الفصل السابع: المعايير من أجل حوكمة أفضل
الرسائل الرئيسية
الحكومات هي التي تصنع التنمية، لكنها كثيراً ما تقصر عن ذلك بسبب ضعف الأسس التي تقوم عليها الحوكمة. ففي غانا، لا يكتمل أبداً مشروع من كل ثلاثة مشروعات تمولها الحكومات المحلية، من المدارس إلى الطرق، بما يهدر نحو 20% من الاستثمار العام. والمشكلة الجوهرية ليست الفساد، بل سوء إدارة الأفراد والمدفوعات والمشتريات. ومن تعزيز الأنظمة الخاصة بهذه الوظائف الأساسية تبدأ التنمية.
معايير الحوكمة هي الأسلاك الخفية التي تقوم عليها الدول الفعالة. فهي تقنن كيفية تعيين الحكومات للموظفين ودفعها للمستحقات وإجرائها للمشتريات، فتحول السلطة التقديرية إلى انضباط. وحين تنشر الحكومات بيانات الموازنات والمشتريات وفق المعايير الدولية، كما فعلت أوكرانيا للحفاظ على التمويل الخارجي في أثناء الأزمة، تغدو الشفافية أساساً للثقة والاستقرار.
أصعب ما في الأمر هو الاتساق، أي ترسيخ المعايير في كل وزارة وبلدية. فالقطاع العام يوظف على مستوى العالم 373 مليون شخص، وحتى داخل الحكومة الواحدة قد تتراوح نسبة التعيين القائم على الجدارة بين 20% و100% من جهة إلى أخرى. والانتقال من الحكم بالتقدير الشخصي إلى "الحكم بالمعايير" ينطوي على ثورة هادئة تحد من الفساد وسوء الإدارة، لكنها تتطلب نطاقاً واسعاً وتنسيقاً وواقعية في تقدير التكاليف الإدارية.
ينبغي للحكومات أن تكيف المعايير مع سياقها، لا أن تنسخ أفضل الممارسات نسخاً أعمى. فالإصلاحات الموحدة للجميع تأتي بنتائج عكسية حين تكون القدرة على تنفيذها ضعيفة. وتبين بيانات من 39 بلداً أن الدول كلما ازدادت ثراءً شددت المهل المحددة لدفع مستحقات المقاولين، مع إبقاء نسبة المدفوعات في موعدها ثابتة تقريباً، وهو دليل على التعلم والمعايرة. والدرس المستفاد هو القياس والإصغاء والتعديل، لأن معايير الحوكمة تعمل على أفضل وجه حين تتبناها الحكومات وتجعلها معاييرها.
يمكن لمعايير الأداء أن تحول الأجهزة البيروقراطية من جهات تتبع القواعد إلى جهات تحل المشكلات. فحين تربط الحكومات الأداء بنتائج قابلة للقياس، كما في حالة الموازنة القائمة على النتائج في ماليزيا أو الإصلاحات القائمة على التقييم في شيلي، ترتفع كفاءة القطاع العام ارتفاعاً حاداً. ففي إقليم البنجاب في باكستان، رفع الأجر المرتبط بالأداء لمحصلي الضرائب الإيرادات المحصلة بنحو 40% في غضون عامين فقط، وفي ولاية أندرا براديش في الهند، حسنت المكافآت المقدمة للمعلمين والمرتبطة بتعلم الطلاب نواتج التعلم في جميع المواد. فالمعايير التي تقيس ما يهم تمكّن البيروقراطيين من تحقيق النتائج، لا مجرد اتباع القواعد.
معايير الحوكمة: مساعدة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها
الحكومات مسؤولة عن تنفيذ السياسات العامة وتقديم السلع والخدمات العامة التي تشكل أساس التنمية. غير أنها كثيراً ما تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالسياسات. ففي غانا مثلاً، تنفذ الحكومات المحلية مشروعات كبناء المدارس والمراحيض. ووجدت دراسة شملت أكثر من 14000 مشروع من هذا النوع أن نحو ثلثها لم يكتمل، وهو ما يمثل قرابة خُمس الاستثمارات العامة للحكومات المحلية. وتعكس هذه الحالة القطرية قضية عالمية تمس الحكومات المحلية والمركزية على حد سواء. ففي كل عام، تخصص الحكومات موارد مالية لمشروعات وبرامج متنوعة، لكن هذه الموازنات كثيراً ما لا تُنفق بالكامل في البلدان ذات المستويات الأدنى من التنمية الاقتصادية، فتقصر عن الالتزامات الأصلية لتلك البلدان.
ومن العوامل الرئيسية وراء فجوة التنفيذ هذه محدودية قدرة المؤسسات العامة، ويقصد بها هنا المنظمات الرسمية في القطاع العام، على أداء ولاياتها. ففي حالة الحكومات المحلية في غانا، لم يؤد الفساد سوى دور صغير في تفسير فجوة التنفيذ. بل إن المشروعات غير المكتملة أوقعت خسائر مالية بالمسؤولين الحكوميين والمقاولين على السواء، تفوق أي مكاسب محتملة من الرشوة أو التواطؤ. وإنما فسر معظمَ الفجوة سوءُ الإدارة التنظيمية لوظائف كشؤون الموظفين والمدفوعات والمشتريات. فقد قدر المهندسون تكاليف المشروعات استناداً إلى بيانات غير دقيقة، ولم تكن وظائف الموازنة والتخطيط منسقة، ونادراً ما دُفعت مستحقات المقاولين في موعدها. وللوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالسياسات، يتعين على الحكومات معالجة هذه الأنواع من التحديات التنظيمية.
ويحاج هذا الفصل بأن المعايير توفر سقالات مؤسسية لحوكمة أفضل، ويقصد بالحوكمة هنا إدارة الوظائف التنظيمية الأساسية للحكومة: شؤون الموظفين والمدفوعات والمشتريات. ويؤكد الفصل على التباين المؤسسي في الحوكمة داخل الحكومة الواحدة وكيف يؤثر ذلك في القدرة المؤسسية. وينبغي للحكومات أن تنتقل من الحوكمة القائمة على التقدير الشخصي إلى الحوكمة القائمة على المعايير. فالحوكمة القائمة على التقدير الشخصي تعتمد على المعرفة الضمنية والتفضيلات الشخصية لصناع القرار في القطاع العام، بما قد يدفعهم إلى بناء قراراتهم الإدارية على معلومات منقوصة وتحيزات. وفي أسوأ أحوالها، تفضي هذه الحوكمة إلى قرارات اعتباطية تخدم أصحاب السلطة. وفي المقابل، توظف الحوكمة القائمة على المعايير مقاييس مقننة (مساطر) تزيد الشفافية، واشتراطات إجرائية (قواعد) تنشر الممارسات الجيدة. وهذه المعايير، حين تُطبق باتساق وعلى نطاق واسع، تعزز الحوكمة وتمكّن المؤسسات العامة من الوفاء بالتزاماتها.
وينبغي تطبيق معايير الحوكمة تدريجياً، بالاستفادة من الأدلة المتعلقة بأثر التطبيق وبترك مساحة كافية لحرية التصرف، ذلك أن تطبيق معايير الحوكمة مكلف. فالامتثال للمعايير مثلاً يجبر الموظفين على تحويل وقتهم الشحيح من التنفيذ إلى الامتثال، بما يقلل جودة تنفيذ السياسات. وللحد من تكاليف التطبيق وتعظيم منافعه في آن واحد، تحتاج الحكومات إلى استحداث تقييمات قائمة على الأدلة للأثر التنظيمي للمعايير، وإلى تطبيقها وفق نهج تدريجي تحركه الأولويات. ويتطلب ذلك جمع بيانات المسوح والبيانات الإدارية المتعلقة بالعمليات التنظيمية وتحليلها، فضلاً عن الإصغاء إلى ملاحظات المؤسسات والأفراد في القطاع العام. ويمكّن ذلك بدوره الحكومات من اتخاذ خيارات عملية بين الأولويات المتنافسة، وتكييف المعايير بحيث تعمل على نحو أفضل لصالحها، بدلاً من السعي وراء "أفضل ممارسات" عامة لا هي قابلة للتطبيق ولا هي ملائمة لاحتياجاتها.
وبدراسة الكيفية التي يمكن أن تكون بها المعايير أساساً لحوكمة أفضل، يؤكد هذا الفصل على الجوانب التنظيمية والإدارية للحوكمة، التي تُغفل أحياناً. ومن ثم يسلط النقاش والأدلة المقدمة في الفصل الضوء على سبل عملية لتعزيز الحوكمة وتحسين تنفيذ السياسات، استكمالاً للنقاشات حول دور الاقتصاد السياسي وصنع السياسات الاستراتيجية التي تناولتها تقارير أخرى عن التنمية في العالم. وبذلك يؤكد الفصل كيف يمكن أن يعاني التنفيذ من فجوات حتى حين تسعى المؤسسات العامة والعاملون فيها إلى فعل الصواب، لكنهم يحتاجون إلى عون المعايير ليحسنوا فعله.
