القائمة الرئيسية

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/3)

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/3)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الثالث ظروف عمل العاملين الأساسيين، موضحاً أن جائحة كوفيد-19 كشفت الفجوة بين القيمة الحيوية التي يقدمونها للمجتمع وبين ظروف عملهم وأجورهم وحمايتهم، وأن تحسين هذه الظروف ضروري لاستدامة الخدمات الأساسية وقدرتها على مواجهة الأزمات المستقبلية. ويركز الفصل على سبعة أبعاد مترابطة لجودة الوظيفة، هي السلامة والصحة المهنيتان، والحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، والترتيبات التعاقدية، وساعات العمل، والأجور، والحماية الاجتماعية، والتدريب. ويبين أن العاملين الأساسيين يواجهون مخاطر مهنية وجسدية ونفسية أعلى، وأن 54.2% منهم في أوروبا يعملون أحياناً أو دائماً في أوضاع غير مريحة، ارتفعت إلى 61.6% خلال الجائحة، كما ارتفعت معدلات الإساءة اللفظية والتهديدات بصورة ملحوظة، خصوصاً في الصحة والأمن والتجزئة. وتظل الحماية النقابية محدودة، إذ لا ينتسب سوى 6% من العاملين الأساسيين في التجزئة و9% في النظم الغذائية إلى النقابات، رغم أن المفاوضة الجماعية أثبتت قدرتها على تحسين السلامة والإجازات والحماية الاجتماعية والتعويضات أثناء الجائحة. كما أن العقود المؤقتة والجزئية والعمل عبر الوكالات ترتبط غالباً بأجور وحماية اجتماعية وتدريب أقل وأمان وظيفي أضعف. ويعمل 25.3% من العاملين الأساسيين أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، بينما يعمل 10.6% أقل من 20 ساعة، وتزداد مشكلات الساعات الطويلة في التجزئة والأمن والنقل. ويخلص الفصل إلى أن تحسين ظروف العمل الأساسي يتطلب حماية شاملة وآمنة، وتمثيلاً جماعياً أقوى، وعقوداً أكثر استقراراً، وساعات عمل عادلة ويمكن التنبؤ بها، وأجوراً لائقة، وحماية اجتماعية وتدريباً مناسباً، مع ضمان تطبيق هذه الحقوق على العاملين بأشكال العمل المختلفة.

الفصل الثالث: ظروف عمل العاملين الأساسيين

النتائج الرئيسية

خلال الجائحة، ارتفعت حالات الإساءة اللفظية والتهديد ارتفاعاً حاداً لدى جميع العاملين الأساسيين، ولا سيما في الصحة والتجزئة والأمن.

يكسب المستخدمون الأساسيون بأجر في المتوسط أقل بنسبة 26% من غيرهم، ولا يمكن تفسير سوى ثلثي هذه الفجوة بالفوارق في التعليم والخبرة.

يشمل الحماية الاجتماعية أقل من نصف العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

معدلات الانتساب النقابي في عدد من القطاعات الأساسية أدنى بكثير من المتوسط في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

كان العاملون الأساسيون حيويين لحياتنا قبل الجائحة بزمن طويل، لكن الأمر احتاج إلى عمليات إغلاق في أنحاء العالم لكي يتجلى اعتمادنا على الخدمات الأساسية التي يقدمونها. كما أبرزت الجائحة التفاوت بين قيمة العمل الذي يؤديه العاملون الأساسيون للمجتمع وظروف عملهم، أي بخس قيمتهم. ولبخس قيمة العمل الأساسي آثار تتجاوز العامل الفرد. فحين تصبح ظروف العمل الصعبة والأجور المتدنية سمة منهجية، تنشأ عن ذلك نقص في اليد العاملة وارتفاع في معدل دوران الموظفين، وفي نهاية المطاف قصور في تقديم الخدمات الأساسية. ومن ثم فإن قدرة العاملين الأساسيين على الصمود في وجه الجوائح أو الأزمات المقبلة تتوقف على الاستثمارات في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الاستثمارات في تحسين ظروف عمل من يؤدون الأعمال الحيوية.

ومن هذا المنطلق، يحلل هذا الفصل ظروف عمل العاملين الأساسيين بهدف تحديد أوجه القصور التي ينبغي معالجتها. ويركز على سبعة ظروف عمل رئيسية تؤطر جودة الوظيفة، هي: السلامة والصحة، والحق في الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، والترتيبات التعاقدية، وساعات العمل، والأجور، والحماية الاجتماعية، والتدريب. وكما سيبين التحليل، تدعم هذه الأبعاد السبعة بعضها بعضاً، بحيث يفضي القصور في بعد منها عادة إلى قصور في أبعاد أخرى. وتمثل هذه الأبعاد السبعة الحقوق التمكينية وظروف العمل الرئيسية التي تشمل الجوانب النقدية وغير النقدية للعمل اللائق.

