الفصل السادس: المعايير من أجل بيئة أفضل
الرسائل الرئيسية
يمكن للمعايير البيئية أن تدفع التنمية الخضراء، ولكن بشرط أن تكون التحولات اللازمة للامتثال لها ميسورة التكلفة وشاملة. فنحو 99% من سكان العالم يتنفسون هواءً أشد تلوثاً مما تجيزه إرشادات منظمة الصحة العالمية، بما يكلف أرواحاً ويهدر إنتاجية. ومن شأن بلوغ الإرشاد الذي وضعته المنظمة لمستويات الجسيمات الدقيقة التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل (PM2.5) في الغلاف الجوي أن يضيف قرابة عامين إلى متوسط العمر المتوقع عالمياً، لكن تكاليف الامتثال قد تصيب الأسر الفقيرة بأشد ضرر. والموازنة بين الطموح والقدرة على تحمل التكاليف مفتاح الانتقال الأخضر العادل.
لا تستطيع البلدان إدارة ما لا تستطيع قياسه. ففي معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يظل رصد التلوث والكوارث هزيلاً على نحو خطير، إذ لا توفر بيانات موثوقة عن جودة الهواء سوى 4% من الحكومات الأفريقية و7% من الحكومات في آسيا. والاستثمار في البنية التحتية للرصد، من أجهزة الاستشعار إلى الأقمار الصناعية، يحول التهديدات الخفية إلى معلومات قابلة للتصرف.
المعايير الموحدة التي تُفرض على الجميع لا تلائم أحداً على النحو الصحيح. فالنسخ الأعمى للقواعد الدولية للتلوث قد يفرض تكاليف معيقة، في حين تتسبب المعايير المتشرذمة في تسرب التلوث، كما حدث حين دفعت القواعد الأمريكية الأكثر صرامة بشأن البطاريات عام 2009 أنشطة إعادة التدوير إلى المكسيك، فرفعت المعدلات المحلية لانخفاض أوزان المواليد هناك بنسبة 21%. ويمكن للمناهج المنسقة أو المتدرجة، المدعومة بسياسات تكميلية، أن تكبح التسرب وتوزع العبء على نحو أكثر إنصافاً.
الإنفاذ القوي يحول المعايير من وعود على الورق إلى هواء أنظف ومياه أكثر أماناً. فحيث تنمو القدرات يتبعها الامتثال، فقد خفض الإصلاح الذي أجرته الصين على مستوى البلاد لنظام رصد التلوث مستويات الجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي بنسبة 40% في خمس سنوات، فأنقذ آلاف الأرواح. وبناء القدرة على إنفاذ المعايير، عبر المؤسسات المحلية والتكنولوجيا والشفافية، يجعل لكل دولار يُنفق على المعايير البيئية قيمته.
تعمل المعايير البيئية على أفضل وجه حين تُصمم مع مراعاة أهداف أخرى. فالمفاضلات حقيقية، إذ لا يزال ثلث النفايات العالمية يُلقى أو يُحرق في العراء، ولا يحظى التكيف مع تغير المناخ إلا بنسبة 5% من التمويل العالمي. ودمج الأهداف البيئية والاجتماعية والاقتصادية يضمن أن ترفع المعايير الرفاه العام بدلاً من نقل الأعباء من بلد إلى آخر.
التحديات البيئية على مستوى العالم
تولد الأنشطة البشرية والاقتصادية حتماً نفايات واضطرابات، بما يفضي إلى طائفة من القضايا البيئية تتراوح من تلوث الهواء المحلي إلى تلوث المياه والتربة وتدهور الأراضي، وصولاً إلى انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المنتشرة على المستوى العالمي. ولا تقتصر هذه القضايا على تشكيل مخاطر جسيمة على صحة الإنسان، بل تفرض أيضاً تكاليف اقتصادية كبيرة بخفض إنتاجية العمل، وتآكل رأس المال البشري، وزيادة تواتر الحر الشديد والجفاف والفيضانات وفقدان التنوع البيولوجي وشدتها. وتحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بصورة عاجلة إلى اتخاذ خطوات للحد من التلوث والتكيف مع تغير المناخ معاً.
فعلى سبيل المثال، يعيش 99% من سكان العالم في مناطق يتجاوز فيها التلوث إرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن جودة الهواء، وتتركز أعلى المستويات وأسرع الزيادات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتمثل الجسيمات الدقيقة، لا سيما تلك الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري، أكبر خطر صحي بين ملوثات الهواء. وتشير التقديرات إلى أن بلوغ الإرشاد الذي وضعته المنظمة لمستويات هذه الجسيمات، أي 5 ميكروغرامات لكل متر مكعب، قد يزيد متوسط العمر المتوقع عالمياً بمقدار 1.9 سنة، وتجني البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بوجه خاص سنوات من العمر إذا تحسنت جودة الهواء فيها.
ورغم أن الأضرار البيئية الناجمة عن الأنشطة البشرية والاقتصادية تفرض تكاليف كبيرة على الآخرين، فإن أسعار السوق كثيراً ما لا تعكس الآثار السلبية من هذا النوع، المعروفة بالآثار الخارجية. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما يعتمد التكيف الفعال مع تغير المناخ على سلع عامة، كالبنية التحتية القادرة على الصمود والمعلومات الآنية عن المخاطر التي يشكلها تغير المناخ واستراتيجيات التكيف معه، وهي سلع يرجح أن تُوفر بأقل مما ينبغي دون حوافز ملائمة. وتؤكد إخفاقات السوق هذه الدور الحاسم للسياسات العامة في التصدي للتحديات البيئية بفاعلية أكبر.
حجة طبيعية لصالح المعايير البيئية
يمكن للأدوات القائمة على السوق، كضرائب التلوث وإعانات التقنيات القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وللمعايير البيئية على حد سواء أن تعالج التحديات البيئية بمواءمة القرارات الخاصة مع التكاليف الاجتماعية. فالأدوات القائمة على السوق تؤثر في أسعار السلوكيات التي تفاقم التحديات البيئية، بقصد أو بغير قصد، أو التي تساعد البلدان على التخفيف منها أو التكيف معها، في حين تلزم المعايير البيئية المنشآت أو الأفراد باتباع قواعد مقررة تحد من التلوث، وتقلل الضرر، وتفصح عن الانبعاثات للجمهور أو للجهات التنظيمية، وتيسر التكيف مع تغير المناخ.
فمتى تكون المعايير البيئية أكثر فاعلية مقارنة بالسياسات البديلة القائمة على السوق، كالضرائب وتداول الانبعاثات؟ نقطة انطلاق جيدة للإجابة عن هذا السؤال هي أعمال الاقتصادي مارتن وايتزمان، التي تقارن بين التنظيم القائم على السعر والتنظيم القائم على الكمية. فهي تجد أن معايير الانبعاثات التي تضع حدوداً قصوى للانبعاثات قد تكون أكثر كفاءة حين يكون من الحاسم خفض الانبعاثات إلى مستوى محدد، كإبقاء التلوث المحلي دون العتبات التي ثبت أنها تضر بالصحة. وفي المقابل، حين تكون الأولوية لتقليل التكاليف المرتفعة وغير المؤكدة للحد من التلوث، يكون تسعير الانبعاثات أفضل نظرياً لأنه يمنح المنشآت مرونة خفض انبعاثاتها بأقل تكلفة ممكنة. فقد وجدت دراسة في الهند مثلاً أن أسواق التلوث التي تلزم المنشآت بالدفع مقابل الانبعاثات التي تتجاوز الحصص المخصصة خفضت تكاليف امتثال المنشآت بنسبة 11% في المتوسط مقارنة بمعايير الانبعاثات التقليدية، مع تحقيق التخفيضات المطلوبة في الانبعاثات.
غير أن تسعير الانبعاثات كثيراً ما يواجه في الممارسة مقاومة سياسية ويحظى بتأييد شعبي محدود، بما يجعل المعايير بديلاً أكثر جدوى في حالات كثيرة. فضلاً عن ذلك، قد يكون قياس الانبعاثات لأغراض التسعير صعباً جداً إن لم يكن مستحيلاً. فالتسعير المباشر لانبعاثات المركبات مثلاً يتطلب رصداً آنياً مكلفاً جداً لانبعاثات كل سيارة على حدة. وفي المقابل، فإن معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود التي تفرض حداً أدنى لكفاءة الوقود أقل ظهوراً للمستهلكين وأكثر قبولاً من الناحية السياسية، وقد اعتُمدت على نطاق أوسع. وحتى حين تُطبق أدوات التسعير، يمكن للمعايير المتعلقة باشتراطات القياس والإبلاغ أن تؤدي دوراً تكميلياً حاسماً بضمان الشفافية والاتساق في الإنفاذ.
فضلاً عن ذلك، نادراً ما تعمل المعايير بمعزل عن غيرها، فهي في العادة جزء من مزيج سياسات أوسع. فكثيراً ما تكملها مثلاً الإعانات والاستثمارات في تعزيز البنية التحتية للرصد، وتعزيز التقنيات الخضراء والنمو الاقتصادي. كما كثيراً ما تُطبق أدوات قائمة على السوق، كأنظمة التداول والضرائب، لتحقيق المعايير. وتميل المعايير، بما فيها تلك المتعلقة بالمنتجات والقطاعات والمركبات وقوانين البناء وملصقات الأداء، إلى الظهور معاً في مزيج السياسات إلى جانب أدوات أخرى غير قائمة على السوق كمخططات التدقيق والرصد والإبلاغ، وأدوات قائمة على السوق كتعريفات التغذية الكهربائية وضرائب الكربون ومخططات تداول الانبعاثات. ويبرز ذلك إمكانات الجمع بين المعايير وأدوات السياسات الأخرى لزيادة الامتثال والفاعلية الإجمالية معاً.
ويحلل هذا الفصل منهجياً متى تكون المعايير أدوات فعالة للتصدي للتحديات البيئية، وما حدودها، وكيف يمكن للتصميم المدروس للسياسات والإنفاذ الأفضل أن يعززا أثرها.
وضع المعايير البيئية وإنفاذها في الممارسة
الهدف العام للمعايير البيئية هو تعظيم منافع معالجة القضايا البيئية مع تقليل التكاليف التي يتحملها الأفراد والمنظمات الممتثلون لهذه المعايير، مع مراعاة القدرة على الإنفاذ. ولأن المنافع والتكاليف والقدرة على الإنفاذ قد تتفاوت جميعها بحسب السياق المحلي، فقد لا يكون المعيار الموحد للجميع ملائماً.
كيف تضع البلدان المعايير البيئية وتنفذها
نهج من القمة إلى القاعدة: معايير أقوى للحد من التلوث المحلي، يحركها النمو الاقتصادي وما ينجم عنه من تلوث وتحسن القدرة على إدارة القضايا البيئية المحلية
متى تختار البلدان تبني المعايير البيئية؟ في ما يتعلق بالملوثات المحلية، تميل البلدان إلى تبني معايير أكثر صرامة مع نمو اقتصاداتها، بما يسهم في تحسين جودة الهواء، إذ يزداد احتمال تبني البلدان الأعلى دخلاً لمعايير تلوث الهواء وتحسين جودته. ورغم التكاليف الصحية والاقتصادية الكبيرة للتلوث وتغير المناخ، كثيراً ما لا تجعل البلدان القضايا البيئية أولوية، لا سيما البلدان التي تواجه النزاعات أو تكافح لتلبية الاحتياجات الأمنية الأساسية.
غير أن نمطاً مختلفاً يبرز في ما يتعلق بجودة الهواء حين يُنظر إلى البلدان التي تبنت معايير وطنية للجسيمات الدقيقة. فبين هذه البلدان، تميل البلدان الأدنى دخلاً والأعلى دخلاً كلتاهما إلى تبني معايير صارمة نسبياً، في حين تتبنى البلدان المتوسطة الدخل أقلها صرامة. ويبدو أن البلدان لا تتبع، عند وضع معايير التلوث، الإطار الذي عرضه الفصل الثاني للموازنة بين صرامة المعايير وقدرة البلدان على الامتثال لها. بل تتبنى البلدان الأدنى دخلاً والأعلى دخلاً معايير متماثلة الصرامة رغم تفاوت قدرتها على الإنفاذ. فالبلدان الأعلى دخلاً أكثر فاعلية في تطبيق المعايير وإنفاذها، بما يفضي إلى مستويات تلوث أدنى، أما البلدان الأدنى دخلاً فكثيراً ما تكافح لإنفاذ الامتثال، فتظل مستويات التلوث مرتفعة، بما يفضي إلى فجوة امتثال. وفجوة الامتثال، أي الإخفاق في هذه الحالة في استيفاء المعايير الوطنية، أوضح في البلدان الأدنى دخلاً.
