وعلى النقيض مما هو الحال في القطاع الصحي، تؤدي المعايير الدولية دوراً أقل في التعليم. فبصرف النظر عن بعض المعايير الدنيا العالمية في التعليم، كالحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات، يحدد السياق المحلي إلى حد كبير ما يحتاج الأطفال إلى تعلمه. والجهة الرئيسية المكلفة بوضع المعايير الدولية في التعليم وإنفاذها هي اليونسكو. وحتى الآن، شملت أدوات وضع المعايير لدى اليونسكو 43 اتفاقية تحدد القواعد، و37 توصية للتأثير في تطوير القوانين والممارسات الوطنية، و14 إعلاناً للمبادئ العالمية. ففي إطار المؤشر 4.1.1 من أهداف التنمية المستدامة مثلاً، ترصد اليونسكو نسبة الأطفال والشباب الذين يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات في ثلاث مراحل: الصفين الثاني والثالث، ونهاية المرحلة الابتدائية، ونهاية المرحلة الإعدادية.
ويبين الإصلاح التعليمي الذي أجرته بوليفيا عام 2010، أي القانون 70 المسمى "أفيلينو سينياني وإليزاردو بيريز" تيمناً باسمي مربيين بوليفيين تاريخيين، كيف يمكن تكييف المناهج مع السياقات المحلية. فقد بنى الإصلاح على إصلاحات سابقة عامي 1988 و1994 صُممت لتعزيز التعليم المتعدد الثقافات والثنائي اللغة، واستبدل بالمنهج التقليدي للبلاد، الذي كثيراً ما همش معارف الشعوب الأصلية، منهجاً يدمج المعارف والممارسات الثقافية المحلية، ويعزز مشاركة المجتمعات المحلية والسلطات المحلية في إدارة المدارس واتخاذ القرارات التعليمية. ومنذ تطبيقه، أفضى الإصلاح إلى زيادة الوصول إلى التعليم، لا سيما بين أطفال الشعوب الأصلية، وارتفاع معدلات حضور الطلاب.
معايير الجودة للمدخلات التعليمية
تشمل المدخلات التعليمية جميع الموارد التأسيسية اللازمة لتقديم تعليم جيد، بما في ذلك عناصر البيئة المادية للتعلم، ومؤهلات المعلمين، والمناهج.
معايير البنية التحتية والبيئة المادية للتعلم
بيئات التعلم المادية، كالمباني والفصول الدراسية، جوهرية للتعليم الفعال، إذ تؤثر مباشرة في سلامة الطلاب وراحتهم وقدرتهم على التعلم. وضمان استيفاء المدارس للحد الأدنى من معايير البنية التحتية أمر حيوي للحد من أوجه عدم المساواة وتوفير مساحات تعلم آمنة وداعمة للطلاب.
وكما في حالة المناهج، يتعين تكييف المعايير الدولية للمرافق المادية مع الظروف المحلية. فقد تكون المباني التقليدية الأنسب للمناخ المحلي، وإن كانت بعض المعايير الدنيا ضرورية. فتوافر المراحيض الصحية مثلاً أمر حاسم لتشجيع الحضور، لا سيما بين الفتيات، إذ من المعروف أن غياب مرافق الصرف الصحي المخصصة للفتيات يثنيهن عن الحضور المدرسي. وبناء مراحيض في المدارس يزيد زيادة كبيرة التحاق الفتيات في سن البلوغ، لا سيما حين تُوفر مراحيض منفصلة لكل جنس. ومع ذلك، تفتقر 28% من المدارس في العالم إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية، بما يؤثر في 539 مليون طفل.
وتؤثر التدخلات الرامية إلى تحسين الصرف الصحي في تعلم الطلاب تأثيراً واضحاً. ففي عام 1999 مثلاً، أطلقت الهند برنامج الصرف الصحي والتثقيف الصحي في المدارس لوضع معايير لمرافق الصرف الصحي في مدارس البلاد. وفي عام 2003، زادت الحكومة الهندية الدعم المالي لهذه المعايير، بما أفضى إلى ارتفاع كبير في بناء المراحيض المدرسية. ومن عام 2006 إلى عام 2023، تضاعفت تقريباً نسبة المدارس الهندية التي تتوافر فيها خدمات الصرف الصحي الأساسية، أي مراحيض محسنة وصالحة للاستخدام ومنفصلة لكل جنس، من 44% إلى 84%. وعلى نحو مماثل، يكون الالتحاق في باكستان أعلى في المدارس التي تتوافر فيها مراحيض.
