الفصل الرابع: المعايير من أجل اقتصاد أفضل
الرسائل الرئيسية
المعايير محركات خفية للنمو، لكن كثيراً من البلدان النامية عالقة في فخاخ تدني الجودة. فالمنشآت في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى التي تتبنى المعايير الطوعية تحقق نمواً في المبيعات أكبر مما تحققه المنشآت في البلدان المرتفعة الدخل. لكن ارتفاع التكاليف وعدم اليقين وضعف البنية التحتية للجودة لا تزال تقيد التبني.
تبني المعايير مجزٍ، لكن التكاليف وعدم اليقين يبطئان انتشارها. فقد تصل تكلفة الحصول على شهادة الامتثال إلى 425000 دولار أمريكي للمنشأة الواحدة في البلدان النامية، بما في ذلك الاختبار والاستثمارات المصاحبة. ويعد توسيع القدرة المحلية على التدقيق والاختبار أمراً جوهرياً، فلدى إثيوبيا أقل من 100 مدقق لمعايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (الأيزو)، مقابل 12000 مدقق في ألمانيا. ومن شأن خفض التكاليف أن يطلق مكاسب في الإنتاجية والصادرات.
باتت تدفقات التجارة متشابكة في "وعاء سباغيتي" من اللوائح المتداخلة. فقد أدى تكاثر المعايير الوطنية واللوائح الفنية إلى ازدواجية واحتكاكات عبر الأسواق. ومن شأن تبسيط طبقات اللوائح ومواءمتها مع المعايير الدولية أن يقلل الحواجز التجارية تقليصاً كبيراً.
المعايير المبسطة والمنسقة تضاعف المنافع للتجارة والاستدامة. فالمعايير المعترف بها بصورة متبادلة تعفي المنشآت من تكرار الاختبار ومنح الشهادات، وتفتح الأسواق الإقليمية، لا سيما أمام المصدرين الأصغر. ومواءمة القواعد الوطنية مع المعايير الدولية من أبسط السبل لجعل التجارة أكثر شمولاً واستدامة.
يظل الاستثمار الأجنبي طريقاً لانتشار المعايير الأعلى، لكن ذلك لا يحدث تلقائياً. فقطاع مكونات السيارات في تونس، الذي يمثل 14% من الصادرات و90000 وظيفة، ينمو بمعدل 10% سنوياً منذ عام 2010 بعد أن أدخلت المنشآت الأجنبية معيار الأيزو 9001 والمعايير البيئية. فالاستثمار الأجنبي المباشر لا ينقل رأس المال فحسب، بل ينقل التكنولوجيا وممارسات الجودة أيضاً، شريطة أن تواكبه البنية التحتية والقدرات المحلية.
ستحدد معايير التكنولوجيا من يستفيد من الموجة التالية من الابتكار. فالمعايير المشتركة للتكنولوجيا تتيح قابلية التشغيل البيني، فتضمن اتصال الهواتف، وملاءمة الشواحن، وتدفق البيانات بأمان. غير أن المعايير المتنافسة في مجالات كالجيل الخامس وأشباه الموصلات والمدفوعات الرقمية تنطوي على خطر تشرذم الأسواق وإبطاء انتشار التكنولوجيا.
الصوت مهم: يجب على البلدان النامية أن تسهم في كتابة قواعد الغد. فمعظمها لا يزال متلقياً للتكنولوجيا لا صانعاً لها. ومن شأن زيادة مشاركتها في وضع المعايير على المستوى الإقليمي، عبر الاتحاد الأفريقي أو رابطة أمم جنوب شرق آسيا، وفي قطاعات كالهوية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والطاقة المتجددة، أن يضخم نفوذها ويضمن أن تعكس المعايير العالمية أولويات التنمية.
المعايير لزيادة الجودة والنمو
يمكن للمعايير أن تكون روافع قوية للنمو والتحول الهيكلي في البلدان النامية. فهي تشير إلى موثوقية العمليات والمنتجات، وتقلل عدم تماثل المعلومات بين أطراف المعاملة، وتثبت الالتزام بعمليات محددة للإنتاج والإدارة. كما تتيح للمنشآت الوصول إلى معرفة مقننة تساعدها على التعلم والابتكار والاندماج في أسواق أكبر.
وبالنسبة للموردين المحليين لأسواق التصدير أو للشركات التابعة للمنشآت المتعددة الجنسيات، تعمل المعايير أداةً للتنسيق، تساعد على مزامنة ممارسات التوريد والتصنيع والاختبار عبر سلاسل القيمة العالمية. فبدون المراجع المشتركة التي توفرها المعايير، تخاطر المنشآت بالإضرار بسمعة علاماتها التجارية وفقدان العقود التي تتوقف على جودة محققة. وبالنسبة للمنشآت المحلية، كثيراً ما تصبح المعايير تذكرة الدخول للمشاركة في شبكات الإنتاج الدولية. وتخلق عقود التوريد المرتبطة بالامتثال للمعايير، عبر تدقيقات الأداء أو المدفوعات المرتبطة بالجودة، حوافز قوية للمنشآت للاستثمار في الارتقاء.
وتجعل المعايير التقنيات متوافقة وقابلة للتشغيل البيني، بما يتيح للمنشآت الابتكار انطلاقاً من الأنظمة القائمة بدلاً من البدء من الصفر. ويقلل ذلك مخاطر الاستثمار، ويشجع انتشار الأفكار الجديدة، ويساعد على تجنب الانحباس التكنولوجي. وتمتد هذه المنافع إلى ما وراء السلع المصنعة لتشمل الخدمات أيضاً. فالسياحة مثلاً شهدت موجات متعاقبة من التوحيد القياسي، استهدفت في البداية ضمان السلامة وجودة الخدمة، ثم استهدفت مؤخراً تحقيق الاستدامة.
معايير السياحة: من التصنيفات الإلزامية إلى الاستدامة التي يقودها السوق
تطورت معايير السياحة على مدى الخمسين عاماً الماضية، فتحولت من معايير إلزامية للفنادق إلى معايير للاستدامة يقودها السوق، وقدمت مثالاً يحتذى لقطاعات الخدمات الأخرى. فقد بدأت منظمة الأمم المتحدة للسياحة العالمية والمنظمة الدولية للتوحيد القياسي في وضع معايير رسمية في مجال الخدمات السياحية في أواخر القرن العشرين، أساساً لتعزيز سلامة المسافرين. وظهرت أولى الأنظمة الموحدة لتصنيف الفنادق في الولايات المتحدة في خمسينيات القرن العشرين لتعزيز ثقة المستهلكين وزيادة جودة الخدمات الفندقية. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، كانت بلدان كثيرة قد أدخلت حداً أدنى من المعايير الإلزامية يغطي حجم الغرف والمرافق ومستويات الخدمة، كثيراً ما تنفذها هيئات السياحة الوطنية. وساعدت هذه المعايير على إضفاء الطابع الرسمي على القطاع واجتذاب الزوار المحليين والدوليين.
ومع تنامي الوعي البيئي ومفهوم السفر المسؤول، تكاثرت معايير الاستدامة الطوعية. فبحلول عام 2010، كانت هناك أكثر من 150 شهادة متاحة، مثل "غرين غلوب" و"بيوسفير" و"إيرث تشيك" و"غرين كي" و"ترافلايف"، تعالج قضايا تتراوح من استخدام الفنادق للطاقة إلى جودة الإدارة على مستوى الوجهات السياحية. وأدى الانفجار في العلامات البيئية الدالة على الحصول على الشهادات في إطار هذه البرامج إلى التشرذم، أي وجود معايير متعددة للشهادات في آن واحد، وإلى إرباك المستهلكين. ولاستعادة مصداقية معايير الاستدامة وتماسكها، أُسس المجلس العالمي للسياحة المستدامة عام 2010 لتنسيق معايير الاستدامة على امتداد سلسلة القيمة السياحية. وفي عام 2023، أصبحت تركيا أول بلد يعتمد معايير هذا المجلس أساساً للوائح وطنية إلزامية لخدمات الإيواء.
ورغم ندرة التقييمات الدقيقة، تجد الدراسات القائمة أن تصنيفات النجوم للفنادق ترتبط ارتباطاً إيجابياً بالقيمة السوقية والإيراد لكل غرفة متاحة وثقة المستثمرين. كما تربط بعض الأدلة تبني المعايير بزيادة رضا الموظفين، وارتفاع معدلات الاحتفاظ بهم، وتحسن جودة حياتهم العملية، إلى جانب زيادة مستويات الاستثمار. وعلى مستوى الوجهات السياحية، حفزت شهادة "العلم الأزرق" للشواطئ في كوستاريكا وإسبانيا الاستثمار في الفنادق، لا سيما في الشرائح الراقية.
ورغم المكاسب المحتملة، لم تجنِ بلدان نامية كثيرة بوجه خاص المنافع الكاملة لتبني المعايير. ويتناول هذا الفصل أسباب ذلك، ويستكشف دور المعايير عبر ثلاث قنوات رئيسية للنمو هي التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر والتكنولوجيا.
تبني المعايير في الاقتصادات المحلية
كما ناقش الفصل الثاني، كثيراً ما يعمل المنتجون في البلدان النامية في ظل توازن متدني الجودة. فالقدرة الشرائية المحدودة للمستهلكين تقيد الطلب على المنتجات الأعلى جودة، وتفتقر المنشآت إلى الحوافز والقدرة الفنية على الارتقاء. ومع تطور الاقتصادات، يزداد تعقيد السلع وجودتها معاً، ويتبنى عدد أكبر من المنشآت المعايير لتلبية توقعات المستهلكين والمشترين المتطورة.
وتؤكد موجات متعاقبة من البيانات التفصيلية التي جمعتها مسوح المنشآت التابعة للبنك الدولي على مستوى المنشآت هذا النمط. فحصة المنشآت الحاصلة على شهادات معترف بها دولياً في البلد ترتبط ارتباطاً قوياً بنصيب الفرد من الدخل فيه وبجودة بنيته التحتية الوطنية للجودة. وحتى في القطاعات غير القابلة للتداول تجارياً، كالبناء والنقل المحلي، تظل معدلات تبني المعايير أدنى في البلدان النامية بسبب الحواجز المالية والفنية والمعلوماتية التي تعترض التبني.
ويعزز تفضيل المستهلكين للسعر على الجودة الفخ الناجم عن العمل في ظل توازن متدني الجودة. فالمنشآت تتردد في الاستثمار في الارتقاء بجودة السلع والخدمات التي تنتجها حين تكون عوائد ذلك غير مؤكدة، أو حين يشح الائتمان أو خدمات الاختبار أو الدعم اللازم للحصول على الشهادات. وتُبقي هذه الحلقة الذاتية التعزيز المنشآتِ حبيسة الأنشطة المنخفضة الإنتاجية، وتمنعها من التنويع نحو منتجات أكثر تعقيداً وأعلى قيمة.
ومع نمو الاقتصادات وتوسيع المنشآت نطاق منتجاتها، يتسارع تبني المعايير. وتتبنى البلدان المعايير بسرعات مختلفة، وكثيراً ما تتأخر البلدان النامية عن البلدان الأعلى دخلاً. والسؤال الرئيسي على صعيد السياسات هو كيفية تقليص هذا التأخر. وتتطلب الإجابة عنه فهم ما يحدث حين تتبنى المنشآت في البلدان النامية المعايير للارتقاء بعمليات إنتاجها ومنتجاتها، سواء لتلبية اشتراطات المشترين الدوليين والنفاذ إلى أسواق التصدير، أو لاكتساب حصص في الأسواق المحلية. ورغم أن المعايير قد تحقق منافع كبيرة على مستوى المنشآت، من إنتاجية ومبيعات وعمالة أعلى، فإن تبنيها قد ينطوي على تكاليف أولية مرتفعة وعدم يقين.
وبعيداً عن بضع دراسات اقتصادية كلية بشأن آثار المعايير، تجد الأدلة المستمدة من الدراسات الاقتصادية الجزئية عوائد إيجابية لتبني المعايير. فمكاسب الإنتاجية تتراوح بين 2.4% و17.6% في أمريكا الوسطى، وتبلغ نحو 4.5% في الصين، مع آثار أصغر لكنها ذات دلالة إحصائية في جنوب شرق آسيا. والمنشآت التي تتبنى المعايير تنمو أسرع، وتصدر أكثر، وتتمتع بأنظمة إدارة أفضل. ولا تجد سوى دراستين تتناولان آثار تبني المعايير الخاصة أثراً سلبياً في الربحية، حين لا تعوض الإيرادات الإضافية المتأتية من العلاوة السعرية الناتجة تكاليفَ الامتثال للمعايير.
ويبدو أن لتبني المعايير منافع أكبر في البلدان النامية، حيث تساعد المعايير المنشآت على الإشارة بمصداقية إلى الجودة أمام المشترين الأجانب. وتبين بيانات أحدث مسوح المنشآت التابعة للبنك الدولي أن المنشآت في الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل تجني في المتوسط أعلى علاوة في المبيعات، أي المبيعات الإضافية المرتبطة بتبني المعيار، من الحصول على الشهادات. أما المنشآت في البلدان المرتفعة الدخل، حيث توقعات الجودة راسخة بالفعل، فتحقق علاوة أصغر في المبيعات.
فإذا كان التبني مربحاً، فلماذا يظل انتشار المعايير بطيئاً؟ يكمن السبب الرئيسي في ارتفاع التكاليف الثابتة وعدم اليقين ومحدودية الحصول على التمويل، وهي سمات تطبع الأسواق في كثير من البلدان النامية. فتبني المعايير لا يتطلب دفع رسوم الشهادات فحسب، بل يتطلب أيضاً إعادة تشكيل عمليات الإنتاج، وتدريب الموظفين، والحصول في الغالب على تقنيات جديدة.
وقد وجد مسح شمل 22 منشأة في إثيوبيا تسعى إلى الحصول على شهادات لمعايير الجودة المحلية الإلزامية أنها تعد العملية معقدة ومستهلكة للوقت ومكلفة. وتجد دراسة رائدة تناولت آثار العوائق الفنية أمام التجارة، أي اللوائح الفنية في الأسواق الأجنبية، على المصدرين في البلدان النامية أن كل زيادة بنسبة 1% في الاستثمار اللازم للامتثال للوائح ترفع تكاليف الإنتاج بنسبة تتراوح بين 0.06% و0.13%، بمتوسط تكاليف ثابتة يبلغ نحو 425000 دولار أمريكي للمنشأة الواحدة. وتجد دراسة لبرنامج موردي "نسبريسو" في كولومبيا أن بلوغ مستويات الغلة والجودة في محاصيل البن التي يشترطها البرنامج يستلزم من المنشآت استثمار 297 دولاراً أمريكياً إضافياً لكل هكتار مزروع بالبن، ويكلفها 0.11 دولار أمريكي إضافي لكل كيلوغرام من البن المنتج في تكاليف التشغيل، بما فيها تكاليف تحسين الممارسات البيئية وأساليب الحصاد وحماية العمال. ويواجه المزارعون المنتسبون إلى البرنامج تكلفة إنتاج إجمالية تبلغ نحو 1.33 دولار أمريكي لكل كيلوغرام من البن، بينما يجنون نحو 2.60 دولار أمريكي لكل كيلوغرام، أي زيادة بنسبة 10% في الأرباح الإجمالية مقارنة بالمزارعين غير المنتسبين إليه.
وتزيد محدودية الحصول على الائتمان والمعرفة الإدارية ومرافق الاختبار المحلية اللازمة لإثبات الامتثال للمعايير من حدة التحديات التي تواجهها البلدان النامية. فلدى ألمانيا أكثر من 12000 مدقق لمعيار الأيزو 9001، بينما لدى إثيوبيا أقل من 100 مدقق. وحتى لو كانت رسوم الشهادات الاسمية متقاربة بين البلدان، فإن المنشآت في البلدان النامية تتحمل تكاليف امتثال إجمالية أعلى نسبياً، لأن الاستثمارات المصاحبة في التكنولوجيا والاستشارات والخدمات اللوجستية تمثل حصة أكبر بكثير من إجمالي تكاليفها. وحين لا يتوافر الاختبار المحلي للامتثال، يتعين إرسال العينات إلى الخارج، بما يزيد النفقات زيادة كبيرة.
ويتزايد احتمال تبني المنشأة للمعايير بازدياد حجمها وارتفاع مستوى دخل البلد. ففي البلدان الأدنى دخلاً، تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة عقبات غير متناسبة، لأن حجمها يجعل استيعاب التكاليف الثابتة للحصول على الشهادات أصعب عليها.
ورغم وضوح المنافع المحتملة للمعايير، فإن التكاليف المرتفعة وغير المؤكدة لتبنيها لا تزال تثني كثيراً من المنشآت عن ذلك. ولذلك يتركز التبني بين المنشآت الكبيرة والمصدرين القادرين على استيعاب الاستثمارات المبذولة لزيادة الجودة، أما المنتجون المحليون الأصغر فكثيراً ما تظل الشهادات بعيدة عن متناولهم.
وقليل من الدراسات يقيس مباشرة كيف تؤثر المعايير في الجودة الفعلية للمنتجات، وهو ما يمثل فجوة في الأدلة المتاحة. ولأن الجودة يصعب رصدها، يعتمد الباحثون على مؤشرات تقريبية للجودة كالإنتاجية أو الأجور أو المبيعات. وقد وجدت دراسة تناولت اللوائح الفنية في تشيلي أن زيادة الصرامة التنظيمية رفعت كفاءة المنشآت وجودتها أساساً بإعادة توزيع الحصص السوقية من المنشآت المتدنية الجودة إلى المنشآت الأعلى جودة، لا برفع الجودة في جميع المنشآت.
وخلاصة القول إن معدلات تبني المعايير في البلدان النامية لا تزال منخفضة. ورغم أن الأدلة السببية تبين أن الشهادات تحسن أداء المنشآت، فإن المنشآت الأفضل أداءً وحدها هي الأرجح أن تتبنى المعايير. والقيود الملزمة على التبني هي ارتفاع التكاليف، وعدم اليقين في السوق، وضعف أنظمة الدعم، لا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
إجراءات حكومية يمكنها تيسير انتشار المعايير وتبنيها وتحسين الجودة
تيسير التغيير بدلاً من فرض المعايير
المعايير الإلزامية المدمجة في اللوائح ملائمة في القطاعات التي يمثل فيها تدني الجودة مخاطر اجتماعية مرتفعة، كالصحة والسلامة والبيئة. لكن فرض المعايير عبر التنظيم خارج هذه القطاعات قد يأتي بنتائج عكسية. فاللوائح قد ترفع الجودة على المستوى الكلي وتحد من الآثار الخارجية السلبية الناجمة عن عمليات إنتاج المنشآت، لكنها كثيراً ما تفعل ذلك بإعادة توزيع الحصص السوقية من المنشآت المتدنية الجودة إلى المنشآت الأعلى جودة، لأن ليست كل المنشآت قادرة على الامتثال لها. وقد تدفع اللوائح المفرطة أو السيئة التصميم المنشآت إلى الخروج من السوق أو إلى الاقتصاد غير الرسمي، بما يضعف المنافسة. ويناقش الفصل الثامن كيف يمكن للتقييمات الدقيقة للأثر التنظيمي أن تساعد الحكومات على الموازنة بين المفاضلات المعنية. وثمة حاجة إلى المساعدة الفنية لدعم البلدان النامية التي تفتقر إلى القدرة على إجراء تشخيصات من هذا النوع.
الآثار المتنوعة للمعايير في المنافسة
تشكل المعايير المنافسة بطرق متعددة. فقد تعزز الكفاءة والتنافس القائم على الجدارة، لكنها قد تخلق أيضاً حواجز أمام الدخول أو ترسخ القوة السوقية إذا أسيء تصميمها. فالمعايير الخاصة قد توجه سلاسل القيمة نحو المنشآت والبلدان القادرة على استيفاء شروط امتثال صعبة، فتنقل الأرباح فعلياً من الموردين إلى المشترين عبر تكاليف الشهادات والشروط التعاقدية التقييدية. ويمكن للمعايير أن تعزز كفاءة الابتكار في الأسواق ذات المستويات المرتفعة من عدم اليقين، لكنها قد تعيقه في الأسواق التي يكون فيها عدم اليقين منخفضاً. كما قد تُستخدم المعايير أدوات مقنعة للحمائية لإقصاء المنافسة الأجنبية.