وفي حالة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المنتشرة على المستوى العالمي، فإن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد أعلى في البلدان المرتفعة الدخل منها في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وكثيراً ما تواصل الارتفاع مع ازدياد ثراء البلدان. ويعود ذلك إلى أن النمو الاقتصادي يعتمد اعتماداً كبيراً على الطاقة، التي كثيراً ما تُنتج بالوقود الأحفوري. كما أن حوافز البلدان لمعالجة الانبعاثات العالمية أضعف نسبياً من حوافزها لمعالجة التلوث المحلي، إذ إن التخفيف من تغير المناخ له منافع عالمية بينما تُتحمل تكاليفه محلياً. ولتشجيع مشاركة أوسع في جهود معالجة الانبعاثات العالمية، من المهم التأكيد على المنافع المحلية المصاحبة، كتحسن الصحة وجودة الهواء، ووضع آليات تساعد على تحويل المنافع التي تعود على المناخ العالمي إلى قيم نقدية.
نهج من القاعدة إلى القمة: طلب على المعايير وإنفاذ لها يحركهما الوعي العام
إلى جانب ارتفاع مستويات التلوث والحاجة المتصورة إلى تعزيز القدرة على معالجة المشكلات البيئية المحلية الناجمة عن النمو الاقتصادي، يمكن للوعي العام وشكاوى المواطنين أيضاً أن يعززا الطلب على اللوائح البيئية وإنفاذها. فقد وجدت دراسة أنه بعد أن ركّبت السفارات الأمريكية أجهزة لرصد جودة الهواء في مواقعها الدبلوماسية ونشرت علناً بيانات آنية عن تلوث الهواء، انخفضت تركيزات الجسيمات الدقيقة بمقدار يتراوح بين 2 و4 ميكروغرامات لكل متر مكعب، لا سيما في البلدان ذات البنية التحتية المحدودة لرصد هذا التلوث. ويرجح أن يكون تكثيف الجهود الحكومية للحد من التلوث وراء هذا الانخفاض. وفي الصين، ثبت أيضاً أن الشكاوى العامة المقدمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي فعالة في دفع السلطات المحلية إلى عمليات تفتيش أكثر صرامة تساعد على الحد من انتهاكات معايير الانبعاثات وتحسين جودة الهواء.
أهمية الإنفاذ القوي: مشكلة فجوة الامتثال
لا تعتمد المعايير البيئية الفعالة على التصميم السليم فحسب، بل أيضاً على الإنفاذ القوي الذي يتوقف على قدرة كافية على الامتثال. ففي الممارسة، يزداد الامتثال للوائح تلوث الهواء، أي الفرق بين المعايير المقررة قانوناً ومستويات التلوث الفعلية، بارتفاع دخل البلد، بما يدل على أن البلدان الأدنى دخلاً تميل إلى وضع معايير للتلوث لكنها تخفق في إنفاذ الامتثال لها. واتساقاً مع الإطار الموصوف في الفصل الثاني، يمكن للمعايير التي تتجاوز قدرة البلد على الامتثال أن تولد أوجه عدم كفاءة. فالبيانات نفسها تبين أن البلدان التي كانت لديها فجوات امتثال أكبر في معايير تلوث الهواء عام 2010 خفضت التلوث بقدر أقل بحلول عام 2020، حتى مقارنة بنظيراتها في مستويات مماثلة من التنمية والتلوث. فضلاً عن ذلك، أُبلغ عن حالات فساد في سياقات مختلفة رُشي فيها المفتشون لتزوير النتائج بما يجعل الجهات المسؤولة تبدو ممتثلة للمعايير البيئية. كما وُثق أن إنفاذ معايير تلوث المياه تركز على نحو استراتيجي على المنشآت الواقعة عند منبع محطات الرصد، بما أفضى إلى معاملة تنظيمية غير متكافئة وتشوهات اقتصادية.
وفي المتوسط، فإن البلدان ذات الدخل الأعلى، الذي يرتبط أيضاً بقدرة أكبر للدولة، أكثر ميلاً إلى إنفاذ الامتثال للمعايير المتعلقة بجودة الهواء والمياه. ويعود ذلك جزئياً إلى أن المعايير الوطنية تعتمد على المفتشين المحليين لرصد الامتثال وإنفاذ اللوائح، وقد يتعرض الإنفاذ للخلل على المستوى المحلي حين تكون قدرة الدولة ضعيفة. وحين ينجم ضعف قدرة الدولة عن محدودية موارد التفتيش المحلي، ثبت أن التفتيش الموجه أكثر فاعلية في خفض الانبعاثات من التفتيش العشوائي، كما بينت دراسة أجريت في ولاية غوجارات الهندية. فضلاً عن ذلك، يمكن للمقاييس الناشئة للتلوث القائمة على الأقمار الصناعية أن تكون أيضاً مصدراً مستقلاً للتحقق من مصداقية بيانات التلوث المبلغ عنها ذاتياً، المعرضة للتلاعب.
غير أنه حتى مع قدرة قوية للدولة، قد يواجه الإنفاذ المحلي الفعال تحديات حين لا تتسق حوافز الجهات التنظيمية المحلية مع حوافز الحكومة الوطنية. ونتيجة لذلك، يلزم اتخاذ سياسات وجهود تكميلية لتوسيع القدرة على إنفاذ الامتثال. فتلوث المياه مثلاً ينتقل عبر حدود الولايات القضائية، وقد يكون المسؤولون المحليون أقل اهتماماً بالتلوث الذي يتدفق في اتجاه المصب خارج نطاق مسؤوليتهم. وقد وجدت بحوث في البرازيل أن إعادة رسم حدود المقاطعات، التي غيرت المسافة إلى الحدود الواقعة في اتجاه المصب، غيرت مستويات تلوث المياه. فمع كل كيلومتر يقترب فيه النهر من حدود المصب على خريطة معاد رسمها، تبين أن تركيز البكتيريا، مقيساً بالطلب البيوكيميائي على الأكسجين، وهو مؤشر رئيسي للتلوث العضوي في المياه يحدد كمية الأكسجين التي تحتاجها الكائنات الدقيقة لتحليل المادة العضوية، يرتفع بنسبة تتراوح بين 1.5% و3.0%، لأن المعايير تزداد تساهلاً تدريجياً كلما اتجه النهر نحو المصب وعبر الحدود.
لا مكان للاختباء: المقاييس الناشئة للتلوث القائمة على الأقمار الصناعية
رغم وجود شبكات متينة لرصد التعرض للتلوث في كثير من البلدان المرتفعة الدخل، يعيش معظم سكان العالم في مناطق تفتقر إلى بيانات عالية الجودة عن هذا التعرض. فلا توفر بيانات موثوقة عن جودة الهواء سوى 3.7% من الحكومات في أفريقيا، و6.8% في آسيا، و19% في أمريكا اللاتينية.
وبدأت التقنيات الناشئة تسد الثغرات في هذه التغطية. فالتعلم الآلي المطبق على صور الأقمار الصناعية بات يتيح تقدير مستويات التلوث بتفصيل أكبر، بما في ذلك مستويات تلوث الهواء ومؤشرات جودة المياه وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وترصد الأقمار الصناعية التلوث باستخدام أجهزة استشعار متقدمة تقيس كيفية امتصاص المواد المختلفة لضوء الشمس أو عكسها عند أطوال موجية محددة. ويتيح ذلك للعلماء تقدير تركيزات ملوثات كثاني أكسيد النيتروجين، والجسيمات الدقيقة التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل، والميثان، والكلوروفيل، الذي يعد مؤشراً على الإثراء المفرط بالمغذيات ومن ثم علامة على تدهور جودة المياه، من الفضاء وبدقة مكانية عالية تصل إلى أقل من كيلومتر واحد.
غير أنه بالنظر إلى التكنولوجيا الحالية، فالأفضل النظر إلى بيانات الأقمار الصناعية بوصفها مكملة للرصد الأرضي لا بديلاً عنه. فعوامل مثل الغطاء السحابي ومحدودية الدقة الرأسية قد تؤثر في دقة بيانات الأقمار الصناعية على مستوى سطح الأرض، وهو أمر جوهري لتقييم تعرض البشر. ولذلك من المهم مراعاة أخطاء التنبؤ في التقديرات القائمة على الأقمار الصناعية. فضلاً عن ذلك، لا تستطيع بيانات الأقمار الصناعية عموماً أن توفر دقة زمنية ومكانية عالية معاً بالقدر نفسه الذي يوفره الرصد الأرضي المستمر. ويمكن للجمع بين قياسات الأقمار الصناعية والقياسات التي توفرها البنية التحتية الأرضية أن يخفض تكاليف رصد جودة الهواء خفضاً كبيراً وفعالاً.
تطور المعايير مع تغير القدرة على الامتثال ومستويات التلوث
توسيع القدرة على الامتثال
لمعالجة فجوة الامتثال الناجمة عن محدودية قدرة الدولة وعدم اتساق الحوافز المحلية مع حوافز الجهات التنظيمية الوطنية، عملت بلدان كثيرة على توسيع قدراتها على إنفاذ المعايير البيئية بما يتناسب مع طموح هذه المعايير. وعلى وجه الخصوص، ثبت أن التقدم في تقنيات رصد التلوث والإصلاحات المؤسسية فعال في تعزيز القدرة على إنفاذ الامتثال. ففي الصين مثلاً، أدت الأنظمة الآلية لرصد مستويات الجسيمات التي يبلغ قطرها 10 ميكرومترات أو أقل (PM10)، التي بدأ تركيبها عام 2013 وأصبحت تدار مركزياً بحلول عام 2015، إلى زيادة المستويات المبلغ عنها من هذه الجسيمات بنسبة 35%، بما يدل على تراجع التهوين المحلي في الإبلاغ، وأفضت إلى إنفاذ أكبر وتلوث أقل. فضلاً عن ذلك، يمكن لإتاحة بيانات الرصد للجمهور أن تزيد الوعي، وتشجع السلوك التكيفي، وتزيد المساءلة. ومن ثم فإن الأنظمة الشفافة والموثوقة لرصد مستويات التلوث حاسمة للإنفاذ الفعال والحد من التلوث.
غير أن البيانات الشفافة عن التلوث وحدها قد لا تكفي لمعالجة عدم اتساق حوافز الجهات التنظيمية المحلية مع حوافز الحكومات المركزية. فقد تستجيب الجهات التنظيمية مثلاً لبيانات أجهزة رصد التلوث استجابة استراتيجية بتركيز جهود الإنفاذ قرب هذه الأجهزة بدلاً من خفض التلوث على مستوى المدينة بأكملها. وفي المقابل، ثبت أن الإصلاحات المؤسسية فعالة في مواءمة سلوك الجهات التنظيمية المحلية مع الأهداف البيئية الوطنية. ومن الاستراتيجيات في هذا الصدد ربط نتائج الإنفاذ المحلي بحوافز المسار المهني، بجعل الترقيات مشروطة ببلوغ الأهداف البيئية الوطنية مثلاً، أو بمنح أجهزة حماية البيئة الأعلى مستوى سلطة مباشرة على ترقية الجهات التنظيمية المحلية.
كما يمكن للمؤسسات الإقليمية والدولية أن تؤدي دوراً حيوياً في تعزيز التعاون بشأن التحديات البيئية العابرة للحدود الوطنية. فاتفاقية لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية مثلاً توفر إطاراً قانونياً دولياً ومنصة لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة. غير أن تطبيقها لا يزال محدوداً، إذ لا يملك سوى 43 بلداً من أصل 153 بلداً لديها موارد مائية مشتركة ترتيبات عملية تغطي ما لا يقل عن 90% من أنهارها وبحيراتها وطبقات مياهها الجوفية العابرة للحدود.