معايير مؤهلات المعلمين
المعلمون أهم مدخلات التعلم المدرسي. وتركز معايير هيئة التدريس على ثلاثة مجالات مترابطة: الحضور، والمؤهلات (التي نتناولها هنا)، والمهارات التربوية (التي نتناولها لاحقاً في هذا الفصل ضمن معايير العمليات التعليمية).
وتوجه معايير المؤهلات توظيف المعلمين. ومن أمثلتها اشتراط شهادات رسمية للتدريس (كما في تشيلي وجامايكا وبنما)، والاختبارات الموحدة لاختيار المعلمين (كما في البرازيل وكولومبيا)، وشهادات المعلمين وتقييم أدائهم (كما في الولايات المتحدة)، والتدريب الأولي الشامل المقترن بانتقاء صارم (كما في سنغافورة). وتعزز أفريقيا، عبر الإطار القاري الأفريقي لمؤهلات المعلمين، تنسيق المؤهلات بين البلدان، وهي خطوة مهمة، لكن تطبيقها سيتطلب دعماً وموارد خارجية.
ورغم ضرورة مؤهلات المعلمين، فإنها وحدها لا تكفي لضمان تعلم الطلاب. فالمعايير المتعلقة بأساليب التدريس والتوقعات بشأن جودة التدريس جوهرية لتحقيق التعلم، والسياسات المتعلقة برواتب المعلمين ومزاياهم حاسمة لتحفيز المعلمين واجتذابهم.
المعايير التي تضعها المناهج
تحدد المناهج المدرسية أهداف التعلم والكفايات الدنيا التي ينبغي أن يبلغها الطلاب في كل مرحلة من مراحل تعليمهم. وهي حاسمة لتنسيق المواد التعليمية وممارسات المعلمين والتطوير المهني والتقييم، كما توجه اختيار المعايير والأهداف. وكثيراً ما تتجاهل السياسة التعليمية المهارات غير المعرفية، وينبغي أن تغطي المناهج المهارات المعرفية وغير المعرفية على حد سواء.
وتستخدم البلدان في أنحاء العالم معايير المناهج لتحسين أنظمتها التعليمية. ففي فرنسا مثلاً، تحدد هذه المعايير مرجعيات لكل صف دراسي. وفي سنغافورة، تقترن إصلاحات المناهج بالتدريب أثناء الخدمة. ويركز المنهج الوطني في فيتنام على الكفايات المناسبة لكل صف بدلاً من الحفظ والتلقين. وفي البلدان ذات الأنظمة التعليمية اللامركزية، كالبرازيل والهند، تتيح المعايير الوطنية للمحليات تكييف المناهج لتعكس التنوع اللغوي والثقافي.
وفي كثير من البلدان النامية، لا تتسق المناهج مع التعلم الفعلي الحاصل. فحين تتجاوز وتيرة التدريس التي يحددها المنهج وتيرة تعلم الطلاب، يعجز الطلاب عن المواكبة. فالتعلم تراكمي، والإخفاق في إتقان المهارات التأسيسية كالقراءة في وقت مبكر سيجعل الأطفال يتخلفون ويجدون صعوبة في اللحاق.
وقد أسفرت التدخلات الرامية إلى تضييق الفجوة بين المناهج وتحصيل الطلاب عموماً عن نتائج إيجابية. ففي الهند، أدت "مخيمات التعلم" إلى درجات أعلى في اللغة. وأفضت برامج مماثلة إلى تحسينات كبيرة في نتائج الطلاب في بيئات مختلفة، منها تشيلي والولايات المتحدة، بما دفع إلى تبني تدخلات مماثلة وصلت إلى مليون طالب على الأقل في 12 بلداً أفريقياً.
تحديد المستوى الصحيح لمعايير المناهج في الهند وأفريقيا جنوب الصحراء
صُمم البرنامج الوطني للتقييم في الهند ليعكس نتائج التعلم المقررة لكل صف في الإطار الوطني للمناهج. وكثيراً ما تكشف نتائج التقييمات الوطنية عن انفصال بين التعلم المقصود والتعلم المتحقق، بما يشير إلى ثغرات في تطبيق الإطار، كتفاوت إعداد المعلمين أو محدودية وقت التدريس.
