الفصل الأول: تاريخ المعايير
الرسائل الرئيسية
يعكس تطور المعايير سعي البشرية نحو النظام والثقة والابتكار من خلال تنسيق الممارسات والحد من المخاطر.
أدت معايير القياس، المتجسدة في فهم مشترك للوحدات يسنده علم القياس بوصفه الدراسة العلمية للقياس، دوراً رئيسياً في بسط السلطة وبناء الدول وتقوية الأسواق.
كانت معايير الجودة ضرورية لإدارة المخاطر التي كثيراً ما تصاحب التقنيات الجديدة، ولتوفير الضمانات التي تكفل انتشار تبنيها. ومع ذلك كثيراً ما قوبلت هذه المعايير بالمقاومة في البداية، إلى أن تصبح تكاليفها على الرفاه العام باهظة من الناحية السياسية.
شكلت معايير التوافق ركيزة لانتشار التقنيات وتبنيها، بما فيها التقنيات التي جاءت بها الثورات الصناعية المتعاقبة.
تؤدي المعايير دوراً مهماً في إدارة المخاطر الناشئة عن التقنيات الجديدة، وفي فهم أوسع للآثار الخارجية السلبية الناجمة عن تنامي البصمة البيئية للتصنيع وتزايد مستويات الاستهلاك. ولهذه المعايير أهميتها بالنسبة لنوعية الحياة، وهي الهدف الجوهري الأعمق للتنمية.
تؤثر التباينات في القيم الاجتماعية، ودرجة تقبل المخاطر، وقوى السوق، والقدرة التنظيمية، في نوع المعايير ونطاقها.
كثيراً ما تنطوي المعايير على مفاضلات. ففي مجال وضع المعايير، تشمل هذه المفاضلات الموازنة بين إشراك أصحاب المصلحة والسرعة، وبين الخبرة وخطر الاستحواذ. وخلال عملية تبني المعايير، ثمة مفاضلات بين التكلفة والجودة، وبين الحجم والتنوع، وبين الابتكار والانحباس التكنولوجي.
مقدمة
قبل نحو 4000 عام، كتب زبون غير راضٍ في دولة مدينة أور في بلاد الرافدين أول شكوى مسجلة في تاريخ البشرية. وقد دُونت الشكوى على لوح طيني بالخط المسماري، وهو مثال حي على وسيط موحد استُخدم في التواصل الرسمي في أنحاء من المنطقة، ووجهت إلى تاجر نحاس يدعى إيا ناصر عدة اتهامات بالإخلال بالتوقعات التجارية: تسليم نحاس دون المستوى، وتأخير كبير في النقل، وإساءة معاملة خادم صاحب الشكوى. وقد نشأ النزاع عن اختلاف أنظمة القياس المستخدمة في وزن النحاس عند المصدر وعند المقصد، كما يوحي الادعاء بإساءة معاملة الخادم بوجود توقعات لمعايير عمل معيارية أساسية.
وقد انتقلت الشكوى، ومعها شحنة النحاس التي تصفها، عبر شبكة من الرسل والقوافل، بما يجسد البنية التحتية الموحدة التي كانت تدعم التواصل والتجارة لمسافات بعيدة. وكانت المعاملات تعتمد على نظام نقدي موحد قائم على الفضة لتسوية المدفوعات، تدعمه إجراءات إدارية موحدة، إذ كان الكتبة يسجلون الحسابات على ألواح طينية، ويغلفونها بأغلفة واقية مختومة بالأختام الأسطوانية، ثم يحفظونها في أرشيف منظم.
وتجسد هذه القصة مدى تشابك المعايير مع التاريخ البشري، إذ شكلت منظومة مقننة في مجالات اللغة والتجارة والقياس والنقد والعمل، توسطت الثقة والتنسيق والقيمة منذ العصور القديمة.
ويرسم هذا الفصل لوحة تاريخية واسعة تبرز الأنماط الثلاثة للمعايير التي يركز عليها هذا التقرير، وهي معايير القياس ومعايير الجودة ومعايير التوافق. ورغم أن معايير القياس ظهرت في عصر ما قبل الحداثة، فإن كل نوع من هذه الأنواع نما خلال الثورات الصناعية التي طبعت العصر الحديث، بدءاً بالثورة الصناعية الأولى، أي "عصر البخار"، التي انطلقت في منتصف القرن الثامن عشر.
وقد ارتفع الطلب على المعايير ارتفاعاً هائلاً في أواخر القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية الثانية. فقد ولّد "عصر الآلة" الجديد، الذي اتسم بالإنتاج الضخم، والتقنيات المعقدة ذات الآثار الشبكية في النقل والاتصالات، والتحضر، والتكامل العالمي، الحاجةَ إلى معايير التوافق ومعايير الجودة التي تقوم عليها السلامة. ثم جاء فجر الثورة الصناعية الثالثة في النصف الثاني من القرن العشرين، أي "عصر المعلومات"، فضاعف الحاجة إلى معايير التوافق التي كانت حيوية لثورة الإنترنت. كما شهد هذا العصر تحولاً هيكلياً في الاقتصادات من الصناعة التحويلية إلى الخدمات، التي ستحتاج مكوناتها الكثيرة بدورها إلى معاييرها الخاصة. وفي الوقت ذاته، أوضحت التداعيات البيئية لقرنين من التغير التكنولوجي والنمو الاقتصادي الحاجة إلى المعايير البيئية.
معايير القياس
ركزت المعايير الأولى على القياس الأساسي، وهدفت إلى إرساء السيطرة السياسية وتيسير التجارة. وقد لاحظ جون بيري في كتابه "قصة المعايير" أن "الإنسان تعلم القياس قبل أن يتعلم الكتابة بقرون، وعن طريق القياس تعلم العد. وفي قائمة المواهب التي تميز الإنسان عن سائر الحيوانات، تحتل قدرته على القياس مرتبة من أعلى المراتب". فلم يكن القياس إذن مجرد مهارة عملية، بل كان تقدماً معرفياً كبيراً مكّن البشر من التفكير المفاهيمي.
في البداية، "كان الإنسان مقياس نفسه"، فكانت المسافات تقدر بعرض الإصبع أو امتداد الكف أو طول الذراع. ورغم أن هذه القياسات كانت غير دقيقة وتتفاوت من شخص إلى آخر، فإنها كانت كافية حين كانت المهام فردية والاحتياجات آنية.
غير أن العمل الجماعي كشف حدود المقاييس القائمة على جسم الإنسان، فحين كان عاملان يستخدمان قدميهما أو ذراعيهما للقياس، كثيراً ما جاءت نتائج عملهما متفاوتة. ولمعالجة ذلك، كثيراً ما بُنيت القياسات على أبعاد جسم القائد، ثم جُسدت في بدائل مادية كقضبان القياس لتكرارها على نطاق أوسع. وفي المنشآت الضخمة كالأهرامات، أضفي على هذا المنطق طابع مؤسسي بمعيار رئيسي واحد مجسد في جسم دائم لضمان التوحيد بين مجموعات العمال المتفرقة.
ففي مصر القديمة، نحو عام 2700 قبل الميلاد، برزت الذراع الملكية (ماحي)، وهي قضيب يتراوح طوله بين 523 و525 مليمتراً مقسم إلى سبعة أكفّ و28 إصبعاً، معياراً أساسياً. وتحققت الدقة باستخدام قضبان الذراع المصنوعة من الخشب أو الحجر، التي استُخدمت في بناء الهرم الأكبر في الجيزة. ووحّد "الخت"، وهو حبل طوله مئة ذراع، عمليات مسح الأراضي وتقدير الضرائب. وحوّل مقياس النيل في جزيرة الروضة، المعاير على أساس الذراع، مستويات فيضان النيل إلى بيانات قابلة للقياس، بما دعم التخطيط الزراعي ودرء المجاعات. وتطورت المعايير بالتوازي في وادي السند، حيث دعمت "قدم السند" الموحدة نظاماً بنائياً قائماً على الوحدات، يتمحور حول طوب ذي نسب ثابتة هي 1:2:4. واعتمدت حضارات أمريكا الوسطى كذلك على مقاييس معايرة، وفي المنظومة الهندسية الرومانية كان القياس ركيزة لإدارة المياه على نطاق واسع.
وإلى جانب المقاييس الطولية، شكلت معايير قياس الوزن والحجم أساس التجارة والضرائب وإدارة الموارد والإدارة العامة. وكما يتضح من شكوى إيا ناصر، نحو عام 1750 قبل الميلاد، كان من شأن النزاعات حول الأوزان أن تقوض الثقة في أنظمة التجارة اللامركزية. ففي سومر، حيث كانت حبات الشعير تُستخدم في البداية وحداتٍ للوزن، استغل التجار التفاوت الطبيعي باختيار الحبات الأكبر لتحريف القياسات. ولمواجهة ذلك، ظهرت الأوزان الحجرية المتينة وموازين الكفتين بصورة مستقلة في مصر ووادي السند وبلاد الرافدين نحو عام 3000 قبل الميلاد. وبحلول الألفية الثانية قبل الميلاد، كان تجار المسافات البعيدة قد أرسوا معايير للأوزان انتشرت عبر أوروبا، فأنشأوا ما يمكن اعتباره أول سوق أوراسية مشتركة قبل أكثر من 3000 عام. فأكثر من 2000 ثقل، امتد استخدامها على مسافة 5000 كيلومتر وعلى مدى 2000 عام، تراوحت أوزانها بانتظام في نطاق ضيق بين 8 و10.5 غرامات، من بريطانيا إلى بلاد الرافدين. وأفضل تفسير لهذا الانتشار هو التفاعل بين التجار وتنظيمهم الذاتي، لا المراسيم السياسية.
وفي المقابل، أضفت بعض الدول القديمة طابعاً مؤسسياً على القياس من خلال حوكمة مقننة، مستعينة بالرقابة الإدارية لضمان الموثوقية والصيانة. ففي الهند، نص كتاب "أرثاشاسترا"، الذي يُعتقد أنه كتب في وقت ما بين عامي 321 و296 قبل الميلاد، على تعيين مشرف على الأوزان والمقاييس يراقب الأدوات المعيارية، ويعاقب التجار بضريبة قدرها 25% من قيمة أي بضائع يبيعونها دون أن تستوفي المعايير. وفرض النظام القانوني الذي أرسته سلالة تشين في الصين، في القرن الرابع قبل الميلاد، التوحيد عبر مكاييل "شنغ" وأوزان "جين" البرونزية التي كانت الدولة تصبها وتنقش عليها المراسيم، وهي سياسة توسعت لتأكيد السلطة المركزية بعد توحيد الإمبراطورية عام 221 قبل الميلاد.
وبحلول العصور الوسطى، كانت معايير القياس الأساسية قد برزت أداة مهمة من أدوات الحكم، إذ أدرك الملوك أن الاقتصاد المستقر والمزدهر قادر على زيادة إيرادات التاج مع توسيع السيطرة القضائية للحكام. غير أن الإنفاذ ظل عسيراً، تعيقه محدودية الامتداد الإداري ومقاومة السلطات المحلية والسكان. فقد كانت امتيازات خاصة تسيطر على الأسواق، ولم يكن انتهاك المعايير الملكية يجلب كبير وصمة، بما قوض الإنفاذ.
ومع ذلك أدت هذه المعايير وظيفة رمزية حيوية. فقد كانت أدوات القياس التي استخدمتها آلية لإضفاء الشرعية على السلطة، تربط المادي بالماورائي من خلال تقنين المعايير. ورغم أن علم القياس خفض تكاليف المعاملات، فإنه كان متجذراً أيضاً في تعزيز أهداف سياسية، كبسط سلطة الدولة وتمكين بنائها، وهو دور حافظ عليه في العصور اللاحقة.
ولنوعين إضافيين من معايير القياس، يتناولهما التقرير لاحقاً، سوابق أيضاً في عصر ما قبل الحداثة. فقد ظهرت معايير مبكرة لرأس المال البشري، في صورة بناء المهارات، في أوروبا خلال الألفية الثانية، حيث كان قياس المهارات والمنتجات يجري داخل النقابات الحرفية. وكانت هذه الهيئات تفرض مدة التلمذة المهنية وجودة الإنتاج، فتبني كفاءات ضمنت توافق الحرف في أنحاء كثيرة من أوروبا لنحو ثمانية قرون، إلى أن ألغيت النقابات في القرن التاسع عشر. وكانت النقابات مؤسسات "للنظام الخاص" عممت الثقة وبنت رأس المال الاجتماعي، بما مكنها من معالجة أشكال مختلفة من إخفاقات السوق. فقد عالج نموذج التلمذة المهنية أوجه القصور في أسواق التدريب على المهارات، وعالجت شهادات الجودة التي تمنحها النقابات عدم تماثل المعلومات بين منتجي السلع ومستهلكيها. لكن النقابات نظمت أيضاً الدخول إلى مهنها، وسعت إلى إبقاء الأسعار مرتفعة بتقييد الإنتاج وكبت المنافسة وعرقلة الابتكار، فكانت حكاية تحذيرية مبكرة بشأن الحاجة إلى معايير مفتوحة في بعض الحالات. وفي نهاية المطاف، استسلمت المهارات الحرفية التي مثلتها لقوة الثورة الصناعية الأولى.
ولتحدٍّ معاصر آخر من تحديات التنمية، هو بناء حوكمة أقوى من خلال معايير أفضل للتوظيف، سوابق تاريخية طويلة كذلك. فقد كان نظام الامتحانات الصيني للخدمة المدنية، الذي استمر أكثر من ألف عام، رائداً في قياس الكفاءة من أجل بيروقراطية قائمة على "الجدارة". ومع ذلك أثرت الخلفية الأسرية تأثيراً كبيراً في النجاح في تلك الامتحانات الشاقة، بسبب تمتع فئات معينة بفرص أفضل في الحصول على رأس المال الاجتماعي والثقافي، وهو نمط لوحظ أيضاً في سياقات أخرى مثل فرنسا.
الثورة الصناعية الأولى وبداية علم القياس الحديث
بدأت الثورة الصناعية الأولى، التي أطلق عليها البعض عصر البخار، في بريطانيا العظمى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مدفوعة بالفحم والحديد والمنسوجات. وأخذت المعايير تكتسب أهمية أكبر خلال هذه الثورة بثلاث طرق متمايزة: في تطوير التقنيات الجديدة، وفي نشرها، وفي إدارة المخاطر الناجمة عنها. ويوضح علم القياس، المتجسد في النظام المتري، ومعايير السلامة، من خلال تنظيم المراجل البخارية، كيف بدأت المعايير تتسرب إلى العصر الحديث.
ولم يكد علم القياس يتقدم خلال الألفية السابقة. فقد نصحت رسالة أوروبية من القرن السادس عشر باشتقاق قضيب القياس من خطوات 16 رجلاً "وهم يغادرون الكنيسة". وقد جزأ النظام الإقطاعي السلطة السياسية، ومعها علم القياس الذي أصبح تجسيداً للسلطة. فكانت كل سلطة، من ملك أو سيد إقطاعي أو بلدة أو دير، تحدد الوحدات وفق مبدأ "ملك واحد، قانون واحد، وزن واحد، مقياس واحد". وقد تغير ذلك كله مع ظهور النظام المتري.
النظام المتري: التقاء الثورة السياسية بثورة القياس
كانت فرنسا الثورية مهد النظام المتري. فقد سادت فوضى القياس في فرنسا طوال القرن الثامن عشر، إذ كان فيها نحو 250000 وحدة محلية للأوزان والمقاييس. بل إن مقياساً واحداً كرطل الوزن كان يختلف باختلاف السلع كالقمح والشعير والدقيق. ومع سيطرة الأسياد الإقطاعيين على المعايير لجباية الرسوم، أعاق هذا التنوع الهائل في المقاييس التجارة والضرائب بين الأقاليم، وقوض السلطة السياسية للملكية، ومن المرجح أنه أعاق التطور التكنولوجي أيضاً.
وكانت المطالبة بأوزان ومقاييس موحدة في مقدمة مظالم البرجوازية والطبقة العاملة، معبرة عن الضيق من التعسف الإقطاعي وعدم الكفاءة الإدارية. وقد صاغت الحكومة الثورية في تسعينيات القرن الثامن عشر إصلاح القياس بوصفه مشروعاً علمياً وأيديولوجياً في آن، وكلفت الأكاديمية الفرنسية للعلوم بابتكار نظام متجذر في الطبيعة والعقل، يرفض الوحدات المتمحورة حول الإنسان مثل "قدم الملك"، ويستعيض عنها بمعايير عالمية ثابتة. وكانت الثورتان السياسية والقياسية متشابكتين، إذ عكس السعي نحو التوحيد القياسي مُثلاً أوسع للعقلانية والمساواة. وأصبحت العالمية الوعد الجوهري للنظام المتري: "لجميع الناس، في جميع الأزمنة".
وجاءت عملية اعتماد النظام المتري انعكاساً لبناء الدولة الثورية. فقد أوفدت أكاديمية العلوم، التي أصبحت ذراعاً للدولة، فرقاً استكشافية لقياس خط الزوال الأرضي وإنتاج نماذج أولية من البلاتين للمتر والكيلوغرام، فأدمجت السلطة العلمية في الحكم. وبحلول عام 1795 قُنن النظام في القانون، ببنية عشرية رمزت إلى قطيعة واضحة مع الماضي. ووزعت جداول التحويل والكتيبات والمعايير المادية على البلديات، وأصبح التعليم في النظام المتري إلزامياً، وأصدرت الدولة المعايير، وعينت المفتشين، وفرضت العقوبات على عدم الامتثال لها. وكان يُنظر إلى حقيقة أن توحيد الأوزان والمقاييس سيقلل التنوع ويضعف الهويات الإقليمية بوصفها أمراً جوهرياً لصياغة أمة موحدة.
ورغم ما وعد به التحول إلى النظام المتري، كان تطبيقه عملية محفوفة بالصعاب. فقد صورته الحكومة الثورية أداةً لتفكيك التراتبيات الإقطاعية وخلق مواطنين متساوين قانونياً، لكن عامة الناس كثيراً ما رأوا في تطبيقه إكراهاً. فقد حافظ الحرفيون والفلاحون، المعتمدون على الوحدات المحلية المألوفة، على نظامين متوازيين، بل كانوا أحياناً يضعون علامات المقاييس القديمة على الأدوات الجديدة. واستغل أصحاب المتاجر المرحلة الانتقالية بتقريب الأسعار إلى الأعلى عند التحويل، وظل البيروقراطيون والمساحون يستخدمون الوحدات التقليدية في صمت، بما قوض مصداقية النظام.
وجاءت تسوية نابليون عام 1812، التي سمحت باستخدام المقاييس التقليدية جنباً إلى جنب مع المقاييس المترية، لتؤكد حدود التوحيد القياسي المفروض من أعلى، والدور الجوهري للمفاضلات في وضع المعايير وتطبيقها. فرغم أن النظام المتري أصبح مطلوباً قانوناً في العقود والضرائب والتعليم، ظلت التجارة اليومية في منطقة هجينة. وأبرزت هذه الازدواجية مفارقة محورية: فالنظام المتري الذي صُمم أداةً للتحرر اعتمد على إنفاذ سلطوي نفّر المواطنين أنفسهم الذين زعم أنه يمكّنهم. ولم يترسخ النظام المتري ترسخاً كاملاً في فرنسا إلا عبر عقود من ضغط الدولة وتعاقب الأجيال وإعادة فرض استخدامه إلزامياً عام 1840.
وفي البداية، انتشر النظام المتري في أوروبا إلى حد كبير نتيجة للفتوحات النابليونية. فرغم أن العالمية كانت هدفه المعلن، فقد تقدم "في أعقاب الحراب الفرنسية"، تماماً كما انتشرت المعايير البريطانية مع إمبراطوريتها. وكان تبني النظام المتري متعلقاً بالرمزية وبناء الأمم بقدر ما كان متعلقاً بالمنفعة، من حركة البعث الإيطالية إلى توحيد ألمانيا، وصولاً إلى أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر (الأرجنتين وتشيلي والمكسيك) والدول التي نشأت بعد الاستعمار في القرن العشرين.