ويعرض هذا الفصل كل بعد من الأبعاد السبعة، شارحاً أهميته لجودة الوظيفة ودلالته خلال جائحة كوفيد 19. ويقدم بيانات عالمية عن درجة الحماية المتاحة للعاملين الأساسيين وغيرهم، محللاً العاملين الأساسيين ككل، ممهداً بذلك لمناقشة أعمق لظروف عمل مجموعات مهنية محددة في الفصل الرابع. ونظراً إلى الفوارق المهمة بين البلدان ذات المستويات المختلفة من التنمية الاقتصادية، صُنف التحليل بحسب فئات دخل البلدان. ولما كان العمل بأجر والعمل لحساب الذات كثيراً ما يرتبطان بنتائج مختلفة اختلافاً كبيراً من حيث ظروف العمل، صُنفت النتائج أيضاً بحسب الوضع الوظيفي حيثما كان ذلك مناسباً وممكناً.

ولا تشمل قوانين العمل المرتبطة بعلاقة الاستخدام، كالحد الأدنى للأجور أو حدود ساعات العمل، العاملين لحسابهم الخاص. وفي حالات كثيرة، ولا سيما في البلدان النامية، يكون وضعهم غير منظم، ويُعرّف ذلك عادة بعدم التسجيل أو عدم الاشتراك في نظام الضمان الاجتماعي. لكن كما سيبين التحليل، فإن وضع المستخدم بأجر لا يحل أوجه القصور في ظروف العمل. فلسوء الحظ، يعاني كثير من المستخدمين الأساسيين من أوجه قصور في ظروف عملهم، أحياناً بسبب طبيعة عملهم، لكن في الغالب بسبب ثغرات في الحماية العمالية والاجتماعية القائمة أو عدم تطبيقها.

3.1 السلامة والصحة المهنيتان

روى عامل يومي في شركة للتصدير الزراعي في إيكا ببيرو أنهم معرضون للمخاطر، فإلى جانب شمس إيكا اللاهبة، يتعاملون مع منتجات كيميائية، وكثير من العاملين مصابون بالتهاب المفاصل والبهاق وزوائد في العين، وليس لديهم تأمين ضد المخاطر ولا تأمين على الحياة.

أظهر ما سبق بشأن المرض والوفيات بكوفيد 19، في عدد محدود من البلدان التي تتوافر عنها بيانات، أن العاملين الأساسيين كانوا أرجح في الوفاة بكوفيد 19 من غيرهم. لكنه كشف أيضاً أنه رغم تعرض العاملين الصحيين الأكبر للفيروس، كانت معدلات وفياتهم أدنى من غيرهم من العاملين الأساسيين، ولا سيما في النقل. وتُفسر هذه النتيجة المحيرة جزئياً بالالتزام الأكبر بتدابير الصحة والسلامة في القطاع الصحي، الذي يعكس بدوره تصميم نظم السلامة والصحة المهنيتين وتغطيتها، فضلاً عن الامتثال في أماكن العمل المختلفة.

لقد أوضح ارتفاع خطر إصابة العاملين الأساسيين بكوفيد 19 أهمية السلامة والصحة المهنيتين، المفهومة بأنها الوقاية من الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل وحماية صحة العاملين وتعزيزها عبر تحسين ظروف العمل وبيئته. وكما ذُكر في الفصل الأول، عدّل مؤتمر العمل الدولي في يونيو 2022 إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998 ليشمل اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين لعام 1981 (رقم 155) واتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنيتين لعام 2006 (رقم 187)، فجعل بيئة العمل الآمنة والصحية حقاً أساسياً يتعين على جميع الدول الأعضاء في المنظمة إعماله بصرف النظر عن حالة تصديقها على هاتين الاتفاقيتين.

وقد تحقق تقدم كبير في السلامة والصحة في أماكن العمل حول العالم. فمنذ مطلع هذا القرن، انخفضت معدلات الإصابات المميتة انخفاضاً كبيراً في بلدان الاتحاد الأوروبي وأستراليا والصين واليابان والولايات المتحدة وغيرها، وإن بدا التقدم في السنوات الأخيرة متباطئاً. ومع ذلك، تظل إزالة المخاطر في مكان العمل تحدياً ملحاً على مستوى العالم. فقبل الجائحة، كان 1.9 مليون شخص يموتون سنوياً بسبب إصابات وأمراض مرتبطة بالعمل، استناداً إلى حساب تعرض العاملين لتسعة عشر عامل خطر مهني. ومن بين هذه، كانت الأمراض غير السارية، ولا سيما التنفسية والقلبية الوعائية، مسؤولة عن 81% من الوفيات، والإصابات المهنية عن الباقي. ويرتبط التعرض المتكرر لساعات عمل تتجاوز 55 ساعة أسبوعياً بنسبة 40% من مجموع الوفيات. وإضافة إلى ذلك، يتعرض أكثر من 313 مليون عامل سنوياً لحوادث مهنية غير مميتة تسبب إصابات خطيرة وغياباً عن العمل، وتقع 160 مليون حالة سنوية أخرى من الأمراض غير المميتة المرتبطة بالعمل. ولأوجه القصور في السلامة والصحة المهنيتين عواقب سلبية على العاملين والمنشآت، إذ تخفض الإنتاجية وتلقي عبئاً ثقيلاً على نظم الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وعلى الأسر. وتُقدر التكاليف المجتمعية للأمراض والإصابات المرتبطة بالعمل بنحو 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفوق هذه الأرقام المقلقة، تواصل تحديات السلامة والصحة في أماكن العمل التصاعد بسبب إدخال مواد وكيماويات جديدة في الإنتاج، إلى جانب تزايد المخاطر النفسية الاجتماعية وتغيرات في تنظيم العمل تترك كثيراً من العاملين بلا حماية أو بحماية غير كافية في مجال السلامة والصحة.