ويهدف نهج "التدريس على المستوى الصحيح"، الذي طورته منظمة "براثام" غير الحكومية في الهند، إلى بناء المهارات التأسيسية في الرياضيات والقراءة لدى جميع الأطفال قبل نهاية المرحلة الابتدائية. والفكرة هي ملاقاة الأطفال حيث هم وتعليمهم وفق مستواهم، بصرف النظر عن العمر أو الصف. وقد أفضى التركيز على الفجوات في تعلم الأطفال، بدلاً من اتباع منهج موحد مفرط الطموح، إلى مكاسب كبيرة في التعلم. واللافت أن ست تقييمات عشوائية في سبع ولايات هندية بينت أن هذا النهج فعال باستمرار حين يُطبق تطبيقاً منهجياً، وأنه حقق بعضاً من أكبر مكاسب التعلم المقيسة بدقة في أدبيات التعليم. فقد ضاعفت "مخيمات التعلم" في ولاية أوتار براديش عدد الأطفال القادرين على قراءة فقرة أو قصة، وأسفر تطبيق النهج في ولاية هاريانا عن زيادة كبيرة في درجات اللغة، وإن لم يحدث ذلك في درجات الرياضيات. وقد امتد النهج إلى 16 بلداً في أفريقيا جنوب الصحراء، واستفاد منه أكثر من 60 مليون طالب في أفريقيا والهند.
وينبغي أن تصاحب إصلاحاتِ المناهج إصلاحاتٌ أخرى. ففي الهند وباكستان وتنزانيا، لم تصاحب برامجُ تحسين المدارس إصلاحاتِ معايير المناهج، فاستمرت مستويات التحصيل المتدنية. وكما في السياسة التعليمية الوطنية، مالت المناهج إلى إغفال أهمية المهارات غير المعرفية، كالدافعية والمثابرة والتنظيم الذاتي. وقد بينت دراسات متعددة أن المهارات المعرفية وغير المعرفية يعزز بعضها بعضاً، وأن كليهما يرفع الأداء الأكاديمي. وتتناول التقييمات الدولية كالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة على نحو متزايد النتائج غير المعرفية، بما يساعد الحكومات على الالتفات إلى هذا المجال الجديد نسبياً.
معايير العمليات التعليمية
تنطوي العمليات التعليمية على الأساليب والممارسات المستخدمة في تقديم التعليم وتقييمه، كأساليب التدريس وأنظمة الرصد.
المعايير التربوية والاحترافية المهنية للمعلمين
تعتمد أكثر التدخلات فاعلية في تحسين تعلم الطلاب على المعلمين. ولذلك ينبغي إيلاء مزيد من الاهتمام لا لما يعرفه المعلمون فحسب، بل لما يفعلونه في الفصل الدراسي أيضاً. وتنطوي المعرفة التربوية على مهارات تطبيق الاستراتيجيات التعليمية، وتخطيط الدروس، واستخدام أساليب التدريس المتمحورة حول الطالب، وتقنيات إدارة الفصل. وترسي المعايير توقعات واضحة من المعلمين في هذه المجالات. ورغم محدودية البيانات المتعلقة بأساليب التدريس، تكشف المعلومات المتاحة عن فجوات مقلقة. ففي دراسات أجريت في كينيا وتنزانيا مثلاً، استطاع أقل من ثلثي المعلمين الإجابة عن أسئلة متعلقة بأساليب التدريس، وفي موزمبيق لم يستطع ذلك سوى 15% منهم. ووجدت دراسة أجريت في ولاية بيهار الهندية أن كثيراً من المعلمين الذين يملكون معرفة كافية بالمحتوى الذي يدرسونه واجهوا مع ذلك صعوبة في شرح المفاهيم بوضوح. والتدريس يتطلب، من بين أمور أخرى، تقسيم المهام إلى خطوات للمتعلمين، ومع ذلك وجدت دراسة أخرى أنه بينما استطاع قرابة 80% من المعلمين حل مسألة قسمة مطولة حلاً صحيحاً، لم يستطع سوى 11% منهم أداء جميع الخطوات على نحو صحيح. ويقدر أن التدخلات القائمة على المعايير، كالبرامج المنظمة في أساليب التدريس التي تشمل خطط دروس مفصلة وتدريب المعلمين وتوجيههم، تحسن درجات الطلاب في اللغة والرياضيات بما يعادل تسعة أشهر وستة أشهر من التعلم على التوالي.
معايير أنظمة المساءلة والرصد في التعليم
تطبق بلدان مختلفة آليات للرصد والتقييم لتقدير الامتثال للمعايير وتوجيه التحسين المستمر. وتتفاوت هذه الآليات في بنيتها ونطاقها، لكنها تشترك في غرض واحد هو تعزيز الشفافية، وإثراء عملية صنع القرار، وضمان حصول الطلاب على تعليم جيد.
فنظام المساءلة والرصد في أيرلندا مثلاً يركز على إطار للتقييم الذاتي للمدارس يعمل أداةً لضمان الجودة وآليةً للتحسين في آن واحد. فالمدارس تجمع البيانات وتحللها، كدرجات تحصيل الطلاب والملاحظات الصفية وآراء أصحاب المصلحة، ثم تنشر التقارير وتضع خطط تحسين لمعالجة الأولويات المحددة. ويقيّم مفتشون خارجيون جودة عملية التقييم الذاتي ذاتها، بما يعزز المساءلة. وتضمن هذه العلاقة المتبادلة أن تحصل المدارس على الدعم وأن تُسأل في الوقت نفسه عن استيفاء المعايير الوطنية.