وظهر محركان جديدان للنظام المتري في أواخر القرن التاسع عشر: توسع العلوم والتكنولوجيا، وطفرة في حركة السلع والمعلومات عبر الحدود، إيذاناً ببدء العصر الأول للعولمة. فقد قاد مؤتمر باريس للبريد عام 1863 خمس عشرة دولة إلى تبني الأوزان المترية في الخدمات البريدية، بما أثر في 95% من المراسلات العالمية. وتوج الغرضان المزدوجان المتمثلان في التماسك الوطني وقابلية التشغيل البيني الدولية بمعاهدة المتر عام 1875. وقد وقعتها 17 دولة، منها الولايات المتحدة دون بريطانيا العظمى، وأنشأت المكتب الدولي للأوزان والمقاييس الذي وزع نماذج أولية معتمدة للمتر والكيلوغرام على الدول الأعضاء. وكما في فرنسا، كان تبني النظام المتري عالمياً بطيئاً، إذ امتد أكثر من قرن. وكانت هناك بعض الاستثناءات البارزة، فرغم الدعم المبكر من توماس جيفرسون وقانون بريطانيا العظمى المتساهل الصادر عام 1864، لم تتبنَّ بريطانيا العظمى ولا الولايات المتحدة النظام تبنياً كاملاً.
وقد كرس إدخال النظام الدولي للوحدات عام 1960، الذي شمل قياسات جديدة للوحدات الكهربائية والحرارية والضوئية، النظامَ المتري حجر زاوية لمعايير القياس في العالم. لكن هذه المعايير لم تكن جامدة، بل تطورت مع التقدم العلمي.
وتقدم الهند مثالاً من بلد نامٍ على الكيفية التي أتاحت بها معايير القياس المشتركة مساراً نحو التكامل الاقتصادي الوطني في مجتمع شديد التنوع.
وقد اتسمت كل ثورة صناعية بزيادة الدقة في القياس. ففتحت القفزات التراكمية في دقة القياس الباب أمام صناعات جديدة، من التفاوتات الميكانيكية البالغة مليمتراً واحداً في القرن الثامن عشر (التي أتاحت إنتاج المحركات البخارية والبراغي)، إلى التفاوتات الصناعية البالغة أجزاء من الألف من البوصة في القرن التاسع عشر (الإنتاج الضخم)، إلى التفاوتات الميكرونية في القرن العشرين (الإلكترونيات)، وصولاً إلى التفاوتات على المستوى الذري اليوم (التقنيات الكمومية). بل لقد ذهب البعض إلى أن التقدم التكنولوجي للحضارة مرتبط ارتباطاً مباشراً بالإنجازات المتصاعدة في الدقة.
كيف استخدمت الهند المعايير في بناء الدولة والأمة
في حين ارتكز بناء الأمم تقليدياً على لغة مشتركة، منح دستور الهند الذي اعتُمد عام 1950 اعترافاً رسمياً بأربع عشرة لغة، ارتفع عددها لاحقاً إلى 22 لغة. وفي هذا السياق، وفر بناء مجموعة مشتركة من معايير القياس أداة بديلة لتعزيز التكامل الوطني.
ورغم الجهود الاستعمارية نحو التوحيد القياسي ابتداءً من عام 1833، ومنها قانون الأوزان والمقاييس الهندي لعام 1870، ظلت الأوزان والمقاييس في الهند مجزأة، واستمر نظام هجين من الوحدات الإمبراطورية والمحلية. وفي عام 1934 حثت جمعية مؤتمر العلوم الهندي الحكومة الاستعمارية على توحيد الأوزان والمقاييس وتبني النظام المتري، وبدأت الصناعة والجمعيات العلمية الهندية تضغط على الحكومة من أجل إصلاح القياس. وكان من أوائل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة بعد نيل الهند استقلالها عن بريطانيا العظمى عام 1947 إنشاء معهد المعايير الهندي لتشغيل نظام علامات الشهادات في البلاد وتيسير حماية المستهلك. وبالتزامن مع ذلك، أنشأت الحكومة المختبر الفيزيائي الوطني في الهند ليكون مختبر البلاد لمعايرة معايير القياس.
وحين نزل أول مسح وطني بالعينة في الهند إلى الميدان عام 1950، كشفت نتائجه عن افتقار لافت إلى توحيد الأوزان والمقاييس في المناطق الريفية: 143 نظاماً مختلفاً لقياس الوزن، و150 نظاماً مختلفاً لقياس الحجم، و180 نظاماً لقياس مساحة الأرض. وجددت هذه النتائج التأييد للتحول إلى النظام المتري، بصياغة جديدة تؤكد أن "تهنيد" النظام المتري أنسب ثقافياً من توحيد القياس على أساس الوحدات الإمبراطورية البريطانية بإرثها الاستعماري. واعتمدت الهند الوحدات المترية رسمياً عام 1956، وطبقتها قانونياً عام 1958، وجعلتها إلزامية بحلول عام 1962.
وتطلب الانتقال إلى النظام المتري قدراً هائلاً من التخطيط، شمل معايير فنية جديدة، وحملات توعية عامة، ومواد متعددة اللغات، ومراجعة المناهج الدراسية. فقد اضطرت السكك الحديدية الهندية، أكبر جهة صناعية موظفة في البلاد، إلى مراجعة أكثر من 35000 رسم معياري، لكن نقص الرسامين الفنيين أبطأ العملية. كما أن محدودية القدرة على تصنيع الأدوات المترية مدت فترة الانتقال على مدى عقد كامل.
ورغم أن علم القياس كان إحدى الأدوات، فإن بناء الأمة تطلب أيضاً مجموعة مشتركة من المعايير للربط المادي عبر بلد شاسع، وهو دور كانت السكك الحديدية الهندية مهيأة له على أكمل وجه. لكن السكك الحديدية، رغم أنها ربطت البلاد مادياً، استخدمت ثلاثة مقاييس غير متوافقة للسكة، أي المسافة بين القضبان: العريض والمتري والضيق. وأدى هذا التشرذم إلى أوجه قصور، من الحاجة إلى صيانة مجموعات مختلفة من العربات إلى تحويل مسارات الركاب والبضائع لضمان استمرار الرحلات. وبدأ توحيد مقاييس السكك الحديدية في أوائل خمسينيات القرن العشرين، باختيار المقياس العريض معياراً، لكنه تقدم ببطء. وبحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين، كان نصف شبكة السكك الحديدية في البلاد لا يزال لا يستخدم المقياس العريض. وفي عام 1992 أطلق مشروع "المقياس الموحد" لتحويل جميع الخطوط إلى المقياس العريض، وتطلبت العملية بنية تحتية جديدة واستغرقت ثلاثة عقود أخرى. وبحلول عام 2022، كانت منظومة موحدة للسكك الحديدية ذات مقياس عريض تربط البلاد بأسرها تقريباً. وجعل هذا المقياس الموحد الربط سلساً، وألغى الحاجة إلى عربات مكررة لاستيعاب المقاييس المختلفة.
وأصبحت الهند عام 1956 أول بلد من بلدان الكومنولث يتحول إلى النظام المتري. غير أنه رغم هذه البداية المبكرة، تراجع الاهتمام بالمعايير خلال عقود الحمائية في الهند. فبدون منافسة سوقية أو ضغوط تصديرية، لم يكن لدى المصنعين حافز يذكر لاستيفاء معايير أعلى. فضلاً عن ذلك، قللت هيمنة القطاع العام من الضغوط الرامية إلى تحسين الجودة، التي لم تكن من أولويات الخطط الخمسية في الهند. ولم تستعد المعايير مكانتها ببطء في استراتيجية التنمية الهندية إلا بعد تحرير الاقتصاد عام 1991، الذي أدخل نظاماً تجارياً أكثر انفتاحاً وزيادة في الاستثمار الأجنبي المباشر. وبدأ تنظيم مؤتمرات دورية بشأن المعايير الوطنية عام 2014، أفضت إلى صياغة الاستراتيجية الوطنية الهندية للتوحيد القياسي عام 2018.
معايير الجودة
كما هو الحال مع معايير القياس، تعود سوابق معايير الجودة إلى آلاف السنين. فقد تضمنت شريعة حمورابي، نحو عام 1750 قبل الميلاد، في بلاد الرافدين القديمة اهتماماً بمعايير البناء، إلى جانب 282 قانوناً حددت العقوبات على طائفة واسعة من المخالفات، ومنها الضرر الناجم عن منزل أو مبنى رديء البناء. وتناولت أسعار البناء ومسؤولية المقاول، وأرست مفهوم التعويض المدني، الذي يقتضي التعويض عن العمل المعيب، وهو مفهوم لا يزال قائماً حتى اليوم.
وقد جعل قدوم الثورة الصناعية الأولى أهمية معايير الجودة أكثر وضوحاً. فقد نشأت معايير الجودة في البداية في صورة معايير للسلامة الصناعية، ثم امتدت إلى مجالات أخرى. فالممارسات غير الآمنة في المناطق الحضرية المتزايدة الاكتظاظ، ومخاطر التلوث المتصاعدة الناجمة عن التصنيع، والممارسات الخطرة في سلاسل إمداد الغذاء المتطاولة، كلها دفعت السلامة، ومعايير الجودة التي تقوم عليها، إلى الواجهة. فقبل الثورة الصناعية الأولى، كانت اشتراطات السلامة تحدد محلياً، وفي حالة أوروبا الغربية كانت تحددها النقابات المهنية. لكن التقنيات الجديدة الواسعة الانتشار التي أطلقتها الثورة الصناعية طرحت مخاطر جديدة. وكانت مصادر المخاطر ودرجتها ومظاهرها ستتغير مع ظهور تقنيات جديدة، لكن الأسئلة الأساسية حول كيفية إدارة هذه المخاطر وتوفير ضمان الجودة ستظل قائمة على الدوام، من المراجل البخارية في القرن التاسع عشر إلى الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين. وتحمل الحالات التالية عدداً من الدروس التي تتناولها الفصول اللاحقة بمزيد من التفصيل.
تنظيم المراجل المتفجرة
كان المحرك الدافع للثورة الصناعية الأولى مصدراً جديداً للطاقة المسخرة هو البخار، المولد في معظمه بمراجل تعمل بالفحم. غير أن هذه المراجل كانت تنطوي على مخاطر جسيمة على السلامة. وقد اختارت القوى الصناعية الكبرى، أي فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة، طرقاً مختلفة لإرساء معايير السلامة للحد من خطر انفجار المراجل البخارية. ويبين التباين في الأساليب التي اختارتها أن معايير السلامة، مقارنة بغيرها من أنواع المعايير، أكثر ارتباطاً بالسياق، سواء من حيث مستويات التنظيم أو طريقته، بما يعكس التباين في القيم الاجتماعية ودرجة تقبل المخاطر والقدرة التنظيمية.
كانت بريطانيا العظمى، بوصفها الدولة الرائدة في الثورة الصناعية الأولى، تستخدم آلاف المراجل بحلول أوائل القرن التاسع عشر. ومع ذلك، ورغم الحوادث العديدة المتعلقة بالمراجل، رفضت مراراً تشريعات كانت ستفرض معايير للسلامة. فقد كان فرض هذه المعايير بأثر رجعي مكلفاً، نظراً لكثرة المراجل العاملة آنذاك، كما أن سن معايير للمراجل الجديدة مع استثناء المعدات القديمة كان سيخلق منافسة غير عادلة. وعارض الصناعيون البريطانيون التدخل الحكومي متذرعين بحقوق الملكية ومفضلين التنظيم الذاتي، بحجة أن السلامة والربح متسقان، إذ إن تجنب الانفجارات يصب في مصلحة رواد الأعمال أنفسهم. فضلاً عن ذلك، كانوا لا يثقون بالعلماء، معتقدين أن المهندسين وأصحاب رؤوس الأموال يملكون معرفة عملية أكبر. ورغم سلسلة من الحوادث والتحقيقات البرلمانية، لم تخضع مراجل السفن البخارية للتنظيم حتى عام 1852، وظلت المراجل الصناعية دون تنظيم حتى عام 1902.
أما فرنسا فقد استوردت المحركات البخارية العالية الضغط من بريطانيا العظمى بعد الحروب النابليونية، لكن الحكومة الفرنسية فرضت معايير السلامة على المراجل في وقت مبكر، رغم أنه لم يكن في البلاد سوى نحو 200 محرك بخاري عامل، ولم يقع إلا عدد قليل من الحوادث. فقد كان تأخر تطور تكنولوجيا البخار نسبياً يعني أن الدولة الفرنسية واجهت مصالح راسخة أقل من جانب رأس المال والعمال مقارنة ببريطانيا العظمى. وكانت الثورة الفرنسية قد فككت بالفعل البنى النقابية القديمة، ووقعت التكنولوجيا الجديدة خارج نطاق الحرف القائمة. واعتقدت الحكومة، الواثقة بالعلم، أنها قادرة على فرض معيار وطني قائم على مبادئ رياضية صاغتها أكاديمية العلوم. وتولت لجنة مركزية الإشراف على التنظيم، فكانت تفتش المراجل سنوياً وتمنحها شهادات بأختام رسمية.
مقارنة بين النهجين البريطاني والفرنسي في تنظيم المخاطر
يبرز اختلاف النهجين البريطاني والفرنسي أسئلة جوهرية حول ضمان السلامة ودور الحوكمة في ضمان الامتثال لتدابيرها. فقد سعت فرنسا إلى تحقيق السلامة من خلال معايير لتصميم المنتجات تطبق قبل التصنيع، في حين اعتمدت بريطانيا العظمى على آليات تُفعّل بعد دخول المعدات الخدمة، أي التأمين والصيانة. واستجابة لعشرات الانفجارات التي كانت تقع في المراجل البخارية كل عام، ولتصاعد الضغط الشعبي، أصدرت بريطانيا العظمى قانون المصانع لعام 1844، الذي فرض ضمانات على الأجزاء المتحركة من الآلات، ثم مرسوم المراجل البخارية البحرية عام 1852. وأدرك رواد الأعمال أن عليهم إما أن يحلوا مشكلة الانفجارات بأنفسهم، وإما أن يخاطروا بتدخل الحكومة. واستُبعد التوحيد القياسي على الطريقة الفرنسية بحجة أنه سيرفع تكلفة المراجل ويُخضع الصناعيين لمزيد من التدخل الحكومي في مصانعهم. وفي البداية قوبلت فكرة التأمين بالمقاومة، على أساس أن أصحاب المراجل سيتهاونون في السلامة إذا ما توافر لهم سند التأمين، وهو ما يعرف بالخطر الأخلاقي. لكن نموذج التأمين ساد بمرور الوقت.
كما تباين التركيز الفني بين البلدين، فقد ركز المهندسون الفرنسيون على المواصفات الهيكلية كسماكة المرجل وقطر الصمام، في حين جعل المؤمنون البريطانيون ممارسات الصيانة وعمر المرجل أولويتهم، واتخذوهما أساساً لتحديد أقساط التأمين.
وبحلول عام 1865، كان نحو 10000 مرجل في بريطانيا العظمى مؤمّناً عليها، وبعد عقدين ارتفع هذا العدد إلى نحو 50000 مرجل، أي نصف المجموع الوطني. وكان الغرض من التأمين منع الانفجارات لا التعويض عنها. فقد ركز المؤمنون البريطانيون على تحميل رواد الأعمال المسؤولية لحفزهم على التصرف بمسؤولية، أما مهندسو المناجم الفرنسيون فكثيراً ما ألقوا باللوم على العمال، متغاضين عن إخفاقاتهم في التصميم أو الإشراف.
وأبرز هذا التباين أسئلة جوهرية حول من يضع المعايير وكيف تنفذ. ففي فرنسا كانت التفتيشات الحكومية السنوية هي القاعدة، أما في بريطانيا العظمى فكانت شركات التأمين تجري ما يصل إلى خمسة تفتيشات في السنة، وهو ما جعل النظام البريطاني أكثر فاعلية من حيث المبدأ. ومع ذلك، وكما أشرنا آنفاً، ظل نصف المراجل في بريطانيا العظمى حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر دون تأمين، ومن ثم دون تفتيش. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، تراوح معدل الانفجارات في البلدين حول 6 انفجارات لكل 10000 مرجل سنوياً، لكن المعدل انخفض بالنسبة للمراجل البريطانية المؤمن عليها إلى انفجارين لكل 10000 مرجل، أي إن المراجل المؤمن عليها كانت أكثر أماناً من نظيراتها الفرنسية، في حين كانت غير المؤمن عليها أشد خطورة.
وربما قيدت صرامة معايير السلامة الفرنسية انتشار التكنولوجيا، إذ تكاثرت المحركات البخارية في بريطانيا العظمى بوتيرة أسرع. فبحلول ستينيات القرن التاسع عشر، كان في فرنسا نحو 25000 مرجل مقابل 80000 في بريطانيا العظمى، وبحلول ثمانينياته بلغ العددان 60000 و120000 على التوالي. غير أنه يصعب الفصل بين دور المعايير وغيرها من العوامل الاقتصادية، بالنظر إلى المزايا التي تمتعت بها المنشآت البريطانية بفضل رخص المواد الخام واتساع استخدام الأدوات الآلية.
وفي نهاية المطاف، تحول نظام السلامة الفرنسي أيضاً من الحكومة نحو الاتحادات الصناعية وشركات التأمين. وأدى النشاط السياسي، لا سيما في صورة الحركات العمالية، دوراً رئيسياً في تعزيز السلامة في أماكن العمل. فبحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأ العمال يطالبون بظروف عمل أفضل، منها السلامة في مكان العمل. وفي نهاية المطاف لم تكن السلامة مسألة فنية فحسب، بل كانت مسألة سياسية أيضاً، يشكلها ميزان القوى بين رواد الأعمال والعمال والجهات التنظيمية.
وتختلف القصة في القوى الصناعية الناشئة الأخرى في ذلك الوقت. فقد تبنت ألمانيا نهجاً أكثر مركزية، وفي وقت أبكر من فرنسا وبريطانيا العظمى. إذ سنت بروسيا تشريعاً بشأن سلامة المراجل عام 1831، وفصّلت الاشتراطات العامة في قانونها الصناعي لعام 1845، فكانت معدلات انفجار المراجل فيها الأدنى في أوروبا. وعلى النقيض من ذلك، سجلت الولايات المتحدة أعلى معدل بين البلدان الصناعية، تلتها فرنسا ثم بريطانيا العظمى. بل إن عدد المراجل التي انفجرت في شهر واحد في الولايات المتحدة كان يعادل ما ينفجر في عام كامل في ألمانيا، رغم تقارب أعداد المحركات البخارية في البلدين.
ووقعت معظم انفجارات المراجل البخارية الأمريكية المبكرة على متن السفن البخارية. وكما في المملكة المتحدة، تبنى مالكو السفن البخارية ومصنعو المراجل موقفاً مفاده أن أي مصنع محترم لن يخاطر بسمعته بصنع مرجل معيب، وأن الفحص المستمر للمراجل سيسبب إزعاجاً كبيراً دون أي ضمان بأنه سيكفل السلامة العامة، وأن التنوع الهائل في تصاميم المراجل والمحركات يجعل الاتفاق على أساليب الفحص شبه مستحيل، وأن المصلحة الذاتية المستنيرة لرائد الأعمال كفيلة بضمان سلامة الجمهور. وأضعفت هذه الحجج الجهود التشريعية، لكن مع تزايد الوفيات صدر تشريع اتحادي أقوى عام 1852. غير أن القانون لم يشمل سوى المراجل البحرية، تاركاً مراجل المصانع والقاطرات خارج نطاقه. واحتاج الأمر إلى انفجارين خطيرين في مصنعين للأحذية في ولاية ماساتشوستس عامي 1905 و1906 أوديا بحياة العشرات حتى تسن الولاية أول قانون للمراجل الثابتة عام 1907. وحذت ولايات أخرى حذوها حتى تعددت القوانين على نحو دفع المصنعين إلى مطالبة هيئة من المهندسين المحترفين، هي الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين، بمعالجة المسألة. وكانت النتيجة أول قانون للمراجل وأوعية الضغط، صدر عام 1915 في مجلد واحد من 114 صفحة. وبحلول عام 2001 كان القانون قد اتسع ليشمل 28 مجلداً تضم أكثر من 16000 صفحة، ثم واصل الاتساع إلى 33 مجلداً تضم أكثر من 19000 صفحة بين ذلك الحين وعام 2025.