والعاملون الأساسيون معرضون للخطر بوجه خاص، نظراً إلى ارتفاع احتمال عملهم في مهن خطرة وبيئات عمل عالية الخطورة، وفي ترتيبات تعاقدية، تحديداً العمل غير المنظم والتعاقد من الباطن والعمل المؤقت، ترتبط بتدريب أقل على السلامة والصحة ورقابة غير كافية ومعدلات أعلى من إصابات العمل. وبينما حدّثت بعض البلدان نظمها للسلامة والصحة المهنيتين لتعكس عالم العمل المعاصر وتديره على نحو أفضل، تواصل بلدان أخرى العمل بنظم قائمة على الأمر والرقابة تصلح لمعالجة مجموعة ضيقة من المخاطر في صناعات محددة عالية الخطورة كالتعدين والطيران، لكنها قاصرة قصوراً فادحاً عن مواجهة تحديات الصحة والسلامة الواسعة في أماكن العمل اليوم. وتعاني أماكن عمل كثيرة حول العالم، ولا سيما المنشآت الصغرى والصغيرة وغير المنظمة، من ثغرات قديمة في تغطية السلامة والصحة المهنيتين وقصور في الإنفاذ وتدنٍّ في مستويات الامتثال.

الإطار 3.1 تطور تنظيم السلامة والصحة

بدأ التنظيم الحديث للسلامة والصحة المهنيتين بالظهور في مطلع القرن التاسع عشر مع بزوغ التصنيع. وجمعت التشريعات الأولى، كقوانين المصانع في المملكة المتحدة، بين محظورات أو أوامر محددة ونظام عقوبات ينفذه المفتشون. وتناولت التشريعات الأولى ساعات العمل وعمل الأطفال، ثم أُدخلت تدريجياً تدابير سلامة أخرى.

واعتُمدت قوانين المصانع والتشريعات المماثلة في قطاعات أخرى كالأرصفة والمناجم في أنحاء العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين عبر الاستعمار. واستهدفت هذه التشريعات قضايا محددة في صناعات محددة، لكنها أخفقت في ترسيخ نهج شامل وتعاوني واستباقي لسلامة العمل. بل طُلب من المديرين والعمال وممثليهم أن ينفذوا بسلبية توجيهات صادرة عن الدولة.

وخلّف تكاثر هذه القوانين القائمة على الأمر والرقابة، التي ازدادت تعقيداً، إرثاً دائماً في ولايات قضائية كثيرة، وأبقى عدد منها على هذا النوع من التنظيم حتى القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، ومنذ سبعينيات القرن العشرين، ظهر نهج جديد للسلامة والصحة في العمل فرض على الجهات الفاعلة في مكان العمل التزامات واسعة بتحمل المسؤولية بنفسها عن تقرير كيفية إزالة المخاطر أو الحد منها. ويُؤرخ لهذا النهج الجديد عادة بالإصلاحات التي أُدخلت في المملكة المتحدة إثر مراجعة كبرى قادها اللورد روبنز.

وتضمن نموذج روبنز فرض واجبات عامة على أصحاب العمل للحفاظ على مكان عمل آمن وصحي، مع متطلبات واسعة للتنظيم المشترك بحيث يكون للمستخدمين، وأحياناً لأطراف أخرى، دور في وضع معايير مكان العمل وإجراءاته ومراقبتها وإنفاذها. وبينما ظلت هناك قواعد محددة تفرضها الحكومة، في مسائل كالتهوية أو الأسبستوس مثلاً، فقد وُضعت عموماً في صكوك فرعية بحيث يمكن تحديثها بسرعة دون حاجة إلى تعديل تشريعي. كما عنى ذلك ألا يزدحم القانون الأساسي بالقواعد التفصيلية، بل يكون غرضه بيان البنية والالتزامات الأساسية للنظام. وقد أتاح هذا الفصل بين الواجبات العامة والقواعد التفصيلية أن تكون قوانين السلامة والصحة في العمل شاملة ومفهومة، فتمد المبادئ الأساسية إلى جميع الصناعات وأماكن العمل بدلاً من الفصل بين المصانع والمناجم والأرصفة وغيرها. وعلاوة على ذلك، خضعت لمبادئ السلامة والصحة في ظل نموذج روبنز قطاعات لم تكن منظمة من قبل، كثيراً ما كانت قطاعات يغلب عليها العنصر النسائي أو صناعات ناشئة.