وثمة أربعة مخاطر رئيسية قد تنشأ حين توضع المعايير أو تطبق على نحو مناهض للمنافسة:
رفع حواجز الدخول: فالمعايير المفرطة الصرامة قد تقصي اللاعبين الأصغر. ففي نيجيريا مثلاً، قيدت معايير الإسمنت المنافسة فعلياً، بما عاد بالنفع على المنشأة المهيمنة "دانغوتي".
تيسير التواطؤ: فبعض المعايير الجماعية تعزز تبادل المعلومات بما يقلل المنافسة السعرية، كتحالفات شركات الطيران التي تتبادل البيانات عن المسارات والأسعار، أو مخططات الاستدامة على مستوى الصناعة التي تلزم المنشآت بالإفصاح عن هياكل تكاليفها.
تقليص الابتكار والتنوع: فالمعايير الشديدة التحديد، كبعض قوانين البناء أو الاشتراطات المتعلقة بمحتوى المواد، قد تعيق الابتكار، بما في ذلك تطوير التقنيات الخضراء، بإضفاء جمود مفرط على مواصفات المواد والتقنيات.
إتاحة إساءة استخدام الهيمنة: فالعلامات الخاصة لكبار تجار التجزئة قد ترسخ قوة المشترين، كما في حالة صناعة الجعة في بيرو، حيث قيدت منشأة رائدة وصول منافس لها إلى نظام تبادل الزجاجات في البلاد.
ويتوقف الأثر الإجمالي للمعيار في المنافسة على الحوكمة المرتبطة به: هل لصغار المنتجين صوت في عملية وضع المعيار؟ وهل المعايير طوعية أم إلزامية؟ وهل توجد ضمانات تحول دون أن يضع اللاعبون الراسخون عتبات تتجاوز ما هو ضروري للسلامة أو الأداء؟
التعامل مع المعايير بوصفها جزءاً من حزمة سياسات أوسع
تحقق المعايير أكبر منافعها حين تقترن بسياسات تكميلية. ففي حالتي الصين وجمهورية كوريا، كانت المعايير جزءاً من استراتيجيات تنموية أوسع شملت تعزيز الصادرات، ونقل المعرفة المدفوع بالاستثمار الأجنبي المباشر، وحوافز الصناعة. وقد طبقت البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وكذلك الصين وكوريا وسنغافورة، طائفة من السياسات المكملة للمعايير، منها دعم تكاليف الشهادات عبر القسائم أو المنح أو القروض الميسرة. والأدلة على التوليفة المثلى من السياسات شحيحة وخاصة بالسياق إلى حد كبير، غير أن البلدان الناجحة كتلك المذكورة هنا استثمرت في استراتيجية موجهة نحو التصدير، وعززت ثقافة الجودة، واستثمرت تدريجياً في البنية التحتية الوطنية للجودة، وطبقت استراتيجية لتيسير الوصول إلى المعرفة الخارجية.
تهيئة الظروف التي تمكّن المنشآت من الارتقاء بالجودة
تنتهج بلدان نامية كثيرة سياسات صناعية مجزأة، وتحافظ على حوافز لا تتسق مع الارتقاء بالجودة. فحين تفضي اللوائح إلى حصول المنشآت الأقل كفاءة أو الأدنى جودة على موارد أكثر مما كانت ستحصل عليه في سوق تعمل على نحو جيد، أو حين تكون التكاليف التشغيلية مرتفعة، لا يكون لدى المنشآت سبب يذكر للاستثمار في الارتقاء. وفي إطار تقرير عن التنمية في العالم 2024: فخ الدخل المتوسط، تدعم المعايير عملية "الضخ"، أي نقل التقنيات وممارسات الإنتاج الأجنبية ونشرها محلياً، لكن تسريع هذه العملية يتطلب الحفاظ على قدرة الأسواق على تعريض المنشآت لتهديد الدخول والمنافسة. وتكون المعايير في أقصى فاعليتها حين تكون بيئات الأعمال قابلة للتنبؤ، وتتيح الأنظمة المالية الحصول على الائتمان الطويل الأجل، ويمكن للمنشآت الاعتماد على خدمات ميسورة التكلفة تقدمها البنية التحتية الوطنية للجودة.
المعايير من أجل التجارة الدولية
تشكل المعايير التجارة بتحديدها أي المنتجات والمنتجين يمكنهم المشاركة في الأسواق العالمية وبأي شروط. فهي لغة التبادل، تحدد خصائص المنتجات واشتراطات الوسم وإجراءات الاختبار، فضلاً عن أساليب تقييم المطابقة لاشتراطات المعايير، بما يجعل المعاملات عبر الحدود قابلة للتنبؤ وآمنة. وحين تكون المعايير منسقة بين البلدان، فإنها تخفض تكاليف التجارة، وتوسع النفاذ إلى الأسواق، وتعزز الثقة بين المشترين والبائعين. فتبني معايير الأيزو مثلاً زاد الصادرات في الأرجنتين وإسبانيا والولايات المتحدة. أما حين تكون المعايير متشرذمة أو مفرطة الصرامة، فقد تعمل عوائق فنية أمام التجارة تقصي المنتجين في البلدان النامية.
ويكتسي تقييم دور المعايير في التجارة أهمية خاصة لأن الفجوة بين البلدان المتقدمة والنامية في جودة السلع والخدمات المنتجة لم تضق بمرور الوقت، باستثناء لافت في بعض اقتصادات شرق آسيا. فوفق مؤشر جودة الصادرات الصادر عن صندوق النقد الدولي خلال الفترة من 1960 إلى 2014، واصلت الاقتصادات المتقدمة إنتاج منتجات أعلى جودة، ونسخ أعلى جودة من المنتجات ذاتها، مقارنة بالبلدان النامية طوال تلك الفترة. ولم تحرز تقدماً كبيراً في سد الفجوة سوى بلدان شرق آسيا، لا سيما الصين وكوريا. وتحسنت جنوب آسيا بسرعة في هذا الصدد حتى عام 2000، لكن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة أفريقيا جنوب الصحراء كانتا في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تنتجان صادرات أدنى جودة مما كانتا تنتجانه في ستينيات القرن العشرين. ولأن السلع المصدرة تكون عادة أعلى جودة من تلك المبيعة محلياً، فمن المرجح أن تكون الفجوة الفعلية في جودة الإنتاج أكبر مما يشير إليه المؤشر.
ورغم أن الفروق بين جودة الصادرات في البلدان النامية والبلدان المتقدمة تعكس جزئياً عوامل هيكلية، فإنها تشير أيضاً إلى أن المعايير لم تحقق بعد إمكاناتها في مساعدة البلدان النامية على الارتقاء بجودة السلع والخدمات التي تنتجها وتسريع تنميتها الاقتصادية.
وحين تقرر منشأة ما التصدير، فإنها تزن تكاليف الامتثال للوائح الفنية في أسواق المقصد ومنافعه، إلى جانب المعايير الخاصة التي كثيراً ما يشترط المشترون على المنشآت استيفاءها. وتتكبد المنشآت في البلدان المنخفضة الدخل، التي تمر بمرحلة التكييف، تكاليف أعلى للامتثال للوائح في أسواق المقصد مقارنة بالمنشآت في الاقتصادات المتقدمة التي تمر بمرحلة المواءمة. ويعود ذلك إلى أن الفجوة في صرامة اللوائح بين أسواق المنشأ وأسواق المقصد أكبر في البلدان المنخفضة الدخل منها في البلدان الأكثر تقدماً. فبعض أسواق المقصد تضع لوائح فنية تفوق القواعد الدولية، أحياناً لحماية المنتجين المحليين. وتميل المعايير الخاصة للمشترين إلى أن تكون أكثر صرامة، بما يضاعف التكاليف التي تواجهها المنشآت المصدرة. ونتيجة لذلك، تتجنب منشآت كثيرة في البلدان النامية الأسواق ذات المعايير واللوائح المرهقة، وتعيد توجيه صادراتها نحو وجهات أقل تطلباً. فبوروندي مثلاً تصدر معظم مطاطها إلى بيرو، في حين تتجه صادرات المكسيك من المطاط أساساً إلى أسواق مرتفعة الدخل كالصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تفرض على وارداتها اشتراطات أكثر صعوبة نسبياً. ومحصلة خيارات المنشآت بشأن وجهات التصدير هي التي تحدد كيف تشكل المعايير أنماط التجارة العالمية.
ويتطلب فهم أثر المعايير في التجارة التمييز بين أنواع مختلفة من المعايير. فمعظم المعايير الدولية، عامة كانت أو خاصة، طوعية. لكن الحكومات تفرض أيضاً لوائح فنية إلزامية لأنها منصوص عليها في القانون. ويمكن أن تقوم هذه اللوائح على المعايير الدولية، كما تشجع قواعد منظمة التجارة العالمية، أو أن تحيد عنها. وتشكل هذه وتلك معاً فئة رئيسية من التدابير غير الجمركية، أي أدوات السياسات غير التعريفات الجمركية التي تؤثر في التجارة. وتشمل التدابير غير الجمركية التدابير الفنية، كلوائح الصحة والصحة النباتية والعوائق الفنية أمام التجارة، والتدابير غير الفنية، كالحصص أو ضوابط الأسعار.
وتخلق الفروق الكبيرة في المعايير والإنفاذ بين البلدان حواجز كبيرة أمام التجارة، وتبطئ التقدم في تضييق الفجوة في جودة السلع والخدمات بين البلدان المتقدمة والنامية. فكثيراً ما يتعين على المنشآت إعادة تصميم منتجاتها أو تكرار الاختبار ومنح الشهادات المكلفين لإرضاء المشترين في أسواق مختلفة، بما يثبط المصدرين الصغار والمتوسطين بوجه خاص. فمصنع للمنسوجات في باكستان مثلاً يفيد بأنه ينفق نحو 5000 دولار أمريكي سنوياً على كل واحد من 15 معياراً وعلامة استدامة يشترطها المشترون الدوليون، يغطي كثير منها معايير اجتماعية وبيئية متشابهة لكنها تتطلب تدقيقات منفصلة. وعلى مدى العقدين الماضيين، تزايد عدد المعايير واللوائح الفنية وتعقيدها تزايداً حاداً. ويوثق القسم الفرعي التالي هذا النمو ويتناول تداعياته التجارية على البلدان النامية.
تكاثر المعايير في التجارة الدولية
التحول من التعريفات الجمركية إلى التدابير غير الجمركية
تغيرت تركيبة السياسة التجارية تغيراً جذرياً بمرور الوقت. فقد ارتفعت حصة التجارة العالمية الخاضعة لتدابير فنية غير جمركية من أقل من 15% في أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى قرابة 90% بحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وتضاعفت الإخطارات المقدمة إلى منظمة التجارة العالمية بشأن تدابير جديدة للصحة والصحة النباتية وعوائق فنية أمام التجارة أكثر من عشر مرات بين عامي 1995 و2024، من 587 إخطاراً إلى 6481 إخطاراً. وباتت السلع غير الزراعية، التي كانت تخضع في السابق لتدابير غير جمركية أقل من السلع الزراعية، تخضع اليوم لمعدل مماثل.
ويُقاس مدى تقييد التدبير غير الجمركي بما يعادله من القيمة، أي معدل التعريفة الجمركية اللازم لإحداث الأثر نفسه في قيم التجارة الذي يحدثه التدبير غير الجمركي. ولا تفرض البلدان المرتفعة الدخل تدابير غير جمركية أكثر مما تفرضه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل فحسب، بل تفرض أيضاً تدابير أكثر تقييداً ذات معادلات قيمية أعلى. وفي السنوات الأخيرة، وسعت البلدان النامية أيضاً استخدامها للتدابير الفنية غير الجمركية.
حمائية مقنعة؟
ما الذي يفسر الطفرة في اللوائح الفنية: أهداف مشروعة للسياسة العامة أم حمائية مقنعة؟ فبين إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995 ومطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تضاعفت قيمة تجارة السلع العالمية أكثر من أربع مرات، من 4.4 تريليون دولار أمريكي عام 1996 إلى 18.6 تريليون دولار أمريكي عام 2021. وخلال الفترة نفسها، انخفض متوسط معدلات تعريفة الدولة الأولى بالرعاية، أي معدلات التعريفة القياسية التي يطبقها أعضاء المنظمة على الواردات من الأعضاء الآخرين، بنسبة 44%، من 13.2% إلى 7.4%. غير أنه مع انخفاض هذه المعدلات، استعاضت بلدان كثيرة عنها بتدابير غير جمركية، يصعب على البلدان المصدرة الطعن فيها بموجب قواعد المنظمة لأنها ذات طابع فني، وكثيراً ما تبررها البلدان بالإشارة إلى شواغل السلامة أو الجودة.
والبلدان المستوردة الأعلى دخلاً الوفيرة رأس المال أكثر ميلاً بوجه خاص إلى الاستعاضة عن التعريفات الجمركية بتدابير غير جمركية، قد تكون أدوات حمائية أكثر تطوراً. وفي المقابل، فإن المصدرين في البلدان النامية الوفيرة العمالة أكثر عرضة لمواجهة هذا النوع من الإحلال في السياسات. ويرجح أن يفرض التدابير الفنية غير الجمركية أحد طرفي شراكة تجارية يرتبطان بالفعل باتفاقات تقيد استخدام التعريفات لحماية المنتجين المحليين، وكذلك مجموعات البلدان التي تحاكي تدابير بعضها بعضاً استجابة لتغير تفضيلات المستهلكين أو للتنسيق الإقليمي.
ومع ذلك تبين الأدلة أيضاً أن البلدان كثيراً ما تشدد لوائحها الفنية في أعقاب طفرات الواردات، بما يوحي بأنها تستخدم أحياناً التدابير غير الجمركية لحماية المنتجين المحليين.
هل تحمي لوائح سلامة الغذاء المستهلكين أم المنتجين؟
يوفر الدستور الغذائي مرجعيات دولية للوائح سلامة الغذاء، فيضع مثلاً حدوداً قصوى لبقايا المبيدات لحماية المستهلكين وتيسير التجارة. وعادة ما تعتمد البلدان النامية الحدود القصوى للبقايا الواردة في الدستور الغذائي مباشرة معاييرَ وطنية. ومع تقدمها في التصنيع، توسع عموماً عدد المبيدات المشمولة وتحيد عن مستويات الدستور الغذائي، وتشدد الحدود أحياناً.
ويبين تحليل أجري لأغراض هذا التقرير باستخدام بيانات "فودتشين آي دي" أن البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى تعكس عادة قيم الدستور الغذائي لحدود المبيدات، وأن البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى تطبقها في المتوسط ولكن بتفاوت أكبر، وأن البلدان المرتفعة الدخل تضع حدوداً قصوى وسيطة للبقايا أكثر صرامة مما يوصي به الدستور الغذائي. ويعكس ذلك جزئياً تفضيلات المستهلكين الأكثر ثراءً لاشتراطات سلامة أكثر صرامة، لكن البيانات تشير أيضاً إلى أن بعض الحكومات تخفض الحدود القصوى للبقايا على نحو استراتيجي لحماية المنتجين المحليين، لا سيما في المحاصيل التي يمكن زراعتها محلياً.
كما تؤثر هذه اللوائح في السلع الأساسية، فتعرقل أحياناً التجارة بين البلدان النامية وتوافر الغذاء اللازم للاستجابة للأزمات الإنسانية. فرغم دور منتجات الألبان في القضاء على نقص التغذية مثلاً، فإن التدابير غير الجمركية العديدة والمتباينة المتعلقة بواردات الألبان بين البلدان النامية تزيد تكاليف الامتثال، ومن ثم قد تقيد تجارة الألبان، لا سيما لصغار مشغلي الألبان في أفريقيا.
بعض اللوائح قد تقوض الاستجابات الدولية للأزمات الإنسانية
يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الغذائية الإنسانية كل عام. وتقوم أجهزة مثل برنامج الأغذية العالمي بتخزين مسبق لمخزونات الغذاء في مستودعات إقليمية للاستجابة السريعة لحالات الطوارئ، لكن اللوائح الوطنية غير المتسقة أو المفرطة الصرامة كثيراً ما تبطئ التسليم. فالقيود التي تفرضها مدة صلاحية المنتجات أو قيود المصادر مثلاً قد تحول دون الإفراج عن الغذاء المخزن مسبقاً، بما يزيد فترات التسليم وتكاليفه. وفي إحدى الحالات، رفض بلد مقصد 12500 طن متري من دقيق القمح لاحتوائه على بضع حشرات ميتة، وهو مستوى تسمح به القواعد الدولية لكن لا تسمح به المعايير الوطنية لذلك البلد. وتسبب الرفض في خسائر بلغت نحو 1.7 مليون دولار أمريكي، أي ما يعادل 3.4 مليون وجبة مدرسية. وللامتثال للمعايير الوطنية لذلك البلد، بات البرنامج ينفق 60000 دولار أمريكي سنوياً على عمليات تفتيش إضافية، وهي موارد كان يمكن أن تمول 120000 وجبة إضافية.
وقد أبرزت حادثة وقعت في أوغندا عام 2019، تسببت فيها حبوب مدعمة ملوثة بقلويدات التروبان في حالات مرض ووفاة، الثغراتِ في الإرشادات العالمية بشأن سلامة الغذاء في السياقات الإنسانية. واستجابة لذلك، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية إرشادات جديدة بشأن قلويدات التروبان، وتعكف هيئة الدستور الغذائي على وضع مدونة ممارسات. لكن لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله لتنسيق معايير سلامة الغذاء المستجيبة للأزمات وتعزيز القدرة على تطبيقها.
ولا يقتصر التحدي الرئيسي الذي تواجهه البلدان النامية على عدد المعايير واللوائح التي تواجهها وهي تحاول تصدير السلع والخدمات، بل يشمل أيضاً تنوع هذه المعايير واللوائح وتعقيدها. فبدلاً من مواجهة دليل قواعد واحد متماسك، يواجه المصدرون "وعاء سباغيتي" من الاشتراطات الفنية المتداخلة، لكل منها تقييم مطابقة خاص به.
واليوم يتعين على البلدان المصدرة أن تمتثل في المتوسط لتسع لوائح فنية لدخول سوق أجنبية، مقابل لائحتين فقط قبل ثلاثة عقود. وتفرض الأسواق المرتفعة الدخل عادة أكثر من 12 اشتراطاً، والأسواق المنخفضة الدخل أقل من 4 اشتراطات. وفي حالة المنتجات الزراعية والغذائية، كثيراً ما يواجه المصدرون تدابير الصحة والصحة النباتية والعوائق الفنية أمام التجارة معاً، بما يعني أكثر من 15 لائحة فنية متمايزة في المتوسط.
وإلى جانب عددها المجرد، تتباين اللوائح الفنية تبايناً كبيراً بين الأسواق. ويقيس مفهوم المسافة التنظيمية التباعد بين لوائح بلدين. فالمسافة البالغة 1 تعني أن اللوائح في البلدين تتعلق بمنتجات أو خصائص مختلفة تماماً، والمسافة البالغة صفراً تدل على تنسيق كامل. وفي عام 2001، تجاوز متوسط المسافة التنظيمية بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل 0.9، بما يعني انعدام التداخل تقريباً، في حين بلغ متوسط المسافة بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المرتفعة الدخل 0.7. ورغم أن المسافة التنظيمية ضاقت بمرور الوقت بين البلدان من جميع فئات الدخل، فإنها انخفضت بوتيرة أسرع بين البلدان الغنية، بما وسع الفجوة في النفاذ إلى الأسواق بين البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
كما تؤثر التدابير غير الجمركية في تجارة الخدمات. فقد وجد تحليل حديث استخدم بيانات قاعدة بيانات سياسات تجارة الخدمات المشتركة بين البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ودرجات مؤشر قيود تجارة الخدمات المرتبط بها أن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لا تزال تفرض قيوداً على تجارة الخدمات أكثر مما تفرضه البلدان المرتفعة الدخل، وإن كانت الفجوة آخذة في الضيق. فبين عامي 2016 و2019 مثلاً، كانت نسبة تتراوح بين 50% و60% من خدمات المعرفة، كالقانون أو الهندسة، تتطلب اجتياز امتحانات مهنية في كلتا المجموعتين من البلدان. واليوم انخفضت هذه النسبة إلى ما دون 40% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، لكنها تظل فوق 50% في البلدان المرتفعة الدخل. وكثيراً ما تكون اللوائح المنظمة للخدمات أكثر تقييداً من التدابير غير الجمركية المفروضة على السلع، لكن آثارها في التجارة أصعب قياساً.