وأخيراً، ليست كل المعايير البيئية إلزامية، إذ يمكن للمعايير الطوعية أن تساعد على تخفيف مقاومة الصناعة بإتاحة الخيار للمنشآت في الالتزام بالامتثال. وحين تكون هذه المعايير موثوقة ومنفذة جيداً، عبر التحقق من طرف ثالث مثلاً، يمكنها أن تشجع الامتثال، وتجعل الممارسات المسؤولة أمراً مألوفاً، وتفتح النفاذ إلى الأسواق الموجهة نحو الاستدامة. فشهادة الأيزو 14001 مثلاً قد تتيح منافع اقتصادية كالنفاذ إلى الأسواق المنظمة وخفض تكاليف رأس المال، وتجتذب الموظفين ذوي الوعي البيئي. غير أن الأدلة على الأثر البيئي للمعايير الطوعية متباينة، بما يعكس تفاوتاً واسعاً في المعايير والممارسات الأساسية على حد سواء. فبعض الدراسات تجد مكاسب في موائل الغابات والتخفيف من تغير المناخ والتنوع البيولوجي، بينما تفيد دراسات أخرى بتحسينات محدودة فقط. ولذلك ينبغي تبني المعايير الطوعية بحذر وتعزيزها عبر الشفافية والتحقق من طرف ثالث.
تبني المعايير والارتقاء بها
بعد التبني، كثيراً ما تُحدث المعايير البيئية لتعكس التغيرات في مستويات التلوث والقدرة على الإنفاذ. فتايلند مثلاً شددت معيارها الوطني لمستويات الجسيمات الدقيقة عام 2023 لمواءمته على نحو أفضل مع الانخفاضات الملحوظة في التلوث، وإن كانت مستويات هذه الجسيمات في البلاد لا تزال تتجاوز إرشاد منظمة الصحة العالمية البالغ 5 ميكروغرامات لكل متر مكعب. أما دكا في بنغلاديش، التي سجلت باستمرار تركيزات مرتفعة للغاية من الجسيمات الدقيقة، فقد خففت معيارها الوطني، الذي كان أكثر صرامة من الهدف المرحلي الأول للمنظمة البالغ 35 ميكروغراماً لكل متر مكعب، ليطابق المستويات الفعلية في البلاد، وهو ما قد يعكس استمرار عدم الامتثال للمعيار الأكثر صرامة.
وقد وثقت دراسات عديدة أن المعايير حين تطبق بفاعلية يمكن أن تحسن النتائج البيئية تحسيناً كبيراً في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على حد سواء. ففي الولايات المتحدة مثلاً، أفضى قانون الهواء النظيف لعام 1970، الذي وضع حدوداً على مستوى المقاطعات للكميات الإجمالية من الجسيمات العالقة في الهواء، إلى خفض هذه الجسيمات بنسبة 10% في غضون ثلاث سنوات في المقاطعات التي تجاوزت العتبات. وخفضت تعديلات القانون لعام 1990، التي أضافت جسيمات PM10 إلى الملوثات المستهدفة، تركيزات هذه الجسيمات بنسبة تتراوح بين 11% و14%، أي ما بين 7 و9 ميكروغرامات لكل متر مكعب، بين عامي 1990 و2005 في المقاطعات غير الممتثلة. وفي عام 2014، أطلقت الصين "حربها على التلوث"، فأدخلت معايير وطنية لمستويات الجسيمات الدقيقة تُعدل سنوياً، وعززت رصد الهواء والإفصاح عن البيانات ومساءلة المسؤولين. وبحلول عام 2018، انخفضت مستويات الجسيمات الدقيقة في البلاد بنسبة 40%، ومستويات ثاني أكسيد الكبريت بنسبة 65%، ومستويات أول أكسيد الكربون بنسبة 33%. وارتفع الامتثال لمعيار مستويات الجسيمات الدقيقة من 20% من المدن (13% من السكان) عام 2013 إلى 41% من المدن (29% من السكان) بحلول عام 2018.
الفهم الكامل لمنافع التحسينات البيئية وتكاليفها الاقتصادية المرتبطة بها
استخدام معايير بيئية جيدة التصميم لتحفيز القدرة التنافسية وتوليد آثار إيجابية في الاقتصاد
من المخاوف الكبرى لدى البلدان التي تنظر في تبني المعايير البيئية أو تعزيزها أن هذه المعايير قد تزيد تكاليف الامتثال على المنشآت الملوثة، بما قد يقلل قدرتها التنافسية أمام منشآت في أماكن أخرى قد لا تخضع للمعايير نفسها. فقد يُطلب من المنشآت الاستثمار في تقنيات الحد من التلوث أو تغيير عمليات الإنتاج، بما يزيد تكاليفها التشغيلية. وقد وُثقت تكاليف الحد من التلوث وحُددت كمياً على نطاق واسع في قطاعات ملوثة مختلفة. والأهم أن هذه التكاليف قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب عوامل كحجم المنشأة وقدرتها التكنولوجية وهيكل السوق.
غير أن اللوائح الأكثر صرامة لا تقلل دائماً القدرة التنافسية على المدى الطويل. فوفقاً لفرضية بورتر، فإن السياسات البيئية الجيدة التصميم قادرة على تحفيز تحسينات الكفاءة، والتغلب على الجمود في المنظمات، وخفض التكاليف الطويلة الأجل، وتعزيز الابتكار. ويتوقف تحقق هذه الآثار الإيجابية إلى حد كبير على السياق وتصميم السياسات وتنفيذها.
وقد تتاح للبلدان النامية فرصة القفز فوق التقنيات الأقدم الأكثر تلويثاً وتيسير النمو الأخضر، لا سيما في قطاعات كالطاقة والنقل، بالجمع بين المعايير البيئية والسياسات الصناعية الخضراء. ويمكن لهذا النهج أن يكون فعالاً بوجه خاص حين يكون الانتقال المباشر إلى التقنيات الأنظف أكثر فاعلية من حيث التكلفة على المدى الطويل وأكثر اتساقاً مع الميزة النسبية للبلد من تعديل الأنظمة القائمة أو تنظيفها. فالجهود الواسعة النطاق التي بذلتها الصين لتعزيز إنتاج المركبات الكهربائية وتبنيها مثلاً لم تقتصر على خفض تلوث الهواء المحلي وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بل مكنت البلاد أيضاً من القفز فوق تقنيات محركات الاحتراق الداخلي التي هيمنت عليها تقليدياً ألمانيا واليابان والولايات المتحدة. ونتيجة لذلك استأثرت الصين بقرابة 70% من المبيعات العالمية للمركبات الكهربائية عام 2023.
ويحقق خفض التلوث منافع تتجاوز التحسينات الصحية. فهو قادر على تعزيز إنتاجية العاملين، ورفع رأس المال البشري كما ينعكس في درجات الاختبارات الموحدة ونتائج سوق العمل كالدخول، وزيادة قيم المساكن عبر تحسين المرافق البيئية، وجعل المناطق أكثر جاذبية للعمالة الماهرة. وتتفاوت هذه المنافع بحسب عوامل كالكثافة السكانية والتركيبة الديمغرافية والهيكل الاقتصادي والمستويات الأساسية للتلوث. فالمناطق الحضرية العالية الكثافة مثلاً قد تحقق مكاسب صحية أكبر لكل وحدة تلوث يتم خفضها مقارنة بالمناطق القليلة السكان.
ولذلك من المهم فهم منافع التحسينات البيئية وتكاليفها الاقتصادية المرتبطة بها. فالقضايا البيئية، لا سيما التخفيف من تغير المناخ الذي يفرض تكاليف عالمية لا محلية فحسب، ليست من الناحية الواقعية أولوية قصوى للبلدان المنخفضة الدخل التي لا تزال تكافح الفقر، والأهم لهذه البلدان إيلاء الأولوية للتكيف مع تغير المناخ، لأن تغير المناخ قد يفضي إلى خسائر اقتصادية محلية كبيرة. أما بلدان كثيرة متوسطة الدخل، فيمكنها على الجانب الآخر أن تحقق منافع اقتصادية بمعالجة القضايا البيئية. والتحدي هو الفهم الكامل للتكاليف والمنافع، وتصميم سياسات بيئية تلائم السياقات المحلية بعناية، بدلاً من التعامل مع هذه القضايا بوصفها شواغل معزولة. كما يتسق تكييف هذه السياسات مع السياق المحلي مع مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات الخاصة بكل طرف، الذي أرسته اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لعام 1992 في قمة الأرض في ريو. ويقر هذا المبدأ بأن البلدان تتقاسم المسؤولية عن معالجة تغير المناخ، لكن المسؤوليات والقدرات تختلف، ويُتوقع من البلدان المرتفعة الدخل أن تتولى زمام القيادة.
معالجة مسألة تسرب الانبعاثات عبر التنسيق بين الولايات القضائية
يمكن لوضع المعايير عند مستويات مختلفة بين المناطق أن يساعدها على عكس التفاوتات المحلية في تكاليف خفض التلوث ومنافعه. غير أن هذا النهج يُدخل ظاهرة تسرب الانبعاثات، حيث تنتقل الأنشطة أو المنتجات الملوثة إلى ولايات قضائية ذات معايير أضعف. وحين يفاقم تسرب الانبعاثات النتائج البيئية، فإنه يقلل الفاعلية الإجمالية لجهود الحد من التلوث. فضلاً عن ذلك، تواجه البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي كثيراً ما تكون لوائحها البيئية أقل صرامة، خطر التحول إلى "ملاذات للتلوث"، بما قد يفاقم أوجه عدم المساواة العالمية في جودة البيئة. وتبرز هذه المخاوف الحاجة إلى التنسيق بين الولايات القضائية لضمان فاعلية المعايير البيئية وإنصافها معاً.
فعلى سبيل المثال، تُتداول عالمياً أحجام هائلة من النفايات البلاستيكية، بلغت 6.66 مليون طن عام 2022 وحده، وكثيراً ما تُشحن من البلدان المرتفعة الدخل إلى البلدان الأدنى دخلاً لإعادة تدويرها أو التخلص منها. ولا تعكس الأسعار المدفوعة مقابل هذه النفايات عادة تكاليفها الاجتماعية والبيئية الكاملة، ويعود ذلك جزئياً إلى افتقار البلدان المتلقية إلى معايير بيئية كافية لإدارة النفايات. ونتيجة لذلك تتحمل هذه البلدان على نحو غير متناسب العبء البيئي لنفايات تولدت في أماكن أخرى دون تعويض عادل.
ويمكن للسياسات التكميلية أن تساعد على الحد من تسرب الانبعاثات، وهو موضوع تتناوله الأقسام اللاحقة بمزيد من التفصيل. فضلاً عن ذلك، ومع تطور البلدان المستوردة للانبعاثات، قد لا تبقى متلقية سلبية، بل قد يدفعها تسرب الانبعاثات إلى تبني لوائح بيئية أكثر صرامة، فتقلل التسرب.
والأهم أن ليس كل تسرب يفضي إلى نتائج بيئية أسوأ، فالسياق هو الأساس. فالمركبات المستعملة المصدرة من الولايات المتحدة إلى المكسيك مثلاً كثيراً ما تكون أنظف تشغيلاً من الأسطول المحلي في المكسيك، بما يخفض متوسط انبعاثات البلاد لكل ميل. غير أنه لأن هذه المركبات تميل إلى البقاء قيد الاستخدام مدة أطول في المكسيك، فقد تزيد انبعاثاتها على مدى عمرها. وعلى نحو مماثل، فإن اشتراطات الموقع التي تلزم الصناعات الملوثة بالانتقال من المناطق الكثيفة السكان إلى مناطق أقل ازدحاماً قد تحسن جودة الهواء المحلي في مواقع هذه الصناعات الأصلية أو بالقرب منها، وإن كانت المنشآت قد تتكبد تكاليف أعلى في مواقعها الجديدة.
المعايير الخاصة بتلوث الهواء المحلي والنفايات الصلبة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتكيف مع تغير المناخ
ثمة أنواع متعددة من المعايير البيئية، يعالج كل منها التحديات البيئية بطريقة متمايزة، بما يجعل أنواعاً معينة أنسب وأكثر فاعلية بحسب السياق. فمعايير القياس يمكن أن توفر المعلومات بوصفها سلعة عامة. والأهداف الوطنية، كالمعايير الوطنية لجودة الهواء، تضع غايات شاملة توجه وضع السياسات والإجراءات التنظيمية. ومعايير التكنولوجيا، كحظر المعدات القائمة على الوقود الأحفوري أو التخلص التدريجي منها، تعزز مباشرة تبني التقنيات الأنظف. أما معايير الأداء، بما فيها اشتراطات كفاءة الطاقة أو معايير الانبعاثات، فتنظم النتائج البيئية مع إتاحة المرونة في طريقة تحقيقها. ويتناول هذا القسم معايير بيئية محددة تهدف إلى معالجة تحديات تتراوح من تلوث الهواء والمياه المحلي، إلى النفايات الصلبة التي تسبب تلوثاً محلياً ومنتشراً، وصولاً إلى انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الشديدة الانتشار. كما يستكشف دور المعايير في إتاحة التكيف مع تغير المناخ. ويركز النقاش على الآثار المحددة لهذه المعايير، ويحدد السياقات التي تطبق فيها بأقصى فاعلية، ويقدم توصيات سياسات لتطبيقها العملي.