وانتشرت نظم نموذج روبنز في أنحاء العالم، ويقوم عليها نهج اتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية بشأن السلامة والصحة. غير أن التحولات في بنى سوق العمل كشفت حدوده بصورة متزايدة. فقد صُمم استجابة لشكل من التنظيم الصناعي ساد في البلدان المتقدمة في منتصف القرن العشرين وأواخره: منشآت صناعية كبيرة متكاملة رأسياً بقوى عاملة يغلب عليها الذكور، تعمل بدوام كامل وبصورة منتظمة، محلية ومنظمة نقابياً. وقد عمل النموذج جيداً نسبياً في مثل هذه المنشآت، حيث تُبنى ترتيبات العمل حول علاقات استخدام مباشرة ومستقرة في الغالب بين الأطراف، يمكن ربط التزامات قانونية واضحة بها ومنح حقوق قانونية واضحة على أساسها.

ويتعرض نموذج روبنز الآن لضغط أكبر، إذ تواجه المجتمعات ترتيبات عمل منزلية وقائمة على المنصات ومجزأة تعاقدياً، أي أماكن عمل متشظية، يؤدي فيها العمل في الغالب مهاجرون ونساء ورجال غير منتسبين إلى النقابات، أحياناً بعقود مؤقتة أو متعددة الأطراف أو غير منظمة. وفي سياق ترتيبات العمل هذه، يصبح إسناد الحقوق والمسؤوليات أصعب بكثير. ومع أن تقرير روبنز الأصلي أوصى بتطبيق تشريعات السلامة والصحة على نطاق واسع، بما في ذلك على العاملين لحسابهم الخاص، فإن التشريعات القائمة على نموذج روبنز مالت إلى اتخاذ علاقة الاستخدام النموذجية حجر الأساس للواجبات القانونية، تاركة وضع العاملين لحسابهم الخاص وكذلك العاملين عبر الوكالات والمنصات والعاملين العرضيين أقل وضوحاً. وعلاوة على ذلك، فإن ميله إلى التركيز على أماكن العمل الصناعية يترك العمل المؤدى في الأماكن العامة أو عبر الإنترنت أو في المنازل أقل حماية. ومرة أخرى، تصبح مسائل التمثيل، الواضحة نسبياً في المنشآت المنظمة نقابياً، إشكالية حين لا يستطيع العاملون التجمع بسهولة، إما لتشتت عملهم أو لافتقارهم إلى حقوق التنظيم الممنوحة للمستخدمين.

وفي أدبيات السلامة والصحة المهنيتين، تُعرف جيداً الفوارق القطاعية فيما يتعلق بالمخاطر المادية والبيولوجية والنفسية الاجتماعية. ففي الزراعة، تشمل المخاطر المعروفة الحوادث المرتبطة بالآلات والمعدات في المزارع الصناعية، والإصابة بأمراض الرئة وفقدان السمع الناجم عن الضوضاء والأمراض الجلدية والسرطانات المرتبطة باستخدام مبيدات الآفات أو التعرض المطول للشمس. وللتعدين مخاطر سلامة وصحة خاصة به، كعدم الاستقرار الجيولوجي والتفجير والبيئات الحرارية والإشعاع المؤين ومشكلات الصحة التنفسية كمرض الرئة السوداء. وفي الرعاية الصحية، يتعرض العاملون بانتظام لمواد معدية، كما يعانون من اضطرابات عضلية هيكلية بسبب الأوضاع الجسدية غير المريحة المستخدمة خصوصاً في التعامل مع المرضى، ولذلك يشيع لدى الممرضين إصابات الظهر وإجهاد الكتف. وبالنسبة إلى سائقي النقل البري، تُعد حوادث المرور السبب الرئيسي للوفاة والإعاقة، كما يقضي العاملون في النقل ساعات طويلة في أماكن ضيقة ويتعرضون لضوضاء واهتزاز مستمرين. وهذه بعض أبرز المخاطر والأمراض المهنية بين العاملين والقطاعات الأساسية. وفي الزراعة تحديداً، تشمل المخاطر الكيميائية الزراعية مبيدات الآفات والفطريات والأعشاب والحشرات واليرقات وغيرها من المواد الكيميائية والأسمدة والأغبرة؛ وتشمل المخاطر البيولوجية البكتيريا والفطريات والعث والفيروسات المنقولة من الحيوانات والطفيليات والقراد، والكائنات الدقيقة في الأغبرة العضوية، واللدغات والسموم، ومسببات الأمراض المقاومة لمضادات الميكروبات؛ وتشمل المخاطر المادية الآلات ومعدات العمل والضوضاء والاهتزاز والحرائق ودرجة حرارة الهواء والرطوبة والرياح والعواصف الترابية والأمطار والإشعاع الشمسي؛ وتشمل مخاطر بيئة العمل رفع الأحمال الثقيلة وحملها مراراً والعمل في وضع الانحناء والعمل اليدوي المتكرر ومعدلات المهام المكثفة. وقد تنجم عن ذلك أمراض منقولة بالنواقل وعداوى طفيلية كالشيكونغونيا وحمى الضنك والملاريا والحمى الصفراء وفيروس زيكا ومرض لايم وغيرها؛ وأمراض تحسسية كرئة المزارع والربو القصبي والتهاب الحويصلات التحسسي والتهاب الأنف والملتحمة والجلد التحسسي؛ واضطرابات وإصابات عضلية هيكلية كاعتلال الرقبة والأطراف العليا وأسفل الظهر والتشنجات العضلية واضطرابات الأوعية والأعصاب والعضلات والعظام والمفاصل، والفصال العظمي؛ وسرطانات كابيضاض الدم والورم اللمفي اللاهودجكيني والورم النقوي المتعدد وسرطان الجلد؛ وأمراض أخرى كمتلازمة سمية الغبار العضوي ومرض التبغ الأخضر.