كيف تشكل المعايير حوكمة الوظائف التنظيمية
كثيراً ما تتباين جودة الحوكمة، التي يعدها هذا الفصل إدارةً للوظائف التنظيمية الأساسية للحكومة، بين المؤسسات العامة في القطاع العام الواحد. فبعض المؤسسات داخل الحكومة قد تكون "جزر تميز"، تحسن إدارتها وتقدر باستمرار على الوفاء بالتزامات الحكومة المتعلقة بالسياسات، لكن كثيراً منها ليس كذلك. وتبين الأدلة التجريبية من القطاعين الخاص والعام أن التباين في جودة الإدارة التنظيمية يفسر الفروق في الأداء وفي تنفيذ السياسات. والتحدي أمام الحكومات هو كيفية تحسين حوكمة المؤسسات العامة المتأخرة، بما يجعل جودة الحوكمة أكثر اتساقاً عبر القطاع العام. وينطوي ذلك على عملية لبناء القدرات تتطلب نهجاً بناءً. ففي علم النفس النمائي، يشير مصطلح "السقالات التعليمية" إلى أسلوب تربوي يقر بالحاجة إلى نهج تعاوني في نقل المعرفة إلى المتعلمين. وفي الحوكمة، تؤدي المعايير دور السقالات المؤسسية التي تساعد المؤسسات والأفراد على إدارة أنفسهم على نحو أفضل.
أحدث البحوث التجريبية في الإدارة تؤكد أثرها في الأداء التنظيمي
وثقت مجموعة متنامية من الأدلة التجريبية فروقاً كبيرة ومستمرة في جودة الإدارة بين المنشآت في القطاع الخاص، تقود التباين في إنتاجية هذه المنشآت. ويصدق ذلك على المنشآت من مختلف الأحجام وعبر البلدان. وانطلاقاً من برنامج بحثي تجريبي مستمد من هذه الأدلة، تحسب مسوح المنشآت التي يجريها البنك الدولي مؤشراً للممارسات الإدارية يقيس جودة الإدارة على مستوى المنشأة وفق مجموعة من الأبعاد تشبه تلك المستخدمة في المسح العالمي للإدارة. وتشير المتوسطات الوطنية لدرجات هذا المؤشر إلى أن جودة إدارة المنشآت ترتفع مع تقدم البلدان في التنمية. وقد امتدت الدراسات التجريبية في الإدارة إلى ما وراء المنشآت، فبحثت كيف تؤثر الممارسات الإدارية في منظمات كالمدارس في تعلم الطلاب. فقد وجدت دراسة قارنت إدارة المدارس في البرازيل والهند والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة أن القيادة الاستراتيجية والحوكمة الأفضل، في صورة المساءلة أمام مجالس المدارس، ترتبط بنتائج أفضل في تعلم الطلاب.
وفي البنك الدولي، ازدهر خلال العقد الماضي برنامج بحثي تجريبي مماثل لقياس الممارسات الإدارية عبر الحكومات. إذ يجري مختبر البيروقراطية التابع للبنك الدولي مسوحاً لموظفي الخدمة العامة، فيقدم رؤى قائمة على الأدلة بشأن الممارسات الإدارية في القطاع العام. ومن الخلاصات الرئيسية لمجموعة متنامية من الأدلة أن جودة الإدارة تتباين بين المؤسسات في الحكومة الواحدة، بما يؤكد نتائج البحوث النوعية بشأن جزر التميز. ولهذا التباين في الحوكمة داخل الحكومة آثار على الأداء المؤسسي. فقد وجد مسح حديث للمدارس العامة في ليتوانيا مثلاً أن المدارس ذات الإدارة الأعلى جودة أقدر على دعم الصحة النفسية لطلابها. ويتيح المسح العالمي لموظفي الخدمة العامة، وهو مبادرة بحثية يضطلع بها تحالف يضم البنك الدولي ومؤسسات أكاديمية، مجموعة بيانات قابلة للمقارنة عالمياً بشأن الممارسات الإدارية عموماً وإدارة الموارد البشرية خصوصاً.
معايير الحوكمة ونطاقها
انطلاقاً من تعريفه للحوكمة، يعرّف هذا الفصل "معايير الحوكمة" بأنها مجموعة المعايير التي تقنن المقاييس والاشتراطات الإجرائية التي تشكل كيفية إدارة المؤسسات العامة لوظائفها التنظيمية الأساسية. ويركز الفصل على الوظائف التنظيمية الأساسية الثلاث المذكورة آنفاً: المدفوعات وشؤون الموظفين والمشتريات. فكل وظيفة من هذه الوظائف شائعة، ومدى حسن إدارتها يشكل القدرة المؤسسية، التي تعرّف هنا بأنها قدرة الحكومات على تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالسياسات. وهكذا تقنن معايير الحوكمة المقاييس والاشتراطات الإجرائية التي تشكل المنظمات والأنظمة والأفراد المسؤولين عن تنفيذ السياسات.
ولأن الالتزام بمعايير الحوكمة كثيراً ما يكون إلزامياً، فهي جزء من القوانين والسياسات، بمعنى أنها تضع قواعد محددة لـ"كيفية" التنفيذ لا لـ"مضمون" السياسة. ففي إدارة الموازنة مثلاً، يمكن أن يتضمن القانون معياراً يشترط أن تعد مكاتب الموازنة القائمة في الجهات الحكومية التقارير المالية الحكومية وأن تُنشر سنوياً. وكما يفهم من هذا النقاش، تدعم المعايير التطبيق الروتيني للممارسات على مستوى المؤسسات العامة، ويقصد بها هنا المنظمات الرسمية في القطاع العام المسؤولة عن تنفيذ السياسات. ويكمل هذا المنظور التركيز الذي تبناه تقرير عن التنمية في العالم 2017: الحوكمة والقانون، الذي ركز على حوكمة ساحة السياسات، لا سيما اختلالات القوة بين الفاعلين الذين يقررون ما ينبغي تنفيذه من سياسات.
حجم القطاع العام وتنوعه
من التحديات في تطبيق معايير الحوكمة حجم القطاع العام ذاته. فالقطاع العام يوظف 373 مليون عامل حول العالم، بحسب تقديرات البنك الدولي المستمدة من مؤشرات البيروقراطية العالمية. وتستأثر أكبر 50 قطاعاً عاماً بـ 361 مليون موظف، أي 97% من العمالة في القطاع العام على مستوى العالم، تتصدرها الصين والهند والاتحاد الروسي والولايات المتحدة. ومما يفاقم تحدي الحجم أن الحجم النسبي للقطاع العام في البلد يتزايد مع مستوى تنميته الاقتصادية. ومع نمو القطاعات العامة، تنهار معايير الحوكمة التي كانت ملائمة لقطاعات أصغر. فمسؤول التعيين مثلاً يستطيع على نحو معقول تقييم خمسة مرشحين عبر مقابلة عمل، لكن إذا كان عدد المرشحين أكبر بكثير، لم يعد معيار التعيين ذاته، أي مقابلة العمل، قابلاً للتطبيق. ويصف مصطلح "الإثقال البيروقراطي" السياقات التي تعجز فيها الأجهزة البيروقراطية عن مواكبة حجم العمليات التنظيمية التي يتعين عليها إدارتها. ويفضي ذلك إلى تراجع جودة الحوكمة التنظيمية، بما يقلص بدوره القدرة المؤسسية على تنفيذ السياسات.
ونادراً ما تتطلب معالجة تحديات الإثقال البيروقراطي أن تقنن الحكومات معايير مبتكرة للحوكمة. فمجتمع التنمية الدولي يوصي منذ عقود عديدة بمعايير للحوكمة كتلك المتعلقة بتعيين المرشحين عبر المسابقات، وإعداد التقارير المالية السنوية ونشرها، وتنظيم المزايدات التنافسية في المشتريات. بل إن التحدي أمام الحكومات هو ضمان أن تضع المؤسسات والأفراد الكثيرون في القطاع العام معايير الحوكمة موضع التطبيق، أي إتقان الأساسيات باتساق وعلى نطاق واسع. فالأدلة المجمعة عبر مسوح موظفي الخدمة العامة تبين أن بلداناً كثيرة تواجه صعوبة في تطبيق معايير التعيين باتساق. بل إن تطبيق المعايير التي تشترط التعيين القائم على الامتحانات قد يتباين من مؤسسة إلى أخرى داخل الحكومة الواحدة. وبحسب هذه المسوح، ففي حين طبقت المؤسسات العامة في الحكومة الاتحادية البرازيلية مثلاً التعيين القائم على الامتحانات باتساق، تُظهر حكومات أخرى تبايناً أكبر في ترجمة هذا المعيار إلى ممارسة.
وثمة أدلة متزايدة على أن المعايير تتيح حوكمة أفضل عبر تعزيز الشفافية وتقنين ممارسات تستخدمها المؤسسات والموظفون بصورة مشتركة ومتكررة. وتحديداً، تقنن معايير القياس مجموعة متسقة من التصنيفات ومناهج القياس (المساطر) التي تسترشد بها الإدارة التنظيمية، فتؤدي دوراً تأسيسياً في صنع السياسات القائم على الأدلة. غير أن القياس وحده لا يكفي. فينبغي للحكومات أن تحسن جودة الحوكمة في القطاع العام بتقنين معايير تحسن جودة العمليات التنظيمية ذاتها. فمعايير الجودة تقنن الكيفية التي ينبغي أن تدير بها المؤسسات العامة والعاملون فيها العمليات المؤسسية (القواعد). وكما يبرز الإطار المفاهيمي، تتيح معايير الجودة نشر الممارسات الجيدة، فتقلل الحاجة إلى إعادة اختراع العجلة وتحسن جودة حوكمة العمليات التنظيمية.
