الفصل الثالث: بلوغ الإمكانات الكاملة للمعايير من خلال البنية التحتية للجودة
الرسائل الرئيسية
تحقق المعايير إمكاناتها بمساعدة البنية التحتية للجودة، وهي منظومة من المنظمات والسياسات العامة والخاصة التي تقدم خدمات مثل علم القياس والاختبار والتفتيش ومنح الشهادات والاعتماد ومراقبة الأسواق والتوحيد القياسي ذاته. وهذه المنظومة هي التي تحول المعايير من وثائق مكتوبة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
تؤدي البنية التحتية للجودة دوراً مزدوجاً، فهي ركيزة للمعايير الطوعية التي تحافظ على الأسواق التنافسية، وهي تتيح تحقيق طائفة من الأهداف التنظيمية، بدعم الامتثال للمعايير الإلزامية وإنفاذها مثلاً.
عناصر البنية التحتية للجودة وممارساتها الجيدة عالمية، وتمتد إلى ما وراء الصناعة لتشمل مجالات كالصحة والتعليم والسلامة والبيئة.
يجب أن يصاحب الانتقال إلى معايير أعلى جهودٌ واستثمارات في البنية التحتية للجودة، فهي شرط مسبق للثقة والجودة والاندماج الدولي.
كثيراً ما تواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل معضلة في ما يتعلق بالبنية التحتية للجودة: فضعف الطلب على الجودة يقلل حافزها للاستثمار في هذه البنية، ومن دونها لا يمكن أن ينشأ طلب أكبر.
يجب على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تبني البنية التحتية للجودة خطوة بخطوة، مكيفة أدوار المؤسسات العامة والخاصة مع نمو القدرات. فعليها أولاً أن ترسي أساسيات البنية التحتية للجودة، وأن تستخدم المؤسسات العامة لتقديم خدمات ضمان الجودة كالاختبار والتفتيش في المجالات العالية المخاطر. ثم عليها أن توسع نطاق التغطية وتجتذب مقدمي الخدمات من القطاع الخاص. وأخيراً، وبمرور الوقت، عليها أن توازن بين مناهجها بزيادة التعاون مع القطاع الخاص لتقديم تقييمات الامتثال لمعايير البنية التحتية للجودة على نطاق واسع، فيتحول دور الحكومة إلى دور "الحَكَم".
البنية التحتية للجودة: منظومة عامة وخاصة لضمان الجودة والثقة
تعتمد كثير من منافع المعايير التي وصفها الفصل الثاني على امتثال جرى التحقق منه. فلننظر في شركة بناء تحتاج إلى التأكد من أن الصلب الذي تستخدمه قد اختُبر اختباراً شاملاً لاستيفاء مواصفات المتانة المطلوبة، أو في أم تريد أن يستوفي طعام رضيعها معايير سلامة صارمة، وتعتمد على منظمة موثوقة للتحقق من سلامة الطعام الذي تقدمه لطفلها، أو في صاحب عمل يستطيع التأكد من مؤهلات المتقدمين للوظائف باشتراط تقديم شهادة من مدرسة معترف بها أو برنامج معتمد. ففي كل حالة من هذه الحالات، لا يضمن المعيار ذاته الجودة ولا يتيح الثقة، بل يجب أن يكون جزءاً من منظومة أوسع تتحقق من المطابقة للمعيار وترصدها وتضمنها. وتعرف هذه المنظومة بالبنية التحتية للجودة.
وتنطوي البنية التحتية للجودة على شبكة من المنظمات والسياسات العامة والخاصة التي تدعم جودة السلع والخدمات والعمليات وسلامتها واستدامتها البيئية. ومعظم الناس يعرفون علامات الجودة أو الملصقات على المنتجات، لكن قليلين يفهمون المنظومة المعقدة من مختبرات الاختبار والمفتشين وعمليات القياس التي تصون المعايير وتؤسس منظومة البنية التحتية للجودة. ورغم أنها تسمى "بنية تحتية"، فلا ينبغي الخلط بينها وبين المنشآت المادية كالطرق والجسور والمطارات، بل إنها تمثل العمود الفقري للجودة والسلامة وأساسهما، بما في ذلك الإطار المؤسسي وترتيبات الحوكمة والمرافق الفنية اللازمة لضمان الجودة.
المكونات الأساسية الأربعة للبنية التحتية للجودة التي تقوم عليها المعايير الطوعية والإلزامية
تخدم البنية التحتية للجودة غرضاً مزدوجاً، فهي تدعم التطبيق المتسق للمعايير الطوعية، وتضمن الإنفاذ الفعال إذا ما أصبحت المعايير إلزامية ضمن التنظيم الحكومي. وفي الحالتين تعتمد منظومة البنية التحتية للجودة على أربعة مكونات أساسية:
أولاً، التوحيد القياسي: فالمعايير لا تحدد المواصفات الفنية الواجب استيفاؤها فحسب، بل تحدد أيضاً أساليب الاختبار والمصطلحات وجوانب أخرى، ولذلك فهي حاضرة في جميع أرجاء منظومة البنية التحتية للجودة.
ثانياً، تقييم المطابقة: ينطوي تقييم المطابقة على تقدير ما إذا كانت الاشتراطات المحددة لمنتج أو عملية أو نظام أو شخص أو منظمة قد استوفيت. ويشمل أنشطة مثل الاختبار (قياس خصائص المنتج أو تقييمها)، والتفتيش (فحص منتج أو عملية)، والمصادقة والتحقق (تأكيد معقولية ادعاء ما أو صحته بحسب الحالة)، ومنح الشهادات (تأكيد استيفاء منتج أو خدمة أو نظام لاشتراطات محددة). ويمكن للجهات التي تصنع المنتجات أو تقدم الخدمات أن تقيّم المطابقة بنفسها، عبر مختبرات داخلية لمراقبة الجودة مثلاً (تقييم الطرف الأول أو الإقرار الذاتي بالمطابقة)، كما يمكن لأطراف ثانية كالمشترين إجراء هذا التقييم، أو لأطراف ثالثة كهيئات تقييم المطابقة المستقلة إجراء التقييم ومنح الشهادات اللازمة. وتتولى هيئات القطاع الخاص، لا الحكومات، معظم أعمال تقييم المطابقة حول العالم.
ثالثاً، الاعتماد: الاعتماد، أي عملية "التحقق ممن يتحققون"، هو الإقرار الرسمي بأن هيئة تقييم المطابقة تتمتع بالكفاءة الفنية لأداء مهامها، ومن ثم فهو يضمن الثقة في الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات.
رابعاً، علم القياس: علم القياس هو علم القياس وتطبيقاته، ويشمل تحديد وحدات قياس مقبولة دولياً، وتحقيق هذه الوحدات بالوسائل العلمية، وإثبات إمكانية تتبع القياسات بين العلم والممارسة. ومن خدمات علم القياس المهمة المعايرة، التي تنطوي على ضبط دقة أدوات القياس والتحقق منها.
وفي المجالات المنظمة، كما في حالة المعايير الإلزامية، ينطبق عنصر خامس من عناصر منظومة البنية التحتية للجودة:
خامساً، مراقبة الأسواق: تشير مراقبة الأسواق إلى الأنشطة التي تضطلع بها السلطات العامة لضمان امتثال المنتجات المتاحة في السوق للتشريعات السارية. وهدفها الأساسي حماية المستهلكين والصحة العامة والبيئة بتحديد المنتجات غير الممتثلة أو غير الآمنة ومعالجتها. ومراقبة الأسواق طبقة رقابية مكملة إلى جانب تقييم المطابقة والاعتماد.
وتعمل عناصر البنية التحتية للجودة معاً بوصفها منظومة مترابطة. فالمعايير لا تحدد المعايير التي يجب أن يطابقها المنتج أو الخدمة فحسب، بل ترسي أيضاً أساليب مناسبة لتقييم المطابقة، الذي يثبت بدوره استيفاء هذه الاشتراطات. فمعيار الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 17025 مثلاً يحدد معايير الكفاءة الفنية وإدارة الجودة التي يجب أن تستوفيها مختبرات الاختبار والمعايرة. ويمثل علم القياس بدوره ركيزة للمعايير وتقييم المطابقة على حد سواء بضمان قياسات دقيقة وقابلة للتتبع. فمختبر سلامة الغذاء الذي يختبر الحليب للكشف عن التلوث بالأفلاتوكسين مثلاً يجب أن يعاير أدواته باستخدام مواد مرجعية يمكن تتبعها إلى معايير القياس الوطنية لهذا النوع من التلوث. وبدون هذه السلسلة المتصلة من المعايير إلى الاعتماد إلى القياس القابل للتتبع، ستكون ثقة السوق والامتثال أمراً مستحيلاً.
تقاطع البنية التحتية للجودة مع مجالات السياسات المختلفة
لا تملك معظم البلدان منظومة واحدة متماسكة للبنية التحتية للجودة، بل مجموعة متنوعة من المؤسسات العامة والخاصة تضطلع بوظيفة واحدة أو أكثر من الوظائف الخمس لهذه المنظومة. ورغم أن الوظائف الأساسية للبنية التحتية للجودة واحدة في المعايير الطوعية والإلزامية، فقد تختلف الجهات المشاركة في أداء الوظائف اللازمة. فسلطة العمل مثلاً تستعين بمفتشي المصانع لرصد الامتثال لقوانين العمل، وهو نوع من تقييم المطابقة. والجامعة يجب عادة أن تحصل على اعتماد من وزارة التعليم العالي في البلد أو من مؤسسة أخرى قبل أن يُسمح لها بإصدار الشهادات الجامعية. ومجموعة صناعية قد تضع معياراً طوعياً خاصاً بها للاستدامة وتمنح الشهادات بشأنه لتلبية احتياجات شريحة معينة من العملاء.
ونتيجة لذلك تتداخل البنية التحتية للجودة وتتفاعل مع مجالات سياسات كثيرة أخرى، منها حماية المستهلك والتجارة والمنافسة والصحة والتعليم والرقمنة والبيئة. ولذلك تختلف تعريفات البلدان لما يُعد جزءاً من البنية التحتية للجودة، فبعضها يعد حقوق الملكية الفكرية أو مسؤولية المنتجات أو الجمارك جزءاً منها، في حين لا تعدها بلدان أخرى كذلك.
تحدي القدرة على الامتثال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل
كما يبين الفصل الثاني، يجب أن يقابل زيادةَ الطموح في المعايير قدرةٌ أقوى على تحقيق الامتثال لهذه المعايير الأكثر طموحاً وتقييمه. والبنية التحتية للجودة مفتاح توسيع هذه القدرة. فلا تستطيع المنشآت إثبات المطابقة وبناء الثقة مع المشترين والنفاذ إلى الأسواق المنظمة أو الحريصة على الجودة إلا إذا توافرت خدمات الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات وغيرها من الخدمات الملائمة. وعلى نحو مماثل، لا يمكن للحكومات أن تكون فعالة إلا إذا كانت قادرة على إنفاذ الامتثال للمعايير المشار إليها في التشريعات. ورغم أن البنية التحتية للجودة كثيراً ما تقترن بالصناعة التحويلية، فإن هذا التقرير يؤكد دورها بوصفها منظومة عالمية تنطبق وظائفها في مجالات كثيرة. وفهم كيفية تفاعل الوظائف المتمايزة للبنية التحتية للجودة، والأدوار الملائمة للقطاعين العام والخاص، وكيفية تطوير هذه الوظائف وتطبيقها، والمزالق التي ينبغي تجنبها، أمر وثيق الصلة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لكنه صعب أيضاً، إذ تواجه هذه البلدان ثلاثة تحديات رئيسية كبيرة على الأقل نتناولها في ما يلي.
تزايد الطلب على البنية التحتية للجودة
يتزايد الطلب على الجودة عالمياً ومحلياً، في حين لا تزال البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تواجه قيوداً كبيرة على مواردها وقدرتها على تقييم الجودة. فأنظمة البنية التحتية للجودة اليوم لا يجب أن تدعم التقنيات المتقدمة فحسب، بل أن تستجيب أيضاً لمجموعة أكثر تشرذماً من المعايير ولاشتراطات أكثر صرامة من المشترين والجهات التنظيمية. فدور الأزياء العالمية مثلاً تشترط على مورديها الالتزام بمعايير صارمة لدقة ألوان الأقمشة، ويعتمد اختبار امتثال صادرات الملابس لهذه المعايير على معدات قياس دقيقة لمعايرة الأدوات بما يحقق درجة الدقة التي تتطلبها مواصفات الألوان الصارمة هذه. وبلد أدنى دخلاً مثل إثيوبيا ينتج الملابس للتصدير في سوق اليوم يتعين عليه أن يتعامل مع المتطلبات المعقدة لهذا النوع من الاختبار. أما البلدان الأعلى دخلاً فقد بنت أنظمتها خلال حقب التحديث الصناعي والمراحل الأولى من الاندماج التجاري، ولم يكن عليها أن تتعامل مع مثل هذه المتطلبات. فضلاً عن ذلك، ورثت بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل مؤسسات البنية التحتية للجودة من الإرث الاستعماري، وكثيراً ما ركزت على إحلال الواردات، وهو ما أثر في أولويات بنيتها التحتية للجودة، فأفضى مثلاً إلى التركيز على تفتيش الواردات. وإلى جانب هذه الجوانب الضيقة لجودة المنتجات، يحول المشترون والمستهلكون اهتمامهم أكثر فأكثر إلى طريقة إنتاج المنتجات والخدمات، بما في ذلك الجوانب الاجتماعية والبيئية. ولذلك يحتاجون إلى الثقة بادعاءات الموردين بشأن الأداء المتعلق بالاستدامة، والبنية التحتية للجودة حيوية لتوفير هذه الثقة أيضاً.
