الفصل الثامن: استخدام المعايير لتشكيل التنمية وإدارة التحديات العالمية
الرسائل الرئيسية
لم تكن المعايير يوماً أكثر أهمية مما هي عليه اليوم. فبالنسبة لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل وفي البلدان المرتفعة الدخل على حد سواء، باتت القدرة على الإبحار في عالم المعايير المعقد واستخدامها بفاعلية أمراً لا غنى عنه.
ولكي تكون المعايير منصة انطلاق لا قيداً، ينبغي لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل وفي غيرها أن يهيئوا ظروفاً مواتية للمنشآت كي ترتقي بجودة السلع والخدمات التي تقدمها، بدلاً من استخدام المعايير الإلزامية لفرض تحسينات الجودة، وأن يكيفوا معايير الجودة مع قدرة أصحاب المصلحة على استيفائها، ومع قدرة الحكومة على إنفاذها في حالة المعايير الإلزامية، وأن يحضروا ويُسمعوا أصواتهم في المحافل الدولية لوضع المعايير، وأن يستخدموا البنية التحتية الوطنية للجودة لتحقيق الإمكانات الكاملة للمعايير.
ولضمان أن تعمل المعايير الدولية لصالح البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ينبغي للمجتمع الدولي أن يدعم مشاركة هذه البلدان في عملية وضع المعايير الدولية، وأن يعزز المعايير المتدرجة لتلائم المستويات المختلفة من القدرة على استيفائها، وأن يعمق التعاون الدولي لضمان ألا تعرقل المعايير الحسنة النية التنمية.
ولمواجهة التحدي المتنامي للمخاطر العالمية كالذكاء الاصطناعي والتدهور البيئي، يلزم عمل عالمي لتحقيق أمرين على وجه الخصوص: الاتفاق على معايير موثوقة تمنع الضرر وتطبيقها، وتوسيع البحث وتجميع الأدلة بشأن معايير التنمية.
أكثر مما ينبغي؟ أقل مما ينبغي؟ أم بالقدر الصحيح؟
قد يبدو هذا التقرير متناقضاً أحياناً. فهو يروي قصة الإفراط في التقييس: "وعاء السباغيتي" من المعايير التي تقوم بدور حراس البوابة إلى الأسواق الدولية. ويعمق التنافس الجيوسياسي التجزؤ الناشئ عن ذلك، سواء تعلق الأمر بشواحن المركبات الكهربائية أو خصوصية البيانات أو المعايير الإلزامية للعمل المصرفي. والنتيجة أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تواجه عدداً متزايداً من الاشتراطات الأكثر صرامة، من قياس متبقيات المبيدات على الفاكهة حتى آخر ميكروغرام إلى ضمان اللون الدقيق للأقمشة المصبوغة، وهي تحديات لم تواجهها الاقتصادات المتقدمة في مستويات مماثلة من التنمية.
ويروي التقرير أيضاً قصة القصور في التقييس، حيث أخفق المجتمع الدولي في إدارة مخاطر التطور التكنولوجي بفاعلية، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي أو وسائل التواصل الاجتماعي أو محركات الأزمة الكوكبية. وهي قصة إخفاقات في التنسيق ونفوذ للشركات يحولان دون أن يضع العالم معايير موثوقة ويطبقها لمواكبة الابتكار وتشكيله وفق تفضيلات المجتمع. وقد غدا ذلك ملحاً على نحو متزايد مع تضاعف المخاطر التكنولوجية والكوكبية، إذ يهدد غياب المعايير الفعالة صلاحية الكوكب للحياة ذاتها.
ثم يروي التقرير قصة التقييس بالقدر الصحيح. فالاقتصاد العالمي يشبه على نحو متزايد آلة معقدة من التقنيات والأفراد والمنشآت والبلدان المترابطة. وكثرة المعايير ليست خللاً بل سمة تُبقي هذا النظام المعقد عاملاً. والواقع أنه حين يتسق التنسيق مع الحوافز التجارية، ينظم الفاعلون في الأسواق أنفسهم لوضع المعايير التي يحتاجون إليها. وفي هذه الحالات، لا تعمل المعايير حراساً للبوابة، بل جسوراً تخفض تكاليف المعاملات وتعزز الانتشار.
وسواء كانت المعايير أكثر مما ينبغي أو أقل مما ينبغي أو بالقدر الصحيح، فلعلها لم تكن يوماً أكثر أهمية مما هي عليه اليوم. ومع ذلك ظلت طويلاً أداة إنمائية يُساء فهمها ولا تحظى بالتقدير الكافي، وكثيراً ما عوملت بوصفها مسألة فنية ثانوية. لكن القدرة على الإبحار في عالم المعايير المعقد واستخدامها بفاعلية باتت أمراً لا غنى عنه لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فالمعايير تعيد تشكيل المشهد التنافسي، والامتثال لها جوهري للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. ويبشر انتشار المعايير الدولية برفع جودة المنتجات والخدمات وتعزيز رفاه البلدان ومواطنيها، استناداً إلى الخبرة المكثفة لكبار المتخصصين من شتى أنحاء العالم. كما أن التطبيق السليم للمعايير يمكن أن يدفع الحوكمة الرشيدة قدماً على نحو كبير ويزيد فاعلية السياسات الحكومية من حيث التكلفة.
ويعرض هذا الفصل توصيات لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بشأن كيفية استخدام معايير التنمية. ومعظم هذه التوصيات ينطبق على جميع البلدان، مع فروق دقيقة بحسب مستويات دخلها. فينبغي للبلدان المنخفضة الدخل أن تركز على بناء قدرتها على الامتثال للمعايير وتمكين المنشآت من الارتقاء بجودة السلع والخدمات التي تنتجها، كأن تجتذب المستثمرين الأجانب وتشجع انتقال التقنيات من المنشآت المتعددة الجنسيات إلى المنشآت المحلية. كما ينبغي لهذه البلدان أن تجعل من أولوياتها العمل مع الشركاء الدوليين لبناء مؤسسات الجودة الأساسية، كهيئات التقييس والقياس، التي تتيح تطور خدمات ضمان الجودة الأخرى بمرور الوقت. والبلدان المنخفضة الدخل هي الأشد حاجة إلى الحفاظ على نظام مزدوج، تكيف فيه المعايير الدولية عند وضع لوائحها المحلية، لكنها تضمن استيفاء المنشآت المصدرة للمعايير الدولية (غير المكيفة) وتقدم لها المساعدة اللازمة لذلك. وسيتعين على هذه البلدان أن تكون أكثر انتقائية في مشاركتها في وضع المعايير الدولية، مستعينة بالشركاء الإقليميين والدوليين لتقوية أصواتها على الساحة العالمية.
وينبغي للبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى أن تعزز قدرتها على الامتثال للمعايير ببناء شراكات أذكى بين القطاعين العام والخاص، لا سيما في مجال ضمان الجودة كالاختبار والتصديق. ويمكن لمواءمة القواعد المحلية مع المعايير الدولية أن تزيد السلامة وحماية البيئة والنفاذ إلى الأسواق. كما ستستفيد هذه البلدان من تبسيط اللوائح عبر الحكومة، ومن قطاع خاص أكثر نشاطاً يستطيع تشكيل المعايير وقيادة وضع المعايير الدولية، وكثيراً ما يكون ذلك بالشراكة مع بلدان أخرى.
أما البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى فينبغي أن تركز على تبني نهج تنظيمي أكثر رشاقة وملاءمة للابتكار، يستخدم المعايير الطوعية لسد الثغرات الفنية. ويمكن لزيادة التعاون بين القطاعين العام والخاص في ضمان الجودة أن تساعد هذه البلدان على تحقيق أهداف سياساتها بفاعلية أكبر من حيث التكلفة. كما ينبغي لها أن تبني الخبرة في مؤسسات كمؤسسات القياس والاعتماد لدعم الصناعات الأكثر تقدماً كالمواد النانوية، وأن تحشد القطاع الخاص لقيادة وضع المعايير على المستوى الدولي.
وثمة إلحاح وفرصة في آن واحد أمام المجتمع الدولي ليأخذ المعايير بجدية أكبر، ضماناً لأن تدفع التنمية قدماً لا أن تعرقلها. فضلاً عن ذلك، يواجه المجتمع الدولي مجموعة متنامية من المخاطر الهائلة، من الذكاء الاصطناعي إلى تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، يمكن للمعايير أن تؤدي دوراً مهماً في التخفيف منها أو إدارتها. ويبين التاريخ أن المعايير لا تأتي أحياناً إلا بعد وقوع ضرر جسيم، وهو مسار محفوف بالمخاطر بالنظر إلى حجم التحديات التكنولوجية والكوكبية الراهنة. وتقدم الفصول من الرابع إلى السابع، المتعلقة على التوالي بالاقتصاد ورأس المال البشري والبيئة والحوكمة، توصيات محددة. ورغم أن توصيات هذا الفصل موجهة أساساً إلى صناع السياسات، فإن القطاع الخاص مدعو أيضاً إلى اتخاذ إجراءات.
توصيات للقطاع الخاص
يبرز هذا التقرير أن القطاع الخاص يضع معظم المعايير الطوعية لتلبية احتياجات السوق أو المجتمع. وفي الوقت نفسه، يواجه القطاع الخاص أشد الضغوط من الأسواق والجهات التنظيمية على حد سواء للامتثال لهذه المعايير. ودون ادعاء الإحاطة الشاملة، نعرض فيما يلي توصيات رئيسية ينبغي لقادة القطاع الخاص، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، أن ينظروا فيها.
أولاً، استخدام المعايير لتحسين عمليات المنشآت، لا للامتثال للوائح فحسب. فالمعايير الطوعية تساعد المنشآت على تجنب إعادة اختراع العجلة وتحسن التعاون مع الشركاء التجاريين. ومعيار أنظمة إدارة الجودة الشهير، الأيزو 9001، ليس سوى واحد من معايير كثيرة تعزز الكفاءة التشغيلية وجودة المنتجات. وينبغي للمنشآت أن تستخدم المعايير استخداماً استراتيجياً للتحسين المستمر، بدلاً من النظر إليها مجرد أدوات تستخدمها الحكومات لفرض الامتثال. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء التحولين الرقمي والأخضر، اللذين يتطلبان من المنشآت تكييف نماذج أعمالها وعملياتها ومنتجاتها تكييفاً جذرياً مع التوقعات المتطورة.
ثانياً، الانخراط في وضع المعايير على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، أو على المستويات الثلاثة معاً. فالمشاركة في وضع المعايير تتيح فرصاً للتعلم وبناء الشبكات وتشكيل الأسواق. وإلى جانب الانخراط في عمل هيئات التقييس الرسمية على المستويات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية، يمكن للمنشآت أيضاً أن تستفيد من المشاركة في مبادرات معايير الاستدامة الطوعية والمنصات المتعددة أصحاب المصلحة التي توفرها. ويساعد الانخراط النشط على ضمان أن تعكس المعايير الواقع المحلي، ويعزز القدرة التنافسية للمنشآت بتحسين النفاذ إلى الأسواق وتقوية سمعتها والتنسيق مع الشركاء التجاريين.