نشوء المعايير الخاصة استجابة للوائح الجديدة وتزايد الطلب
يعكس النمو السريع للمعايير الخاصة تزايد المتطلبات التنظيمية وتوقعات المستهلكين. وتؤدي هذه المعايير، التي تضعها المنظمات غير الحكومية والمجموعات الصناعية والمشترون العالميون، دوراً محورياً في سلاسل القيمة العالمية، لا سيما في البلدان التي تضعف فيها القدرة العامة على إنفاذ المعايير.
وعادة ما يُنص على الامتثال للمعايير الخاصة في العقود بين الموردين والمشترين. وبإرسائها قواعد قابلة للتنبؤ، يسرت المعايير الخاصة توسع الاستعانة بمصادر خارجية ونقل الأنشطة إلى الخارج في الصناعة التحويلية والخدمات منذ تسعينيات القرن العشرين. وفي مجال سلامة الغذاء، كانت هذه المعايير في البداية أدوات تسويقية لتمييز المنتجات، لكنها سرعان ما أصبحت آليات لإدارة المخاطر التنظيمية ومخاطر السمعة في أعقاب سلسلة من أزمات السلامة في ثمانينيات القرن العشرين.
غير أن تكاثر المعايير الخاصة أفضى بمرور الوقت إلى قدر من الازدواجية. فكثيراً ما احتاج الموردون الذين يبيعون لعدة تجار تجزئة إلى شهادات متعددة، يتطلب كل منها تدقيقات ووثائق، حتى حين كانت المعايير تغطي معايير متشابهة. وقد خففت عمليات التوحيد والمقارنة المرجعية هذه المشكلة إلى حد ما، فاليوم تهيمن على منح الشهادات عالمياً خمسة أو ستة معايير رئيسية لسلامة الغذاء.
ثم امتدت المعايير الخاصة منذ ذلك الحين إلى المجالين البيئي والعمالي. فقد نمت حصة الأراضي الزراعية الحاصلة على شهادات في إطار مخططات الاستدامة الرئيسية، مثل التجارة العادلة وتحالف الغابات المطيرة و"غلوبال جي إيه بي"، بنحو 50% في السنوات الأخيرة، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى. ورغم أن المساحات الحاصلة على شهادات في إطار هذه المخططات تظل صغيرة مقارنة بإجمالي الإنتاج، فإن تبنيها يتسارع.
وقد سعت مبادرات الاستدامة المبكرة إلى رفع الوعي بالاستدامة وتقديم علاوات سعرية للسلع الأساسية المنتجة على نحو مستدام، لكنها واجهت تحديات تتعلق بالإفراط في الشهادات، ومحدودية المنافع للمنتجين، وارتفاع تكاليف الرصد في سلاسل الإمداد المجزأة، وجاءت الأدلة على فاعليتها متباينة. ثم جاءت برامج الاستدامة التي يقودها المشترون، كبرنامج "نسبريسو" للجودة المستدامة في كولومبيا بالتعاون مع تحالف الغابات المطيرة، التي تقدم علاوات ومساعدة فنية وتوريداً طويل الأجل، فتعزز الجودة والدخول عبر الأسعار الأعلى التي يمكن للمنشآت أن تتقاضاها مقابل السلع التي تنتجها، لكنها تتطلب منها أيضاً استثمارات كبيرة. وعلى نحو مماثل، تستخدم شركات مثل "غاب" في قطاع الملابس تدقيقات العمل للتأثير في قرارات التوريد. وتعزز هذه البرامج العلاقات الطويلة الأجل والثقة لضمان الامتثال.
وفي الآونة الأخيرة، سعت مبادرات متعددة المشترين وتقودها الصناعة، كبرنامج "العمل الأفضل" واتفاق السلامة من الحرائق وسلامة المباني في بنغلاديش، إلى تنسيق المعايير وتعزيز مصداقيتها والحد من التدقيقات المكررة. وتحسن المناهج التي اتخذتها هذه المبادرات الكفاءة والثقة، لكنها قد تميّع المعايير أيضاً أو تركز النفوذ بين الجهات الخاصة، بما يثير مخاوف تتعلق بالمساءلة والسيادة. وتجسد الطعون القانونية في الاتفاق في بنغلاديش هذه التوترات. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تظل منافع الشهادات حكراً على المنتجين المشاركين في سلاسل الإمداد، كما تبين في كوستاريكا، حيث قابلت مكاسبَ الأجور في القطاعات الحاصلة على شهادات تراجعاتٌ في قطاعات أخرى.
وبينما يتيح الامتثال للوائح الفنية للمنتجات عبور الحدود، فإن الامتثال للمعايير الخاصة يحدد ما إذا كانت ستصل إلى الرفوف بعد عبورها. ففي المتوسط، يواجه مصدرو السلع الزراعية الرئيسية ثلاثة أو أربعة معايير خاصة، لكل منها معايير مختلفة. فمن بين الشهادات الأربع الرئيسية للبن، وهي "4C" والتجارة العادلة والزراعة العضوية وتحالف الغابات المطيرة، تتراوح حصة المعايير المتداخلة بين أي اثنتين منها بين 42% و71%. ويدفع التفاوت في معايير الشهادات المنشآت نحو الاحتفاظ بشهادات متعددة أو التخصص في أسواق بعينها.
وكثيراً ما يجد صغار المزارعين والمنشآت ذات القدرات الفنية المحدودة أن الشهادات مكلفة أكثر مما ينبغي، وهو ما قد يقصيهم عن الأسواق العالية القيمة. وتنتشر المعايير الخاصة أكثر في البلدان ذات الحوكمة والبنية التحتية للجودة القويتين، في حين تجد البلدان ذات الأنظمة الأضعف صعوبة في دعم امتثال المنتجين لها.
وبدأت الحكومات تشير إلى المعايير الخاصة في لوائح العناية الواجبة الجديدة. فلائحة الاتحاد الأوروبي بشأن المنتجات الخالية من إزالة الغابات مثلاً لا تعترف رسمياً بأي معيار خاص، لكنها تتيح للمستوردين الاعتماد على البيانات المستخدمة في منح الشهادات في إطار المخططات الخاصة لإثبات امتثالهم للائحة. واستجابة لذلك، عدّل تحالف الغابات المطيرة معاييره لعام 2024 لتتسق مع قواعد اللائحة بشأن التتبع واستخدام الأراضي.
أثر تكاثر المعايير واللوائح الفنية في التجارة الدولية
ما الأثر الفعلي لهذا التكاثر في المعايير واللوائح، لا سيما في صادرات البلدان النامية؟ يبين رصيد كبير من الأدلة أن تبني البلدان النامية للمعايير يمكن أن يزيد صادراتها، وذلك أساساً بتحسين الجودة وزيادة قابلية المقارنة والثقة. أما حين تتبنى البلدان المستوردة معايير أو لوائح فنية جديدة، فإن آثارها في المصدرين في البلدان النامية أكثر غموضاً. فبالنسبة للمصدرين في البلدان المتقدمة، يكون لتبني المعايير في الخارج عموماً أثر إيجابي في الصادرات، أما بالنسبة للمصدرين في البلدان النامية فيكون الأثر سلبياً عموماً، ما لم تكن المعايير المتبناة في الخارج منسقة، إما بتبني المعايير الدولية وإما بالاعتراف المتبادل بالمعايير بين بلدان المقصد.
وقد ركزت الأدلة الأحدث على كيفية تأثير تزايد اللوائح الفنية في أسواق المقصد في الصادرات، وتجد عموماً أثراً سلبياً، لا سيما بالنسبة للبلدان النامية. فتدابير الصحة والصحة النباتية، كالحدود القصوى للأفلاتوكسين، لها أثر سلبي أقوى في صادرات البلدان النامية منه في صادرات البلدان المرتفعة الدخل، إذ تدفع المنشآت في البلدان النامية إلى الخروج من أسواق التصدير، لا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة العاجزة عن تغطية تكاليف الامتثال. وفي حالة الحدود القصوى للبقايا، كلما اتسعت الفجوة بين حدود سوق المصدر وحدود سوق المستورد لمنتج معين، ازداد عدد المنشآت المصدرة في البلد المصدر التي تخرج من سوق تصدير ذلك المنتج إلى البلد المستورد. وعلى نحو مماثل، فإن المنشآت من البلدان النامية، لا سيما المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، التي تصدر منتجات الأغذية والأعلاف إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أكثر عرضة من البلدان في مستويات الدخل الأخرى لرفض منتجاتها على الحدود.
وبالنسبة للبلدان الأعلى دخلاً التي تفرض لوائح صارمة، تتحول الواردات عموماً نحو شركاء تجاريين آخرين أعلى دخلاً، لا سيما من يفرضون لوائح مماثلة، بما يزيد تركز التجارة بين البلدان الأعلى دخلاً. أما البلدان الأدنى دخلاً العاجزة عن الامتثال للوائح الصارمة، فتتحول صادراتها عموماً نحو شركائها التجاريين الأدنى دخلاً الذين لا يفرضون مثل هذه اللوائح، بما يزيد تركز التجارة بين البلدان النامية. وقد تزيد هذه الآثار مجتمعة من تجزؤ الأسواق العالمية.
فضلاً عن ذلك، فإن الطفرة الأخيرة في التدابير غير الجمركية التي تفرضها البلدان النامية، والتي نوقشت آنفاً في هذا الفصل، تخلق احتمال أن تقلص اللوائح الصادرات الإجمالية للبلدان النامية بدلاً من مجرد إعادة توزيعها. فالمنشآت التي تواجه مزيداً من اللوائح في جميع الأسواق لن يبقى أمامها سوى الخروج من السوق. بل قد تلحق اللوائح الفنية في بعض الحالات الضرر بالبلدان التي تطبقها. ففي عام 2021 مثلاً، حظرت سري لانكا مؤقتاً استيراد الأسمدة بهدف أن تصبح أول بلد عضوي بالكامل في العالم، لكن الخطة جاءت بنتائج عكسية حين عجز مزارعو البلاد عن التكيف مع الحظر بالسرعة الكافية، فهوت الدخول الريفية. وفي إندونيسيا، قلصت اللوائح الفنية المفروضة على المدخلات المستوردة قدرة المصدرين على التوسع السريع في الإنتاج، فحدت من الاستفادة من الصدمات الإيجابية غير المتوقعة في الطلب.
فمن ناحية، يمكن أن يكون للعوائق الفنية أمام التجارة أثر سلبي في صادرات البلدان النامية. وكما في حالة الحدود القصوى للبقايا، يكون الأثر أقوى حين يقل التداخل بين الحدود المفروضة على منتج معين في البلد المصدر وتلك المفروضة عليه في البلد المستورد. وتضر التكاليف المرتفعة لإجراءات الاختبار ومنح الشهادات والتفتيش بالبلدان النامية على نحو خاص، بما يبرز الحاجة إلى زيادة توافر خدمات البنية التحتية للجودة فيها. ومن ناحية أخرى، يمكن لبعض العوائق الفنية أن يكون لها أثر إيجابي في صادرات البلدان النامية، ويصدق هذا بوجه خاص على اشتراطات الوسم، التي قد تزيد الطلب بالإشارة إلى جودة المنتج. وللإشارة إلى الجودة منافع أكبر للمنشآت في البلدان النامية، التي قد لا تشترط مثل هذا الوسم في السوق المحلية، لأن هذا النوع من الإشارة قد يجعل منتجاتها أكثر قدرة على المنافسة في أسواق التصدير.
وكما ذكرنا، رافقت توسعَ اللوائح الفنية زيادةٌ في عدد المعايير الخاصة. والأدلة المتعلقة بأثر المعايير الخاصة في المنشآت والعمال متباينة، ويتوقف الأثر على ما إذا كان استعداد المستهلكين لدفع أسعار أعلى يفوق تكاليف الارتقاء ومنح الشهادات التي يتحملها المنتجون. فحين يغلب أثر طلب المستهلكين، قد تزيد المعايير احتمال تصدير المنشأة وحجم مبيعاتها التصديرية، أما إذا كانت تكاليف الارتقاء ومنح الشهادات كبيرة بما يكفي، فقد تقلص مبيعات المنشأة وأرباحها. ويمكن للمعايير الخاصة أن تيسر النفاذ إلى الأسواق المميزة، وتعزز جودة المنتجات، وتوثق الروابط مع سلاسل الإمداد، وتحقق أحياناً مكاسب كبيرة في دخول المنتجين، كما بين برنامج "نسبريسو". كما أنها تدعم الاستدامة عبر إدارة أفضل للموارد، والحد من التلوث، وحماية التنوع البيولوجي، ويمكنها تحسين ظروف العمل، كما يتضح من نموذج "غاب" للتوريد القائم على تدقيقات العمل. غير أن تقييمات الشهادات التي تمنحها المنظمات غير الحكومية كثيراً ما لا تشير إلا إلى آثار متواضعة تتوقف على السياق.
كما قد تفرض المعايير الخاصة آثاراً خارجية سلبية على مستوى السوق. فمع تزايد عدد المنشآت الحاصلة على الشهادات، قد ينخفض متوسط جودة هذه المنشآت، بما يضعف آثار طلب المستهلكين. وفي الوقت نفسه، قد ترفع المعايير الأجور المحلية، فتولد تكاليف تمتد إلى المنشآت غير الحاصلة على الشهادات. ويمكن لـ"وعاء السباغيتي" من المعايير الخاصة أن يعقد آثار هذين العاملين كليهما، فيقلل قدرة أي معيار بمفرده على الإشارة إلى الجودة، ويضاعف تكاليف الامتثال للمعايير عموماً.
كيف ينبغي للبلدان النامية أن تتعامل مع "وعاء السباغيتي" من اللوائح والمعايير
يمثل تكاثر المعايير واللوائح، مقروناً بصعود السياسات الصناعية وعدم اليقين العالمي، تحدياً هائلاً للبلدان النامية. ومع ذلك يمكن إدارة هذه التحديات، بل الاستفادة منها، إذا عززت البلدان بنيتها التحتية المحلية للجودة وتبنت استراتيجيات تجارية وتنظيمية متسقة.
وتستند التوصيات الواردة في هذا القسم الفرعي إلى النقاشات الواردة في الفصل الثالث بشأن تطوير بنية تحتية وطنية متينة للجودة، وفي القسم السابق بشأن زيادة جودة المنتجات والخدمات المحلية. وهي توفر مجتمعة خريطة طريق لتحويل المعايير من حواجز إلى عوامل ممكّنة للتجارة والنمو.
خفض تكاليف التجارة بمراجعة التدابير غير الجمركية القائمة: قد تخدم التدابير غير الجمركية أغراضاً عامة مشروعة، لكنها كثيراً ما تفرض تكاليف امتثال مرتفعة. ويمكن للحكومات أن تخفض هذه التكاليف عبر ثلاثة إجراءات رئيسية:
أولاً، اتباع الممارسات التنظيمية الجيدة: بتحديد أهداف واضحة للسياسات، وعدم التنظيم إلا عند الضرورة، وتفضيل المعايير الطوعية كلما أمكن لتجنب الإفراط في التنظيم. وحين يكون التنظيم مطلوباً، ينبغي اختيار معيار على المستوى الملائم، دولياً كان أو إقليمياً أو وطنياً، وعدم تكييفه إلا بقدر ما تبرره الظروف المحلية. وتضمن الممارسات التنظيمية الجيدة، كالتشاور مع أصحاب المصلحة، وتقييم الأثر التنظيمي، والمراجعة المنتظمة، الشفافية والكفاءة. كما يمكن للجان المشتركة بين الأجهزة أو أطر اللوائح الفنية أن تعزز الاتساق بين الوزارات وتساعد الحكومات على تكييف اللوائح مع التكنولوجيا المتطورة.
ثانياً، زيادة الشفافية: بتوفير معلومات ميسرة وفي الوقت المناسب عن اشتراطات الاستيراد، ويُفضل أن يكون ذلك عبر بوابات إلكترونية للمعلومات التجارية أو أدوات رقمية تتيح للمنشآت استباق التغييرات التنظيمية وتعديل إنتاجها وفقاً لذلك.
ثالثاً، خفض تكاليف الشهادات: بتعزيز البنية التحتية الوطنية للجودة لتوسيع الحصول على خدمات الاختبار والقياس ومنح الشهادات الميسورة التكلفة، وإتاحة المنافسة بين مقدمي الخدمات، بمن فيهم الجهات الأجنبية المعتمدة، لتعزيز الجودة وخفض التكاليف. كما ييسر الاعتماد الشفاف إبرام اتفاقات الاعتراف المتبادل مع الشركاء التجاريين.
مواءمة اللوائح وتعظيم الاستفادة من الاتفاقات التجارية الإقليمية والدولية القائمة: يتطلب التنسيق التنظيمي الكامل، أي جعل اللوائح الفنية متطابقة بين البلدان، قدراً كبيراً من الموارد والوقت، وكثيراً ما يحابي البلدان المتقدمة. وبالنسبة لمعظم البلدان النامية، تعد المواءمة التنظيمية، أي الحد من التباينات بين لوائح البلد ولوائح البلدان الأخرى وبناء التكافؤ، نهجاً أكثر عملية وفائدة. ويمكن للحكومات أن تدعم هذه المواءمة بطرق شتى:
أولاً، بناء اللوائح وإجراءات تقييم المطابقة على المعايير الدولية كلما أمكن، كما توصي اتفاقات منظمة التجارة العالمية. وإذا لم تكن المعايير الدولية الخيار الأنسب واحتاجت إلى تكييف مع الظروف المحلية، فينبغي أن يكون التكييف شفافاً وقائماً على تقييمات متينة لأثر المعايير.
ثانياً، الاعتماد حيثما وجدت الاختلافات على التكافؤ أو الاعتراف المتبادل بإجراءات تقييم المطابقة، بحيث تُقبل الاختبارات والشهادات الصادرة في بلد ما بوصفها صالحة في البلدان الأخرى. ويمكن لاتفاقات الاعتراف المتبادل أن تخفض التكاليف وتيسر التجارة بتمكين البلدان من قبول لوائح بعضها بعضاً أو إجراءات تقييم المطابقة لديها، وإن ظل الامتثال لمعايير البلد المستورد مطلوباً. وبالنسبة للبلدان النامية، تتيح اتفاقات الاعتراف المتبادل مزايا استراتيجية في ما يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق، لكن نجاح التفاوض بشأنها يتوقف على التفاصيل الفنية والثقة وبناء القدرات، وهي أمور تتطلب دعماً من شركاء التنمية.
ثالثاً، الانخراط على المستوى المتعدد الأطراف: إذ يظل الانخراط المتعدد الأطراف عبر لجنتي منظمة التجارة العالمية المعنيتين بالعوائق الفنية أمام التجارة وبتدابير الصحة والصحة النباتية أمراً جوهرياً. فهاتان اللجنتان توفران منتديين يتيحان الحوار المبكر قبل دخول التدابير الجديدة حيز التنفيذ، ويشجعان الشفافية التنظيمية، ويعززان انتشار الممارسات الجيدة.
توضيح دور المعايير الخاصة في السياسة العامة: تحتاج الحكومات إلى توضيح كيفية تفاعل المعايير الخاصة مع التنظيم العام. ونادراً ما يكون التنظيم المباشر للمعايير الخاصة ممكناً، لكن الحكومات يمكنها أن تؤدي دوراً تنسيقياً ورقابياً. فيمكن للأجهزة العامة وهيئات التقييس الوطنية أن تجمع أصحاب المصلحة لتبادل المعلومات، ومقارنة المعايير الخاصة بالمعايير الدولية، وتحديد الحالات التي قد يكون فيها التنظيم المشترك أو ضمان الطرف الثالث ملائماً. وتدمج بعض البلدان المعايير الخاصة في مسارات الامتثال للوائح العامة، فبموجب لائحة الاتحاد الأوروبي بشأن المنتجات الخالية من إزالة الغابات مثلاً، كما أشرنا آنفاً، يجوز للمستوردين استخدام الشهادات الصادرة في إطار المخططات الخاصة لإثبات العناية الواجبة.
تنفيذ إصلاحات تيسر التجارة: تفاقم الإجراءات المرهقة وضعف التنسيق بين الأجهزة الحدودية تكاليف التنظيم، ويمكن لتنفيذ تدابير تيسير التجارة أن يقلل هذه الاحتكاكات. وتشمل الإجراءات ذات الأولوية تبسيط الإجراءات الحدودية، واعتماد أنظمة تفتيش قائمة على المخاطر، واستحداث المعالجة المسبقة قبل الوصول، وتطبيق النوافذ الإلكترونية الموحدة لمنح الشهادات والتخليص. ويمكن لمنصات الشهادات الرقمية أن تبسط التحقق وتقلل التأخير، لا سيما للسلع القابلة للتلف. ويحول الإدارة المنسقة للحدود بين سلطات الجمارك وسلطات المعايير دون تكرار عمليات الفحص ويزيد الكفاءة. وتحقق هذه الإصلاحات مكاسب كبيرة في القدرة التنافسية للمصدرين والمستوردين على حد سواء.