تكاليف الاستثمار في البنية التحتية للجودة
ينطوي تطوير منظومة للبنية التحتية للجودة على استثمارات عامة وخاصة كبيرة، إذ يتطلب معدات متخصصة لمختبرات الاختبار، وموظفين مهرة كالمدققين والمفتشين. كما يجب أن يتوافر ضمان الجودة ويمارس في أرجاء البلد، بما يزيد تكاليف البنية التحتية اللازمة وتعقيدها، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فضلاً عن ذلك، تعتمد البنية التحتية للجودة الجيدة الأداء على التعاون الدولي، الذي قد يكون مكلفاً من حيث المال والوقت والموارد، كالمشاركة في تقييمات النظراء المرتبطة بالترتيبات المتعددة الأطراف للاعتراف بتقييم المطابقة. وثمة أيضاً أدلة على أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قد تواجه تكاليف امتثال أعلى مما تواجهه البلدان المرتفعة الدخل.
فهم التكاليف المرتفعة للامتثال للمعايير في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل
من التحديات التي تواجهها المنشآت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تكلفة الامتثال للمعايير، لا سيما حين تسعى هذه المنشآت إلى النفاذ إلى أسواق التصدير. وتؤثر تكاليف الامتثال على نحو غير متناسب في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لأن النفقات الثابتة تمثل حصة أكبر من إجمالي تكاليفها. فصغار ومتوسطو مصنعي الأدوات الجراحية في باكستان مثلاً يفيدون بأن تكاليف الامتثال للائحة الأجهزة الطبية في الاتحاد الأوروبي قد تصل إلى 200000 يورو في السنة الأولى من الامتثال، و30000 يورو في السنوات اللاحقة. وقد تكون هذه التكاليف مرتفعة جداً بالنسبة للمنشآت الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد موظفيها عادة 20 موظفاً، ويتراوح متوسط مبيعاتها السنوية بين 20000 و300000 يورو. وعلى نحو مماثل، قد تتراوح نفقات التدقيق لمعيار الاستدامة الطوعي "غلوبال جي إيه بي" بالنسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في شرق أفريقيا العاملة في قطاعات البن والكاكاو والبستنة بين 2000 و15000 دولار أمريكي. فضلاً عن ذلك، قد يبلغ متوسط تكاليف تحديث عمليات الإنتاج للامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية أكثر من 12000 دولار أمريكي للمنشأة الواحدة، وهي نفقات كبيرة بالنسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في شرق أفريقيا.
ومن منظور المنشأة، للامتثال تكلفتان رئيسيتان: الارتقاء بالجودة لاستيفاء المعايير المنطبقة، وإثبات الامتثال عبر تقييم المطابقة. فخلال الارتقاء بالجودة، تتكبد المنشآت تكاليف تتعلق بالخدمات الاستشارية، ووقت الموظفين الداخليين، والتدريب، والاستثمارات المحتملة في المعدات أو البنية التحتية أو تحديث العمليات. وقد تحتاج أيضاً إلى شراء المعايير ذات الصلة، ومعالجة أي فجوات بين تلك المعايير وممارساتها ومخرجاتها عبر إجراءات تصحيحية. وتتفاوت التكاليف المرتبطة بذلك تفاوتاً كبيراً بحسب نوع النشاط ونوع المعيار ونوع المنشأة. أما التكاليف المرتبطة بتقييم المطابقة فتشمل التكاليف المباشرة لخدمات الطرف الثالث، كوقت المدقق (وربما سفره)، وتكاليف الاختبار أو التفتيش، وأحياناً رسوم الترخيص أو العضوية. كما قد تطيل الأنشطة المتعلقة بتقييم المطابقة الفترة اللازمة لوصول المنتجات إلى السوق، وهو ما يمثل تكلفة غير مباشرة إضافية. وبصرف النظر عن التكاليف الأولية، يجب الحفاظ على المطابقة عبر تدقيقات المراقبة وإعادة منح الشهادات واستمرار دفع رسوم الترخيص.
وتبعاً للمنشأة والصناعة، قد يكون الجزء الأكبر من تكاليف امتثال المنشأة مخصصاً إما للارتقاء بالجودة وإما لتقييم المطابقة. فإذا كانت مزرعة ما تنتج بالفعل إنتاجاً عضوياً مثلاً، فقد تكون غالبية التكاليف المرتبطة بالحصول على شهادة الزراعة العضوية هي تكاليف الحصول على الشهادة ذاتها. أما إذا كانت منشأة ما تحتاج أولاً إلى الاستثمار في محطة لمعالجة مياه الصرف ودفع أجور أعلى لعمالها لتحصل على شهادة بأنها شركة مستدامة، فقد تكون هذه التكاليف أكبر من تكاليف الشهادة الفعلية. وكثيراً ما تضيف التدقيقات المتكررة لعدة مخططات للشهادات، متداخلة في الغالب، إلى هذه التكاليف. ولذلك، ورغم أن الشهادات قد تتيح النفاذ إلى عملاء ذوي قيمة عالية، فقد تجدها منشآت كثيرة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مكلفة.
ورغم عدم توافر بيانات تتيح المقارنة المنهجية بين تكاليف الامتثال وتقييم المطابقة في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فثمة بعض الأدلة على أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قد تواجه تكاليف امتثال أعلى. والأهم أن بلداناً كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل تفتقر إلى الحجم، بما يعني توافر عدد أقل من هيئات تقييم المطابقة أو انخفاض معدلات استغلال الطاقة. فضلاً عن ذلك، ورغم أن تكاليف التوظيف قد تكون أدنى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل منها في نظيراتها المرتفعة الدخل، فإن معدات المختبرات والمواد الاستهلاكية تكون عادة أغلى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بسبب الاعتماد على الاستيراد وارتفاع تكاليف رأس المال. كما تفتقر هذه البلدان في الغالب إلى المدققين والمقيّمين اللازمين، بما يعني أن الخبراء الدوليين كثيراً ما يضطرون إلى السفر من الخارج لإجراء التدقيقات والتقييمات. ولا يقتصر أثر ذلك على زيادة تكاليف التوظيف، بل يضيف أيضاً نفقات السفر وربما تكاليف الاستعانة بالمترجمين الفوريين. وإذا كان لا بد من اختبار العينات في الخارج، تتكبد المنشآت في هذه البلدان تكاليف الشحن المرتبطة بذلك. ولأن مالكي مخططات الشهادات يقيمون في الغالب في البلدان المرتفعة الدخل، فقد تواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل رسوم ترخيص وعضوية أعلى. فضلاً عن ذلك، وبسبب محدودية الاعتراف الدولي وضعف سمعة هيئات تقييم المطابقة المحلية، كثيراً ما تواجه هذه البلدان عبئاً إضافياً يتمثل في تكرار الاختبار ومنح الشهادات لاستيفاء اشتراطات الأسواق الأجنبية.
اقتصاد سياسي عسير
كثيراً ما تواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل اقتصاداً سياسياً معقداً حين تسعى إلى تعزيز قدرتها على الامتثال. أولاً، قد يكون للإنفاذ الأكثر صرامة للوائح كالمعايير الإلزامية، رغم ما قد ينطوي عليه من زيادة في السلامة والرفاه العام، آثار توزيعية متفاوتة. فالإنفاذ الصارم قد يضر بالمنشآت الأصغر التي تواجه تكاليف امتثال أعلى نسبياً، بل قد يدفع المنشآت الرسمية إلى الخروج من القطاع الرسمي للتهرب من تكاليف الامتثال. ثانياً، قد يفتح الاعتماد على المفتشين وخدمات الاختبار الحكومية فرصاً للسعي إلى الريع والفساد، لا سيما في السياقات التي تكون فيها الحوكمة ضعيفة. ثالثاً، في غياب قاعدة صناعية واسعة وعمليات حوكمة متينة، قد تستحوذ قلة من المنشآت المهيمنة على العملية التنظيمية، فتشكل المعايير وإجراءات الامتثال بما يخدم مصالحها. رابعاً، يتيح الاستثمار في البنية التحتية للجودة مزايا طويلة الأجل، لكن هذه المزايا قد لا تتسق مع الأهداف السياسية القصيرة الأجل لصناع السياسات، بما يجعل هذا الاستثمار أقل جاذبية. وأخيراً، يتوقف قرار استخدام المعايير الطوعية أو وضع معايير إلزامية على تفضيلات صناع السياسات وأهداف السياسات في البلد.
منافع البنية التحتية للجودة للقدرة التنافسية والسياسة العامة
يمكن استخدام البنية التحتية للجودة بطرق متعددة، بنتائج إيجابية أو سلبية تبعاً لكيفية تطبيقها على المجتمع والأسواق والمنشآت والحكومة. فالمعايير وإجراءات الاختبار المنسقة دولياً مثلاً يمكن أن تيسر التجارة، في حين تنطوي الانحرافات الوطنية عن هذه المعايير والإجراءات على خطر خلق عوائق فنية أمام التجارة. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما ينطوي تطبيق البنية التحتية للجودة لتحقيق أهداف مختلفة على مفاضلات. فالاختبار ومنح الشهادات الإلزاميان قد يعززان السلامة، لكنهما قد يرفعان أيضاً تكاليف الامتثال لمعايير السلامة، وكثيراً ما يثقلان كاهل المنشآت الصغيرة والمتوسطة على نحو غير متناسب. ويمكن لملصقات المنتجات أن تساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات مستنيرة، لكن الوسم غير المتسق أو المضلل قد يخلق الارتباك وعدم الكفاءة بل الاحتيال.
وتقدم البنية التحتية للجودة منافعها أساساً بتمكين المعايير من أداء وظيفتها بفاعلية. فتقييم المطابقة يؤكد استيفاء اشتراطات المعيار، وعلم القياس يوفر قياسات دقيقة لتقييم المطابقة وللمعايير، والاعتماد يضمن ألا يجري تقييم المطابقة إلا هيئات مؤهلة لذلك. وبهذا المعنى، يعكس تقييم المطابقة وعلم القياس والاعتماد آثار المعايير ذاتها ويعززها. وفي الوقت نفسه، يمكن للبنية التحتية للجودة أن تقدم منافع محددة للمنشآت والأسواق والحكومات والمجتمع.
المنشآت: الاختبار والتفتيش ضروريان لا لإثبات المطابقة فحسب، بل للتعلم أيضاً. فكثير من الشركات تملك مختبرات داخلية لمراقبة الجودة والبحث والتطوير، بما يعزز الإنتاجية ويحفز الابتكار ويقلل المخاطر. فالاختبار الداخلي مثلاً يساعد على منع أعطال المنتجات وسحبها من الأسواق والإضرار بسمعة الشركة. غير أن المختبرات، حتى حين تكون داخلية، تعتمد على خدمات الاعتماد وعلم القياس لتعمل على النحو الصحيح.
الأسواق: على مستوى السوق، يمكن للبنية التحتية للجودة أن تخفض تكاليف المعاملات. فإذا وثق المشترون بدقة الاختبارات التي يجريها مورّدوهم أو تُجرى نيابة عنهم وبموثوقيتها، فلن يحتاجوا إلى التدقيق في المنتجات التي يشترونها بالقدر الذي كانوا سيحتاجون إليه لولا ذلك، بما يبسط المعاملات. وتعتمد وفورات الحجم والتوافق على قياسات دقيقة ومتسقة عالمياً يضمنها علم القياس. والامتثال المحقق للمعايير المطلوبة للنفاذ إلى الأسواق الدولية يفتح فرصاً اقتصادية عبر التجارة.
الحكومات: يمكن للبنية التحتية للجودة أن تجعل الإنفاذ التنظيمي أكثر فاعلية وكفاءة. فالاعتماد على المعايير القائمة على السوق وعلى شهادات الأطراف الثالثة الخاصة يمكن أن يخفف العبء المالي للرقابة التنظيمية، فيقلل الحاجة إلى تمويل عام كبير لتشغيل المختبرات الحكومية وأجهزة التفتيش أو يلغيها. ففي الاتحاد الأوروبي مثلاً، تعتمد التوقيعات الإلكترونية المستخدمة في المعاملات الرقمية على "سلسلة ثقة" من مقدمي خدمات الثقة المعتمدين، الذين تدققهم هيئات تقييم مطابقة معتمدة، بما يضمن استيفاءهم الاشتراطات الفنية والأمنية المحددة في لوائح الاتحاد الأوروبي. وبدون هذه المنظومة، ستفتقر التوقيعات الإلكترونية إلى اليقين القانوني اللازم للتجارة الإلكترونية الآمنة والخدمات الحكومية. كما يمكن للحكومات أن تستخدم البنية التحتية للجودة لتحسين كفاءة عملياتها، بإدراج المعايير واشتراطات تقييم المطابقة في عمليات المشتريات العامة أو إعداد الموازنات مثلاً.
المجتمع: تساعد البنية التحتية للجودة على بناء ثقة المجتمع في الأسواق بضمان سلامة المنتجات ودعم أهداف أخرى للسياسة العامة كالصحة العامة وحماية البيئة.
"معيار واحد، اختبار واحد، مقبول في كل مكان"
من المنافع المحورية للبنية التحتية للجودة الجيدة الأداء أنها تعزز التكامل الإقليمي والدولي. فأنظمة تقييم المطابقة القائمة على المعايير والأدلة الدولية تمهد الطريق للاعتراف المتبادل. ويمكن الاعتراف بنتائج الاختبار عبر الحدود إذا كانت المختبرات معتمدة من هيئات موقعة على الترتيبات الدولية للاعتراف المتبادل في مجال الاعتماد. وتعتمد هذه الترتيبات على بناء الثقة عبر تقييمات النظراء الدولية، التي تراجع فيها هيئات الاعتماد ممارسات بعضها بعضاً وفق الاشتراطات التي تحددها معايير مقبولة دولياً، كمعيار الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 17011. وما إن يعتمد أحد الموقعين المعترف بهم على هذه الاتفاقات هيئةً لتقييم المطابقة، حتى يقبل الموقعون الآخرون نتائجها، بما يقلل الحاجة إلى تكرار الاختبار ومنح الشهادات. وعلى نحو مماثل، يضمن علم القياس الانتشار الدولي لمعايير القياس والوحدات العلمية، التي لولاها لاستحالت التجارة والعلم.