وأرست رواندا نظاماً للمساءلة والرصد ينشئ حلقة تغذية راجعة بين البيانات والمعايير وتخطيط التحسين. فمجلس التعليم الأساسي في رواندا يجري بانتظام تدقيقات للمدارس بالشراكة مع مسؤولي التعليم في المقاطعات المدرسية، ويقيّم المجالات الرئيسية لأداء المدارس، بما فيها توزيع المعلمين وظروف الفصول وتحصيل الطلاب. وفي إطار هذا الجهد، طورت رواندا نظاماً لمعلومات إدارة التعليم لجمع البيانات على مستوى المدارس عبر مؤشرات مختلفة تتسق مع الخطط الاستراتيجية للبلاد ومعايير الجودة في قطاع التعليم. ويمكن أن تحظى المدارس التي يُتبين ضعف أدائها أو عدم استيفائها الحد الأدنى من المعايير بالأولوية في إعادة توزيع المعلمين، أو الاستثمار في البنية التحتية، أو مبادرات بناء القدرات الموجهة. كما يقدم المجلس الإرشاد الفني والدعم للمدارس والمقاطعات في استخدام بيانات نظام معلومات إدارة التعليم في التخطيط المحلي وجهود تحسين المدارس، بما يعزز ثقافة استخدام البيانات.
معايير قياس النتائج التعليمية
رصد نتائج تعلم الطلاب، عبر تقييمات التعلم، أمر جوهري لفهم مدى تحقيق الأنظمة التعليمية لأهدافها. فقياس النتائج المتعلقة بالعمليات التعليمية، بما فيها الالتحاق والحضور والتحصيل الدراسي وتنمية المهارات المعرفية وغير المعرفية، مفتاح لمعرفة أين تقف الأمور، وإلى أين تتجه، وما الإجراءات التي يمكن أن تحدث فرقاً. ويكشف قياس نتائج التعلم مدى تحديات التعلم وطبيعتها، بما يساعد البلدان على التخطيط بفاعلية أكبر، بما في ذلك وضع أهداف واقعية باستراتيجيات ومخصصات قابلة للتنفيذ.
ويقدم البرنامج الدولي لتقييم الطلبة مثالاً بارزاً على معيار عالمي للقياس التعليمي. فلأنه لا يعتمد على أي منهج وطني بعينه، فهو أداة تشخيصية قوية لتقييم ما إذا كانت الأنظمة التعليمية في البلدان تنمي المهارات اللازمة للمشاركة في الاقتصادات والمجتمعات الحديثة. ومنذ إطلاقه عام 2000، أجري البرنامج في 102 بلد كل ثلاث سنوات تقريباً، وأثبت أنه مقياس فعال لمقارنة الأنظمة التعليمية بين البلدان، وهي مهمة كان يُعتقد سابقاً أنها مستحيلة. وفي بلدان كثيرة، حفزت نتائج البرنامج مراجعة معايير التعليم وتحديثها في مجالات عدة، لا في محتوى المناهج فحسب، بل في التطوير المهني للمعلمين، وأطر تقييم الطلاب، والمساءلة على مستوى المنظومة.
الإصلاحات التعليمية التي حفزتها "صدمات" البرنامج الدولي لتقييم الطلبة
تحدث "صدمة البرنامج" حين تولد نتائج مخيبة للآمال في البرنامج غضباً في وسائل الإعلام في بلد ما، وتفضي إلى إصلاح تعليمي لاحق. ويقدم البرنامج اختباراً دولياً يقيس قدرة الطلاب في سن الخامسة عشرة على تطبيق المعارف والمهارات في القراءة والرياضيات والعلوم في سياقات واقعية.
وقد بينت أولى نتائج البرنامج عام 2000 أن أداء الطلاب في ألمانيا جاء دون متوسط البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما أثار نقاشاً عاماً وأفضى إلى ضغوط من أجل إصلاحات تعليمية. وكشف مزيد من التمحيص في النتائج أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والخلفية الاجتماعية كانا مرتبطين إلى حد كبير بالنجاح أو الإخفاق التعليمي في المدارس الألمانية. وفي أعقاب إصلاحات تعليمية لمعالجة هذه العوامل، ارتفعت درجات الطلاب الألمان في القراءة والرياضيات والعلوم ارتفاعاً كبيراً متجاوزة متوسط المنظمة، وبحلول عام 2015 كان أثر الخلفية الاجتماعية والاقتصادية في درجات الطلاب قد تراجع.