معايير تلوث الهواء المحلي
وضع الأهداف الشاملة: معايير جودة الهواء المحيط المرتبطة بالمكان
يمكن للحكومات أن تضع معايير لجودة الهواء المحيط أساساً للوائح بيئية أوسع، كثيراً ما تسترشد بإرشادات منظمة الصحة العالمية لكنها تُكيف لمراعاة التكاليف والمنافع المحلية. وتستهدف هذه المعايير النتائج البيئية الإجمالية دون فرض تقنيات محددة، بما يوفر مرونة محلية. فالسياسة الوطنية لجودة الهواء في البرازيل لعام 2024 مثلاً تضع حدوداً للتلوث على مستوى البلاد بموجب القانون الاتحادي رقم 14850 لسنة 2024. غير أنه بدون إنفاذ محلي قوي قد تتفاوت النتائج، ولذلك كثيراً ما تقترن معايير جودة الهواء المحيط بتدابير أخرى.
ومع ذلك يمكن للمعايير المرتبطة بالمكان أن تتسبب أيضاً في تسرب الانبعاثات، إذ قد تخسر المناطق ذات المعايير الأكثر صرامة إنتاجاً لصالح المناطق الأقل تنظيماً. ففي الصين، عوّض هذا التسرب ما يصل إلى 60% من التخفيضات في الانبعاثات المحلية التي تحققت باستخدام هذه المعايير. وعلى نحو مماثل، أدت المعايير الأمريكية الأكثر صرامة للتخلص من الرصاص عام 2009 إلى زيادة صادرات البطاريات إلى المكسيك، وزيادة بنسبة 21% في انخفاض أوزان المواليد قرب مصانع إعادة التدوير.
فضلاً عن ذلك، حين يصعب قياس مستويات التلوث، قد يكون وضع معايير لجودة الهواء أمراً عسيراً. فتلوث الهواء داخل المنازل مثلاً نادراً ما يخضع للتنظيم لصعوبة رصده، لكنه يضر النساء على نحو غير متناسب في بلدان مثل إثيوبيا وأوغندا حيث تُستخدم أنواع شديدة التلويث من وقود الطهي. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون تعزيز الوقود النظيف والحد من حواجز تبني المعايير أكثر فاعلية.
تصميم معايير قابلة للإنفاذ على أساس القدرة على الامتثال: معايير التكنولوجيا في مقابل معايير الأداء
تضع المعايير الوطنية لجودة الهواء أهدافاً عامة، لكنها كثيراً ما تصحبها أدوات أكثر عملية كمعايير التكنولوجيا أو الأداء. فمعايير التكنولوجيا تفرض استخدام تقنيات محددة أو تحظره، كالمحولات الحفازة أو الفحم، بما ييسر الإنفاذ حين تتوافر حلول مجربة، كما يقل تأثر هذا النوع من المعايير بالتلاعب ببيانات الانبعاثات. أما معايير الأداء فتضع عتبات للانبعاثات أو الكفاءة، وتتيح للمنشآت مرونة في طريقة الامتثال لها.
فقانون الهواء النظيف الأمريكي مثلاً اشترط تزويد السيارات المصنعة بعد عام 1975 بمحولات حفازة، فخفض الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 50% و99% لكل ميل. وفي الهند، ثبت أن الاشتراطات المماثلة للمحولات الحفازة خفضت معدلات وفيات الرضع، في حين كان للمعايير العامة لجودة الهواء أثر ضئيل في هذه المعدلات. وحين تستطيع الشركات الاختيار بين عدة تقنيات للحد من التلوث، قد تكون معايير الأداء أكثر فاعلية. فمعايير الاقتصاد في استهلاك الوقود تضع حدوداً دنيا للأميال المقطوعة لكل غالون من الوقود بدلاً من تحديد تصميم المحرك، وقد تبنتها البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على حد سواء. وكثيراً ما تقيس معايير الانبعاثات الصناعية التلوث لكل وحدة إنتاج، بما يتيح للشركات اختيار أكثر الطرق فاعلية من حيث التكلفة لاستيفاء الاشتراطات.
وكثيراً ما تحدد البلدان صرامة معايير الأداء باستخدام تحليل التكلفة والعائد، فتقارن تكاليف الامتثال، كارتفاع النفقات المتعلقة بإنتاج المركبات أو امتلاكها، بالمنافع المحتملة كتوفير الوقود والتحسينات البيئية. غير أن معايير الأداء الموحدة قد لا تلائم جميع البلدان، لأنها تغفل الفروق في الظروف الاقتصادية والجاهزية التكنولوجية. فضلاً عن ذلك، حين تكون تكاليف الامتثال غير مؤكدة، قد تكون معايير الأداء الثابتة مفرطة الصرامة في السياقات ذات التكاليف المرتفعة.
غير أن معايير الأداء، حين تُصمم وتُنفذ بفاعلية، قادرة على خفض الانبعاثات خفضاً كبيراً. ففي الصين، خفضت الحدود الأكثر صرامة لثاني أكسيد الكبريت الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 39% بين عامي 1998 و2010، وأدى تبني جاكرتا عام 2018 لمعايير الانبعاثات "يورو 4"، التي وضعت معايير أكثر صرامة لانبعاثات المركبات من الملوثات المختلفة، إلى انخفاض انبعاثات أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون بنسبة 58% و49% على التوالي. كما تحفز معايير الأداء الابتكار، فتدفع نمو براءات الاختراع في تقنيات الحد من التلوث وتبني هذه التقنيات في البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل.
وعند تصميم معايير التكنولوجيا أو الأداء، من الحاسم تبني منظور ديناميكي، لا سيما حين تنطبق المعايير على أصول طويلة العمر. فمحطات الطاقة العاملة بالفحم مثلاً قد تظل قيد التشغيل لمدة تتراوح بين 30 و50 عاماً، بما يولد آثار انحباس تؤخر الانتقال إلى البدائل الأنظف. وفي مثل هذه الحالات، إذا كان التعديل أغلى من بناء مرافق جديدة، فقد تكون لقرارات الاستثمار المبكرة عواقب طويلة الأمد. ويمكن للاشتراطات الاستشرافية المتعلقة بالتكنولوجيا أن تساعد على توجيه الاستثمار نحو الخيارات الأنظف منذ البداية. فضلاً عن ذلك، يمكن للحد من عدم اليقين بشأن تبني معايير الأداء وإنفاذها قبل القيام بالاستثمارات الطويلة الأجل أن يؤثر تأثيراً كبيراً في الخيارات التكنولوجية وما يرتبط بها من نتائج على صعيد التلوث.
غير أن معايير التكنولوجيا والأداء كلتيهما تنطويان على تكاليف اقتصادية. ففي بعض الحالات، قد ترفع أسعار المنتجات، وتخفض إنتاجية المنشآت، وتخل بأسواق العمل، بما يتطلب تقييماً دقيقاً. فقد ارتفعت أسعار الكهرباء في الولايات المتحدة مثلاً بنسبة 11% بعد تطبيق معايير محافظ الطاقة المتجددة، وقد تزيد ضوابط التلوث في محطات الفحم الهندية تكاليف التوليد بنسبة تتراوح بين 9% و25%. وخفضت المعايير الأكثر صرامة الإنتاجية بنسبة 4.8% في المصانع الملوثة في الولايات المتحدة، وبنسبة 24% في المنشآت الملوثة في الصين. كما تسبب إغلاق محطات الفحم في خسائر دائمة في دخول عمال المناجم الأمريكيين. ويمكن للسياسات التكميلية، كإعانات الطاقة والسندات الخضراء والتدريب الوظيفي الموجه، أن تساعد على تعويض هذه التكاليف ودعم انتقال عادل.
وأخيراً، قد يحدث تسرب الانبعاثات حين لا تنطبق معايير التكنولوجيا أو الأداء إلا على أجزاء من السوق. فمعدات الفحم المحالة على التقاعد مثلاً قد تُصدر إلى بلدان ذات لوائح أضعف من لوائح البلد المصدر، فتنتقل الانبعاثات إلى الخارج. وفي الولايات المتحدة، رفعت اشتراطات كاشتراط المحولات الحفازة ومعايير الاقتصاد في استهلاك الوقود في المركبات الجديدة تكاليفَ هذه المركبات، فدفعت بعض الناس إلى الاحتفاظ بسياراتهم الأقدم الأكثر تلويثاً مدة أطول، بما عوّض المكاسب البيئية. ويمكن للتدابير التكميلية، كحوافز التخريد أو الرسوم الأعلى على المركبات الأقدم، أن تساعد في هذا الصدد، وإن كانت قد تثقل كاهل الأسر المنخفضة الدخل. كما يمكن لسياسات مماثلة أن تعزز المعايير في مجال تلوث المياه.
تعزيز الاستخدام الآمن والكفء للمياه عبر المعايير والسياسات التكميلية
يجعل تنامي التحضر وتغير المناخ الحاجة إلى الاستخدام الآمن والكفء للمياه أكثر إلحاحاً. فالمياه الملوثة وقصور الصرف الصحي يسهمان إسهاماً كبيراً في انتقال الأمراض، ومنها الكوليرا وأمراض الإسهال، وقد يزيدان الوفيات الناجمة عن سرطانات الجهاز الهضمي. وتنشأ أشكال التلوث من مصادر متنوعة، منها النفايات الصناعية والأنشطة الزراعية وتسرب المياه السطحية المحملة بمسببات الأمراض إلى المياه الجوفية بسبب ضعف البنية التحتية. فضلاً عن ذلك، فإن فقدان المياه في شبكات التوزيع والاستخدام غير الكفء، في مجالات كالري أو الصناعة، يهدر الموارد في وقت تتزايد فيه ندرتها.
وتؤدي المعايير والسياسات التكميلية دوراً حاسماً في معالجة هذه التحديات بوضع مرجعيات واضحة للسلامة والكفاءة والرصد والمساءلة. وإدراكاً لأهمية مكافحة تلوث المياه، كان 103 بلدان من أصل 125 بلداً شملها مسح لمنظمة الصحة العالمية قد تبنت بحلول عام 2019 معايير وطنية للبكتيريا القولونية البرازية.
ومع ذلك يظل تحسين جودة المياه صعباً بسبب انخفاض وضوح تلوث المياه نسبياً مقارنة بتلوث الهواء، وتعقيد قياسه. فرصد مياه الشرب صعب بوجه خاص، إذ يتطلب اختباراً على مستوى الأسر ومراعاة التلوث في أنابيب التوزيع.
وقد ثبت أن سياستين تكميليتين تعززان فاعلية معايير تلوث المياه تعزيزاً كبيراً. أولاً، الاستثمار العام التكميلي، كتمويل البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف، الذي يمكن أن يخفض تكاليف الامتثال على الملوثين ويزيد الامتثال للمعايير. غير أن هذه الاستثمارات قد تكون باهظة التكلفة، فقد استثمرت الولايات المتحدة مثلاً 650 مليار دولار أمريكي (بأسعار عام 2014) في هذه البنية التحتية بين عامي 1972 و2001.
ثانياً، الإنفاذ القوي والوعي العام، بما في ذلك الاستثمار في تقنيات الرصد وزيادة الشفافية، اللذان يمكن أن يعززا المساءلة ويزيدا الامتثال. وفي المقابل، حيث يكون الإنفاذ ضعيفاً ومشاركة القطاع العام محدودة، قد تخفق معايير تلوث المياه في تحقيق تحسينات ذات معنى في جودة المياه.
ويمكن للمعايير التي تشجع تقنيات توفير المياه وأنظمة رصد الفاقد في شبكات التوزيع أن تعزز الاستخدام الكفء للمياه. كما يمكن للحملات العامة والتحفيزات السلوكية والحوافز المالية أن تزيد الوعي وتعزز الحفاظ على المياه على جانب المستهلكين.