ثالثاً، الاستثمار في القدرات على بذل العناية الواجبة المتوافقة مع المعايير الرائدة للاستدامة. فالمشترون الدوليون والجهات التنظيمية يتوقعون على نحو متزايد من الموردين أن يثبتوا بذلهم العناية الواجبة الاجتماعية والبيئية على امتداد سلاسل إمدادهم. وحتى في الحالات التي لا يكون فيها ذلك إلزامياً بعد، فإن الاستثمار في هذه القدرات اليوم يمكن أن يعزز القدرة التنافسية والنفاذ إلى الأسواق. وتوفر مواءمة الممارسات الداخلية مع معايير الاستدامة المعترف بها خارطة طريق عملية لاستيفاء الاشتراطات التنظيمية والسوقية المستقبلية.
رابعاً، اختيار معايير ومخططات تصديق موثوقة وجديرة بالثقة. فالمنشآت لا تستطيع دائماً اختيار المعايير أو مخططات التصديق التي تتبعها، إذ كثيراً ما تحددها الأسواق أو اللوائح. لكن حين يتاح الاختيار، ينبغي للمنشآت أن تعطي الأولوية لاختيار معايير وشهادات موثوقة وشفافة ومتحقق منها على نحو مستقل ومتسقة مع المبادئ الدولية. وتعزز هذه الاستراتيجية الاعتراف بالمنشآت في أسواق التصدير، وتضمن أن تحقق استثماراتها في التصديق مزايا حقيقية على صعيد السمعة والتجارة. وعند الاستعانة بخدمات البنية التحتية للجودة، ينبغي للمنشآت أن تعتمد على مقدمي خدمات معتمدين وأن تتحقق من صلاحية الشهادات التي تعتمد عليها.
خامساً، الشراكة مع النظراء والحكومة لتعزيز البنية التحتية للجودة. فالبنية التحتية للجودة الحسنة الأداء لا تدعم الامتثال للمعايير فحسب، بل تعزز أيضاً الابتكار والتعلم عبر أمور كاختبار المنتجات والمعايرة. ولأن كثيراً من احتياجات البنية التحتية للجودة يتجاوز قدرات المنشآت المنفردة، فإن التعاون بين المنشآت والاتحادات الصناعية والجهات الحكومية أمر حاسم. ويمكن للمنشآت أن تسهم بالإفصاح عن احتياجاتها المحددة لضمان الجودة، والمشاركة في الاستثمار في مرافق مشتركة، ودعم رقمنة خدمات البنية التحتية للجودة.
توصيات للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل (قد ترغب بلدان أخرى أيضاً في النظر فيها)
معظم المعايير طوعية، ومعظم المعايير الطوعية خاصة، تستهدف الجودة والتوافق وخفض تكاليف المعاملات. ومن ثم فإن القطاع الخاص في معظم القطاعات الاقتصادية سيضع المعايير اللازمة لتلبية حاجة بعينها. وينبغي للحكومات أن تترك لقوى السوق تحديد المعايير الطوعية، ما لم تعان عملية وضع المعايير من مشكلات تتعلق بالعمل الجماعي أو الشمول أو التجزؤ أو المنافسة أو السلامة. وينبغي للحكومات ألا تستخدم المعايير الإلزامية إلا لمعالجة المصالح العامة الأساسية كالصحة والسلامة وحماية البيئة ومنع الممارسات التجارية المضللة.
استخدام المعايير منصة انطلاق للتنمية لا قيداً عليها
يعني إطار التكييف والمواءمة والتأليف الذي يقترحه هذا التقرير أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قد تحتاج إلى اتباع نهج النظام المزدوج: ففي حالة الصادرات، تمتثل لمعايير السوق الدولية التي لا يمكن تغييرها، لكنها تكيف المعايير الإلزامية الأخرى الخاصة بالسوق المحلية مع الاحتياجات المحلية. فمصدرو الملابس مثلاً كثيراً ما لا يكون أمامهم خيار سوى قبول معايير الاستدامة التي تطلبها العلامات التجارية الدولية للأزياء. لكن إلزام جميع المنتجين المحليين بالامتثال للمعايير الدولية طريقاً مختصراً للارتقاء بالجودة قد يأتي بنتائج عكسية. فمن شأن ذلك أن يرهق قدرة الحكومة على إنفاذ المعايير، وأن يفرض تكاليف امتثال قد تقصي المنشآت غير الرسمية والأصغر من السوق المحلية، وأن يحول الاهتمام والموارد عن بناء المنظومة الداعمة اللازمة لاستيفاء المعايير الدولية.
ويقوم هذا الإطار على مسار تنموي تبدأ فيه البلدان بتكييف المعايير الدولية للسوق المحلية، ثم تنتقل إلى مواءمة السوق المحلية مع المعايير الدولية، وصولاً إلى المشاركة مع المجتمع الدولي في تأليف المعايير الدولية وتشكيلها، فتسهم بذلك في دفع المعرفة العالمية.
تهيئة الظروف اللازمة لارتقاء المنشآت بالجودة دون فرض هذا الارتقاء بمعايير إلزامية
بدلاً من الاعتماد على المعايير الإلزامية لفرض تحسينات في جودة السلع والخدمات التي تقدمها المنشآت، ينبغي لصناع السياسات أن يركزوا على تهيئة ظروف مواتية لارتقاء المنشآت بالجودة، عبر ضمان الحصول على مدخلات الإنتاج، وتحسين التعليم في بلدانهم ومهارات قواها العاملة، وتعزيز المنافسة، وزيادة الحصول على التمويل، إلى جانب تقديم حوافز لتبني المعايير الطوعية وتعزيز ثقافة الجودة لدى المستهلكين. ويناقش الموضوع الخاص 1 الدروس المستفادة من تجربة اليابان، ويناقش الفصل الثالث كيف يمكن لهيئات التقييس الوطنية أن تعزز المعايير الطوعية بدلاً من التصرف بوصفها جهات تنظيمية.
وعلى نحو مماثل، تبين التجربة الدولية أن طلب البلد على المعايير لا ينشأ من الترويج للمعايير فحسب، بل أيضاً من طائفة من السياسات الإنمائية الأخرى. فالمعايير تحقق نتائج محدودة حين تكون البيئة الاقتصادية الكلية للبلد ضعيفة وحين يتفشى العنف والفوضى. فإذا كانت هذه القضايا تثبط الاستثمار ونمو المنشآت، فلماذا تتبنى الشركات المعايير وتستثمر في الارتقاء؟ وتبين حالات الصين واليابان وجمهورية كوريا كيف يمكن للمعايير أن تكون فعالة حين تُدمج في سياسات صناعية أوسع. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما يدفع الوعي العام وضغط المواطنين نحو معايير بيئية أقوى وإنفاذ أشد لها. ففي البلدان ذات البنية التحتية المحدودة لرصد تلوث الهواء مثلاً، نشرت سفارات الولايات المتحدة بيانات عن تلوث الهواء، فدفعت الناس في تلك البلدان إلى المطالبة بمزيد من الرقابة والإجراءات التنظيمية.
متى تُستخدم المعايير الطوعية ومتى تُستخدم المعايير الإلزامية
يمكن لشجرة قرارات أن تساعد صناع السياسات على تحديد ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تنخرط في وضع المعايير الطوعية وكيف. فأولاً، إذا أخفق العمل الجماعي بين الأطراف الخاصة ولم يكن لدى أي صاحب مصلحة منفرد حافز لوضع معيار رغم أنه أفضل للجميع، فقد تنشأ حاجة إلى تدخل الحكومة. غير أنه ينبغي للحكومة أن تقتصر على جمع أصحاب المصلحة أو التنسيق بينهم، ربما بتمويل هيئات التقييس الوطنية، دون أن تحدد المحتوى الفني للمعايير الطوعية. وثانياً، إذا كان غياب مشاركة أصحاب المصلحة (كالفئات المحرومة من السكان) يهدد مشروعية المعايير وفاعليتها، فقد تحتاج الحكومة إلى انخراط أكبر. وثالثاً، إذا شكل تجزؤ المعايير مشكلة، فبإمكان الحكومات توحيد مختلف منظمات وضع المعايير الوطنية تحت مظلة واحدة، أو اتباع أساليب أخرى للحد من التجزؤ كتعزيز ترتيبات الاعتراف المتبادل. وأخيراً، قد يكون عمل الحكومة ضرورياً لمنع المخاطر التي تهدد المنافسة المرتبطة بالمعايير، كأن يستخدم الفاعلون المهيمنون في السوق معايير مملوكة لهم لتقييد دخول السوق. فإذا كان لدى أصحاب المصلحة حافز لوضع المعايير، وكانوا جميعاً منخرطين، ولم يكن التجزؤ مشكلة، ولم تكن ثمة مخاطر على المنافسة، فينبغي ترك وضع المعايير الطوعية لقوى السوق. وفيما عدا ذلك، تقدم الحكومة الدعم بوصفها جهة جامعة لا واضعة للمعايير، أو تدعم المواءمة والاعتراف المتبادل والتكافؤ والمصداقية، أو تكفل المنافسة عبر أدوات كقانون المنافسة العام، ومبادئ النفاذ العادل والمعقول وغير التمييزي، وحوكمة براءات الاختراع الأساسية للمعايير. وإلى جانب هذا الدعم الحكومي، يمكن للمبادرات الخاصة أن تساعد على معالجة تجزؤ المعايير، كالمبادرة العالمية لسلامة الأغذية التي تقارن معايير سلامة الأغذية بمرجعيات مشتركة تعزيزاً للتكافؤ.
ويستطيع صناع السياسات أيضاً تحديد ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تستخدم المعايير الإلزامية وكيف. فعليهم أن يحددوا ما إذا كانت ثمة حاجة إلى التنظيم، كمعالجة إخفاقات السوق والآثار الخارجية السلبية والسلع العامة. فإن لم تكن، فقد تكفي المعايير الطوعية التي تحركها السوق. ثم عليهم أن يقيّموا ما إذا كانت المعايير الإلزامية هي أفضل أداة لمعالجة هذه الحاجة، عبر إجراء تقييمات للأثر التنظيمي وتحليل للتكاليف والمنافع مثلاً، فإن لم تكن، استخدموا أدوات أخرى قائمة على الحوافز أو المعلومات. ثم ينبغي أن يسألوا عما إذا كان ثمة معيار دولي يلبي الحاجة ويمكن الامتثال له وإنفاذه. فإن لم يكن، ينبغي لهم تكييف المعيار مع السياق المحلي أو تأليف معيار جديد، أو زيادة قدرة المنشآت على الامتثال له وقدرة الدولة على إنفاذه. وكثيراً ما يكون النهج المختلط الأكثر فاعلية، إذ يضع التنظيم الاشتراطات العامة ويترك التفاصيل الفنية للمعايير الطوعية.