وتتوقف منافع البنية التحتية للجودة على السياسات التكميلية. فمعايير سلامة المنتجات ضرورية لحماية المستهلك، لكن سياسات أخرى، كتلك المتعلقة بتسوية نزاعات المستهلكين أو مسؤولية المنتجات، قد لا تقل عنها أهمية. ففي كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، قد يمثل النظام القانوني غير المتطور اختناقاً يحول دون أن تحقق البنية التحتية للجودة الإنفاذ التنظيمي. وعلى نحو مماثل، يمكن للبنية التحتية للجودة أن تيسر التجارة، لكنها تعتمد أيضاً على السياق الأوسع للسياسة التجارية والخدمات اللوجستية وبيئة الأعمال. فجمهورية كوريا مثلاً طورت قدرات بنيتها التحتية للجودة بسرعة، وأسهم ذلك في نجاحاتها الاقتصادية، لكن يصعب تقييم مدى إمكانية فصل جهودها في هذا المجال عن سياسات أخرى كتلك المتعلقة بالتجارة والابتكار والاستثمار.
الأدلة التجريبية على البنية التحتية للجودة
الأدلة التجريبية على أثر البنية التحتية للجودة شحيحة وحديثة العهد. فقد وجدت مراجعة للأدبيات أجراها بليند وزملاؤه عام 2025 أن عدد المقالات المنشورة بين عامي 1998 و2023 التي تركز على البنية التحتية للجودة لا يتجاوز 132 مقالاً، نُشر أكثر من نصفها عام 2020 أو بعده. وقليل من هذه المقالات طبق أساليب تجريبية متينة، ومعظمها دراسات حالة نوعية أو أوصاف للأنظمة. ويعكس محدودية هذا الرصيد من الأدلة جزئياً حقيقة أن البنية التحتية للجودة لم تبرز مفهوماً متماسكاً إلا مؤخراً.
ومعظم الأدلة التجريبية المتاحة تتعلق بمكونات منفردة من البنية التحتية للجودة، وهو ما يقلل من تقدير منافع تفاعلها وأوجه التآزر بينها. ومن بين هذه المكونات، حظيت المعايير وتقييم المطابقة بالقدر الأكبر من البحث. ولأن الأدلة التجريبية المتعلقة بالمعايير تُناقش في مواضع مختلفة من هذا التقرير، يركز التحليل التالي على المكونات الأخرى للبنية التحتية للجودة.
تقييم المطابقة: ثمة رصيد كبير من البحوث بشأن آثار تقييم المطابقة على مستوى المنظمات، لكن معظمها يتعلق بالبلدان المرتفعة الدخل واقتصادات الأسواق الناشئة الكبيرة. وفي الوقت نفسه، كثيراً ما يصعب التمييز بين أثر تطبيق المعيار (المعرفة) وأثر منح الشهادة (الإشارة). فضلاً عن ذلك، كثيراً ما لا يكون للشهادات سوى آثار اقتصادية غير مباشرة. فالمنشآت الألمانية مثلاً تطبق معيار الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 27001 بشأن أمن المعلومات أساساً لمنع اختراقات البيانات، بما يعني أن المنافع المالية تتمثل أساساً في تجنب تكاليف حوادث أمنية مستقبلية.
وقد ركزت معظم البحوث القائمة على منح الشهادات لأنظمة الإدارة، كتلك الخاصة بالجودة (الأيزو 9001) أو البيئة (الأيزو 14001). ورغم تباين الأدلة بشأن أثر شهادة الأيزو 9001 في أداء المنشآت، ثمة أدلة على أن لهذه الشهادة أثراً إيجابياً في إيرادات المنشآت. وفي الوقت نفسه، للأيزو 9001 آثار دقيقة في الابتكار، إذ تشير بعض الأدلة إلى أن أهميته أكبر للابتكار التدريجي منها للابتكار الجذري. أما الأيزو 14001 فآثاره الإيجابية في الأداء البيئي موثقة توثيقاً جيداً، ووجدت عدة دراسات أيضاً آثاراً اقتصادية إيجابية له. غير أن الدراسات، كما أشرنا آنفاً، لا تستطيع عموماً التمييز بين أثر تبني المعيار، كتطبيق نظام للإدارة البيئية مثلاً، والأثر الإشاري لشهادة استيفائه. ولم تحظَ الآثار الاقتصادية الكلية لتقييم المطابقة ببحث كافٍ، وعادة ما تستخدم الدراسات مؤشرات تقريبية مثل عدد شهادات أنظمة إدارة الجودة الصادرة في بلد ما، وهي مجموعة فرعية صغيرة من مجمل أنشطة تقييم المطابقة فيه.
الاعتماد: لم تقيّم الأثر الاقتصادي للاعتماد سوى دراسات قليلة، وقد اعتُبر في الغالب أثراً غير مباشر يعمل عبر تعزيز مصداقية تقييم المطابقة. فالبلدان التي تحظى بعدد أكبر من شهادات الأيزو 9001 لا تتاجر أكثر فحسب، بما يتسق مع الأدبيات، بل يزداد ذلك أكثر إذا كان البلد موقعاً على الاتفاقات الدولية المتعلقة بالاعتماد، التي تعزز مصداقية نتائج تقييم المطابقة والاعتراف المتبادل بها. وينطبق هذا الأثر الإيجابي في التجارة بوجه خاص على نفاذ البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى أسواق البلدان المرتفعة الدخل. كما تبينت آثار اقتصادية إيجابية مماثلة لاتفاقات الاعتراف المتبادل في مجال تقييم المطابقة داخل أوروبا.
علم القياس: لأن آثار علم القياس في تقييم المطابقة غير مباشرة على نحو خاص، تظل الأدلة التجريبية على آثاره شحيحة، وكثيراً ما تقتصر على النماذج النظرية. وفي واحدة من الدراسات الاقتصادية القياسية القليلة، وجد لينك عام 2023 أن عدد اختبارات المعايرة في الولايات المتحدة كان مرتبطاً بالإنتاجية الكلية. وعلى نحو مماثل، وجد تشودري وزملاؤه عام 2013 أن أنشطة القياس مهمة في تحديد حجم التجارة الثنائية داخل الصناعة الواحدة في الاتحاد الأوروبي.
تقييم أداء البنية التحتية للجودة باستخدام المؤشرات
تقيس عدة مؤشرات مستوى البنية التحتية للجودة على مستوى البلدان. فالمؤشر العالمي للبنية التحتية للجودة مثلاً مؤشر مركب يستند إلى بيانات متاحة للعموم، مثل عدد هيئات تقييم المطابقة المعتمدة في البلد، وعدد شهادات قدرات المعايرة والقياس، وعدد شهادات أنظمة الإدارة الصادرة، والعضوية ومستوى المشاركة في المؤسسات الدولية المعنية بالبنية التحتية للجودة.
مؤشرات تقارن بين أنظمة البنية التحتية للجودة في البلدان
تسعى عدة مؤشرات إلى مقارنة أداء البنية التحتية للجودة في بلد ما بأدائها في بلدان أخرى في المنطقة نفسها أو في العالم.
فالمؤشر العالمي للبنية التحتية للجودة قاعدة بيانات ونظام تصنيف شاملان يقيّمان حالة تطور البنية التحتية للجودة ويقارنانها في 185 بلداً حول العالم. وقد طورته شركتان استشاريتان هما "ميزوبارتنر" و"أناليتيكار"، ويستند إلى بيانات متاحة للعموم تغطي المكونات الرئيسية للبنية التحتية للجودة كالتوحيد القياسي والاعتماد وعلم القياس، فضلاً عن الاعتراف الدولي المتصل بها. ويعتمد على بيانات متاحة للعموم، مثل ما إذا كان البلد عضواً في المنظمات الدولية المعنية بالبنية التحتية للجودة كالمنظمة الدولية للتوحيد القياسي واللجنة الكهروتقنية الدولية والمكتب الدولي للأوزان والمقاييس، وعدد شهادات أنظمة الإدارة الصادرة عن الأيزو في البلد، ونطاق الاعتماد في البلد، وعدد هيئات تقييم المطابقة المعتمدة فيه.
ومن قيود هذا المؤشر أن بعض مكوناته هي ذاتها نتائج لمنظومة البنية التحتية للجودة، كعدد الشهادات الصادرة، لا مقاييس للقدرات، وهو ما يجعل فصل الآثار المحددة للبنية التحتية للجودة عن عوامل أخرى تشكل النتائج أيضاً، كطلب السوق، أكثر صعوبة. فضلاً عن ذلك، لا يستطيع المؤشر مراعاة آثار التفاعل بين الوظائف المختلفة للبنية التحتية للجودة. ولمعالجة بعض أوجه القصور هذه، تخضع منهجية المؤشر حالياً للتحسين.
ويقيّم مؤشر البنية التحتية للجودة من أجل التنمية المستدامة مدى جاهزية البنية التحتية للجودة في البلد لدعم أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وقد طورته منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية بالشراكة مع الشبكة الدولية للبنية التحتية للجودة، ويقدم بيانات مؤشرات ودرجات لأبعاد مختلفة من البنية التحتية للجودة، فضلاً عن درجة إجمالية. كما يحصل كل بلد على درجة لثلاث ركائز هي الناس والكوكب والازدهار، تعكس حالة البنية التحتية للجودة في ما يتعلق بالعوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وبعض البيانات الأساسية التي يعتمد عليها هي نفسها المستخدمة في مكونات المؤشر العالمي، كوضع العضوية، وعدد الهيئات المعتمدة، وعدد الشهادات الصادرة، ونطاق الاعتماد، وقدرات علم القياس. فضلاً عن ذلك، يتضمن هذا المؤشر بعداً خاصاً بسياسة الجودة يستند إلى مسح أجرته المنظمة بالتعاون مع الأيزو. ولأن درجات المؤشرين مترابطة، تتحاور المؤسستان المسؤولتان عنهما بشأن ابتكار مؤشر متكامل للبنية التحتية للجودة.
ويتتبع مؤشر البنية التحتية للجودة لعموم أفريقيا تطور البنية التحتية للجودة في البلدان الأفريقية، مصنفاً أنظمة البنية التحتية للجودة في البلدان في خمسة مستويات، من المتطورة جيداً إلى المحدودة جداً. ويتمحور حول أعضاء الاتحاد الأفريقي، ويعمل منصةً للتبادل بين المؤسسات المعنية بالبنية التحتية للجودة في البلدان الأعضاء. وقد صدرت منه أربع طبعات (2014 و2017 و2020 و2023).
وتميل البلدان ذات المستويات الأعلى من البنية التحتية للجودة، بحسب درجاتها في المؤشر العالمي للبنية التحتية للجودة، إلى تحقيق صادرات إجمالية أعلى ونصيب أعلى للفرد من الناتج المحلي الإجمالي. فضلاً عن ذلك، تميل البلدان التي تقف عند المستوى نفسه من الدخل إلى تحقيق صادرات أعلى كلما كانت أنظمة بنيتها التحتية للجودة أكثر تطوراً.
كيفية بناء منظومة للبنية التحتية للجودة جيدة الأداء
مع تقدم البلدان في التنمية، يجب أن يتطور نهجها في بناء القدرة على الامتثال للمعايير. وتتبع المراحل الثلاث لبناء هذه القدرة، التي تتسق إلى حد كبير مع مراحل وضع المعايير الموصوفة في الفصل الثاني (التكييف والمواءمة والتأليف)، فهماً مفاده أن البنية التحتية للجودة في البلد يجب أن تُرسى تدريجياً، وأن دور الحكومة في ضمان الامتثال يجب أن يتطور بمرور الوقت.
الأساسيات: في المستويات المنخفضة من التنمية، حين تكون قدرة البلد على الامتثال للمعايير محدودة، من الضروري إرساء أسس أساسية للامتثال والإنفاذ بالتركيز على المجالات العالية المخاطر. ففي ثمانينيات القرن العشرين مثلاً، ركزت الهند منح الشهادات الإلزامي على منتجات حيوية محددة، لا سيما تلك التي تمس السلامة العامة والبنية التحتية وحماية المستهلك، كالإسمنت وأسطوانات الغاز المضغوط. كما يمثل الامتثال لاشتراطات التصدير أولوية لكثير من البلدان في هذه المرحلة. وفي هذه المرحلة من بناء منظومة البنية التحتية للجودة، يضطلع القطاع العام في البلدان بدور قوي في تقديم الخدمات المتعلقة بضمان الجودة، لأن هذه البلدان قد لا تملك بعدُ سوقاً للاختبار ومنح الشهادات من القطاع الخاص. ففي إثيوبيا مثلاً، تقدم مؤسسة مملوكة للدولة لتقييم المطابقة معظم خدمات الاختبار ومنح الشهادات. كما تحتاج الحكومة إلى الاستثمار في أسس البنية التحتية للجودة، لا سيما وضع المعايير وعلم القياس، اللذين تعتمد عليهما جميع العناصر الأخرى للبنية التحتية للجودة لتعمل. وعادة لا يكون الاعتماد قد تطور بعدُ في البلد، أو يعتمد البلد على خدمات اعتماد أجنبية.
التوسيع: بمرور الوقت، تدرك البلدان الحاجة إلى توسيع نطاق أهداف السياسة العامة كالصحة والسلامة. ومع اتساع تغطية هذه الأهداف، يتزايد الطلب على مقدمي خدمات الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات، بما يتيح للقطاع الخاص الاضطلاع بدور أكبر في هذه المجالات. ويعني ذلك أن الحكومة تقل تدريجياً مشاركتها المباشرة في تقديم ضمان الجودة، وتركز بدلاً من ذلك على ضمان جدارة المنظمات الخاصة بالثقة، عبر الاعتماد خاصة، وكذلك في مجالات أخرى. وفي هذه المرحلة، ينبغي للبلدان أيضاً أن تسعى على نحو متزايد إلى الاعتراف الدولي عبر ترتيبات الاعتراف المتبادل من خلال المحافل العالمية الرئيسية للاعتماد (التعاون الدولي لاعتماد المختبرات، والمنتدى الدولي للاعتماد)، ولوضع المعايير (الأيزو، واللجنة الكهروتقنية الدولية، والاتحاد الدولي للاتصالات)، ولعلم القياس (المكتب الدولي للأوزان والمقاييس، والمنظمة الدولية للمترولوجيا القانونية). ففي مطلع القرن الحادي والعشرين مثلاً، انتقلت جمهورية قيرغيزستان من نظام كانت فيه هيئة التقييس الوطنية تمنح شهادات الامتثال لأكثر من 23000 معيار إلزامي إلى إطار محرر فتح باب المنافسة في الاختبار ومنح الشهادات للوائح الفنية، وأدخل الاعتماد أيضاً.