وشهدت بيرو "صدمتها" الخاصة عام 2012، حين أعلنت الأخبار في صدر الصحف أن نتائج البلاد في البرنامج وضعتها في المرتبة الأخيرة بين البلدان التي أكملت التقييم. وقادت درجات الاختبار المتدنية الحكومة إلى الإقرار بتحدي التعلم الهائل في بيرو، فشرعت في مسار من الاستثمار والإصلاح التعليميين. وقامت الإصلاحات على ثلاث ركائز: أولاً، إصلاح مسار المعلمين المهني على أساس الجدارة، بما في ذلك التوجيه؛ وثانياً، مراجعة المنهج؛ وثالثاً، استخدام بيانات تقييمات التعلم في التخطيط المدرسي. وكان للإصلاحات أثر كبير في درجات البلاد في البرنامج.
وعلى العكس من ذلك، لفتت فيتنام الانتباه العالمي عام 2012 بأدائها القوي في البرنامج. فمن بين المشاركين من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تفوق المشاركون من فيتنام على نظرائهم من بلدان كثيرة مرتفعة الدخل. فقد جاءت درجات البلاد في الرياضيات والقراءة عام 2012 (511 و508 على التوالي) أعلى بانحراف معياري واحد من درجات جارتها الأغنى إندونيسيا (375 و396 على التوالي). ومن التفسيرات المحتملة لذلك كثرة الفيتناميين خارج المدرسة، بما يضخم الأداء النسبي للطلاب المشاركين في التقييم، وتدريب الطلاب، وربما ارتفاع الدافعية لديهم. غير أن تحليلاً أجراه دانغ وزملاؤه عام 2023 يشير إلى أن هذه العوامل لا تفسر في أقصى تقدير سوى 30% من أداء فيتنام القوي. وفي الأعوام 2015 و2018 و2022، جاءت درجات فيتنام مرة أخرى مماثلة لمتوسط المنظمة.
والبرنامج مثير للجدل ويتعرض للانتقاد كثيراً. فالبعض يرى أن التقييم في سن الخامسة عشرة متأخر، كما أن البرنامج لا يقيس الإنجاز التعليمي إلا بين الأطفال الملتحقين بالمدارس، فلا يجسد المدى الكامل لتحدي التعليم في البلد. وقد دعا أكثر من 100 أكاديمي حول العالم عام 2014 إلى تجميد البرنامج. ورغم أن فنلندا سجلت في البداية درجات عالية في الرياضيات، اكتشفت لاحقاً أن طلابها كانوا يلتحقون بالجامعة غير مستعدين في هذه المادة، بما شكك في صلاحية نتائج البلاد في البرنامج. ورغم أوجه الضعف المتصورة هذه، يظل البرنامج قيماً بوصفه مقياساً عالمياً لنتائج التعلم.
وبين عامي 2000 و2012، تحسنت درجات معظم البلدان في البرنامج. غير أن درجات الاختبار اتجهت منذ عام 2012 نحو الانخفاض في معظم البلدان، لا سيما البلدان المرتفعة الدخل، وهو وضع فاقمته جائحة كوفيد 19. وقد لوحظ أن هذا التراجع تزامن مع دخول الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي حياة المراهقين. وقد ارتفعت درجات الاختبار في المملكة المتحدة بنسبة 6.4% بعد أن حظرت الغالبية العظمى من المدارس فيها الهواتف.
وثمة تقييمات دولية أخرى، كاتجاهات الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم، والدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القراءة، أكثر اتساقاً صراحةً مع التعلم القائم على المناهج، وتقدم رؤى حول مدى إتقان الطلاب للمحتوى الذي يُدرس عادة في المدرسة. فمنذ عام 1995، تقيّم الدراسة الأولى الرياضيات والعلوم في الصفين الرابع والثامن كل خمس سنوات، وقد شملت 64 بلداً عام 2023. أما الدراسة الثانية، التي بدأت عام 2001 وطُبقت في 57 بلداً عام 2021، فتركز على الفهم القرائي في الصف الرابع وتُجرى كل أربع سنوات. وقد أثبتت تقييمات من هذا النوع فائدتها في أنحاء العالم لرصد نتائج التعلم وإثراء عمليات مراجعة المناهج وتنقيح الكتب المدرسية وإرشاد المعلمين في التدريس.