المعايير والسياسة الصناعية
حين تصبح السياسة الصناعية ضرورية، يمكن للحكومات أن توظف المعايير بثلاث طرق على الأقل. أولاً، يمكنها أن تستخدم قدرتها على الجمع لحشد أصحاب المصلحة ومساعدتهم على حل مشكلات التنسيق، بما يمكنهم من تبني معايير أعلى. وثانياً، يمكنها أن توظف قوتها الشرائية لتشجيع تبني معايير الجودة عبر المشتريات العامة. وثالثاً، يمكنها أن تستخدم المعايير لتيسير انتقال تكنولوجي، كأن تروج لمعايير قابلية التشغيل البيني. ورغم أن أدوات السياسات الأخرى كالحوافز مفضلة عموماً، لا سيما حيث تكون القدرة على الامتثال للمعايير منخفضة أو خلال التحولات التكنولوجية الملحة، فإن المعايير قد تظل مفيدة. فحظر استيراد الهواتف المحمولة العاملة بمعيار الجيل الثاني في جنوب أفريقيا مثلاً سرّع تبني الهواتف ذات الإنترنت المحمول الأسرع. وفي الهند، أدت المعايير الطوعية دوراً رئيسياً في الانتقال من المصابيح المتوهجة إلى إضاءة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة تعتمد على الصمامات الثنائية الباعثة للضوء. ورغم عدم وجود حظر وطني على المصابيح المتوهجة، فإن التصديق الإلزامي لهذه الصمامات ساعد على بناء ثقة المستهلكين ووجّه المشتريات العامة.
تكييف معايير الجودة بما يتسق مع قدرة أصحاب المصلحة على الامتثال لها
يؤكد هذا التقرير الحاجة إلى الموازنة بين طموح معايير الجودة العالية والقدرة على الامتثال لها، بما يشمل قدرة أصحاب المصلحة على استيفاء المعايير، وقدرة الحكومة على إنفاذها في حالة المعايير الإلزامية. فكثير من البلدان الأدنى دخلاً مثلاً تضع معايير صارمة لتلوث الهواء لكنها لا تستطيع إنفاذها. وقد تكون المعايير الأعلى طموحاً جديراً بالسعي إليه، لكنها تنطوي على خطر أن تصبح غير فعالة بل ذات نتائج عكسية إذا كانت فجوة الامتثال واسعة جداً. فالمعايير الإلزامية المفرطة في الطموح قد تدفع المنشآت إلى القطاع غير الرسمي، أو تفضي إلى إنفاذ عام جزئي ومتفاوت يفتح الباب للفساد. ومن ثم ينبغي لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن يكيفوا معايير الجودة، لا سيما المعايير الإلزامية، مع قدرة بلدانهم على الامتثال. ويمكنهم النظر في التكييف المحلي للمعايير الدولية الطوعية، كمعيار GLOBALG.A.P. الطوعي للممارسات الزراعية الجيدة. ففي بلدان ككينيا مثلاً، بُذلت جهود لتوفير اشتراطات مبسطة لهذا المعيار تلائم قدرات المنتجين المحليين، وتمكّن المزارعين من تحسين ممارساتهم المتعلقة بالجودة تدريجياً، والنفاذ إلى الأسواق، والاستعداد للامتثال الكامل للمعايير الدولية في نهاية المطاف.
وقد يكون تكييف معايير الجودة مع السياقات المحلية ضرورياً أيضاً لأن التفضيلات المتعلقة بالمخاطر والقدرة على تحملها تختلف بين المجتمعات (عادة تبعاً للدخل)، ولأن الناس في البلدان المنخفضة الدخل قد لا يستطيعون تحمل تكاليف الامتثال للمعيار. بل إن المعايير العالية قد تكون حالة يكون فيها "الأفضل عدو الجيد". فكما يبين مثال "الأطباء الحفاة" في الصين، فإن توسيع الحصول على الرعاية الصحية لعموم الناس عبر مقدمي خدمات ذوي مؤهلات أقل تقدماً قد يحقق نتائج صحية إجمالية أفضل من الاقتصار على مهنيين عالي المؤهلات، بما يقصر الحصول على الرعاية على قلة من الناس. وأخيراً، قد يكون وضع معايير عالية مجرد حالة من نسخ معيار اجتماعي أو بيئي عالٍ لإظهار الفضيلة.
ورغم أن هذا التقرير يؤكد تكييف المعايير الإلزامية مع السياقات المحلية، ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تسعى إلى استخدام المعايير الدولية دون تكييف كلما أمكن، تماشياً مع اتفاقيتي منظمة التجارة العالمية بشأن الحواجز الفنية أمام التجارة وبشأن تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية. فالاعتماد على معيار واحد معترف به يخفض تكاليف الامتثال على البائعين ويبسط التحقق من الامتثال على المشترين والجهات التنظيمية. وفي المقابل، فإن تعدد المعايير المتداخلة يضعف أثر الإشارة الذي تؤديه المعايير، لا سيما حين لا تكون المعايير معروفة أو موثوقة على نطاق واسع. ولمعالجة تكاثر المعايير المتنافسة، ينبغي للبلدان أن تتبنى المعايير الدولية القائمة كلما أمكن، وأن تسهم في وضعها مع الشركاء الدوليين، لضمان أن تراعي المعايير الاحتياجات المحلية على النحو الملائم فيمكن تبنيها دون تكييف.
وإذا احتاجت البلدان إلى تكييف المعايير الدولية، فمن المهم أن تفعل ذلك على نحو منهجي وفق معايير واضحة. فمن المهم مثلاً استخدام المصطلحات والبنية ذاتها المستخدمة في المعيار الدولي، وتسجيل أي انحرافات لازمة على نحو منهجي. وتحدد سياسة الأيزو بشأن الملاءمة العالمية سبلاً لدمج الاختلافات في الأسواق (كالظروف الاجتماعية وأنماط التجارة واحتياجات السوق) والاختلافات الجوهرية بين البلدان (كتلك المتعلقة بالمناخ والبنية التحتية التكنولوجية) في المعايير الدولية. لكن ثمة حاجة إلى مزيد من الجهود والإرشادات لضمان أن تكيف هيئات التقييس الوطنية المعايير على نحو متسق. فبإمكان هذه الهيئات مثلاً أن تبلغ منظمات وضع المعايير الدولية باستمرار بالتكييفات الوطنية. فحتى الآن، كثيراً ما كان من الصعب تقييم الانحرافات بين المعايير الوطنية والدولية، بما يخلق حواجز غير ضرورية أمام التجارة. ويمكن أيضاً لوضع مزيد من المعايير الدولية في صورة معايير متدرجة توفر مستويات مختلفة من الصرامة، كفئات كفاءة الطاقة، أن يساعد على جعل التكييفات أقل إخلالاً بالتجارة.
وبعض المعايير عالمية بطبيعتها. فبالنسبة لكثير من معايير القياس، تتضح مزايا التبني العالمي، لا سيما تلك القائمة على وحدات علمية مقبولة عالمياً ومشتقة من ثوابت طبيعية كالفولت الكهربائي. وعلى نحو مماثل، تتطلب معظم معايير التوافق قدراً من العالمية. ولا يعني ذلك أنها كاملة، حتى لو وُضعت بتوافق الخبراء. غير أن الجهد والموارد اللازمة لاستحداث بدائل، والاحتمال المرتفع للانعزال عن المعايير السائدة إذا تُبني معيار مختلف، يشجعان البلدان بقوة على تبني معايير التوافق الدولية. ويمكن لمعايير التوافق العالمية أن تعظم المنافع الإجمالية لهذه المعايير، لكن المنافسة الأولية بين معايير مختلفة قد تظل مفيدة. فشواحن الهواتف المحمولة مثلاً لا تختلف في شكل القابس فحسب، بل أيضاً في جوانب الجودة كمعدل نقل البيانات ودقته والسلامة والملاءمة، بما يخلق منطقة رمادية بين معايير التوافق ومعايير الجودة. ومن ثم يمكن للمنافسة المبكرة في معايير التوافق أن تعزز الابتكار، وإن كان إرساء معيار طويل الأجل يفيد الجميع عموماً. فقد أدى الاتحاد الأوروبي مثلاً دوراً رئيسياً في ترسيخ منفذ USB من النوع C معياراً عالمياً للشحن، بالجمع بين حماية المستهلك والأهداف البيئية. فإزاء القلق من النفايات الإلكترونية وتجزؤ معايير الشحن، شجع الاتحاد في البداية الاتفاقات الطوعية بين المصنعين. وحين تعثرت هذه الجهود، سن عام 2022 تشريعاً يشترط شواحن من هذا النوع للهواتف والأجهزة اللوحية والكاميرات وغيرها من الأجهزة بحلول عام 2024، وللحواسيب المحمولة بحلول عام 2026. وبسبب حجم سوق الاتحاد الأوروبي، وجدت الشركات أن إنتاج نسخ منفصلة لأوروبا غير عملي، فنشأ فعلياً معيار عالمي دفع حتى شركة أبل إلى التخلي عن معيار موصل Lightning الخاص بها.
وفي المقابل، تتناول بعض معايير القياس مسائل أكثر ذاتية أو قائمة على القيم أو عسيرة على التحديد الكمي، كنتائج التعليم أو عدم المساواة، حيث لا يصلح مقاس واحد للجميع.
الحضور والإسهام بالرأي في محافل المعايير الدولية ونقل الحصيلة إلى الداخل
تشارك البلدان المرتفعة الدخل في المتوسط في عدد من اللجان الفنية للأيزو يفوق بكثير ما تشارك فيه البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، بفارق يبلغ أحياناً عشرة أضعاف. وترسل البلدان المرتفعة الدخل إلى تلك الاجتماعات عدداً من المندوبين يتراوح بين 30 و60 ضعف ما ترسله البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. فلا عجب أن كثيراً من المعايير الدولية لا يعكس واقع الحياة في العالم النامي، إذ نادراً ما يكون خبراء البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل حاضرين أصلاً حين توضع المعايير. والمجتمع الدولي مطالب بالفعل بتكثيف دعمه لمشاركة هذه البلدان، لكن على صناع السياسات فيها أن يدركوا أهمية الحضور والإصغاء والإسهام بالرأي في المحافل التي توضع فيها المعايير الدولية. ويشمل ذلك المشاركة في المنظمات الدولية العريقة لوضع المعايير كهيئة الدستور الغذائي والأيزو، وكذلك المنظمات التي تضع المعايير في التقنيات الجديدة كاتحاد شبكة الويب العالمية وفريق عمل هندسة الإنترنت. وإلى جانب الانخراط في وضع المعايير الدولية، ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تشارك بنشاط في المحافل الدولية المتعلقة بالبنية التحتية للجودة، كتلك الخاصة بالاعتماد والقياس.
وتعيق تحديات عدة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عن المشاركة على نحو أكثر فاعلية في المنظمات الدولية لوضع المعايير. أولاً، تعيق قيود الموارد ومحدودية الخبرة الفنية انخراطها في اللجان الفنية لهذه المنظمات، إذ يتطلب السفر إلى اجتماعات حضورية متعددة، وإشراك أصحاب المصلحة المحليين لاستطلاع آرائهم، وإعداد مواقف سليمة فنياً، وقتاً ومالاً. وثانياً، كثيراً ما يكون وعي صناع السياسات في هذه البلدان بوضع المعايير منخفضاً واهتمامهم به ضئيلاً، لا سيما في ظل التزايد السريع للمعايير مؤخراً. وثالثاً، تتوسع معايير المنظمات الخاصة بسرعة، مع آليات رسمية أقل لمشاركة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويمكن لهذه البلدان نظرياً أن ترفض الاعتراف بهذه المعايير، لكن ذلك قد يقصيها عن فرص تجارية مربحة، لأن كثيراً من المعايير الخاصة أصبح فعلياً بوابة إلى الأسواق الدولية.