التوازن: في المرحلة الثالثة، تكون البلدان في العادة قد حققت تغطية شاملة لأهداف السياسة العامة المتعلقة بالبنية التحتية للجودة، بما يستلزم تحولاً في نهجها إزاء الامتثال. فبدلاً من الاعتماد وحده على ضمان الجودة والإنفاذ الحكوميين، ينبغي للبلدان أن تتبنى نهجاً قائماً على الشراكة، تعمل فيه الحكومة "حَكَماً"، ويتولى القطاع الخاص، بما فيه المنشآت ومقدمو خدمات ضمان الجودة، الجزء الأكبر من تقييم المطابقة اللازم. وفي المجالات المنظمة، تركز الحكومة على مراقبة الأسواق باتباع نهج قائم على المخاطر للتحقق مما إذا كانت الأطراف تمتثل لاشتراطات السوق الإلزامية كالمعايير، وفرض العقوبات حين لا تمتثل. ويعزز هذا الأسلوب عملية تنظيمية أكثر مرونة تستفيد من نقاط القوة الخاصة بكل من القطاعين العام والخاص في تطبيق المعايير وإنفاذ اللوائح الفنية. فقبل أن تدخل تركيا في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي عام 1995 مثلاً، كانت تعتمد اعتماداً كبيراً على منظومة من 1500 معيار إلزامي، تطلب كثير منها التفتيش والاختبار ومنح الشهادات قبل الطرح في السوق من جانب معهد المعايير التركي. وبمواءمة نهجها مع نهج الاتحاد الأوروبي، انتقلت تركيا إلى حد كبير إلى منظومة تعتمد على هيئات تقييم مطابقة معتمدة، خاصة في معظمها، وعلى مراقبة عامة للأسواق. وفي هذه المرحلة الثالثة، تدعم البنية التحتية للجودة الابتكار على نحو متزايد أيضاً، وهو ما ينطوي على منح جهات القطاع الخاص دوراً أكبر في وضع المعايير، كما فعلت الصين وكوريا. وفي خطوة أخيرة، تدمج البلدان منظومات بنيتها التحتية للجودة عالمياً عبر المؤسسات الدولية الرئيسية المعنية بالبنية التحتية للجودة.
ورغم أن إطار الأساسيات ثم التوسيع ثم التوازن يركز على تطوير المؤسسات داخل منظومات البنية التحتية للجودة وعلى النهج المتبع إزاء الامتثال، فإن البلدان تحتاج أيضاً إلى تحسين قدرات المؤسسات الفردية. ويقدم البنك الدولي موارد للمساعدة على تقييم مدى نضج البنية التحتية للجودة في البلد.
تقييم نضج البنية التحتية للجودة في البلد: أداة التشخيص السريع
يقدم البنك الدولي طائفة من المنشورات لإرشاد صناع السياسات في تطوير منظومات فعالة للبنية التحتية للجودة. ومن الموارد الإضافية أداة التشخيص السريع، التي طورها البنك الدولي بالشراكة مع المعهد الاتحادي الألماني للفيزياء والتقنية، وهو معهد القياس الوطني في ألمانيا، عام 2019. وهي أول أداة شاملة تساعد المستخدمين على تقييم منظومة البنية التحتية للجودة في البلد، وتقوم على استبيان موحد يقيّم كل مجال من مجالات هذه المنظومة عبر أربع ركائز: الإطار القانوني والمؤسسي، والإدارة والبنية التحتية، وتقديم الخدمات والكفاءة الفنية، والعلاقات الخارجية والاعتراف. وتولد الإجابات درجات يمكن استخدامها لمقارنة البلد بأفضل الممارسات الدولية، بما في ذلك عرض أدائه في كل مجال بصرياً.
المفاضلات الرئيسية عند تطوير منظومات البنية التحتية للجودة
على امتداد مسار الأساسيات ثم التوسيع ثم التوازن، يواجه صناع السياسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل خمس مفاضلات رئيسية مترابطة عند تطوير منظومات فعالة للبنية التحتية للجودة:
أولاً، تقسيم وظائف البنية التحتية للجودة: كيف يمكن الاستفادة من أوجه التآزر بين الوظائف المنفصلة والمتخصصة المتعلقة بالبنية التحتية للجودة مع تجنب تضارب المصالح؟
ثانياً، الموازنة بين أدوار القطاعين العام والخاص: كيف يمكن معالجة إخفاقات السوق مع تجنب التشوهات وضمان الفاعلية من حيث التكلفة؟
ثالثاً، ترتيب الإصلاحات والاستثمارات في البنية التحتية للجودة: كيف يمكن الموازنة بين التدخلات الاستباقية والتدخلات التفاعلية؟
رابعاً، الموازنة بين أدوار البنية التحتية للجودة في التنظيم الفعال وفي القدرة التنافسية: كيف يمكن تكييف المناهج التنظيمية بمرور الوقت؟
خامساً، التعاون الدولي لتقاسم الموارد في مجال البنية التحتية للجودة: ما المؤسسات التي يجب أن تتوافر في البلد، وأين يكون تقسيم العمل على المستوى الدولي منطقياً؟
وتتغير طريقة حسم هذه المفاضلات على امتداد مسار تنمية البلد، ولذلك ليس ثمة مخطط واحد لتطوير منظومة البنية التحتية للجودة.
تقسيم وظائف البنية التحتية للجودة
تساعد البنية التحتية للجودة الجيدة الأداء على معالجة تضارب المصالح الذي يحد من فاعلية المعايير. ففي البلدان المرتفعة الدخل، تتولى عادة مؤسسات منفصلة ومتخصصة، كهيئة التقييس الوطنية ومعهد القياس الوطني وهيئة الاعتماد الوطنية، الوظائف المختلفة المتعلقة بالبنية التحتية للجودة. أما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فكثيراً ما تتطلب قيود الموارد دمج وظائف متعددة داخل جهة واحدة. فقد جمعت إثيوبيا مثلاً جميع الوظائف المتعلقة بالبنية التحتية للجودة تحت مظلة هيئة واحدة حتى عام 2010، حين فصلتها إلى جهات مستقلة. وفي المستويات الأدنى من دخل البلدان، يرجح أن تقدم هيئات التقييس الوطنية طيفاً أوسع من الخدمات كعلم القياس والاعتماد وتقييم المطابقة، في حين يتراجع عدد الخدمات التي تقدمها مع تقدم البلدان في التنمية. وقد يقوض هذا الدمج المصداقية أو يولد تضارباً في المصالح إذا لم يُصمم بعناية، عبر الفصل المالي بين الوظائف مثلاً.
وينشأ تضارب رئيسي في المصالح إذا تولت المنظمة نفسها تقييم المطابقة والاعتماد معاً. فلأن الاعتماد يضمن حياد هيئات تقييم المطابقة، فإن الجمع بين دوري الاعتماد وتقييم المطابقة يقوض الثقة. فالهيئة التي تمنح شهادات المطابقة لمعيار استدامة مثلاً لا ينبغي أن تقرر أيضاً أي الهيئات الأخرى مؤهلة لمنح مثل هذه الشهادات، بل ينبغي ترك ذلك لجهة اعتماد مستقلة. والهيئات التي تقدم خدمات تقييم المطابقة والاعتماد معاً تمثل تضارباً محتملاً وخطيراً في المصالح.
كما ينطوي الجمع بين التوحيد القياسي وتقييم المطابقة على مخاطر ويتطلب ضمانات كالفصل التنظيمي والمالي. فالهيئة التي تضع المعايير وتمنح شهادات الامتثال لها قد تصمم الاشتراطات بما يلائم خدماتها. وكون ذراع منح الشهادات جزءاً من هيئة التقييس قد يوحي أيضاً بأن الخدمات التي يقدمها أكثر "موثوقية" لأنها جزء من المنظمة التي تضع فعلاً المعايير التي يمنح الشهادات على أساسها. غير أن الهيئة التي تجمع بين التقييس وتقييم المطابقة شائعة في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فنحو 95% من هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل و80% منها في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى تشارك أيضاً في تقييم المطابقة. وتتراجع هذه النسب مع ارتفاع مستويات دخل البلدان، بما يدل على تمايز في وظائف البنية التحتية للجودة بمرور الوقت.
وقد ينشأ تضارب المصالح حين تعتمد منظمات وضع المعايير مالياً على تقييم المطابقة. ففي المتوسط، تحقق هيئات التقييس الوطنية 19% من إيراداتها من تقييم المطابقة، لكن هذه النسبة ترتفع إلى نحو 40% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ولمنع إيرادات منح الشهادات من التأثير في وضع المعايير، تنص الممارسات الجيدة للتوحيد القياسي الصادرة عن الأيزو على وجوب استقلال أنشطة التوحيد القياسي عن الأنشطة الأخرى كتقييم المطابقة، وهو ما يعني عملياً في العادة الفصل المالي والوظيفي، أي إقامة "جدار حماية". غير أن محدودية الموارد في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل كثيراً ما تتطلب أن يؤدي خبراء تقييم المطابقة أدواراً في وضع المعايير الوطنية أيضاً. وقد وجد مسح أجرته الأيزو والبنك الدولي وشمل 116 هيئة تقييس وطنية حول العالم أن 22 من هذه الهيئات، معظمها في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لا تشارك في وضع المعايير فحسب، بل تشارك في الوقت نفسه في تقييم المطابقة والاعتماد.
والجمع بين وضع المعايير وتقييم المطابقة شائع أيضاً في معايير الاستدامة الخاصة، كالعلامات البيئية في قطاعات مثل الزراعة والغابات والمنسوجات. وكثيراً ما تواجه هذه العلامات مشكلات في الحوكمة حين تتولى المنظمة نفسها وضع المعايير ذات الصلة ومنح شهادات الامتثال لها، إذ قد يخلق ذلك حوافز لاشتراطات أضعف ويفضي إلى تكاثر المعايير، لأن منح الشهادات يدر الإيرادات. وقد وضعت منظمات مثل تحالف "إيزيل" مدونات سلوك لزيادة مصداقية مخططات الاستدامة الخاصة بإرساء اشتراطات للحوكمة. وللتخفيف من مشكلات الحوكمة، ينبغي للمنظمات التي تنشئ هذه المخططات أن تستخدم المعايير الدولية الخاصة بهيئات تقييم المطابقة والأدلة التي وضعتها لجنة تقييم المطابقة في الأيزو، بما يضمن الكفاءة والحياد والاتساق في منح الشهادات والتدقيق.
وتبرز حالات وكالات التصنيف الائتماني وأسواق الكربون الطوعية أهمية تجنب تضارب المصالح. فالمنظمات البارزة التي تضع معايير أسواق الكربون الطوعية كثيراً ما تستفيد مالياً من عدد الشهادات الصادرة، وتعتمد في الوقت نفسه جهات التحقق، بما يثير تساؤلات جدية حول جدارتها بالثقة. وعلى نحو مماثل، كانت وكالات التصنيف الائتماني في الفترة السابقة للأزمة المالية لعام 2008 تتقاضى أجورها من مصدري المنتجات المالية ذاتها التي كانت تصنفها، بما منحها حوافز للتهوين من المخاطر. وتؤكد بحوث أجريت في الهند أهمية الجهة التي تدفع تكاليف التدقيق. فقد وجدت تجربة ميدانية هناك شملت مدققين بيئيين من أطراف ثالثة أنه حين كانت المنشآت تدفع للمدققين مباشرة، كان المدققون يهوّنون باستمرار من مستويات التلوث في تقاريرهم، في حين أدى تحويل المدفوعات إلى صندوق مركزي وإدخال تدقيقات عشوائية على المدققين إلى تقارير أدق ومستويات تلوث أدنى.
الموازنة بين أدوار القطاعين العام والخاص
كم من وظائف منظومة البنية التحتية للجودة ينبغي أن تتولاها الحكومة، وكم منها القطاع الخاص، وكم منها شراكة بين القطاعين؟ تتوقف الإجابة أساساً على ثلاثة عوامل: أولاً، تكلفة تقديم الخدمة، التي تشمل الاستثمار الأولي في المعدات وقدرات الموظفين فضلاً عن النفقات الجارية؛ وثانياً، الطلب على الخدمة، الذي يتوقف على عدد المستخدمين وتواتر استخدامهم للخدمة ومدى استعدادهم وقدرتهم على الدفع، أي ما إذا كان هناك طلب سوقي كافٍ؛ وثالثاً، ما إذا كانت الوظيفة تقع ضمن مجال منظم يخضع لاختصاص الحكومة. فبعض وظائف ضمان الجودة سلع عامة لن توفرها السوق من تلقاء نفسها، كعلم القياس العلمي الكثيف البحث في المجالات المتخصصة الضيقة، في حين توجد سوق واضحة لوظائف أخرى.
وتتفاوت تكاليف تقديم خدمة بعينها في مجال البنية التحتية للجودة والطلب عليها تفاوتاً كبيراً. ورغم أن بيانات التكلفة والطلب المحددة قد تختلف، فثمة أنماط عامة قليلة تبرز في هذا الصدد.
علم القياس العلمي: إن إنشاء معايير القياس الوطنية وصيانتها مكلف للغاية، ولا يحتاج إلى هذه الخدمة سوى عدد قليل من المستخدمين المتخصصين. ولذلك تمول الحكومات علم القياس العلمي وتقدمه دائماً تقريباً بوصفه سلعة عامة.
علم القياس القانوني: تضمن الحكومة دقة القياسات وعدالتها، كأوزان السلع في الأسواق أو كميات الوقود المصروفة في محطات الوقود. وينطوي ذلك على تفتيش آلاف الأجهزة على مستوى البلاد، وهي مهمة منخفضة التكلفة للجهاز الواحد لكنها مرتفعة التكاليف الإجمالية. ولأن الامتثال إلزامي ولا تحركه قوى السوق، تتولى الدولة دائماً تقريباً مسؤولية علم القياس القانوني. وتسند بعض البلدان عمليات التفتيش الروتينية إلى شركات خاصة، مع احتفاظ الحكومة بمسؤوليات الرقابة والإنفاذ.