وتبين البيانات الأوروبية أنه رغم تعرض كثير من العاملين للإجهاد الجسدي في وظائفهم، فإن 54.2% من العاملين الأساسيين يعملون أحياناً أو دائماً في أوضاع غير مريحة، مقارنة بنسبة 41.1% من غيرهم. وخلال الجائحة، ارتفعت حصة العاملين الأساسيين الذين يعانون من الإجهاد الجسدي في وظائفهم إلى 61.6%، بينما ظلت النسبة الإجمالية لدى غيرهم على حالها عند 41%. وعلى نحو مماثل، أفاد قرابة 45% من العاملين الأساسيين بأنهم يحملون أحمالاً ثقيلة أو ينقلونها أحياناً أو دائماً، وهو ما يقارب ضعف نسبة 24.6% المبلغ عنها لدى غيرهم. ومرة أخرى، ساء الوضع بالنسبة إلى العاملين الأساسيين خلال الجائحة، إذ أفاد 51.6% منهم بحمل أحمال ثقيلة أو نقلها، مقارنة بنسبة 44.7% عام 2015. أما غيرهم فلم يشهدوا سوى زيادة طفيفة إلى 26.7% من 24.6%.

وتعرّف اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190) العنف والتحرش في عالم العمل بأنه طائفة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة أو التهديد بها، سواء حدثت مرة واحدة أو تكررت، تهدف إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، أو تسفر عنه أو يرجح أن تسفر عنه، ويشمل العنف والتحرش القائمين على النوع الاجتماعي.

وإلى جانب المخاطر المادية والبيولوجية التي يتعرض لها العاملون الأساسيون، تشيع المخاطر النفسية الاجتماعية أكثر بينهم. وتنشأ المخاطر النفسية الاجتماعية حين تفوق متطلبات الوظيفة الموارد المتاحة للعاملين، كما نوقش في الفصل الثاني. وتنجم هذه المخاطر عن سوء تصميم العمل وتنظيمه وإدارته، وعن سوء السياق الاجتماعي للعمل، وقد تفضي إلى نتائج نفسية وجسدية واجتماعية سلبية كالإجهاد المرتبط بالعمل والاحتراق النفسي والاكتئاب. وتُعد الأشكال النفسية للعنف، كالتحرش بما فيه التحرش الجنسي والتنمر والإقصاء الجماعي، أشكالاً شديدة من المخاطر النفسية الاجتماعية في مكان العمل.

وتبين البيانات الأوروبية لعامي 2015 و2021 حصة العاملين الأساسيين وغيرهم الذين تعرضوا للعنف والتحرش في العمل خلال الشهر السابق للمسح. ويمكن أن يأتي العنف والتحرش في العمل من الزملاء أو المديرين، وكذلك من الزبائن أو المرضى أو غيرهم ممن يتعامل معهم الشخص أثناء عمله. فقد ذكر قرابة 12.4% من العاملين الأساسيين أنهم تعرضوا للإساءة اللفظية أثناء أداء وظائفهم، مقارنة بنسبة 8.7% من غيرهم. ويكشف التصنيف بحسب المجموعة المهنية عن فوارق أوضح؛ ففي الأمن تعرض 27.1% للإساءة اللفظية عام 2015، وفي الصحة بلغت الحصة 19.1%. والأكثر إثارة للقلق أن المعدل الإجمالي للإساءة اللفظية والتحرش والاهتمام الجنسي غير المرغوب فيه في مكان العمل في أوروبا ارتفع خلال الجائحة لدى العاملين الأساسيين، بينما لم يتغير كثيراً لدى غيرهم.