وينبغي لكل بلد منخفض أو متوسط الدخل أن يعطي الأولوية للمشاركة في وضع المعايير الأكثر صلة باقتصاده وسكانه. ويمكن لزيادة التنسيق بين هيئات التقييس الوطنية والوزارات الحكومية والاتحادات الصناعية والمؤسسات البحثية، إلى جانب دعم المانحين والمنظمات الدولية، أن تسد الفجوات في القدرة على الامتثال لمعايير التجارة العالمية وتعزز دور هذه البلدان في تشكيلها. ويمكن للمحافل الإقليمية لوضع المعايير، كالمنظمة الأفريقية للتقييس واللجنة الاستشارية للمعايير والجودة التابعة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، أن تجمع الخبرات الفنية وتضخم القوة التفاوضية الجماعية في المحافل العالمية.
والانخراط في وضع المعايير الدولية لا يقتصر على الحصول على مقعد على الطاولة حين تُكتب القواعد المستقبلية للتجارة العالمية. فالفرصة الحقيقية للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تكمن في إيفاد خبراء لا يدافعون عن المصالح الوطنية فحسب، بل يصغون باهتمام أيضاً ويلتقطون الرؤى وينقلونها إلى بلدانهم. فكثيراً ما تبقى الرؤى المكتسبة من وضع المعايير الدولية حبيسة لدى المندوبين أفراداً ولا تُنشر على النحو الصحيح. ويمكن لهيئات التقييس الوطنية أن تتيح هذه التجارب الفردية لجمهور أوسع، بما يتيح النقاشات الفنية والتعلم. لكن على صناع السياسات أولاً أن يغيروا طريقة تفكيرهم في هذه الهيئات، فبدلاً من عدها جهات تنظيمية، ينبغي أن ينظروا إليها بوصفها جامعة للمعرفة ومحفزة للابتكار. أما هيئات التقييس الوطنية فلا ينبغي لها أن تنظر إلى نفسها بوصفها معاهد بحثية فنية، بل ينبغي أن تعمل مع الباحثين لوضع معايير متقدمة.
وبالنظر إلى الوتيرة السريعة للتغير التكنولوجي، فإن للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مصلحة استراتيجية في أداء دور نشط في تشكيل معايير قابلية التشغيل البيني. فهذه المعايير تشكل على نحو متزايد العمود الفقري للبنية التحتية الرقمية والتجارة العالمية والحصول على التقنيات الناشئة. وإذا لم تشارك هذه البلدان في وضع هذه المعايير، فإنها تخاطر بأن تصبح متبنية سلبية لقواعد تضعها الدول الأغنى والشركات المتعددة الجنسيات، فتنحبس في تبعيات تكنولوجية تقيد الابتكار وترفع التكاليف الطويلة الأجل وتحد من استقلالية السياسات.
ولتعظيم منافع المشاركة، ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تركز انخراطها على تقييس التقنيات العامة الغرض التي تمكّن التحول الرقمي، كأنظمة الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني وبروتوكولات تبادل البيانات والذكاء الاصطناعي وأجهزة إنترنت الأشياء. فمعايير هذه التقنيات التأسيسية ستشكل كيفية حصول البلدان على الابتكار والتمويل والخدمات العامة في العقود المقبلة.
وينبغي أن تقترن المشاركة النشطة بتعزيز المعايير المفتوحة والشاملة. فحين تتضمن المعايير تقنيات مشمولة ببراءات اختراع أساسية للمعايير مرخصة وفق شروط عادلة ومعقولة وغير تمييزية، يمكن للبلدان أن تتبنى آليات كمجمعات البراءات أو وسطاء البراءات لضمان أن يكون ترخيص هذه التقنيات ميسور التكلفة وقابلاً للتنبؤ من حيث الشروط والتكاليف مثلاً. وقد يفيد ذلك بوجه خاص المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات العامة.
وأخيراً، ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تواءم مشاركتها في وضع معايير قابلية التشغيل البيني، وعمليات تحديد أولوياتها في هذه المشاركة، مع استراتيجياتها الإنمائية الأوسع، مركزة على القطاعات التي يمكن أن تولد فيها قابلية التشغيل البيني أكبر المنافع، كالصحة والزراعة والتعليم.
تعلم استخدام صندوق أدوات المعايير كاملاً في السياسات لا المطرقة وحدها
استخدام المعايير أداة مرنة في السياسات العامة
تكمن قوة استخدام المعايير أداةً للسياسات العامة في مرونتها. فكثيراً ما ينظر صناع السياسات إلى المعايير بوصفها أدوات للأمر والسيطرة لتحقيق الأهداف التنظيمية فحسب. والواقع أن المعايير يمكن أن تقترن بأدوات أخرى. فالنهج القائمة على السوق، كمخططات تداول الانبعاثات، تتعزز بوجود معايير موحدة لقياس الانبعاثات والإبلاغ عنها والتحقق منها. وفي المشتريات العامة، ترسي المعايير الحكومية أفضل الممارسات في العمليات المتعلقة بالعطاءات التنافسية، كما يمكن للمعايير أن تضع مواصفات السلع والخدمات المراد شراؤها. وفي ألمانيا، شجعت الحكومة إنشاء علامة "الزر الأخضر" الطوعية للمنسوجات، التي تشهد بأن الملابس تستوفي معايير اجتماعية وبيئية محددة، بما يساعد المستهلكين على اتخاذ خيارات مستنيرة بشأن استدامة الملابس التي يشترونها.
ومن مزايا المعايير الطوعية أنها تبقي الامتثال طوعياً مع دعم التنظيم في الوقت نفسه. فبإمكان هذه المعايير أن تسد الثغرات التنظيمية، وأن تمكّن المنشآت من تحقيق أداء أعلى يتجاوز الحد الأدنى من الاشتراطات التنظيمية. ففي مجال سلامة الأغذية، كثيراً ما تنشأ المعايير الخاصة استجابة للوائح العامة. وفي عام 2015، أصلحت الحكومة الصينية نظام المعايير لديها لتقليص عدد المعايير التي تقودها الحكومة، وإرساء أساس تنظيمي لمعايير تحركها السوق، بما يحفز الابتكار والمنافسة على نحو يتجاوز الاشتراطات التنظيمية.
كما أن الجمع بين التنظيم والمعايير الطوعية مفيد لأن التنظيم لا يستطيع ولا ينبغي له أن يحدد كل تفصيل فني لازم للامتثال. فمن شأن ذلك أن يخلق أعباء امتثال، ويفوق قدرة صناع السياسات وخبرتهم الفنية، ويجعل اللوائح أشد جموداً من أن تتيح الابتكار وتستوعب التغيرات المجتمعية. وتقتضي أفضل الممارسات في اللوائح صياغتها بعبارات أعم وترك التفاصيل الفنية لمعايير طوعية تسد الثغرات التنظيمية. ففي إطار الإطار التشريعي الجديد للاتحاد الأوروبي مثلاً، لا تحدد التشريعات سوى "المتطلبات الأساسية" لحماية المصالح العامة كالسلامة أو الصحة، في حين تُدار التفاصيل الفنية عبر معايير طوعية تعرف بـ"المعايير المنسقة". فلمنع تداخل المعدات الكهربائية مع بعضها مثلاً، يشترط أحد العناصر الأساسية في قانون الاتحاد الأوروبي ذي الصلة بعبارات عامة ألا "يتجاوز الاضطراب الكهرومغناطيسي المتولد المستوى الذي لا تستطيع المعدات فوقه أن تعمل على النحو المقصود". وللحصول على إرشادات فنية بشأن كيفية تحقيق ذلك عملياً، يمكن للشركات، دون أن تكون ملزمة بذلك، أن تتبع المعيار المنسق EN 55014 في جزئه الأول، الذي يساعدها على ضمان التوافق الكهرومغناطيسي في الأجهزة المنزلية والمعدات المماثلة.
ويتبنى قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي هذا النهج. فبالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي العالية المخاطر، كتلك المستخدمة في تعيين الموظفين أو التقييم الائتماني، يشترط القانون تطبيق نظام لإدارة المخاطر لكنه يترك التفاصيل للتفسير. وستُوضح هذه التفاصيل عبر معايير طوعية، بما يمنح الشركات مرونة في كيفية تصميم أنظمتها لإدارة المخاطر. ومع ذلك، يشجع القانون المنشآت على استخدام المعايير المنسقة التي تضعها منظمات التقييس الأوروبية، أي اللجنة الأوروبية للتقييس واللجنة الأوروبية للتقييس الكهروتقني والمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات، بمنح المنشآت التي تتبناها "قرينة المطابقة"، التي تخفف عبء إثبات الامتثال خلال عمليات تقييم المطابقة. ويهدف هذا النهج إلى أن يكون قابلاً للتكيف وداعماً للابتكار في آن واحد، مع تعزيز تبني المعايير الأوروبية المشتركة.
وينبغي لصناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن يستفيدوا من المعايير الخاصة وأنظمة ضمان الجودة التي يديرها طرف ثالث لتيسير الامتثال وتعزيز الإنفاذ. ويمكن فهم استخدام المعايير الخاصة الطوعية في التنظيم على أفضل وجه من خلال فكرة النظام التنظيمي الذي يجمع بين آليات الحوكمة العامة والخاصة. فمخطط الاعتراف المكتسب في المملكة المتحدة مثلاً يقلل عدد عمليات التفتيش المطلوبة للمنشآت المصدق عليها بموجب البرنامج، وتوجه هيئة الدستور الغذائي الحكومات في تقييم أنظمة ضمان الجودة التي يديرها طرف ثالث. ويمكن للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تتبنى هذا النهج التكميلي لتعزيز الوظائف التنظيمية وتقوية القدرة على الامتثال للمعايير. غير أن الجهات التنظيمية تحتاج إلى القدرة المؤسسية على تقييم أنظمة ضمان الجودة الخاصة والإشراف عليها. فمن دون إشراف قوي على هذه الأنظمة، ثمة خطر تجزئها أو الإفراط في الاعتماد على مخططات خاصة محدودة المساءلة.
وإذا قررت البلدان استخدام المعايير في اللوائح، فثمة أربع طرق لذلك. ويكتسب اختيار النهج أهمية كبيرة من حيث سهولة الامتثال، لا سيما فيما يتعلق بالمرونة التي يمنحها للجهات الخاضعة للتنظيم. فأولاً، يمكن للحكومات أن تفوض، بأن تفرض استخدام المعايير دون تحديد محتواها وتترك وضعها لغيرها. فتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن إبلاغ الشركات عن الاستدامة مثلاً كلف فريقاً استشارياً متعدد أصحاب المصلحة بصياغة المعايير التي يجب على الشركات استيفاؤها في الإبلاغ عن إجراءاتها لتعزيز الاستدامة. وثانياً، يمكن للحكومات أن تستخدم المعايير آليةً اختيارية لتيسير الامتثال للتشريعات، بأن تبقي القوانين عامة وتفوض المواصفات الفنية إلى المعايير، كما في قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي. وثالثاً، قد يحيل النص القانوني للتشريع إلى المعايير (ويُفضل أن تكون دولية)، كلياً أو جزئياً، فيجعل الامتثال لها إلزامياً. ورابعاً، قد يدمج القانون مباشرة نصاً من معيار ما فيجعله إلزامياً. وقد يكون ذلك مفيداً في بعض التعريفات، لكنه يصعّب على القانون مواكبة مراجعات المعيار.