ويقدم هذا التاريخ الموجز لمعايير سلامة المراجل عدة دروس تتناولها الفصول اللاحقة بمزيد من التعمق. أولاً، يعتمد تحقيق السلامة على اللوائح والمؤسسات بقدر ما يعتمد على الطلب الاجتماعي، سواء أكان من العمال المطالبين ببيئة صناعية أكثر أماناً، أم من المستهلكين المطالبين بمنتج أكثر أماناً.
ثانياً، تتوقف طريقة تنظيم معايير السلامة على السياق. فحتى في الوقت الذي اختارت فيه بريطانيا العظمى طريق التأمين الخاص وأحبطت جميع محاولات سن تشريع يقضي بأن تتولى جهة رسمية تفتيش المراجل البخارية البرية، فإنها سنت مثل هذا التشريع في أكبر مستعمراتها، الهند، إذ وجدت النموذج البريطاني "غير عملي" بالنسبة للهند استناداً إلى أدلة أظهرت "بالإجماع شعبية التفتيش الرسمي والثقة الناجمة عن قيام جهة حكومية به". وستفضي تلك الثقة إلى أن يصبح تفتيش المراجل تجسيداً لما عرف بـ"حكم المفتشين" في الهند المستقلة.
ثالثاً، ثمة نزعة إلى التأمين الناقص، أي الحد من مسؤولية شركة التأمين، لأن المنشآت تجد في الحصول على خدمة التفتيش التي يقدمها المؤمنون قيمة أكبر مما تجده في التأمين ذاته. فبحسب أحد التقديرات، تنفق شركات التأمين أكثر من 22 سنتاً على خدمات التفتيش مقابل كل دولار تحصّله من الأقساط، في حين تدفع 50 سنتاً لحملة الوثائق تعويضاً عن الخسائر.
رابعاً، يمكن لمعايير الأداء أن تحفز الابتكار، إذ أفضت قواعد السلامة الخاصة بالمراجل إلى جهود أكبر لدراسة سبل تحسين كفاءة المراجل وتصميمها. لكن المعايير تحتاج إلى أن تتطور مع التقنيات الجديدة، وإلا فإنها قد تعيق الابتكار.
وأخيراً، تبدو نزعة المعايير إلى التكاثر حتمية لا مفر منها. ولكن في حين تبدو الحاجة إلى غرس أشجار جديدة من المعايير لكل حاجة جديدة واضحة، فإن الآثار التراكمية على غابة المعايير الأوسع أقل وضوحاً.
تنامي أهمية معايير السلامة: الحرائق والتلوث والغذاء
الحرائق
أطلقت الثورة الصناعية الثانية أيضاً تحولاً هيكلياً أوسع اتسم بتحضر سريع وغير منظم، فتحول مجتمع ريفي في غالبيته إلى مجتمع حضري بأغلبية ساحقة. وجعل الاكتظاظ، والمساكن البائسة للطبقة العاملة، والبنية التحتية المتدنية، لا سيما شبكات المياه والصرف الصحي، المدنَ شديدة التعرض للحرائق الكارثية، بما أثار الطلب على معايير السلامة من الحرائق.
وقد أرسيت أسس التنظيم في مجال السلامة من الحرائق في العصور الوسطى في بريطانيا العظمى. وشكل حريق لندن الكبير عام 1666 نقطة تحول، إذ أفضى الدمار الذي أحدثه، والذي فاقمه البناء بالخشب وضيق الشوارع وبدائية أساليب مكافحة الحرائق، إلى صدور قانون إعادة بناء لندن في العام التالي. وفرض القانون البناء بالطوب أو الحجر، والجدران الفاصلة المشتركة، وتوسيع الشوارع، وقيود الارتفاع، والأهم من ذلك تعيين مفتشي مبانٍ أو "مساحين" يتمتعون بصلاحيات الإنفاذ. وأصبح الإطار التنظيمي الذي وفره القانون النموذج الأول لقوانين البناء في أنحاء العالم، وأرسى المبدأ الجوهري القائل إن السلامة العامة يمكن أن تبرر تقييد ممارسات البناء الخاصة.
وبعد قرنين في الولايات المتحدة، أودى حريق شيكاغو الكبير عام 1871، وما تلاه من حرائق كارثية، بحياة آلاف الأشخاص، وشرد أعداداً أكبر بكثير، ودمر عدداً لا يحصى من المباني والأحياء. ودفعت التكاليف البشرية والمادية والمالية لهذه الحرائق المميتة إلى الطلب على معايير للتخطيط العمراني، ومعايير للبناء، وقوانين للسلامة من الحرائق، ومعايير لمعدات مكافحة الحرائق. وشملت هذه المعايير الجديدة فرض الأسقف القرميدية واستخدام الهياكل الفولاذية الداخلية، واشتراطات بأن تكون مخارج الطوارئ تُفتح نحو الخارج، وأن تبقى الأبواب غير مقفلة، وأن تكون السلالم مقاومة للحريق، وأن توضع لافتات واضحة، فضلاً عن حدود للإشغال. وبدأ الخبراء، الذين كثيراً ما عملوا في المساحة بين الحكومة والتأمين والصناعة، يقننون السلامة من الحرائق. وقد انتشر حريق بالتيمور الكبير عام 1904 دون داعٍ لأن فرق الإطفاء العديدة التي قدمت للمساعدة في إخماده كانت تملك معدات غير متوافقة مع صنابير الإطفاء المحلية ولم تتمكن من وصلها بها. ودفعت الكارثة الرابطة الوطنية للحماية من الحرائق إلى نشر قوانين موحدة للمعدات عام 1905. غير أن تبنيها كان بطيئاً، فبعد عقد من الزمن لم يكن قد تبنى معايير هذا القانون سوى 287 مدينة من أصل 8000 مدينة أمريكية، وهو ما يبرز تحديات الامتثال الطوعي حتى بعد الكوارث.
وكانت أنظمة الرشاشات من الابتكارات المبكرة في مجال السلامة من الحرائق، لكنها افتقرت إلى الاتساق. ففي منطقة بوسطن وحدها كانت هناك تسعة معايير مختلفة لأحجام أنابيب الرشاشات والمسافات بينها. وساعدت شركات التأمين، التي كانت تتحمل الجزء الأكبر من الخسائر المرتبطة بالحرائق، في تأسيس الرابطة الوطنية للحماية من الحرائق، وروجت لأول معايير لتركيب الرشاشات. وأضاف إدخال الكهرباء إلى المنازل والمصانع مخاطر جديدة للحرائق، فخلقت المعايير المتعددة والمتداخلة للتمديدات الكهربائية ارتباكاً ومخاطر، بما دفع إلى إصدار القانون الوطني للكهرباء عام 1897. وفي الفترة نفسها تقريباً، تأسست مختبرات "أندررايترز" في شيكاغو، وهي مبادرة خاصة لاختبار سلامة المنتجات ومنح الشهادات بشأنها. وبعد قرن من الزمن، ستظهر شهادة هذه المختبرات على مليارات المنتجات الاستهلاكية في أنحاء العالم.
وقد كشفت كارثتان في أماكن العمل يفصل بينهما قرن من الزمن، هما حريق مصنع "ترايانغل شيرتويست" في نيويورك عام 1911 وحريق مصنع "تازرين فاشنز" في بنغلاديش عام 2012، عن إخفاقات متشابهة في بروتوكولات الوصول إلى المخارج والسلامة. ففي الحالتين، أقفل المديرون معظم المخارج لمنع السرقة والاستراحات غير المأذون بها، فحوصر العاملون، ومعظمهم من الشابات، داخل المباني المحترقة. وفي وقت حريق "ترايانغل شيرتويست"، كان نصيب الفرد السنوي من الدخل في الولايات المتحدة 333 دولاراً أمريكياً (نحو 10000 دولار أمريكي بأسعار عام 2012)، في حين كان في بنغلاديش وقت حريق "تازرين فاشنز" أقل من 1000 دولار أمريكي. وبينما شكل الحريق الأول نقطة تحول في تاريخ سلامة العمل والمباني على حد سواء بفعل الضغط الداخلي، جاء التحول في حالة الثاني نتيجة لضغط المنشآت الأجنبية المستوردة لمنتجات البلاد. وقد خلقت هذه المآسي وعياً بأن العاملين يستحقون الحماية بصرف النظر عن وضعهم الاقتصادي.
وتتطلب المعايير التي تمس السلامة العامة بناء ثقة الجمهور، وهي عملية تتطلب الصبر واستيعاب دروس الإخفاقات المأساوية. ومع ذلك فقد ظل السعي إلى السلامة للحد من مخاطر الحرائق يصطدم دائماً من ناحية بسلوك محفوف بالمخاطر تدفعه دوافع مالية، لا سيما خفض التكاليف بالتقتير في قوانين سلامة المباني ومعدات مكافحة الحرائق، والاكتظاظ وما إلى ذلك، ومن ناحية أخرى بضعف آليات ضمان الامتثال للاشتراطات. ومع اتساع البيئة العمرانية، اتسعت قوانين البناء كذلك لتعزيز الصحة العامة وتحسين السلامة، وهو ما كان سيضيف حتماً إلى التكاليف، بما يبرز التوتر الدائم بين الحد من المخاطر وتصاعد التكاليف.
التلوث
رغم أن الثورة الصناعية الثانية كثيراً ما تقترن بالسكك الحديدية والصلب، فإنها أفرزت أيضاً واحداً من أهم القطاعات الجديدة في ذلك العصر، هو الصناعة الكيميائية. فقد باتت المختبرات تخلّق على نحو متزايد طائفة واسعة من المواد الكيميائية العضوية المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية والأصباغ والمتفجرات والأسمدة ومبيدات الحشرات والآفات والطلاءات واللدائن والمطاط الصناعي والألياف، بدلاً من استخلاصها من مصادر طبيعية. وجعل اندماج البحث العلمي بالتصنيع الصناعي القطاعَ الكيميائي في قلب عملية التصنيع. وكما هو الحال مع المراجل في الثورة الصناعية الأولى، خلقت هذه التقنيات الجديدة حاجة ملحة إلى معايير السلامة، وفي هذه الحالة لإدارة الأثر الخارجي السلبي الواسع الانتشار للتلوث.
وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان التلوث قد أصبح شاغلاً ظاهراً وواسع الانتشار في أنحاء أوروبا. فقد ركز التحضر السريع السكان في مدن مكتظة، بما ضاعف الأثر البيئي لحرق الفحم والنفايات الصناعية وقصور معالجة مياه الصرف الصحي. بل كلما كبرت المدينة زاد الخطر على الحياة، إذ كانت نسب مخاطر الوفاة تتزايد بتزايد حجم المدينة. وفي البداية، كان التلوث بمياه الصرف الصحي في بريطانيا العظمى آفة أشد من الانبعاثات الصناعية. ولتأخير اللوائح الجديدة الرامية إلى مكافحة التلوث أو منعها، قدمت الصناعة الكيميائية البريطانية حججاً مماثلة لتلك التي قدمها مصنعو المراجل من قبل: أن الضوابط ستعرض الرخاء الوطني للخطر، أو لن تحسن جودة الهواء والماء تحسيناً يذكر، أو أنها سابقة لأوانها ما لم يُفهم الوضع الفني فهماً أفضل، وهي مبررات لا يزال صداها يتردد حتى اليوم. ورغم هذه الجهود، أفضى تفاقم تلوث الأنهار، كذلك الناجم عن مصانع الصودا، في نهاية المطاف إلى صدور قانون القلويات عام 1863.
وظهرت أنماط مماثلة في أماكن أخرى. ففي هولندا، انصب القلق في البداية على حمض الكبريتيك ومخلفات السكر الناجمة عن إنتاج الأصباغ، ثم سرعان ما اتسع ليشمل التلوث الصادر عن المصانع التي تولد القلويات وحمض الكبريتيك نفايات. وكما في بريطانيا العظمى، لجأت الجهات التنظيمية إلى الكيميائيين طلباً للدعم الفني. أما في ألمانيا، فكان الشاغل الرئيسي هو الانبعاثات السائلة في البحيرات والأنهار والجداول، كالزرنيخ الناتج عن إنتاج الأصباغ. وذهب الصناعيون هناك خطوة أبعد، فزعموا أن الأنهار "قنوات طبيعية للصرف الصحي"، وهو تبرير صور التلوث على أنه منتج ثانوي كفء، لا ضار، للتقدم الصناعي.
وشكلت هذه التطورات بداية نوع جديد من معايير السلامة، لم يحفزه القلق على صحة الإنسان فحسب، بل أيضاً فهم أوسع للآثار الخارجية السلبية الناجمة عن تنامي البصمة البيئية للإنتاج الصناعي وتزايد مستويات الاستهلاك. فقد كانت لمعايير الجودة أهميتها بالنسبة لنوعية الحياة، الهدف الجوهري الأعمق للتنمية. ويتناول الفصل السادس ما نتج عن ذلك من صعود للمعايير البيئية.
الغذاء
بدأت معايير سلامة الغذاء في الظهور في العصور الوسطى. ففي المجتمعات الإسلامية في تلك العصور، أدى المحتسب، أي مراقب السوق، دوراً محورياً في إنفاذ القواعد المتعلقة بالسلامة والجودة. فإلى جانب ضبط عدالة التجارة، كان المحتسب ينظم إنتاج الغذاء، ويمنع المرضى من العمل في المهن المتصلة بالغذاء، ويشرف على النظافة العامة في المدن، بما يبرز إطاراً مؤسسياً مبكراً للصحة العامة.
وقد عنت الثورات الصناعية والتحضر السريع أن الناس باتوا يشترون على نحو متزايد الغذاء الذي يستهلكونه بدلاً من زراعته بأنفسهم. ومع تنامي التجارة الدولية في المواد الغذائية، تصاعد قلق الجمهور بشأن سلامة الغذاء، بما دفع كثيراً من البلدان الأوروبية إلى سن قوانين للغذاء. وبذلت عدة محاولات متوازية لإرساء أساليب مشتركة لتقييم عينات الغذاء حتى يمكن مقارنة النتائج وتفسيرها. وجاء معلم بارز عام 1891 حين أطلقت النمسا "الدستور الغذائي النمساوي"، الذي نشر أولى معاييره عام 1911.
وفي الولايات المتحدة، جاء الإصلاح من القاعدة إلى القمة. فقد انفجر غضب الجمهور من غش الأغذية والظروف غير الصحية في المصانع بعد نشر رواية أبتون سنكلير "الأدغال" عام 1906، وهي عمل كاشف شبه روائي. وبينما تعثرت محاولات الإصلاح السابقة نتيجة لضغوط صناعة اللحوم، أدت أوصاف سنكلير اللاذعة إلى هبوط حاد في مبيعات اللحوم وإلى حظر بلدان أجنبية استيراد اللحوم من الولايات المتحدة. وجاء فحص إضافي أجراه مفتشون مستقلون عينتهم الحكومة بنتائج دامغة بالقدر نفسه، وهو ما عنى أيضاً أن صناعة اللحوم لم تعد قادرة على رفض كتاب سنكلير بوصفه مجرد خيال. وقد أسفر ذلك كله عن صدور قانون الأغذية والأدوية النقية وقانون التفتيش الاتحادي على اللحوم، وكلاهما صدر عام 1906، وهما أول قانونين اتحاديين شاملين بشأن سلامة الغذاء في الولايات المتحدة. وأرسى هذان القانونان الأساس للوائح المستقبلية، التي توجت بالقانون الاتحادي للأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل لعام 1938.
وفي أوروبا، تحول الدستور الغذائي النمساوي إلى "الدستور الغذائي الأوروبي"، الذي وضع قواعد موحدة لاختبار عينات الغذاء بهدف إزالة الحواجز التجارية داخل المنطقة. ثم ضم جهوده لاحقاً إلى منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية لضمان معايير عالمية مشتركة لسلامة الغذاء تحول دون نشوء حواجز أمام تجارة الأغذية. ومنذ عام 1963، تصدر هيئة الدستور الغذائي التابعة لهاتين المنظمتين معايير الدستور الغذائي لإرشاد الحكومات في وضع اللوائح المتعلقة بسلامة الغذاء. ودفعت الحساسية الحكومية المتزايدة تجاه الشواغل المحيطة بسلامة الغذاء إلى إدراج تدابير الصحة والصحة النباتية في إطار منظمة التجارة العالمية. ومع ذلك، ومع تبني بعض البلدان معايير لسلامة الغذاء تزداد صرامة، يظل غير واضح إلى أي حد تعكس هذه التدابير في المقام الأول الأدلة العلمية، أو تفضيلات المستهلكين المحليين، أو شكلاً مقنعاً من الحمائية.
معايير التوافق
معيار التوافق التأسيسي: أدوات التواصل المتمثلة في الكتابة واللغة
تطور توحيد أنظمة الكتابة من أداة لإدارة الموارد وسيطرة الدولة إلى بروتوكول فني لقابلية التشغيل البيني على المستوى العالمي. فقد وجدت المجتمعات المبكرة في توحيد الكتابة واللغة أمراً حاسماً للتواصل وحفظ السجلات والتفاعلات المؤسسية، وكان ذلك أيضاً نذيراً مبكراً بقوة الآثار الشبكية الخارجية. ويجسد تطور الخط المسماري في بلاد الرافدين، نحو عام 3100 قبل الميلاد، هذا النمط، إذ تطور من رسوم تصويرية إلى نظام موحد يرمّز نصوصاً معقدة. وتكشف آلاف الألواح الطينية الباقية عن وظيفته الاقتصادية الأساسية: تتبع السلع والعمل والمعاملات لدعم الحكم المركزي والتجارة البعيدة المدى. وعلى نحو مماثل، أضفت الدولة الوسطى في مصر، نحو عام 2000 قبل الميلاد، طابعاً مؤسسياً على الخط الهيراطيقي، وهو صيغة متصلة مشتقة من الهيروغليفية، لتبسيط الضرائب والتوثيق القانوني وتخصيص الموارد، بما يعكس توحيداً قياسياً تقوده الدولة لتعزيز الكفاءة الإدارية. وقد تطورت هذه الأنظمة تطوراً تكافلياً: فالكتابة أتاحت إدارة الموارد على نطاق واسع، ومتطلبات الدولة شكلت توحيد الخط. ثم أحدثت الأبجدية الفينيقية، نحو عام 1000 قبل الميلاد، ثورة أخرى في التوافق بإدخال خط مبسط متسق صوتياً أرسى الأساس للأبجديات اللاحقة، ومنها اليونانية واللاتينية.
ولم يكن التوافق في التواصل يتطلب دائماً لغة مكتوبة. فقد استخدمت إمبراطورية الإنكا، بين عامي 1450 و1534 للميلاد، والتي افتقرت إلى نظام للكتابة، نظام "الكيبو"، وهو نظام موحد من الحبال المعقودة، لإدارة بيانات التعداد والضرائب وتوزيع الموارد على 12 مليون من الرعايا. وكان موظفون مدربون يُعرفون باسم "كيبوكامايوك" يضمنون اتساق تفسيره.