الاستفادة من المعايير من أجل حوكمة أفضل
الحكومات ومؤسساتها عمياء جزئياً عن هياكلها وعملياتها التنظيمية، لا سيما حين تفتقر إلى "مقياس أو معيار كمي يتيح لها أن تترجم ما تعرفه إلى معيار مشترك لازم لرؤية شاملة". وتوفر معايير الحوكمة تصنيفات ومقاييس موحدة تزيد شفافية القطاع العام وعملياته التنظيمية، فتعالج مشكلة عدم تماثل المعلومات التي حددها الإطار المفاهيمي للتقرير. ولنأخذ الإنفاق من الموازنة مثالاً. فما لم تصنف مؤسستان عامتان نفقاتهما وفق نهج متسق في القياس، لا يمكن مقارنة نفقاتهما أو تجميعها. وفي هذه الحالات، يكون معيار قياس كتصنيف الأمم المتحدة لوظائف الحكومة مفيداً. إذ يرسي هذا المعيار نهجاً متسقاً لقياس النفقات الحكومية وتصنيفها بحسب وظيفتها (كالتعليم أو الصحة)، بما يساعد على إنتاج معلومات عن إدارة المالية العامة دقيقة ومتسقة وقابلة للمقارنة. كما يضمن النهج الموحد في القياس أن تكون المعلومات مرئية من المستويات العليا في التسلسل الهرمي البيروقراطي. ويحسن ذلك الحوكمة، لأن كبار المديرين كثيراً ما يكونون بعيدين عن العمليات التنظيمية اليومية.
ومن الوظائف الأخرى لمعايير الحوكمة تقنين الممارسات الجيدة وإتاحتها للاستخدام المشترك والمتكرر، بما ينظم عمل القطاع العام. فهذه المعايير، أي معايير الجودة، تقنن الاشتراطات الإجرائية والإرشادات الخاصة بالعمليات التنظيمية التي تضطلع بها المؤسسات العامة والعاملون فيها. فمعيار للمشتريات مثلاً قد يحدد أن مناقصات المشتريات يجب أن تمر بعملية عطاءات تنافسية. ويتيح تقنين معايير الجودة الممارسات الإدارية للاستخدام المشترك والمتكرر، بما ييسر انتشارها، ومن ثم التعلم المؤسسي في مجال الممارسات الإدارية.
وتعالج معايير الجودة مخاطر تنظيمية كالفساد. فالنشر الروتيني لمناقصات المشتريات عبر أنظمة الشراء الإلكتروني يمكّن الحكومات والمنشآت من أن تحلل آنياً المعاملات التي تجريها مكاتب المشتريات وأن تتتبع المخالفات المحتملة. وقد وجدت الدراسات أن هذه الممارسات ترتبط بانخفاض الفساد في المشتريات.
وتعود جذور هذه الرؤية لحوكمة تنظيمية أفضل قائمة على المعايير إلى الثورة الصناعية الثانية. ففي تلك الحقبة، أفضى جهد منسق لتوحيد مواصفات التصنيع، عبر تقنين معايير تحسن عمليات الإنتاج، إلى مكاسب في كفاءة المنشآت الصناعية، ومن أمثلتها الحديثة ما شهدته معجزات شرق آسيا. ووجد هذا الجهد تعبيره الفكري في كتاب "مبادئ الإدارة العلمية" لفريدريك تايلور. وكان من المبادئ الموجهة لهذه الحركة التحول عن الإدارة بالتقدير الشخصي، التي تتسم بقرارات تقوم أساساً على المعرفة الفردية لصناع القرار وسلطتهم. وقصور هذا النهج أن التقديرات الشخصية تقوم على استدلالات ذاتية قد تفضي إلى عدم الاتساق والتحيز، بل إنه في بعض الحالات يعود بالنفع الشخصي على من يملكون سلطة اتخاذ القرار بتقديرهم. وفي المقابل، تعتمد الحوكمة القائمة على المعايير على مساطر وقواعد مقننة: تصنيفات ومقاييس وممارسات جيدة مدونة ومختبرة. وكما يقول تايلور، فإن النهج القائم على المعايير في الحوكمة يمكّن الحكومات من تطبيق "أدوات وأساليب موحدة تمثل أفضل ما توصل إليه العالم من معرفة حتى اليوم، بما يتيح للأصالة والإبداع أن يضيفا إضافات حقيقية إلى معرفة العالم، بدلاً من إعادة اختراع أشياء قديمة".
غير أن النهج التايلوري في الإدارة التنظيمية قد يأتي بنتائج عكسية حين يُدفع إلى أقصاه. فقد افترض تايلور في أحيان كثيرة وجود معيار أمثل واحد لتقنيات إنتاج بعينها (ككيفية حمل الحديد الخام)، وهو أمر نادر في السياقات التنظيمية المعقدة كالقطاع العام. وبدلاً من ذلك، قد يكون الأفضل النظر في الاختيار بين خيارات جيدة متعددة لا خيار أمثل واحد. كما أن الأدلة التجريبية الحديثة في الإدارة لا تؤيد أن يكتفي العاملون باتباع الأوامر المباشرة لمديريهم دون مساحة لحرية التصرف. وبدلاً من ذلك، ينبغي للحوكمة أن توظف المعايير أدواتٍ تستخدمها المؤسسات العامة والعاملون فيها، مع الحفاظ على مساحة للاستقلالية والتقدير. ورغم هذه الانتقادات، فتحت حركة الإدارة العلمية المجال لإعادة التفكير في مقاربة الإدارة التنظيمية: مقاربة أقل اعتماداً على السلطة والخبرة القائمتين على التقدير الشخصي، وأكثر اعتماداً على معايير تقنن القياس والاختبار التجريبي والتحسين المستمر لأداء المنظمات.
وتعيد معايير الحوكمة في المقام الأول تشكيل كيفية إدارة المؤسسات العامة وعملها، لا بالضرورة السياسات التي كُلفت بتنفيذها أو السلع والخدمات المطلوب منها تقديمها. ويكمل تركيز هذا الفصل على التنفيذ لا على صنع السياسات تقرير عن التنمية في العالم 2017، الذي بين كيف يمكن لإصلاح ساحة السياسات، أي البيئات السياسية والاجتماعية التي يتفاعل فيها الأفراد والجماعات، أن يقلل اختلالات القوة ويحسن تصميم السياسات وتنفيذها معاً. فساحة السياسات تحدد العملية التي يُحدد عبرها مضمون السياسات، أما معايير الحوكمة فتحدد الكيفية التي ستضع بها المؤسسات والأفراد المسؤولون السياسات موضع التطبيق. وبذلك يعيد هذا الفصل الوصل مع تيار من أدبيات الحوكمة تناوله تقرير عن التنمية في العالم 1997: الدولة في عالم متغير، فيبرز الأسس التشغيلية للدولة والقضايا المتعلقة بالقدرة المؤسسية التي تقيدها.
كيف تمكّن المعايير من تنفيذ السياسات الاستراتيجية
كثيراً ما تتبنى الحكومات سياسات تضع أهدافاً عامة، كسياسات النوع الاجتماعي التي تسعى إلى الحد من الفوارق بين الرجال والنساء في التعليم أو التوظيف أو الحصول على الخدمات العامة وتعزيز المساواة بين الجنسين. غير أن تحويل الالتزامات المتعلقة بالسياسات إلى نتائج ملموسة يتطلب معايير تشغيلية توجه التنفيذ اليومي، تشمل إجراءات ومسؤوليات وأدوات قياس محددة تترجم الأهداف العليا إلى عمل مؤسسي.
وتقدم الموازنة المراعية للنوع الاجتماعي مثالاً على كيف يمكن للمعايير أن تساعد على وضع السياسات موضع التطبيق. ففي كندا، يدعم الاستخدام الإلزامي لأداة "التحليل القائم على النوع الاجتماعي المعزز" في الإدارات الاتحادية الالتزام الاستراتيجي للحكومة بالمساواة بين الجنسين. وتلزم هذه الأداة التشغيلية الوزارات الكندية بتقييم أثر مقترحات الموازنة في الفئات المختلفة من النساء والرجال وذوي الهويات الجندرية المتنوعة. وتسترشد نتائج هذا التقييم في تخصيص الموارد وتُنشر سنوياً في التقرير الاتحادي للنوع الاجتماعي، بما يضمن ترسيخ الأهداف الاستراتيجية في قرارات الموازنة الملموسة. وفي موازنة عام 2024، وهي الموازنة الخامسة على التوالي التي يُنشر لها تقرير النوع الاجتماعي، استُخدمت هذه الأداة لتقييم آثار أكثر من 70% من التدابير الجديدة المدرجة في الموازنة في مراحلها المبكرة أو الوسطى، واستُفيد من التحليلات القائمة بشأن 12% أخرى على الأقل. وفي المكسيك، أحرزت الحكومة الاتحادية تقدماً كبيراً في إرساء الموازنة المراعية للنوع الاجتماعي، يشمل الاعتراف الصريح بالمساواة بين الجنسين مبدأً من مبادئ الموازنة في القانون الاتحادي للموازنة والمسؤولية المالية. وتصدر وزارة المالية إرشادات خاصة بالموازنة لدمج منظور النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج، وتعد تقارير عن تنفيذ الموازنة تصنف المستفيدين من البرامج بحسب الجنس.
وقد ركزت الدراسات التجريبية على تبني الموازنة المراعية للنوع الاجتماعي، في حين تظل التقييمات الدقيقة لأثرها في النتائج (كالفوارق بين الجنسين والمساءلة) محدودة. ويتطلب تقييم آثار هذه الموازنة في نتائج كعدم المساواة بين الجنسين في الحصول على الخدمات الصحية إتاحة أكبر لبيانات المسوح والبيانات الإدارية التفصيلية التي تسمح بتصنيف الآثار بحسب الجنس.