ومن بين هذه الخيارات، يوفر التفويض أعلى درجات المرونة، في حين يوفر دمج نص المعيار في القانون أدناها. ومع تراجع المرونة، قد تحتاج الجهات التنظيمية إلى تحديث القوانين بوتيرة أكبر حين تتغير الجوانب الفنية، وقد تقل الخيارات المتاحة للجهات الخاضعة للتنظيم في تقرير كيفية الامتثال، بما يخنق الابتكار.
ولتعزيز الابتكار والحد من خطر أن تصبح تقنية بعينها مهيمنة وراسخة، ينبغي لصناع السياسات عموماً أن يفضلوا المعايير القائمة على الأداء التي تحدد النتائج الواجب تحقيقها، كأهداف مستويات الانبعاثات أو كفاءة الطاقة، بدلاً من تحديد كيفية تحقيقها، كفرض تقنيات بعينها. لكن في الحالات التي يصعب فيها الإنفاذ أو يكون النطاق كبيراً، قد تكون المعايير التقنية أكثر عملية. فللسيطرة على انبعاثات المركبات مثلاً، قد يفرض البلد المحولات الحفازة (معيار تقني) أو يضع حدوداً للانبعاثات (معيار أداء). والمعايير التقنية أسهل امتثالاً وإنفاذاً، لأن التحقق من وجود مكوّن في منتج يصنعه عدد قليل من المصنعين أبسط من قياس الانبعاثات في عدد لا يحصى من المركبات. وتعمل المعايير التقنية على أفضل وجه حين تكون التقنيات ناضجة ومتاحة على نطاق واسع. وفي المقابل، توفر معايير الأداء للمنشآت مرونة ويمكن أن تشجع الابتكار، لا سيما حين تتنوع خيارات استيفاء المعايير، لكن فاعليتها تتوقف على أنظمة قوية لرصد الامتثال.
وتقيّم تقييمات الأثر التنظيمي فاعلية المعايير الإلزامية، وتكاليف الامتثال لها وإنفاذها، وآثارها في المنافسة، إلى جانب جوانب أخرى. ويستخدم تقييم الأثر التنظيمي الجيد نهجاً قائماً على المخاطر لتقييم الأعباء غير المتناسبة على المنشآت الصغيرة أو محاباة المنشآت القائمة. ويفحص طبيعة الاشتراطات، والبدائل كالسياسات القائمة على السوق، ومدى قدرة البنية التحتية للجودة في البلد على دعم تقييم الامتثال.
إجراء تحليلات التكاليف والمنافع لتقييم الأثر التنظيمي للمعايير الإلزامية
متى تكون المعايير واللوائح الفنية أدوات سياسات فعالة؟ ثمة قاعدتان عامتان بشأن الحالات التي قد تكون فيها المعايير الإلزامية مفضلة على أدوات السياسات الأخرى. الأولى حين يلزم امتثال موحد (لا سيما في معايير السلامة، لتفادي مخاطر مكلفة). والثانية حين يكون إنفاذ الامتثال وتحقيقه أيسر بمساعدة المعايير. وبطبيعة الحال، يكون قرار استخدام المعايير الإلزامية أصعب في البيئات المحدودة القدرات. ومن أكثر أدوات تقييم الأثر التنظيمي شيوعاً وفائدة تحليل التكاليف والمنافع، وهو طريقة منهجية لتحديد إجمالي التكاليف والمنافع المتوقعة لتدخل ما كمياً بقيم نقدية ومقارنتها. وينبغي للبلدان أن تجري تحليلات التكاليف والمنافع على نحو منهجي قبل أن تقرر استخدام المعايير الإلزامية، وأن تستخدم هذه التحليلات في تقييم السياسات بعد استحداث المعايير.
وللمعايير الإلزامية سمعة بأنها مفرطة في التقييد ومكلفة التطبيق وعسيرة الإنفاذ. لكنها، تبعاً للتكاليف التي تحول دونها، قد تظل أكثر أدوات السياسات فاعلية من حيث التكلفة. ويساعد تحليل التكاليف والمنافع على إجراء التقييمات اللازمة لتقرير ما إذا كان الأمر كذلك في أي حالة بعينها. وقد يكون التحليل السليم للتكاليف والمنافع متطلباً، لأنه يحتاج إلى بيانات موثوقة ومسؤولين مدربين والتزام باستخدام نتائجه في صنع السياسات. ويشمل التحليل المنافع المباشرة كتحسن الرفاه في الصحة والسلامة وحماية البيئة ومنع الممارسات التجارية المضللة، وكفاءة السوق بإزالة إخفاقاتها كعدم تماثل المعلومات، والتكاليف المباشرة كتكاليف الامتثال على الجهات الخاضعة للتنظيم من رسوم وضرائب وتكاليف إدارية وتغييرات تكنولوجية وتنظيمية، وتكاليف الإنفاذ على الحكومة من تكاليف البنية التحتية العامة للجودة والأعباء الإدارية والأنشطة القانونية والعقابية. كما يشمل التكاليف والمنافع غير المباشرة، كالآثار في المنافسة عبر حواجز الدخول، وفي الابتكار عبر الانحباس في تقنية بعينها أو انتشارها، والحواجز الفنية أمام التجارة، وتكاليف المعاملات، وتحميل تكاليف الامتثال للمستهلكين، والتغيرات في الإيرادات الحكومية، فضلاً عن المنافع غير المباشرة كزيادة الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والتماسك الاجتماعي وحماية الحقوق.
وثمة خمسة خيارات رئيسية مهمة عند مقارنة المعايير الإلزامية ببدائل السياسات عبر تحليل التكاليف والمنافع. الأول تحديد مقدار تقييم المستقبل مقارنة بالحاضر، وهو ما ينعكس في "معدل الخصم". وقد يكون لهذا الاختيار أثر كبير، لا سيما فيما يتعلق بالتكاليف الطويلة الأجل كتلك المرتبطة بتغير المناخ. والثاني أن على صناع السياسات تحديد قدرة المجتمع على تحمل المخاطر وتقدير قيمتها. والثالث أن عليهم وضع "سعر" للتكاليف والمنافع غير المالية، فكم يساوي مثلاً إنقاذ حياة إنسان واحد من خطر أو مرض، أو إنقاذ نوع واحد من الانقراض؟ والرابع أن كثيراً من التكاليف والمنافع غير مباشر، وعلى صناع السياسات أن يقرروا إلى أي حد تُدرج هذه الآثار غير المباشرة، أي "حدود التحليل". ورغم أن الآثار غير المباشرة كثيراً ما لا تُدرج كاملة في تحليل التكاليف والمنافع، فإن ذلك قد يفضي إلى التقليل من تقدير المخاطر النظامية، ومن المهم فهم حدود التحليل في هذا الصدد. والخامس أن على صناع السياسات أن يقرروا ما إذا كانوا سيأخذون الآثار التوزيعية في الحسبان وكيف، لأن تحليلات التكاليف والمنافع لا تبين عادة سوى صافي المنافع الإجمالية لخيار السياسة.
وكما يشير هذا التقرير، ثمة نقص في البيانات المتعلقة بالمعايير، بما يصعب تقدير قيم رقمية للتكاليف والمنافع. ومن ثم ثمة طلب على جمع مزيد من البيانات، عبر رصد فاعلية المعايير الإلزامية وتقييمها مثلاً. ويمكن لهذه الأدلة اللاحقة أن توفر توجيهاً مهماً لإجراء تحليل التكاليف والمنافع المسبق وتحسين صنع السياسات. ولهذا يتضمن هذا الفصل دعوة إلى جمع مزيد من البيانات عن المعايير. والتحدي الرئيسي في تقييم الأثر هو معرفة ما كان سيحدث في غياب معيار بعينه، لكن مقارنة البيانات قبل استحداث المعيار وبعده، أو بين الجهات الخاضعة للتنظيم وغير الخاضعة له، يمكن أن تساعد على تقريب هذا الوضع المقابل. ويمكن للحكومات أن تستخدم البيانات الإدارية التي تجمعها أصلاً، كالإقرارات الضريبية وسجلات المشتريات وسجلات التفتيش، لتقييم ما إذا كانت المعايير الإلزامية تحقق النتائج. ويتيح تعزيز جودة مجموعات البيانات هذه وإتاحتها وربطها الرصد الآني والتقييم القائم على الأدلة، بما يساعد الحكومات على قياس المنافع الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للتنظيم، لا الامتثال وحده.
إلزام جميع الجهات التنظيمية القطاعية وسائر الهيئات الحكومية باستخدام البنية التحتية للجودة على نحو متسق
تضع جهات تنظيمية كثيرة معايير إلزامية وتنفذها، منها وكالات حماية البيئة وهيئات تفتيش العمل ووكالات حماية المستهلك وأجهزة الرقابة المالية. غير أن معظم هذه الجهات لا تطبق باتساق المبادئ المتعلقة بالبنية التحتية للجودة لتحسين التصميم التنظيمي والإنفاذ. فبدلاً من الاعتماد على المعايير وأساليب تقييم المطابقة القائمة، تضع قواعدها الخاصة واشتراطات جديدة تحكم الاختبار والتصديق، كثيراً ما لا تتسق مع الممارسات الدولية الجيدة. كما تشغل مختبراتها الخاصة للاختبار، وكثيراً ما يكون ذلك دون اعتماد. ويفضي ذلك إلى استخدام غير كفء للموارد العامة المحدودة. ففي بعض البلدان مثلاً، تشكو الشركات من زيارات متكررة من جهات حكومية متعددة تجري الاختبارات ذاتها لتلوث المياه، كل منها بمختبرها الخاص. ويسبب هذا الازدواج غير الضروري أوجه قصور في الكفاءة، لا سيما حين تكون المعدات المختبرية الباهظة شحيحة.
ويمكن لوضع إطار للتنظيم الفني أن يرسي الهياكل المؤسسية والقانونية والإجرائية اللازمة لكي تشرف البلدان على كيفية وضع المعايير الإلزامية (اللوائح الفنية) وتطبيقها وإنفاذها. وقد يلزم هذا الإطار الجهات التنظيمية بأن تبني لوائحها على المعايير الدولية المتاحة كلما أمكن، تماشياً مع اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الحواجز الفنية أمام التجارة. كما يوضح كيفية إدراج المعايير في التشريعات. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن يتضمن الإطار قائمة محددة سلفاً من مناهج تقييم المطابقة تختار منها الجهات التنظيمية، تبعاً لمستوى المخاطر المرتبطة بعدم الامتثال للائحة أو معيار بعينه. وقد تحدد هذه المناهج من يقيّم المطابقة (طرف ثالث مثلاً)، وكيف (اختبار المنتج أو تفتيش المصنع مثلاً)، ومتى (خلال تصميم المنتج أو عملية التصنيع مثلاً). فقد تفرض وكالة لحماية البيئة مثلاً اختباراً من طرف ثالث في مختبرات معتمدة للصناعات العالية المخاطر للتحقق من جودة مياه الصرف، مع استخدام إجراءات أبسط كالإعلان الذاتي عن المطابقة للأنشطة الأدنى خطراً كفرز النفايات.