رفع الوعي وبناء القدرات الفنية: بناء القدرات أمر جوهري لتمكين المنشآت، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، من التعامل مع المعايير واللوائح المعقدة. وينبغي للحكومات أن تستثمر في برامج تعزز الوعي بالاشتراطات الجديدة، وفي التدريب الفني، وفي الدعم الموجه للارتقاء بعمليات الإنتاج. ويمكن للتدريب على الممارسات الزراعية الجيدة وممارسات التصنيع الجيدة والمعايير الدولية الخاصة بكل قطاع أن يزيد جاهزية المنشآت لأسواق التصدير. كما يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تساعد على تصميم برامج تدريبية تلائم احتياجات الصناعة، بما يمكّن المنشآت من استباق الاشتراطات المتطورة التي تفرضها المعايير واستيفائها.
سد فجوة المشاركة في وضع المعايير الدولية بتغيير الأولويات وتحسين التنسيق: لا تزال البلدان النامية ممثلة تمثيلاً ناقصاً في هيئات وضع المعايير الدولية كالدستور الغذائي والأيزو. والمشاركة الأكبر من جانب هذه البلدان أمر حاسم لضمان أن تعكس المعايير العالمية واقعها. وينبغي للحكومات أن تولي الأولوية لتمويل الخبراء وتدريبهم حتى يتمكنوا من المشاركة بفاعلية في اللجان الدولية، وأن تركز جهودها على القطاعات ذات الإمكانات التصديرية العالية. والتنسيق بين الوزارات وهيئات التقييس الوطنية والصناعة ومؤسسات البحث أمر حيوي، شأنه شأن دعم شركاء التنمية لبناء الخبرة الفنية والاستمرارية المؤسسية.
واتخاذ إجراءات في هذا المجال أمر عاجل. فقد وثق هذا القسم عملية امتدت على مدى العقود القليلة الماضية من الإحلال التدريجي للتدابير غير الجمركية محل التعريفات الجمركية، لكن مع الارتفاع الحالي في التعريفات، إذا لم تُخفض التدابير غير الجمركية، فستتزايد الحمائية تزايداً كبيراً، وسيصبح النفاذ إلى الأسواق أصعب على البلدان النامية، بما يركل سلّم التجارة الذي تصعد عليه نحو التنمية.
استخدام الاستثمار الأجنبي المباشر لتسريع انتشار المعايير والارتقاء بالجودة
طالما كان الاستثمار الأجنبي المباشر محفزاً للنمو، يحرك تدفقات رأس المال ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل، وهو يعمل على نحو متزايد وسيلةً لنشر المعايير الدولية. فمن خلال الاستثمار، تدمج المنشآت المتعددة الجنسيات المعايير المعترف بها عالمياً في عملياتها المحلية، فتعزز الأطر التنظيمية وحوكمة الشركات والممارسات البيئية والعمالية في البلدان المضيفة. وتعزز هذه العملية التقارب في الجودة المؤسسية بين البلدان، وتزيد جودة المنتجات والخدمات، وتبني القدرات لدى المنشآت المحلية.
والعلاقة تسير في الاتجاه المعاكس أيضاً. فالبلدان التي تتبنى المعايير الدولية وتنفذها تميل إلى اجتذاب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، لأن الأطر التنظيمية الموثوقة تشير إلى استقرار البيئة التنظيمية في البلد وتقلل المخاطر التشغيلية المرتبطة بها. وبمواءمة القواعد المحلية مع الممارسات العالمية، تخلق الحكومات بيئة لا تعزز الاستثمار فحسب، بل تعزز أيضاً انتشار المعرفة والتكنولوجيا والممارسات الجيدة في أرجاء اقتصاداتها.
تبني المعايير لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحفيز المستثمرين
يمكن للمعايير أن تجعل بيئات الاستثمار أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر شفافية، لكن تأثيرها يتوقف على دوافع المستثمرين ومنشئهم. فالاستثمار الأجنبي المباشر ليس متجانساً، إذ تستثمر المنشآت في الخارج لأسباب مختلفة، سواء للنفاذ إلى أسواق جديدة، أو تأمين الموارد، أو تحسين الكفاءة، أو اقتناء أصول استراتيجية، والمنشآت ذات كل دافع من هذه الدوافع تستجيب للمعايير على نحو مختلف. فالمستثمرون الساعون إلى الكفاءة، الذين يهدفون إلى خفض التكاليف وخدمة أسواق التصدير، حساسون بوجه خاص للمعايير الدولية، لا سيما حين يبيعون لأسواق شديدة التنظيم كالاتحاد الأوروبي. فبالنسبة لهؤلاء المستثمرين، تقلل المعايير القوية والمنسقة عدم اليقين بشأن الظروف المحلية وتيسر الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية. أما المستثمرون الساعون إلى الأسواق، الذين يركزون على خدمة المستهلكين المحليين، فقد يعطون الأولوية للتكيف مع المعايير المحلية، حتى حين تكون أقل صرامة من المعايير الدولية.
ولمصدر الاستثمار أهميته أيضاً. فالمستثمرون القادمون من بلدان ذات معايير أضعف أو إنفاذ أدنى قد لا يطالبون بامتثال قوي في الاقتصادات المضيفة ما لم يضغط عليهم المشترون، كما لوحظ في المشروعات المشتركة في الصين وفي استثمارات مجموعة بريكس (البرازيل والاتحاد الروسي والهند والصين وغيرها). وفي المقابل، قد تنقل المنشآت القادمة من بلدان ذات أنظمة تنظيمية أكثر صرامة إنتاجها إلى ولايات قضائية ذات معايير أكثر تساهلاً لخفض تكاليف الامتثال، وهو اتجاه يتسق مع فرضية "ملاذات التلوث".
ورغم أن حجم السوق المضيفة يظل أقوى العوامل المحفزة للاستثمار الأجنبي المباشر، فإن تبني المعايير الدولية في مجالات كجودة المنتجات وحوكمة الشركات والاستدامة البيئية ولوائح العمل يمكن أن يخلق مناخاً استثمارياً أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر شفافية، بما يقلل بدوره المخاطر على المستثمرين الأجانب ويجتذب الاستثمار الأجنبي المباشر. كما تشير المواءمة مع المعايير العالمية إلى الاستقرار التنظيمي والالتزام بأفضل الممارسات، بما يجعل البلدان أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر العالي الجودة. وبمرور الوقت، تعزز هذه الحلقة الإيجابية ثقة المستثمرين وتشجع اندماجاً دولياً أعمق.
المعايير العالمية محفزاتٍ لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر
معايير الجودة (الأيزو 9000) والمعايير البيئية (الأيزو 14000)
يشير تبني المنشآت المحلية لمعيار الأيزو 9000 إلى إدارة قوية للجودة، وقد ارتبط بزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة، لا سيما في البلدان الأقل نمواً. وتدعم هذه النتيجةَ أدلةٌ أحدث تبين أن شهادات الأيزو تجتذب مزيداً من الاستثمار الأجنبي المباشر من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية. وقد دفعت ضغوط السوق، لا سيما من المشترين العالميين، المنشآتِ المحلية إلى تبني معياري الأيزو 9000 والأيزو 14000، وروجت الحكومات في اليابان وتايوان (الصين) بنشاط للحصول على الشهادات لمنع خسارة الصادرات واجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر.
المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية
يعزز تبني المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية الشفافية المالية للبلدان ويقلل عدم تماثل المعلومات بين المستثمرين المحتملين، بما يجعل البلدان أكثر جاذبية للمستثمرين. وتبين الدراسات أن تبني هذه المعايير يزيد الملكية الأجنبية لصناديق الاستثمار المشترك ويعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية. غير أن الأثر متفاوت، فبينما تشير عدة دراسات إلى علاقة إيجابية في أفريقيا، تحذر دراسات أخرى من أن تبني هذه المعايير وحده قد لا يحسن الاستثمار الأجنبي المباشر دون إصلاحات مؤسسية أوسع. وبوجه عام، يمكن للمعايير الدولية، مقرونة بمؤسسات قوية وسياسات صديقة للمستثمرين، أن تعزز جاذبية البلد للاستثمار الأجنبي المباشر تعزيزاً كبيراً.
والأنظمة المحلية المتعلقة بحماية البيئة وظروف العمل والسلامة والأمن الوطني اشتراطات ملزمة قد تدعم الاستثمار أو تعرقله. ففي البيئات ذات الدرجات العالية من الطابع غير الرسمي، قد تأتي لوائح العمل الصارمة بنتائج عكسية، فتدفع المنشآت إلى الخروج من القطاع الرسمي وتخفض الإنتاجية والأجور. والقوانين السيئة التصميم لحماية العمالة تخاطر بتقويض حماية العمال والكفاءة الاقتصادية معاً.
وفي نهاية المطاف، يتوقف أثر المعايير في اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر على تحقيق التوازن الصحيح: فالمعايير يجب أن تكون عالية بما يكفي لضمان الجودة والمصداقية، لكن دون أن تكون مرهقة إلى حد تثبيط الاستثمار. فاللوائح المفرطة التعقيد أو المتداخلة أو السيئة التنسيق قد تخلق عدم يقين لدى المستثمرين وترفع تكاليف دخول الأسواق المحلية، لا سيما في البلدان النامية ذات القدرة الإدارية المحدودة. ومواءمة المعايير المحلية مع القواعد الدولية، مع تبسيط إجراءات الامتثال، تساعد على اجتذاب استثمار أجنبي مباشر عالي الجودة موجه نحو الاستدامة والتنمية الطويلة الأجل.
الاستثمار الأجنبي المباشر وانتشار المعايير
يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر أن يعزز تبني المعايير الدولية عبر آليات متعددة. أولاً، تتيح الروابط المباشرة بين المنشآت المحلية والأجنبية، كالمشروعات المشتركة والشراكات الاستراتيجية، للمنشآت المحلية استيعاب ممارسات المنشآت المتعددة الجنسيات، التي كثيراً ما تكون متفوقة. ثانياً، يمكن للآثار غير المباشرة للاستثمار الأجنبي المباشر أن تعزز تبني المعايير عبر الروابط في سلاسل القيمة، وتنقل العمالة، وإعادة هيكلة الأسواق التي تحول التركيبة الصناعية نحو قطاعات أكثر تنافسية. ثالثاً، يتحفز الارتقاء المؤسسي حين تتسق المنشآت المحلية مع الأطر التنظيمية التي يدخلها المستثمرون الأجانب أو يعززونها.
غير أن قدرة الاستثمار الأجنبي المباشر على تعزيز تبني المعايير الدولية تتوقف على معالجة البلدان للقيود الهيكلية وإخفاقات السوق التي تحد من الآثار المباشرة وغير المباشرة لهذه المعايير في الاقتصادات المحلية. فعلى جانب الطلب، يمكن لارتفاع تكاليف الدخول وعدم اليقين التنظيمي أن يزيدا المخاطر المتصورة لدى المستثمرين الأجانب. وعلى جانب العرض، كثيراً ما تواجه المنشآت المحلية فجوات في المهارات اللازمة لدخول الأسواق الأجنبية، ومحدودية في الحصول على التمويل، وضعفاً في أنظمة الابتكار، وكلها قد تقلل قدرتها على الاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر. وثمة حواجز أخرى، كقصور البنية التحتية أو هيمنة المؤسسات المملوكة للدولة على صناعات معينة، تعرقل الجهود الرامية إلى تعزيز الروابط بين الشركات المتعددة الجنسيات والمنشآت المحلية. وحين يخطط المستثمرون الأجانب لتصدير السلع أو الخدمات إلى مناطقهم، وتكون لهذه المناطق معايير عالية، فقد يضغط هؤلاء المستثمرون على البلدان المضيفة لتبني المعايير الدولية.
انتشار المعايير المدفوع بالاستثمار الأجنبي المباشر والارتقاء بالقدرات في شبكات الموردين
بحسب بيانات مسوح المنشآت التابعة للبنك الدولي وقاعدة بيانات "إف دي آي ماركتس"، يكون انتشار المعايير أقوى بين الموردين في سلاسل القيمة في البلدان النامية منه بين المنشآت المحلية الأخرى فيها، لأن هؤلاء الموردين يجب أن يمتثلوا لمعايير الجودة والبيئة والعمل الخاصة بالمنشآت المتعددة الجنسيات ليحافظوا على مكانتهم بوصفهم موردين. ويرتبط ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة باحتمال أكبر لتبني المعايير الدولية في البلدان النامية، لا سيما بين الموردين المحليين. ومع ارتقاء المنشآت بقدراتها، كثيراً ما تزيد كفاءتها وقدرتها التنافسية. ويكون لهذا الارتقاء أثر أقل أهمية في البلدان المرتفعة الدخل، حيث تعمل المنشآت بالفعل في ظل أطر تنظيمية ومعايير صناعية راسخة. فضلاً عن ذلك، تنفذ البلدان المتقدمة عادة سياسات صارمة وتتبنى المعايير بالفعل بمعدلات مرتفعة، بما يقلل أكثر الأثر المحتمل للاستثمار الأجنبي المباشر في انتشار المعايير في هذه البلدان.
المعايير المدفوعة بالاستثمار الأجنبي المباشر تحرك التحول في قطاع السيارات
أدخلت المنشآت المتعددة الجنسيات معايير صارمة للجودة والاستدامة، كمعيار الأيزو 9001 ومعيار فريق العمل الدولي للسيارات 16949، في عملياتها في البلدان المضيفة. وتضع شركات كثيرة لصناعة السيارات على نحو متزايد أهدافاً أكثر طموحاً استجابة للالتزامات العالمية المتعلقة بالمناخ وأهداف الاستدامة التي يحركها السوق. فمرسيدس بنز مثلاً تهدف إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2039، ولن تتعامل في المستقبل إلا مع موردين محايدين كربونياً بالكامل. ومع سعي المنشآت المتعددة الجنسيات إلى أهداف من هذا النوع، يُضطر الموردون إلى الارتقاء بممارساتهم أو المخاطرة بالإقصاء من سلاسل القيمة العالمية.
قطاع مكونات السيارات في تونس: الارتقاء بممارسات الاستدامة
أصبح قطاع مكونات السيارات في تونس مغناطيساً للاستثمار الأجنبي المباشر القادم من أوروبا، بفضل قرب البلاد من معظم أوروبا، وقوتها العاملة الماهرة، واندماجها في سلسلة إمداد السيارات في الاتحاد الأوروبي. وقد شهد القطاع، الذي مثل 14% من صادرات تونس ووظف أكثر من 90000 شخص حتى عام 2021، متوسط نمو بلغ 10% منذ عام 2010 نتيجة للمشاركة الأجنبية. ويعني التوجه العالمي نحو الاستدامة أن صناعة السيارات التونسية يجب أن تستوفي اللوائح البيئية وتخفض بصمتها الكربونية قبل عام 2050. وقد استجابت الجمعية التونسية للسيارات لهذا الاشتراط بتعزيز تبني ممارسات الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة بين الشركات المحلية، ودعم الامتثال للأهداف البيئية وظروف العمل العادلة وممارسات الحوكمة الجيدة.
"كوفيكاب": حالة ارتقاء مدفوعة بالاستثمار الأجنبي المباشر
تبين منشآت مثل مجموعة "كوفيكاب"، المنتجة للكابلات، كيف يمكن للاندماج في الشبكات العالمية للمنشآت المتعددة الجنسيات أن يسرع تبني المعايير الدولية. فبوصفها مورداً لكبرى شركات صناعة السيارات، ومنها فولكس فاغن وبي إم دبليو وجنرال موتورز، أدمجت "كوفيكاب" المعايير العالمية في عملياتها، بما فيها شهادات الأيزو وفريق العمل الدولي للسيارات في مجالات الجودة والبيئة وسلامة العمال. والشركة ملتزمة بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، وتهدف بحلول عام 2025 إلى زيادة كفاءة الطاقة بنسبة 20%، وتحقيق نسبة 20% من استخدام الطاقة المتجددة، وخفض بصمتها الكربونية بنسبة 20%. ونظام إدارة الجودة لديها معتمد وفق الأيزو 9001 ومعيار 16949، ووفق الأيزو 45001 للصحة والسلامة المهنيتين، والأيزو 14001 لأنظمة الإدارة البيئية.
الصين: انتشار المعايير عبر الاستثمار الأجنبي المباشر في المشروعات المشتركة
تبين تجربة الصين كيف يمكن للأطر التنظيمية المرتبطة بالاستثمار الأجنبي المباشر أن تعزز تبني المعايير الدولية. فعلى مدى عقود، كان على شركات صناعة السيارات الأجنبية الساعية إلى دخول سوق السيارات الصينية أن تشكل مشروعات مشتركة مع منشآت صينية، وأن تمتثل لاشتراطات تتعلق بنقل التكنولوجيا وتوطين العمليات. وقد أرغمت هذه الشروط، إلى جانب تطبيق معايير الانبعاثات "يورو 1" في الاتحاد الأوروبي التي وضعت اشتراطات أكثر صرامة لانبعاثات المركبات من الملوثات المختلفة، الشركاتِ الأجنبية على إدخال تقنيات أكثر تقدماً ونظافة في مشروعاتها المشتركة في الصين. ورغم أن الدافع الرئيسي للمستثمرين الأجانب كان دخول السوق، فإن هذه الترتيبات أسهمت في انتشار المعايير البيئية وتعزيز القدرات التكنولوجية المحلية. وفي الوقت نفسه، ساعد الشركاء المحليون المنشآت الأجنبية على التعامل مع اللوائح المحلية. غير أن الصين خففت هذه الاشتراطات منذ ديسمبر 2021، فألغت سقوف الملكية الأجنبية في تصنيع سيارات الركاب، وأتاحت المؤسسات المملوكة بالكامل لجهات أجنبية.
ورغم هذه الحالات الناجحة، تقتصر الأدلة على الآثار الإيجابية للاستثمار الأجنبي المباشر في انتشار المعايير على قطاعات ومناطق بعينها. ففي بعض بلدان أمريكا اللاتينية، لم يؤثر وجود الشركات التابعة للمنشآت المتعددة الجنسيات تأثيراً كبيراً في تبني معايير سلسلة الأيزو 9000. وقد يعود ذلك إلى أن المنشآت المتعددة الجنسيات كثيراً ما تعمل في قطاعات تحظى فيها معايير الجودة بأولوية أدنى أو تكون أقل صرامة، كالصناعات الاستخراجية، وإلى ضعف روابط هذه المنشآت بالموردين المحليين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإلى أن المعايير قد تكون، بعد التعديل وفق نصيب الفرد من الدخل، أعلى تكلفة نسبياً في هذه البلدان منها في الاقتصادات المتقدمة التي يأتي منها الاستثمار الأجنبي المباشر.
مواءمة السياسات وبناء القدرات لتسخير الآثار غير المباشرة للاستثمار الأجنبي المباشر
يغير تصاعد التوترات الجيوسياسية والتشرذم التنظيمي العلاقة بين الاستثمار الأجنبي المباشر وانتشار المعايير. فالمعايير التي وضعت أصلاً لتعزيز حقوق العمال وحماية البيئة تُستخدم على نحو متزايد أدواتٍ للسياسة الصناعية والاستراتيجية، لا سيما في البلدان المرتفعة الدخل، مع تزايد عدد عمليات فحص المستثمرين والاستثمارات. وربما أسهم ذلك في تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية في السنوات الأخيرة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2005.
ومن منظور المستثمر، فإن ارتفاع التكاليف المتعلقة بالامتثال التنظيمي، والتأخيرات المحتملة في تنفيذ المشروعات، وتشدد العمليات والإجراءات اللازمة للحصول على الموافقات المطلوبة، وكلها ناجمة عن تصاعد التوترات والتشرذم، قد تثبط قرارات الاستثمار الإيجابية. لكن مع تنامي الإجراءات الأحادية، تحتاج البلدان النامية إلى تعزيز مؤسساتها المحلية، ودعم التعاون الإقليمي، والمشاركة في الجهود المتعددة الأطراف لزيادة الشفافية، ومواءمة سياساتها مع دوافع المستثمرين لتعظيم دور الاستثمار الأجنبي المباشر في الارتقاء بالمعايير وتشجيع التنمية المستدامة.