وتبين البيانات الأمريكية عن الإساءة اللفظية والتهديد نمطاً مماثلاً من ارتفاع المعدل لدى العاملين الأساسيين مقارنة بغيرهم قبل الجائحة، وزيادات حادة خلالها. ففي عام 2015، أفاد 13.4% من العاملين الأساسيين بتعرضهم للإساءة اللفظية في العمل خلال الشهر السابق للمسح، مقارنة بنسبة 9% من غيرهم. وخلال الجائحة، أفاد واحد من كل خمسة عاملين أساسيين بتعرضه للإساءة اللفظية في العمل، بنسبة 20.7%. وكما في أوروبا، تسجل بعض المهن مستويات أعلى من الإساءة اللفظية، كالرعاية الصحية والأمن. غير أن الارتفاع خلال الجائحة كان أوضح لدى العاملين في المبيعات والأعمال المرتبطة بها، إذ أفاد 26.5% منهم بالإساءة اللفظية في الشهر السابق لمسح 2021، مقارنة بنسبة 14.6% عام 2015. والأكثر إزعاجاً الارتفاع الواضح في التهديدات الموجهة إلى العاملين في المبيعات، الذي قفز إلى نسبة مذهلة بلغت 11.7% عام 2021 من 1.6% عام 2015. وبوجه عام، ارتفعت التهديدات لدى العاملين الأساسيين من 3.9% إلى 8.9%، ولدى غيرهم من 2.8% إلى 6.1%.

معالجة إصابات العمل وأمراضه

كيف تحد نظم السلامة والصحة المهنيتين الحديثة من هذه الأضرار الجسدية والنفسية الاجتماعية؟ إن مفهوم تقييم المخاطر وإدارتها محوري. فبموجب الاتفاقية رقم 155، يتعين على أصحاب العمل أن يضمنوا، بقدر ما هو ممكن عملياً على نحو معقول، أن تكون طائفة من الأمور الخاضعة لسيطرتهم آمنة وخالية من الخطر على الصحة. وينبغي للمنشأة أن تضع كتابةً سياسة للسلامة والصحة المهنيتين، وأن توزع المسؤولية والمساءلة والسلطة لتطوير نظام إدارة السلامة والصحة وتنفيذه وأدائه وتحقيق أهدافه. وينبغي وضع برنامج للسلامة والصحة واتخاذ تدابير وقائية لإزالة المخاطر، أو التقليل منها إن تعذرت إزالتها. وعند تقييم التدابير المتاحة للتحكم في المخاطر، كثيراً ما يُستخدم مفهوم تسلسل الضوابط، الذي يقوم على ترتيب الضوابط الوقائية والحمائية بحسب فاعليتها.

ويبدأ تسلسل الضوابط بالضابط الأكثر فاعلية، وهو إزالة الخطر أو استبداله. ففي حالة كوفيد 19، لم يكن ممكناً إزالة الفيروس تماماً، لكن بالنسبة إلى المهن التي يمكن أداؤها عن بعد، أمكن الحد من التعرض بالعمل من المنزل. والتدبير الثاني الأكثر فاعلية هو تطبيق الضوابط الهندسية التي تقلل التعرض للمخاطر، وقد تكون الحلول الأكثر جدوى من حيث الكلفة. وفي حالة كوفيد 19، شملت الضوابط الهندسية تحسين التهوية وتركيب مرشحات هواء عالية الكفاءة أو حواجز مادية، أو استخدام نوافذ الخدمة للسيارات لخدمة الزبائن. والمستوى الثالث هو الضوابط الإدارية والتنظيمية، التي تتضمن تغييرات في سياسة العمل أو إجراءاته لتقليل التعرض للخطر أو الحد منه. وفي حالة كوفيد 19، شملت هذه الضوابط ضمان التباعد الجسدي بإدخال مناوبات إضافية أو حضور العاملين في أيام متناوبة، وتعزيز ممارسات النظافة الجيدة الموجهة إلى العاملين وإلى مكان العمل، كالتنظيف والتطهير الروتينيين، وتطبيق ممارسات مكافحة العدوى، كسياسات المراقبة الصحية ومراقبة مكان العمل وإجراءات الفحص وتدابير الاستجابة للعاملين المرضى أو المحتمل إصابتهم. والتدبير الأخير هو معدات الحماية الشخصية. ومع أن هذه المعدات تُعد عموماً الملاذ الأخير، فقد كانت ضرورية خلال جائحة كوفيد 19 لمنع أنواع معينة من التعرض، ولا سيما في مهن الخطوط الأمامية. غير أنه لا يمكن استخدامها بديلاً عن تدابير السلامة والصحة الأخرى. وفي حالات كثيرة، بما فيها جائحة كوفيد 19، استُخدمت التدابير المختلفة مجتمعة.