وتتيح المناهج المحددة سلفاً لتقييم المطابقة للجهات التنظيمية اختيار أساليب الامتثال الملائمة، مع ضمان مواءمة هذه الأساليب عبر الجهات الحكومية. ويمكّن ذلك الجهات التنظيمية من تقاسم موارد المختبرات واستخدام هيئات الاختبار والتفتيش والتصديق الخاصة على نحو أكثر استراتيجية. ففي الهند، تصدر الحكومة المركزية أوامر مراقبة الجودة لاشتراط استيفاء منتجات معينة للمعايير الهندية، مع إجراء تقييم المطابقة من جانب مكتب المعايير الهندية. ورغم أن الوزارات تملك السلطة التقديرية في تقرير المنتجات التي تنظمها ضمن مجالات مسؤوليتها ومتى تصدر هذه الأوامر، فإن الإطار المنسق لإصدارها يعزز نهجاً أكثر اتساقاً في التنظيم الفني عبر القطاعات. ويعكس الإطار التنظيمي الفني القاري الأفريقي، المعتمد عام 2024 بهدف تشجيع استخدام الأطر التنظيمية في بلدان القارة، اتجاهاً إيجابياً نحو نهج أكثر منهجية في إصدار اللوائح الفنية. وفي الوقت نفسه، قد تقاوم الجهات التنظيمية القطاعية أطر التنظيم الفني لقلقها على استقلاليتها، بما يجعل القيادة القوية أساسية لتعميم المبادئ المتعلقة بالبنية التحتية للجودة.
استخدام البنية التحتية للجودة لتحقيق الإمكانات الكاملة للمعايير
كما يدعو الفصل الثالث، ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تستثمر في نظام حسن الأداء للبنية التحتية للجودة، يتألف من أربعة عناصر أساسية مترابطة: علم القياس، وتقييم المطابقة (الاختبار والتفتيش والتصديق)، والاعتماد، والمعايير ذاتها. فالامتثال للمعايير، طوعية كانت أو إلزامية، وإنفاذ المعايير الإلزامية يتوقفان على حسن أداء هذا النظام. لكن كيف يمكن لهذه البلدان أن تبني البنية التحتية للجودة بفاعلية؟ كما يبين النقاش التالي، ينبغي لها أن ترتب تطوير البنية التحتية للجودة وفق طلب السوق والأولويات الوطنية، وأن تطور القدرة على تقييم الامتثال عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأن تتعاون دولياً لتمكين أصحاب المصلحة من الحصول على خدمات البنية التحتية للجودة، وهو ما لا يعني بالضرورة توافر جميع القدرات المطلوبة محلياً.
ترتيب تطوير البنية التحتية للجودة وفق طلب السوق وتفضيلات البلد
يتوقف التطبيق الفعال للمعايير الطوعية وإنفاذ المعايير الإلزامية على حسن أداء البنية التحتية للجودة، أي منظومة المؤسسات العامة والخاصة التي تضم العناصر الأساسية الأربعة المذكورة آنفاً، إضافة إلى مراقبة السوق في المجالات الخاضعة للتنظيم. ويتطلب تطوير البنية التحتية للجودة في البلد سلسلة متعاقبة من الإجراءات.
فأولاً، ينبغي للبلدان أن ترسي الوظائف الأساسية لضمان الجودة: الإشراف على المعايير الوطنية، والقياس الأساسي، وخدمات الاختبار والتفتيش والتصديق. وتشكل المؤسسات التي تؤدي هذه الوظائف الأساس الذي تقوم عليه العناصر الأخرى لمنظومة البنية التحتية للجودة في البلد. وفي هذه المرحلة، تكون الخدمات عادة ممولة ومدارة من القطاع العام، بحكم طبيعتها بوصفها سلعاً عامة ومحدودية جدواها التجارية. ومن الأهداف الرئيسية بناء قدرات القطاع العام في مجالات منها التعاون الدولي لإرساء إمكانية التتبع لمعايير القياس، وتبني المعايير الدولية (أو تكييفها).
وثانياً، مع توسع الأسواق المحلية وتقدم الاندماج التجاري، يتعين أن تتطور البنية التحتية للجودة لتلبية متطلبات أكثر تعقيداً، بما يتطلب إنشاء وظيفة للاعتماد تزيد مصداقية تقييمات المطابقة لأغراض التجارة الدولية. ويشمل ذلك أيضاً إبرام اتفاقات للاعتراف المتبادل لتعزيز الصلاحية الدولية لنتائج تقييم المطابقة.
وثالثاً، ينبغي بمرور الوقت أن تنتقل مسؤوليات الاختبار والتفتيش والتصديق من القطاع العام إلى القطاع الخاص، مع ترك طلب السوق والاحتياجات الخاصة بكل قطاع تقود الاستثمارات في البنية التحتية للجودة، ضماناً لملاءمة البنية التحتية المطورة وكفاءة تشغيلها. ورغم أن الحكومات تستطيع دعم القطاع الخاص عبر الإعانات، فينبغي أن تُصمم هذه الإعانات بعناية لمعالجة إخفاقات السوق، لا لخدمة مصالح تجارية بعينها.
تطوير القدرة على الامتثال بوصفها شراكة بين القطاعين العام والخاص
لكي تكون البنية التحتية للجودة فعالة، يجب أن تتطور الأدوار المحددة للحكومة والقطاع الخاص بمرور الوقت. ففي البداية، قد تحتاج الحكومات إلى تقديم خدمات الاختبار والتصديق لأن محدودية طلب السوق تحول دون جدواها التجارية. لكن مع بدء توافر مقدمي خدمات ضمان الجودة من القطاع الخاص، ينبغي للحكومات أن تحول تركيزها إلى وظائفها التنظيمية والرقابية. وقد تجد المؤسسات العامة، التي ربما أصبحت معتمدة على إيرادات خدمات تقييم المطابقة أو ترى هذه الخدمات جزءاً من ولايتها التنظيمية، صعوبة في الانتقال إلى التنظيم والرقابة. كما ترى بعض الهيئات الحكومية أن من مسؤوليتها تقديم خدمات اختبار أو تفتيش أو تصديق ميسورة التكلفة بوصفها شكلاً من أشكال السياسة الصناعية، كمساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على توسيع نفاذها إلى الأسواق الدولية. غير أن تقديم حوافز على جانب الطلب، كدعم تكاليف تصديق المنشآت، أفضل عموماً من تقديم الحكومة للخدمات بنفسها. فهذه الاستراتيجية تزيد الطلب وتعزز سوقاً تنافسية للخدمات الخاصة في مجال تقييم المطابقة، بما يعزز الكفاءة والاستدامة على المدى الطويل.
التركيز على توافر البنية التحتية للجودة لا على موقعها
تمثل قدرة الدولة عاملاً مقيداً رئيسياً في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ومن ثم ينبغي لهذه البلدان أن تستفيد من الموارد الدولية والمحلية معاً للارتقاء بمعاييرها. فكثيراً ما ترسل المنشآت في هذه البلدان عينات من منتجاتها إلى الخارج لاختبارها، لا سيما حين يشترط المشترون الدوليون التصديق من هيئات تقييم مطابقة معترف بها. وقد يكون هذا الأسلوب فعالاً وعملياً من الناحية التجارية، لكنه قد يطرح تحديات حين يكون الاختبار عاجلاً، أو تكون لوجستيات الشحن صعبة، أو تكون الصادرات المختبرة سلعاً قابلة للتلف أو سلعاً سائبة تُتداول وفق جداول زمنية ضيقة. وبالنسبة لكثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل والاقتصادات الصغيرة، يوفر التعاون الإقليمي أو الثنائي بديلاً فعالاً من حيث التكلفة، لا سيما للخدمات المكلفة والمتخصصة كالاعتماد وعلم القياس العلمي.
وعلى الصعيد المحلي، ينبغي للحكومات أن تعزز المنظمات المهنية وتشركها في وضع المعايير وتحديثها، سواء الجمعيات العلمية والهندسية أو تلك العاملة في المحاسبة أو التعليم أو الطب، فضلاً عن المجموعات الصناعية. فهذه المنظمات المهنية كثيراً ما تطبق مدوناتها الخاصة لقواعد السلوك أو أعراف المسؤولية، بما يحفز الشركات على إدارة المخاطر حتى في غياب رقابة حكومية صارمة. فضلاً عن ذلك، يمكن استخدام التأمين وقانون المسؤولية التقصيرية بدلاً من إنفاذ معايير السلامة الإلزامية عبر المفتشين الحكوميين أو إلى جانبه. ويمكن لتحسين التعليم والبنية التحتية في الجامعات أن يعمق فهم أهمية المعايير والبنية التحتية للجودة، وأن يساعد على بناء منظومة محلية أقوى من مختبرات الاختبار. وأخيراً، ينبغي للحكومات أن تشجع المجتمع المدني على القيام بدور الرقيب على الجودة، كأن تقدم منظمات حماية المستهلك خدمات اختبار وتصديق مستقلة.
الاستفادة من الأدوات الرقمية من أجل بنية تحتية أفضل للجودة
يمكن للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بوجه خاص أن تستفيد من توظيف التقنيات الرقمية لجعل البنية التحتية للجودة أيسر منالاً وأكثر فاعلية من حيث التكلفة. فالحلول الرقمية يمكن أن تساعد هذه البلدان على تجاوز القيود الجغرافية وقيود القدرات، كأن تتيح التدقيق عن بعد أو التقديم الرقمي لنتائج تقييم المطابقة. كما تعزز إمكانية التتبع عبر حفظ السجلات القائم على سلاسل الكتل المقاومة للتلاعب، ومنصات البيانات القابلة للتشغيل البيني التي تربط المختبرات وهيئات الاعتماد والجهات التنظيمية. ويمكن لقواعد البيانات المتاحة للجمهور أن تعزز الثقة أكثر بتمكين المستخدمين من التحقق من صلاحية الشهادات وتحديد مقدمي الخدمات المعتمدين. فضلاً عن ذلك، يمكن للجهات التنظيمية أن تستثمر المعلومات المتاحة على الإنترنت، كتقييمات المستهلكين أو بيانات المنتجات في منصات التجارة الإلكترونية، لرصد المخاطر الناشئة وتوجيه أنشطتها الإنفاذية بكفاءة أكبر. ويمكن للأدوات الرقمية أيضاً أن تيسر تبني المنشآت للمعايير عبر تقديم إرشادات ووحدات تدريبية وأدوات للتقييم الذاتي على الإنترنت تزيد امتثالها للاشتراطات الدولية. غير أنه لتحقيق هذه المنافع، يتعين على البلدان أن تستثمر في بنية تحتية رقمية قوية ورأس مال بشري وأطر حوكمة تضمن أمن البيانات وقابلية التشغيل البيني والثقة عبر الأنظمة الوطنية.