وتحديداً، ولتعظيم المنافع من العلاقة بين الاستثمار الأجنبي المباشر والمعايير، ينبغي لصناع السياسات أن ينظروا في ما يلي:
قد يأتي الفحص التنظيمي المفرط بنتائج عكسية: فآليات فحص الاستثمار، رغم مسوغاتها في القطاعات الاستراتيجية أو لاعتبارات الأمن الوطني، قد تزيد عدم اليقين بشأن ظروف الاستثمار لدى المستثمرين المحتملين وتثبط التدفقات الوافدة. وقد تراجع استخدام هذه الآليات في البلدان المرتفعة الدخل، فبينما كان نحو 70% من البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يحتفظ بمثل هذه الآليات قبل ثلاثة عقود، لم يعد أقل من بلد واحد من كل ستة بلدان يتبع هذه الممارسة بحلول الفترة 2015 و2016. وفي المقابل، لا تزال بلدان نامية كثيرة تفرض قيوداً على الدخول تثبط الاستثمار الأجنبي المباشر، كما تبين متوسطات درجات البلدان النامية على مؤشر المنظمة الذي يقيس مدى تقييد البلدان للاستثمار الأجنبي المباشر. وتبين الدراسات التجريبية أن خفض كثافة الفحص يمكن أن يزيد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة، لا سيما إلى قطاع الخدمات، الذي يبدي أكبر استجابة لليقين التنظيمي.
لا يمكن فرض الآثار الإيجابية غير المباشرة للمعايير، بل يجب تيسير الامتثال لها: فالمنشآت المتعددة الجنسيات العاملة في البلدان النامية كثيراً ما تنقل المعايير العالمية التي تروج لها البلدان المرتفعة الدخل. فتوجيه الاتحاد الأوروبي لعام 2024 بشأن العناية الواجبة للشركات في مجال الاستدامة مثلاً يلزم الشركات الكبيرة بمنع انتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات البيئية على امتداد سلاسل إمدادها، التي يضم كثير منها منشآت تقع في البلدان النامية. ورغم أن مبادرات من النوع الذي يمثله هذا التوجيه قد تعزز تحسين الممارسات البيئية والإدارية، فإنها تخاطر بإغراق المنشآت المحلية في البلدان النامية غير المستعدة للامتثال الكامل. ففي قطاع تجهيز الأغذية في شرق أفريقيا، لم يتبن سوى نحو 6% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة معايير دولية صارمة للسلامة، كنظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة، أو للجودة كمعايير الأيزو، رغم التزام هذه المنشآت الواسع بالممارسات الدولية الجيدة في النظافة والإدارة، وذلك بسبب التكاليف المرتبطة بالالتزام. ويرى المنتقدون أن تحميل الموردين العبء الكامل للامتثال للمعايير الدولية يتجاهل الواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلدان النامية ويقصي بعض الموردين.
فضلاً عن ذلك، فإن انتشار المعايير من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنشآت المحلية ليس تلقائياً. فإنفاذ المعايير يتطلب بنية تحتية وقدرة مؤسسية تفتقر إليها بلدان نامية كثيرة. ففي إندونيسيا، انتكست تحسينات كفاءة الطاقة التي قادتها المنشآت المتعددة الجنسيات حين خرجت هذه المنشآت، لأن البلاد افتقرت بعد رحيلها إلى قدرات الاختبار أو أنظمة الإنفاذ اللازمة للحفاظ على التحسينات التي حققتها المنشآت المحلية. ويبرز هذا المثال الحاجة إلى بناء القدرات المحلية والشراكات المستدامة لتكمل تطبيق المعايير.
ينبغي مواءمة سياسات الاستثمار مع الممارسات الدولية، وتعزيز التعاون الإقليمي والمتعدد الأطراف، لتسخير الاستثمار الأجنبي المباشر في دعم انتشار المعايير: فبالنظر إلى التوترات الجيوسياسية والتشرذم التنظيمي القائمين، تقدم الجهود المتعددة الأطراف، كاتفاقية منظمة التجارة العالمية لتيسير الاستثمار من أجل التنمية، إطاراً واعداً لزيادة الشفافية التنظيمية وخفض الحواجز أمام التجارة.
معايير التكنولوجيا وانتشار التقنيات في البلدان النامية
التكنولوجيا أساسية للنمو الاقتصادي. وتتيح معاييرها قابلية التشغيل البيني، فتضمن قدرة المنتجات والأجهزة والأنظمة على العمل معاً، وتحدد اشتراطات الأداء والسلامة والتوافق التي تجعل الأسواق تعمل. وحين تُعتمد معايير التكنولوجيا على نطاق واسع، يمكنها أن تطلق آثاراً شبكية قوية، أي حين تتزايد قيمة التكنولوجيا كلما ازداد عدد مستخدميها، فتخفض التكاليف وتوسع إمكانية الحصول عليها. أما حين تكون المعايير متشرذمة، فتصبح التقنيات غير متوافقة عبر الأسواق، بما يقيد الحجم ويثبط الاستثمار. وعلى نحو مماثل، حين تستأثر قلة من المنشآت بمنافع المعايير، بسيطرتها على براءات اختراع أو منصات رئيسية، فقد ترسخ قوتها السوقية، وتثبط الدخول، وتبطئ وتيرة الابتكار وانتشار التكنولوجيا.
ولمعايير التكنولوجيا أهميتها لأنها تحول الاكتشافات العلمية إلى منتجات قابلة للاستخدام والتشغيل البيني. فبدون بروتوكولات مشتركة مثلاً، لا يمكن لشبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت وأنظمة الدفع الرقمية أن تعمل عالمياً. فالمعايير تضمن أن يتصل هاتف مصنوع في بلد ما ببرج اتصالات في بلد آخر، وأن يلائم الشاحن أجهزة متعددة، وأن تنتقل البيانات بأمان عبر المنصات.
غير أنه لأن التقنيات تتطور بسرعة، بات وضع معايير التكنولوجيا موضع تنازع متزايد. فالمنشآت والتحالفات والحكومات المتنافسة تسعى إلى التأثير في المعايير التي تحدد قواعد الصناعات الناشئة، من الذكاء الاصطناعي إلى المركبات الكهربائية. ولم تعد المعايير تُرى أدوات فنية أو تجارية بحتة، بل أصولاً استراتيجية مرتبطة بالأمن الوطني والقدرة التنافسية، ومحورية لما يسميه كثيرون اليوم "السيادة التكنولوجية". ويعكس هذا المصطلح رغبة الحكومات في الحفاظ على الاستقلالية في تطوير التقنيات الرئيسية ونشرها وحوكمتها وسط منافسة عالمية محتدمة، لكنه مفهوم مرن تفسره البلدان تفسيرات مختلفة. وبالنسبة للبلدان النامية، التي لا يزال معظمها متلقياً للتكنولوجيا لا مبتكراً لها، يكمن التحدي في المشاركة الفعلية في العمليات التي تؤثر في وضع المعايير بدلاً من مجرد التكيف مع معايير توضع في أماكن أخرى.
والمعايير بالغة الأهمية بوجه خاص في الاقتصاد الرقمي. فكلما ازداد عدد المستخدمين الذين يتبنون معياراً ما ازدادت قيمته، بما يعزز هيمنة السباقين إلى السوق. لكن مع تزايد تقاطع المعايير مع السياسة الصناعية والأهداف الجيوسياسية، تنامى خطر "حروب المعايير". فأنظمة المعايير المتنافسة، سواء في الاتصالات أو أشباه الموصلات أو المنصات الرقمية، قد تبطئ تنسيق المعايير الدولية، وتشرذم الأسواق، وتقلل الابتكار. وكثيراً ما تواجه البلدان النامية أصعب الخيارات حين تتنافس المعايير فيما بينها، إذ تُضطر إلى الانحياز إلى هذا الفلك التكنولوجي أو ذاك قبل أن يبرز معيار مهيمن بوضوح، وتحبس نفسها أحياناً في أنظمة سرعان ما تصبح متقادمة أو غير متوافقة. ومن ثم يواجه الاقتصاد العالمي توتراً متكرراً بين الانفتاح والسيطرة: بين التنسيق حول قواعد مشتركة والتنافس بين تقنيات متنافسة، ترتبط كل منها برؤية للسيادة التكنولوجية.
أنواع معايير التكنولوجيا
في حين تضع معظم المعايير التي ناقشها هذا الفصل حتى الآن حدوداً دنيا للجودة، تتعلق معظم معايير التكنولوجيا بقابلية التشغيل البيني. وتنقسم معايير التكنولوجيا إلى فئتين بحسب طريقة وضعها: معايير تعتمدها رسمياً هيئة معترف بها، ومعايير تنشأ عبر الهيمنة على السوق أو التبني الجماعي، وتعرف بالمعايير بحكم الواقع. ويؤثر كلا النوعين في الابتكار والمنافسة في السوق وانتشار التكنولوجيا، لكنهما يفعلان ذلك عبر آليات مختلفة.
وتقود العمليات الرسمية للتوافق في وضع المعايير منظماتٌ وطنية أو دولية لوضع المعايير، كالأيزو والاتحاد الدولي للاتصالات واللجنة الكهروتقنية الدولية. وتوفر المعايير الناشئة عبر عمليات هذه المنظمات الاستقرار وقابلية التشغيل البيني عبر الحدود، وكثيراً ما تُصمم عبر مشاركة مفتوحة تضم الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية. وما إن تُعتمد حتى تصبح نقاطاً مرجعية للتنظيم والتجارة والاستثمار. ومن أمثلتها معيار الأيزو واللجنة الكهروتقنية الدولية 27001 بشأن أمن المعلومات، ومعيار اللجنة الكهروتقنية الدولية 61850 بشأن أتمتة مرافق الطاقة.
وعلى النقيض من ذلك، تنشأ المعايير بحكم الواقع من السوق حين تحقق تكنولوجيا معينة الهيمنة عبر التبني الواسع. ومن أمثلتها أنظمة تشغيل الحواسيب المبكرة، وصيغ معالجة النصوص، وتقنيات تشغيل الفيديو. وفي حالة هذه المعايير، تدفع آثار التوافق والشبكة انتشارها أسرع مما يمكن للتنظيم الرسمي أن يتطور. غير أن الهيمنة على السوق قد تفضي إلى الانحباس، فتقيد المنافسة وتبطئ الابتكار حين تكون تكاليف التحول بين التقنيات مرتفعة، أو حين تكون قابلية التشغيل البيني بين التقنيات أو الأنظمة المعتمدة عليها مقيدة. ومن أمثلة المعايير بحكم الواقع الناقل التسلسلي العام الذي روجت له في الأصل إنتل ومايكروسوفت، وصيغة PDF من أدوبي، و"إيثرنت" قبل توحيده رسمياً على يد معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، ومعايير النطاق العريض المتنقل للجيلين الرابع والخامس قبل تقنينها رسمياً من جانب مشروع شراكة الجيل الثالث، وبروتوكولات الشبكة كلغة ترميز النص التشعبي قبل المصادقة الرسمية عليها من جانب اتحاد الشبكة العنكبوتية العالمية، ومعيار مجموعة الاهتمام الخاص بالبلوتوث الذي وضعته مجموعة من المنشآت بصورة تعاونية.
غير أن التمييز بين هذين النوعين من المعايير يزداد ضبابية. فكثير من المعايير الحديثة، لا سيما في التقنيات الرقمية وتقنيات الاتصالات، يوضع في بيئات هجينة تجمع بين التوحيد القياسي الرسمي والمبادرة الخاصة. فالتحالفات الصناعية والاتحادات وأفرقة العمل المتخصصة تتعاون وفق إجراءات متفق عليها فيما بينها لوضع مواصفات فنية تعترف بها هيئات التقييس رسمياً في وقت لاحق.
تأثير معايير التكنولوجيا في تبني التكنولوجيا
يمكن لمعايير التكنولوجيا أن تكون عوامل تمكين حاسمة لتبني التكنولوجيا في البلدان النامية. فبتوفيرها أطراً فنية مشتركة، تتيح للمنشآت دمج التقنيات الجديدة دون حاجة إلى تخصيص مكلف أو واجهات مملوكة. ولهذا أهمية خاصة للبلدان أو المنشآت التي تفتقر إلى القدرة على تطوير التقنيات أو تكييفها بصورة مستقلة. فالالتزام بمعايير الاتصالات العالمية، كتلك التي وضعها مشروع شراكة الجيل الثالث، مكّن بلداناً كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل من تبني تقنيات النطاق العريض المتنقل بسرعة وعلى نطاق واسع. فضلاً عن ذلك، تقلل معايير التكنولوجيا تشرذم الأسواق وتخلق وفورات حجم تخفض تكاليف التقنيات والمعدات المستوردة.
وتؤثر معايير التكنولوجيا في الابتكار في كل مرحلة من مراحل الإنتاج. فهي تخفض تكاليف التنسيق، وتقلل عدم اليقين بشأن التوافق والقبول في السوق، وتيسر عمل المكونات والأنظمة المختلفة معاً. ففي مراحل المنبع، أي البحث والتطوير، توفر المعايير بروتوكولات ومرجعيات مشتركة توجه تقنيات المنصات وتمكن المنشآت من البناء على أسس مشتركة بدلاً من تكرار العمل الأساسي. وفي مراحل المصب، لدى المنشآت والمستخدمين المتبنين للتكنولوجيا، تخفض تكاليف التحول بين المنتجات أو مقدمي الخدمات، وتبني ثقة المستهلكين، وتيسر الامتثال التنظيمي، مع إتاحة المجال للمنشآت المحلية لتطوير منتجات وخدمات جديدة. وتسرع المعايير في تقنيات سلاسل الكتل والجيل الخامس الابتكارات التكميلية، وتخفف عدم اليقين التكنولوجي والقانوني، لا سيما في الأسواق المجزأة في البلدان النامية. فقد أطلق معيار النظام العالمي للاتصالات المتنقلة مثلاً انتشاراً سريعاً وآثاراً شبكية في أنحاء أفريقيا. وتبين تجربة الصين كيف يمكن للبلدان أن توظف معايير التكنولوجيا توظيفاً استراتيجياً لتنسيق الابتكار في قطاعاتها الصناعية.
وبصرف النظر عما تقدمه بعض دراسات الحالة القطرية، فإن الأدلة التي تربط وضع معايير التكنولوجيا بالابتكار وانتشار التقنيات في البلدان النامية محدودة. فضلاً عن ذلك، ليست للمعايير منافع تلقائية في ما يتعلق بالابتكار، إذ تتوقف هذه المنافع على قدرة المنشآت على استيعاب التقنيات ذات الصلة، وهي القدرة التي تربط البحث والتطوير في المنبع بالانتشار في المصب. وبدون استثمارات في هذه القدرة الاستيعابية، ستجد البلدان النامية صعوبة في تحقيق الإمكانات الكاملة لمعايير التكنولوجيا في دفع الابتكار.
وفي هذا السياق، يعد إيجاد سبل لتسريع انتشار التقنيات وتبنيها واستخدامها في البلدان النامية أمراً حاسماً لنموها الاقتصادي. فرغم تزايد سرعة انتشار التكنولوجيا وتبنيها في البلدان النامية، مع وصول التقنيات الجديدة إلى المتبنين الأوائل بسرعة أكبر، فإنها تظل بطيئة، بما يفضي إلى فجوات تكنولوجية متنامية بين المنشآت وبين البلدان. كما أن البلدان النامية أقل احتمالاً من البلدان المرتفعة الدخل لاستخدام التقنيات المتقدمة استخداماً مكثفاً.
مسوغات المشاركة العامة في وضع معايير التكنولوجيا
في إطار عملية الابتكار، قد تطور المنشآت تقنيات متنافسة في آن واحد. وفي بعض الحالات قد تندلع حرب معايير، إذ تحاول كل منشأة ترسيخ تقنيتها المملوكة بوصفها التقنية المهيمنة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك "في إتش إس" في مقابل "بيتاماكس" في تسجيل أشرطة الفيديو، و"بلو راي" في مقابل "إتش دي دي في دي"، ومؤخراً التنافس في البنية التحتية للجيل الخامس.
وإدراكاً للمنافع المحتملة لوضع المعايير، تضع الصناعات آلاف معايير قابلية التشغيل البيني كل عام دون أي مشاركة حكومية. وتستكشف أدبيات واسعة الحالات التي يكون فيها من المربح لمختلف الفاعلين في المجالات التكنولوجية المشاركة في وضع المعايير. غير أن النزاعات تنشأ حين يشارك فاعلون كثيرون، لأن لديهم مصالح راسخة، وهي ما يدفعهم أصلاً إلى المشاركة في وضع المعايير المشتركة وتحمل تكاليفها. وقد تكون هذه النزاعات حادة بوجه خاص حين تتضمن المعايير المحتملة ملكية فكرية محمية ببراءات اختراع. ويمكن لهذا النزاع أن يؤخر استكمال المعايير ومن ثم تنسيقها، ويقلل منافع التنسيق، لكنه بوجه أعم يولد إخفاقات في التنسيق.
وإلى جانب الشواغل الاستراتيجية وشواغل التنسيق، ثمة سببان رئيسيان للمشاركة العامة في وضع معايير التكنولوجيا. أولاً، يمكن لمعايير قابلية التشغيل البيني أن تولد آثاراً شبكية قوية. فنظام الدفع الرقمي مثلاً يصبح أكثر فائدة كلما انضم إليه مزيد من التجار والمستخدمين. لكن الآثار الشبكية سلاح ذو حدين: فبدون تنسيق، قد تفضي إلى قصور في التبني وتشرذم في الأسواق، ومع التركز المفرط قد تحبس التقنيات وتقصي التجار والمستخدمين الذين ليسوا جزءاً من الشبكة. ويمكن للعمل العام أن يساعد على الموازنة بين هذه القوى المتعارضة، عبر التنسيق بين الفاعلين، والاستثمار في البنية التحتية المشتركة، واستخدام الإلزامات والحوافز لضمان أن تعمل الآثار الشبكية لصالح الشمول لا لصالح القوة السوقية.
ثانياً، يمكن لمعايير قابلية التشغيل البيني أن تعمل سلعةً عامة، أي جزءاً مما يسمى في الغالب "التكنولوجيا التحتية". ويشمل ذلك أنظمة القياس والاختبار والمرجعية التي توفر الأسس الفنية للإنتاج والابتكار. وتدعم التكنولوجيا التحتية البحث والتطوير الكفؤين بإتاحة المعرفة الأساسية غير المملوكة على نطاق واسع، والحد من فجوات المعلومات بين المنشآت. وفي القطاعات السريعة الحركة، تساعد التقنيات الجديدة على البناء على أسس مشتركة بدلاً من البدء من الصفر. ويمكن للحكومات أن تؤدي دوراً في تطوير هذه الأسس بتعزيز معايير قابلية التشغيل البيني والبروتوكولات المفتوحة التي تجعل المعرفة متاحة وقابلة للاستخدام عبر المنشآت والصناعات.
إجراءات ينبغي للبلدان النامية اتخاذها للاستفادة من الأثر المحتمل لمعايير التكنولوجيا
كما أشرنا آنفاً، فإن معظم البلدان النامية متلقية للمعايير لا صانعة لها، ولديها قدرة فنية وخبرة محدودتان لتشكيل المعايير التي تتبناها أو تكيفها. ومع وضع ذلك في الاعتبار، ينبغي لهذه البلدان أن تنظر في اتخاذ أربعة إجراءات بوجه خاص في ما يتعلق بمعايير التكنولوجيا: زيادة التعاون وتوسيع عدد معايير التكنولوجيا المتفق عليها بصورة مشتركة؛ وضمان الوصول إلى المعايير القائمة؛ والاضطلاع بدور نشط في القطاعات ذات الآثار الشبكية الكبيرة والآثار الخارجية الضخمة والإمكانات العالية لشمول المستخدمين؛ والمشاركة في وضع معايير التقنيات العامة الأغراض.
زيادة التعاون وتوسيع عدد معايير التكنولوجيا المتفق عليها بصورة مشتركة
البلدان النامية معرضة بوجه خاص للخطر حين تفضي حروب المعايير إلى الانفصال، أي تشرذم الأنظمة التكنولوجية العالمية إلى أنظمة غير متوافقة تقلل عدد المعايير المقبولة دولياً. ولأن كثيراً من المنشآت في البلدان النامية تملك قدرات تكنولوجية محدودة، فإن إرغامها على الاختيار بين أنظمة متنافسة غير قابلة للتشغيل البيني قد يثبط التبني، ويحبس هذه البلدان في تقنيات متقادمة، ويوسع الفجوات التكنولوجية، ويضعف الإنتاجية والقدرة التنافسية. وعلى العكس من ذلك، يمكن لتبني تقنيات متفوقة ومقبولة على نطاق واسع أن يساعد على تسريع تطوير التطبيقات التكنولوجية في البلد وانتشار التكنولوجيا، كما في حالة التبني الواسع للهواتف المحمولة والتقنيات التي يمكن تشغيلها بتكلفة منخفضة عبرها.