وتسارع توحيد الكتابة خلال العصور الوسطى في أوروبا، مدفوعاً بالابتكار التكنولوجي والضرورات الجيوسياسية. فقد استلزم اختراع يوهانس غوتنبرغ للمطبعة، نحو عام 1440، أشكالاً موحدة للحروف، فرسخ الخطين الروماني والقوطي في أنحاء أوروبا. وعزز توسع الأسواق مكانة الأبجدية اللاتينية معياراً بحكم الواقع، بما وطد هيمنتها في السياقات الإدارية والعلمية. وبحلول القرن العشرين، أصبح تحديث الكتابة أداة للمواءمة الثقافية والاقتصادية. ففي عام 1928 تبنت تركيا في عهد أتاتورك أبجدية قائمة على الحروف اللاتينية بدلاً من الخط العربي السابق، لرفع معدلات القراءة والكتابة، وتبسيط البيروقراطية، والاندماج مع الغرب الآخذ في التصنيع، بما يبين آثار اختيار معيار بعينه.
وقد جاءت الآثار الشبكية لتوحيد اللغات على حساب اللغات التي تتحدثها الأقليات اللغوية، بما يكشف التوتر الكامن بين معايير التوافق والتنوع. فبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فإن نحو 43% من أكثر من 7000 لغة في العالم مهددة بالاندثار، ومن المرجح أن تنقرض بحلول نهاية هذا القرن. وقد أدت قوة التوحيد القياسي إلى أن يتحدث عدد أكبر من الناس عدداً أقل من اللغات، مع شيوع ظاهرة "الالتهام اللغوي"، أي ابتلاع اللغة المهيمنة للغات الأصغر. فأكثر من نصف سكان العالم يتحدثون 23 لغة فقط. ولهذا أهمية بالغة، إذ يبدو أن التنوع اللغوي والثقافي يرتبط بالتنوع البيولوجي الإقليمي، فقد يعرّض فقدان أحدهما الآخر للخطر.
وبرزت الحاجة إلى أنظمة كتابة موحدة جديدة تمليها التقنيات المستحدثة خلال الثورتين الصناعيتين الثانية والثالثة. فلم يكن ممكناً تحقيق القيمة الحقيقية للتلغراف إلا حين أصبح قادراً على تجاوز الفوارق الجغرافية واللغوية، وهو ما تطلب نظام كتابة موحداً هو شفرة مورس. واستلزم فجر عصر الحاسوب وضع الشفرة الأمريكية القياسية لتبادل المعلومات، المعروفة باسم "أسكي". وقد رقمن نظام ترميز الحروف هذا، الذي صدر عام 1963، الأبجديةَ اللاتينية والأرقام والرموز، فأتاح تبادل البيانات بسلاسة عبر شبكات الحاسوب المبكرة. وحفزت قيوده المتمحورة حول اللغة الإنجليزية ظهور نظام "يونيكود" عام 1991، الذي وحد أكثر من 149000 محرف عبر أنظمة الكتابة العالمية، من السيريلية إلى الرموز الصينية، لضمان التوافق الرقمي بين اللغات. وتوفر الرموز الشريطية، بما فيها رموز الاستجابة السريعة، على نحو مماثل "أنظمة كتابة" موحدة عالمية في صورة صيغ موحدة قابلة للقراءة الآلية، تتيح التقاط البيانات بكفاءة وتضمن قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة.
الثورة الصناعية الثانية: عصر المعايير وظهور الشبكات والأنظمة المعقدة ومنظمات التوحيد القياسي
شكلت الثورة الصناعية الثانية، التي امتدت بين الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبداية الحرب العالمية الأولى، بداية "عصر المعايير". فقد أذكى نشر الشبكات الفنية الكبيرة كالكهرباء والسكك الحديدية، والإنتاج الضخم القائم على نظام الأجزاء القابلة للتبادل، والضغوط الرامية إلى حماية العمال والمستهلكين، كتلك المتعلقة بغش الأغذية، حركةً قوية قادتها الجمعيات الهندسية وخبراء الصحة العامة والشركات الكبرى والحكومات. وابتداءً من إنشاء المعهد الإمبراطوري الألماني للفيزياء والتقنية عام 1887، بدأت البلدان في إنشاء مكاتب وطنية للتوحيد القياسي. وأشار إنشاء أول منظمة دولية للتوحيد القياسي، وهي اللجنة الكهروتقنية الدولية، عام 1906 إلى تنامي المكانة الدولية للمعايير في مطلع القرن العشرين.
وقد اتسمت هذه الحقبة في جانب منها بتعمق الصلة بين التقدم العلمي والتطور التكنولوجي. فكما لاحظ ديفيد نوبل، "مهد التوحيد القياسي العلمي الطريق للتوحيد القياسي الصناعي". فقد تطلب البحث العلمي مفردات وأنظمة قياس موحدة، بما أفضى إلى مخططات تصنيف كالجدول الدوري وتصنيف لينيوس للكائنات الحية. وأدت الاختراقات في الكيمياء والصناعات الكيميائية الجديدة المزدهرة، من الأصباغ إلى التكرير، إلى صدور قواعد جنيف لتسمية المركبات الكيميائية عام 1892. وعلى مدى عدة عقود، ونتيجة لمؤتمرات دولية كثيرة، أفضت هذه الجهود إلى نشوء الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية، الذي نسق التوحيد الدولي للتسميات والمصطلحات والرموز والكميات في الكيمياء. وقدمت موسوعة "إلكتروبيديا"، التي أعدتها اللجنة الكهروتقنية الدولية ونشرت لأول مرة عام 1938، المعايير الدولية في التقنيات الكهربائية، وهي أشمل قاعدة بيانات للمصطلحات في العالم، تضم أكثر من 22000 مصطلح بنحو عشرين لغة.
وفي وقت لاحق، بدأت منظومة الأمم المتحدة تدير بعض مخططات التصنيف. فعلى سبيل المثال، وحّد النظام المنسق عالمياً لتصنيف المواد الكيميائية ووسمها الإبلاغ عن المخاطر، في حين مكّن التصنيف الدولي للأمراض، الذي تتولى منظمة الصحة العالمية صيانته وتحديثه، أنظمة الصحة العامة في أنحاء العالم من تصنيف البيانات الوبائية وتبادلها باستخدام لغة مشتركة للتشخيص. ودعم نظام التصنيف التشريحي العلاجي الكيميائي التابع لمنظمة الصحة العالمية ونظام الأسماء الدولية غير المسجلة الملكية للمستحضرات الصيدلانية بالمثل التنسيق العالمي لتسمية الأدوية.
ومن السمات المميزة للثورة الصناعية الثانية ظهور التصنيع الضخم. فالتصنيع الحديث لا يمكن تصوره دون الأجزاء القابلة للتبادل، التي تتيح تجميع المنتجات المعقدة من مكونات فردية منتجة بكميات ضخمة. ولم يجسد أي منتج معقد هذه الحقبة كما جسدتها السيارة. فرغم أنها تعمل بتكنولوجيا عامة الأغراض هي محرك الاحتراق الداخلي، فإنها تطلبت هيكلاً وعجلات وإطارات ومكابح وبطانات مكابح وشمعات إشعال ومكربناً ومشعاً حرارياً وترساً تفاضلياً ومقوداً ومصابيح أمامية وموزعات للوقود (البنزين أو الديزل)، وكان لا بد من صنع كل منها وفق معايير محددة جداً لإتاحة تجميع منتج آمن وموثوق.
وكان ظهور التقنيات المعقدة ذات الآثار الشبكية الخارجية الكبيرة، كالسكك الحديدية والهواتف والكهرباء، وظهور البنى التحتية الأساسية للمدن، كشبكات المياه والصرف الصحي والغاز، السمة المميزة الأخرى لهذه الحقبة. فقد تطلبت هذه التقنيات شبكات من الاختراعات المتوافقة والمترابطة ترابطاً وثيقاً، كان لا بد من دمجها بسلاسة لتكون فعالة. وفي حين كانت التقنيات السابقة تتألف من مكونات منفصلة يمكن تحسين كل منها على حدة، فإن التقنيات المتزايدة التعقيد في هذه الحقبة "تطلبت قدراً كبيراً من التنسيق لم يكن من السهل دائماً على الأسواق الحرة توفيره"، بما استلزم تدخل الحكومات أو آليات أخرى لتوحيد مقاييس السكك الحديدية وجهود الكهرباء وقواعد المرور وما إلى ذلك. وتطلب تنسيق الأنظمة التكنولوجية "معايير فنية"، تعرف أيضاً بمعايير "التوافق" أو معايير "الواجهات"، لضمان التوافق وقابلية التشغيل البيني بين مكونات النظام.
ولم تقتصر تقنيات هذه الحقبة على ابتكار منتجات جديدة، بل أسهمت أيضاً في تكامل الأسواق العالمية من خلال الابتكارات في النقل والاتصالات. فقد أحدث التلغراف والهاتف والراديو اللاسلكي ثورة في الترابط العالمي، وتطور كل منها عبر شبكات من معايير التوافق عززت الموثوقية وقابلية التشغيل البيني وكفاءة التكلفة. لكن هذه السمات نفسها كانت ستزرع أيضاً بذور ترسيخ القوة السوقية.
البرقيات والهواتف والقطارات: دعم البنية التحتية الصلبة بالبنية التحتية الناعمة للمعايير
يجسد توحيد التلغراف التفاعل بين الابتكار التكنولوجي، والطموح الإمبراطوري والسيطرة، والتطور المؤسسي. فقد دفع اعتماد بريطانيا العظمى على التلغراف بوصفه "التكنولوجيا الإمبراطورية بامتياز" إلى تحقيق تقدم كبير في تكنولوجيا الكابلات والقياس الكهربائي. وأجرى الفيزيائيون البريطانيون، بالتعاون مع مشغلي التلغراف، بحوثاً رائدة في انتشار الإشارات عبر الكابلات البحرية، لمعالجة التحديات العملية للاتصالات الإمبراطورية. ورغم وجود مقاييس منافسة، كالمعيار الألماني الذي وضعه فيرنر فون سيمنز، أصبح "الأوم" المقياسَ المعياري العالمي بحكم الواقع للمقاومة الكهربائية، بفضل هيمنة بريطانيا العظمى على صناعة التلغراف وشبكتها الواسعة من الكابلات البحرية، التي عُرفت باسم "أعصاب الإمبراطورية". وأرسى الجهد المبذول لتوحيد مقياس المقاومة الكهربائية الأساس لتعاون دولي أوسع، إذ سعت المؤتمرات الكهربائية اللاحقة في باريس (1881) وفرانكفورت (1891) وشيكاغو (1893) إلى تنسيق الوحدات والممارسات الكهربائية. وتوجت هذه الاجتماعات بتأسيس اللجنة الكهروتقنية الدولية عام 1906، فأضفت طابعاً مؤسسياً على الجهود المتعددة الأطراف لوضع معايير لتكنولوجيا جديدة. وبعد قرن ونصف، كانت الشرايين المادية لتكنولوجيا لاحقة هي الإنترنت، أي مليون ونصف مليون كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية، تجوب محيطات العالم، مبنية وفق معايير حددتها اللجنة الكهروتقنية الدولية والاتحاد الدولي للاتصالات، وهما من أقدم منظمات وضع المعايير الدولية.
وفي الولايات المتحدة، سلك تطور التلغراف مساراً تقوده السوق، شكلته المنافسة وقرار الحكومة الاتحادية عدم الاستحواذ على براءات اختراع صامويل مورس، تاركة الصناعة تتطور عبر الاستثمار الخاص. وأسفر ذلك عن نمو سريع للتلغراف، لكن ببنية تحتية مجزأة. فقد بنت المنشآت المتنافسة أنظمة متداخلة بممارسات غير متوافقة، إلى أن وحدت شركة "ويسترن يونيون" القطاع عبر سلسلة من عمليات الاندماج والاستحواذ انتهت عام 1866. وفرضت الشركة معايير داخلية للتشغيل ورسخت شفرة مورس الأمريكية محلياً، في الوقت الذي انتشرت فيه شفرة مورس الدولية، التي اعتمدها الاتحاد الدولي للتلغراف عام 1865، على المستوى العالمي، بما يعكس صعوبات التوفيق بين التوحيد القياسي الوطني والدولي.
كما جرى توحيد الهواتف عبر مزيج من المبادرة الريادية والتوحيد الاحتكاري ثم الرقابة التنظيمية في نهاية المطاف. ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت تكنولوجيا الهاتف في مهدها دون معايير رسمية، وكان رواد أعمال لا مركزيون يشغلون الشبكات المبكرة بموجب تراخيص لبراءات اختراع شركة "بِل" للهاتف، ويبنون أنظمة معزولة لا تكاد تتمتع بقابلية للتشغيل البيني. وكما في حالة التلغراف، أسفر توحيد الصناعة عن جهة خاصة واحدة تقود توحيد الهاتف، هي شركة "بِل" الأمريكية للهاتف، التي أصبحت لاحقاً الشركة الأمريكية للهاتف والتلغراف المعروفة على نطاق واسع باسم "إيه تي آند تي"، ثم أصبحت لاحقاً "فيرايزون". واستغلت "بِل" التوحيد القياسي لتوحيد التصنيع والهندسة عبر المناطق، فأوجدت سيطرة هرمية عززت ميزتها التنافسية. وللتخفيف من مقاومة شركات التشغيل المحلية، تبنت نهجاً تعاونياً من خلال الرابطة الوطنية لمقاسم الهاتف، التي تبادل عبرها مهندسو "بِل" والشركات المستقلة الرؤى التشغيلية لوضع مواصفات فنية طوعية قابلة للتكيف مع الظروف المحلية. وأرست هذه العملية التعاونية والاستراتيجية في آن الأساس لقابلية التشغيل البيني مع الحفاظ على نفوذ "بِل".
وقد حفز انتهاء صلاحية براءات اختراع "بِل" في مجال الهاتف عام 1894 المنافسة، لكن "إيه تي آند تي" ردت باستراتيجيتها القائمة على شعار "نظام واحد، سياسة واحدة، خدمة شاملة"، مصورة السيطرة الاحتكارية بوصفها ضرورة للتكامل الوطني. غير أن هذا الخطاب، تحت ستار المنفعة العامة وتقديم الشركة بوصفها "احتكاراً خيّراً"، أخفى محاولة استراتيجية للقضاء على المنافسة. وبحلول العقد الثاني من القرن العشرين، كانت "إيه تي آند تي" قد استوعبت معظم منافسيها، ومارست سيطرة فنية وتجارية من خلال شركاتها التابعة. وفي عشرينيات القرن العشرين غيرت الشركة تكتيكاتها، فانخرطت مع هيئات التقييس الوطنية كالرابطة الأمريكية للمعايير. ورغم حذرها في البداية من التخلي عن السيطرة، أدركت القيمة الاستراتيجية للجان التوافق في حل التحديات المنظومية، كمواصفات أعمدة الهاتف الخشبية والتداخل الإذاعي، التي لم يكن بمقدور أي منشأة بمفردها حلها، مع احتفاظها بالهيمنة في مجالات حاسمة كمعمارية الشبكة. غير أن لجنة الاتصالات الاتحادية فرضت عام 1956 تسويات في قضايا مكافحة الاحتكار ألزمت الشركة بترخيص براءاتها وقصرتها على الخدمات المنظمة. وبحلول ستينيات القرن العشرين، كانت أحكام اللجنة قد فككت سيطرة "إيه تي آند تي" على معدات العملاء، وفرضت معايير للتقنيات الجديدة كأجهزة المودم، وعززت المنافسة في اتصالات البيانات. وأدت السياسات القائمة على هذه الأحكام إلى إضفاء طابع لا مركزي على الابتكار، ونقل السلطة إلى اللجان الصناعية والمنشآت المنافسة، بما خلق طلباً على قابلية التشغيل البيني تحركه قوى السوق.
وجسدت صناعة أخرى، هي السكك الحديدية، الحاجة إلى معايير التوافق. فحتى السكة الحديدية المتواضعة كانت تتألف من مئات الأجزاء المترابطة: الوصلات والمكابح والقضبان والإشارات والعوارض والعربات. وفي أواخر القرن التاسع عشر، تبنت شركات السكك الحديدية المكاسب المنهجية التي وعدها بها المهندسون المحترفون، فوحدت كل مكون، من متانة القضبان إلى ألوان الطلاء، وصولاً إلى وحدات القياس مثل "الطن الميل" للبضائع، لزيادة الإنتاجية، وذلك "تحديداً لأنها قيدت نطاق الاحتمالات الفنية وسعت إلى هدف كبير واحد بإصرار لا يحيد... واضعة قواعد أساسية واضحة للتشغيل، ومتجنبة الابتكارات التي تهدد بالإخلال بتلك القواعد".
وشكل التحول من القضبان الحديدية إلى القضبان الفولاذية في أواخر القرن التاسع عشر قفزة في الإنتاجية، إذ أتاح استخدام قاطرات أثقل وحمولات شحن أكبر مع خفض تكاليف الصيانة. غير أن القضبان الفولاذية المبكرة كثيراً ما انهارت تحت الضغط نتيجة لعدم اتساق خصائصها المعدنية. واستجابة لذلك، أسس العلماء والمهندسون الجمعية الأمريكية للاختبار والمواد لوضع أساليب موحدة للاختبار. وحدد أول معاييرها، المعيار "A1"، اشتراطات جودة القضبان الفولاذية. وقلصت هذه الاشتراطات حالات انهيار القضبان تقليصاً كبيراً، ودعمت التشغيل الآمن لقطارات أثقل وأسرع. وبحلول عام 1910، كانت القضبان الفولاذية وحدها مسؤولة عن أكبر مكاسب الإنتاجية في قطاع السكك الحديدية الأمريكي، إذ وفرت ما يقدر بنحو 479 مليون دولار أمريكي سنوياً. واليوم أصبحت هذه الجمعية منظمة دولية تضم أكثر من 13000 معيار، تتراوح من قياسات مكابح الطائرات إلى معايير اللدائن القابلة للتحلل الحيوي، وصولاً إلى معايير البنية التحتية الضرورية للبيئة العمرانية في العالم.
كما برزت السكك الحديدية مثالاً نموذجياً على أهمية معايير قابلية التشغيل البيني، انطلاقاً من مشكلة فنية تبدو بسيطة هي اختلاف مقاييس السكك الحديدية، أي المسافة بين القضبان. ومن ثم يكشف توحيد مقاييس السكك الحديدية والقضبان الفولاذية عن نمط متكرر في تاريخ معايير التوافق، حيث تدفع الضرورات الاقتصادية التنسيق المؤسسي، الذي يعزز بدوره الابتكار التكنولوجي وتكامل الأسواق. كما يبين كيف التفّت صناعة ضاقت ذرعاً بتقلب نظام براءات الاختراع القائم على السوق على ذلك النظام، بإنشاء الاتحادات التجارية والجمعيات الهندسية لتيسير تبادل المعايير الفنية على مستوى الصناعة بأكملها.