توصيات للمجتمع الدولي
وضع معايير دولية تخدم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على نحو أفضل
دعم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في عملية وضع المعايير الدولية تفادياً لضعف تبنيها
ينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تدعم دوراً أقوى للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في وضع المعايير الدولية، لا لجعل وضع المعايير أكثر فاعلية فحسب، بل أيضاً لضمان تبنيها على نطاق أوسع عالمياً. وهذا مبدأ رئيسي أصلاً في ممارسات التقييس الجيدة للأيزو. وقد أُطلقت مبادرات عدة لتقديم مزيد من الدعم لهذه البلدان، منها لجنة الأيزو المعنية بشؤون البلدان النامية، التي تقدم المساعدة الفنية والتدريب للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ومن المبادرات المماثلة الصندوق الاستئماني للدستور الغذائي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، الذي يركز على تعزيز اللجان الوطنية للدستور الغذائي. لكن التقدم في تعزيز مشاركة هذه البلدان لا يزال بطيئاً، ولا تزال المشاركة بين البلدان في مستويات الدخل المختلفة غير متوازنة هيكلياً.
ولا توجد حلول سهلة. فاشتراط أن تقود البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عدداً محدداً من اللجان الفنية يصطدم بالحاجة إلى خبرة في مسائل فنية عميقة وبالنقص النسبي لهذه الخبرة في هذه البلدان. وإنشاء صندوق يدعم مالياً وضع المعايير الدولية وتطبيقها في هذه البلدان يصطدم بالتحدي الدائم المتمثل في شح الموارد المالية. ويتمثل نهج أكثر وعداً في منح لجنة الأيزو المعنية بشؤون البلدان النامية ولاية مراجعة مشروعات المعايير الدولية والتعليق عليها منهجياً من منظور البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، مع التركيز على الجدوى وقدرة التطبيق والآثار الاجتماعية والاقتصادية والاتساق مع الأهداف الإنمائية، لا سيما إذا اقتصر دورها على التنبيه إلى العوائق واقتراح التعديلات وتعزيز مسارات التبني المرحلي عند الحاجة. لكن هذا النهج يصطدم أيضاً بتحد متنامٍ يتمثل في أن كثيراً من معايير التقنيات الناشئة يوضع في محافل أخرى (خاصة). ويمكن لبرامج التوأمة التي تربط هيئات التقييس الوطنية في البلدان المرتفعة الدخل بنظيراتها في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تبني قدرات هذه الأخيرة على المشاركة الجادة في عمل اللجان الفنية.
وإلى جانب تعزيز مشاركة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في وضع المعايير الدولية، ثمة حاجة موازية إلى بناء منظومات البنية التحتية للجودة لديها وتعزيزها. فكما يؤكد هذا التقرير، فإن البنية التحتية للجودة الحسنة الأداء جوهرية للتطبيق الفعال للمعايير ولتحقيق طائفة واسعة من أهداف السياسات، من حماية المستهلك والارتقاء الصناعي إلى الاستدامة البيئية وتيسير التجارة. ومع ذلك، تواجه بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل قيوداً مستمرة في مجالات الخبرة الفنية والقدرة المؤسسية والتمويل. فإنشاء معاهد وطنية للقياس، وحصول هيئات الاعتماد الوطنية على الاعتراف الدولي، وتعزيز شبكة دينامية من خدمات تقييم المطابقة، كلها تتطلب استثماراً وتنسيقاً مستدامين. ورغم أن شركاء تنمية عدة يقدمون بالفعل مساعدة موجهة لهذه الأنشطة، يلزم دعم أكبر وأكثر اتساقاً لمساعدة هذه البلدان على الاستفادة الكاملة من المعايير والبنية التحتية للجودة بوصفها ممكّنات للتنمية المستدامة والقدرة التنافسية.
تعزيز المعايير المتدرجة لتلائم القدرات المختلفة
يمكن للاستخدام الانتقائي للمعايير المتدرجة أن يساعد البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على تطبيق المعايير الدولية. فالمعايير المتدرجة إما أن تطبق مستويات مختلفة من الصرامة على المعيار ذاته، وإما أن تتبع نهجاً أكثر نمطية يتيح التبني التدريجي لعدة معايير يبني بعضها على بعض، ويكون المعيار الدولي عادة أعلاها. وكما تبين معايير انبعاثات المركبات، فحتى الاتحاد الأوروبي اتبع نهجاً متدرجاً، اقتفت أثره لاحقاً الصين والهند، إذ تدرجت كل منها عبر مراحل متعاقبة من الصرامة منذ تسعينيات القرن العشرين. ولاستخدام نهج متدرج في تكييف المعايير منافع كثيرة، منها أن المعايير في جميع الدرجات تشترك في المصطلحات والتعريفات الأساسية ذاتها مع المعيار الدولي المقابل، بما ييسر تقييم المطابقة. فضلاً عن ذلك، فإن المنظمة التي تمتثل لمعيار في درجة أعلى تمتثل تلقائياً للمعايير في الدرجات الأدنى، بما يزيد احتمال الاعتراف المتبادل بنتائج تقييم المطابقة. غير أن من المهم الحد من عدد الدرجات، ويُفضل أن تكون مدمجة أصلاً في المعيار الدولي، لضمان ألا يسهم النهج المتدرج ذاته في التجزؤ. ومن حيث المبدأ، قد يكون الأفضل أن تستخدم البلدان المعايير المتدرجة إرشاداتٍ لا معايير قابلة للتصديق.
وثمة أمثلة عدة على المعايير المتدرجة. فمعيار الأيزو 50005 مثلاً يقدم للمنظمات إرشادات بشأن إرساء نهج مرحلي لتطبيق نظام لإدارة الطاقة يستهدف المنشآت الصغيرة والمتوسطة بوجه خاص. ويمكن تعزيز وضع مثل هذه المعايير لتيسير الامتثال. وتقدم رواندا مثالاً جيداً آخر. فعبر برنامج "زاموكانا أوبوزيرانينغي" (أي "انمُ مع المعايير")، استحدث مجلس المعايير الرواندي نموذج النضج في تطبيق المعايير، الذي يساعد المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة على تقييم ممارساتها الحالية، والحصول على مساعدة فنية موجهة، والامتثال تدريجياً للأعراف الدولية. ومنذ إطلاقه عام 2017، وصل البرنامج إلى أكثر من 1000 منشأة صغرى وصغيرة ومتوسطة، يقود كثيراً منها نساء وشباب، فحسن جودة المنتجات وأتاح التصديق ودعم دخول الأسواق الإقليمية والعالمية.
ضمان ألا تصبح المعايير الحسنة النية عوائق أمام التنمية
تعميق التعاون التنظيمي الدولي
تتغير القضايا التي يهتم بها الناس بمرور الوقت. فمع ارتفاع الدخول، ينظر المستهلكون إلى ما وراء السعر، إلى السلامة والأخلاقيات والأثر البيئي. ولسنوات طويلة تجاهلت منشآت كثيرة التكاليف البيئية لعمليات الإنتاج، تاركة للجمهور تحمل فاتورة أمور كتنظيف التلوث وإدارة النفايات، لكن مع وضوح الأدلة على المخاطر الطويلة الأجل، يتشكل توافق على أن منع الضرر الآن أقل تكلفة من دفع ثمنه لاحقاً. ويفضي هذا التقدم إلى زيادة مطردة في المعايير الإلزامية والطوعية على حد سواء، إذ يسعى صناع السياسات إلى إيجاد سبل تحمل المنشآت على الحد من الأضرار البيئية التي تسببها، أو على الأقل تحمل تكاليف التخفيف منها. وحتى إن لم تكن لدى البلدان نية حمائية في سن هذه المعايير، فإن توسع المجالات الخاضعة للتنظيم وتزايد تعقيد التقنيات والعلاقات التجارية قد يظلان يخلان بالتجارة.
ولائحة الاتحاد الأوروبي بشأن المنتجات الخالية من إزالة الغابات توضح هذه النقطة. فهذه اللائحة، المصممة للحد من أثر إنتاج السلع الأساسية الكبرى في فقدان الغابات، تشترط إمكانية تتبع تفصيلية وإثباتاً لأن الإنتاج لم يقترن بإزالة الغابات. ومع ذلك، فإن لهذه اللائحة الحسنة النية أثراً كبيراً حتى على المزارعين في المناطق النائية في البرازيل وإثيوبيا وإندونيسيا. ولتجنب تأثير اللوائح المحلية في التجارة الدولية، أبرمت منظمة التجارة العالمية اتفاقات كاتفاقية الحواجز الفنية أمام التجارة، وأرست تدابير لتعزيز الشفافية كاشتراط أن تخطر البلدان الأعضاء سائر الأعضاء باللوائح الفنية المرتقبة وتقدم مسوداتها. وفي عام 2021، صاغت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ أفضل الممارسات بشأن التعاون التنظيمي الدولي، التي تحث صناع السياسات على الاستناد إلى المعايير الدولية، وتسويغ الانحراف عنها، وتقييم الآثار العابرة للحدود للوائح التي يضعونها، وإشراك الشركاء الدوليين مبكراً، والاعتراف بإجراءات الامتثال الأجنبية، والسعي إلى الاعتراف المتبادل. وتظل المبادرات التي تضطلع بها الأيزو ومنظمة التجارة العالمية، والمحافل التي توفرها هاتان المنظمتان وغيرهما، أساسية، لكن يلزم المزيد لضمان ألا تؤثر المعايير واللوائح في البلدان الأخرى سلباً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
فأولاً، رغم أن صرامة المعايير الإلزامية يمكن أن تُترك للجهات التنظيمية المحلية، ينبغي للمجتمع الدولي أن يكثف جهوده لإرساء مصطلحات ومعايير قياس ومناهج امتثال مشتركة. فكثير من الانحرافات عن المعايير الدولية غير مقصود، ويمكن إرجاعه إلى تعقيد الحياة الحديثة. وقد يضيف التنسيق الدولي طبقة أخرى من التعقيد والتكاليف على صناع السياسات. ومن ثم فإن المعايير الدولية أساسية، لا سيما بوصفها وسيلة للاتفاق على مصطلحات مشتركة ومبادئ أساسية. فمن المنافع الكبرى لهيئة الدستور الغذائي مثلاً أنها قدمت تعريفات مشتركة، كالأطر الأساسية لنظافة الأغذية وطرق اختبار التلوث بالسالمونيلا، لا مجرد التحديد الكمي للحدود القصوى للمتبقيات. وفي مجالات كثيرة، ثمة فجوة كبيرة في الاتفاق على تعريفات دولية. فكثير من المصطلحات في مجال الاستدامة البيئية مثلاً غير محددة بوضوح. ويمكن لمبادرات كمبادرة "الدستور الكوكبي" المقترحة، التي تهدف إلى استحداث معايير للاستدامة للأغذية والسلع الأساسية المتداولة عالمياً، أن تزيد الاتساق التنظيمي.
وثانياً، فإن بناء الثقة بين البلدان أمر حاسم بوصفه أساساً لاعتراف كل منها بآليات الامتثال لدى الأخرى. ولهذا تحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى مزيد من الدعم لإرساء منظومات للبنية التحتية للجودة جديرة بالثقة ومندمجة دولياً، تتيح الاعتراف المتبادل بنتائج الاختبار والتفتيش والتصديق. ففي حين كثيراً ما يركز دعم المانحين لمنظومات البنية التحتية للجودة في هذه البلدان على القدرة التنافسية لصادراتها، فإن تعزيز دور البنية التحتية للجودة في اللوائح أساسي أيضاً لمنع إقامة حواجز غير جمركية مستقبلاً وتقليص القائم منها.