الاعتماد: ينطوي الاعتماد على خبرة كبيرة وتكاليف عامة مرتفعة، مع عدد قليل نسبياً من العملاء، لأن عدد هيئات تقييم المطابقة التي تحتاج إلى الاعتماد محدود. فيقدر مثلاً أن هيئة الاعتماد تحتاج إلى إيرادات ما بين 200 و250 عملية اعتماد لتحقيق التعادل، علماً بأن كل اعتماد يُجدد عادة كل أربع إلى خمس سنوات. وحتى في بلد كبير ذي دخل متوسط أدنى مثل كينيا، ظلت الحكومة تغطي 80% من ميزانية هيئة الاعتماد لديها حتى وقت قريب.
مراقبة الأسواق: تنطوي مراقبة الأسواق عادة على تكاليف كبيرة مرتبطة بأخذ عينات المنتجات من السوق واختبارها. ولأنها تتعلق بمجالات منظمة، فهي في العادة من مسؤوليات الحكومة. غير أنه يمكن التعاقد عليها من الباطن مع جهات أخرى، كما هو الحال في نظام التسجيل الإلزامي للمنتجات الإلكترونية ومعدات تكنولوجيا المعلومات في الهند.
المعايرة: كما في علم القياس القانوني، تحتاج أجهزة كثيرة في المصانع والمستشفيات ومختبرات الاختبار وما شابهها إلى معايرة منتظمة. ولأن الطلب عليها متكرر وواسع الانتشار، يمكن أن تزدهر سوق لخدمات المعايرة. غير أن هذه السوق تظل معتمدة على وجود قاعدة صناعية كبيرة بما يكفي لتمكين مختبرات المعايرة الخاصة من العمل على نحو مربح.
وضع المعايير: ينطوي وضع المعايير على تكاليف إدارية كبيرة، كتنظيم اللجان الفنية، والمشاركة في المحافل الإقليمية والدولية، ونشر المعايير، وصيانة بوابات المعلومات. ولا تغطي إيرادات بيع المعايير هذه النفقات دائماً، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. غير أن وضع المعايير قد يكون مستداماً مالياً في بعض البلدان المرتفعة الدخل وفي قطاعات محددة، ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك الولايات المتحدة بمئات منظماتها الخاصة لوضع المعايير. ومن المهم الإشارة إلى أنه حتى في الحالات التي تكون فيها هيئة التقييس الوطنية مؤسسة غير حكومية، فإنها تكون في العادة قد أبرمت اتفاقاً قانونياً مع حكومة البلد لتعمل بوصفها هيئة التقييس الوطنية المعينة التي تمثل البلد في منظمات وضع المعايير الدولية كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات.
تقييم المطابقة: أصعب المجالات في تحديد المستوى والدور الملائمين لمشاركة الحكومة هو تقييم المطابقة. فاختبار المنتجات وتفتيشها ومنح شهادات أنظمة الإدارة تشكل المجموعة الأكثر تنوعاً من الخدمات في نطاق البنية التحتية للجودة، مع تفاوت كبير في التكاليف والطلب ومستويات التنظيم. وقطاع تقييم المطابقة صناعة حيوية بحد ذاته، يوظف ما بين 1.2 و1.7 مليون شخص على مستوى العالم، ويدر أكثر من 200 مليار دولار أمريكي من الإيرادات سنوياً في 160 بلداً. وبعض خدمات تقييم المطابقة المتخصصة قد تكون مكلفة ولا تطلبها سوى منظمات قليلة، في حين أن خدمات أخرى معتدلة التكلفة وعليها طلب سوقي مرتفع، كالاختبارات الكيميائية الروتينية واختبارات السلامة الكهربائية. وبفضل المنافسة والحجم، كثيراً ما يتولى القطاع الخاص هذا النوع الأخير من الخدمات بكفاءة في منظومات البنية التحتية للجودة المتطورة. وقد تحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في البداية إلى مزيد من التدخل الحكومي، بسبب انخفاض طلب السوق ومحدودية التنظيم مثلاً، لكن الحكومات في هذه البلدان عادة ما تنسحب بمرور الوقت من تقديم خدمات تقييم المطابقة مباشرة، وتتيح لمنظمات القطاع الخاص تولي المهمة، مع الحفاظ على مشاركتها في الاعتماد وتعزيزها.
وقد تحتاج خدمات تقييم المطابقة التي تتطلب مختبرات باهظة التكلفة إلى مشاركة حكومية أكبر. وفي المقابل، تعتمد شهادات أنظمة الإدارة، كتلك الخاصة بالأيزو 9001 (الجودة) والأيزو 50001 (الطاقة) والأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 27001 (أمن المعلومات)، أساساً على توافر مدققين أكفاء لا على مرافق المختبرات. ولأن هذه الخدمات قابلة للتطبيق عالمياً على أنواع كثيرة من المنظمات، فإن الطلب السوقي المحتمل عليها كبير، ومن ثم يمكن تقديمها على أسس تجارية.
وتتباين البلدان تبايناً كبيراً في ما إذا كانت الحكومة أو القطاع الخاص هو من يشغّل مختبرات الاختبار والمعايرة. ففي 32 بلداً جرى تقييمها، تميل البلدان الأعلى دخلاً إلى امتلاك حصة أكبر من المختبرات الخاصة بين جميع هيئات الاختبار والمعايرة المعتمدة. وبوجه عام، تحظى الحكومة بحضور قوي في سوق خدمات تقييم المطابقة، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
ومع تقدم البلدان في التنمية، يتزايد الطلب على الخدمات في مجال البنية التحتية للجودة، بما يغير أدوار القطاعين العام والخاص في تقديمها. ويؤثر ذلك بوجه خاص في خدمات وضع المعايير والاختبار والتفتيش ومنح الشهادات، التي يرجح أن تقدمها الحكومة في المراحل المبكرة ثم تنتقل إلى القطاع الخاص. أما التحول نحو التقديم الخاص فأقل بكثير في مجالي الاعتماد وعلم القياس، إذ يميل التقديم الحكومي إلى السيادة فيهما في معظم الحالات.
التنسيق أو المنافسة بين المؤسسات المعنية بالبنية التحتية للجودة: ترتبط مسألة الأدوار العامة في مقابل الخاصة في البنية التحتية للجودة ارتباطاً وثيقاً بما إذا كان ينبغي تنسيق الخدمات أو تقديمها عبر مؤسسات متنافسة، وهي قضية تشكلها التقاليد السياسية والاعتماد التاريخي على المسار. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تتنافس هيئات اعتماد عديدة فيما بينها، في حين لا يسمح الاتحاد الأوروبي إلا بهيئة اعتماد واحدة في كل دولة عضو. فالاتحاد الأوروبي يعد الاعتماد وظيفة من وظائف السلطة العامة تدعم عمل السوق الموحدة، ويرى في المنافسة بين هيئات الاعتماد خطراً بسبب المخاوف من "سباق نحو القاع". أما الولايات المتحدة فتعد المنافسة بين هيئات الاعتماد مصدر قوة، مع صون الثقة عبر انضباط السوق والاعتراف الدولي. وعلى نحو مماثل، تعمل في الولايات المتحدة مئات منظمات وضع المعايير بالتوازي، مع قدر من التنسيق يتولاه المعهد الوطني الأمريكي للمعايير. وفي الهند، استحدث مكتب المعايير الهندي نظاماً للاعتراف بمنظمات وضع المعايير لإدخال مزيد من المرونة، لكن هذه المنظمات تظل منسقة عبر هيئة التقييس الوطنية. ورغم أن منظومة البنية التحتية للجودة في الصين شديدة المركزية وتقودها الدولة، فإن معايير الجمعيات والمنشآت التي يقودها السوق تحظى بالتشجيع، لكنها تظل تحت إشراف إدارة الدولة لتنظيم السوق. وفي نهاية المطاف، ورغم أن المنافسة بين هيئات الاعتماد والتقييس قد تنجح في بعض السياقات كالسياق الأمريكي، فإن هذا النوع من النماذج قد يكون أقل فاعلية، بل ربما ضاراً، في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ذات الطلب الأضعف على الجودة والقدرة المؤسسية الأوهن والأسواق الناشئة.
وتتعلق المناهج المختلفة إزاء المنافسة في مقابل التنسيق بين المؤسسات المعنية بالبنية التحتية للجودة أساساً بالاعتماد ووضع المعايير. أما في ما يخص علم القياس تحديداً، فثمة اتفاق واسع على الحاجة إلى مؤسسة وطنية واحدة، بسبب ضعف الجدوى التجارية لعلم القياس وأهمية التنسيق الدولي في الحفاظ على قياسات قابلة للتتبع. وعلى نحو مماثل، ثمة توافق على أن معظم خدمات تقييم المطابقة والمعايرة يمكن تركها للمنافسة بين مقدميها، ما دام جميعهم يتبعون المعايير نفسها ويخضعون للرقابة نفسها، كالرقابة عبر الاعتماد. وعلى نحو مماثل، وأياً كانت الهيئة التي تتولى الاعتماد، ينبغي أن تتبع المعايير الدولية للاعتماد كما حددتها سلسلة الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 17000، التي تقوم عليها البنية التحتية للجودة الجيدة الأداء.
ترتيب الإصلاحات والاستثمارات في البنية التحتية للجودة
كيف ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن ترتب تطوير العناصر المختلفة للبنية التحتية للجودة في ظل شح الموارد؟ لأن البنية التحتية للجودة يجب أن تعمل منظومةً متماسكة، فإن أضعف حلقاتها هي التي تحد من فاعليتها. فمختبرات الاختبار مثلاً لا تستطيع العمل بموثوقية دون الحصول على أدوات معايرة ومواد مرجعية من معاهد القياس. ولذلك فإن الترتيب المنطقي أمر جوهري: فعلم القياس هو ركيزة المعايير، والمعايير بدورها تتيح الاختبار ومنح الشهادات. ومن ثم يوصي إطار الأساسيات ثم التوسيع ثم التوازن بتعزيز الوظائف الأساسية لعلم القياس ووضع المعايير وتقييم المطابقة أولاً، على أن يأتي الاعتماد لاحقاً.
وبعض القدرات التي يجب أن تمتلكها البنية التحتية للجودة قابلة للتطبيق على نطاق واسع عبر القطاعات، كالأوزان المرجعية أو معايرة درجات الحرارة، في حين يقتصر بعضها الآخر على صناعات بعينها، كاختبار بقايا المبيدات في الزراعة أو معايرة الغرف النظيفة في الصناعات الدوائية. ويكمن التحدي على صعيد السياسات في تطوير كلتا المجموعتين من القدرات: الوظائف التأسيسية الشاملة لعدة قطاعات، والقدرات المتخصصة في القطاعات ذات الأولوية. ومع نمو الاقتصادات، يتزايد الطلب على خدمات البنية التحتية للجودة ويتنوع. ففي المراحل الأولى، تشمل الاحتياجات عادة معايير سلامة الغذاء ومواد البناء فضلاً عن المعايير الكهربائية الأساسية. وبمرور الوقت تبرز اشتراطات أكثر تقدماً، كالقياس الدقيق للتصنيع المتقدم أو منح الشهادات بشأن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويستلزم هذا الطلب المتغير لا توسيع الأنظمة فحسب، بل الارتقاء بالقدرات أيضاً لتقديم خدمات أعلى جودة. ولذلك تكون هيئات الاعتماد الوطنية في الاقتصادات الأعلى دخلاً موقعة على نطاق أوسع من مجالات منح الشهادات في إطار ترتيب الاعتراف المتعدد الأطراف التابع للمنتدى الدولي للاعتماد.
وليس ثمة مخطط جاهز للترتيب، فالنهج الصحيح يتوقف على الأولويات الوطنية والهيكل الاقتصادي والجاهزية المؤسسية. وتبين حالة كوريا كيف تتطور البنية التحتية للجودة في البلد جنباً إلى جنب مع تطوره الصناعي. ففي المراحل الأولى من تطوير البنية التحتية للجودة في كوريا، دعم فحص الصادرات والمعاملة التفضيلية للمنتجات الحاصلة على الشهادات نمو الصناعات الخفيفة. ومع تحول اقتصاد البلاد نحو الصناعات الثقيلة والكيميائية في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، أصبحت قدرات القياس الأكثر تقدماً أمراً لا غنى عنه. ولاحقاً، تطلب صعود صناعة الإلكترونيات الكثيفة التكنولوجيا دوراً أكبر لوضع المعايير بقيادة الصناعة، وتعزيز منظومات الاعتماد لضمان اختبار ومنح شهادات معترف بهما دولياً.
وكما في السياسة الصناعية، يتعين على الحكومات أن توازن بعناية بين الاستراتيجيات الاستباقية والتفاعلية عند تطوير البنية التحتية للجودة. فالنهج الاستباقي ضروري لمعالجة إخفاقات السوق وفجوات التنسيق، كأن لا تطلب المنشآت خدمات ضمان الجودة لأنها غير متاحة بعد، ولا يقدمها مقدموها لقصور الطلب. ويمكن لمعضلات من هذا النوع أن تحبس الأسواق في توازنات متدنية الجودة. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للتدخل الحكومي، كحملات التوعية أو الإعانات أو تقديم الحكومة لخدمات ضمان الجودة، أن يساعد على تحفيز الإقبال. أما النهج التفاعلي فيؤجل الاستثمار إلى أن يُعلن عن الطلب بوضوح، وكثيراً ما يكون ذلك في أعقاب شكاوى المستهلكين أو إخفاقات السلامة أو رفض الصادرات. فضلاً عن ذلك، قد لا يترك النهج التفاعلي للشركات المصدرة والمبتكرة خياراً سوى الاعتماد على هيئات تقييم المطابقة الأجنبية، بما قد يخلق اعتماداً على المسار، لأنه قد يصعب على هيئات تقييم المطابقة المحلية، حين تنشأ، أن تحصل على حصة من السوق في مرحلة لاحقة.