ولا تُترك المنشآت لشأنها في إجراء تقييمات المخاطر وفق هذه الواجبات. فكما ذُكر أعلاه، تُستكمل الواجبات العامة في نظام سلامة وصحة جيد الأداء بقواعد مفوضة تفصيلية، كاللوائح ومواد الإرشاد التي تصدرها هيئات مخولة بموجب قوانين السلامة والصحة العامة. وكثيراً ما تكون هذه القواعد خاصة بصناعة أو نشاط معين. ولذلك يتعين على المنشأة أن تراعي ليس فقط الواجب العام بل أيضاً اللوائح المحددة بشأن الضوضاء أو الرصاص أو السيليكا مثلاً إن كانت ذات صلة بأنشطتها. وخلال جائحة كوفيد 19، أتاحت القواعد المفوضة وسيلة محتملة لتوجيه المنشآت إلى معالجة تهديد كوفيد 19 على نحو منهجي، ولأن تحديث القواعد أسهل من تحديث التشريعات، أمكنها أن تتطور مع تعمق المعرفة بمكافحة انتشار الفيروس. ولسوء الحظ، وضعت ولايات قضائية كثيرة تدابير مؤقتة مخصصة للتعامل مع كوفيد 19، ولم تطور بعد قواعد أو إرشادات مفوضة متينة ومستقرة بشأن مسائل كالأمراض المحمولة جواً.

وإلى جانب القواعد والإرشادات الأكثر تفصيلاً، يُستكمل الواجب الأساسي بتوفير بيئة عمل آمنة وصحية بقدر ما هو ممكن عملياً على نحو معقول بواجب التعاون. ويعني ذلك العمل مع المنشآت الأخرى التي تؤثر في مكان العمل، والتعاون مع العاملين وممثليهم. ففي أماكن عمل كثيرة، لا توجد منشأة واحدة تملك السيطرة الكاملة. ففي موقع بناء كبير مثلاً، كثيراً ما يعمل كثير من المقاولين من الباطن، وهو نمط يتزايد في صناعات لا تحصى. وتنص المادة 17 من الاتفاقية رقم 155 على أنه كلما مارست منشأتان أو أكثر أنشطة في آن واحد في مكان عمل واحد، تعاونت في تطبيق متطلبات الاتفاقية. وتشترط المادة 19 من الاتفاقية وجود ترتيبات داخل المنشآت تضمن مشاركة العاملين وممثليهم في الوفاء بالتزامات السلامة والصحة في مكان العمل، بما فيها ترتيبات تبادل المعلومات وتوفير التدريب المناسب والتشاور في مكان العمل.

ومن حيث المبدأ، ينبغي لالتزامات التعاون هذه أن تضمن انخراط جميع المنشآت والعاملين في مكان العمل انخراطاً فعالاً في جعل بيئة العمل آمنة وصحية. ولسوء الحظ، لا تزال نظم كثيرة تفسر التزامات التعاون هذه تفسيراً ضيقاً، فتقصر نطاقها على أصحاب العمل والمستخدمين، وتستبعد فئات معينة من العاملين الذين قد يكونون حاضرين في مكان العمل، كالعاملين المؤقتين عبر الوكالات والعاملين لحسابهم الخاص. وهذه المسألة، أي النطاق غير المكتمل للمسؤولية، هي في صميم التحدي الذي تواجهه نظم السلامة والصحة المعاصرة، وقد أبرزت جائحة كوفيد 19 هذه النواقص.

ففي البرازيل مثلاً، يرتبط قانون السلامة والصحة عموماً بعلاقة الاستخدام، كما ترتبط به اشتراكات الضمان الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، ينص القانون على وجوب منح العاملين المنتظمين والعرضيين حقوقاً متساوية وعلى شمول العاملين عبر الوكالات. أما غير المستخدمين، كالعاملين لحسابهم الخاص، فعليهم توفير معدات السلامة الخاصة بهم والتأمين على أنفسهم ضد الحوادث. ويعمل نحو 40% من القوى العاملة بصورة غير منظمة خارج حماية نظم السلامة والصحة والضمان الاجتماعي.

وفي الولايات المتحدة، لا يشمل قانون السلامة والصحة بعض المستخدمين إطلاقاً، وهم موظفو الولايات والحكومات المحلية في الولايات التي ليس لديها قانون خاص بها للسلامة والصحة، وعددها يزيد على عشرين ولاية. ويعمل كثير من العاملين الأساسيين لدى الولايات أو الحكومات المحلية، ولا يتمتع هؤلاء بأي حماية في مجال السلامة والصحة ما لم يشملهم اتفاق مفاوضة جماعية. وعلاوة على ذلك، لا يُشمل العاملون لحسابهم الخاص والطلاب والمتطوعون إطلاقاً، ووضع العاملين المؤقتين عبر الوكالات غير واضح. وتُستثنى المزارع الصغيرة صراحة من برامج التفتيش، وصلاحيات التفتيش على المنشآت الصغيرة محدودة.