وثالثاً، في المجالات التنظيمية الناشئة كالذكاء الاصطناعي وتعديل الجينات، يكتسب التعاون الدولي بشأن البيئات التنظيمية التجريبية أهمية. فهذه البيئات تتيح عادة تخفيف الاشتراطات التنظيمية مؤقتاً في بيئة خاضعة للضبط (تنطوي على أمور كتشديد الرقابة الحكومية) لإتاحة التعلم بشأن السياسات، لا سيما في مجال التقنيات الناشئة. ويمكن للمعايير المشتركة بشأن كيفية تصميم هذه البيئات وتطبيقها وتقييمها أن تساعد على مواءمة المعايير واللوائح عبر البلدان.
ترتيب وعاء السباغيتي من المعايير
يبين هذا التقرير أنه رغم أن الزيادة الأخيرة في المعايير الطوعية ومخططات التصديق يمكن أن تكمل التنظيم العام، فإن وعاء السباغيتي الناتج من المخططات المتداخلة قد يخلق الالتباس ويقوض المصداقية ويرفع تكاليف الامتثال، لا سيما على المنشآت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فكثير من المخططات في مجالات كسلامة الأغذية والاستدامة يعمل خارج منظومات البنية التحتية للجودة الرسمية، إذ كثيراً ما تستخدم معايير لم تضعها هيئات معترف بها، وقد لا يعتمد التصديق على الامتثال لهذه المعايير على تقييم مطابقة معتمد، بما يحد من الثقة والاعتراف الدولي.
والاشتراطات التي تفرضها هذه المخططات تحركها مطالب المستهلكين وصناع السياسات في البلدان المرتفعة الدخل أكثر مما تحركها الاحتياجات الإنمائية للبلدان الأدنى دخلاً، فتميل القوة التفاوضية ميلاً شديداً لصالح الأولى. وتحاول مبادرات كالمبادرة العالمية لسلامة الأغذية ومبادئ المصداقية لتحالف ISEAL وبرنامج "عمل أفضل" قياس المخططات الخاصة بمرجعيات الممارسات الجيدة والحد من الازدواج. ومع ذلك، يلزم تعاون متعدد الأطراف أقوى لزيادة مصداقية المخططات الطوعية وقابليتها للتشغيل البيني. وتمثل مبادرة منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لإنشاء آلية عالمية لقياس مخططات التصديق الطوعية بالمرجعيات خطوة أولى واعدة، وإن ظل أثرها غير واضح بعد.
ويمكن لمعايير الاستدامة الطوعية الموثوقة أن تؤدي دوراً تكميلياً مهماً في مساعدة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على تحقيق أهداف سياساتها، لا سيما البلدان التي تكون فيها قدرات الامتثال والإنفاذ العامة محدودة. فكثير من هذه المعايير يتضمن اشتراطات تعكس القوانين الوطنية، كالالتزام بأحكام الحد الأدنى للأجور أو احترام حقوق العمل الأساسية، ويعتمد على مدققين مدربين من طرف ثالث للتحقق من الامتثال. وبذلك توسع نطاق الرقابة العامة وتساعد على سد فجوات التنفيذ حين تواجه الحكومات قيوداً في الموارد أو القدرات المؤسسية. وضمان مصداقية هذه المعايير أمر حاسم، لأنها تُستخدم على نحو متزايد لدعم الأطر التنظيمية الناشئة. فلائحة الاتحاد الأوروبي بشأن المنتجات الخالية من إزالة الغابات مثلاً تعترف بمخططات التصديق الطوعية أدواتٍ للتخفيف من المخاطر يمكن للشركات استخدامها لإثبات بذلها العناية الواجبة في منع إزالة الغابات وضمان الامتثال القانوني لاشتراطات اللائحة. غير أن هذه الشهادات لا تحل محل الالتزامات القانونية للمنشآت ولا تضمن امتثالها.
تجميع مزيد من البيانات والأدلة
كما يبين هذا التقرير، فإن المعايير حاسمة للتنمية وتستحق مزيداً من البحث. ويمكن للمنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية أن تفعل الكثير في جمع مزيد من البيانات والأدلة بشأن المعايير والبنية التحتية للجودة. فمسوح المنشآت مثلاً يمكن أن تجمع مزيداً من المعلومات عن تبني المعايير عبر الصناعات المختلفة وأنواع المنشآت، بما يتيح فهماً أفضل لكيفية تأثير تبني المعايير في إنتاجية المنشآت ونفاذها إلى الأسواق. وعلى نحو مماثل، يمكن جمع مزيد من البيانات عن مؤسسات البنية التحتية للجودة لتحديد نماذجها التي تنجح في ظروف بعينها. وينبغي للبحوث المستقبلية أيضاً أن تستفيد من البيانات الإدارية القائمة لتقييم أثر المعايير قبل تطبيقها وبعده. فلدى الحكومات أصلاً مصادر بيانات غنية، لكنها لا تُستخدم في الغالب بصورة منهجية مصادرَ للمعرفة. ويمكن للاستفادة من البيانات الإدارية أن تساعد على اتخاذ قرارات أفضل بشأن أمثل السبل لاستخدام المعايير أداةً تنظيمية.
مواجهة التحديات العالمية
وضع المعايير والامتثال لها الآن أو مواجهة الأزمات لاحقاً
تكون المعايير الإلزامية مفيدة بوجه خاص حين تكون تكاليف الوقاية أدنى من تكاليف التصحيح، بعد أخذ الامتثال والإنفاذ في الحسبان. واليوم يواجه المجتمع الدولي موجة متصاعدة من المخاطر النظامية التي قد تترتب عليها تكاليف طويلة الأجل كارثية أو غير قابلة للتدارك أو كلاهما. وتشمل هذه المخاطر تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، فضلاً عن الانتشار غير المنضبط للتقنيات التحويلية كالذكاء الاصطناعي وتعديل الجينات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وفي جذور هذه الأضرار ابتكار يسبق الحوكمة، تُحمَّل تكاليفه على المجتمع والطبيعة. فقد حددت صناعة الكيماويات مثلاً نحو 15000 نوع مختلف من المواد البيرفلوروألكيلية والبولي فلوروألكيلية، المعروفة اختصاراً بـPFAS، وهي مواد كيميائية مبتكرة واسعة الانتشار في تطبيقات مقاومة الماء والبقع ومنع الالتصاق (كتلك المستخدمة في تغليف الأغذية وأواني الطهي والعمليات الصناعية). ولأن هذه المواد لا تتحلل طبيعياً، فكثيراً ما تُسمى "المواد الكيميائية الأبدية". وبمجرد وصولها إلى البيئة، يصبح تنظيفها مكلفاً للغاية، فقد عُثر عليها على قمة جبل إيفرست، وفي مجرى دم الحياة البرية، وفي مياه الشرب في بلدان كثيرة. ومع تنامي الوعي بالمخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض لها، كالسرطان وأمراض أخرى، تخوض الجهات التنظيمية ما يشبه لعبة "اضرب الخلد" في محاولة تنظيمها. ففي عام 2024 مثلاً، وضعت وكالة حماية البيئة الأمريكية معايير إلزامية تحد من وجود 6 أنواع فقط من هذه المواد (من أصل 15000) في مياه الشرب. ويمكن التعبير عن السباق بين التكنولوجيا وإدارة مخاطرها بعبارة بسيطة: فبينما تخبرنا التكنولوجيا بما يمكن فعله، تخبرنا المعايير بما ينبغي فعله.
وتتفاعل المخاطر الموصوفة هنا ويضاعف بعضها بعضاً، ولهذا كثيراً ما يصف الخبراء الحالة الراهنة للعالم بأنها "أزمة متعددة الأوجه". فرغم أن من المتوقع أن يعزز الذكاء الاصطناعي الكفاءة في الاقتصادات، فإنه في ظل هيكل الحوافز الحالي سيعزز أيضاً الاستخراج "الكفء" للموارد الطبيعية كالوقود الأحفوري، ويسرع الاستخدام غير المستدام للأراضي والمياه. وستتطلب مراكز البيانات اللازمة للذكاء الاصطناعي كميات هائلة من المياه والطاقة، بما يرهق النظم البيئية الطبيعية ويعيق الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن الذكاء الاصطناعي سيرفع الطلب على الكهرباء في مراكز البيانات إلى نحو 945 تيراواط ساعة سنوياً بحلول عام 2030، وهو ما يعادل تقريباً الاستهلاك السنوي للكهرباء في اليابان. وفي الوقت نفسه، لا تزال الآثار المجتمعية الأعمق للاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي، بما فيها ليس فقدان الوظائف فحسب بل التراجع المعرفي عبر الفئات السكانية أيضاً، تُفهم ببطء.
وفي الماضي، كانت مخاطر تكنولوجية كثيرة محصورة في مناطق جغرافية أو قطاعات بعينها. أما مخاطر اليوم فعالمية ونظامية وسريعة الحركة. ويخلق التنافس الجيوسياسي ما يشبه لعبة "الجبان"، إذ تخشى الحكومات أن يعني الإبطاء خسارة الأفضلية، وإن كان الإسراع قد يقود الجميع إلى الكارثة. وفي الوقت نفسه، يميل توزيع التكاليف والمنافع ميلاً شديداً: فبينما تكون المكاسب خاصة في معظمها ومتركزة لدى قلة من التكتلات التكنولوجية الكبرى، يتحمل المجتمع المخاطر. وتعزز ديناميات استئثار الفائز بالحصة الأكبر هذا الاختلال، فتتيح للمنشآت المهيمنة ترسيخ نفوذها على الأسواق والحوكمة. فشركات التكنولوجيا الكبرى مثلاً تؤثر تأثيراً كبيراً في وضع معايير الذكاء الاصطناعي، كما يبين تقرير حديث عن وضع هذه المعايير في أوروبا.
وهذا التحذير مقصود به أن يكون جرس إنذار للمجتمع الدولي. فبالنسبة للتقنيات التحويلية كالذكاء الاصطناعي، التي تنطوي على مخاطر غير مفهومة جيداً وتتطور أسرع مما تستطيع الأنظمة التنظيمية التكيف معه، من الحكمة اتباع مبدأ الحيطة: إذا كان الضرر الجسيم ممكناً، فلتُتخذ تدابير وقائية حتى لو لم تتوافر بعد أدلة علمية كاملة تؤكد هذه المخاطر. فإذا بدا مثلاً أن ثمة خطراً من أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يسبب لدى الأطفال إدماناً كإدمان القمار أو المخدرات ويشكل مخاطر جسيمة على صحتهم النفسية، فمن المنطقي وضع معايير للسلامة تمنع هذا الضرر، حتى في أثناء انتظار المجتمع مزيداً من البحوث التي تؤكد المخاطر. وعلى نحو مماثل، ينبغي إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مجالات حساسة كالتوظيف أو التعليم أو التشخيص الطبي لاختبار وتصديق إلزاميين لضمان الشفافية والإنصاف والمساءلة، قبل طرحها على مجتمعات بأكملها كأنها تجارب اجتماعية واسعة النطاق. وخلاصة القول، من الحكمة تطبيق المعايير قبل أن يصبح الضرر غير قابل للتدارك.