معايير النفايات الصلبة غير المحددة المصدر
يمكن للنفايات الصلبة البلدية، أي النفايات التي تولدها الأسر والمنشآت والمؤسسات، أن تؤثر في تلوث الهواء والمياه والتربة إذا أسيئت إدارتها. فمن بين ما يقدر بنحو 2.24 مليار طن من النفايات المولدة في أنحاء العالم عام 2020، أدير نحو 37% منها عبر شكل من أشكال الطمر، وأعيد تدوير 13.5%، وحُول 5.5% إلى سماد، وأُحرق 11% في محارق، وأُلقي 33% أو أُحرق في العراء. والنفايات التي يساء التعامل معها فتُلقى مباشرة على الأرض أو تُحرق قد تلوث الأراضي أو المياه، أو تفاقم الفيضانات إذا سدت القنوات والمجاري المائية، أو تسبب تلوث الهواء، أو تدعم انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل، أو أي مزيج من ذلك.
وخلافاً لتلوث الهواء والمياه الصادر عن مصادر منفردة يمكن تحديدها، تنشأ النفايات الصلبة البلدية، بوصفها نوعاً من التلوث غير المحدد المصدر، من مصادر كثيرة متفرقة، بما يجعل تتبعها وإدارتها صعباً. ونتيجة لذلك تؤدي الحكومات دوراً جوهرياً في توفير السلع العامة لتيسير إدارة النفايات، وفي وضع معايير وسياسات شاملة لمواءمة حوافز مختلف الفاعلين والتنسيق في سلسلة قيمة النفايات لإدارتها جماعياً. والهدف ليس الحد من النفايات التي يساء التعامل معها فحسب، بل كبح توليد النفايات أيضاً.
وعادة ما توضع معايير إدارة النفايات الصلبة البلدية على المستوى الوطني، ثم تُنقح وتُطبق على المستوى المحلي، بدءاً من معايير توليد النفايات وجمعها إلى معايير معالجتها والتخلص منها. ورغم أن المعايير الدنيا المنشودة هي الجمع الشامل للنفايات والتخلص الآمن منها، فإن تقديم الخدمات سيختلف بحسب السياق المحلي. ففي تيكيبايا في بوليفيا مثلاً، تُجمع النفايات مرتين أسبوعياً، ويرن جرس ينبه السكان إلى إحضار قمامتهم مباشرة إلى شاحنة الجمع، وهو نهج يلائم شوارع البلدة الضيقة وأرصفتها المحدودة.
وتضع بلدان كثيرة معايير لإدارة النفايات بعد جمعها لتنسيق الفاعلين على امتداد سلسلة القيمة. فقد طبق مشروع للبنك الدولي في نينغبو في الصين، خلال الفترة من 2013 إلى 2020، نظاماً لجمع أنواع معينة من النفايات منفصلة عن غيرها، مع مدفوعات قائمة على النتائج تمنح السكان حافزاً لاتباع معايير الفرز. وأتاح ذلك للبلدية، عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص، معالجة المواد العضوية غير الملوثة باستخدام هاضم لاهوائي جديد، بما ولد 29000 متر مكعب من الغاز الحيوي يومياً، ورفع المواد الجافة القابلة لإعادة التدوير إلى 71600 طن سنوياً. وأسفر المشروع عن خفض انبعاثات الكربون بمقدار 1.94 مليون طن.
ويمكن نقل النفايات الصلبة والاتجار بها. وفي بعض الحالات، يكون تصدير النفايات أكثر فاعلية من حيث التكلفة من معالجتها محلياً، بما يخلق سوقاً عالمية. ونتيجة لذلك قد تكون لمعايير إدارة النفايات في بلد ما آثار عابرة للحدود. والمعايير المصممة لتلائم الاحتياجات المحلية قد لا تلائم سياقات أخرى، بما يبرز الحاجة إلى التنسيق الدولي.
غير أن المعايير وحدها لا تكفي لتمكين البلدان من إدارة النفايات بفاعلية. فالسياسات التكميلية التي تحدد بوضوح المسؤولية عن إدارة النفايات يمكن أن تعزز المساءلة وتحسن الممارسات الإجمالية لإدارة النفايات. فمخططات المسؤولية الممتدة للمنتج مثلاً تلزم الشركات بتحمل المسؤولية المالية والتشغيلية عن إدارة نفايات منتجاتها بعد استهلاكها. وتحدد هذه المخططات بوضوح الجهة المسؤولة عن إدارة النفايات، بما يساعد على منع ظاهرة الراكب المجاني بين مختلف الفاعلين في سلسلة الإمداد. كما تشجع التصميم الواعي بيئياً، كتقليل التغليف أو زيادة قابلية المنتجات لإعادة التدوير بجعلها أسهل في إعادة الاستخدام، بما يساعد على الحد من النفايات في مرحلة التصميم.
معايير التلوث في النفايات الصلبة ودورها في تشكيل التجارة العالمية
التجارة العالمية في النفايات الصلبة واسعة، ويمكن أن تخفف الأعباء المحلية المتعلقة بالتخلص من النفايات، لكنها تنطوي على خطر تسرب التلوث، لا سيما حين تُرسل النفايات إلى بلدان ذات معايير بيئية أضعف من معايير البلد المصدر. فمنذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، تزايدت صادرات البلدان المرتفعة الدخل من النفايات البلاستيكية إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وقبل عام 2018، كانت الصين وحدها تستقبل أكثر من 55% من النفايات البلاستيكية المصدرة عالمياً، يقدر أن 70.6% منها كان يُطمر أو يساء التعامل معه، كأن يُلقى أو يُحرق في العراء أو يُعالج على نحو غير سليم يلحق الضرر بالبيئة.
وتنظم المعايير تركيبة اللدائن المستوردة لمعالجة الأضرار البيئية الناجمة عن واردات النفايات البلاستيكية. فاتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، المعتمدة عام 1989، أرست الممارسات المتوقعة لإدارة النفايات البلاستيكية، بما فيها الاشتراطات الدنيا لمرافق المعالجة والتخلص، التي تحكم التجارة من البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى البلدان غير الأعضاء فيها.
وفي عام 2018، أدخلت "عملية السيف الوطني" في الصين معياراً صارماً بشأن التلوث، يقصر المواد غير المستهدفة في النفايات البلاستيكية، كبقايا الطعام وغيرها، على 0.5%، وهو ما حظر فعلياً الواردات من اليابان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وانخفضت التجارة العالمية في النفايات البلاستيكية بأكثر من 40% بين عامي 2017 و2018، وواصلت الانخفاض حتى عام 2023. وأطلق ذلك تحولاً في مسارات التجارة نحو جنوب شرق آسيا، إذ ارتفعت واردات ماليزيا من النفايات البلاستيكية من 176000 طن إلى 900000 طن بين عامي 2012 و2018، وواردات تركيا من 65000 طن إلى أكثر من 650000 طن بين عامي 2013 و2024. واستجابة لذلك، فرضت تايلند قيوداً تدريجية بلغت ذروتها بحظر كامل عام 2025. وعلى نحو مماثل، شددت ماليزيا قيودها على واردات النفايات البلاستيكية، فانخفضت وارداتها منها إلى أقل من 335000 طن عام 2019.
وإلى جانب إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية، كانت لعملية السيف الوطني تداعيات لافتة على المناخ. فمع معاناة البلدان المرتفعة الدخل في إدارة أحجام أكبر من النفايات البلاستيكية محلياً، لجأ كثير منها إلى الحرق في المحارق، وهو خيار أكثر كثافة كربونية من طمر النفايات البلاستيكية أو إعادة تدويرها. ونتيجة لذلك، تضمن الأثر الصافي القصير الأجل لحظر الاستيراد الذي فرضته العملية ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بمعالجة النفايات البلاستيكية.
وتبرز تجربة عملية السيف الوطني التحدي الأوسع لتسرب الانبعاثات في الإدارة العالمية للنفايات البلاستيكية. وللحد من هذا التسرب، تحتاج البلدان إلى الاستثمار في البنية التحتية لخفض التكاليف الحدية لمعالجة النفايات، كمرافق الطمر وإعادة التدوير، وتقديم حوافز لإعادة التدوير أو تعزيزها، والحد من توليد النفايات البلاستيكية من المصدر. وفي الوقت نفسه، فإن التنسيق الدولي أمر جوهري لمواءمة المعايير، وإدارة التدفقات التجارية، والتفاوض على سياسات تقلل الاضطرابات البيئية والمناخية عبر الحدود.
معايير التخفيف من انبعاثات الكربون المنتشرة على المستوى العالمي
رغم أن البلدان الأكثر ثراءً تسجل انبعاثات أعلى للفرد، فإن تزايد الانبعاثات من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أسهم أيضاً في النمو العالمي لانبعاثات الكربون، بما يجعل التعاون بين كبار المطلقين للانبعاثات أمراً حاسماً. ويهدف اتفاق باريس لعام 2015، الذي اعتمده 196 طرفاً، إلى حصر الاحترار في مستوى أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع بذل الجهود لإبقائه دون 1.5 درجة مئوية. ويتحقق ذلك عبر تعهدات خاصة بكل بلد باتخاذ إجراءات مناخية محددة ووضع أهداف لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تعرف بالمساهمات المحددة وطنياً. غير أن من التحديات الكبرى أمام الالتزام بخفض الكربون أن منافع التخفيف عالمية بينما تكاليفه محلية، لا سيما بالنسبة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل المعتمدة على الوقود الأحفوري، الذي شكل 75.7% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالمياً عام 2021. ولتوسيع المشاركة في الاتفاق، من الحيوي التأكيد على المنافع المحلية المصاحبة، كتحسن الصحة وجودة الهواء، ووضع أدوات تحول المكاسب العالمية في مجال المناخ إلى قيم نقدية.
البلدان المرتفعة الدخل: قيادة الجهود
تميل البلدان الأعلى دخلاً إلى استحداث عدد أكبر من المعايير المتعلقة بالمناخ، وفي وقت أبكر مما تفعله البلدان المنخفضة الدخل. وقد تبنى كثير منها مزيجاً واسعاً من السياسات، يشمل تسعير الكربون ومعايير كتلك التي تشترط محافظ للطاقة المتجددة. غير أن البلدان الأدنى دخلاً اليوم تميل إلى تبني معايير أكثر مما تبنته البلدان الأعلى دخلاً حين كانت في مستويات مماثلة من التنمية. فضلاً عن ذلك، تميل البلدان المرتفعة الدخل إلى تبني عدد أكبر من المعايير المتعلقة بالمناخ مع ازدياد التكاليف الإجمالية للكوارث، وقد أثرت تكاليف الكوارث في عدد هذه المعايير لديها أكثر مما أثرت في البلدان الأدنى دخلاً.
ويبدو أن كثيراً من المعايير المبكرة المتعلقة بالمناخ في البلدان المرتفعة الدخل لم يكن الدافع إليها في البداية المناخ، بل استُحدثت لمعالجة شواغل كأمن الطاقة أو تلوث الهواء أو التحديث الصناعي، ثم تطورت تدريجياً إلى أدوات أشمل للتخفيف من تغير المناخ تتضمن أدوات قائمة على السوق. غير أن الصدمات المناخية، كالظواهر الجوية المتطرفة، لا تترجم باستمرار إلى معايير أقوى ما لم تُوجه ردود أفعال البلدان عبر أنظمة سياسية مستجيبة وأطر مؤسسية.
ومقارنة بالمعايير، يعالج تسعير الكربون مباشرة الأثر الخارجي لانبعاثات الكربون بجعل الملوثين يدفعون ثمن انبعاثاتهم. ولا يتطلب من الجهات التنظيمية امتلاك معلومات خاصة عن تكاليف الحد من الانبعاثات لدى المنشآت، لأن المنشآت تستطيع اختيار استراتيجيتها المفضلة للحد منها. وحتى عام 2025، غطت أدوات تسعير الكربون 28% من الانبعاثات العالمية، منها 27% في البلدان المرتفعة الدخل و30% في البلدان المتوسطة الدخل، ولم يتبن أي بلد منخفض الدخل أو ذي دخل متوسط أدنى هذه الأدوات حتى الآن. فضلاً عن ذلك، يمكن استخدام إيرادات تسعير الكربون لتمويل سياسات تكميلية، كإعانات تطبيق التقنيات المنخفضة الكربون، لدعم انتقال أكثر إنصافاً وفاعلية إلى الاقتصاد الأخضر.