وظهرت طائفة من برامج التقييم الإقليمية لتكمل التقييمات العالمية وتوفر مقاييس لتعلم الطلاب تراعي السياق. ففي أمريكا اللاتينية، تقيّم الدراسة الإقليمية المقارنة والتفسيرية بقيادة اليونسكو المهارات التأسيسية باستخدام مرجعيات وضعت إقليمياً، وقد أثرت نتائجها في نقاشات مواءمة المناهج والإنصاف في المنطقة. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، توفر تقييمات كتلك التي يجريها برنامج تحليل الأنظمة التعليمية التابع لمؤتمر وزراء التربية في الدول والحكومات الناطقة بالفرنسية، واتحاد الجنوب والشرق الأفريقي لرصد جودة التعليم، معلومات قيمة عن القراءة والكتابة والحساب في التعليم الابتدائي، وقد استُخدمت نتائجها لرفع الوعي بالتعلم التأسيسي والعوامل المرتبطة بتعلم الطلاب. وفي آسيا والمحيط الهادئ، يدعم مقياس التعلم الابتدائي لجنوب شرق آسيا وتقييم القراءة والكتابة والحساب لجزر المحيط الهادئ المقارنة المرجعية بين البلدان، ويساعدان على مواءمة الأطر الوطنية مع أهداف تعلم إقليمية مشتركة. وتضيف هذه التقييمات الإقليمية محتوى أكثر ملاءمة محلياً من البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، مع الحفاظ على قابلية المقارنة داخل بلدان المنطقة وفيما بينها.
الانتقال إلى معايير تعليمية أفضل: حالة ولاية سيارا البرازيلية
قد يتساءل بلد يسعى إلى رفع معاييره التعليمية من أين يبدأ. ويقترح بريتشيت وزملاؤه (2022) خمسة إجراءات لتسريع التقدم في التعلم: أولاً، الالتزام بتعلم تأسيسي مبكر وشامل؛ وثانياً، قياس التعلم بانتظام وموثوقية وملاءمة؛ وثالثاً، مواءمة الأنظمة حول التزامات التعلم؛ ورابعاً، دعم التدريس؛ وخامساً، تكييف ما تتبناه وأنت تطبقه. ويتردد صدى الإرشاد الأخير مع الإطار المفاهيمي الوارد في الفصل الثاني، وهو وثيق الصلة بوجه خاص بوضع معايير مرنة في التعليم تُرفع دورياً مع تقدم البلدان نحو خدمات أعلى جودة.
وتبين ولاية سيارا في البرازيل كيف يمكن للمعايير والمرجعيات الشاملة للمنظومة ورصد نتائج تعلم الطلاب أن تفضي إلى تحسينات كبيرة في التعليم. فقد نجحت المرحلة الأولى من الإصلاحات التعليمية في الولاية بين عامي 1997 و2000 في رفع الالتحاق بالمدارس، لكنها لم تحسن التعلم. واستجابة لذلك، أطلقت سلطات التعليم في سيارا استراتيجية إصلاح تقوم على معايير واضحة للتعلم التأسيسي. فوضعت الولاية مرجعيات تقتضي أن يتقن جميع الطلاب القراءة والكتابة بنهاية الصف الثاني، وواءمت هذا الهدف مع معايير المناهج والتوقعات من المعلمين. وأصبحت مرجعيات التعلم هذه أهدافاً لأداء البلديات، تدعمها تدابير قانونية وآليات تمويل.
ودمجت سيارا أهداف إصلاحاتها التعليمية مع تحديثات لمعايير المنظومة بأكملها، شملت إصلاحات للمناهج ركزت على القراءة والكتابة والحساب الأساسية، وتطويراً مهنياً للمعلمين يتسق مع أساليب التدريس الجديدة، وتقييمات منتظمة على مستوى الولاية لتتبع تقدم الطلاب. وحصلت البلديات على الاستقلالية وخضعت في الوقت نفسه للمساءلة. ورغم أن الإصلاحات شجعت التكييف المحلي لاستراتيجيات التنفيذ، أصبح بلوغ مرجعيات الولاية في القراءة والكتابة والحساب شرطاً للحصول على أموال إضافية من الولاية متاحة عبر نظام حوافز قائم على التحويلات الضريبية.
وكان رصد النتائج شاملاً ومنهجياً. فقد طبقت سيارا برنامجاً للتقييمات الواسعة النطاق على مستوى الولاية، هو النظام الدائم لتقييم التعليم الأساسي في سيارا، يُجرى سنوياً لتقييم أداء الطلاب مقارنة بالمعايير التي وضعتها سلطات التعليم في الولاية. ونُشرت النتائج، بما أتاح الاعتراف العام بالتقدم والمقارنة بين البلديات. وحصلت البلديات العالية الأداء على مكافآت مالية واعتراف علني، بما ولد حوافز إيجابية قوية للتحسين المستمر. ويتيح المؤشر الوطني لجودة التعليم للسلطات رصد التقدم.