وينطوي النهجان الاستباقي والتفاعلي كلاهما على مفاضلات. فإذا استثمرت الحكومة في مختبرات عامة لا تتسق جيداً مع احتياجات الصناعة، فإنها تنشئ مرافق من قبيل "الفيلة البيضاء"، قليلة الاستخدام ومكلفة الصيانة، وكثيراً ما يُهمل استخدامها بسبب نقص التمويل اللازم للمواد الاستهلاكية وقطع الغيار وما شابهها. والأهم أن الدور الحكومي القوي في تقديم خدمات تقييم المطابقة ينطوي على خطر مزاحمة مقدمي هذه الخدمات من القطاع الخاص. وكقاعدة عامة، من الأفضل للحكومات أن تقدم دعماً على جانب الطلب للمنشآت لتمكينها من الحصول على خدمات تقييم المطابقة التي تقدمها الهيئات الخاصة، عبر قسائم الشهادات مثلاً، بدلاً من أن تستثمر الحكومات في تقديم خدمات تقييم المطابقة بنفسها.
أما استراتيجية الاستثمار التفاعلي، التي لا تُطوَّر فيها البنية التحتية إلا بعد أن يتضح الطلب عليها، فتنطوي على خطر عدم توافر الخدمات حين تحتاج إليها المنشآت في البداية، كأن تدخل أسواق التصدير أو تحاول دخولها، وهو ما قد يؤخر النمو والابتكار. فضلاً عن ذلك، قد تبقى الوظائف الأساسية للبنية التحتية للجودة كعلم القياس والاعتماد متخلفة، لأن قيمتها منظومية لا تنعكس مباشرة في إشارات السوق، بما يزيد خطر التأخر في توفيرها. وعلى نحو مماثل، بدون دعم حكومي موجه لبناء القدرات التأسيسية، قد يصبح كل من العرض والطلب على البنية التحتية للجودة حبيس توازن منخفض المستوى.
وباختصار، يتطلب ترتيب إصلاحات منظومات البنية التحتية للجودة نهجاً تكرارياً يتسق مع مدى نضج المؤسسات العامة والخاصة، وظروف السوق، والأولويات الوطنية في مجال التنمية. ولسد الفجوة بين جانبي الطلب والعرض على نحو أفضل، يعد الحوار بين القطاعين العام والخاص أمراً جوهرياً، بما يتسق مع خطاب "السياسة الصناعية الجديدة"، إذ لا يمكن إدراك الاحتياجات الخاصة بكل قطاع إلا عبر هذا الحوار. وقد سلكت بلدان مختلفة مسارات متنوعة لتطوير منظومات بنيتها التحتية للجودة، تتراوح من نهج تحركه السياسة الصناعية في كوريا، إلى أسلوب يركز أكثر على التنظيم في البرازيل، إلى ارتقاء بالبنية التحتية للجودة مدعوم من المانحين في إثيوبيا.
منظومات البنية التحتية للجودة في مستويات مختلفة من التنمية الاقتصادية في جمهورية كوريا والبرازيل وإثيوبيا
يُنظر على نطاق واسع إلى تطوير جمهورية كوريا لبنيتها التحتية للجودة بوصفه نموذجاً للتصنيع الناجح القائم على اللحاق، تميز بقيادة قوية من الدولة، وتطوير مؤسسي مرحلي، واستجابة للأولويات الاقتصادية. فقد جعلت البلاد علم القياس أولوية في وقت مبكر من عملية تطوير منظومة البنية التحتية للجودة، فانضمت إلى معاهدة المتر عام 1959، وأنشأت معهد كوريا لبحوث المعايير والعلوم عام 1975. وفي مراحل لاحقة أنشأت هيئات للتقييس والاعتماد، مثل الوكالة الكورية للتكنولوجيا والمعايير (1983)، والنظام الكوري لاعتماد المختبرات (1992)، والمجلس الكوري للاعتماد (1995). وتماشياً مع السياسات الصناعية في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، استجاب علم القياس للحاجة إلى قياسات دقيقة في مجالات كالكيماويات والصناعات الثقيلة. وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين، تحولت السياسة نحو دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بما أفضى إلى برامج موجهة وجهود تواصل محلية من جانب أجهزة كمعهد كوريا لبحوث المعايير والعلوم ومختبر الاختبار الكوري. ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أصبحت كوريا مشاركاً نشطاً في منظمات وضع المعايير الدولية كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية، وتطورت بنيتها التحتية للجودة لتلبية متطلبات القطاعات المتقدمة كتكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية. وبوجه عام، تبين تجربة كوريا كيف يتسق تطوير منظومة البنية التحتية للجودة في الغالب مع السياسات الصناعية الأوسع للبلد.
وللبرازيل تجربة طويلة في إنشاء البنية التحتية للجودة، وكانت من أوائل الموقعين على معاهدة المتر. غير أن تطوير بنيتها التحتية للجودة انقطع مراراً، بما تطلب إعادة النظر في الجهود وتجديدها بمرور الوقت. وخلافاً لكوريا، التي حفز نظام سياستها الصناعية تطوير بنيتها التحتية للجودة، كان التنظيم هو المحرك الرئيسي لتطوير البنية التحتية للجودة في البرازيل، مع التركيز على حماية المستهلك والامتثال للوائح الفنية الوطنية، إلى جانب التنمية الصناعية. وقد ساعد هذا النموذج على دمج وظائف متعددة للبنية التحتية للجودة داخل المعهد الوطني للمترولوجيا والتقييس والجودة الصناعية في البلاد. وقد مكّن الهيكل المتكامل المتمحور حول التنظيم الناتج عن ذلك البرازيلَ من بناء منظومة قوية ومركزية للبنية التحتية للجودة. ورغم استمرار تحديات كالتداخل التنظيمي والتفاوت الإقليمي في تغطية الخدمات والاستقرار المؤسسي، فإن البنية التحتية للجودة في البرازيل من بين الأكثر تقدماً في أمريكا اللاتينية.
وفي إثيوبيا، تعود أصول البنية التحتية للجودة إلى خمسينيات القرن العشرين. وكانت إحدى الخطوات الكبرى دمج جميع الوظائف المتعلقة بالبنية التحتية للجودة تحت مظلة واحدة بإنشاء هيئة الجودة والمعايير الإثيوبية عام 1998. وفي عام 2010، اتجهت إثيوبيا نحو أفضل الممارسات الدولية بتقسيم الهيئة إلى أربع مؤسسات متخصصة، واحدة لكل من التوحيد القياسي وعلم القياس والاعتماد وتقييم المطابقة. وقدم شركاء التنمية دعماً كبيراً لإنشاء هذه المؤسسات، منه مشروع مولّه البنك الدولي. وعلى مدى الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر الماضية، ازدادت القدرة الفنية لهذه المؤسسات زيادة كبيرة بفضل جملة أمور منها تحديث المعدات وتنمية الموارد البشرية وإشراك أصحاب المصلحة. وتبين تجربة إثيوبيا أن الحكومة قد تؤدي في المراحل المبكرة من تطوير البنية التحتية للجودة دوراً أكبر في تقديم خدمات تقييم المطابقة. فالمؤسسة الإثيوبية لتقييم المطابقة المملوكة للدولة تقدم خدماتها بأسعار مدعومة، بما يدعم امتثال المنشآت، لكنه يحد أيضاً من دخول مقدمي خدمات ضمان الجودة من القطاع الخاص، الذين لم ينشأوا بعد في البلاد.
الموازنة بين أدوار البنية التحتية للجودة في التنظيم الفعال والقدرة التنافسية
كما سبق بيانه، تؤدي البنية التحتية للجودة وظيفة مزدوجة: ضمان القدرة التنافسية للصناعات، والإنفاذ العام. ورغم أن هذين الهدفين ليسا متعارضين بطبيعتهما، فإن الاستخدام الفعال للبنية التحتية للجودة لتحقيقهما معاً يتطلب توازناً دقيقاً.
وبوجه عام، ينبغي أن تبقى المعايير الرامية إلى تعزيز القدرة التنافسية طوعية وأن يشكلها طلب الصناعة. أما المعايير المشار إليها في اللوائح الفنية فتستخدم عادة لتحقيق أهداف السياسة العامة كالصحة أو السلامة أو حماية البيئة. ورغم أن اليقين بأن اللوائح الفنية ستحقق أهدافها أكبر منه في حالة المناهج الطوعية، فإن الأولى تنطوي على مخاطر كخنق الابتكار، ورفع تكاليف الامتثال على المنشآت، وتحميل الحكومة تكاليف مرتبطة بالإنفاذ. وتبين البحوث أن المعايير الطوعية، لا سيما في الأسواق غير المستقرة كتلك التي تتسم بعدم نضج التكنولوجيا أو تقلب الطلب، تتفوق على اللوائح من حيث كفاءة الابتكار، لأنها توفر المرونة والقدرة على التكيف دون حبس المنشآت في اشتراطات امتثال جامدة. ولاستخدام البنية التحتية للجودة بفاعلية في التنظيم، ينبغي لصناع السياسات أن يطبقوا نهجاً قائماً على المخاطر للتعامل مع المفاضلات التي تنطوي عليها الأساليب الطوعية والتنظيمية.
وينبغي أن يسترشد اختيار النهج الملائم للامتثال بعاملين رئيسيين: أولاً، مستوى الخطر، الذي يحدده احتمال الضرر الذي قد يلحق بالمستهلكين أو البيئة أو المجتمع وشدته المحتملة؛ وثانياً، احتمال عدم الامتثال، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة القطاع الخاص على الامتثال وبقدرة الحكومة على رصد الاشتراطات وإنفاذها. ورغم أن الخطر واحتمال عدم الامتثال كثيراً ما يكونان مترابطين، فإنهما ليسا متطابقين دائماً. فبعض القطاعات قد تنطوي على احتمال مرتفع للضرر لكن مع احتمال منخفض لعدم الامتثال للمعايير واللوائح، لا سيما القطاعات التي يكون لدى المنشآت فيها حوافز تجارية قوية للامتثال، لأن عدم الامتثال سيعرضها لمخاطر تجارية أو مخاطر تتعلق بالسمعة جسيمة. فضلاً عن ذلك، قد تؤثر تفضيلات المجتمع وصناع السياسات إزاء المخاطر في النهج الملائم للامتثال، فقد يكون بلد ما مستعداً مثلاً لتحمل مستويات تلوث أعلى مما قد تمليه المعايير الدولية.
وتبعاً لهذين العاملين، يمكن التمييز بين أربعة مناهج مختلفة:
المعايير الطوعية وقوى السوق: يمكن في العادة ترك مراقبة جودة المنتجات المنخفضة الخطورة، كالملابس غير الواقية، والأدوات المنزلية غير الكهربائية كالمكانس، والقرطاسية كالورق والأقلام، للمعايير الطوعية التي تقودها الصناعة ولتقييم المطابقة، دون أي تدخل حكومي. ففي هذه الحالات، كثيراً ما تكون قوى السوق وضغط المستهلكين والسمعة كافية لدفع الجودة.
الإقرار الذاتي بالمطابقة مقروناً بمراقبة الأسواق: في المجالات ذات المخاطر المنخفضة إلى المتوسطة، كبعض المنتجات الإلكترونية ومواد البناء غير الإنشائية، قد تضع الحكومات لوائح وتتيح للمنشآت الإقرار الذاتي بامتثالها لها. ومن المرجح أن تستخدم الشركات طوعاً تقييم المطابقة من طرف ثالث أو المراقبة الداخلية للإنتاج للحد من خطر عدم الامتثال. ويقلل هذا النهج أعباء الامتثال ويستفيد من مسؤولية الصناعة، شريطة أن يقترن بمراقبة فعالة للأسواق، تعمل فيها الحكومة حَكَماً.
تقييم المطابقة من طرف ثالث: في حالة المنتجات التي تنطوي على مخاطر ضرر مرتفعة للغاية، كالسلامة الكهربائية ولعب الأطفال، أو التي يكون احتمال عدم امتثالها أكبر من أن يسمح بالإقرار الذاتي بالامتثال، قد تشترط الجهات التنظيمية تقييم المطابقة من طرف ثالث قبل طرح المنتجات في السوق. ولا يزال ذلك يتطلب شكلاً من أشكال مراقبة الأسواق، لكن المراقبة لا تكون بالدرجة نفسها من الضرورة كما في حالة الإقرار الذاتي بالمطابقة.
الموافقة المسبقة على الطرح في السوق: في القطاعات العالية الخطورة، كالأجهزة الطبية والمستحضرات الصيدلانية والطيران والفضاء، كثيراً ما تتطلب الأنظمة التنظيمية ضوابط صارمة قبل الطرح في السوق. وتشمل هذه الضوابط عادة الاختبار أو التفتيش أو منح الشهادات من طرف ثالث، يتبعها ترخيص تنظيمي رسمي من سلطة مختصة، كإدارة الغذاء والدواء الأمريكية أو وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي، قبل أن يُطرح المنتج في السوق. وصُممت الموافقة المسبقة لمنع الضرر في الحالات التي قد تكون فيها لإخفاقات الجودة أو السلامة عواقب وخيمة، ويصعب اكتشافها أو التخفيف منها بعد تداول المنتج.
وتواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عموماً خطراً أعلى لعدم الامتثال نتيجة لمحدودية قدرات المنشآت وضعف القابلية القانونية لإنفاذ اللوائح. فالمنشآت غير الرسمية في هذه البلدان أكثر ميلاً إلى التهرب من العقوبات وأقل قدرة على الامتثال للاشتراطات التنظيمية أو الطوعية. وعلى نحو مماثل، كثيراً ما تفتقر حكومات هذه البلدان إلى القدرة على تشغيل أنظمة فعالة للمراقبة اللاحقة للطرح في السوق. ولذلك كثيراً ما يكون من المستحسن أن تعتمد البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في البداية على تقييمات المطابقة من طرف ثالث أو على الضوابط السابقة للطرح في السوق أكثر من اعتمادها على الإقرارات الذاتية للمنشآت بالمطابقة. غير أن الضوابط السابقة للطرح تميل إلى فرض أعباء أكبر على الصناعة ونفقات أكبر على الحكومة. ولذلك، مع نمو قدرة البلد، يصبح من الأكثر مسوغاً أن يتحول نحو أنظمة أكثر مرونة لاحقة للطرح تستخدم إقرارات الموردين ومراقبة الأسواق وعمليات التفتيش القائمة على المخاطر.