تكاليف المعاملات الناجمة عن عدم توافق مقاييس السكك الحديدية
أفرزت "حمى الذهب" في مد السكك الحديدية خلال القرن التاسع عشر خليطاً عالمياً من أكثر من عشرين مقياساً مختلفاً للسكك، شكلتها الاحتياجات المحلية والتفضيلات الهندسية. وبحلول ستينيات القرن التاسع عشر، كانت في الولايات المتحدة وحدها تسع مناطق متمايزة بمقاييس مختلفة للسكك، وأضافت كندا الشرقية منطقة عاشرة. وجعل توسع التجارة بين الأقاليم التكاليف الاقتصادية لعدم التوافق هذا أمراً لا يمكن احتماله، إذ عانت السلع القابلة للتلف بوجه خاص من التأخير عند نقاط انقطاع المقياس. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، دفعت الضغوط التنافسية وتوحيد الشبكات السككَ الحديدية الأمريكية نحو التقارب حول المقياس المعياري البالغ أربعة أقدام وثماني بوصات ونصف البوصة، الذي كان سائداً بالفعل في الشمال الشرقي والغرب الأوسط الصناعيين. وفي جهد منسق عام 1886، حولت سكك الجنوب الحديدية 13000 ميل من الخطوط إلى المقياس المعياري في يومين فقط، فسرّعت التحول تسريعاً هائلاً، ودمجت الجنوب مادياً في منظومة السكك الحديدية الوطنية. غير أن هذا التغيير، رغم أنه حفز تحول حجم الشحن من السفن البخارية إلى السكك الحديدية، لم يخفض الأسعار، ويرجح أن ذلك يعود إلى أن التواطؤ ذاته الذي أتاح تغيير المقياس أضعف أيضاً آثاره التنافسية.
ورغم أن المقياس المعياري أصبح منذ ذلك الحين سائداً داخل كثير من البلدان، فإن حالات عدم التوافق عبر الحدود لا تزال قائمة. ففي أوروبا الشرقية، تعمل أوكرانيا ودول البلطيق على نحو متزايد على تطوير وصلات سككية بالمقياس المعياري (1435 مليمتراً) إلى جانب بنيتها التحتية القائمة ذات المقياس العريض (1520 مليمتراً)، لتعزيز قابلية التشغيل البيني مع منظومة السكك الحديدية في الاتحاد الأوروبي. وعبر الكتلة الأوراسية الشاسعة، يتعين على قطارات الشحن القادمة من الصين حالياً أن تبدل مقياسها عند الحدود الكازاخستانية والمنغولية، ثم تبدله مرة أخرى في بولندا.
وكثيراً ما تُطرح قرارات تحويل المقاييس من زاوية التكاليف الرأسمالية أو الجدوى الهندسية، غير أن المبرر الاقتصادي الأعمق يكمن في إخفاقات التنسيق، وتجزؤ سلاسل الإمداد، وتكاليف المعاملات الطويلة الأجل. فنقاط انقطاع المقياس تؤخر العبور، وترفع تكاليف المناولة، وتتطلب بنية تحتية معقدة كمحطات التحويل. فضلاً عن ذلك، يؤدي تراجع الطلب العالمي على معدات المقاييس القديمة إلى ارتفاع تكاليف الصيانة، ويخلق اعتماداً على مجموعة متقلصة من الموردين المتخصصين، بما ينطوي على مخاطر التأخير.
وحين تنظر البلدان في مواءمة منظومات سككها الحديدية مع المعايير الإقليمية، عليها أن تنظر إلى اقتصاديات تحويل المقاييس لا من زاوية التكاليف الأولية فحسب، بل أيضاً من منظور تكاليف المعاملات، وصمود سلاسل الإمداد، والتكامل الطويل الأجل.
ظهور التصنيع الضخم: معايير التوافق آلياتٍ للتنسيق
للدور التنسيقي للمعايير جذور تاريخية عميقة، تطورت من الرقابة الحكومية المبكرة إلى آليات السوق، ثم إلى التنظيم المتطور الذي تتولاه الصناعة. ففي الصين القديمة، وحدت جهود تقودها الدولة أطوال محاور العربات ذات العجلات، بما ضمن سيراً أكثر سلاسة على الطرق المحفورة بالأخاديد، وهو حل عملي لتحدٍّ واسع الانتشار في البنية التحتية. كما كانت الصين رائدة في استخدام الأجزاء القابلة للتبادل في التطبيقات العسكرية كزناد الأقواس المستعرضة، سابقة بذلك التطورات الغربية المماثلة بقرون.
وقد حفزت الثورات الصناعية تحولاً جذرياً نحو التوحيد القياسي الفني تدفعه ضرورات الإنتاج الضخم والكفاءة الآلية. ويمكن تتبع الأجزاء القابلة للتبادل في التصنيع الحديث إلى مصانع الأسلحة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. وقد عبرت الفكرة المحيط الأطلسي في أوائل القرن التاسع عشر، حين تبنت مصانع الأسلحة الأمريكية الدلائل والمقاييس وبروتوكولات التفتيش الصارمة لإنتاج بنادق موحدة، فأرست الأساس لما عُرف لاحقاً بـ"النظام الأمريكي للتصنيع". ومع ذلك ظل تحقيق قابلية تبادل سلسة بعيد المنال، فحتى بعد الحرب الأهلية، كانت منشآت مثل "سينغر" لا تزال تعتمد على تركيب الأجزاء يدوياً وترقيمها تسلسلياً، بما يبين بطء تراجع الممارسات الحرفية.
ولم تكن قابلية التبادل الحقيقية تتطلب أدوات آلية دقيقة فحسب، بل تتطلب أيضاً دعماً مؤسسياً لتقنين العمليات. وانتشرت الابتكارات في هذه المجالات عالمياً، لكن ارتفاع التكاليف أبقى قابلية التبادل بعيدة عن متناول كثير من الصناعات حتى أواخر القرن التاسع عشر. وجاءت نقطة التحول مع توليف هنري فورد بين ممارسات مصانع الأسلحة والأجزاء الفولاذية المضغوطة وخطوط التجميع المتحركة في العقد الثاني من القرن العشرين. فقد تطلب نظام فورد قابلية تبادل مطلقة، تحققت بأدوات آلية متخصصة وتوحيد قياسي صارم، جمع بين الدقة والحجم.
ومع ذلك تخلف التنسيق الصناعي الأوسع. فقد نشأت جمعية مهندسي السيارات، التي تأسست عام 1905، لمعالجة التباينات المتكاثرة في الأجزاء، كوجود أكثر من 1100 نوع من حلقات الإقفال والأنابيب، وذلك بوضع معايير على مستوى الصناعة بأكملها. وأتاحت جهودها في هذا التوحيد للمصنعين الأصغر المنافسة عبر وفورات الحجم، وإن كانت الشركات العملاقة مثل فورد وجنرال موتورز قد أعطت في البداية الأولوية لأنظمتها المملوكة على التعاون. ويبرز هذا المسار التوتر بين التوحيد القياسي الذي تقوده السوق بدافع الكفاءة والمنافسة، والتنسيق المنظومي اللازم للتخفيف من تكاليف التشرذم. وقد تطلب الأخير أحياناً "اليد الراعية" للدولة، كما يتجلى في حملات "التبسيط" التي هندسها هربرت هوفر في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين.
وقد أتاح التوحيد القياسي الإنتاج الضخم بتقنين أفضل الممارسات للعمليات القابلة للتكرار، وخفض التكاليف، وإتاحة آثار التعلم بالممارسة التي يجسدها قانون رايت، الذي لوحظ أول مرة في إنتاج الطائرات في ثلاثينيات القرن العشرين، ومفاده أن تكاليف الوحدة تنخفض كلما ازداد الإنتاج التراكمي. غير أن الحفاظ على جودة متسقة مع تزايد الإنتاج يصبح أصعب، وهو ما يجعل المعايير ضرورية، إذ إنها تنظم تدريب العمال، وتدعم ابتكار العمليات، وتيسر نقل المعرفة.
ويقدم إنتاج البنسلين مثالاً مقنعاً على ذلك. فرغم أن ألكسندر فليمنغ اكتشفه عام 1928، ظل المضاد الحيوي مجرد طرفة مختبرية لأكثر من عقد. لكن الحرب العالمية الثانية خلقت طلباً ملحاً على علاج فعال مضاد للبكتيريا، فدفعت الحكومات والعلماء والصناعة إلى إيجاد سبل لإنتاج البنسلين على نطاق صناعي. ووُضعت إجراءات موحدة لفحص سلالات الفطر المنتج للبنسلين ذات المردود العالي وتحديدها واختيارها. ووحد جهد عالمي، شمل عملاً بارزاً في مختبرات وزارة الزراعة الأمريكية في بيوريا بولاية إلينوي، طريقة اختبار السلالات وحفظها، بما ضمن أداءً متسقاً في مختلف تجهيزات عملية التخمير. وتطلب التوسع في الإنتاج عبر منشآت متعددة، لا سيما لأغراض الإنتاج في زمن الحرب، توحيد ظروف التخمير (درجة الحرارة والحموضة والتهوية والتحريك)، وبروتوكولات التعقيم، وتركيبات الأوساط المغذية لزراعة المستنبتات، وإجراءات التلقيح. وبعد أن تبين أن الدفعات الأولى من الدواء تتفاوت تفاوتاً كبيراً في فاعليتها ونقائها، وُضعت معايير لاختبار النشاط الحيوي والنقاء لضمان سلامة المرضى وجعل الجرعات متسقة وقابلة للتنبؤ. وأخيراً، وُحد تصميم المفاعلات الحيوية من حيث الأبعاد والمواد وخصائص التشغيل، بما ضمن إمكانية تكرار معايير العمليات المطورة في منشأة ما في منشآت أخرى.
كما بدأ التوحيد القياسي يحول أسواق السلع الأساسية في أواخر القرن التاسع عشر، كما يتجلى في نظام تصنيف الحبوب الذي وضعه مجلس شيكاغو للتجارة. فبوضع مرجعيات موحدة للجودة، حول المجلس الحبوب إلى سلعة قابلة للاستبدال، فانفصلت الملكية عن المخزون المادي، وأصبح التداول في العقود الآجلة للحبوب ممكناً، على غرار الممارسات الناشئة في الصناعة.
التوحيد القياسي بوصفه تبسيطاً وأداةً للسياسة الصناعية
كثيراً ما يُعزى صعود الولايات المتحدة إلى ريادة الصناعة التحويلية العالمية بحلول منتصف القرن العشرين إلى رواد أعمال مثل هنري فورد، الذي وضع نموذجه للإنتاج الضخم للسيارات مرجعيات على مستوى العالم. غير أن هذه اليد الظاهرة لرواد الأعمال كانت تكملها اليد الراعية للحكومة من خلال برامج "التبسيط"، التي بدأت وسيلةً لإقناع المصنعين بالانتقال إلى مقاسات موحدة، ومن ثم دفعهم نحو الإنتاج الضخم.
فالمقاسات الموحدة، كمقاسات الأسرّة وورق الطابعات والمقابس الكهربائية، سمة مألوفة للإنتاج والاستهلاك الحديثين كثيراً ما تؤخذ على أنها من المسلمات. وما يجعل المقاسات الموحدة في بلد ما "موحدة" هو أن عشرات المنشآت، بل مئاتها، تصنع المنتجات اليومية بالمجموعة المحدودة ذاتها من المقاسات أو الأشكال.
وفي أوائل القرن العشرين، كانت المقاسات الموحدة في الولايات المتحدة محصورة بالكامل تقريباً داخل المنشآت الفردية. بل إن شركة فورد للسيارات، التي كانت في البداية مُجمّعاً صغيراً للسيارات، التزمت بالاستراتيجية السائدة، إلى أن اتخذت خطوة جذرية بتقليص خط إنتاجها فجأة إلى طراز واحد ورفع الإنتاج. فبدلاً من تلبية طلب المستهلكين، "صممت سيارة بسعر يلبي أكبر قدر من الحاجة المتوسطة. وفي الواقع، وحّدت الشركة الزبون ذاته".
وكان التشرذم السائد آنذاك نتاجاً جزئياً لعدد محير من القوانين على مستوى الولايات والمستوى الوطني. فقد بلغ عدد صفحات خلاصة لقوانين الأوزان والمقاييس صدرت عام 1912 نحو 564 صفحة، وكانت قوانين تنظيم الأغذية والمباني تختلف من المستوى الوطني إلى مستوى الولايات إلى المستوى البلدي. وفي مطلع عشرينيات القرن العشرين، كان المصنعون الأمريكيون يصنعون المراتب والأسرّة مثلاً بثمانية وسبعين مقاساً، وفي غضون عقد واحد أصبح 90% من إنتاج الصناعة مطابقاً لأربعة مقاسات موحدة. ويثير هذا التقارب اللافت سؤالين: كيف حدث ذلك؟ وما عواقبه؟
نشأ هذا الجهد خلال الحرب العالمية الأولى، حين سعت الحكومة الأمريكية إلى الحفاظ على الموارد الحيوية، من عمالة ومواد ووسائل نقل، بإقناع المصنعين المدنيين بتقليص تنوع السلع التي ينتجونها. وبالعمل من خلال الاتحادات التجارية، ساعدت الحكومة الصناعات على التوصل إلى توافق بشأن تدابير الترشيد. وفي البداية شجعت الامتثال عبر الضغط الاجتماعي والتعهدات العلنية، ثم عززته لاحقاً بمنح المنشآت الأولوية في تخصيص الموارد. وفي غضون 18 شهراً تقلص تنوع المنتجات في نحو 250 خط أعمال.
وحين انتهت الحرب، فككت الحكومة المكتب الذي كان ينسق التبسيط. لكن الزخم عاد عام 1921 حين أصدر اتحاد الجمعيات الهندسية الأمريكية، بقيادة هربرت هوفر، تقرير "الهدر في الصناعة". وقد ذهب هذا التقرير إلى أن رفع مستوى المعيشة الوطني يتوقف على تعزيز "الإنتاجية الوطنية"، وهو ما يتطلب القضاء على الهدر في الصناعة. وحين أصبح هوفر وزيراً للتجارة، أنشأ شعبة الممارسات المبسطة داخل المكتب الوطني للمعايير لتعمل "طرفاً ثالثاً غير منحاز"، يساعد الصناعات على التوصل إلى اتفاقات "تبسيط" طوعية لتقليص تنوع المنتجات وتعزيز الإنتاج الضخم.
وأسفرت جهود التبسيط الأولى، التي ركزت على طوب الرصف والمراتب ونوابض الأسرّة، عن تقليص أنواع هذه السلع بأكثر من 90%. وبحلول أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، كانت هناك 135 توصية من توصيات الممارسات المبسطة سارية المفعول. ورغم تباطؤ تبنيها خلال الكساد الكبير، ارتفع عدد هذه التوصيات إلى 173 بحلول عام 1939، وإلى 267 بحلول عام 1971.
إن الاتفاقات على المستوى الوطني لا تنشأ تلقائياً، بل لا بد من بنائها. وقد نجح التبسيط لأنه اتبع نهجاً طوعياً قائماً على البيانات. فبدون صلاحيات قانونية للإنفاذ، اعتمدت الحكومة على الحوافز الاجتماعية والشرعية الإجرائية لتعظيم التوافق وسيلةً لتعزيز الالتزام. ونجح المسعى بفضل جهود بذلت على ثلاث جبهات: الأولى كسب قبول المستهلكين عبر حملات إعلانية أفضت إلى أن تصبح المنشآت "تلبي أذواق المشتري المتوسط واحتياجاته، تاركة من يقعون خارج مجال تخصصها لمصنعي الطلبيات الخاصة". والثانية الاستفادة من قوة المشتريات الحكومية، بضمان ألا يُباع للحكومة الاتحادية، أكبر مستهلك في البلاد، سوى المنتجات المستوفية للمواصفات الاتحادية الواردة في توصيات الممارسات المبسطة. والثالثة بناء تحالفات بين المكتب الوطني للمعايير والأجهزة الاتحادية الأخرى، وكذلك مع جمعيات خاصة ذات مصداقية عالية في القطاع الخاص، هي غرفة التجارة الأمريكية واللجنة الأمريكية للمعايير الهندسية، التي أصبحت اليوم المعهد الوطني الأمريكي للمعايير.
وبوجه عام، أدى التوحيد القياسي، في صورة التبسيط الذي نسقته الحكومة الاتحادية، دوراً مهماً في صعود الإنتاج والاستهلاك الضخمين في الولايات المتحدة، وشكل الصناعة التحويلية الأمريكية لعقود. وقد وصفه أحد المراقبين بأنه "سياسة صناعية بالغة الأهمية لا يكاد يمكن تجاهلها". ومع عودة السياسة الصناعية اليوم، لا ينبغي التقليل من شأن دور المعايير كذلك.
تطور المعايير بعد الحرب العالمية الثانية
تغير النظام الدولي تغيراً ملحوظاً بعد الحرب العالمية الثانية. ولأغراض هذا التقرير، غيرت أربعة تطورات عالم المعايير تغييراً جذرياً. أولاً، أُنشئت طائفة من المنظمات الدولية الجديدة لإدارة النظام الدولي بعد الحرب، منها مؤسستا بريتون وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية. ورغم أن منظمات حكومية دولية لوضع المعايير كانت قد ظهرت في القرن التاسع عشر، لا سيما الاتحاد الدولي للتلغراف عام 1865، الذي أصبح لاحقاً الاتحاد الدولي للاتصالات، والاتحاد البريدي العالمي عام 1874، فإن وضع المعايير ظل إلى حد كبير في نطاق هيئات التقييس الوطنية. وجاء إنشاء المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) عام 1947 مكملاً لتأسيس اللجنة الكهروتقنية الدولية، الرائدة في هذا الميدان، عام 1906. كما انخرطت منظمات دولية أخرى في وضع المعايير في مجالاتها، كالصحة (منظمة الصحة العالمية) والعمل (منظمة العمل الدولية)، من خلال الاتفاقيات.
وتمثل التطور الثاني في ظهور كثير من الدول الجديدة في أعقاب موجات إنهاء الاستعمار بين عامي 1945 و1960، إذ ظهرت ست وثلاثون دولة جديدة في أفريقيا وآسيا وحدهما، تلتها 92 دولة جديدة أخرى بعد ذلك. وكان بناء الأمة هدفاً محورياً لهذه البلدان الحديثة الاستقلال، وكانت المعايير أداة مهمة لتحقيقه، كما تبين دراسة حالة الهند التي سبق عرضها، وإن لم تنتهج جميع الدول الجديدة استراتيجية وطنية للتوحيد القياسي.
ثالثاً، تعمق التكامل الاقتصادي العالمي نتيجة لتزايد حركة السلع عبر الحدود، لا سيما السلع المصنعة، وحركة الناس (الهجرة)، وحركة الأموال (التدفقات المالية). وقد أسهم وضع المعايير في تيسير هذه التدفقات المزدهرة، موفراً "البنية التحتية الناعمة" التي تقوم عليها.
أما التطور الرابع فكان تكنولوجياً، تمثل في الثورة الصناعية الثالثة، وهي تحول رقمي مدعوم بأشباه الموصلات وتكنولوجيا المعلومات. وقد دشنت هذه الثورة عصراً من الابتكار السريع في المنتجات والخدمات الرقمية، قام على وضع معايير توافق وبروتوكولات اتصال سلسة. وسرّعت العولمة بدرجة أكبر، لا سيما بعد تسعينيات القرن العشرين، وفي هذه المرة في مجال الخدمات الرقمية. ولكن كما هو شأن جميع التقنيات التحويلية، جلبت معها أيضاً مخاطر جديدة، وكانت إدارتها ستتطلب معايير جديدة.
ورغم أن كل اتجاه من هذه الاتجاهات شكل عالم المعايير على نحو مستقل، فإن آثارها التفاعلية أفضت إلى اتجاه أشمل: عالم أكثر تعقيداً لا يمكن إدارته إلا بمزيد من المعايير.
معايير التوافق لتدفقات الناس والسلع عبر الحدود
ينظم جواز السفر، الوثيقة الأساسية للسفر الدولي، التنقلَ الدولي، ويختم حرفياً على الجنسية. فقبل الحرب العالمية الأولى، لم يكن السفر الدولي يتطلب عادة جواز سفر، وإن تفاوتت الممارسات من بلد إلى آخر. وتغير ذلك بعد الحرب العظمى مع تصاعد النزعة القومية. فقد عقدت عصبة الأمم سلسلة من مؤتمرات جوازات السفر في عشرينيات القرن العشرين بهدف إلغاء اشتراطات الجوازات. ورغم أنها سرعان ما تخلت عن هذا الهدف، فقد أثمرت جهودها في هذا المجال أولى المعايير الدولية لجوازات السفر، وأصبح جواز السفر البريطاني نموذجاً للتصاميم الوطنية.