غير أن المعايير لا تزال تؤدي دوراً حاسماً في التخفيف من تغير المناخ. فإشارات الأسعار وحدها قد لا تكفي لإحداث التغيير في جميع القطاعات. ففي القطاع السكني مثلاً، كثيراً ما تقيد فجوات المعلومات وعوائق التمويل والنفور من المخاطرة والجمود السلوكي تبني التقنيات الموفرة للطاقة كالمضخات الحرارية. كما يواجه المبتكرون عدم يقين بشأن الطلب المستقبلي، قد لا يعالجه تسعير الكربون وحده. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للمعايير أن تفرض الإجراءات وتساعد على التغلب على إخفاقات التنسيق، فتعزز فاعلية تسعير الكربون.
كما أن معايير قياس جهود التخفيف من الكربون جوهرية لضمان المصداقية وإطلاق التمويل للتدابير المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ. فأسواق أرصدة الكربون تتيح للمنشآت في البلدان المرتفعة الدخل شراء أرصدة متولدة من أنشطة التخفيف في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل سبيلاً لتعويض انبعاثاتها، بما قد يوفر مسارات أقل تكلفة لخفض الانبعاثات العالمية. غير أن فاعلية هذه الأسواق تتوقف على القياس الدقيق للتخفيضات الفعلية في الانبعاثات التي حققتها أنشطة التخفيف. ويمكن لتحديات كالإضافية، أي منح الأرصدة لأنشطة كانت ستحدث في جميع الأحوال، والتسرب، أي انتقال الانبعاثات إلى خارج حدود المشروعات الحاصلة على الأرصدة بدلاً من خفضها فعلياً، أن تقوض نزاهتها البيئية. والمعايير التي تفرض التحقق من طرف ثالث من تخفيضات الانبعاثات، مدعومة بمصادر بيانات موضوعية، يمكن أن تعزز مصداقية الجهود القائمة على السوق لخفض الانبعاثات.
وبرزت معايير الأداء القابلة للتداول، وهي هجين من الآليات القائمة على السوق والمعايير، أداةَ سياسات لخفض انبعاثات الكربون مع دعم الإنتاج المحلي، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فخلافاً لأنظمة تداول الانبعاثات التي تضع سقفاً للانبعاثات الإجمالية، تضع معايير الأداء القابلة للتداول مرجعيات قائمة على الكثافة، كالانبعاثات لكل وحدة إنتاج، بما يتيح نمو الإنتاج مع توفير حوافز لخفض الانبعاثات بأكثر مما يتطلبه المرجع. غير أن كثيراً من البرامج من هذا النوع يخصص مرجعيات أكثر تساهلاً للمصادر الأعلى انبعاثاً، فيقدم فعلياً إعانات ضمنية أكبر للمنتجين الأشد تلويثاً. ويقلل هذا التصميم فاعلية البرامج من حيث التكلفة ويضعف حوافز تبني التقنيات الأنظف. وكثيراً ما تلزم سياسات تكميلية، كالإعانات الخضراء الموجهة، لتصحيح هذه التشوهات وتعزيز النزاهة البيئية لمخططات معايير الأداء القابلة للتداول.
وكما في سياسات التلوث المحلي، يمكن لسياسات التخفيف من الانبعاثات أن تفضي إلى تسرب الانبعاثات حين تختلف الصرامة التنظيمية بين البلدان. غير أنه لأن غازات الاحتباس الحراري ملوثات عالمية، فإن التسرب يكون ضاراً بوجه خاص. ويمكن تصميم سياسات تكميلية لمعالجة تسرب الانبعاثات. فحين توجه الإعانات القائمة على الإنتاج إلى المنشآت المعرضة لخطر مرتفع من التسرب مثلاً، فإنها تساعد على الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعات المحلية مع منحها حوافز للإنتاج الأنظف في ظل اللوائح البيئية، بما يخفف خطر تسرب انبعاثات الكربون.
وتهدف آلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي، التي استُحدثت عام 2023، إلى منع تسرب انبعاثات الكربون بفرض رسوم على الواردات الكثيفة الكربون القادمة من بلدان ذات لوائح أضعف من لوائح البلدان المستوردة. وتبين الأدلة أن هذه الآلية وآلية مماثلة في المملكة المتحدة زادتا القدرة التنافسية المحلية وقللتا التسرب. ولأن المصدرين قد يفضلون تسعير الكربون محلياً لتجنب التعريفات الحدودية والاحتفاظ بالإيرادات، فقد وفرت هذه الآليات حوافز لبلدان أخرى لتبني سياسات مناخية أقوى. غير أنها قد تثقل على نحو غير متناسب كاهل البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ذات القدرات المالية والتكنولوجية المحدودة.
البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل: معايير تؤكد المنافع المحلية المصاحبة لتشجيع التخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري
بالنسبة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لا يزال النمو الاقتصادي هو الأولوية، وقد تمس معالجة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية هذا الهدف. غير أن المعايير التي تولد منافع محلية كبيرة قد تولد أيضاً منافع مناخية مصاحبة، ويمكن أن تكون نقطة انطلاق تنخرط منها هذه البلدان في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ.
ويمكن للمعايير التي تستهدف التلوث المحلي أن تحقق منافع مناخية مصاحبة حين تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. فتوليد الكهرباء يسهم بنحو سُبع تلوث الهواء الضار و40% من الآثار المناخية على مستوى العالم. والتخلص التدريجي من الفحم وقوداً لتوليد الكهرباء مثلاً يحسن جودة الهواء ويخفض في الوقت نفسه انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وعلى نحو مماثل، يمكن لمعايير كفاءة الطاقة، لا سيما في المباني التي تستأثر بنسبة 34% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، أن تكبح الانبعاثات مع دفع التحضر للطلب على الطاقة، لا سيما في اقتصادات الأسواق الناشئة.
وقوانين الطاقة للمباني من أكثر أدوات السياسات فاعلية في خفض الانبعاثات في قطاع البناء. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن المباني الكفؤة قد تحقق وفورات في تكاليف الطاقة تزيد على تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050. وفي الاتحاد الأوروبي، تستهلك المباني المشيدة وفق القوانين الحديثة نحو نصف الطاقة التي تستهلكها المباني المشيدة قبل هذه اللوائح، مع تحسينات أكبر في بعض البلدان. وكل دولار يُستثمر في كفاءة المباني يحقق عادة عائداً قدره ثلاثة دولارات من الوفورات على مدى العمر، إلى جانب منافع مصاحبة كتحسن النتائج الصحية وتعزيز أمن الطاقة. وحتى عام 2025، لدى 88 بلداً قوانين للطاقة في المباني، لكن 52 منها فقط تنفذها باستمرار، بما يقلص وفورات الطاقة بنسبة تصل إلى 70% مما يمكن تحقيقه، ولم تتبن بلدان كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل قوانين قوية للطاقة في المباني. ويكون الإنفاذ أقوى في البلدان المرتفعة الدخل، مع امتثال أدنى في البلدان المتوسطة والأدنى دخلاً بسبب محدودية القدرات. ويتطلب سد هذه الفجوة مواءمة القوانين مع اللوائح الأوسع، وتعزيز الدعم المؤسسي عبر المساعدة الفنية والتدريب والحوافز المالية، لا سيما للأسر والمنشآت الصغيرة في البلدان الأدنى دخلاً.
معايير التكيف مع تغير المناخ
تتزايد الخسائر المرتبطة بالكوارث بسرعة، تغذيها المخاطر المناخية المتنامية ويفاقمها التحضر. ففي عام 2023 وحده، أسفرت الكوارث العالمية عن أكثر من 86000 حالة وفاة، وعن أضرار اقتصادية تجاوزت 200 مليار دولار أمريكي. ورغم أن البلدان الأكثر ثراءً هي عادة أكبر المطلقين لغازات الاحتباس الحراري، فإن البلدان الأفقر تتحمل وطأة آثار تغير المناخ وتعاني عواقب أشد منه. وفي هذا السياق، تكون حاجة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى التكيف مع تغير المناخ ملحة بوجه خاص.
ورغم الإلحاح، فإن تنظيم التكيف صعب لأنه خاص بكل سياق، ولأن قياس النتائج لاجتذاب الاستثمار عسير. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما لا يكفي رأس المال الخاص وحده لتمويل الاحتياجات المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ، لأن المناطق العالية المخاطر، حيث تشتد الحاجة إلى التكيف، تميل إلى تنفير المستثمرين أو تتطلب عوائد مرتفعة لتحفيزهم على الاستثمار. ففي البرازيل، أدت اللوائح التي تلزم المصارف بالاحتفاظ برأس مال إضافي مقابل القروض الموجهة إلى أنشطة تنطوي على مخاطر مناخية أكبر إلى تقليص المصارف إقراضها للقطاعات الضعيفة. ولأن التكيف يتطلب أيضاً استثمارات كبيرة في بنية تحتية واسعة النطاق، فإن التمويل العام أمر جوهري. ويستكشف هذا القسم كيف يمكن للمعايير أن تدعم التكيف مع تغير المناخ.
أهمية المعايير في زيادة تمويل التكيف مع تغير المناخ
ثبت أن الحصول على التمويل، لا سيما الائتمان اللازم للاستثمار في تدابير التكيف مع تغير المناخ، يدعم هذا التكيف في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. غير أن توفير هذا التمويل، الذي تضمن فيه المؤسسات أو الأفراد قروضاً مشروطة بعوائد تدابير التكيف، يتوقف على القدرة على قياس تلك العوائد. فالتخفيف أسهل قياساً لأنه يُتتبع عبر تخفيضات الانبعاثات، أما قياس التكيف فأكثر صعوبة بسبب نتائجه الخاصة بالسياق وصعوبة تحديده كمياً. وحتى حين تقلل الاستثمارات الموجهة للتكيف المخاطر المناخية الطويلة الأجل، يظل من الصعب على المستثمرين الخاصين أن يعكسوا هذه المنافع في التسعير، بسبب غياب مقاييس واضحة وقابلة للتحديد الكمي، وصعوبة عزو نتائج هذه الاستثمارات إلى تخفيف الخسائر المستقبلية المحتملة. ومن ثم يظل غياب القياس الموثوق عائقاً رئيسياً أمام تمويل التكيف مع تغير المناخ.
وحالياً، لا يزال جميع التمويل المتعلق بتغير المناخ تقريباً يمول التخفيف لا التكيف. فمن أصل 1.27 تريليون دولار أمريكي من التمويل المتعلق بتغير المناخ الذي صُرف خلال عامي 2021 و2022، دعم 91% منه التخفيف، ولم يذهب إلى التكيف سوى 5% (63 مليار دولار أمريكي)، و4% إلى مبادرات تجمع بين التخفيف والتكيف. ويتناقض هذا التوزيع مع الاحتياجات التي أفادت بها البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ذاتها، إذ يمثل التكيف نحو 20% من متطلباتها التمويلية. وتحتاج المؤسسات المالية إلى المشاركة على نطاق أوسع في تمويل الاستثمارات في التكيف مع تغير المناخ لتلبية الطلب المتزايد على تمويله.
ويمكن للمعايير أن تؤدي دوراً رئيسياً في تلبية احتياجات تمويل التكيف مع تغير المناخ بتقديم إطار متسق قائم على معرفة الخبراء لتوجيه استراتيجيات التكيف وتقييمها. ففي عام 2019، أصدرت المنظمة الدولية للتوحيد القياسي معيار الأيزو 14090، الذي يقدم مبادئ واشتراطات وإرشادات تستخدمها المنظمات في تحديد مخاطر تغير المناخ ووضع خطط التكيف. وفي عام 2024، استحدثت مبادرة سندات المناخ أول تصنيف لها للتكيف والصمود، يحدد 1444 استثماراً عبر القطاعات لمعالجة مختلف المخاطر المناخية مؤهلة للتمويل في إطار المبادرة. وقد توسعت التصنيفات الخضراء، أي الأطر التي تحدد ما يشكل أنشطة "خضراء" أو مستدامة، توسعاً كبيراً في السنوات الأخيرة. فبحلول عام 2024، أصدر الاتحاد الأوروبي 47 تصنيفاً من هذا النوع، وأصدرت ولايات قضائية أخرى 20 تصنيفاً، وأصدرت المنظمات الدولية عدة تصنيفات، للمساعدة على توجيه التمويل نحو الاستثمارات المتسقة مع التكيف مع تغير المناخ.