الأدلة التجريبية على تبني معايير الحوكمة وأثرها
مع انتقال البلدان من الدخل المنخفض إلى الدخل المرتفع، تزداد وتيرة تطبيقها لمعايير الحوكمة. ومن أمثلة ذلك المعايير التي تعزز شفافية الموازنة، كالنشر السنوي لوثائق الموازنة (مثل مقترحات الموازنة وتقارير نهاية العام). فجورجيا، التي تصنف باستمرار بين أفضل البلدان أداءً في مسح الموازنة المفتوحة الذي تجريه الشراكة الدولية للموازنة، تنشر وثائق مالية شاملة، منها موازنة المواطن وبيانات منتظمة عن المخاطر المالية، عززت ثقة الجمهور والانضباط المالي. وفي أوكرانيا، أسهم النشر في الوقت المناسب لإحصاءات تنفيذ الموازنة والدين، وفق المعايير الدولية، في تعزيز الشفافية، وكان حاسماً في تأمين التمويل الخارجي والحفاظ على ثقة الأسواق في فترات عدم الاستقرار.
ويتضح نمط مماثل في إدارة الموارد البشرية. فمع تقدم البلدان في التنمية، يشيع لديها أكثر تعيين الموظفين وفق معايير قائمة على الجدارة كالامتحانات الكتابية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك اليابان. ففي سبعينيات القرن العشرين، بدأت وزارة التجارة الدولية والصناعة اليابانية تشترط على المرشحين الدخول في عملية التقدم عبر امتحان موحد شديد التنافسية. وكانت ممارسة التعيين القائم على الامتحانات هذه أساسية في بناء كفاءة الموظفين مع تعزيز استقلالية الوزارة في مواجهة التدخل السياسي، وهو نموذج بيروقراطي اقترن بالدولة التنموية في اليابان. وتتبع جمهورية كوريا وتايوان الصينية وغيرهما من النمور الآسيوية هذا النموذج أيضاً.
ومن المهم التمييز بين المعايير وتطبيقها في الممارسات التنظيمية، لأن مجرد تقنين المعايير لا يعني أن المؤسسات العامة والعاملين فيها سيضعونها موضع التطبيق. وكما أشار تقرير عن التنمية في العالم 2017، كثيراً ما تسن البلدان قوانين صارمة لكنها تخفق في إعادة تشكيل ممارسات المنظمات والمنشآت في القطاع الخاص على نحو فعال، والأمر ذاته ينطبق على القطاع العام. فقد تضع الحكومة مثلاً بموجب القانون معايير تلزم جهات الشراء بإتاحة الوثائق والمواد أو العقود النموذجية للجمهور، لكن هذه الجهات قد تمتنع عملياً عن الإفصاح عن هذه الوثائق والعقود. وهذا التباين بين ما يُقنن في المعايير وما يوضع موضع التطبيق، أي فجوة الامتثال، شائع في إدارة شؤون الموظفين والمدفوعات والمشتريات.
ويتطلب تضييق فجوات الامتثال أن تتجاوز الحكومات المحاكاة الشكلية، أي الحالات التي تقنن فيها معايير الحوكمة في القانون لكنها تعجز عن إنفاذها. فقد تسن الحكومة مثلاً قانوناً إدارياً يقنن معايير للشفافية، كاشتراط النشر السنوي لتقرير الموازنة، لكنها تواجه صعوبة في نشر هذه التقارير سنوياً وعلى نطاق واسع. وعلى نحو مماثل، قد تشترط معايير التعيين تقييم المرشحين عبر امتحان كتابي، لكن المؤسسات العامة قد تقصر عن تطبيق هذا المعيار عملياً. وتضييق فجوات الامتثال هذه مفيد. ففي المشتريات العامة، تميل الحكومات التي تكون الفجوة لديها بين الممارسات والمعايير أصغر إلى تسجيل تأخيرات أقل في التنفيذ، وتجاوزات أقل في التكاليف، وجودة إجمالية أفضل للمشروعات.
وكما يبين الإطار المفاهيمي لهذا التقرير، ينبغي للحكومات أن تواءم طموح معاييرها مع قدرتها على وضعها موضع التطبيق. ويساعد ذلك المؤسسات العامة والعاملين فيها، فضلاً عن المواطنين والمنشآت، على تكوين توقعات واقعية بشأن ما إذا كانت المعايير ستُحترم عملياً. وثمة أدلة على أن معايرة من هذا النوع تحدث في مجال المشتريات العامة فيما يتعلق بالمدفوعات للمنشآت التي تقدم السلع والخدمات والأشغال بموجب عقود حكومية. فمع تقدم البلدان في التنمية، تميل إلى تشديد مهل السماح التي تمنحها لنفسها لدفع مستحقات المقدمين، فتقصر آجالها (بعدد الأيام). ونتيجة لهذا التعديل، تظل نسبة المقدمين الذين تُدفع مستحقاتهم في موعدها ثابتة نسبياً عبر مستويات دخل البلدان.
الحد من الفساد وسوء الإدارة التنظيمية عبر معايير الحوكمة
تحد الحوكمة القائمة على المعايير من نوعين من الهدر التنظيمي: الهدر الناجم عن الفساد، والهدر الناجم عن سوء الإدارة التنظيمية. وينشأ الأول حين تولد المؤسسات العامة والأفراد الهدر بالانتفاع الشخصي من المنصب العام. ففي غياب معايير التعيين مثلاً، يستطيع المديرون تعيين موظفين موالين لكنهم غير أكفاء، واختلاس الأموال العامة، وإرساء عقود المشتريات على منشآت ذات صلات سياسية. أما الهدر الناجم عن سوء الإدارة التنظيمية فلا يعود بالنفع الشخصي على أي منظمة أو فرد، بل ينتج عن إدارة متدنية الجودة لأن المؤسسات والأفراد يفتقرون إلى المعلومات الصحيحة أو الدراية الفنية. فقد يؤخر الموظفون العموميون مثلاً معالجة طلب للضمان الاجتماعي لمجرد أنهم نسوه، أو يدفعون أسعاراً أعلى في المشتريات لافتقارهم إلى مهارات البحث الفعال عن مقاولين بأسعار أفضل.
ويبرز الفساد بوجه خاص في إدارة المدفوعات والمشتريات، حيث تستطيع المنظمات والعاملون فيها الانتفاع مباشرة من الأموال العامة. فغياب معايير قوية للموازنة يرفع خطر الممارسات المالية الخاطئة كالاختلاس أو الاحتيال. ففي دراسة أجريت في إندونيسيا، أغفلت التقارير المالية التي أعدتها الجهات المسؤولة 24% من تكاليف بناء الطرق، مع أدلة على فساد في صورة اختلاس. ويطرح اجتثاث الفساد في المشتريات تحديات خاصة لأن المقاولين قد يتواطؤون فيما بينهم للفوز بالعقود الحكومية. فقد وجدت دراسة لمزايدات المشتريات أدلة على تواطؤ شركات البناء في مشروعات تابعة لوزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة اليابانية، إذ أشارت أنماط العطاءات إلى تنسيق محتمل بين الشركات في 37% من المشروعات التي جرى تحليلها.
وفي إدارة الموارد البشرية، يحدث الفساد عبر المحسوبية، حين يعين صناع السياسات وغيرهم من كبار المسؤولين موالين لهم لجني مكاسب شخصية من المنصب وتعزيز مساراتهم المهنية. وهذه الممارسة شائعة في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء. ففي الحكومات البلدية في البرازيل مثلاً، يكون المتبرعون لحملات رؤساء البلديات المنتخبين وأعضاء أحزابهم أكثر احتمالاً للتوظيف في القطاع العام بعد تولي رؤساء البلديات مناصبهم. ولا تقتصر أنظمة الغنائم هذه على المناصب الوزارية، بل تمتد إلى التعيين في الحكومة البلدية بأسرها. وتعكس طفرات التوظيف في بداية ولايات رؤساء البلديات، في دورات من التبدل السياسي والبيروقراطي، أنماط التعيين هذه. ويميل الموظفون المعينون عبر قنوات المحسوبية إلى أن يكونوا أقل كفاءة، وعادة ما تكون مستوياتهم التعليمية أدنى مما تتطلبه وظائفهم، كما يميل العاملون المنتقلون من القطاع الخاص إلى القطاع العام عبر هذه القنوات إلى امتلاك مهارات أدنى من نظرائهم.
وكما أشير آنفاً، فإن سوء الإدارة التنظيمية، خلافاً للفساد، لا يعود بالنفع المباشر على أي مسؤول أو منظمة في القطاع العام. فقد يقصد موظفو الموازنة مثلاً إعداد تقارير مالية متسقة لكنهم يفتقرون إلى نماذج موحدة لذلك، بما يفضي إلى بيانات مالية غير متسقة وغير موثوقة. ويحد عدم الاتساق وانعدام الموثوقية هذان من قدرة الإدارة وأصحاب المصلحة على تكوين صورة واضحة ودقيقة عن النظام المالي للقطاع العام، بما يفضي إلى قرارات مبنية على معلومات خاطئة في إدارة الموازنة. فقبل أن تعتمد نيجيريا حساب الخزانة الموحد مثلاً، أدى غياب الممارسات الموحدة في الإبلاغ عبر الوزارات والإدارات والهيئات إلى بيانات مجزأة وحسابات مكررة، بما جعل من الصعب مطابقة المعلومات المالية واكتشاف التسربات. وقد أدى إرساء معيار محاسبي موحد للخزانة إلى تحسين جودة الإبلاغ وتقليص المخاطر المالية.