ومع تزايد الحركة الجوية، تزايدت الحاجة إلى صيغ منسقة لجوازات السفر لتسريع إجراءات الركاب. وشكل إنشاء الأمم المتحدة لمنظمة الطيران المدني الدولي عام 1944 نقطة تحول، إذ كان من ولايات المنظمة توحيد وثائق السفر، لا سيما لتيسير السفر الجوي. وفي عام 1968، شكلت المنظمة مجموعة صغيرة من الخبراء لتطوير منطقة قابلة للقراءة الآلية في جوازات السفر، مع التركيز على أمن الوثائق وإثبات الجنسية. غير أن الصيغة الأولى أخفقت في استيعاب الأسماء الأفريقية والعربية والآسيوية، واستخدام أنظمة كتابة غير الحروف اللاتينية، وعلامات التشكيل كعلامات النبر. وفي نهاية المطاف نُشرت الطبعة الأولى من معيار هذه المنطقة عام 1980، واعتُمدت معياراً من معايير الأيزو، فيسرت النمو السريع للحركة الجوية الدولية من 0.2 مليار مسافر عام 1980 إلى 1.9 مليار بحلول عام 2019.
وبعد ذلك تكثفت الجهود لتوحيد صيغة التأشيرات الملصقة على صفحات جوازات السفر، وهو ما تحقق أخيراً عام 1992. ولاحقاً عُدل معيار تخطيط بيانات جواز السفر لاستيعاب تأشيرة شنغن الخاصة بالاتحاد الأوروبي. ومع تصاعد المخاوف المتعلقة بالأمن الدولي، أُدرجت معايير بيومترية جديدة، بدءاً بالتعرف على الوجه، ثم أضيف لاحقاً التعرف على بصمات الأصابع وقزحية العين تقنياتٍ داعمة إضافية. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، اشترطت الولايات المتحدة على البلدان المشمولة ببرنامج الإعفاء من التأشيرة أن تصدر جوازات سفر بيومترية متوافقة مع المعيار الجديد لمنظمة الطيران المدني الدولي بشأن وثائق السفر الإلكترونية المقروءة آلياً. وتطورت معايير وثائق السفر الدولي بدرجة أكبر مع جوازات السفر الإلكترونية، التي تتضمن شريحة تعريف بموجات الراديو تعمل دون تلامس، باستخدام بروتوكولات الاتصال القريب المدى، وتخزن بأمان البيانات الشخصية والبيومترية الموقعة رقمياً وفقاً لمواصفات المنظمة. ورغم أن معيار وثائق السفر الإلكترونية المقروءة آلياً كان سيُعتمد على الأرجح على نطاق واسع بمرور الوقت في جميع الأحوال، فإن تغير تصورات المخاطر عجّل بضغوط سياسية على البلدان لاعتماده بوتيرة أسرع.
بل لقد أثبت معيار المنظمة رقم 9303 الخاص بوثائق السفر المقروءة آلياً والإلكترونية نجاحاً كبيراً إلى حد أنه أصبح معياراً بحكم الواقع لبطاقات الهوية الوطنية في ولايات قضائية كثيرة، منها معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، فضلاً عن ألبانيا والجزائر والبرازيل وجمهورية قيرغيزستان وباكستان وبنما والمملكة العربية السعودية وأوكرانيا وأوروغواي وغيرها، حيث يمكن قراءة هذه الوثائق باستخدام المعدات نفسها المستخدمة لجوازات السفر. وقد أثبتت الشريحة البيومترية المدمجة في بطاقات الهوية هذه فائدتها الكبيرة مع نمو الاقتصاد الرقمي، لأنها تتيح شكلاً من أشكال التحقق من الهوية الرقمية باستخدام البيانات البيومترية.
وأدت عملية مختلفة لوضع معايير التوافق إلى النمو الهائل في التجارة العالمية في السلع، التي تضاعفت نحو 45 مرة خلال الأعوام الخمسة والسبعين الماضية. وفي مقدمة ذلك جاء الشحن البري والبحري للبضائع الجافة العامة، أو "البضائع السائبة المجزأة"، باستخدام الحاويات الموحدة.
وأدت الزيادات الهائلة في حركة الركاب الجوية وحركة البضائع البحرية، التي حفزها توحيد جواز السفر والحاويات، بدورها إلى نشوء حاجة ملحة إلى مجموعة جديدة من معايير السلامة لكل منهما. فقد خفضت المعايير التي وضعتها منظمة الطيران المدني الدولي والاتحاد الدولي للنقل الجوي خطر الوفاة في السفر الجوي التجاري تخفيضاً جذرياً، من حالة وفاة واحدة لكل 350000 صعود للركاب خلال الفترة من 1968 إلى 1977، إلى حالة واحدة لكل 13.7 مليون صعود على مستوى العالم خلال الفترة من 2018 إلى 2022. وعلى مدى هذا النصف قرن، انخفضت وفيات السفر الجوي بنحو 7% سنوياً، وبمقدار النصف كل عقد.
وقد قيل إن تاريخ السلامة البحرية "مبلل بالماء ومكتوب بالدم". وكما هو الحال في وضع معظم معايير السلامة الأخرى، كانت الكوارث الكبرى المحرك الرئيسي للعملية في مجال السلامة البحرية. فقد كان غرق السفينة "تايتانيك"، التي قيل إنها "لا تغرق"، عام 1912 اللحظة الفاصلة في السلامة البحرية الحديثة، إذ أفضى إلى اعتماد الاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحار عام 1914. ففي عام 1910 كانت سفينة واحدة من كل 100 سفينة تفقد، وبعد قرن انخفض هذا المعدل إلى نحو سفينة واحدة من كل 670 سفينة، نتيجة لمجموعة كبيرة من معايير السلامة التي أرستها منظومة متطورة للتأمين البحري والمعايير الفنية التي وضعها سجل لويدز للشحن، ثم وسعتها المنظمة الاستشارية الحكومية الدولية للملاحة البحرية بوصفها ذراعاً للأمم المتحدة عام 1948، والتي أصبحت بدورها المنظمة البحرية الدولية عام 1959.
صندوق عن صندوق
تمثل حاوية الشحن الموحدة المتعددة الوسائط واحداً من أكثر الابتكارات تحويلاً في التاريخ الاقتصادي الحديث، وإن كان من أقلها حظاً من الاهتمام. فهذا الصندوق الفولاذي البسيط في ظاهره، بفضل التوحيد القياسي وتعدد الوسائط، قضى على اختناقات حاسمة في شحن البضائع باستخدام مزيج من النقل البري والبحري، وأطلق وفورات حجم غير مسبوقة، وأحدث ثورة في تكلفة نقل البضائع عالمياً وسرعته ونطاقه الجغرافي.
فحتى منتصف القرن العشرين، لم تكد تتغير تكنولوجيا تفريغ البضائع العامة عبر الشحن المجزأ منذ قرون. فقد كانت عملية كثيفة العمالة تتضمن مناولة يدوية لكل قطعة على حدة في براميل وأكياس وصناديق خشبية، تُنقل قطعة قطعة بين البر والسفينة. ورغم تحسينات طفيفة كالمنصات النقالة، ظلت مناولة البضائع غير كفؤة، فارتفعت مخاطر الفقد أو التلف، وتسببت في ازدحام الموانئ والتأخير، إذ كانت السفن تقضي ثلثي وقتها الإنتاجي متوقفة في الموانئ للتحميل أو التفريغ.
وقد تصور الإيطالي صاحب الرؤية سيلفيو كريسبي، المدير المؤسس للمكتب الدولي للحاويات والنقل المتعدد الوسائط، الحاويةَ الحديثة في وقت مبكر يعود إلى عام 1928، ووصفها بأنها "الصندوق المتنقل للعربة"، الذي يمكن فصله عن العجلات والمنصة، بما يتيح "النقل الدولي من الباب إلى الباب عبر وسائط نقل متعددة"، حيث "يُقلص إعادة التحميل إلى أدنى حد، ولا تُمس البضائع داخل الحاوية إطلاقاً". لكن تحقيق هذه الرؤية كان يتطلب تغييراً منظومياً.
وجاء الاختراق من خارج قطاع الشحن البحري. فقد تصور رائد أعمال النقل بالشاحنات الأمريكي مالكوم ماكلين، الذي أقلقه ازدحام الطرق السريعة، دمج النقل بالشاحنات والشحن البحري من الباب إلى الباب. وكانت رؤيته المحورية أن النجاح في هذا النوع من الدمج يتطلب ابتكارات تكميلية على امتداد السلسلة بأكملها: السفن والرافعات والموانئ والشاحنات والقطارات والتخزين. وقد شحن أولى الحاويات المتعددة الوسائط على متن ناقلة محولة عام 1956.
وفي البداية توسع استخدام الحاويات داخل الولايات المتحدة. فهبطت تكاليف التحميل من 5.83 دولار أمريكي للطن في الشحن المجزأ إلى 0.16 دولار أمريكي فقط للطن في الحاويات، أي انخفاض بمقدار 36 ضعفاً. وكان التوفير في الوقت هائلاً كذلك، إذ باتت السفن تقضي وقتاً أقل بكثير متوقفة في الموانئ، بما يتسق مع مبدأ ماكلين القائل إن "السفينة لا تكسب المال إلا حين تكون في البحر".
لكن التبني المبكر واجه عقبات كبيرة. فقد تفاوتت أحجام الحاويات تفاوتاً كبيراً، بما خلق عدم توافق. وكان المصنعون والناقلون ووكلاء الشحن والوكلاء والسكك الحديدية وشركات تحميل السفن وتفريغها يعملون بمعزل عن بعضهم، مستخدمين ممارسات ومعدات مناولة متنوعة، بما أعاق قابلية التشغيل البيني. وقاد المجلس البحري الاتحادي الأمريكي في البداية جهود التوحيد القياسي، فاشترط عام 1961 أن تُبنى السفن المخصصة للنقل التجاري بأبعاد محددة كي تحصل على إعانات البناء. غير أن الانتشار الدولي للمعايير لم يتسارع إلا بعد قرار ماكلين منح المنظمة الدولية للتوحيد القياسي تراخيص مجانية لبراءات اختراعه الرئيسية، فشرعت المنظمة عام 1965 في وضع معايير لكل جانب من جوانب الحاويات تقريباً، من أبعادها، إلى طريقة تكديسها، إلى الأقفال الدوارة التي تثبتها بإحكام على أسطح السفن أو الشاحنات، إلى اشتراطات متانتها ومعايير رفعها، فأصبح النظام العالمي ممكناً. ورغم سرعة التبني، كان الاستخدام أكثر تدرجاً، ويعود ذلك جزئياً إلى ضخامة التكاليف الثابتة للاستثمار.
وقاوم عمال الموانئ تطبيق نظام الحاويات، إذ رأوا فيه، وهم محقون، تهديداً لأرزاقهم، وكذلك فعلت سلطات الموانئ التي كانت توازن بين تكاليف أولية كبيرة وعوائد غير مضمونة. وفي البداية، تفوقت الموانئ الأصغر التي أقدمت على الاستثمارات اللازمة على الموانئ المهيمنة آنذاك. وسرعان ما خفض نظام الحاويات تخفيضاً حاداً تكاليف مناولة البضائع وأقساط التأمين ورأس المال المجمد في المخزون أثناء العبور. فقد انخفض زمن العبور بين أستراليا وأوروبا مثلاً من 70 يوماً إلى 34 يوماً، فانخفضت التكلفة الرأسمالية المرتبطة بالمخزون إلى النصف. وأطلق تقليص فترات بقاء السفن في الموانئ وفورات حجم كبيرة، فتضاعفت سعة السفن أربع مرات بين ستينيات القرن العشرين وثمانينياته، ثم ازدادت أكثر في العقود التالية. وقلصت الحاويات المختومة تقليصاً كبيراً السرقات والأضرار الشائعة في الشحن المجزأ، فانخفضت تكاليف التأمين انخفاضاً كبيراً. وبحلول عام 1983، كان لدى نحو 90% من البلدان موانئ للحاويات، بما يؤكد سرعة تبني الشحن بالحاويات واتساع انتشاره.
لقد طور القطاع الخاص حاوية الشحن، لكن الحاوية لم تحقق أثرها العالمي إلا بعد أن وضعت الأيزو صيغة معيارية لها. غير أن توحيد الحاوية المادية ذاتها لم يكن كافياً، إذ كانت هناك حاجة إلى توحيد تكميلي للإجراءات وتدفقات المعلومات المصاحبة للتجارة بالحاويات. وقد أدى مركز الأمم المتحدة لتيسير التجارة والأعمال الإلكترونية دوراً رئيسياً في وضع معايير إجرائية ومعايير لتبادل البيانات أتاحت الاستخدام الكفء للحاويات عبر الحدود ووسائط النقل.
وقد منح نظام الحاويات التجارة الثنائية "دفعة دائمة"، بزيادة تراكمية بلغت 1240% في التجارة بين البلدان المتقدمة بعد 15 عاماً، متجاوزاً بكثير آثار السياسة التجارية. ويمكن القول إنه "عزز العولمة أكثر مما فعلته جميع الاتفاقات التجارية المبرمة خلال الخمسين عاماً الماضية مجتمعة".
وإذا كانت كوارث السفن قد عنت في معظمها خسائر في الأرواح وتكاليف مالية، فإن نوعاً واحداً منها انطوى أيضاً على آثار خارجية سلبية كبيرة بسبب الأضرار البيئية الناجمة عنه، وهو انسكابات النفط من الناقلات. فمع تنامي الطلب العالمي على النفط في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تزايد عدد ناقلات النفط وحجمها، وتزايد معه عدد الكوارث البيئية الناجمة عن انسكابات النفط. وأسفر انسكاب نفط الناقلة "توري كانيون" قبالة السواحل الفرنسية وساحل كورنوال عام 1967 عن الاتفاقية الدولية التاريخية لمنع التلوث من السفن. ورغم اعتماد هذه الاتفاقية عام 1973، فإنها لم تدخل حيز التنفيذ إلا عام 1983، أي بعد 16 عاماً من الكارثة. وزادت سلسلة من الكوارث الكبرى الأخرى لناقلات النفط، منها كارثة "أموكو كاديز" عام 1978 قبالة ساحل بريتاني في فرنسا، وكارثة "إكسون فالديز" عام 1989 قبالة ساحل ألاسكا، الضغوطَ لرفع معايير شحن النفط، بما شمل البناء (الهياكل المزدوجة)، وإصدار شهادات الطواقم وتوفير الموظفين، والتخطيط للطوارئ، ووضع خطط للاستجابة للكوارث. وقد رفعت الجهات التنظيمية الأمريكية سقف التعويضات في حالات الحوادث إلى حد دفع صناعة الناقلات إلى التحرك، فانخفضت انسكابات النفط بنسبة 90% خلال نصف القرن الماضي.
معايير قابلية التشغيل البيني بوصفها بروتوكولات في العصر الرقمي
كانت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المحرك التكنولوجي الأساسي للثورة الصناعية الثالثة. وقد بنيت على طبقات متعددة من معايير لا تحصى لأجهزة الحاسوب وبرمجياته وللإنترنت والشبكات اللاسلكية. ومع تسارع الابتكار، تكاثرت المعايير بين المنشآت والاتحادات والدول المتنافسة، وأصبحت بارزة على نحو متزايد في التنافس الجيوسياسي المتمحور حول التكنولوجيا. وقد كملت معايير البنية التحتية على المستوى الكلي، كمواصفات الألياف الضوئية الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات وواجهات بيانات الفضاء الصادرة عن اللجنة الاستشارية لأنظمة بيانات الفضاء، البروتوكولاتِ على المستوى الجزئي، كتلك الخاصة بالشبكات المحلية والبلوتوث والناقل التسلسلي العام والاتصالات اللاسلكية، التي شكلها معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والاتحادات الخاصة.
ومن خمسينيات القرن العشرين إلى ثمانينياته، هيمنت على الحوسبة المنتجات المملوكة في مجال الشبكات التي طورتها منشآت مهيمنة مثل "ديجيتال" و"آي بي إم". غير أنه ابتداءً من سبعينيات القرن العشرين، ظهرت معايير غير مملوكة مثل بروتوكول التحكم في الإرسال وبروتوكول الإنترنت، نتاجاً لمزيج من البحوث الأكاديمية والدفاعية في بيئات غير تجارية إبان الحرب الباردة. ولم يكن انتصار "إيثرنت" معياراً للشبكات المحلية نابعاً من تفوقه الفني على منافسه، أي شبكة "توكن رينغ" من "آي بي إم"، بل لأن مروجيه جعلوه معياراً مفتوحاً يتيح لأي منشأة بناء منتجات متوافقة معه. وأوجد ذلك مجتمعاً تكنولوجياً واسعاً أسهم في التطوير والاختبار وتبادل المعرفة على نحو مستمر، فحسّن "إيثرنت" باطراد وخفض تكلفته.
غير أن المعايير المفتوحة وحدها لا تضمن النجاح. ففي منتصف ثمانينيات القرن العشرين، بدا نموذج الربط البيني للأنظمة المفتوحة على وشك أن يصبح المعيار العالمي المهيمن في اتصالات الشبكات. فقد دعمته منشآت كبرى مثل "ديجيتال" و"هانيويل" و"آي بي إم"، وأيدته حكومات في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وأصبح معياراً من معايير الأيزو عام 1984. ورغم أن الحكومة الأمريكية كانت قد رعت بروتوكولات الإنترنت، فإنها تبنت استنتاجات تقرير أصدره المجلس الوطني للبحوث عام 1985 أوصى بالتحول نحو هذا النموذج. بل إن وزارة التجارة اشترطت عام 1988 أن تعتمد جميع الحواسيب التي تشتريها الأجهزة الحكومية الأمريكية هذا المعيار.
ورغم هذا الاشتراط، لم يتحقق ذلك. فقد وقع النموذج ضحية عيب قاتل نبع، ويا للمفارقة، من التزامه بالانفتاح. فالقواعد الرسمية للتوحيد القياسي الدولي أتاحت لأي طرف معني المشاركة في عملية وضع المعايير، فنتج عن ذلك تصادم في الرؤى وتكتيكات معرقلة. وجاء التركيز على الشمول على حساب السرعة، وهو ما كان عبئاً قاتلاً في مجال التقنيات السريعة التطور.
وعلى النقيض من ذلك، طُبقت بروتوكولات الإنترنت على نطاق واسع خلال ثمانينيات القرن العشرين وأوائل تسعينياته بفضل انخفاض تكلفتها ومرونتها. ومن اللافت بالنسبة لتكنولوجيا بهذا القدر من القدرة التحويلية أن عملية وضع معايير بروتوكولات الإنترنت أُديرت بطريقة مفتوحة ولامركزية على نحو ملحوظ. فقد اخترع تيم بيرنرز لي الشبكة العنكبوتية في المنظمة الأوروبية للبحوث النووية (سيرن) عام 1989، وصاغ مصطلح "الشبكة العنكبوتية العالمية"، وبعد بضع سنوات، في عام 1994، أُنشئ اتحاد الشبكة العنكبوتية العالمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاون مع سيرن، بإلحاح من شركات كثيرة كانت تستثمر موارد كبيرة في الشبكة. ثم أضاف الاتحاد لاحقاً ثلاث مؤسسات أخرى (في الصين واليابان وأوروبا) مضيفةً مشاركة في إطار "نموذج الاستضافة"، وفي عام 2023 تحول إلى منظمة جديدة غير ربحية تعمل للمصلحة العامة، محافظاً على رسالته الأساسية في وضع معايير مفتوحة للشبكة، مثل لغة ترميز النص التشعبي ونسختها الموسعة، وأوراق الأنماط المتتالية، ولغة الترميز القابلة للامتداد. ورغم أن الاتحاد الدولي للاتصالات وضع معايير رئيسية تتعلق بالبنى التحتية للمفاتيح العامة، فإن منظمات مثل فريق عمل هندسة الإنترنت والمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات والأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية وضعت جميعها معايير تتعلق بهذه البنى لسياقات مختلفة.