ولمعالجة قيود القدرات، قد تحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى تطبيق استراتيجيات إنفاذ من الدرجة الثانية في الأفضلية، وزيادة استخدامها للأدوات الرقمية في تقييم الامتثال. فالمنظمات غير الحكومية مثلاً يمكن أن تساعد على إبلاغ المستهلكين بحالات عدم المطابقة للمعايير المنطبقة، ويمكن للسجلات الرقمية العامة أن تزيد الشفافية بتبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر. ومجموعة متنامية من الحلول الرقمية تحسن فاعلية البنية التحتية للجودة، لا سيما في إدارة المخاطر. ففي باكستان، بينت تجربة أن تزويد مفتشي الصحة الحكوميين بتطبيق على الهواتف الذكية لإرسال تقارير مختومة بالموقع الجغرافي عن العيادات الريفية إلى كبار صناع السياسات زاد من تواتر عمليات التفتيش.
الاستفادة من الأدوات الرقمية في البنية التحتية للجودة
يمكن لطائفة متنوعة من الأدوات الرقمية أن تحسن فاعلية البنية التحتية للجودة ونطاق وصولها وكفاءتها تحسيناً كبيراً. فالتدقيق عن بعد مثلاً يمكن أن يخفض تكاليف التقييم، ويمكن دمج المعايير القابلة للقراءة الآلية في عمليات الشركات بسلاسة أكبر. ويمكن لأنظمة التتبع الرقمية، كجواز المنتج الرقمي في الاتحاد الأوروبي، أن تساعد على التحقق من الامتثال وإدارة المخاطر في سلاسل الإمداد. وعلى نحو مماثل، تعزز شهادات المعايرة الرقمية والتسجيل الآلي للبيانات موثوقية خدمات القياس والاختبار وكفاءتها. كما يمكن لمراقبة الأسواق أن تستفيد من توظيف الأدوات الرقمية، كاستخدام المراجعات عبر الإنترنت ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي لاستهداف المنتجات غير الآمنة على نحو أفضل. وبالنسبة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يمكن للأدوات الرقمية أن تساعد على تجاوز قيود القدرات والقيود التي تفرضها الجغرافيا، بإتاحة التدريب الافتراضي لموظفي المختبرات مثلاً، أو تقييم المطابقة عن بعد في المناطق التي يصعب الوصول إليها. ورغم أن الأدوات الرقمية في البنية التحتية للجودة تتطلب استثمارات في البنية التحتية الرقمية، فإنها قادرة على جعل العمليات أكثر مرونة وفاعلية من حيث التكلفة.
التعاون الدولي لتقاسم الموارد في مجال البنية التحتية للجودة
ليس من الضروري أن تتوافر جميع الخدمات المتعلقة بالبنية التحتية للجودة محلياً لتلبية احتياجات المنشآت المحلية. ففي حالات كثيرة، ترسل المنشآت بانتظام عينات من منتجاتها إلى الخارج لاختبارها، لا سيما حين يشترط المشترون الدوليون شهادات من هيئات تقييم مطابقة معترف بها عالمياً. وكثيراً ما يكون ذلك نهجاً كفؤاً ومعقولاً من الناحية التجارية. غير أن الاعتماد على المختبرات الأجنبية قد يخلق تحديات حين يكون الاختبار حساساً للوقت أو حين تجعله الخدمات اللوجستية غير عملي، لا سيما في حالة السلع القابلة للتلف أو السلع الأساسية السائبة التي تُتداول في آجال قصيرة. لكن هذه الاعتبارات تحتاج إلى تقييم كل حالة على حدة قبل أن يتخذ صناع السياسات خطوات لتقديم حوافز تجعل الخدمات المتعلقة بالبنية التحتية للجودة متاحة محلياً.
وبالنسبة لكثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل والبلدان الصغيرة، يوفر التعاون الإقليمي أو الثنائي بديلاً فعالاً من حيث التكلفة، لا سيما للخدمات المكلفة والمتخصصة كالاعتماد وعلم القياس العلمي. ويمكن للاستثمارات المشتركة، كالمختبرات المرجعية الإقليمية أو تحديد مسؤوليات وطنية معينة، أن تضمن إمكانية التتبع إلى المعايير الدولية كالنظام الدولي للوحدات، كما تبين أمثلة من منطقة البحر الكاريبي والجنوب الأفريقي. غير أن الحواجز السياسية والمالية واللوجستية كثيراً ما تعيق التعاون الفعال، إذ تفضل حكومات كثيرة السيطرة المحلية على الكفاءة المشتركة. وحين يكون التعاون مجدياً، قد يتخذ أشكالاً كاتفاقات الخدمات الثنائية أو المرافق الإقليمية الممولة تمويلاً مشتركاً، لكن حتى مع الاستعانة بمصادر خارجية، يجب أن تحتفظ الحكومات بخبرة فنية كافية لإدارة الخدمات الخارجية والإشراف عليها. وعند تقييم جدوى تقاسم هذه الموارد بين البلدان، ينبغي النظر في ما إذا كانت الخدمة المعنية مرتفعة التكلفة وقليلة الطلب في البلد المضيف ويرجح أن تظل كذلك، وما إذا كانت متاحة تجارياً في الخارج، وما إذا كانت العلاقات السياسية مع البلد الشريك المحتمل مواتية، وما إذا كانت تكاليف الحصول على الخدمة تجارياً من الخارج والوقت اللازم لذلك يمثلان مشكلة.
تقاسم الموارد المتعلقة بالبنية التحتية للجودة بين بلدان منطقة البحر الكاريبي والجنوب الأفريقي
اختبار كفاءة الطاقة في منطقة البحر الكاريبي
تفتقر بلدان جزرية صغيرة كثيرة في منطقة البحر الكاريبي إلى الحجم اللازم لإنشاء بنية تحتية فعالة من حيث التكلفة لاختبار كفاءة الطاقة في الأجهزة والمعدات. وتساعد مؤسستان توفران هذه البنية التحتية على معالجة التحديات الخاصة بالمنطقة: مختبر الإنارة الموفرة للطاقة التابع لمكتب المعايير في ترينيداد وتوباغو، ومختبر التبريد التابع لمكتب المعايير في جامايكا. ويقدم كل من هذين المختبرين خدمات اختبار معتمدة لأنواع مختلفة من الأجهزة الكهربائية لأعضاء الجماعة الكاريبية وغيرهم. ومن العوامل الرئيسية لنجاحهما أن برنامج المنطقة لوسم كفاءة الطاقة يُنسق على المستوى الإقليمي عبر مؤسسة راسخة هي المنظمة الإقليمية للمعايير والجودة التابعة للجماعة الكاريبية، التي تقدم دعماً مستمراً للدول الأعضاء في وضع معايير كفاءة الطاقة، والتوعية بالمعايير، وتبادل نتائج الاختبار عبر قاعدة بيانات مركزية.
الجنوب الأفريقي: هيئة اعتماد إقليمية
حين دخلت الاتفاقات التجارية بين الدول الأعضاء في الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي حيز التنفيذ، لم يكن لدى سوى بلدين من أصل 16 بلداً عضواً هيئات اعتماد وطنية، بسبب ارتفاع التكاليف الثابتة لإنشاء هذه المؤسسات. وخلق ذلك تحدياً في ضمان تقييم مطابقة يتسم بالكفاءة والاعتراف المتبادل في أرجاء المنطقة. ومن خلال تجميع موارد الدول الأعضاء الأربع عشرة الأخرى، أنشئت دائرة الاعتماد التابعة للجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، بوصفها أول هيئة اعتماد إقليمية متعددة الاقتصادات في العالم للتحقق من كفاءة هيئات تقييم المطابقة في البلدان المشاركة. ومن العوامل الرئيسية لنجاح هذه الدائرة تقاسم المقيّمين المؤهلين والخبراء الفنيين. فباستخدام 21 موظفاً متفرغاً فقط، مع إمكانية الاستعانة بنحو 100 خبير في المنطقة، تستطيع الدائرة تلبية احتياجات الاعتماد للمنطقة بأسرها، بدعم من نقاط الاتصال الوطنية للاعتماد الموجودة في الدول الأعضاء.
الخلاصة
كثيراً ما تُغفل البنية التحتية للجودة، ومع ذلك فإنها تدعم بهدوء الأداء الفعال للاقتصادات والحكومات، من إتاحة الصادرات وحماية المستهلكين إلى تعزيز الابتكار والاستدامة البيئية. وبالنسبة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لا يقتصر تعزيز البنية التحتية للجودة على بناء المختبرات أو معاهد القياس، بل يتعلق أيضاً بإرساء مؤسسات ذات مصداقية قادرة على دعم التنمية. ولهذا يؤكد هذا التقرير أن لوظائف البنية التحتية للجودة ومبادئها صلاحية عالمية. فيجب أن يُرفع طموح المعايير جنباً إلى جنب مع القدرة على الامتثال لها، والبنية التحتية للجودة حيوية لهذا الجهد، إذ تضمن ألا توضع المعايير الأعلى فحسب، بل أن تُستوفى أيضاً. وكما أبرز هذا الفصل، فإن البنية التحتية للجودة منظومة تكيفية قائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يجب أن تتطور مع تقدم البلدان في التنمية. ويشمل هذا التطور تحديد أنواع الخدمات اللازمة داخل البلد، وكيف ينبغي أن تتغير الأدوار العامة والخاصة بمرور الوقت، وكيف يمكن دمج البنية التحتية للجودة بفاعلية في السياسة العامة.
موضوع خاص 3: هيئات التقييس الوطنية
لدى معظم بلدان العالم هيئة تقييس وطنية معترف بها، تمثل جزءاً من منظومة البنية التحتية الوطنية للجودة، وتضطلع بمهمة وضع المعايير الوطنية الطوعية. وفي بعض البلدان، لا سيما البلدان الصغيرة المنخفضة الدخل، تقدم هيئات التقييس الوطنية أيضاً خدمات أخرى متصلة بالبنية التحتية الوطنية للجودة، كعلم القياس وتقييم المطابقة. وكثيراً ما تعمل هيئات التقييس الوطنية نقطة استعلام وطنية لدى منظمة التجارة العالمية في إطار اتفاقية العوائق الفنية أمام التجارة.
ويعرض هذا الموضوع الخاص نتائج مسح لهيئات التقييس الوطنية أجراه البنك الدولي والمنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) معاً لأغراض تقرير عن التنمية في العالم 2025. وقد أرسل المسح إلى هيئات التقييس الوطنية الأعضاء في الأيزو البالغ عددها 173 هيئة (130 هيئة عضواً، و39 عضواً مراسلاً، و4 أعضاء مشتركين)، وأكملته 116 هيئة. ويصف هذا الموضوع الخاص الخصائص المؤسسية لهذه الهيئات الـ116 والطرق التي تضع بها المعايير الوطنية، مبرزاً الفروق الرئيسية بين البلدان بحسب مستوى الدخل.
وكثير من هيئات التقييس الوطنية منظمات حكومية مستقلة أنشئت بموجب عمليات تشريعية، كهيئتي التقييس الوطنيتين في بنغلاديش وجنوب أفريقيا. وفي بعض البلدان، كالولايات المتحدة، لا تكون هيئات التقييس الوطنية منظمات حكومية، بل منظمات غير حكومية تعترف بها الحكومات بوصفها هيئات التقييس الوطنية لديها.
ويرتبط التكوين المؤسسي لهيئة التقييس الوطنية ارتباطاً وثيقاً بمستوى دخل البلد الذي تخدمه. فمع ارتفاع مستوى دخل البلدان، يزداد عدد هيئات التقييس الوطنية الخاصة. فبينما تخضع جميع هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل للملكية العامة، لا تزيد نسبة الهيئات العامة في البلدان المرتفعة الدخل على 56%.
وقد بدأ إنشاء هيئات التقييس الوطنية في البلدان الأدنى دخلاً في وقت متأخر عنه في البلدان الأعلى دخلاً. فمتوسط عمر هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى يبلغ نحو 31 عاماً و38 عاماً على التوالي، بينما يبلغ في البلدان المرتفعة الدخل نحو 62 عاماً.
ولدى هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل في المتوسط قرابة ضعف عدد الموظفين المتفرغين لدى نظيراتها في البلدان المرتفعة الدخل، لأن الأولى تقدم عموماً خدمات أكثر تتعلق بالبنية التحتية الوطنية للجودة. بل إن متوسط حصة الموظفين المشاركين في وضع المعايير في هيئات التقييس الوطنية يرتفع من 18% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 36% في البلدان المرتفعة الدخل.
وفي عام 2024، نشرت البلدان المرتفعة الدخل في المتوسط نحو خمسة أضعاف ما نشرته البلدان المنخفضة الدخل من معايير، لكن الأعداد متفاوتة تفاوتاً كبيراً داخل كل فئة من فئات الدخل. فعدد المعايير المنشورة عام 2024 مثلاً يتراوح بين صفر و8065 معياراً في البلدان المرتفعة الدخل، وبين 2 و1500 معيار في البلدان المنخفضة الدخل. ويتراوح عدد معايير الأيزو المعتمدة عام 2024 بين 1 و1500 معيار في البلدان المرتفعة الدخل، وبين صفر و1100 معيار في البلدان المنخفضة الدخل. وفي المقابل، يتراوح عدد معايير "إيه إس تي إم الدولية" المعتمدة عام 2024 بين صفر و39 معياراً في البلدان المرتفعة الدخل، وبين 1 و13 معياراً في البلدان المنخفضة الدخل، بمتوسط 14% من المعايير المعتمدة. وبينما تُعتمد معايير الأيزو في أنحاء العالم، تميل معايير "إيه إس تي إم الدولية" إلى أن تعتمدها بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما يتفاوت عدد المعايير المنشورة لكل موظف مشارك في وضع المعايير بحسب مستوى دخل البلد. فهيئات التقييس الوطنية في البلدان المرتفعة الدخل تنشر نحو خمسة أضعاف ما تنشره نظيراتها في البلدان المنخفضة الدخل من المعايير لكل موظف. ويرجح أن تعود هذه الفروق في الإنتاجية إلى أن موظفي هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل يضعون المعايير دون كبير مساعدة من أصحاب المصلحة الآخرين، في حين تضطلع الصناعة في البلدان الأعلى دخلاً بدور قيادي أكبر، بما يتيح لكل موظف وضع مزيد من المعايير.