وفي المشتريات، كثيراً ما يتجلى سوء الإدارة في ارتفاع الأسعار وتأخر عمليات الشراء. فالأدلة المستمدة من دراسة عن المشتريات في إيطاليا تشير إلى أن معظم التباين في أسعار عمليات الشراء يعود إلى سوء الإدارة لا إلى الفساد، إذ يفتقر موظفو المشتريات ببساطة إلى الخبرة والدراية اللازمتين للحصول على أسعار أدنى للسلع والخدمات المشتراة. وفي الحكومة الاتحادية للولايات المتحدة، وجد تحليل لأكثر من 122000 مشروع منجز أنه في حين كانت المدة المتوقعة في المتوسط 244 يوماً في عقود الشراء، استغرقت المشروعات ذاتها فعلياً، بما فيها تأخيرات التنفيذ، 486 يوماً في المتوسط. فضلاً عن ذلك، رفعت التجاوزات التكاليف من سعر إرساء أولي قدره 65.2 مليار دولار أمريكي إلى 103.9 مليار دولار أمريكي.
كما تتباين المدة الفاصلة بين الشراء والدفع بين المؤسسات داخل البلد الواحد. ففي البرازيل، تقرر الحكومات البلدية كيفية شراء السلع والخدمات. ورغم أن القانون الوطني يلزمها بدفع مستحقات المقاولين في غضون 30 يوماً من إصدار فواتير الخدمات أو السلع المقدمة، فإن 15% من جميع المدفوعات لا تمتثل لهذا المعيار، مع تباين كبير بين البلديات في سرعة الدفع. ويمكن لمعايير الموازنة أن تحد من هذا النوع من سوء الإدارة التنظيمية، فتضمن تتبع مبالغ الارتباطات على النحو الصحيح ودفع مستحقات المقاولين في موعدها.
المعايير تزيد الشفافية وتقلل عدم تماثل المعلومات
تحسن معايير الحوكمة دقة المعلومات المتعلقة بالعمليات التنظيمية وتوافرها، فتعزز الشفافية وتقلل عدم تماثل المعلومات. فمعايير الموازنة مثلاً تضمن الاتساق في كيفية قياس عمليات الموازنة عبر منظمات القطاع العام. ففي غياب المعايير، قد تستخدم الإدارات المختلفة صيغاً وتعريفات ومقاييس متباينة في إعداد موازناتها، بما قد يفضي إلى الالتباس والأخطاء وعدم الاتساق. وتحد المعايير من هذا النوع من التباين بإرساء نهج موحد يلزم المنظمات باستخدام النماذج ذاتها وفئات الموازنة ذاتها وأعراف التسمية ذاتها وجداول الإبلاغ ذاتها. ففي تونس مثلاً، أدخلت الإصلاحات المتخذة بموجب القانون الأساسي للميزانية إطاراً مشتركاً للقياس ومؤشرات موحدة عبر الوزارات، تزيد قابلية المقارنة وتحسن جودة تتبع الإنفاق. ويضمن الاتساق الذي يوفره الإطار والمؤشرات إمكان تجميع البيانات المالية المجمعة من مصادر متعددة ومقارنتها وتحليلها دون حاجة إلى إعادة صياغة أو استيضاح مكثفين.
وتتيح المعايير المحاسبية إبلاغاً مالياً شفافاً وموثوقاً، وهو مبدأ تأسيسي لحوكمة الموازنة. ومن أمثلة المعايير المحاسبية العالمية المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام، الصادرة عن مجلس هذه المعايير، التي توفر إطاراً شاملاً لإعداد البيانات المالية على أساس الاستحقاق. وحتى عام 2020، كان 49 بلداً قد تبنى معايير للمحاسبة على أساس الاستحقاق. ويزيد تطبيق هذه المعايير ثقة المستثمرين بضمان أن تقدم الحكومات صورة أدق وأشمل عن أوضاعها المالية. ويمكن أيضاً الاستفادة من المعايير المحاسبية لتعزيز حوكمة الشركات المملوكة للدولة، بما يحسن أداءها المالي وتقديمها للخدمات. وتقدم المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن حوكمة الشركات المملوكة للدولة معايير دولية في هذا المجال. وتعزز هذه المعايير دور الحكومة بوصفها مالكة، وتزيد الشفافية باشتراط نشر تقارير دورية عن المحافظ وبيانات مالية مدققة. كما تدعو المبادئ التوجيهية إلى تطبيق معايير قوية للمحاسبة والإبلاغ في الشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك الإبلاغ عن الاستدامة.
كما يعزز إرساء معايير القياس وظائف التخطيط الحكومي ويمكّن الحكومة من أن تكون أكثر استشرافاً. فحين تقيس الحكومات عمليات الموازنة بأساليب موحدة، تصبح قادرة على التنبؤ بإيرادات الموازنة ونفقاتها، لأن هذه الأساليب تمكنها من دمج البيانات وتحليلها لتوقع التكاليف والإيرادات والاحتياجات من الموارد. ومع الوقت، يتيح هذا النهج الاستشرافي التخطيط المالي الاستراتيجي ويقلل حالات العجز غير المتوقع في الموازنة، بما يحد من سوء الإدارة التنظيمية. وفي مارس 2025، أوصت اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة بالإجماع بأن تعتمد البلدان الأعضاء أحدث تحديث لنظام الحسابات القومية. ويضع هذا النظام، المستخدم معياراً عالمياً للحسابات القومية، مرجعيات لتعريف المؤشرات الاقتصادية الرئيسية كالناتج المحلي الإجمالي. واللافت أن أحدث مراجعة للنظام تتضمن تطورات مهمة في محاسبة الموارد الطبيعية وجوانب أخرى من الاستدامة.
وكثيراً ما تنطوي المشتريات على عدم تماثل في المعلومات، لأن المقاولين يملكون من المعلومات عن قيمة سلعهم وخدماتهم أكثر مما تملكه جهات الشراء وموظفوها. ويولد عدم التماثل هذا بدوره عدم يقين في التفاوض على الأسعار بين المقاولين وموظفي المشتريات. وأنظمة الشراء الحكومي الإلكتروني، بما تتضمنه من مقاييس وتصنيفات موحدة (للأسعار والسلع والخدمات وغيرها) متسقة وقابلة للمقارنة عبر معاملات الشراء، أدوات مهمة تقلل عدم تماثل المعلومات وتعزز شفافية عملية الشراء. ويمكن للاستفادة من معايير القياس في المشتريات أن تحقق مكاسب في الكفاءة. ففي البرازيل مثلاً، حسبت حكومة ولاية ريو غراندي دو سول أسعاراً مرجعية سوقية للأدوية، كما تعكسها الفواتير الإلكترونية للمعاملات بين المنشآت في الولاية. ثم قُدمت هذه الأسعار المرجعية معلوماتٍ لعدد من موظفي المشتريات، فاستخدموها مدخلات لتحديد أسعارهم المرجعية للمزايدات خلال عملية المناقصة. ومكّن تبني هذه الممارسة الجديدة في الشراء، التي أتاحتها معايير القياس، موظفي المشتريات من تحديد أسعار أكثر تنافسية، كما حوّل العلاقات بعيداً عن المقاولين الذين يتقاضون عن أدويتهم أكثر مما تسوغه الأسعار المرجعية للحكومة.
المعايير تقنن الممارسات الجيدة وتنشرها فتحسن الكفاءة والفاعلية التنظيميتين
يزيد وضع معايير الجودة موضع التطبيق القدرة المؤسسية. فمعايير التعيين، كتلك المتضمنة في امتحانات الخدمة المدنية، تحسن كفاءة الخدمات العامة وفاعليتها معاً. ففي البرازيل، يُشترط على المرشحين للقضاء اجتياز امتحانات كتابية وشفهية تقيس معرفتهم بالقانون القائم وجودة الأحكام القضائية التي قد يصدرونها. ويُرتب المرشحون بحسب درجاتهم في الامتحانات، ويُختار الأعلى أداءً بحسب عدد المناصب المتاحة. ويؤدي القضاة الحاصلون على درجات أعلى في الامتحانات مهامهم القضائية على نحو أفضل، فيفصلون في عدد أكبر من القضايا دون أن تتراجع جودة أحكامهم. وفي كولومبيا، يتعين على خريجي الجامعات من البرامج المهنية، كتلك التي تعد الطلاب ليصبحوا أطباء، اجتياز امتحان موحد يقيس مهاراتهم المهنية. والأطباء المبتدئون الحاصلون على درجات أعلى في الوحدات الصحية من امتحاناتهم يكونون عموماً أكثر كفاءة ويقدمون خدمات رعاية صحية أفضل، لا سيما في الحد من المضاعفات الصحية عند الولادة لدى الأمهات من الفئات الضعيفة.
وإلى جانب تعيين موظفين أكفاء، يمكن لمعايير الجودة أن تزيد أيضاً كفاءة عمليات الشراء وفاعليتها. فقد وجدت دراسة عن المشتريات العامة في الاتحاد الروسي أن موظفي المشتريات الأفراد والمنظمات يفسرون 39% من التباين في أسعار الشراء. وتحديداً، كانت طريقة إدارة عملية الشراء هي المحرك لهذا التباين. فقد تمكن موظفو المشتريات والمنظمات الذين التزموا بمعايير الجودة في عملية الشراء من شراء السلع والخدمات بأسعار أفضل. فخلال عملية المناقصة، أكمل الموظفون والجهات الأكثر فاعلية الوثائق بدقة، فحددوا أسماء المنتجات ورموز تصنيفها على النحو الصحيح على نحو أكثر تكراراً، وأجروا مزايدات أكثر، واجتذبوا أعداداً أكبر من مقدمي العطاءات. وإلى جانب تحسين الكفاءة التشغيلية، يمكن للمعايير أيضاً أن تعزز فاعلية الحكومة، بضمان أن تدعم العمليات التنظيمية أولويات السياسات على نطاق أوسع.