ورغم نجاح الأنظمة المفتوحة، ظلت الآثار الشبكية العالمية القوية تمثل حوافز للمعايير المملوكة. فقد مكّن نظاما "دوس" و"ويندوز" من مايكروسوفت، وسيطرة آبل على واجهات برمجة تطبيقات نظام "آي أو إس" ومتجر تطبيقاتها، ومنظومة "أندرويد" من غوغل، المنشآتِ التي ابتكرتها من الهيمنة على المطورين والمستخدمين على حد سواء، ومن جني ريوع هائلة. ومع ذلك كثيراً ما انضمت المنشآت إلى جهود التوحيد القياسي رغم التنافس التجاري، لأن هذه الجهود وفرت خرائط طريق تكنولوجية مشتركة، لا سيما حين كانت لدى المنشآت قدرات متكاملة. وقد أنتجت الاتحادات التي تقودها الصناعة كثيراً من معايير قابلية التشغيل البيني التي باتت منتشرة في كل مكان اليوم، مثل "واي فاي" و"بلوتوث" ولغة ترميز النص التشعبي.
وازدادت أهمية المعايير أكثر في المجالات التي تتلاقى فيها تقنيات معقدة، كشبكات اتصالات الجيل الخامس وإنترنت الأشياء. ففي غياب منصة رائدة واضحة في منظومة معينة، تكون المعايير مفتاحاً لتشكيل الابتكار وتنسيقه. وتشارك المنشآت لأن المشاركة تمكنها من تشكيل المسارات التكنولوجية، والتعاون في التطوير المشترك، والحصول على المعلومات الاستراتيجية.
واليوم، يبدو أن مقولة فيرنر فون سيمنز في أواخر القرن التاسع عشر، "من يملك المعايير يملك السوق"، قد اكتسبت أنصاراً جدداً، لأن المعايير التكنولوجية برزت ساحةَ معركة جيوسياسية رئيسية بين القوى الكبرى. بل إن منظمات وضع المعايير المتعددة الأطراف، كالاتحاد الدولي للاتصالات والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، أصبحت هي ذاتها جزءاً من "معركة المعايير"، لا سيما في التقنيات الناشئة للجيلين الخامس والسادس، بينما تقف البلدان النامية إلى حد كبير على الهامش. وإذا كانت المعايير قد مثلت عالماً موحداً في القرن العشرين، فإن عالم اليوم المتشرذم قد يفضي إلى معايير متشرذمة تضع البلدان النامية في مأزق: كيف تشق طريقها في عالم من المعايير المتشرذمة إذا ما ظهرت معايير متنافسة؟
الخلاصة
من أنظمة القياس القديمة إلى البروتوكولات الرقمية المعاصرة، يعكس تطور المعايير سعي البشرية نحو النظام والثقة والابتكار من خلال تنسيق الممارسات والحد من المخاطر. وقد كانت هذه السمات حاسمة في خفض تكاليف المعاملات وعدم تماثل المعلومات التي تضعف الأسواق. وطالما أدت المعايير دور المنظومات المقننة التي كانت حيوية لانتشار التقنيات الجديدة وتبنيها ولتعزيز الرفاه العام.
ومن الدروس المهمة المستخلصة من التاريخ أن المعايير تنطوي على مفاضلات. ففي عملية وضع المعايير، تشمل هذه المفاضلات الموازنة بين الشمول والسرعة، أو بين الخبرة وخطر الاستحواذ. وعند تبني المعايير، ثمة مفاضلات بين التكلفة والجودة، وبين الحجم والتنوع، وبين الابتكار والانحباس التكنولوجي. ومن ناحية أخرى، ثمة أوجه تكامل بين وضع المعايير وتبنيها، فالمشاركة الأعمق في وضع معيار ما تعزز احتمال تطبيق المنظمة له. ويستكشف الفصل التالي هذه المفاضلات.
كما يعلمنا تاريخ الثورات الصناعية الثلاث المتعاقبة الأهمية البالغة للمعايير في إدارة المخاطر الناشئة عن التقنيات الجديدة. ومع فجر الثورة الصناعية الرابعة، والدوامة المتنامية الناجمة عن اجتماع تكنولوجيا تحويلية بدرجة مذهلة (الذكاء الاصطناعي) ورواد أعمال متسارعي الخطى ومنافسات جيوسياسية محتدمة، لم تكن الحاجة إلى المعايير لإدارة هذه المخاطر قط أكبر مما هي عليه اليوم.
موضوع خاص 1: دور المعايير في معجزة شرق آسيا: بنية تحتية أساسية للقدرة التنافسية العالمية
حظيت المعجزة الاقتصادية في شرق آسيا، التي اتسمت بنمو سريع ومستدام وارتقاء صناعي مذهل في اليابان وجمهورية كوريا وتايوان (الصين)، ثم الصين لاحقاً، بقدر كبير من البحث العلمي. وتركز التفسيرات السائدة على دور الدولة التنموية في توجيه تخصيص رأس المال، وعلى ارتفاع معدلات الادخار والاستثمار، واستراتيجيات التصنيع الموجهة نحو التصدير التي تقودها الدولة، والتنمية الفعالة لرأس المال البشري.
غير أن ثمة عاملاً لم يحظَ بما يستحقه من تقدير كان ركيزة للنجاح التحويلي الذي حققته هذه البلدان، وهو التعزيز المنهجي لمعايير التصنيع وأنظمة مراقبة الجودة. فمن ثورة الجودة التي شهدتها اليابان بعد الحرب، والتي نُسقت عبر الجمعية اليابانية للمعايير والتبني الواسع لإدارة الجودة الشاملة، إلى قانون التوحيد القياسي الصناعي في كوريا لعام 1961، وإصلاحات التوحيد القياسي في الصين عام 2015، وظفت دول شرق آسيا وضع المعايير وتطبيقها توظيفاً استراتيجياً. فالمعايير ومراقبة الجودة والبنية التحتية للجودة لا تُستخدم لأغراض الامتثال التنظيمي فحسب، بل بوصفها أدوات مقصودة في السياسة الصناعية للارتقاء بالقدرات التكنولوجية، وبناء سمعة راسخة في الأسواق العالمية، وخفض تكاليف المعاملات المرتبطة بعدم تماثل المعلومات والتفاوت المفرط في المنتجات خفضاً جذرياً. ومن هذا المنظور، لم تكن المعايير عنصراً ثانوياً في التنمية، بل كانت بنية تحتية أساسية للقدرة التنافسية العالمية.
اليابان: من "الواردات الرديئة" إلى نموذج للجودة العالمية
لا يمكن فصل صعود اليابان رائدةً عالمية في الصناعة التحويلية عن التحول الجذري في معايير الجودة لديها. فقبل الحرب العالمية الثانية، كانت الصادرات الاستهلاكية اليابانية مرادفاً في الغالب لتدني الجودة وانعدام الموثوقية، وهي سمعة مدمرة تجذرت في السلع الرخيصة المنتجة بكميات ضخمة. ورغم وجود جيوب من الحرفية الاستثنائية، لا سيما في القطاعات الحرفية التقليدية، ورغم استثمار البلاد استثماراً كبيراً في المعدات العسكرية، فإن قطاع السلع الاستهلاكية عموماً كان متخلفاً كثيراً في اتساق الجودة.
وقد تطلبت ضرورة إعادة الإعمار الاقتصادي والنمو القائم على التصدير بعد الحرب قطيعة جذرية مع هذا الماضي. والأهم أن القيادة الصناعية اليابانية أبدت تقبلاً استثنائياً للخبرة الخارجية في لحظة محورية. فحين ألقى خبيرا الجودة الأمريكيان دبليو إدواردز ديمنغ وجوزيف م. جوران محاضرات في اليابان في أوائل خمسينيات القرن العشرين برعاية اتحاد العلماء والمهندسين اليابانيين، كان من بين جمهورهما الرؤساء التنفيذيون لأكبر التكتلات الصناعية في اليابان. وكان ذلك على النقيض تماماً من تجربتهما في الولايات المتحدة، حيث كان جمهورهما يتألف عادة من المهندسين ومديري مراقبة الجودة، ونادراً ما ضم الإدارة العليا. وقد أشار هذا الانخراط على أعلى مستويات قيادة المنشآت، المدفوع بحاجة ملحة إلى النفاذ إلى أسواق التصدير المربحة، لا سيما الولايات المتحدة، والتغلب على سمعة البلاد في إنتاج السلع الرديئة، إلى التزام بإضفاء طابع مؤسسي على الجودة بوصفها استراتيجية أساسية لزيادة القدرة التنافسية.
وفي ذلك الوقت، كانت المفاهيم السائدة لمراقبة الجودة، كما صاغها "دليل مراقبة الجودة" لجوران عام 1951، تركز أساساً على اكتشاف العيوب ومنعها، وتنظر إلى مراقبة الجودة بوصفها تمريناً لاحتواء التكاليف. فقد ميز جوران بين التكاليف التي يمكن تجنبها (الخردة وإعادة العمل ومطالبات الضمان) والتكاليف التي لا يمكن تجنبها (التدابير الوقائية كالتفتيش والاختبار). وفي عام 1956، مضى أرماند فايغنباوم بأفكار جوران خطوة أبعد باقتراحه مراقبة الجودة الشاملة، وهو نهج دعا إلى مشاركة الوظائف المختلفة (التسويق والهندسة والمشتريات والتصنيع) في جهود الجودة. ورغم أن ذلك كان خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن فايغنباوم لم ينظر فعلاً في الكيفية التي تمثل بها الجودة أولاً وقبل كل شيء مسألة استراتيجية لأي منشأة، كأن تحكم الجودة مثلاً تطوير التصميم واختيار الخصائص أو الخيارات. غير أن الممارسين اليابانيين، بتوجيه من ديمنغ وجوران وبتيسير من مؤسسات كالجمعية اليابانية للمعايير ووزارة التجارة الدولية والصناعة، أدركوا أن الجودة تحتاج إلى إعادة تعريف استراتيجية. فانطلاقاً من تأكيد ديمنغ على الحد من التفاوت في العمليات من خلال الأساليب الإحصائية، وعلى مسؤولية الإدارة عن ترسيخ ثقافة التحسين المستمر، حولت المنشآت اليابانية مراقبة الجودة الشاملة إلى إدارة الجودة الشاملة، التي تعطي الأولوية لرضا العملاء، ومشاركة المنشأة بأكملها، ودمج أهداف الجودة في صلب عملية التخطيط الاستراتيجي التي يقودها كبار المسؤولين التنفيذيين.
وبنت المنشآت اليابانية ثورة جودة حول إدارة الجودة الشاملة. فمع تولي كبار المسؤولين التنفيذيين المسؤولية المباشرة عن إدارة الجودة، استثمرت الشركات استثماراً كبيراً في تدريب المهندسين والمديرين على أساليب إحصائية متطورة لمراقبة العمليات، ومكّنت العاملين في الخطوط الأمامية من خلال حلقات مراقبة الجودة من تحديد المشكلات وحلها. والأهم أن المنشآت اليابانية تخلت عن الاعتماد على التفتيش في نهاية خط الإنتاج وحده لاكتشاف العيوب، وركزت بدلاً من ذلك على تصميم الجودة داخل المنتجات والعمليات منذ البداية، وبناء شبكات قوية من الموردين. وإدراكاً منها أن الجودة النهائية للمنتجات تتوقف على التميز المتسق للمكونات، عملت كبرى الشركات المصنعة مثل تويوتا عن كثب مع مورديها، فتقاسمت معهم المعرفة بشأن إدارة الجودة الشاملة، وفرضت عليهم معايير صارمة للجودة، بما ساعد على رفع القدرات على امتداد سلسلة الإمداد بأكملها. وأدت الجمعية اليابانية للمعايير دوراً حيوياً في نشر أفضل الممارسات وتنسيق المعايير المحلية مع نظيراتها الدولية. وكفل تركيز مزدوج، تمثل في وضع مواصفات فنية دقيقة للمدخلات والمنتجات النهائية على حد سواء من خلال المعايير الصناعية اليابانية، وتقنين عمليات إدارية محددة كإجراءات إدارة الجودة الشاملة من خلال معايير مكافئة لسلسلة المعيار الصناعي الياباني Q 9000، أن تعني الجودة الالتزام بمعايير محددة وقابلة للقياس على امتداد سلسلة القيمة.
وحفز السعي إلى النفاذ إلى أسواق التصدير الصعبة، لا سيما الولايات المتحدة، تبني المعايير والارتقاء بالجودة. فقد أدى المشترون الأجانب، وكذلك المنافسون، دوراً حاسماً بوصفهم قنوات لنقل المعرفة ومنفذين للامتثال، في دفع الموردين اليابانيين إلى تجاوز قدراتهم المحلية الأولية. فضلاً عن ذلك، يرجح أن الامتثال للمعايير أسهم في خفض التكاليف المتغيرة للتجارة المرتبطة بالرفض والإرجاع والإضرار بالسمعة، بما يسر اندماجاً أعمق في الأسواق العالمية. وتبين الأدلة على مستوى المنشآت في صناعات كالسيارات والإلكترونيات أن استيفاء هذه المعايير الخارجية حفز ارتقاءً كبيراً في التقنيات ومكاسب في الإنتاجية، فارتقى باليابان على سلم الجودة، وبنى مزايا نسبية في التصنيع العالي القيمة.
وقد أسفر هذا التركيز المنظومي الدؤوب على المعايير المتكاملة عن نتائج تحويلية. فالسيارات اليابانية، التي كانت رمزاً لسمعة البلاد في رداءة الجودة في خمسينيات القرن العشرين، تحسنت تحسناً مذهلاً. فبتطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة بصرامة، والتركيز على أبعاد الجودة التي يحددها العميل (الموثوقية والمتانة والمطابقة والقيمة المدركة)، وتمكين قواها العاملة ومورديها، حققت شركات السيارات اليابانية مستويات غير مسبوقة من الاتساق والموثوقية، متجاوزة نظيراتها الأمريكية في مقاييس الجودة الرئيسية بحلول أواخر سبعينيات القرن العشرين وأوائل ثمانينياته. وقد أثبتت رحلة اليابان أن الجودة، المستندة إلى معايير متينة وأنظمة إدارة مؤسسية، ليست مجرد تكلفة دفاعية، بل أداة استراتيجية قوية لبناء ميزة تنافسية عالمية. فقد وفرت الدولة، عبر وزارة التجارة الدولية والصناعة والجمعية اليابانية للمعايير، الإطار والزخم، واستوعبت القيادة الصناعية، المدفوعة بضرورات التصدير والضغط التنافسي، ثورة الجودة ونفذتها، فخلقت منظومة أصبحت فيها المعايير أساس التميز الصناعي.
جمهورية كوريا: التوحيد القياسي الاستراتيجي محركاً للتحول الصناعي
تقدم رحلة جمهورية كوريا الاستثنائية من دمار ما بعد الحرب إلى قوة تكنولوجية عالمية دراسة حالة مقنعة في التوظيف المقصود للمعايير والبنية التحتية للجودة أدواتٍ أساسية للسياسة الصناعية والقدرة التنافسية التصديرية. ورغم أن كوريا شاركت النموذج الشرق آسيوي في وجود دولة تنموية، فإن نهجها في التوحيد القياسي ارتكز على دمج منهجي للمعايير في الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية، وعلى دور ريادي في تحفيز التعليم في مجال التوحيد القياسي. وفي نهاية المطاف انتقلت البلاد من تبني المعايير الدولية إلى تأليفها، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
فمنذ انطلاق استراتيجيتها للتصنيع القائم على التصدير في أوائل ستينيات القرن العشرين، أدركت كوريا أن اختراق الأسواق الدولية يستلزم بلوغ المرجعيات الدولية للجودة والسلامة. فاتخذت الدولة تدابير لإرساء العناصر التأسيسية لبنيتها التحتية الوطنية للجودة، التي تشمل علم القياس والتوحيد القياسي وتقييم المطابقة والاعتماد. وأطلق قانونا علم القياس والتوحيد القياسي الصناعي لعام 1961 المعاييرَ الصناعية الكورية، وتولت الجمعية الكورية للمعايير إدارة نشرها. والأهم أن قانون فحص الصادرات لعام 1962 فرض فحوصاً قبل الشحن، فربط الامتثال للمعايير مباشرة بجدوى التصدير. كما أن إدخال نظام شهادة علامة "KS" عام 1961، مقروناً بمعاملة تفضيلية في المشتريات الحكومية للمنتجات الحاصلة على هذه الشهادة، خلق حوافز محلية قوية لتبني المعايير الصناعية الكورية، فأدمج مراقبة الجودة في قطاعات التصدير الناشئة كالمنسوجات والصناعات الخفيفة. وأكد انضمام كوريا إلى المنظمة الدولية للتوحيد القياسي واللجنة الكهروتقنية الدولية عام 1963 التزام البلاد بالمواءمة الدولية.
وخلال مرحلة النمو في البلاد، بين عامي 1973 و1995، تطلب التحول الاستراتيجي لكوريا نحو الصناعات الثقيلة والكيميائية بنية تحتية وطنية للجودة أكثر تطوراً. فعزز معهد كوريا لبحوث المعايير، الذي أصبح لاحقاً معهد كوريا لبحوث المعايير والعلوم، قدراته في مجال القياس بمساعدة ألمانيا والولايات المتحدة. ومن الأهمية بمكان أن تعديلاً دستورياً أُقر عام 1980 ألزم الدولة بإنشاء منظومة وطنية للمعايير، فارتقى بالتوحيد القياسي إلى مرتبة الأولوية الوطنية، وهو ما انعكس في الخطة العشرية للتوحيد القياسي الصناعي (1971 إلى 1980) والاستراتيجيات الخمسية اللاحقة. وفي مرحلة الارتقاء، بين عامي 1996 و2014، أصبح التوحيد القياسي جزءاً لا يتجزأ من الابتكار والقدرة التنافسية العالمية. وجرى تمكين منظمات القطاع الخاص من وضع المعايير، بما زاد المواءمة داخل الصناعات. وزادت كوريا مشاركتها زيادة كبيرة في منظمات وضع المعايير الدولية كالأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية، وفي التقنيات الناشئة التي كانت المنشآت الكورية تصبح رائدة فيها، كمشروع شراكة الجيل الثالث ومشروع شراكة الاتصال بين الآلات، فارتقت بالبلاد من متبنٍّ للمعايير إلى طامح لتأليفها. وفي الآونة الأخيرة، خلال مرحلة التوسع منذ عام 2015، أضفت كوريا طابعاً لا مركزياً على سلطة التوحيد القياسي، فأوكلت مسؤولية وضع المعايير الصناعية الكورية إلى الوزارات المعنية، بما عزز الخبرة وسرعة الاستجابة والتعاون بين الوزارات وقلص الازدواجية. وبالتزامن مع ذلك، كثفت كوريا سعيها إلى تأليف المعايير العالمية في مجالات رائدة كالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية للجيلين الخامس والسادس والتقنيات الكمومية، مدعومة بتدابير البلاد لتعزيز التقنيات الاستراتيجية الوطنية لعام 2022.