وكان للإصلاحات أثر دائم. فعلى مدى عقدين، حققت سيارا معدلات شبه شاملة لإتقان القراءة والكتابة بنهاية الصف الثاني، متجاوزة المتوسطات الوطنية، وأصبحت نموذجاً للولايات البرازيلية الأخرى. وارتفعت درجتها في المؤشر الوطني لجودة التعليم من 3.2 عام 2005 إلى 7.7 عام 2023. ويمكن عزو نجاح سيارا إلى الاتساق الثابت بين معاييرها (التي تحدد ما يجب أن يتعلمه الطلاب)، ومرجعياتها (الغايات والأهداف القابلة للقياس)، وإرشاداتها (الدعم الفني المقدم للبلديات واستراتيجيات التدريس الموصى بها والمدعومة بالأدلة). وتبرز تجربتها أهمية معايير التعلم الواضحة، والرصد المستمر، والدعم الموجه في تعزيز تحسينات التعلم التأسيسي، لا سيما في الأنظمة اللامركزية.
توصيات من أجل معايير أفضل تتعلق برأس المال البشري
المعايير المتعلقة برأس المال البشري، حين توضع بعناية وتُنفذ بانتظام، تساعد على بناء الثقة في تقديم الخدمات. وتتوقف فاعليتها على كيفية تصميمها وتطبيقها ورصدها وصيانتها. وينبغي للبلدان النامية أن تضع معايير الصحة والتعليم بواقعية، بما يتسق مع احتياجاتها ومواردها، فتجعل الوصول لأوسع شريحة من السكان أولويتها الأولى، ثم تحسن معايير المدخلات والعمليات. ففي البيئات ذات الموارد المحدودة، قد لا يكون تحقيق المعايير العالية ممكناً على نطاق واسع، بل قد تُقنن لتفيد الفئات الميسورة وحدها.
ومهما بلغ ارتفاع معايير البلد، فلن تكون فعالة دون امتثال سليم وسياسات داعمة، لا سيما الحوافز التي تحفز العاملين المسؤولين مباشرة عن استيفاء المعايير. فأفضل المستشفيات والمدارس تجهيزاً، التي يعمل فيها موظفون ذوو تأهيل عالٍ، ستظل تجد صعوبة في تحقيق نتائج عالية الجودة إذا تغيب الأطباء والمعلمون عن العمل.
توصيات للسياسة الصحية
يتعين وضع المعايير الصحية الوطنية المكيفة من المعايير العالمية لمنظمة الصحة العالمية بواقعية، وفقاً لموارد كل بلد وقدرته على الإنفاذ، وتعديلها دورياً. وقد ثبت أن النهج المرحلي في وضع المعايير الصحية، الذي يبدأ بأهداف متواضعة ويعدلها مع توسع النظام الصحي، فعال من حيث التكلفة، كما أثبتت حملات التطعيم العالمية. وعلى وجه الخصوص، إذا كانت المعايير الأدنى قادرة على تعزيز الوصول إلى الخدمات الطبية على نطاق واسع، فإنها تميل إلى تعزيز الرفاه العام لسكان البلد أكثر من المعايير الأعلى التي لا تقدر على استيفائها سوى قلة مختارة، كما تبين تجربة الصين مع "الأطباء الحفاة".
ويحظى الإنفاذ بأعلى أولوية في القطاع الصحي بسبب العواقب الكبيرة، بل المأساوية، لإخفاقات الامتثال. فالمعايير الصيدلانية والأنظمة التنظيمية في أنحاء العالم لا تزال هشة وغير متسقة وشديدة الاعتماد على المساعدات والدعم الفني من المانحين الدوليين. ولا يزال خطر إخفاق الامتثال في إنتاج الأدوية والمعدات الطبية وتوزيعها والاتجار بها مرتفعاً أكثر مما ينبغي. وتحتاج البلدان إلى الاستثمار في البنية التحتية للجودة في مجال الأدوية، كما تبين الاستراتيجية التي انتهجتها فيتنام. ويمكن للاتفاقات الإقليمية أن تساعد على تعويض تكاليف استثمارات البنية التحتية. وبدلاً من ذلك، يمكن للبلدان أن تختار الاستيراد حصراً من المصنعين المعتمدين من منظمة الصحة العالمية أو من جهات تنظيم الأدوية الموثوقة، كتلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ورصد توافر الخدمات الصحية وجودتها على المستوى المحلي أمر حاسم لإنفاذ المعايير الصحية على مستوى البلاد. وينبغي تطبيق أنظمة رصد أساسية بسيطة لا تتطلب عملاً إدارياً واسعاً، ويُفضل دمجها في منصات رقمية للرصد والتحليل في وقت شبه فعلي. فكينيا مثلاً تتبنى بروتوكولات تفتيش موحدة تهدف إلى تقييم امتثال المرافق لمعايير السلامة. وقد وضع البنك الأفريقي للتنمية استراتيجية البنية التحتية الصحية الجيدة في أفريقيا للفترة من 2022 إلى 2030، التي تشمل المساعدة على تعزيز الاتصال بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتقوية أنظمة المعلومات الصحية الوطنية، فضلاً عن دعم الابتكارات في تقديم الخدمات الصحية.