وضع المعايير البيئية موضع التطبيق: الموازنة الخضراء في فرنسا والمشتريات الخضراء حول العالم
شكّل استحداث إطار للموازنة الخضراء عام 2021 تحولاً كبيراً في فرنسا. فمنذ ذلك الحين، تُقيّم جميع برامج الموازنة على المستوى الوطني بصورة منهجية من حيث آثارها في المناخ والبيئة، باستخدام منهجية موحدة مستوحاة من نظام التصنيف في الاتحاد الأوروبي. وتُصنف النفقات بوصفها إيجابية (تسهم إسهاماً كبيراً في الأهداف المناخية أو البيئية)، أو محايدة (ليست لها آثار مناخية أو بيئية كبيرة)، أو سلبية (لها آثار ضارة محتملة في المناخ أو البيئة أو كليهما)، أو مختلطة (تتضمن مكونات إيجابية وسلبية معاً). ويدعم معيار التصنيف المضمن في هذا المخطط قرارات أكثر استنارة في الموازنة وتماسكاً أكبر بين الموازنة والاستراتيجية الأوسع لبلوغ الأهداف المناخية والبيئية. وبين عامي 2023 و2024، ارتفعت النفقات البيئية المصنفة إيجابية من 32 مليار يورو إلى 38.6 مليار يورو، وارتفعت النفقات المصنفة مختلطة من 2.7 مليار يورو إلى 3.1 مليار يورو.
وفي مجال المشتريات، يُطلق على مجموعة ناشئة من المعايير اسم "المشتريات العامة الخضراء". وثمة أدلة متزايدة على أن المعايير البيئية من هذا النوع لها آثار إيجابية في المنشآت. فقد وجدت دراسة حديثة في الولايات المتحدة أن الحصول على عقود خضراء يخفض الانبعاثات نسبةً إلى حجم المنشأة، حتى على المدى الطويل. والمنشآت التي تحقق إيرادات أعلى من العقود الخضراء تخفض انبعاثاتها بقدر أكبر (13% مقابل 4.6%) من تلك ذات الإيرادات الأدنى من هذه العقود. ووجدت دراسة عن المنشآت الألمانية أن احتمال أن تطرح منشأة صغيرة أو متوسطة منتجات صديقة للبيئة يرتفع بمقدار 20 نقطة مئوية إذا أُرسي عليها عقد يستخدم معايير بيئية في الاختيار، وبمقدار 25 نقطة مئوية إذا فازت بعقود خضراء.
وتواجه بلدان كثيرة صعوبات في تطبيق المشتريات العامة الخضراء لافتقارها إلى معايير متسقة لذلك. وقد أدى البنك الدولي وشركاء التنمية الدوليون دوراً مهماً في تصميم سياسات المشتريات العامة الخضراء وتنفيذها في عدد من البلدان عبر المناطق، فساعدوا على إرساء وتقنين معايير تحدد نطاق المشتريات الخضراء، وعلى تصميم خطوات طرح هذه المعايير وتفصيلها. وتشمل المجالات المغطاة كيفية وضع معايير لاختيار المنتج المستخدم في التجربة الرائدة للمعايير، وتطوير نظام رصد لتتبع الامتثال للمعايير وقياس فاعلية النظام، ودمج معايير المشتريات الخضراء في نظام قائم للشراء الحكومي الإلكتروني.
إدارة الأداء تدمج معايير القياس ومعايير الجودة معاً
تدمج إدارة الأداء عناصر من معايير القياس ومعايير الجودة معاً، فتوفر أداة مفيدة لتعزيز الكفاءة والفاعلية التنظيميتين. ومن السمات الرئيسية لإدارة الأداء تقنين معايير القياس (كمؤشرات الأداء الرئيسية) والحوافز التي يمكن أن تساعد المنظمات والموظفين على التحسين المستمر لجودة ممارساتهم عبر ربط أفعالهم بنتائج قابلة للقياس. كما تضمن معايير الأداء أن تفهم المنظمات والموظفون المهام المتسقة مع الأهداف التنظيمية وأولويات السياسات، وكيفية قياس أدائهم. فضلاً عن ذلك، ترسي معايير الأداء آليات لمساءلة الموظفين عن تحقيق النتائج المتوقعة أو التقصير عنها.
وتقنن الموازنة القائمة على الأداء أهدافاً لتقديم الخدمات ومرجعيات للكفاءة ومقاييس للجودة يُسترشد بها في إدارة الموازنة. ويعزز دمج قياس الأداء في عمليات الموازنة أداء القطاع العام تعزيزاً كبيراً، لا سيما حين يرتبط بأنظمة التخطيط الاستراتيجي والتقييم. وتدعم تجارب بلدان منفردة هذه النتائج. فإطار الموازنة القائمة على النتائج في ماليزيا مثلاً يربط موازنات الوزارات بمخرجات ونتائج محددة، ونهج الموازنة القائم على التقييم في شيلي يستخدم أداء البرامج لتوجيه التعديلات والإصلاح المؤسسي.
ويمكن أيضاً الاستفادة من إدارة الأداء لمنح المؤسسات العامة استقلالية أكبر في كيفية تخصيص الأموال، ما دامت تحقق أهداف الأداء. ويشجع هذا الترتيب التوازن بين الاستقلالية والرقابة، إذ يمنح المديرين مساحة لتكييف العمليات مع ضمان الشفافية عبر رصد النتائج. فقد وجدت دراسة أجريت في زامبيا أن الموازنة القائمة على الأداء أدت إلى زيادة الاستقلالية التي أفادت بها المرافق الصحية، مدفوعة بتحسن قدرتها على اختيار خدمات الرعاية الصحية التي تقدمها.
وفي إدارة الموارد البشرية، تزيد معايير الأداء مساءلة الموظفين وتجعل الأهداف المؤسسية شفافة أمامهم. وتشير الأدلة التجريبية إلى أن موظفي الخدمة العامة يرحبون عموماً بإدارة الأداء، لا سيما حين ترتبط التقييمات بحوافز كالمدفوعات والترقيات. فقد وجدت دراسة أجريت في إقليم البنجاب في باكستان أن استحداث أجر مرتبط بالأداء لمحصلي الضرائب، قائم على الإيرادات المحصلة، أدى إلى زيادة تحصيل الإيرادات الضريبية بنحو 40% بعد عامين. وفي ولاية أندرا براديش الهندية، وجدت دراسة أن منح المعلمين مكافآت مالية قائمة على تحسن درجات الطلاب في الاختبارات رفع نواتج التعلم في المواد التي استهدفتها الحوافز (كالرياضيات واللغة) وفي المواد التي لم تستهدفها (كالعلوم والدراسات الاجتماعية) على حد سواء. وثمة أدلة أيضاً على أن إدارة الأداء تؤثر إيجاباً في التوجه نحو الرسالة والدافعية للعمل لدى الموظفين. فالمؤسسات العامة التي تكافئ الأداء المرتفع بالترقيات بوتيرة أكبر تُظهر أيضاً دافعية أعلى لدى العاملين فيها.
المعايير تفرض تكاليف إدارية: تعديل صرامتها يساعد
لأن المعايير في القطاع العام إلزامية في الغالب وقابلة للإنفاذ بموجب القانون، فإنها كثيراً ما تفرض التغييرات في الإدارة عبر أساليب قسرية (كالتدقيق والعقوبات القانونية). ويعني هذا الجانب القسري أنها تفرض من جانب واحد تكاليف على المؤسسات والموظفين المسؤولين عن تطبيقها. ومن التكاليف الإدارية للمعايير الوقت والجهد اللذان يبذلهما الموظفون في إنجاز مهام إدارية لتوثيق امتثالهم للقواعد والتحقق منه. فقد وجدت دراسات استخدام الوقت أن البيروقراطيين يخصصون ما بين 20% و30% من وقت عملهم لمهام الامتثال كحفظ السجلات.
ولأن عدم الامتثال للمعايير ينطوي على عواقب سلبية كالعقوبات، فإن تقليص الوقت المخصص للامتثال ليس خياراً مطروحاً. ولأن وقت العمل ثابت (وشحيح)، فإن الوقت المنفق في الامتثال للاشتراطات الإجرائية هو وقت لا يُنفق في تقديم الخدمات أو تنفيذ السياسات. ويمكن للنمو المفرط في حجم الأعمال الورقية المطلوبة لتوثيق الامتثال والتحقق منه أن يشل الحكومات، فيحولها إلى "نمور من ورق": قوية على الورق، عاجزة في الممارسة. ففي عام 2006 مثلاً، هاجم نمر قرويين في بلدة غوبيشوار في جبال الهيمالايا في الهند، واستغرق المسؤولون المحليون شهرين لاستكمال الأعمال الورقية المطلوبة لتصنيف النمر حيواناً آكلاً للبشر، ومن ثم الحصول على تصريح الصيد الذي يتيح قتله قانونياً.