ويجب تبني معايير قابلية التشغيل البيني كما هي، فتكييفها مع الظروف المحلية سيفشل الغرض منها، وهو خفض تكاليف المعاملات وإتاحة الابتكار. ففي ظل وجود أنظمة متنافسة لقابلية التشغيل البيني، يرجح أن تجد المنشآت صعوبة في دمج الآلات التي تستخدم أنظمة مختلفة. فثمة مثلاً أنظمة متنافسة متعددة، كأنظمة "روكويل أوتوميشن" و"سيمنز"، لوحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة التي تتحكم في الآلات والعمليات في التصنيع الذكي، ولا يتمتع أي منها بقابلية تشغيل بيني مباشرة مع الأخرى، بما يجعل الاستثمارات في التصنيع الذكي مشروطة باختيار النظام وقد يفضي إلى انحباس تكنولوجي. ولذلك فإن المعايير الدولية أو الصناعية التي تضمن قابلية التشغيل البيني لأنظمة من هذا النوع حاسمة للبلدان النامية.
ضمان الوصول إلى المعايير القائمة
الوصول إلى المعايير لا يقل أهمية عن الاختيار بينها. فكثير من التقنيات القابلة للتشغيل البيني يعتمد على براءات الاختراع الأساسية للمعايير، أي البراءات التي تغطي تقنيات يجب استخدامها للامتثال لمعايير مثل "واي فاي" أو "بلوتوث" أو الجيل الخامس. ويتطلب استخدام هذه التقنيات تراخيص، كثيراً ما يملكها عدد قليل من حاملي البراءات الرئيسية. وضمان ترخيص التقنيات بشروط عادلة ومعقولة وغير تمييزية أمر أساسي لخفض حواجز التبني. وبالنسبة للبلدان النامية، فإن الحصول الميسور على تراخيص هذه البراءات لا يمكّن المنشآت من تبني التقنيات المتقدمة فحسب، بل يتيح لها أيضاً تصميم منتجات وتطبيقات جديدة مبنية عليها. غير أن هذه البراءات قد ترسخ أيضاً تركز السوق، حين يملك عدد قليل من المنشآت حصة كبيرة منها، إذا كانت شروط تراخيص التقنيات الأساسية تقييدية أو باهظة التكلفة.
براءات الاختراع الأساسية للمعايير: الموازنة بين الابتكار والوصول
في كثير من القطاعات التكنولوجية، لا سيما تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتضمن بعض المعايير مكونات محمية ببراءات اختراع، وتعرف براءات هذه المكونات بالبراءات الأساسية للمعايير. وهي تحمي اختراعات يجب استخدامها للامتثال لمعيار ما، وتقع عند تقاطع هدفين: فالبراءات تكافئ الابتكار عبر الحصرية، في حين تسعى المعايير إلى الانفتاح وقابلية التشغيل البيني. وإدارة التوتر بين هذين الهدفين أمر حاسم لضمان أن تعزز المعايير الانتشار التكنولوجي لا أن تقيده.
ولصون الوصول إلى التقنيات الحاسمة للامتثال للمعايير، تشترط منظمات وضع المعايير على حاملي براءات هذه التقنيات الإفصاح عنها للمستخدمين المحتملين والالتزام بترخيصها بشروط عادلة ومعقولة وغير تمييزية. غير أن الالتزامات التي يقدمها هؤلاء طوعية ولا تضمن الوصول. فمفاوضات الترخيص قد تكون معقدة ومكلفة، وحين تفشل المساومة قد يعقبها التقاضي. كما قد يستغل حاملو البراءات الأساسية للمعايير موقعهم عبر "احتجاز البراءات"، أي رفض منح التراخيص أو المطالبة بإتاوات مفرطة بعد أن يُعتمد المعيار على نطاق واسع، بما يرفع تكاليف المدخلات ويثبط الابتكار.
وتوزيع البراءات الأساسية للمعايير شديد التركز. فبحسب بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية بشأن الإعلانات المقدمة إلى المعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والاتحاد الدولي للاتصالات، يتعلق أكثر من 70% من هذه البراءات بمجالين من تكنولوجيا الاتصالات هما الشبكات اللاسلكية والإرسال الرقمي. وأكثر من نصفها مسجل في أوروبا وأمريكا الشمالية، والصين هي البلد النامي الوحيد الذي يملك حصة كبيرة منها. وتستأثر حفنة من المنشآت من البلدان المرتفعة الدخل والصين بمعظم البراءات الأساسية المعلنة، بل تملك ست منشآت وحدها أكثر من 70% من البراءات الجوهرية للجيل الخامس. وفي أفريقيا، تعود جميع هذه البراءات تقريباً إلى منشآت أجنبية، ولا تزال الملكية المحلية في البرازيل والهند محدودة.
وبالنسبة للبلدان النامية، تنطوي البراءات الأساسية للمعايير على فرص ومخاطر معاً. فمن ناحية، يمكن أن تتيح هذه البراءات الوصول إلى تقنيات متقدمة قد تجد البلدان النامية تطويرها داخلياً باهظ التكلفة. ومن ناحية أخرى، قد تمثل إجراءات الترخيص المعقدة واختلال القوة التفاوضية بين المرخص لهم في البلدان النامية وكبار حاملي هذه البراءات حاجزاً أمام الوصول، وقد تضعف حوافز الابتكار لدى المطورين والمصنعين في البلدان النامية. فالشركات الأصغر في هذه البلدان كثيراً ما تفتقر إلى الموارد اللازمة للتفاوض بفاعلية مع حاملي البراءات الراسخين، أو لبناء محافظ براءات تستخدمها ورقةً للضغط في المفاوضات. ورغم أن حاملي البراءات الأساسية لا يسعون في حالات كثيرة إلى ملاحقة انتهاكات المنشآت الأصغر في البلدان النامية لبراءاتهم، فإن عدم اليقين بشأن ما سيعده حاملو البراءات معدلات وإجراءات ترخيص عادلة ومعقولة وغير تمييزية قد يثبط الابتكار. ومع نمو الأسواق والمنشآت في البلدان النامية، سيزداد احتمال رفع قضايا انتهاك البراءات ضد منشآت هذه البلدان. وقد بدأ التقاضي يظهر في البلدان النامية ويتزايد تواتره أيضاً في إطار جهود مكافحة الاحتكار، لكن البيانات التمثيلية بشأن الترخيص العادل والمعقول وغير التمييزي والتقاضي المتصل به غير متاحة إلى حد كبير. ويجري اقتراح نماذج للوساطة في ترخيص البراءات الأساسية للمعايير لضمان رسوم ترخيص معقولة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويمكن للبلدان النامية أن تتبنى هذه النماذج.
الاضطلاع بدور نشط في القطاعات ذات الآثار الشبكية الكبيرة والآثار الخارجية الضخمة والإمكانات العالية لشمول المستخدمين
تنطوي بعض القطاعات، كالمدفوعات الرقمية أو خدمات الحكومة الإلكترونية، على آثار شبكية كبيرة، أو آثار خارجية ضخمة، أو قابلية للشمول أو الإقصاء، أو أي مزيج من ذلك. وفي هذه القطاعات، تميل الحكومات إلى الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً لضمان أن تكون الأنظمة أكثر انفتاحاً، وأن تيسر قدراً أكبر من قابلية التشغيل البيني، وأن تعظم عدد المستخدمين المتصلين. وتبني نماذج مختلفة على المعايير الدولية وتستخدم منصات أكثر انفتاحاً لضمان قابلية تشغيل بيني واسعة. وتتمتع هذه النماذج عادة بحوكمة عامة قوية، مع استثناء بارز هو نظام "إم بيسا" للدفع في كينيا، المملوك لشركة خاصة وإن كان يخضع لتنظيم البنك المركزي الكيني.
ومن الأهداف الرئيسية لهذه النماذج الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين وإشراكهم. وفي حالة المدفوعات الرقمية تحديداً، يتمثل أحد الأهداف الرئيسية في الشمول المالي والعمق المالي، أي طيف أوسع من الخدمات المقدمة وإمكانية أكبر للحصول عليها، لتوليد أكبر عدد ممكن من الخدمات الإضافية.
المشاركة في وضع معايير التقنيات العامة الأغراض
التقنيات العامة الأغراض، كالذكاء الاصطناعي، تشكل اقتصادات ومجتمعات بأكملها، وتدفع موجات متعاقبة من الابتكار. والمعايير التي توجه تطويرها تؤثر في كيفية تطورها ومن يستفيد منها. غير أن المشاركة في وضع هذه المعايير تتطلب قدرات فنية عالية، وتفتقر بلدان نامية كثيرة إلى الخبرة أو الموارد اللازمة لها. لكن تكاليف البقاء خارج هذه العملية مرتفعة أيضاً. فحين لا تشكل القواعد سوى الاقتصادات المتقدمة والمنشآت الكبيرة، قد تعكس المعايير أولوياتها وتتجاهل السياقات المحلية، كما في حالة نماذج الذكاء الاصطناعي التي تخفق في استيعاب اللغات أو الوقائع المحلية. والمشاركة النشطة للبلدان النامية في عملية وضع المعايير تساعد على ضمان أن تكون التقنيات شاملة وملائمة وقابلة للتشغيل البيني، وتتيح لها مواءمة مناهجها المحلية في مجالات كالأخلاقيات والإنصاف والشفافية مع المناهج الدولية.
كيف يمكن للبلدان النامية أن توظف معايير التكنولوجيا
الدفع نحو أن تكون معايير التكنولوجيا مفتوحة بالكامل
لا تتطلب المعايير المفتوحة إتاوات وليست لها قيود ترخيص. وهي تقلل الاعتماد على التقنيات المملوكة، وتخفض التكاليف الإجمالية لتملكها على المنشآت، وتعزز أنظمة الابتكار المحلية. ومن شأن وجود معايير وطنية ودولية مفتوحة بالكامل أن ييسر الوصول إلى المعايير. فثمة مثلاً تأييد متزايد لفرض الانفتاح في الطبقات التأسيسية للبنية التحتية الرقمية العامة، لا سيما داخل الأنظمة الحكومية. فضلاً عن ذلك، تبنى عدد من البلدان والهيئات الإقليمية، منها البرازيل والهند وجنوب أفريقيا والاتحاد الأوروبي، سياسات تفضل المعايير المفتوحة في المشتريات العامة. فالهند مثلاً تشترط ألا تنطوي معايير الحوكمة الإلكترونية على إتاوات وأن تتيح الاستخدام دون قيود، استجابة جزئياً لمخاوف تتعلق بالسيادة إزاء البراءات الأجنبية. كما أقرت مجموعة العشرين بالحاجة إلى "معايير تكنولوجيا مفتوحة ومترابطة شبكياً" لتجنب الانحباس لدى مورد واحد وتعزيز قابلية التشغيل البيني في البنية التحتية الرقمية العامة. وبإشارة الحكومات إلى التزامها بالمعايير المفتوحة، فإنها تشجع مقدمي التكنولوجيا على الاتساق مع اشتراطات اعتمادها، بما يساعد البلدان على بناء أنظمة رقمية أكثر شمولاً وقابلية للتكيف.
ورغم الجاذبية المعيارية للمعايير المفتوحة بالكامل، وفي ما يتجاوز المدفوعات الرقمية، فإن الإصرار الجامد على انعدام الإتاوات أو على تقنيات خالية من البراءات الأساسية للمعايير قد يأتي بنتائج عكسية. فالانفتاح في المعايير طيف متدرج، وليست المعايير إما مفتوحة تماماً وإما مغلقة تماماً، ويتوقف ذلك على عوامل مثل الآثار الشبكية وعملية وضع المعايير والسلوك الاستراتيجي للمنشآت. فكثير من المعايير، بما فيها تلك التي تتضمن براءات أساسية، يوضع عبر اتحادات عالمية ويرتبط ارتباطاً عميقاً بالبنية التحتية العالمية، ويتعذر في حالات كثيرة الالتفاف عليها دون تكبد تكاليف أعلى أو تراجع في الوظائف أو عدم توافق الأنظمة. وتتمثل المفاضلة الرئيسية على صعيد السياسات في الموازنة بين الانفتاح والسيادة من جهة، والأداء والوظائف وقابلية التشغيل البيني العالمية من جهة أخرى. ونتيجة لذلك تتبنى حكومات كثيرة نهجاً هجيناً، فتفرض معايير مفتوحة لواجهات الأنظمة الحيوية وصيغ البيانات، مع السماح بالمكونات المملوكة عند الضرورة. وتضمن هذه الاستراتيجية، التي تلخص أحياناً بعبارة "البروتوكولات قبل المنصات"، أن تظل واجهات برمجة التطبيقات الأساسية والمخططات وطبقات قابلية التشغيل البيني مفتوحة، بحيث يمكن عند الحاجة استبدال العناصر الأخرى ذات المصادر المملوكة بنسخ متاحة عبر مصادر مفتوحة. وفي التقنيات الأخرى غير البنى التحتية الرقمية العامة، يمكن للحكومات ومنظمات وضع المعايير أن تؤثر في درجة الانفتاح عبر سياساتها وخياراتها في وضع المعايير، بما يشجع الابتكار والمنافسة دون المساس بالجودة أو الوظائف.
الحد من مخاطر المنافسة الناجمة عن البراءات الأساسية للمعايير
يمثل الغموض بشأن ما يشكل وصولاً "عادلاً ومعقولاً وغير تمييزي" تحديات للبلدان النامية ولقوانين المنافسة فيها. وبالنسبة للأسواق الناشئة، يمكن أن تتراوح استراتيجيات معالجة هذه التحديات من تشجيع التجمعات التفاوضية على التراخيص أو تجميع البراءات، إلى توظيف تدابير تنظيمية تعزز ممارسات أكثر إنصافاً في ما يتعلق بالبراءات الأساسية للمعايير. وتبرز جهود السياسات الأخيرة، كمقترح المفوضية الأوروبية لعام 2023 بإنشاء سجل لهذه البراءات وخدمات دعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في التعامل معها، فضلاً عن إرشادات ماليزيا وسنغافورة وتركيا، محاولاتٍ لخفض الحواجز وضمان أن تعزز هذه البراءات الابتكار بدلاً من أن تعرقل دخول الأسواق. ومن المقترحات الأخرى إنشاء وسطاء مستقلين يمكنهم الحصول على تراخيص البراءات الأساسية من حامليها مجاناً ومنح تراخيص فرعية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ولكن ما دامت تظل صغيرة ومتوسطة فقط. والهدف تشجيع المنشآت الأصغر على تبني المعايير والبناء عليها في تطوير منتجات مبتكرة. ولتيسير ذلك، يمكن للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وحاملي البراءات الأساسية التفاوض في "جزيرة آمنة" يتمكن فيها الطرفان من التفاعل دون التهديد بالتقاضي أو خطر المسؤوليات السابقة. وفي المقابل، تلتزم المنشآت التي تنمو متجاوزة وضع المنشآت الصغيرة والمتوسطة باللجوء إلى الوساطة أو التحكيم في ترتيبات الترخيص اللاحقة. كما أن المساعدة الفنية لتعزيز قدرات صناع السياسات والقضاة في البلدان النامية في ما يتعلق بقانون المنافسة وما يشكل معدلات عادلة ومعقولة وغير تمييزية أمر حاسم.
المشاركة في وضع المعايير الدولية لقابلية التشغيل البيني
معظم البلدان النامية متلقية للتكنولوجيا لا مبتكرة لها. ومن ثم فلديها مصلحة استراتيجية قوية في الانخراط بنشاط في وضع معايير قابلية التشغيل البيني لتجنب الاعتماد على قواعد تضعها الاقتصادات المتقدمة والمنشآت المتعددة الجنسيات قد لا تلائم سياقاتها. فحين لا تشارك البلدان في وضع المعايير، تفقد فرصة إثارة المخاوف بشأن تكاليف الامتثال وجدواه، بما يجعل استيفاء المعايير الناتجة أصعب على المنشآت المحلية. وعلى النقيض من ذلك، تمكّن المشاركة في وضع المعايير الحكوماتِ من تكييف المعايير مع الواقع المحلي، وتعزيز القدرة المحلية على الامتثال، وتحسين القدرة التنافسية للمنشآت بخفض تكاليف الامتثال وتيسير اندماجها في سلاسل القيمة العالمية. ولتعظيم الأثر، ينبغي للبلدان النامية أن تولي الأولوية للانخراط في التوحيد القياسي للتقنيات العامة الأغراض التي تمثل أساساً للتحول الرقمي، كالهوية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية وبروتوكولات تبادل البيانات والذكاء الاصطناعي، مع تعزيز مناهج مفتوحة وشاملة تضمن القدرة على تحمل التكاليف والمرونة. ومن شأن مواءمة جهود التوحيد القياسي مع استراتيجيات التنمية الوطنية والتركيز على القطاعات العالية الأثر كالرعاية الصحية والزراعة والتعليم أن يحقق أكبر المنافع، في حين يمكن للتعاون الإقليمي عبر منظمات كالاتحاد الأفريقي أو رابطة أمم جنوب شرق آسيا أن يضخم نفوذ البلدان النامية وقوتها التفاوضية في عمليات وضع المعايير العالمية.
تهيئة بيئة ممكّنة للارتقاء التكنولوجي
لا يمكن لمعايير قابلية التشغيل البيني أن تحقق منافعها إلا إذا امتلكت البلدان الأسس الصحيحة لتطوير التكنولوجيا والارتقاء بها. فبدون بيئة ممكّنة تشجع الاستثمار وتبني التقنيات الرقمية الرئيسية والحصول على المهارات والمعدات، لا تستطيع المعايير وحدها دفع التقدم. فالتعريفات الجمركية المرتفعة على المدخلات الحاسمة لتطوير التقنيات، أو اللوائح التقييدية، أو الحواجز التي تحد من دخول الخبراء الفنيين الأجانب ومقدمي خدمات التكنولوجيا، كلها قد تعيق الابتكار. ولذلك فإن بناء القدرات التكنولوجية للبلدان والمنشآت أمر جوهري. فالمشاركة في وضع المعايير لا تجدي إلا حين تستثمر البلدان أيضاً في المؤسسات والمهارات والسياسات التي تتيح للمنشآت استيعاب التقنيات الجديدة وتكييفها وابتكارها.
موضوع خاص 4: المعايير في القطاع المالي
ترسي المعايير المالية الأساس لأنظمة مالية فعالة، فتعزز الثقة والاستقرار وقابلية التشغيل البيني والشمول. فمن المعايير التي تقوم عليها قواعد المحاسبة التي تتيح إعداد تقارير مالية شفافة، إلى تلك المدمجة في الأطر التنظيمية التي تراقب مخاطر المصارف وتكافح الجرائم المالية، تساعد هذه المعايير على صون نزاهة الأنظمة المالية وصمودها. كما تؤدي دوراً رئيسياً في توسيع نطاق الحصول على الخدمات المالية. ورغم وجود منظومة واسعة من المعايير المالية، يتناول هذا الموضوع الخاص، توخياً للإيجاز، كيف تشكل أربعة أمثلة منها التنمية المالية والشمول المالي: المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، والمعايير التي يجسدها إطار بازل، ومعايير مجموعة العمل المالي، والتوحيد القياسي في أسواق الأوراق المالية. كما تبين هذه الأمثلة منافع المناهج المتدرجة في وضع المعايير وتحدياتها.
معايير المحاسبة: المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية
القوائم المالية الموثوقة والقابلة للمقارنة شرط مسبق للتنظيم الاحترازي الفعال، والتمويل القائم على السوق، وعمل أسواق الأوراق المالية. ومعايير المحاسبة هي التي توفر هذا الأساس للأسواق المالية.