ويبين صعود كوريا بجلاء كيف يمكن للمعايير، حين تُخطط استراتيجياً ويُضفى عليها طابع مؤسسي، أن تعمل بنية تحتية اقتصادية لا غنى عنها. فقد وفرت الدولة الرؤية الأولية والأطر القانونية والمؤسسات والحوافز، كالميزة الممنوحة في المشتريات الحكومية للمنتجات الحاصلة على شهادة علامة "KS"، إدراكاً منها أن المعايير أساسية لمصداقية الصادرات والانضباط الصناعي. وضمنت الخطط الطويلة الأجل الاستمرارية والاتساق مع الأهداف الوطنية، وعززت مبادرات بناء رأس المال البشري وثقافة التوحيد القياسي الاستدامة. ونادراً ما كانت المنشآت وحدها هي التي قادت حالات اللحاق الناجحة في كوريا القائمة على "تخطي المراحل" و"شق المسارات"، بل اعتمدت هذه الحالات على استثمارات منسقة بين القطاعين العام والخاص، ونفاذ استراتيجي إلى المعرفة الأجنبية، وبيئة سياسات جعلت التوحيد القياسي مكملاً للارتقاء الصناعي لا بديلاً عنه.
ونتيجة لذلك تحول الدور الاقتصادي العالمي لكوريا. فقد بدأت المعايير مفاتيح تفتح أسواق التصدير، ثم أصبحت محركات للكفاءة والجودة المحليتين تتيح الارتقاء بالصناعات، وتطورت في نهاية المطاف إلى روافع استراتيجية مكنت كوريا من تشكيل المشهد التكنولوجي ذاته. ولم يكن الدمج المقصود والمرحلي الذي يسرته الدولة للمعايير في صلب استراتيجيتها الاقتصادية أمراً ثانوياً في المعجزة الكورية، بل كان عاملاً ممكّناً ومسرّعاً حاسماً، حوّل الأمة من متبنٍّ للمعايير العالمية إلى مهندس بارع لها.
الصين: التوحيد القياسي الاستراتيجي من أجل الريادة العالمية
يمثل الصعود الاقتصادي المذهل للصين، الذي انتشل مئات الملايين من الفقر وحوّل البلاد إلى قوة تكنولوجية عظمى، فصلاً متميزاً وإن كان جزءاً لا يتجزأ من سردية المعجزة الشرق آسيوية. ورغم أن الاستثمار الذي تقوده الدولة، والتصنيع الموجه نحو التصدير، وتنمية رأس المال البشري كانت ضرورية لنجاح البلاد الاقتصادي، فإن مجتمع التنمية أغفل التوظيف الاستراتيجي للمعايير والبنية التحتية للجودة في الارتقاء الصناعي والتكامل العالمي في الصين. ويعكس المسار الصيني انتقالاً من التبني السلبي للمعايير الأجنبية إلى الريادة النشطة في وضعها، لا سيما في مجالات الاتصالات والسكك الحديدية العالية السرعة والطاقة المتجددة.
وقد أرست الصين أسس معجزتها الاقتصادية خلال حقبة الإصلاح التي أعقبت عام 1978. فإدراكاً منها أن المعايير حيوية للتحديث ومراقبة الجودة والنفاذ إلى الأسواق العالمية، أصدرت الصين قانون التوحيد القياسي عام 1988. واتسمت هذه الفترة بالمواءمة الاستراتيجية مع المعايير الدولية. فقد انضمت الصين إلى هيئات دولية رئيسية (اللجنة الكهروتقنية الدولية عام 1957، والأيزو عام 1978، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية عام 1980)، وبحلول عام 2001 كانت 38% من معايير الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية قد حُولت إلى معايير وطنية صينية، ووضعت 43.7% من المعايير الوطنية الصينية بتبني معايير دولية.
وكان انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 نقطة تحول، وشكل تسارعاً في تحولها الاقتصادي، إذ انتقلت استراتيجية البلاد من المواءمة نحو المشاركة النشطة في وضع المعايير والابتكار المحلي. وأدى إنشاء إدارة التوحيد القياسي في الصين وإدارة منح الشهادات والاعتماد إلى مركزة وظائف كانت مجزأة من قبل، بما وفر حوكمة أقوى. فقد قننت إدارة التوحيد القياسي إجراءات تبني المعايير الدولية، وقادت إدارة منح الشهادات والاعتماد تقييم المطابقة، فاعتمدت 182 هيئة لمنح الشهادات بحلول عام 2007، وواءمت الصين على نحو متزايد مع الأنظمة الدولية لإدارة الجودة (الأيزو 9001) والإدارة البيئية (الأيزو 14001)، لتعزيز المشروعية العالمية لمنتجات البلاد. وربطت خطط استراتيجية، كالخطة الوطنية المتوسطة والطويلة الأجل لتطوير العلوم والتكنولوجيا (2006 إلى 2020)، التوحيد القياسي صراحةً بالابتكار المحلي، وأضفت طابعاً مؤسسياً على التعاون بين القطاعات.
وقد تكاملت استراتيجية التوحيد القياسي في الصين تكاملاً وثيقاً مع الجهود الحكومية لتعزيز الصناعة التحويلية عبر تشجيع المنشآت الأجنبية على الاستثمار بكثافة، لا مالياً فحسب، بل أيضاً في الخبرة الصناعية وطائفة من الأنشطة التكميلية، وذلك من خلال البنية التحتية والإعانات وإتاحة مخزون كبير من العمالة المهاجرة الرخيصة. وقد استندت هذه الجهود إلى جهود منهجية في مجالي التعليم والبحث لدعم التوحيد القياسي.
وبحلول عام 2015، تجاوز تبني المعايير الدولية في القطاعات الاستهلاكية الرئيسية في الصين 80%. وعززت المعايير الصينية الخاصة بقطاعات محددة، كمعايير سلامة الغذاء والتنظيم البيئي، أداء الصادرات بطريقتين: أولاً، بالحد من عدم تماثل المعلومات بين المنشآت الصينية والمستوردين عبر الإشارة إلى الجودة للمشترين الأجانب، لا سيما حين تكون منسقة مع المعايير الدولية؛ وثانياً، بخفض حواجز الاستيراد المرتبطة بعدم الامتثال للمعايير الدولية (الرفض والتأخير) وتيسير نقل المعرفة بأفضل الممارسات الدولية. كما تنامى النفوذ المؤسسي للصين، فقد شغل الخبراء الصينيون أكثر من 10 مناصب قيادية في اللجان الفنية للأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية بحلول عام 2015، وقفزت مساهماتهم في المعايير الدولية من 13 مساهمة (قبل عام 2000) إلى 182 مساهمة في العام نفسه. وأكد انتخاب شياو قانغ تشانغ رئيساً للأيزو، في عام 2015 أيضاً، هذا الصعود.
ومثّل تبني المعايير الدولية عام 2015، المتجسد في برنامج تعميق إصلاح عمل التوحيد القياسي، ثم في الخطوط العريضة الوطنية لتطوير التوحيد القياسي (التي تستهدف الريادة العالمية في مجال التوحيد القياسي بحلول عام 2035)، تحولاً استراتيجياً نحو نموذج للمعايير يقوده السوق ويتمحور حول الابتكار. فقد انتقلت الحكومة عن وعي من السيطرة المباشرة إلى وضع عتبات أساسية، غالباً عبر معايير وطنية إلزامية تركز على الصحة والسلامة والأمن، مع تمكين المنشآت ومؤسسات البحث والاتحادات الصناعية من قيادة وضع المعايير. ووفرت المعايير التي تقودها الحكومة أساساً تنظيمياً، وأصبحت المعايير التي يقودها السوق محركات للابتكار والمنافسة، على غرار الممارسات الدولية.
وقد جعل الإطار الناتج، الذي يوازن بين توجيه الدولة وديناميكية السوق، من الصين رائدة عالمية في وضع المعايير في التقنيات الناشئة الرئيسية. ففي مجال الاتصالات مثلاً، انتقلت من وضع معايير مستقلة لتقنيات الاتصالات اللاسلكية للجيل الثالث إلى الهيمنة على معايير الجيل الخامس. وبحلول عام 2024، كانت المنشآت الصينية تملك 40.8% من براءات الاختراع الأساسية للمعايير الخاصة بتقنيات الجيل الخامس المعلنة لدى المعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات، وأسهمت بنحو 34% من المقترحات الفنية المقبولة لدى مشروع شراكة الجيل الثالث، إذ استأثرت شركة هواوي الصينية المتعددة الجنسيات للتكنولوجيا وحدها بأكثر من 20% من المساهمات و16.9% من براءات الاختراع الأساسية للمعايير. وفي مجال السكك الحديدية العالية السرعة، تطورت الصين من مستورد للتكنولوجيا إلى واضع للمعايير، إذ امتلكت نحو 70% من براءات الاختراع العالمية في هذا المجال بحلول منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وترأست لجاناً فرعية للجنة الفنية 269 التابعة للأيزو، وقادت جميع المعايير الدولية الثلاثة عشر على مستوى المنظومة للسكك الحديدية العالية السرعة الصادرة عن الاتحاد الدولي للسكك الحديدية. وتقوم مشروعات دولية كبرى، مثل سكة جاكرتا باندونغ وسكة مومباسا نيروبي، على المعايير الصينية، بما يبين الأثر الاقتصادي لهذه المعايير ودورها قناةً لنشرها. وفي مجال الطاقة الشمسية، تتصدر الصين الإنتاج ووضع المعايير على حد سواء، إذ امتلكت 66% من براءات الاختراع الكهروضوئية العالمية بحلول عام 2023، وقادت العمل في اللجنة الفنية 82 التابعة للجنة الكهروتقنية الدولية بشأن تقنيات الجيل التالي، وتصدر مكونات شمسية مدمجة بالمعايير الصينية. غير أنه خلافاً لما حدث مع تقنيات الاتصالات اللاسلكية للجيل الخامس، القابلة للتشغيل البيني عالمياً، اختارت الصين في حالة البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية مساراً خاصاً بها دعماً للصناعة المحلية، رغم أن ذلك يعني عدم التوافق مع تقنيات الشحن الأجنبية لهذه المركبات، القائمة إما على المعايير اليابانية وإما على المعايير الأوروبية والأمريكية.
وكانت دبلوماسية المعايير مكوناً مهماً من مبادرة الحزام والطريق الصينية. فقد ارتفع عدد الاتفاقات الثنائية بشأن التوحيد القياسي بين الصين وبلدان أخرى من 81 اتفاقاً (مع 47 بلداً) عام 2017 إلى 108 اتفاقات (مع 65 بلداً) بحلول عام 2023. وعززت منصات إقليمية، كمنتدى التعاون في التوحيد القياسي بين الصين ورابطة أمم جنوب شرق آسيا، اتساق هذه الاتفاقات فيما بينها. واستندت هذه الجهود إلى زيادات هائلة في الإنفاق على البحث والتطوير، إذ قفزت طلبات براءات الاختراع الصينية من 103 طلبات عام 1995 إلى 70153 طلباً عام 2024، أي 25.6% من المجموع العالمي. كما عزز نظامٌ أقوى للملكية الفكرية، يتجلى في ارتفاع التقاضي في مجال الملكية الفكرية بنسبة 450% بين عامي 2013 و2023، والأحكامُ الداعمة للإنفاذ الصادرة عن محكمة الشعب العليا في الصين، الثقةَ بالمعايير الصينية. وأسهم ذلك كله في تنامي نفوذ الصين في الهيئات التي تضع المعايير الدولية.
وقد قام وضع المعايير في الصين على التبني التدريجي، بدءاً بالتكييف الانتقائي للمعايير الأجنبية الملائمة للظروف المحلية؛ وعلى الاختبار التجريبي، حيث تُدخل المعايير الفنية الجديدة في تجارب محدودة أو في صناعات مختارة، وتُختبر عملياً، ثم تُعمم على المستوى الوطني لاحقاً؛ وعلى استراتيجيات هجينة بأنظمة مزدوجة تتيح للمعايير المحلية التعايش مع المعايير الدولية قبل اتخاذ القرار بشأن المسار الذي سيسود. وقد انطوى صعود البلاد السريع من المواءمة مع المعايير الدولية إلى تشكيلها منهجياً في قطاعات محددة على نهج ذي ساقين: معايير حكومية إلزامية لضمان الامتثال الأساسي، ومعايير طوعية يقودها السوق لتحفيز الابتكار والقدرة التنافسية في القطاعات العالية التقنية. ورغم أن التوجيه الاستراتيجي بشأن الأولويات يُحدد مركزياً، فقد حدث تحول مقصود من السيطرة الهرمية إلى تفويض سلطة وضع المعايير.
دروس للبلدان اللاحقة
قامت المعجزة الاقتصادية في شرق آسيا على التوظيف الاستراتيجي للمعايير ومراقبة الجودة والبنية التحتية للجودة بوصفها أدوات أساسية للسياسة الصناعية من أجل الارتقاء التكنولوجي والقدرة التنافسية التصديرية ونمو الإنتاجية. وتبين ثورة الجودة في اليابان، والإضفاء المرحلي للطابع المؤسسي على البنية التحتية الوطنية للجودة في كوريا، وتحول الصين من المواءمة مع المعايير الدولية إلى الابتكار المحلي ووضع المعايير الدولية، مناهج متمايزة لكنها فعالة، تتلاءم مع ثقافات هذه البلدان ومؤسساتها.
وقد شكل الإعداد المؤسسي النتائج على نحو حاسم. فقد ركزت اليابان في البداية على التوحيد القياسي الداخلي على مستوى الشركات لبناء الجودة بدلاً من المشاركة في التوحيد القياسي الدولي، وعزز نموذجها المتعدد المراكز بناء قدرات عميقة لكنه تطلب ثقة قوية بين المنشآت. وأتاح التسلسل الهرمي المركزي في كوريا تعبئة سريعة للموارد لكنه قيد المبادرة الخاصة في البداية. ووازن نهج الصين ذو الساقين بين السيطرة التنظيمية وديناميكية السوق لكنه انطوى على خطر التشرذم. وقد ثبت أن تفويض السلطة للجهات الخاصة، كشبكات الأعمال والاتحادات الصناعية، أمر جوهري للاستجابة للتغير الفني. وكانت قدرة الدولة القوية حاسمة في الحالات الثلاث، إذ وفرت وزارة التجارة الدولية والصناعة والجمعية اليابانية للمعايير في اليابان، والوكالة الكورية للتكنولوجيا والمعايير والجمعية الكورية للمعايير في كوريا، وإدارة التوحيد القياسي في الصين، رؤيةً منسقة وأطراً قانونية ومؤسسات لمواءمة المعايير مع السياسة الصناعية.
ورغم تفاوت الوزن السببي الدقيق لكل مكون من مكونات هذه النماذج المؤسسية، يبرز خيط مشترك هو حلقة التغذية الراجعة بين التجارة والمعايير. فقد كانت ضرورة النفاذ إلى أسواق التصدير الصعبة والاندماج في سلاسل القيمة العالمية محفزاً قوياً دفع المنشآت إلى تبني المعايير والارتقاء بها عبر آليات كالتعلم من خلال التصدير. وهذا التبني والارتقاء خفضا بدورهما تكاليف التجارة، وعززا الإنتاجية، ويسرا التنويع نحو صادرات أعلى قيمة، وبنيا مزايا نسبية ذاتية، فزادا القدرة التنافسية التجارية. ومن الخيوط المشتركة الأخرى التركيز على بناء الخبرة بإدراج المعايير في مقررات التعليم النظامي.
لقد قام نجاح شرق آسيا في مجال التحول الاقتصادي على ثلاثة شروط متشابكة: قدرة قوية لدى الدولة على تنسيق منظومات المعايير، وتوجه نحو التصدير يحفز الارتقاء، ومواءمة مع المنشآت الرائدة لنقل المعرفة. ورغم أن كثيراً من البلدان النامية المنخفضة الدخل قد تجد صعوبة في استنساخ هذه الشروط، فلا بد من تذكر أن الصين واليابان وكوريا كانت قبل ستة أو سبعة عقود في أوضاع مماثلة تقريباً. غير أن البيئة الدولية الأكثر صعوبة تعني أن البلدان اللاحقة تحتاج إلى الانخراط بفاعلية أكبر في وضع المعايير، مع تعزيز شراكات مرنة بين القطاعين العام والخاص.
الجزء الثاني: الإبحار في عالم المعايير المعقد واستخدامها بفاعلية
المعايير ضرورية لعمل الأسواق والمؤسسات، وهي تتخذ أشكالاً عديدة وتخدم أغراضاً شتى. ومعظم المعايير طوعية، يضعها أصحاب مصلحة يرون حاجة سوقية أو مجتمعية إليها. غير أن المعايير قد تصبح إلزامية حين تُكرس في القوانين أو يُتفق عليها في عقود ملزمة قانوناً. وقد تختلف في نطاقها الجغرافي، فتتفاوت مثلاً بحسب ما إذا كانت قد وضعت على المستوى الوطني أو الدولي. وتبعاً لوظيفتها، ترسي المعايير قياساً متسقاً، وتضمن التوافق، وتعزز الجودة.
ولبناء فهم لأفضل السبل لاستخدام معايير التنمية، يقدم الفصل الثاني تعريفاً واضحاً للمعايير، ويميز بين أنواعها وأشكالها ووظائفها المختلفة. ويشرح المسوغات التي تقوم عليها المعايير في نشر المعرفة والمعلومات، وتعزيز التنسيق، وتشجيع المنافسة، ومعالجة الآثار الخارجية. كما يناقش الفصل كيف يسهم مختلف أصحاب المصلحة، في القطاع الخاص والمجتمع المدني والحكومة، في وضع المعايير. ومن شأن فهم دوافع هؤلاء أن يساعد على تقييم الفرص والتحديات والمفاضلات التي ينطوي عليها وضع المعايير وتبنيها، وعلى تحديد الحالات التي يرجح أن تنشأ فيها معايير أقل أو أكثر مما ينبغي.
ومن الأسئلة الرئيسية التي يطرحها هذا التقرير: كيف ينبغي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تستخدم معايير التنمية؟ ويقدم الفصل الثاني إرشادات حول الطرق المختلفة التي يمكن بها للمعايير الطوعية والإلزامية على حد سواء أن تكون أدوات للسياسة العامة، مبرزاً كيف تختلف المعايير عن اللوائح، وكيف تكمل أدوات أخرى كالسياسات القائمة على السوق. كما يعرض إطاراً مفاهيمياً يبين كيف يمكن للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تتقدم نحو معايير أعلى للجودة، فتكيف المعايير الدولية مع القدرات المحلية عند الضرورة، مع رفع طموح معاييرها وقدرتها على استيفائها تدريجياً.
ويعتمد كل من تطبيق المعايير الطوعية وإنفاذ المعايير الإلزامية على منظومة أوسع من المؤسسات والسياسات العامة والخاصة. وتشمل هذه المنظومة، المعروفة بالبنية التحتية للجودة، علم القياس، وتقييم المطابقة (الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات)، والاعتماد، والتوحيد القياسي ذاته. وتعمل البنية التحتية للجودة في البلد عبر مجالات سياسات مختلفة، من اعتماد الجامعات في التعليم إلى تفتيش المستشفيات في الرعاية الصحية. ويشرح الفصل الثالث كيف يمكن للبلدان أن تزيد قدرتها على الامتثال للمعايير بتطوير بنية تحتية فعالة للجودة، ويناقش سبل تقوية المؤسسات، وترتيب الإصلاحات، وتوزيع الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص.
ويناقش الموضوع الخاص الثاني الدور المهم لمنظمات وضع المعايير الدولية في تعزيز التنسيق الدولي في وضع المعايير، مشيراً إلى أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تعاني في الغالب من ضعف التمثيل في هذه المنظمات. ويركز الموضوع الخاص الثالث على هيئات التقييس الوطنية، مستنداً إلى مسح جديد أجرته المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو) والبنك الدولي، ويبرز أوجه الاختلاف والتشابه بين البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل والبلدان المرتفعة الدخل، كتفاوت الأدوار التي تؤديها الحكومات في هذه البلدان في ما يتعلق بالمعايير.