التكاليف الإدارية لتطبيق معيار للتعيين في الهند
في الهند، تقدم أكثر من 3 ملايين مرشح لشغل 3500 وظيفة أعلنت عنها هيئة الخدمة العامة الاتحادية عام 2021. وتنظيم امتحان لملايين المرشحين مهمة معقدة. وعلى مستوى الولايات، تعتمد هيئات الخدمة العامة على جهاز بيروقراطي واسع لإجراء الامتحانات. وكثيراً ما تعاني هذه الأجهزة نقصاً في الموظفين، ففي ولاية يبلغ عدد سكانها 240 مليون نسمة، كان 78 مسؤولاً كبيراً و300 موظف صغير مسؤولين عن عملية التعيين بأكملها. وفي ولاية أخرى، كانت 50% من الوظائف المدرجة في ملاك الهيئة ذاتها شاغرة.
ويمس نقص الموظفين نزاهة امتحانات التعيين ويقوض مشروعيتها في نظر المرشحين. ويتجلى أثر ذلك في الدعاوى القضائية التي يرفعها المرشحون وتؤخر عملية التعيين. فقد تنشأ الطعون القانونية مثلاً من سوء تطبيق معايير الأهلية. ففي إحدى الحالات، طعن متقاضون في اشتراط درجة الماجستير في الآداب في الاقتصاد مؤهلاً للوظيفة، بحجة أن درجة الماجستير في العلوم في الاقتصاد معادلة لها ومن ثم يمكن قبولها. وتتعلق فئة أخرى من الطعون بالوظائف المخصصة لفئات اجتماعية معينة وصحة هذا التخصيص. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما يكون "التحقق من الوثائق" المرتبط بالمرشحين المختارين صعباً. فالشهادات التعليمية وشهادات الانتماء إلى الفئات المستحقة وغيرها من الأوراق لا تتضمن معايير تقييم موحدة، ومن ثم تتطلب تحققاً من موظفين أفراد. ومع إضافة فئات إلى الفئات المستحقة للتخصيص أو حذفها منها، تتطور المعايير أيضاً. ويخلق ذلك ارتباكاً في التنفيذ، فتنتهي أخطاء كتابية في المحاكم لأسابيع أو أشهر متواصلة.
إشراك الجهات المنفذة وتعديل صرامة المعايير
إضافة إلى ذلك، ولأن المؤسسات التي تصمم المعايير بوصفها اشتراطات إجرائية وتنفذها تختلف عن تلك المسؤولة عن تطبيقها، فإن هذه المعايير المفروضة من أعلى قد تقلل الدافعية وتحد من حرية التصرف. ومن ثم ينبغي للمؤسسات التي تضع المعايير أن تتشاور مع المؤسسات العامة التي تطبقها، فتدمج التجربة والمشورة الواقعيتين، والتوقعات الواقعية بشأن الامتثال. فقد وجد مسح لموظفي الخدمة العامة أجري في غانا مثلاً أن لدى الموظفين مقترحات بشأن كيفية وضع المعايير الإجرائية موضع الممارسة التنظيمية بما يعزز فاعليتها. وحين تُطبق المعايير على هذا النحو، فإنها تفسح المجال لحرية التصرف داخل المؤسسات ولدى البيروقراطيين، بما يضمن أن يمارس هؤلاء التقدير في الامتثال للقواعد بدلاً من الامتثال الأعمى لقواعد صممها غيرهم.
والواقع أن ثمة أدلة متزايدة على أن تعديل صرامة المعايير يمكن أن يحسن الأداء التنظيمي. فقد وجدت دراسة لموظفي الخدمة العامة في الحكومة الاتحادية البرازيلية مثلاً أن العلاقة بين الأداء التنظيمي والقواعد الإجرائية تتخذ شكل منحنى على هيئة حرف U مقلوب. فقلة القواعد وكثرتها كلتاهما ترتبطان بأداء تنظيمي أدنى، في حين يفضي عدد معتدل من القواعد إلى أداء أفضل. ووجدت دراسة أخرى في غانا أن الموظفين الذين مُنحوا قدراً أكبر من الاستقلالية والسلطة التقديرية أنجزوا المهام الموكلة إليهم بوتيرة أكبر. وكان هذا الأثر الإيجابي في الأداء قوياً بوجه خاص في المهام التي يصعب توضيح أهدافها وتقنينها قبل إنجازها (كالمهام المعقدة)، مقارنة بالمهام الإدارية التي يسهل التحقق من إنجازها (كتنظيم اجتماع للمراجعة). ووجدت دراسة منفصلة عن المشتريات العامة في باكستان أن تدخلاً على صعيد السياسات زاد استقلالية موظفي المشتريات خفض أسعار السلع المشتراة بنسبة 9%، وقلل تأخيرات الشراء، ولم يكن له أثر ملحوظ في جودة السلع المشتراة أو في احتمال الفساد. وكانت الآثار الإيجابية كبيرة بوجه خاص حين كان كبار المسؤولين المكلفين بالإشراف على المشتريات مرجحين لأن يكونوا فاسدين.
توصيات السياسات: تكييف معايير الحوكمة استناداً إلى الأدلة والتمكين
كما يبين النقاش في هذا الفصل، ثمة وفرة من معايير الحوكمة الأفضل، ترسخ كثير منها في تقارير عن التنمية في العالم شبيهة بهذا التقرير. وينبغي للحكومات والممارسين أن ينظروا في معايير الحوكمة التي تحل مشكلات محددة يواجهونها، وأن يكيفوا المعايير مع سياقاتهم المؤسسية والوطنية الخاصة. ومن شأن اتباع نهج تجريبي فيما ينجح من المعايير (وما لا ينجح)، وإيلاء اهتمام أكبر للمفاضلات بين المعايير، أن يجعل العدد المتزايد من المعايير أيسر إدارة. كما يمكّن هذا النهج المؤسسات العامة والموظفين الذين يطبقون المعايير، فينتقل من نهج معياري (يرى المعايير خيراً في ذاتها) إلى نهج تجريبي تُقيّم فيه معايير الحوكمة بحسب أثرها في أداء المنظمات.
أولاً: مراعاة التكاليف الإدارية عند تكييف المعايير
ثمة حجم كبير ومتزايد من المعايير المتاحة لتتبناها الحكومات. فطبعة عام 2024 من المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام تتألف مثلاً من ثلاثة مجلدات يبلغ كل منها ألف صفحة. وبسبب حجم المعايير التي تتضمنها، كثيراً ما تبذل الحكومات جهوداً كبيرة لوضعها موضع التطبيق في القطاع العام. وقد يكلفها ذلك وقتاً ومالاً وموارد، فضلاً عن الفرص الضائعة لأنشطة أخرى. وحين تقر الحكومات بتكاليف التطبيق هذه، يصبح بإمكانها تكييف المعايير بعناية استناداً إلى الأدلة. ويقدم إطار الإنفاق العام والمساءلة المالية التابع للبنك الدولي نهجاً قائماً على الأدلة لتقييم التطبيق الفعلي لمعايير إدارة المالية العامة. ويستند الإطار إلى مراجعات السياسات وتحليل البيانات والتواصل مع المسؤولين الحكوميين لتقديم تشخيص موثوق قائم على الأدلة لإدارة المالية العامة. وتساعد نتائج تطبيق الإطار على إبراز الفجوات بين المعايير الرسمية والتطبيق الفعلي، بما يدعم إصلاحات موجهة لتحسين فاعلية إدارة المالية العامة.
وقد أظهرت حكومة فيت نام نهجاً عملياً في الإصلاح بتكييف المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام عبر إطار وطني مصمم خصيصاً، هو معايير المحاسبة في القطاع العام في فيت نام. فإدراكاً منها للتكاليف الكبيرة لتطبيق إصلاح شامل لمحاسبة القطاع العام في البلد وتعقيده، طرحت الحكومة معايير المحاسبة الجديدة تدريجياً على مدى سنوات عدة. وانطوى هذا التطبيق المرحلي على إدخال وحدات مختلفة على التوالي، من المعايير المتعلقة بالأصول إلى آثار التغيرات في أسعار الصرف. وتطلبت مأسسة هذه المعايير استثمارات كبيرة في تدريب المحاسبين في القطاع العام، وإنشاء آليات جديدة للرصد، كالتدقيق، لضمان الامتثال.
ثانياً: الاستفادة من البيانات الإدارية لقياس فاعلية المعايير
الحكومات اليوم في وضع أفضل للاستفادة من البيانات في تقييم أثر معايير الحوكمة في أداء المؤسسات العامة. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى انتشار البيانات الإدارية المتولدة من أنظمة المعلومات الإدارية الخاصة بالمالية والمشتريات الحكومية الإلكترونية والموارد البشرية، وهي أنظمة تنتشر بسرعة حول العالم. ويعزز هذا التوافر الأكبر للبيانات برنامج عالمي متنامٍ لمواءمة البيانات، كما يتجلى في معيار بيانات التعاقد المفتوح الذي وضعته شراكة التعاقد المفتوح، وفي تصنيفات المشتريات الموحدة كتقنين الأمم المتحدة الموحد للمنتجات والخدمات والمفردات المشتركة للمشتريات الصادرة عن المفوضية الأوروبية، التي تتيح جمع البيانات المتعلقة بعمليات الشراء ونتائجها بطريقة موحدة.