توصيات للسياسة التعليمية
الالتزام السياسي القوي على أعلى المستويات أمر جوهري لضمان أن تفضي الإصلاحات التعليمية القائمة على المعايير إلى نتائج تعلم ناجحة. فالدعم السياسي المستدام يضمن موارد كافية لدعم الإصلاحات، ويمكن أن يحفز المنظومة التعليمية في البلد على العمل بها. والإبلاغ المنتظم عن التقدم ونشر المعلومات بشأنه على نطاق واسع أمران حاسمان للحفاظ على التأييد العام وتحفيز المعلمين والسلطات المدرسية. وكما ناقش هذا الفصل، بادرت ألمانيا وبيرو كلتاهما إلى الاستثمار في التعليم وإصلاحه في أعقاب نتائج واسعة الانتشار في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة كشفت عن أداء ضعيف نسبياً.
فكّر عالمياً وتصرف محلياً. فرغم أن المعايير العالمية توفر نقاطاً مرجعية مفيدة، فإن التكييف المحلي حاسم للملاءمة والمشروعية والإنصاف. وعند تكييف المعايير، من المهم إدراك تنوع نقاط الانطلاق واحتياجات التعلم لدى الفئات السكانية المختلفة. ويمكن لإفساح المجال للتكييف مع استخدام المرجعيات العالمية سقالاتٍ أن يساعد الأنظمة التعليمية الوطنية على البقاء طموحة وواقعية في آن واحد. وينطوي ذلك على مواءمة المرجعيات الدولية مع المناهج الوطنية، وتعديل المعايير لتلائم واقع الفصول الدراسية، وتعديل أهداف التعلم حسب الحاجة. كما يعني ضمان دمج الإنصاف والشمول في المعايير، بتضمين مبدأ ملاقاة الطلاب عند مستواهم مثلاً، كما يجسده برنامج "التدريس على المستوى الصحيح" في الهند. ومن الأمور الجوهرية أيضاً تضمين المناهج محتوى ملائماً ثقافياً، وتوفير المواد بلغات متعددة، وتوفير الترتيبات التيسيرية لذوي الإعاقة، وتحسين البنية التحتية وممارسات التدريس المراعية للمنظور الجنساني. فقد عزز الإصلاح التعليمي في بوليفيا عام 2010 مثلاً التعليم المتعدد الثقافات والثنائي اللغة، واستبدل بالمنهج التقليدي منهجاً يدمج معارف الشعوب الأصلية وممارساتها.
ينبغي مراجعة المعايير دورياً وتنقيحها عبر حلقات التغذية الراجعة. فأنظمة المساءلة ترصد الالتزام بالمعايير التعليمية، وتقدم التغذية الراجعة على مستويات مختلفة من الأنظمة التعليمية من أجل التحسين المستمر، كما تبين الخطوات التي اتخذتها أيرلندا ورواندا. والأطر الفعالة للرصد وضمان الجودة جوهرية لمواءمة المدخلات والعمليات والنتائج التعليمية مع أهداف السياسات. فبالجمع والتحليل المنهجيين للبيانات المتعلقة بعوامل كالبنية التحتية المدرسية وتوزيع المعلمين وجودة التدريس ونتائج تعلم الطلاب، تساعد هذه الأطر على تحديد الفجوات، وتوجيه تخصيص الموارد، ودعم صنع القرار القائم على الأدلة.
المعايير وحدها لا تكفي، بل يجب دمجها في إطار أوسع للتنفيذ، كما تجسده الإصلاحات في ولاية سيارا البرازيلية على مدى العقود القليلة الماضية. وينبغي أن تشمل البرامج تدريب المعلمين، والمواد المرتبطة بالمناهج، والفرص المستدامة للتطوير المهني، والتمويل الموجه، والاختبار والرصد. واللافت أن الدعم المالي ينبغي أن يُهيكل بحيث يعكس تكاليف تحقيق الظروف التعليمية الأساسية والحوافز اللازمة لتحفيز التحسين المستمر معاً.