غير أن ترجمة هذه الأطر إلى قرارات عملية لا تزال صعبة. فالتصنيف المستدام في المكسيك مثلاً يدرج التكيف ركيزةً أساسية إلى جانب التخفيف والإدماج الاجتماعي. وكشفت تجربة رائدة شملت 10 مؤسسات مالية أن 3% فقط من عملياتها أمكن تصنيفها بوضوح على أنها متسقة مع التكيف، بما يبرز تعقيد التنفيذ، لا سيما حين تتطلب المعايير بيانات تفصيلية ومحلية.
معايير لتوسيع الحصول على حلول التكيف مع تغير المناخ: التعامل مع الحر الشديد
يواجه اليوم أكثر من 70% من القوى العاملة العالمية، أي نحو 2.4 مليار شخص، مخاطر مرتفعة من الإجهاد الحراري، بما يسفر عن ملايين الإصابات وآلاف الوفيات كل عام. ورغم التعرض الواسع للحر الشديد، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فإن انتشار تكييف الهواء، وهو استراتيجية تكيف واسعة الاستخدام، لا يزال دون 10% في كثير من البلدان المنخفضة الدخل. ولدعم التكيف مع تغير المناخ بوصفه حاجة إنسانية أساسية، ينبغي للمعايير التي تعالج إخفاقات السوق في مجال التكيف أن تركز أيضاً على الحصول المنصف على حلول تبريد فعالة.
وتنقسم تقنيات التبريد عموماً إلى فئتين: نشطة وسلبية. فالتبريد النشط يقوم على أنظمة تعمل بالكهرباء كالمراوح ومكيفات الهواء، في حين يعتمد التبريد السلبي على استراتيجيات تصميمية، كالتهوية الطبيعية والتظليل، تستثمر الموارد البيئية المحلية بتكاليف تشغيل منخفضة. والتقنيتان متكاملتان لكنهما تنطويان على مفاضلات. ويمكن لاستراتيجية متكاملة تعزز الحصول على كلتيهما أن تساعد المعايير على توسيع خيارات التبريد على نحو أكثر فاعلية ومعالجة هذه المفاضلات.
والتبريد النشط، لا سيما بتكييف الهواء، شديد الفاعلية في مختلف المناخات لكنه كثيف الاستهلاك للطاقة، إذ يستأثر حالياً بنحو 20% من استخدام الكهرباء عالمياً. ومع تزايد انتشاره، سيضع ضغطاً متصاعداً على شبكات الكهرباء وقد يسهم في انقطاعها. ويمكن لمعايير كفاءة الطاقة أن تخفف هذا العبء. فضلاً عن ذلك، قد تبلغ الانبعاثات الناجمة عن التبريد نحو 6 مليارات طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2050، أي أكثر من 10% من الانبعاثات العالمية المتوقعة. ومن ثم يتعين على المعايير أن توازن بعناية بين أهداف التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، فتضمن كفاءة الطاقة مع تعزيز الحصول المنصف على التبريد.
استخدام المعايير لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء
الحصول الموثوق على الكهرباء جوهري للنمو الاقتصادي وللتكيف مع تغير المناخ على حد سواء، لا سيما في مواجهة الحر الشديد. وتؤدي معايير كفاءة الطاقة للأجهزة الشائعة دوراً حاسماً في كبح الطلب في هذا السياق. فهي تساعد على التخفيف من انبعاثات الكربون التي كثيراً ما لا تؤخذ في الحسبان عند الشراء، لا سيما في البلدان التي لا تزال تولد الكهرباء في معظمها من الوقود الأحفوري. وبخفض الطلب على الطاقة، تخفف هذه المعايير أيضاً الضغط على شبكة الكهرباء، فتحد من الاختناقات والانقطاعات، بما يتيح بدوره حصولاً أوسع وأكثر إنصافاً على الكهرباء.
غير أن تطبيق معايير كفاءة الطاقة في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تنتشر قيود الائتمان، قد ينطوي على مفاضلات. فالأجهزة الموفرة للطاقة تكون عادة أعلى تكلفة في البداية، وإن كانت توفر وفورات طويلة الأجل عبر خفض استهلاك الكهرباء. فالمروحة الموفرة للطاقة في الهند مثلاً تكلف نحو 44 دولاراً أمريكياً مقابل 27 دولاراً للمروحة العادية، لكن تكلفتها الإجمالية على مدى عشر سنوات تبلغ نحو 80 دولاراً مقابل 135 دولاراً للعادية. وقد تشكل هذه التكاليف الأولية الأعلى عائقاً أمام أسر كثيرة، فتحرمها من جني المنافع المالية والطاقية الطويلة الأجل. ويمكن للسياسات المكملة لمعايير كفاءة الطاقة، كالإعانات الموجهة أو خيارات التمويل للأسر المنخفضة الدخل، أن تعزز تبني الأجهزة الموفرة للطاقة.
وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما تنطوي تحسينات كفاءة الطاقة على مفاضلات مع خصائص أخرى للمنتج، بما يبرز أهمية نهج متكامل يوازن بين أهداف متعددة. ويمكن معالجة هذه المفاضلات عبر أدلة فنية رصينة، وتوافق واسع بين أصحاب المصلحة، وتنسيق تنظيمي يستند إلى المعايير الدولية. فمعيار الأيزو 817، الذي أسهمت اليابان إسهاماً كبيراً في صياغته، يقدم تصنيفات سلامة مواءمة لمواد التبريد ذات القدرة المنخفضة على الإسهام في الاحترار العالمي. وقد أتاح هذا المعيار للمصنعين طرح حلول تبريد أكثر ملاءمة للمناخ في الأسواق مع الحفاظ على السلامة والقبول التنظيمي عبر الولايات القضائية.
أما على جانب العرض، فيمكن للمعايير أن تعزز موثوقية إمدادات الطاقة عبر تعزيز التنسيق على امتداد سلسلة الإمداد وضمان جودة الإنتاج والتشغيل. فالمعايير الفنية الخاصة بالجهد الكهربائي والتردد مثلاً تتيح لمختلف المولدات وأنظمة النقل العمل بسلاسة داخل البلدان وفيما بينها، بما ييسر تجارة الكهرباء عبر المناطق ويعزز الصمود. وعلى نحو مماثل، تساعد معايير جودة المحولات والكابلات، إلى جانب إرشادات تشغيل خطوط النقل وصيانتها، على ضمان موثوقية إمدادات الطاقة.
التبريد السلبي ومعايير الأداء الدنيا للطاقة
لا يعتمد التبريد السلبي على الكهرباء وينطوي على تكاليف تشغيل أقل. غير أن فاعليته وكفاءته من حيث التكلفة محلية إلى حد كبير، إذ تتوقف على الظروف المناخية الدقيقة والأعراف المعمارية والممارسات الثقافية. ونتيجة لذلك يصعب تنظيم التبريد السلبي عبر معايير محددة للتقنية أو الأداء. وبدلاً من ذلك، يمكن لقوانين البناء التي تدمج معايير الأداء الدنيا للطاقة مع استراتيجيات التبريد السلبي أن تدعم كفاءة الطاقة في التبريد النشط مع تعزيز النهج السلبية في مرحلة التصميم. ومن شأن ذلك أن يخفض التكلفة الإجمالية لتقنيات التبريد ويوسع حصول الأسر عليها.
وحتى مايو 2023، كان 42% من البلدان، مرتفعة الدخل ومنخفضة ومتوسطة الدخل على حد سواء، قد طبقت معايير أداء دنيا للطاقة في تبريد الأماكن. وتبين الأدلة من الهند وإندونيسيا ونيجيريا أن مضاعفة كفاءة الطاقة في مكيفات الهواء المنزلية بحلول عام 2030 قد تخفض تكاليفها على مدى دورة حياتها بنسبة 60%، وتتيح لـ 320 مليون شخص إضافي الحصول عليها بحلول عام 2050. ويتيح الجمع بين معايير الأداء الدنيا للطاقة وقوانين البناء حلولاً مرنة وملائمة للسياق، متسقة مع المناخ المحلي وظروف السكن.
وإلى جانب تعزيز الحصول على حلول التكيف كتقنيات التبريد النشطة والسلبية، يمكن للمعايير أيضاً أن تدعم تدابير الاستجابة للطوارئ لضمان الحصول الأساسي على الموارد الضرورية أثناء الظواهر المتطرفة. فمدينة أحمد آباد في الهند كانت من أوائل المدن في جنوب آسيا التي طبقت خطة عمل لمواجهة الحر. فخلال فترات الحر الشديد، تستخدم المدينة عتبات محلية لدرجات الحرارة لتفعيل مجموعة من الاستجابات، تشمل خطوطاً ساخنة للطوارئ، وتنبيهات عامة، وتواصلاً مع الفئات الضعيفة، وتوفير ملاجئ للتبريد ومياه الشرب.
معايير لتعزيز التنسيق: تعزيز الصمود في مواجهة الفيضانات
يعيش نحو 1.81 مليار شخص، أي 23% من سكان العالم، في مناطق معرضة لمخاطر فيضانات كبيرة. ورغم تزايد مخاطر الفيضانات بفعل تغير المناخ، واصلت المستوطنات البشرية التوسع بسرعة في المناطق المعرضة للفيضانات، وكثيراً ما كان ذلك بوتيرة أسرع من توسعها في المناطق الأكثر أماناً في مناطق عديدة من العالم. وعلى المستوى العالمي، يعيش نحو مليار شخص في مساكن دون المستوى تفتقر إلى الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار الملائمين، بما يفاقم هشاشتهم. ولأن التخطيط الحضري وجودة البنية التحتية وتصميم المباني الفردية تسهم جميعها في تشكيل مخاطر الفيضانات، فإن تعزيز الصمود يتطلب جهوداً منسقة على جميع المستويات.
التخطيط الحضري
للحد من التعرض لمخاطر الفيضانات، ينبغي أن يدمج التخطيط الحضري الاعتبارات المتعلقة بمخاطر تغير المناخ. فمعايير تقسيم المناطق يمكن أن تحظر البناء في المناطق الشديدة التعرض للفيضانات عبر تحديد عتبات للمخاطر. كما أن الزحف الحضري غير المنضبط، لا سيما حيث تندر المساحات الخضراء، قد يفاقم مخاطر الفيضانات ويصيب على نحو غير متناسب الأسر المنخفضة الدخل التي كثيراً ما تقطن المناطق العالية المخاطر. ففي دكا في بنغلاديش مثلاً، تتركز الأحياء العشوائية في المناطق المعرضة للفيضانات. ويمكن لتطبيق لوائح تقسيم المناطق التي تشترط مناطق عازلة أو أحزمة خضراء واقية أن يخفف مخاطر الفيضانات. كما يمكن إنشاء أنظمة للإنذار المبكر تقدم التنبيهات في الوقت المناسب، وتزويد مشتري المساكن بمعلومات عن مخاطر الفيضانات لتمكينهم من اتخاذ قرارات مستنيرة، وكلا الأمرين يساعد على الحد من الخسائر المرتبطة بالفيضانات.
البنية التحتية
مع تفاقم المخاطر الطبيعية بفعل تغير المناخ، ينبغي لمعايير البنية التحتية الجديدة والقائمة أن تتطور تبعاً لذلك. فازدياد التقلب في مستويات الأمطار، بتعاقب فترات الجفاف والأمطار الغزيرة، قد يرفع ذروة تدفقات الأنهار ويغمر السدود. ويحدث الفيضان فوق السد، وهو أكثر أسباب انهيار السدود شيوعاً، حين تتجاوز المياه قدرة مفيضاته. وفي ليبيا، دمرت الانهيارات الكارثية للسدود خلال الفيضانات الشديدة في سبتمبر 2023 أحياء بأكملها وأودت بحياة أكثر من 4000 شخص، بما يبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة المعايير الوطنية لتصميم السدود وتعزيزها لتأخذ تغير المناخ في الحسبان.