غير أن مجرد جمع بيانات موثوقة وموحدة لا يكفي، إذ يظل استخدام البيانات في التشخيص ووضع التوقعات محدوداً، كما يتضح في مناطق كأمريكا اللاتينية وبين البلدان التي تتبنى معايير المحاسبة على أساس الاستحقاق. ومن ثم يتحتم على الحكومات أن تتجاوز جمع البيانات إلى تحليلها. فبذلك يمكنها زيادة المعلومات المتاحة لمساعدتها على فهم الأثر الفعلي للمعايير في الإدارة والأداء، مع الإقرار بأن مقاربات الحوكمة يجب أن تُصمم وفق السياقات المؤسسية والوطنية المحددة كي تكون فعالة. ففي البرازيل، استفادت حكومة ولاية ريو غراندي دو سول من البيانات الإدارية لتحسين نتائج المشتريات، إذ حللت الفواتير الإلكترونية للمعاملات بين المنشآت لحساب أسعار مرجعية سوقية للأدوية. ومكّنت هذه المعلومات موظفي المشتريات من تحديد أسعار أكثر تنافسية والابتعاد عن المقاولين الذين يتقاضون أسعاراً أعلى مما تشير إليه السوق. ويمثل هذا الاستخدام التشخيصي للبيانات استثناءً لافتاً من الاتجاه الأعم في أمريكا اللاتينية، حيث لا يستخدم سوى 40% من البلدان المعلومات المتعلقة بالمشتريات لتحليل ما إذا كانت السياسات تحقق آثارها المقصودة. وتنخفض هذه النسبة إلى 29% فقط من البلدان حين يتعلق الأمر ببيانات الموارد البشرية، ولا يزال نادراً أن نجد استخداماً تشخيصياً واستراتيجياً معاً لبيانات الموازنة في البلدان التي تتبنى معايير المحاسبة على أساس الاستحقاق.
ثالثاً: استخدام المعايير لتمكين المنظمات والأفراد من تطبيق ممارسات الحوكمة الجيدة بأنفسهم
يمكن للمعايير أن تؤدي دور السقالات التعليمية، فتوفر معلومات قابلة للتصرف بناءً عليها وتقنن الممارسات الجيدة. والغاية النهائية من التعليم المقدم عبر هذه السقالات هي تمكين المنظمات والأفراد من تطبيق ممارسات الحوكمة الجيدة بأنفسهم وممارسة تقديرهم الخاص. وثمة فرصة للاستفادة من المعايير لمنح مزيد من حرية التصرف للمؤسسات والأفراد الذين يضعونها موضع التطبيق، وذلك بطريقتين. الأولى أن تقنن الحكومات معايير تتبناها مؤسسات القطاع العام، ثم تنقل إليها المسؤوليات بعد التحقق والاعتماد، بما يمنحها الاستقلالية في الإدارة. والثانية أن تصغي الحكومات إلى ملاحظات المؤسسات والبيروقراطيين الذين يتعين عليهم وضع المعايير موضع التطبيق. ويحول ذلك تقنين معايير الحوكمة من حدث يقع مرة واحدة إلى عملية دينامية موجهة نحو التعلم، قادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة واحتياجات مستخدميها.
ففي الفلبين، تضطلع لجنة الخدمة المدنية بدور رقابي ودور في بناء القدرات لتوسيع نطاق الممارسات الجيدة في إدارة الموارد البشرية. وتصنف اللجنة المؤسسات وفق أربعة مستويات من النضج في إطار برنامجها لمأسسة الجدارة والتميز في إدارة الموارد البشرية. فالجهات في المستوى الأول تؤدي وظائف أساسية وإجرائية متعلقة بالموارد البشرية ذات قيمة استراتيجية ضئيلة، في حين طبقت الجهات في المستوى الثاني باتساق أنظمة موثقة ومتوافقة مع متطلبات اللجنة في المجالات الأساسية لإدارة الموارد البشرية. وفي المستوى الثالث، تتبنى الجهات أنظمة متكاملة قائمة على الكفايات لإدارة الموارد البشرية، متسقة مع الأهداف التنظيمية. أما الجهات في المستوى الرابع فتُظهر ممارسات استراتيجية ومبتكرة وقائمة على الأدلة في إدارة الموارد البشرية تقود التحول التنظيمي. وتعتمد اللجنة الجهات التي تستوفي المعايير في المستوى الثاني أو أعلى، بما يخولها البت في التعيينات وإنشاء آلياتها الخاصة لإدارة الموارد البشرية وتطبيقها دون موافقة مسبقة من اللجنة.
وفي غانا، أظهر مسح ومجموعة نقاش مركزة شملا موظفين في الخدمة العامة أن لدى كثير منهم مقترحات ملموسة بشأن كيفية تحسين تطبيق العمليات الموحدة. وبدلاً من أن تتعارض أفكار هؤلاء الموظفين مع المعايير القائمة، سعت إلى تعزيز تطبيقها وتقويته. غير أن المديرين كثيراً ما أسكتوا أصوات موظفيهم، وكثيراً ما أخفقوا في إيجاد مساحات تتيح للموظفين في المستويات الدنيا والوسطى التعبير عن مقترحاتهم. ويتطلب وضع المعايير موضع التطبيق منح مزيد من حرية التصرف للمؤسسات والبيروقراطيين المسؤولين عن تسيير القطاع العام.
وتقر توصيات السياسات هذه بأن الأجهزة البيروقراطية دينامية، وأنها تستجيب لمعايير الحوكمة أحياناً بطرق غير مقصودة وغير مرغوبة. فالأجهزة البيروقراطية بوصفها مؤسسات، والبيروقراطيون بوصفهم أفراداً، فاعلون يغيرون سلوكهم استجابة لهذه المعايير. ويعني التعقيد التنظيمي الناتج عن ذلك أن المعايير، لا سيما معايير الحوكمة الجيدة، هي ويجب أن تكون جزءاً من "نظام حوكمة متطور وغير مكتمل بالضرورة". فلا يوجد في معايير الحوكمة مقاس واحد يناسب الجميع. وبدلاً من ذلك، ينبغي للحكومات أن تنظر فيما يشكل الحوكمة الجيدة للمؤسسات والأفراد الذين تديرهم. ويمكّن ذلك القطاع العام بأسره من العمل بكفاءة وفاعلية أكبر، بما يضمن امتلاك الحكومات القدرة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالسياسات وخدمة الجمهور في تعزيز التنمية.
الجزء الرابع: جعل المعايير منصة انطلاق للتنمية لا قيداً عليها
لم تكن المعايير يوماً أكثر أهمية مما هي عليه اليوم. غير أنها كثيراً ما لا تحظى بالتقدير الكافي أو يُساء فهمها، بل إنها أحياناً تضر أكثر مما تنفع. فالمعايير الإلزامية المفرطة في التقييد قد تخنق الابتكار، أو تُستخدم لمحاباة المنشآت ذات الصلات السياسية. ويقدم الفصل الثامن مجموعة من التوصيات بشأن الكيفية التي يمكن بها لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وفي غيرها، أن يستخدموا المعايير على النحو الأكثر فاعلية لخدمة التنمية.
لكن المعايير ليست مجرد أدوات فنية ينبغي تطبيقها على الوجه الصحيح، بل هي أيضاً حصيلة للقوة والنفوذ، توجه مسار التغير التكنولوجي. ومن ثم يواجه المجتمع الدولي تحدياً مزدوجاً. ففي بعض المجالات، ثمة إفراط في التقييس يفضي إلى "وعاء سباغيتي" من المعايير، أو إلى معايير دولية لا تعكس واقع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وفي مجالات أخرى، ثمة قصور في التقييس، بما يدل على أن المجتمع الدولي أخفق في إدارة المخاطر المتفاقمة للتقنيات الناشئة ومحركات الأزمات الكوكبية كتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي. وكثيراً ما يكون غياب المعايير الحاسمة نتيجة لنفوذ الشركات أو للتنافس الجيوسياسي. ويلقي هذا التقرير نظرة متجددة على من يضع أي المعايير ومن يعرقلها.
وينبغي لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن يحرصوا على استخدام المعايير منصةَ انطلاق للتنمية لا قيداً عليها. ويتطلب ذلك فهماً واضحاً لمتى تكفي المعايير الطوعية ومتى تلزم المعايير الإلزامية. وفي معظم الحالات، ينبغي للحكومات أن تترك للأسواق تشكيل المعايير الطوعية، لما في ذلك من نفع للابتكار وانتشار المعرفة. أما المعايير الإلزامية فينبغي أن يقتصر استخدامها على المصالح العامة الحيوية كالصحة والسلامة وحماية البيئة ومنع الممارسات التجارية المضللة. وتكون هذه المعايير مفيدة بوجه خاص في الحالات التي تفوق فيها منافع الوقاية تكاليف الأضرار المستقبلية، لا سيما تلك التي يكون فيها الضرر المحتمل، إن وقع، غير قابل للتدارك. وكما يؤكد هذا التقرير، تشكل المعايير الطوعية والإلزامية طيفاً متصلاً، وكثيراً ما يحقق الجمع بين المعايير الطوعية والتنظيم أفضل النتائج. كما يشدد التقرير على أن صناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بحاجة إلى إدراك منافع المشاركة في عملية وضع المعايير الدولية، وإلى المشاركة فيها على نحو أكثر فاعلية.
وفيما يتعلق بالمجتمع الدولي، يحاج الفصل الثامن بأن ثمة حاجة إلى مزيد من الجهود لضمان اتساق المعايير الدولية مع واقع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل منذ بداية عملية وضعها. ويمكن تحقيق هذا الهدف بزيادة تمثيل هذه البلدان في عملية وضع المعايير، وببذل جهود أقوى للحد من تجزؤ المعايير، بما في ذلك تعزيز التعاون التنظيمي الدولي لمنع إقامة حواجز غير جمركية، وبتغيير نظرة المجتمع الدولي إلى المعايير في ضوء القائمة المتنامية من التحديات العالمية، ومنها المخاطر التكنولوجية.