وتلزم المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية الشركات بالإفصاح عن المعلومات ذات الصلة بوضوح واتساق. وقد أصدرها مجلس معايير المحاسبة الدولية عام 2003، وهي مخصصة لجهات القطاع الخاص الخاضعة للمساءلة أمام الجمهور، كالمؤسسات المالية وشركات التأمين والمؤسسات المملوكة للدولة والشركات المدرجة في البورصة. ولأن المنشآت الأصغر وجدت هذه المعايير معقدة ومرهقة، أصدر المجلس عام 2009 نسخة منها للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، مخصصة للجهات غير الخاضعة للمساءلة أمام الجمهور لكنها ملزمة قانوناً بإعداد قوائم مالية. ورغم أن أكثر من 140 ولاية قضائية قد اعتمدت المعايير الكاملة، لا يستخدم النسخة الخاصة بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة سوى نحو 80 ولاية قضائية. وبالنسبة لكثير من المنشآت الصغيرة في البلدان النامية، قد يظل تطبيق حتى هذه النسخة مكلفاً أكثر مما ينبغي، ولذلك تستخدمها بعض الولايات القضائية بدلاً من ذلك مرجعاً لوضع مجموعة خاصة بها من معايير المحاسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ويجعل تبني معايير المحاسبة المنشآتِ والبلدانَ أكثر جاذبية للمستثمرين بتعزيز الشفافية المالية والحد من عدم التماثل بين المعلومات المتاحة للمنشآت وتلك المتاحة للمستثمرين المحتملين فيها. فقد زاد تبني هذه المعايير مثلاً الملكية الأجنبية لحصص صناديق الاستثمار المشترك، وعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية.
معايير تنظيم رأس مال المصارف: إطار بازل
ما إن تُرسى معايير المحاسبة والقوائم المالية، حتى يبني التنظيم الاحترازي لرأس مال المصارف على الأسس التي توفرها هذه القوائم لضمان الملاءة والسلامة والصمود في الأنظمة المصرفية. فرأس مال المصرف، الذي يشمل في معظمه حقوق المساهمين والأرباح المحتجزة، يوفر وسادة لاستيعاب الخسائر في أوقات الشدة، فيسهم في الاستقرار المالي. كما يمكن للمستويات الأعلى من رأس المال أن تكبح المخاطرة لدى المصارف، لأنها تجعل للمساهمين مصلحة أكبر على المحك، إذ قد يخسرون حقوقهم إذا أخفق المصرف. غير أن المصارف قد لا تحتفظ برأس مال كافٍ لتظل ملية في فترات الضغط المالي إذا كانت تتوقع الاعتماد على شبكات الأمان، كالتأمين على الودائع وعمليات الإنقاذ، في أوقات الأزمات. كما أن إخفاق المصارف يفرض تكاليف اجتماعية مرتفعة لا يستوعبها مديروها ومساهموها. ولذلك تستخدم الجهات التنظيمية متطلبات رأس المال لحفز المصارف على ضمان الإدارة الملائمة للمخاطر.
والجهة الرئيسية التي تضع المعايير العالمية للتنظيم الاحترازي للمصارف هي لجنة بازل للرقابة المصرفية. وتتفق البلدان الأعضاء في اللجنة على التطبيق الكامل لمعاييرها على مصارفها الناشطة دولياً، وتضم اللجنة حالياً 45 مؤسسة تنظيمية من 28 ولاية قضائية. ويجوز لغير الأعضاء تبني هذه المعايير طوعاً.
وفي عام 1988، نشرت اللجنة أول مجموعة من المتطلبات الدنيا لرأس مال المصارف، المعروفة اليوم باتفاقية بازل الأولى أو "بازل 1"، استجابة لأزمة ديون دولية نشأت في أمريكا اللاتينية. وصنفت "بازل 1" الأصول وفق أربعة مستويات لمخاطر الائتمان، وأعطت كل مستوى وزناً: صفراً أو 20% أو 50% أو 100%، مع تزايد الأوزان بحسب درجة مخاطر الأصول الأساسية. فالنقد مثلاً كان يحمل وزن مخاطر يساوي صفراً، في حين أعطيت القروض التجارية، التي تدرج المصارف أرصدتها أصولاً في ميزانياتها العمومية، أعلى وزن للمخاطر وهو 100%. وتستخدم المصارف هذه الأوزان لحساب أصولها المرجحة بالمخاطر، لا مجرد إجمالي أصولها، الذي ثبت قصوره مقياساً لمستوى مخاطر المصارف. واشترطت "بازل 1" على المصارف الاحتفاظ بحد أدنى من رأس المال يعادل 8% من أصولها المرجحة بالمخاطر، بما يعني أن على المصارف الاحتفاظ بمزيد من رأس المال إذا كانت لديها مستويات أعلى من الأصول الخطرة، وأن مصرفين متقاربين جداً في إجمالي أصولهما قد يخضعان نظرياً لمتطلبات رأسمالية مختلفة جداً. وانتهى الأمر بمعظم الجهات التنظيمية في العالم إلى تبني "بازل 1"، بما ساعد على ضمان فاعلية رقابية ملائمة ومتسقة في الولايات القضائية الأعضاء.
غير أن فئات المخاطر الأربع في "بازل 1" ثبت أنها مفرطة في البساطة، بما حد من فاعليتها. فمن الناحية العملية، قد تنطوي القروض التي تحمل وزن المخاطر نفسه بموجب "بازل 1" على مستويات مخاطر مختلفة جداً. فقد أعطت "بازل 1" مثلاً جميع القروض التجارية وزن مخاطر يبلغ 100%، رغم أن القروض المقدمة إلى المنشآت الصغيرة كثيراً ما تكون أشد خطورة من تلك المقدمة إلى المنشآت الكبيرة. ولذلك أدخلت اللجنة عام 2004 اتفاقية "بازل 2"، التي تضمنت صيغة أكثر تفصيلاً لقياس الأصول المرجحة بالمخاطر، بل أتاحت لبعض المصارف استخدام نماذجها الخاصة لحساب مخاطر الائتمان التي تنطوي عليها تشكيلات أصولها.
وكشفت الأزمة المالية العالمية مواطن ضعف في "بازل 2" أيضاً، فدفعت اللجنة إلى اقتراح "بازل 3" عام 2009. فقد تبين أن "بازل 2" لم تلزم المصارف بالاحتفاظ بقدر كافٍ من رأس المال العالي الجودة، وأن تعقيد حساب الأصول المرجحة بالمخاطر جعل رصد تعرض المصارف للمخاطر أمراً عسيراً. ومن بين التغييرات الأخرى، فإن "بازل 3" أولاً تقيد ما يمكن اعتباره رأس مال من مقتنيات المصارف؛ وثانياً تتضمن احتياطيين رأسماليين، وهما مبلغان إضافيان من رأس المال يجب على المصارف الاحتفاظ بهما في أوقات الضائقة المالية أو الركود الاقتصادي؛ وثالثاً تلغي، في ما يخص مخاطر معينة، استخدام النماذج الداخلية الذي كانت تسمح به "بازل 2"؛ ورابعاً تضيف اشتراطاً يتعلق بنسب الرافعة المالية للمصارف، تحديداً أن يعادل رأس مال المصرف 3% على الأقل من إجمالي أصوله، وهو مقياس أسهل في القياس والرصد من الأصول المرجحة بالمخاطر.
وقد أفادت جميع البلدان البالغ عددها 134 بلداً التي أجابت عن أحدث مسح للبنك الدولي بشأن تنظيم المصارف والرقابة عليها، والذي أجري عام 2016، بأنها تستخدم أحد أنظمة بازل، لكن كثيراً منها كان لا يزال يستخدم "بازل 1" أو "بازل 2". ويرتبط تبني "بازل 3" بمستوى دخل البلد. فحتى عام 2016، كانت 84% من البلدان المرتفعة الدخل قد تبنت "بازل 3"، تليها 43% من البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، ونحو ثلث البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. وفي المقابل، لم يفد أي بلد منخفض الدخل باستخدام "بازل 3"، وكان قرابة ثلثيها لا يزال يستخدم "بازل 1".
وكما أشرنا آنفاً، قد تتبنى الجهات التنظيمية في البلدان غير الأعضاء في لجنة بازل معاييرها لتعزيز صمود أنظمتها المصرفية. فضلاً عن ذلك، قد يشير تبني "بازل 2" أو "بازل 3" إلى التطور والمعايير المتقدمة، بما يمكن أن يساعد على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسين القدرة التنافسية الدولية للمصارف المحلية في البلدان. كما قد ييسر التنسيق بين جهات الرقابة في البلد الأم والبلد المضيف للمصارف الدولية. غير أن الجهات التنظيمية في البيئات ذات القدرات الأدنى قد تختار التمسك بالمتطلبات الأبسط لاتفاقية "بازل 1"، وتعطي الأولوية لبناء القدرات الرقابية بدلاً من ذلك.
وفي الآونة الأخيرة، نشرت لجنة بازل اعتبارات بشأن مناهج موحدة مبسطة لتطبيق "بازل 3" تقوم على مبدأ التناسب. ويمكن للبلدان أن تطور هذه المناهج وتطبقها على المصارف الأصغر غير الناشطة دولياً، العاجزة عن تطبيق المناهج الأكثر استهلاكاً للموارد التي تتطلبها الاتفاقية، كما يمكن لبعض الولايات القضائية ذات الأنظمة المصرفية الأبسط أن تتبنى هذه المناهج لقطاعاتها المصرفية بأكملها. غير أن استخدام نهج تناسبي يطرح أيضاً تحديات على الجهات التنظيمية في البلد. ففي مسح مشترك شمل 90 ولاية قضائية أجراه البنك الدولي وبنك التسويات الدولية، ذكر المجيبون تحديات واجهوها خلال مرحلة تصميم هذه المناهج، كتحديد المصارف التي يمكنها اتباع النهج المبسط، وكيفية تجنب المراجحة التنظيمية التي تعدل فيها المصارف خصائصها أو مواقعها لتصبح مؤهلة للمعايير المبسطة، فضلاً عن تحديات بعد تطبيق التناسب، منها كيفية ضمان بقاء المراكز المالية قابلة للمقارنة بين المصارف.
ولمتطلبات رأس المال آثار مختلفة في التنمية المالية على المديين القصير والطويل. فزيادة متطلبات رأس المال تميل إلى تقليص الإقراض المصرفي على المدى القصير، لا سيما لدى المصارف الأقل رسملة مقارنة بغيرها قبل سريان المتطلبات. ويؤثر هذا التقليص في الإقراض أساساً في المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي لم تكن لديها قروض من أي مصرف من قبل. غير أن المصارف التي تملك رأس مال أكبر تزيد إقراضها على المدى الطويل مقارنة بالمصارف الأخرى، ربما لأن الاحتفاظ برأس مال إضافي يخفض تكاليف ديونها وحقوق ملكيتها. وتبين أدلة من إسبانيا أن متطلبات رأس المال تمهد عرض الائتمان المصرفي، وتدعم في الأوقات العصيبة أداء المنشآت التي تحصل على قروض مصرفية، فتزيد العمالة وبقاء المنشآت. ورغم أن متطلبات رأس المال الأعلى تفرض بعض التكاليف القصيرة الأجل، فإن منافع خفض احتمال الأزمات المصرفية وأثرها تميل إلى أن تفوق هذه التكاليف.
مكافحة الجرائم المالية وتعزيز الشمول المالي: معايير مجموعة العمل المالي
بدأت البلدان في أنحاء العالم تتعاون على مدى العقود القليلة الماضية لمواجهة الجرائم والتدفقات المالية المرتبطة بها العابرة للحدود الوطنية، وتتجسد العناصر الرئيسية لهذا التعاون في عدة اتفاقيات للأمم المتحدة تنشئ التزامات ملزمة للأطراف المصدقة عليها. وفي عام 1989 أنشئت مجموعة العمل المالي بوصفها هيئة حكومية دولية فنية مسؤولة عن توفير التفاصيل الفنية اللازمة للصكوك التي تيسر هذا التعاون، والتي تكون عادة عالية المستوى، ودعم تطبيقها، ووضع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وتضم المجموعة حالياً 40 ولاية قضائية عضواً تمثل الاقتصادات الكبرى والمراكز المالية. وهي تتعهد إطاراً من التدابير يعرف بتوصيات مجموعة العمل المالي، التزم أكثر من 200 بلد وولاية قضائية بتطبيقها. وبمساعدة تسع منظمات أعضاء منتسبة وشركاء عالميين آخرين كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ترصد المجموعة هذه البلدان والولايات القضائية لضمان تطبيقها لهذه التدابير عبر عملية مستمرة من تقييم النظراء. وقد يفضي الإخفاق في تطبيقها بفاعلية إلى تحذيرات علنية للبلدان غير الممتثلة، بما يخلق بدوره ضغطاً عليها لمعالجة أي مشكلات في الامتثال للحفاظ على وصولها إلى النظام المالي العالمي.
وتوصية المجموعة الأوثق صلة بالشمول المالي هي تلك المتعلقة بالعناية الواجبة تجاه العملاء، التي تشمل تحديد هوية العملاء والتحقق منها، وكثيراً ما يشار إليها بإجراءات "اعرف عميلك". فالقواعد الصارمة للعناية الواجبة قد تدفع المصارف إلى إقصاء العملاء أو العملاء المحتملين إذا افتقروا إلى بطاقات الهوية أو غيرها من الوثائق التي تطلبها المصارف لأغراض تحديد الهوية. فبحسب قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي التابعة للبنك الدولي، لا يملك نحو 1.3 مليار بالغ في العالم حساباً مالياً، كثيراً بسبب اشتراطات الوثائق. ففي أفريقيا جنوب الصحراء، يشير 44% من البالغين الذين لا يملكون حسابات ولا بطاقات هوية إلى نقص الوثائق عائقاً أمام امتلاك حساب للأموال عبر الهاتف المحمول، مقابل 19% من البالغين الذين لا يملكون حساباً لكنهم يملكون بطاقة هوية.
تعزيز علاقات المراسلة المصرفية والمعايير الدولية لمكافحة الجرائم المالية في بلدان جزر المحيط الهادئ
حين يقدم مصرف في بلد ما (المصرف المراسل) خدمات مصرفية لمصرف ثانٍ في بلد آخر (المصرف المستجيب)، يكون المصرفان قد دخلا في علاقة مراسلة مصرفية عابرة للحدود. وتقع علاقات المراسلة المصرفية في صميم النظام العالمي للمدفوعات الدولية، إذ تتيح المعاملات العابرة للحدود التي تيسر التجارة الدولية والسياحة والتحويلات، فضلاً عن تدفقات الإغاثة من الكوارث والتدفقات المالية الإنسانية.
وقد تراجعت علاقات المراسلة المصرفية التي تقع فيها المصارف المستجيبة في بعض الأسواق الناشئة والبلدان النامية على مدى العقد الماضي. فعالمياً، تراجعت هذه العلاقات بنحو 30% بين عامي 2011 و2022، وسُجل بعض أكبر التراجعات، بمتوسط يبلغ نحو 60%، في بلدان جزر المحيط الهادئ. وهذه البلدان معرضة بوجه خاص لخطر سحب علاقات المراسلة المصرفية بسبب اعتمادها الكبير على التجارة والسياحة والتحويلات، التي كثيراً ما تعادل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن تدفقات الإغاثة من الكوارث والتدفقات المالية الإنسانية.
وقد تراجعت علاقات المراسلة المصرفية في بلدان جزر المحيط الهادئ لسببين رئيسيين. أولاً، باتت المصارف المراسلة الدولية تعد هذه العلاقات على نحو متزايد نشاطاً مرتفع المخاطر منخفض العائد، لأنها تتطلب حجماً معيناً من المعاملات لتكون مربحة بما يكفي لتبرير انخراط المصارف المراسلة فيها، في حين تميل بلدان جزر المحيط الهادئ منفردة إلى أحجام معاملات منخفضة. ثانياً، لا تمتثل بعض هذه البلدان امتثالاً كاملاً لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ولمواجهة خطر استمرار تراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تشمل مصارف مستجيبة في بلدان جزر المحيط الهادئ، بل فقدانها، وافق البنك الدولي عام 2024 على مشروع يغطي اقتصادات فيجي وكيريباتي وجزر مارشال وساموا وتونغا وتوفالو وفانواتو. ويهدف المشروع إلى إتاحة الوصول المستمر في هذه الاقتصادات إلى الخدمات التي تقدم عادة عبر علاقات المراسلة المصرفية. فأولاً، سيوفر وصولاً مؤقتاً عبر التعاقد مع مقدم خدمات يخدم البلدان المؤهلة التي تواجه فقدان هذه العلاقات بعملات رئيسية. وثانياً، سيدعم زيادة الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين الرقابة على أنظمة الدفع، فضلاً عن المواءمة التنظيمية الإقليمية لتيسير وفورات الحجم.
وفي عام 2012، تبنت مجموعة العمل المالي نهجاً إلزامياً قائماً على المخاطر لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يطبق مزيداً من التدقيق على العملاء المرتفعي المخاطر مع إتاحة تدابير مبسطة للعملاء الأقل مخاطر. ويشمل هذا النهج مثلاً العناية الواجبة المتدرجة تجاه العملاء، التي تمكن المؤسسات المالية من تقديم خدمات مالية أساسية منخفضة المخاطر للعملاء بالحد الأدنى من تحديد الهوية والتحقق منها، وخدمات إضافية مع مزيد من تحديد الهوية والتحقق. وباستعاضتها عن معاييرها السابقة القائمة على القواعد، استجابت المجموعة جزئياً للأدلة على أن معاييرها قد تفضي إلى الإقصاء المالي. وبحسب مسح أجراه البنك الدولي عام 2023 للسلطات في القطاع المالي، طبقت نحو نصف الولايات القضائية المجيبة معايير تسمح بالعناية الواجبة المتدرجة لدى المصارف التجارية والجهات غير المصرفية المصدرة للنقود الإلكترونية. فالمكسيك مثلاً اعتمدت عام 2011 نظاماً متدرجاً ناجحاً لفتح حسابات الودائع. ففي العامين التاليين لاستحداث حساب باشتراطات مبسطة للعناية الواجبة، فُتح 9.1 مليون حساب، 77% منها باشتراطات مبسطة، واستُبدلت بهذه الحسابات 2.9 مليون بطاقة مسبقة الدفع صادرة للبرامج الحكومية.
غير أن النهج القائم على المخاطر في العناية الواجبة قد يخفق في تطبيق التناسب، ويقلل من تقدير أثر الإقصاء المالي في المخاطر على النزاهة المالية. فاستخدام التناسب يتطلب قدرات تنظيمية كثيراً ما تفتقر إليها الاقتصادات الأشد حاجة إلى زيادة الشمول المالي، ونتيجة لذلك لا تستفيد البلدان بالقدر الكافي من التبسيطات والاستثناءات في هذا المجال.
وإلى جانب تبني العناية الواجبة القائمة على المخاطر، يمكن للاستثمارات والابتكار في أنظمة الهوية أن يخففا القيود التي تفرضها اشتراطات العناية الواجبة على الشمول المالي. فالحلول المدعومة بالتكنولوجيا، كالتعرف البيومتري، يمكن أن تخفض خفضاً كبيراً تكاليف الامتثال المرتبطة بتحديد هوية العملاء والتحقق منها. فالنمو السريع في امتلاك الحسابات في الهند خلال العقد الماضي يعود جزئياً إلى سياسة حكومية أطلقت عام 2014 استفادت من بطاقات الهوية البيومترية لتعزيز امتلاك الحسابات بين غير المتعاملين مع المصارف.
التوحيد القياسي في أسواق الأوراق المالية
بعيداً عن العمل المصرفي، يؤدي التوحيد القياسي أيضاً دوراً تأسيسياً في تطوير أسواق الأوراق المالية. فبتنسيقه شروط عقود الأوراق المالية، كتواريخ الاستحقاق وأحجام العقود وأعراف التسوية، يخفض التوحيد القياسي تكاليف المعاملات، ويحسن اكتشاف الأسعار، ويخفض الحواجز أمام المشاركين الجدد في أسواق الأوراق المالية. ولهذا أهمية خاصة في الحفاظ على سيولة السوق، لأن الأدوات الموحدة أسهل في التداول والمقارنة والتقييم.
ويأتي مثال كلاسيكي على قوة التوحيد القياسي في أسواق الأوراق المالية من تطور بورصة شيكاغو التجارية. ففي عام 1964، طرحت البورصة عقوداً آجلة للماشية الحية بمواصفات دقيقة وموحدة: كميات ثابتة (40000 رطل)، ودرجات جودة تحددها وزارة الزراعة الأمريكية، ونقاط تسليم محددة. وحول ذلك سوقاً ثنائية غامضة إلى سوق مركزية ذات تسعير شفاف وتسوية موثوقة. وأتاح استخدام العقود الموحدة لغرفة المقاصة التابعة للبورصة التوسع بكفاءة وبناء الثقة واستيعاب قاعدة متنامية من المستثمرين. ونتيجة لذلك نمت المشاركة في تداول العقود الآجلة للماشية وحجم التداول نمواً انفجارياً.