وتؤدي هيئات دولية كاللجنة الدولية للسدود الكبيرة دوراً رئيسياً في تشكيل الممارسات العالمية المتعلقة بسلامة السدود، عبر الاستفادة من خبرات أعضائها وتعزيز تبادل المعرفة. وحتى عام 2025، كانت اللجنة تضم 106 بلدان أعضاء، يوائم كثير منها لوائحه الوطنية مع إرشاداتها. وفي البلدان التي تفتقر إلى إرشادات رسمية لسلامة السدود، وهو وضع شائع في البيئات المنخفضة والمتوسطة الدخل، كثيراً ما يعتمد الممارسون مباشرة على معايير اللجنة. كما يعزز شركاء التنمية كالبنك الدولي الممارسات الدولية الجيدة عبر تمويل المشروعات والدعم الاستشاري.
وفي الوقت نفسه، يمكن للبنية التحتية كالسدود أن تساعد على إدارة مخاطر الفيضانات. فخزان راتسيبوج دولني للحماية من الفيضانات في بولندا خفض ذروة التدفقات في أسفل المجرى خلال فيضان كبير عام 2024، فحمى أكثر من 2.5 مليون شخص من أضرار جسيمة. ومع ذلك، فإن 18% فقط من السدود الكبيرة في العالم مخصصة للسيطرة على الفيضانات. ومع وجود أكثر من 60000 سد كبير في العالم، تجاوز عمر كثير منها 50 عاماً، تتاح فرصة لإعادة تأهيلها وتحديثها وإعادة تشغيلها لتعزيز دورها في التكيف مع تغير المناخ. ويمكن لهذه الاستثمارات أن تولد منافع عامة كبيرة، وقد تتطلب تمويلاً عاماً لضمان الصمود على المستوى الإقليمي.
المباني
إلى جانب التخطيط والبنية التحتية، يمكن لتصميم المباني أيضاً أن يؤدي دوراً محورياً في زيادة الصمود في مواجهة الفيضانات. ففي ولاية فلوريدا الأمريكية، خفضت قوانين البناء المحدثة التي تراعي مخاطر الكوارث الأضرار المرتبطة بالأعاصير على نحو ملموس، بما وفر نحو 911 مليون دولار أمريكي سنوياً. غير أن قوانين البناء الحديثة المصممة للبلدان المرتفعة الدخل ليست دائماً الخيار الأفضل في البيئات المنخفضة الدخل. ففي باكستان، صمدت المنازل المبنية من الخيزران إلى حد كبير أمام الفيضانات التاريخية عام 2022 التي دمرت أكثر من مليوني منزل، معظمها من أنماط بناء أخرى. ويبرز هذا المثال أهمية معايير البناء الملائمة محلياً وثقافياً لتحقيق الصمود.
ويمكن للجهود الدولية، كبرنامج تنظيم البناء من أجل الصمود التابع للبنك الدولي، أن تدعم البلدان بتبادل المعرفة وتقديم المساعدة الفنية وتوفير الموارد المالية. ففي اليابان، حيث مخاطر الزلازل مرتفعة، وفرت الاستثمارات في البنية التحتية المقاومة للزلازل نحو 2.2 مليار دولار أمريكي سنوياً من تكاليف إعادة الإعمار التي أمكن تجنبها. كما أسهمت اليابان عالمياً بتبادل خبراتها الفنية وتجاربها عبر مبادرات دولية.
غير أن قوانين البناء قد تنطوي على مفاضلات بين أولويات متنافسة. فالامتثال لقوانين البناء قد يزيد تكاليف التشييد، بما قد يؤثر بدوره في القدرة على تحمل تكاليف السكن. كما أن السعي إلى كفاءة الطاقة قد يثير في بعض الحالات مخاوف تتعلق بالسلامة. ومن الأمثلة التحذيرية على ذلك أن مبنى من سبعة طوابق في مدينة مكسيكو، جرى تحديثه لأغراض كفاءة الطاقة وحدها، انهار جزئياً خلال زلزال عام 2017. ويبرز هذا المثال الحاجة إلى قوانين بناء متكاملة توازن بين أهداف التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه من جهة، وأهداف الحفاظ على الصمود في مواجهة التحديات الأخرى وصون القدرة على تحمل التكاليف من جهة أخرى.
توصيات بشأن المعايير من أجل بيئة أفضل
التأكيد على المنافع الأوسع للمعايير البيئية. لا ينبغي للبلدان، لا سيما المنخفضة والمتوسطة الدخل، أن تنظر إلى المعايير البيئية بمعزل عن أهداف النمو. فالحد من التلوث يحقق منافع واسعة، تشمل زيادة الإنتاجية ورأس المال البشري وقيم المساكن واجتذاب المواهب. وقد يتيح دمج المعايير مع السياسات الصناعية الخضراء للبلدان فرصة تخطي التقنيات الملوثة والسعي إلى النمو الأخضر في قطاعات كالطاقة والنقل. وإغفال هذه المنافع ينطوي على خطر عدم الاستفادة الكافية من المعايير البيئية. فعلى مستوى المنشأة مثلاً، وجدت دراسة في بنغلاديش أن تركيب أجهزة لتنقية الهواء في منشآت مختارة عشوائياً لم يخفض تركيزات الجسيمات الدقيقة PM2.5 في الأماكن المغلقة بنسبة 15% فحسب، بل حقق أيضاً عوائد اقتصادية كبيرة، إذ رفع إنتاجية العمل اليومية بنسبة 10% والأرباح الشهرية بنسبة 18% مقارنة بالمنشآت الضابطة التي لم تُزود بهذه الأجهزة. وعلى مستوى الاقتصاد، فإن الدفع الصيني نحو المركبات الكهربائية، المدفوع بمعايير صارمة لجودة الهواء وسياسات صناعية خضراء، خفض التلوث والانبعاثات وأتاح للبلد في الوقت نفسه تخطي رواد صناعة السيارات التقليدية. فبحلول عام 2023، كانت الصين الرائدة بلا منازع في السوق العالمية لمبيعات المركبات الكهربائية.
تصميم المعايير ضمن مزيج من السياسات لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات بفاعلية. كثيراً ما تكون المعايير أكثر فاعلية من الأدوات القائمة على السوق، كتسعير الانبعاثات، حين يلزم تحقيق تخفيضات محددة لبلوغ عتبات بيئية أو صحية عامة. غير أنه حين توجد إخفاقات سوق متعددة، قد لا يكفي الاعتماد على سياسة واحدة. ويمكن للسياسات التكميلية أن تعزز الفاعلية الإجمالية للمعايير بمعالجة إخفاقات السوق المختلفة في آن واحد، بما يمكّن البلدان من اتباع نهج أشمل وأكفأ لخفض الانبعاثات. فتكاليف الامتثال المرتبطة بمعايير جودة المياه قد تتراجع بمرور الوقت بفضل التعلم بالممارسة ووفورات الحجم والابتكارات في تقنيات معالجة المياه. غير أن هذه التطورات قد لا تتوفر بالقدر الكافي في غياب سياسات داعمة، وهو ما يسوغ الاستثمار العام. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تبين أن المنح المقدمة لبناء البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف بموجب قانون المياه النظيفة خفضت تكاليف الامتثال على الملوثين، وقللت احتمال انتهاك معايير جودة المياه بمقدار 0.5 نقطة مئوية لكل منحة.
تكييف المعايير مع السياقات المحلية مع مراعاة احتمال تسرب الانبعاثات. ينبغي للبلدان أن تكيف المعايير البيئية مع التحديات البيئية المحلية والظروف الاقتصادية والجاهزية التكنولوجية والقدرة على الإنفاذ. ومن شأن التحليل الدقيق لتكاليف وضع المعايير ومنافعها، ولقدرة المنشآت على الامتثال لأي معايير توضع، أن يساعد البلدان على وضع معايير أكثر فاعلية ومراعاة للسياق وإقرارها. غير أن اختلاف المعايير بين المناطق والقطاعات قد يفضي إلى تسرب الانبعاثات. وحين يؤدي ذلك إلى نتائج بيئية سلبية، يمكن للتدابير الأحادية المحكمة التصميم أو الجهود الدولية المنسقة أن تساعد على التخفيف من هذه الخسائر والتعويض عنها. فالاتحاد الأوروبي مثلاً يعالج تلوث المياه العابر للحدود أساساً عبر التوجيه الإطاري للمياه، الذي يفرض الإدارة المتكاملة لأحواض الأنهار والتعاون العابر للحدود لبلوغ "الحالة الجيدة" لجميع المسطحات المائية. وقد حسنت السياسات المتخذة بموجب هذا التوجيه جودة المياه في الأنهار الكبرى المشتركة بين بلدان متعددة كالراين والدانوب، وعززت تنسيقاً قوياً بين البلدان.
تلبية الطلب المستقبلي ودفع الابتكار عبر معايير استشرافية. قد تكون للمعايير آثار طويلة الأمد، لا سيما حين تُطبق على أصول طويلة العمر. فمحطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم مثلاً قد تعمل ما بين 30 و50 عاماً، بما يخلق آثار انغلاق تؤخر الانتقال إلى بدائل أنظف. وفي عالم سريع التطور، تحتاج المعايير إلى أن تكون استشرافية لتلبية الطلب المستقبلي ودعم تطوير التقنيات الناشئة. وتحديداً، ينبغي تقييم المعايير من منظور زمني أطول، لا من منظور آني فحسب، لأخذ الطلب المستقبلي في الحسبان. كما ينبغي أن تكون المعايير مرنة بما يكفي لإتاحة الابتكار وتشجيعه حين تتقدم التقنيات بسرعة. فالتبريد النشط، لا سيما بتكييف الهواء، وسيلة شديدة الفاعلية للتكيف مع الحر الشديد لكنه يظل كثيف الاستهلاك للطاقة، ومع تزايد انتشاره سيضغط على شبكات الكهرباء بصورة متزايدة، لا سيما في المناطق ذات البنية التحتية الكهربائية المحدودة. ففي نيجيريا مثلاً، أقرت الحكومة الاتحادية عام 2025 معايير أداء دنيا جديدة للطاقة في مكيفات الهواء، تهدف إلى توفير 11.5 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً وخفض انبعاثات الكربون بمقدار 39 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2040. كذلك تبين أن استحداث معيار لانبعاثات السيارات على مستوى الاتحاد الأوروبي، يحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرجحة بالمبيعات عبر أساطيل المصنعين، منح المنشآت حوافز للاستثمار بكثافة في تقنيات جديدة لاستيفاء اشتراطات الامتثال. ونتيجة لذلك، تحسنت كفاءة المركبات من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 14% في المتوسط بين عامي 2007 و2011، بما أدى إلى خفض تكاليف الوقود على مدى عمر المركبات.
تعزيز البنية التحتية للرصد والقياس والاستفادة منها. إن توسيع أنظمة الرصد البيئي وتحسينها، لا سيما في المناطق ذات البنية التحتية المحدودة، أمر حاسم لتحديد التحديات البيئية وتعزيز إنفاذ المعايير وضمان المساءلة. ويمكن الاستفادة أكثر من البيانات التي تجمعها هذه الأنظمة عبر حملات إعلام عامة لرفع الوعي بالتلوث المحلي وتشجيع السلوك التكيفي. فضلاً عن ذلك، فإن إتاحة البنية التحتية لمعايير الرصد والقياس تمكّن من التحقق المستقل من طرف ثالث من ادعاءات خفض الانبعاثات، وهو أمر حاسم للحفاظ على مصداقية المبادرات المتعلقة بتغير المناخ وفاعليتها، كأسواق أرصدة الكربون. ففي عام 2013، أطلقت الصين مبادرة وطنية لرصد جودة الهواء بدأت تقدم للجمهور بيانات آنية عن التلوث عبر الصحف اليومية ووسائل الإعلام الأخرى. وحفز تحسن الحصول على المعلومات تكيفات سلوكية واسعة، كزيادة الاستثمار في أجهزة تنقية الهواء، يقدر أنها تولد منافع صحية سنوية لا تقل عن 13 مليار دولار أمريكي. وقيّمت دراسة حديثة في كولومبيا مشروعات أرصدة الكربون باستخدام صور الأقمار الصناعية لقياس الغطاء الحرجي، ووجدت أن الغطاء الحرجي الطبيعي ازداد بمقدار 4 نقاط مئوية على مدى 12 عاماً. ولا تتأتى تقييمات من هذا النوع إلا بتوافر بيانات متاحة للعموم عن الغطاء الأرضي ورصد الانبعاثات.
وكما تبين هذه الأمثلة والتوصيات، فإن اتباع نهج متوازن واستشرافي وملائم للسياق في المعايير البيئية، يحسن الاستفادة من السياسات التكميلية، يمكن أن يحقق نتائج قوية.