وفي جميع مستويات دخل البلدان، تمثل الاتحادات الصناعية والقطاعية المصدر الأكبر منفرداً لطلبات وضع المعايير. ويتزايد نفوذها بارتفاع دخل البلد، إذ تقف الاتحادات في البلدان المرتفعة الدخل وراء قرابة ثلثي جميع الطلبات. كما تحرك الأجهزة الحكومية الطلب على المعايير، لكن نفوذها يتراجع بارتفاع دخل البلد، إذ تنخفض نسبة المعايير التي تطلبها الحكومات من 37% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 29% في البلدان المرتفعة الدخل.
دور هيئات التقييس الوطنية في الحوكمة والتنظيم
رغم أن هيئات التقييس الوطنية لا تنشر سوى المعايير الطوعية، فإنها كثيراً ما تساعد الأجهزة التنظيمية في صياغة اللوائح الفنية، لا سيما في البلدان النامية التي قد تفتقر إلى الخبرة في هذا المجال. ولدى غالبية البلدان في جميع مستويات الدخل إطار للوائح الفنية، لكن القدرة على تقييم آثار المعايير تتزايد بارتفاع مستويات دخل البلدان.
وفي جميع فئات دخل البلدان، يتعلق نحو نصف المعايير المدرجة في اللوائح الفنية بسلامة الغذاء والبناء، وإن كانت معايير سلامة الغذاء أهم من معايير البناء في البلدان المنخفضة الدخل، والعكس صحيح في البلدان المرتفعة الدخل.
ولهيئات التقييس الوطنية أدوار متنوعة في ما يتعلق بالمعايير على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. وتشمل مسؤولياتها وضع المعايير واعتمادها عبر لجانها الفنية، وترشيح خبراء يتسقون مع أولوياتها الوطنية للمشاركة في اللجان الدولية في منظمات كالأيزو. وتمثل اللجان الفنية الوطنية منتديات يجتمع فيها خبراء من الصناعة، ومنظمات تقييم المطابقة، والجهات الاستشارية، والأوساط الأكاديمية، والمنظمات غير الحكومية، والحكومة، وجمعيات المستهلكين، وغيرهم من أصحاب المصلحة. ويمكن أن تحاكي بنيتها بنية لجان الأيزو الموازية، وتسمى هذه اللجان حينئذ "اللجان الوطنية المرآة". ويميل عدد اللجان الفنية الوطنية في هيئات التقييس الوطنية إلى التزايد مع العدد الإجمالي للمعايير التي تنشرها هذه الهيئات، إذ يبلغ متوسطه 58 لجنة فنية وطنية في البلدان المنخفضة الدخل و201 لجنة في البلدان المرتفعة الدخل. ويتيح العدد الأكبر من اللجان الفنية لهيئة التقييس الوطنية تغطية نطاق أوسع من القطاعات.
ويتزايد تمثيل القطاع الخاص في اللجان الفنية الوطنية لهيئات التقييس الوطنية بارتفاع دخل البلد، في حين يتراجع تمثيل الأجهزة الحكومية وموظفي هيئات التقييس الوطنية. وخلافاً للمجموعات الأخرى، تظل حصة الأعضاء القادمين من الأوساط الأكاديمية ثابتة في جميع مستويات الدخل.
وتقرر هيئات التقييس الوطنية الأعضاء في منظمات وضع المعايير الدولية ما إذا كان ينبغي للبلدان التي تخدمها أن تعتمد المعايير التي تنشرها تلك المنظمات معايير وطنية. وإذا كانت لدى هيئة تقييس وطنية حاجة لا يغطيها أي معيار دولي قائم، فقد تضع المعيار اللازم بوصفه "معياراً محلياً". ولا تكون هيئات التقييس الوطنية، لا سيما في البلدان المنخفضة الدخل، على دراية دائماً بجميع المعايير الدولية المنشورة، وقد تضع معايير محلية حتى حين يتوافر معيار دولي يلبي الحاجة نفسها. ولدى مؤسسات دولية كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية برامج لبناء القدرات لدعم هيئات التقييس الوطنية الأعضاء فيها في تجنب الازدواجية وتيسير اعتماد المعايير الدولية. ويتزايد عدد معايير الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية التي تعتمدها هيئات التقييس الوطنية بارتفاع دخل البلد، بما يقلل العوائق الفنية أمام التجارة، وييسر النفاذ إلى الأسواق الدولية، ويدل على اندماج أكبر في مجتمع المعايير العالمي.
تعزيز التعاون بين واضعي المعايير وصناع السياسات
المعايير الدولية أدوات كفؤة وفعالة من حيث التكلفة لتحقيق أهداف السياسة العامة، لأنها تجسد توافقاً بين أصحاب مصلحة وبلدان متعددين. ويدعم اعتمادها صنع السياسات، ويعزز شفافية العملية التنظيمية وقابليتها للتنبؤ وخضوعها للمساءلة، ويحفز النمو الاقتصادي المستدام.
وتلزم اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن العوائق الفنية أمام التجارة البلدان باستخدام المعايير الدولية عند وضع اللوائح الفنية. فضلاً عن ذلك، تعزز إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الممارسات التنظيمية اعتماد المعايير الدولية. وتقدم الأيزو إرشادات وتدريباً لهيئات التقييس الوطنية بشأن كيفية دعم عملياتها التنظيمية الوطنية بفاعلية أكبر، مع الوفاء بالتزاماتها التجارية الدولية والتقيد بأفضل الممارسات العالمية.
وفي عام 2023، أصدرت الأيزو "المعايير والسياسة العامة: مجموعة أدوات لهيئات التقييس الوطنية". وتقدم هذه الوثيقة إطاراً لفهم كيف يمكن للمعايير الدولية أن تساعد صناع السياسات والجهات التنظيمية في وضع السياسات واعتمادها وتطبيقها، لا سيما اللوائح الفنية، وفقاً لاتفاقية العوائق الفنية أمام التجارة.
ويجري حالياً تنفيذ برنامج لبناء القدرات لزيادة التعاون بين هيئات التقييس الوطنية وصناع السياسات والجهات التنظيمية، قطاعاً قطاعاً. ويشمل البرنامج موجزات سياسات مواضيعية، وحلقات عمل، ومبادرات بحثية، ودراسات حالة، وتبادلاً للمعرفة بين النظراء، وتدريباً لبناء القدرات. والهدف إنشاء مجتمع عالمي يستخدم المعايير الدولية لتحقيق أهداف السياسة العامة، وتعزيز التجارة، وتشجيع التعاون التنظيمي الدولي.
وتميل هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، من حيث مصدر المعايير التي تنشرها، إلى نشر عدد أكبر من المعايير المحلية والدولية مقارنة بالبلدان المرتفعة الدخل. أما البلدان المرتفعة الدخل فتميل على النقيض من ذلك إلى اعتماد عدد أكبر من المعايير الإقليمية، لكن اعتماد المعايير التي وضعتها اللجنة الأوروبية للتوحيد القياسي هو ما يحرك هذا الاتجاه إلى حد كبير. فحتى منتصف عام 2023، كان نحو 34% من المعايير السارية لدى اللجنة الأوروبية للتوحيد القياسي معايير أيزو معتمدة بنصها، في حين وضعت اللجنة الباقي على نحو مستقل. وتعكس هذه النسبة التعاون المستمر بين اللجنة الأوروبية والأيزو والمواءمة بين معايير المنظمتين، بهدف إيجاد معايير متسقة على المستويين الأوروبي والدولي.
وتأتي المعايير التي تسجل أعلى مستويات المشاركة في وضعها من جانب هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل في قطاع التكنولوجيا والابتكار، يليها قطاع النظم الصحية والغذائية، ثم قطاع العلوم والبيئة في مرتبة ثالثة بفارق كبير. وفي جميع مستويات الدخل، تكون أعلى مستويات مشاركة هيئات التقييس الوطنية في معايير قطاع التكنولوجيا والابتكار، ويتزايد احتمال مشاركتها في هذا القطاع بارتفاع مستوى دخل البلد.
التحديات التي تواجهها هيئات التقييس الوطنية في اعتماد المعايير الدولية
في جميع فئات الدخل، حين تختار هيئات التقييس الوطنية تكييف المعايير الدولية الطوعية، أي تعديلها وفق نظام الأيزو، بدلاً من اعتمادها كما هي، فإن السبب الرئيسي الذي تذكره ليس محدودية القدرة على المطابقة للمعيار الدولي، بل الظروف المناخية المحلية. وفي البلدان المنخفضة الدخل تحديداً، تشير نتائج المسح إلى أن هذه البلدان لن تعتمد المعيار الدولي أصلاً إذا لم تستطع الامتثال له، أي إذا لم تكن مجهزة لتطبيقه أو للاختبار وفقاً له، بدلاً من خفض صرامته في نسخة مكيفة. وعلى النقيض من ذلك، يرجح أن تكيف البلدان في فئات الدخل الأخرى ذات القدرة المحدودة على الامتثال لمعيار دولي هذا المعيار بخفض صرامته. فضلاً عن ذلك، فإن 60% من هيئات التقييس الوطنية في البلدان المرتفعة الدخل أكثر ميلاً إلى تقرير عدم اعتماد معيار دولي لأن لديها بالفعل معياراً وطنياً أو إقليمياً مماثلاً.
وتفيد جميع هيئات التقييس الوطنية بأن اعتماد المعايير الدولية أمر مهم لأن هذه المعايير تتيح للبلدان التي تخدمها النفاذ إلى الأسواق الدولية، وبأن المعايير أداة قوية أيضاً لجذب الاستثمار الأجنبي، وهو سبب تذكره بوجه خاص هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة الدخل. كما ترى نحو نصف هيئات التقييس الوطنية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في اعتماد المعيار الدولي سبيلاً لتجنب ضغوط المنشآت المحلية، وتستخدمه أداةً للتغلب على المقاومة المحلية.
وتشير البلدان المنخفضة الدخل ذات القدرة الفنية الأدنى أيضاً إلى تعقيد المعايير الدولية سبباً لعدم اعتمادها. وتبرز نتائج المسح الحاجة إلى برامج موجهة لبناء القدرات، لا سيما لرفع الوعي بتوافر المعايير الدولية واعتمادها واستخدامها، ولزيادة قدرة البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى على المطابقة للمعايير الدولية.
الجزء الثالث: توظيف المعايير لتحقيق نتائج التنمية
يستكشف الجزء الثالث كيف يمكن للبلدان أن تسخّر المعايير للنهوض بنتائج التنمية. فالمعايير روافع قوية للنمو الاقتصادي بنشرها المعرفة، وتيسيرها التجارة والاستثمار، وتعزيزها الإنتاجية. كما أنها تحسن الصحة والتعليم، فتقوي رأس المال البشري والنمو الطويل الأجل. غير أن النمو المنفلت قد يولد مخاطر، من التدهور البيئي إلى عدم الاستقرار المالي، يمكن للمعايير الفعالة أن تساعد على إدارتها. وتقوم جميع هذه النتائج على القدرة الحكومية، التي تعززها بدورها معايير الحوكمة التي ترسخ الشفافية والمساءلة والكفاءة.
ويناقش الفصل الرابع كيف يرفع تبني المعايير الطوعية جودة منتجات البلد وخدماته، وكيف تسرّع التجارة الدولية انتشار هذه المعايير. ويوثق تكاثر المعايير واللوائح المتزايدة التعقيد والصرامة خلال العقدين الماضيين، ويشرح كيف تكتسب البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل المعرفة الضمنية عبر الاستثمار الأجنبي المباشر. كما يبرز الفصل الدور المتنامي لمعايير التكنولوجيا وكيف يمكن لهذه البلدان أن توظفها توظيفاً استراتيجياً.
ويكمل هذا النقاش موضوعان خاصان: يستكشف الموضوع الخاص الرابع كيف تصون المعايير المالية النزاهة والصمود مع توسيع نطاق الحصول على الخدمات المالية، ويتناول الموضوع الخاص الخامس كيف يمكن للبنية التحتية الرقمية العامة أن تتيح ابتكاراً شاملاً وتقديماً أكفأ للخدمات.
ويركز الفصل الخامس على المعايير في الرعاية الصحية والتعليم، لا سيما في مرحلة الطفولة المبكرة، لتحسين النتائج على امتداد العمر. ويبين كيف تعزز المعايير الإجرائية، كقوائم التحقق الإجرائية والعلاجات الموحدة، جودة الرعاية الصحية، في حين تزيد المعايير المتعلقة بمؤهلات المعلمين وحضورهم وأساليبهم التربوية جودة التعليم. كما أن معايير القياس أساسية لدفع الإصلاح التعليمي وتحسين نتائج التعلم.
ويتناول الفصل السادس كيف يمكن للبلدان أن تستخدم المعايير البيئية لدعم النمو الأخضر بالحد من التلوث وتعزيز التكيف مع تغير المناخ، مع الموازنة بين التكاليف والمنافع الاقتصادية لهذه المعايير.
ويناقش الفصل السابع كيف تمكّن معايير الحوكمة في ثلاث وظائف أساسية، هي شؤون الموظفين والمدفوعات والمشتريات، الحكوماتِ من تنفيذ السياسات بفاعلية وتقديم السلع والخدمات العامة. ومن شأن توظيف هذه المعايير أن يعزز القدرة المؤسسية ويضمن مزيداً من الكفاءة والإنصاف والمساءلة.