وبالنسبة للبلدان النامية الساعية إلى تعميق أسواق الأوراق المالية لديها، تقدم تجربة البورصات المنظمة كبورصة شيكاغو التجارية عدة دروس. أولاً، كثيراً ما تبذل الحكومات جهداً كبيراً في بناء منحنيات العائد السيادية، بإصدار سندات بآجال استحقاق مختلفة تكون أسعاراً مرجعية للأوراق المالية الأخرى. ويمكن لتركيز الإصدار حول عدد قليل من السندات الموحدة ذات آجال الاستحقاق الثابتة والجداول المنتظمة للإصدار أن يعزز هذه العملية بتوجيه السيولة نحو أدوات محددة والمساعدة على إرساء منحنى عائد مرجعي واضح. ثانياً، يمكن للاستثمار المبكر في بنية تحتية مركزية لمقاصة الصفقات أن يعزز ثقة الأطراف المقابلة ويقلل الاعتماد على علاقات التداول الثنائية. وأخيراً، يمكن لتبسيط شروط العقود أن يجتذب المستثمرين المؤسسيين، بمن فيهم المشاركون الأجانب الذين يواجهون تكاليف أعلى للعناية الواجبة في الأسواق الغامضة.
الخلاصة
المعايير المالية جوهرية لبناء أنظمة مالية مستقرة وشفافة وشاملة. فالمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية تحسن الشفافية المحاسبية وتجتذب الاستثمار، في حين يعزز إطار بازل صمود المصارف عبر متطلبات رأس المال. وعلى نحو مماثل، تعزز معايير مجموعة العمل المالي النزاهة المالية، لكنها قد تقيد الشمول المالي دون قصد، ويساعد تبني المناهج القائمة على المخاطر وأنظمة الهوية الرقمية على التخفيف من هذه الآثار.
ومن الموضوعات المشتركة في المعايير المالية أن المقاس الواحد قد لا يلائم الجميع. فلجني منافع هذه المعايير مع الحفاظ على إمكانية الوصول والشمول للمشاركين في السوق الأصغر حجماً والأدنى قدرة، تطبق منظمات وضع المعايير عادة مناهج متدرجة في تطبيق المعايير التي تضعها. كما يدعم التوحيد القياسي تطوير أسواق الأوراق المالية بخفض تكاليف المعاملات التي تجري فيها وتحسين سيولتها. وبوجه عام، فإن المعايير الجيدة التصميم لا تصون الأنظمة المالية فحسب، بل تعزز أيضاً اتساع الوصول إليها والاستثمار فيها وتطور الأسواق، لا سيما حين تُكيف مع القدرات والاحتياجات المحلية.
وتقدم المعايير المالية دروساً قيمة للنقاشات الراهنة حول الأصول الرقمية كالعملات المستقرة والعملات المشفرة. فالدرس الرئيسي من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية هو أن الشفافية وقابلية المقارنة جوهريتان لبناء الثقة، ومن ثم يجب أن تحد أطر الإفصاح للأصول الرقمية من الغموض في ما يتعلق بالاحتياطيات والحوكمة والمخاطر. والدرس المستفاد من إطار بازل هو أن الضمانات الاحترازية والتناسب أمران أساسيان، فكما توازن قواعد متطلبات رأس المال بين الصمود والقدرة، يجب أن تعدل قواعد الأصول الرقمية اشتراطات الاحتياطيات والسيولة والرافعة المالية بحسب المخاطر التي يمثلها مختلف الفاعلين، مع بقائها قابلة للإدارة عبر الولايات القضائية. وتبين تجربة مجموعة العمل المالي أن معايير النزاهة قد تعزز الثقة لكنها تنطوي أيضاً على خطر الإقصاء، ولذلك ينبغي أن يتضمن تصميم إجراءات "اعرف عميلك" ومكافحة غسل الأموال للأصول الرقمية التناسبَ والحلولَ المدعومة بالتكنولوجيا لتحديد الهوية، لتجنب إقصاء الأشد حاجة إلى الوصول المالي. ويعلمنا تاريخ التوحيد القياسي في أسواق الأوراق المالية أن قابلية التشغيل البيني والتوحيد يخفضان التكاليف ويزيدان السيولة، ويمكن لمعايير الرموز الرقمية وبروتوكولات تسويتها أن تخدم الغرض نفسه في التمويل الرقمي.
وبوجه عام، فإن الخلاصة الرئيسية لهذا الموضوع الخاص هي أن معايير الأصول الرقمية ينبغي أن تتطور عبر التكييف ثم المواءمة ثم التأليف في نهاية المطاف، موازنةً بين الطموح والقدرة على الامتثال، لضمان أن تحمي الاستقرار وتشجع الابتكار في آن واحد. وسيتطلب تحقيق ذلك تعاوناً دولياً قوياً.
موضوع خاص 5: المعايير والبنى التحتية الرقمية العامة
تنطوي التقنيات الرقمية على إمكانات لتعزيز التنمية في طائفة واسعة من المجالات، من دفع النمو الاقتصادي إلى تحسين الخدمات العامة. ويعتمد الاقتصاد الرقمي على البنية التحتية الرقمية العامة، أي الأنظمة والمنصات الرقمية، كأنظمة الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الرقمية ومنصات تبادل البيانات، التي تتيح تقديم الخدمات الأساسية على نطاق واسع. وكثيراً ما تدعم المنصاتُ الرقمية القطاعية، كتلك الموجودة في الرعاية الصحية والتعليم والنقل، البنيةَ التحتية الرقمية العامة. وتنشئ البنى التحتية الرقمية قنوات مفتوحة يمكن للفاعلين العامين والخاصين على حد سواء تطوير الحلول عليها، على غرار ما تفعله البنية التحتية المادية كالطرق والكهرباء. وتعمل المعايير "قضباناً" للاقتصاد الرقمي، لا سيما في بناء البنية التحتية الرقمية العامة، فتشكل من يستطيع المشاركة في الاقتصاد الرقمي والابتكار فيه والاستفادة منه.
ولا يعني الطابع العام للبنية التحتية الرقمية العامة أن الحكومة تشارك بالضرورة، أو ينبغي أن تشارك بالضرورة، في تطويرها وإدارتها، فكثير من البنى التحتية الرقمية العامة الناجحة تديرها مؤسسات خاصة بالكامل. بل يشير إلى أن البنية التحتية الرقمية العامة سلعة عامة بطبيعتها، تدعم الحوكمة وابتكار السوق معاً. كما تسعى هذه البنية إلى تحقيق أهداف حاسمة في مجال السياسة العامة، كتعزيز المنافسة، وتوسيع نطاق الحصول على الخدمات، وتعزيز الشمول. ووفقاً لذلك، يمكن للحكومات أن تتولى زمام المبادرة في تبني البنية التحتية الرقمية العامة، سواء بجمع أصحاب المصلحة، أو فرض المعايير، أو حتى بناء البنية التحتية مباشرة.
المعايير المفتوحة في مقابل المعايير المملوكة: نموذج الساعة الرملية للتوحيد القياسي
يمكن تصور النموذج المستخدم في وضع المعايير لبعض البنى التحتية الرقمية العامة البارزة، كمنظومة "إنديا ستاك"، على هيئة ساعة رملية. ففي الوسط مجموعة نحيلة من المعايير المشتركة ("خصر نحيل") تغطي مجالات كالتحقق الرقمي من الهوية، وبروتوكولات الدفع، وبروتوكولات البرمجيات التي تربط الحواسيب بالبرامج، أي واجهة برمجة التطبيقات، وبروتوكولات الموافقة على البيانات. وفي قاعدة الساعة الرملية طائفة واسعة من التقنيات، وفي أعلاها طائفة واسعة من التطبيقات. وتترابط المعايير الجوهرية في الخصر النحيل في وسط النظام مع قاعدة التقنيات في الأسفل، وتدعم مجموعة التطبيقات في الأعلى.
وثمة حجة قوية لاشتراط انفتاح معايير البنية التحتية الرقمية العامة، لا سيما في الطبقات الجوهرية، أي الخصر النحيل. فلأن البنية التحتية العامة تخدم المصلحة العامة، لا ينبغي أن تقيدها قيود الملكية الفكرية الخاصة أو التقنيات المهيمنة على السوق. ولذلك ينبغي أن تكون معايير هذه البنية مفتوحة، أي متاحة عموماً لجميع المستخدمين المحتملين دون قيود، لا أن تخضع لسيطرة شركة واحدة أو اتحاد واحد قد يفرض رسوم ترخيص أو قيوداً على الاستخدام. وتقوم "سياسات المعايير المفتوحة" على فكرة أن الأنظمة الحكومية الجوهرية، كمنصات الهوية والمدفوعات وتبادل البيانات، لا ينبغي أن تعتمد على برمجيات مملوكة أو أن تتطلب رسوم ترخيص لقابلية التشغيل البيني. غير أن فرض اشتراط صارم بألا تستخدم مكونات البنية التحتية الرقمية العامة سوى معايير مفتوحة بالكامل قد يكون صعباً، لا سيما أن أكثر المعايير تقدماً في بعض المجالات التكنولوجية قد تنطوي على براءات اختراع. والتوافق الناشئ هو أن تتبنى الحكومات نهجاً هجيناً قائماً على المبادئ: استخدام المعايير المفتوحة كلما أمكن، لا سيما للواجهات، مع النظر في التكنولوجيا المملوكة إذا كانت تخدم المصلحة العامة، وضمان ألا يمس أي عنصر مملوك الانفتاح العام للنظام.
وانطلاقاً من نموذج الساعة الرملية للبنية التحتية الرقمية العامة، يضمن الانفتاح في الخصر النحيل، أي الموصلات الحاسمة وتعريفات البيانات، قدرة النظام على التوسع ليشمل مستخدمين إضافيين وبقاءه تنافسياً. ويمكن تطبيق خيارات مرنة، بما فيها العروض المملوكة، فوق الخصر (التطبيقات) وتحته (البنية التحتية)، شريطة أن تظل متوافقة مع النواة المفتوحة. ويقر هذا النهج المتوازن بأن البنية التحتية العامة ينبغي أن تتضمن في جوهرها معايير مفتوحة بحكم تصميمها، مع الاستفادة في الوقت نفسه من أفضل التقنيات المتاحة، مفتوحة كانت أو مملوكة، لتقديم الخدمات، ما دامت هذه التقنيات لا تنشئ جزراً معزولة.
وثمة أيضاً حجة لصالح مجموعة مقتضبة من المعايير الجوهرية. فالحفاظ على عدد صغير من المعايير لنواة مفتوحة يمكن أن يعزز خدمات أكثر ابتكاراً، كتطبيقات التكنولوجيا المالية وحلول التجارة الإلكترونية والخدمات الصحية الرقمية، دون الحاجة إلى اتفاقات منفصلة لكل عملية دمج. كما قد يتيح هذا النموذج التوسع السريع. ففي الهند مثلاً، بدأت مئات المصارف وعشرات تطبيقات الدفع في التشغيل البيني على البنية التحتية الرقمية العامة في البلاد في غضون سنوات قليلة من بعضها، دون أن تحتاج الحكومة إلى تطوير كل تطبيق بنفسها. كما منعت الحكومة الاحتكار بضمان ألا يملك أي مورد بمفرده معيار البنية التحتية الرقمية العامة الجوهرية، بما أبقى حواجز الدخول منخفضة.
ومن السمات المتكررة الأخرى للبنى التحتية الرقمية الناجحة قابلية التشغيل البيني عبر المنصات ومقدمي الخدمات. وينبغي أن يكون من الاعتبارات الرئيسية في كل مستوى من مستويات البنى التحتية الرقمية العامة مدى سهولة استبدال أي مكون. فالتصميم القائم على قابلية الاستبدال يحمي من التقادم التكنولوجي ومن انتهازية الموردين معاً، وهو مبدأ يفضي إلى البنية الوحدوية، أي ممارسة بناء الأنظمة من مكونات وحدوية تترابط باستخدام واجهات معيارية، بما يتسق مرة أخرى مع نموذج الساعة الرملية. وفي مجال المدفوعات، فإن أوضح قصص النجاح بُنيت عن قصد حول قضبان مشتركة للمقاصة والتسوية، أي شبكات للدفع الفوري بقواعد مشتركة، مع منافسة قوية في المنتجات الموجهة للمستهلكين. وفي مجال تبادل البيانات، ورغم أن الترتيبات أحدث عهداً، تكتسب الفلسفة نفسها زخماً. فالبلدان تحدد المعايير المشتركة الرئيسية، أي صيغ البيانات وبروتوكولات التبادل وأساليب الأمن وقواعد الموافقة، التي تشكل الخصر النحيل للساعة الرملية. وحين ترسى هذه المعايير على المستوى الوطني، فإنها تتيح طائفة واسعة من استخدامات تبادل البيانات.
للبنية التحتية الرقمية العامة أثرها: حالة المدفوعات الرقمية
يمكن أن يكون للبنية التحتية الرقمية العامة آثار في مجالات واسعة التنوع، من الرعاية الصحية إلى الزراعة، ومن الخدمات المالية إلى المدفوعات الحكومية. وكثيراً ما تمثل المدفوعات الرقمية الفورية والقابلة للتشغيل البيني المستوى الأكثر تقدماً من البنية التحتية الرقمية العامة في البلدان النامية. فعالمياً، لدى 93 بلداً أنظمة نشطة للدفع الفوري بالتجزئة يديرها مشغلون يعملون للمصلحة العامة. وقد أصبحت قابلية التشغيل البيني لأنظمة الدفع هذه معياراً غير رسمي. ومن أمثلة أنظمة الدفع الفوري في البلدان النامية التي تتيح تحويل الأموال فوراً واجهة المدفوعات الموحدة في الهند، و"بيكس" في البرازيل، ونظاما "سبي" و"كودي" في المكسيك، ونظام الدفع المصرفي عبر الإنترنت في الصين، ونظام التحويل الفوري والمستمر للأموال في تركيا. ويعني النمو الأخير في عدد أنظمة الدفع الفوري أن عددها يفوق اليوم ما كان متاحاً قبل عقد من الزمن، حين كانت البنية التحتية اللازمة لدعمها مقتصرة على بضعة اقتصادات متقدمة. بل إن كثيراً من الأسواق الناشئة تفوقت على نظيراتها الأكثر تقدماً في حجم المعاملات التي تعالجها هذه الأنظمة.
ويمكن لخفض تكاليف المعاملات المتعلقة بالمدفوعات الرقمية أن يعزز الشمول المالي. فمستخدمو واجهة المدفوعات الموحدة في الهند مثلاً أكثر ميلاً بنحو ثلاثة أضعاف إلى الادخار في حسابات رسمية دون تقليص مدخراتهم غير الرسمية. وفي البرازيل، ييسر تبني "بيكس" نشوء علاقات مصرفية جديدة، إذ تفضي زيادة بنسبة 1% في عدد مستخدمي "بيكس" النشطين إلى زيادة بنسبة 0.25% في العلاقات مع مصارف جديدة، وزيادة بنسبة 0.8% في فتح الحسابات المصرفية لأول مرة. كما تؤثر أنظمة الدفع القابلة للتشغيل البيني تأثيراً كبيراً في المنافسة والابتكار في قطاع المدفوعات، وعلى نطاق أوسع في الصناعة المصرفية.
وتمتد الآثار إلى ما وراء النتائج المالية. فبخفض تكاليف المعاملات والحد من عدم تماثل المعلومات، يمكن لأساليب الدفع الكفؤة أن تحسن النتائج في الاقتصاد الحقيقي. ففي الهند مثلاً، شهدت الأسر في المقاطعات التي ترتفع فيها حصة المصارف المشاركة في واجهة المدفوعات الموحدة زيادة أكبر بنسبة 2% في ملكية الأعمال، وارتفاعاً أكبر بنسبة 8% في الدخل بين عامي 2018 و2022، مقارنة بالأسر في المقاطعات ذات الحصص الأدنى. وكانت زيادة القدرة على الاقتراض المحرك الرئيسي لهذا النمو في دخل الأسر والنشاط الريادي، بما يدل على أن سجلات المعاملات عبر أنظمة الدفع الرقمية يمكن أن تكون ضماناً للقروض. ووجود بيانات مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني أمر حاسم لإطلاق هذه الإمكانات. فبفضل واجهة المدفوعات الموحدة، يمكن تبادل بيانات المعاملات المالية للعملاء بين مقدمي الخدمات المالية، بما يعزز المنافسة والابتكار ويفضي إلى توسع الائتمان، أساساً للمقترضين المحرومين من الخدمات المصرفية الكافية والمهمشين.
ما وراء معايير التكنولوجيا: الحاجة إلى سياسات تكميلية
لا تستطيع معايير التكنولوجيا وحدها أن تضمن منظومة رقمية مزدهرة وتنافسية، بل لا بد أيضاً من سياسات داعمة. فإذا فرضت حكومة ما معياراً مفتوحاً للمدفوعات عبر الهاتف المحمول مثلاً، فيجب أن تكون مستعدة أيضاً لمراقبة السوق ومنع السلوك المناهض للمنافسة. فصناع السياسات يحتاجون إلى مراقبة تركز السوق حتى بعد اعتماد المعايير المفتوحة. ولذلك تتدخل سياسة المنافسة، وحوكمة البيانات لضمان التبادل العادل لها، وحماية المستهلك لمنع الانحباس في أنظمة مملوكة عبر متاجر التطبيقات أو الأجهزة. ويتطلب التبادل الفعال للبيانات في البنية التحتية الرقمية العامة معايير فنية، كالبروتوكولات والصيغ وواجهات برمجة التطبيقات المشتركة اللازمة لقابلية التشغيل البيني، وأطراً قانونية، كتلك التي تشمل سياسات الخصوصية والأمن وإدارة البيانات. وتحقيق تبادل للبيانات قابل للتوسع على المستوى الوطني أمر عسير، ويتطلب معالجة المخاوف المتزايدة بشأن خصوصية البيانات.
فضلاً عن ذلك، فإن الخيارات التكنولوجية وحدها لا تضمن النجاح، فالأطر المؤسسية وأطر السياسات هي الأساس الذي يجعل البنية التحتية الرقمية العامة فعالة للتنمية. ويتعين على اقتصادات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية أن ترتب بعناية الخطوات القانونية والتنظيمية وهي تطبق البنية التحتية الرقمية العامة. وينبغي أن تكون البلدان حرة في تبني مناهج تلائم سياقاتها الخاصة، وأن تراعي القيود في قدراتها. ويتطلب تطبيق البنية التحتية الرقمية العامة تنسيقاً بين قطاعات متعددة، كالمالية والاتصالات والرعاية الاجتماعية وغيرها، ولذلك فإن وجود مقر مؤسسي واضح أو هيئة تنسيق أمر جوهري. وفي البلدان الأدنى دخلاً، قد يدعم الشركاء الدوليون في البداية هذا التنسيق الرفيع المستوى لبناء القدرات، لكن من الحاسم إرساء الملكية المحلية، ربما عبر وحدة دائمة للحكومة الإلكترونية أو وزارة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وليس ثمة مخطط واحد يلائم الجميع للبنية التحتية الرقمية العامة، لكن منطق الساعة الرملية الذي يعرضه هذا الموضوع الخاص يمكن أن يكون مبدأً موجهاً. فينبغي لصناع السياسات أن يقيّموا أولاً أي عناصر البنية التحتية سيولد توحيدها أكبر الآثار الشبكية والمنافع العامة. ويرجح أن تنتمي هذه العناصر إلى الخصر النحيل للساعة الرملية، وتشمل أموراً كصيغة وطنية للهوية، ونظاماً لقابلية التشغيل البيني لأنظمة الدفع، ونظاماً للموافقة على تبادل البيانات. ثم ينبغي لهم أن يحددوا المجالات التي يكون فيها التنوع والمنافسة أكثر قيمة من التوحيد، وهذه المجالات أنسب للأطراف، ويمكن أن تشمل أموراً كالتطبيقات الموجهة للمستخدمين والعمليات التجارية الخاصة بكل قطاع. وبإجراء تمييزات من النوع الذي ناقشناه هنا، يمكن للحكومات أن تتجنب الطرفين المتطرفين معاً: الفوضى الناجمة عن الإخفاق في توحيد العناصر الجوهرية، والتوحيد الخانق الناجم عن فرض معايير مفرطة في مجالات أنسب للابتكار المحلي.