ومن مصادر القلق الأخرى التنافر بين النطاق الفني للقانون وتغطيته الفعلية. فالطابع غير المنظم يعني تحديداً أن هؤلاء العاملين خارج النطاق الفعلي للقانون. ففي رواندا مثلاً، نطاق الفصل الخاص بالسلامة والصحة في قانون العمل واسع، إذ يشمل العاملين لحسابهم الخاص والمتدربين والمتمرنين. ومع ذلك، فإن ثلاثة أرباع القوى العاملة غير منظمين ولا تشملهم إحصاءات السلامة والصحة، ومن أشد العاملين غير المنظمين هشاشة أولئك المهاجرون والأميون والموسميون. كما تبين البيانات الرواندية أن الالتزام بقانون السلامة والصحة يتفاوت من قطاع لآخر، من امتثال مرتفع في قطاع الخدمات بنسبة 76% إلى امتثال منخفض في البناء بنسبة 42%. وهذا التفاوت بين الصناعات، المقترن كثيراً بتفاوت إقليمي داخل البلدان، شائع في الولايات القضائية المختلفة.

وهكذا يقع كثير من العاملين الأساسيين خارج نطاق حماية السلامة والصحة المهنيتين. فكثيراً ما يُستخدم السائقون وعمال التنظيف والعاملون في خدمات الحماية عبر سلاسل تعاقد من الباطن معقدة تقلص المسؤوليات القانونية للمستخدمين النهائيين. وكثيراً ما يعمل العاملون في الرعاية الشخصية والعاملون في الشوارع لحسابهم الخاص وخارج أماكن العمل الصناعية. وحتى بالنسبة إلى العاملين الأساسيين في الوظائف الصناعية التقليدية، عطلت عمليات الإغلاق والقيود الأخرى على الوصول إلى أماكن العمل أنماط التنظيم والتمثيل. وإضافة إلى ذلك، لا يشعر كثير من العاملين، ولا سيما ذوو العقود غير المستقرة، بالارتياح للإبلاغ عن مخالفات السلامة خوفاً من الانتقام. ويصح ذلك بوجه خاص على العاملين المهاجرين الذين ليس لهم وضع قانوني أو الذين تفرض عليهم وكالات التوظيف رسوماً مرتفعة.

ومن القيود الأخرى في الطريقة التي عملت بها نظم سلامة وصحة كثيرة في الممارسة، والتي كشفتها جائحة كوفيد 19 أيضاً، الميل إلى التركيز على البنية التحتية المادية بدلاً من المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية، مع أن الصحة النفسية مشمولة في الاتفاقية رقم 155، وكذلك في الاتفاقية رقم 190 التي تتناول العنف والتحرش في العمل. ومع أن التركيز على الضرر الجسدي مفهوم تاريخياً، لأن المناجم ومواقع البناء ومنشآت التصنيع كانت تمثل أخطاراً واضحة على السلامة الجسدية، فإن تزايد الإجهاد النفسي في العمل وتصاعد حالات العنف والتحرش في مكان العمل، ولا سيما في قطاعات الرعاية الصحية والأمن والتجزئة المتعاملة مع الجمهور، شاغل ملح. والواقع أن مراجعة للتشريعات الوطنية في 132 بلداً بين عامي 2018 و2019 وجدت أن ثلثيها لم يدرج تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والوقاية منها في تشريعات السلامة والصحة الوطنية. وعلاوة على ذلك، لم يكن العنف في مكان العمل محظوراً في بلدان كثيرة إلا إذا انطوى على إساءة للأعراف الأخلاقية أو الدينية.

كما طغى التركيز على البنية التحتية المادية على الاستجابة للأمراض المهنية، وإن حظيت هذه باهتمام أكبر من المخاطر النفسية الاجتماعية. فبينما قد يكون الضرر الناجم عن الآلات الخطرة مثلاً فورياً ومثيراً، كثيراً ما تتطور الأمراض المهنية تدريجياً، وقد يصعب إثبات الصلة السببية بين المرض ومكان العمل، كما يبين تاريخ تنظيم الأسبستوس. ومع ذلك، اعترفت صكوك منظمة العمل الدولية منذ زمن بعيد بأنواع كثيرة من الأمراض المهنية وبالتزام الدول بمعالجتها. وتوفر توصية منظمة العمل الدولية بشأن قائمة الأمراض المهنية لعام 2002 (رقم 194)، التي حُدثت آخر مرة عام 2010، أساساً لتصنيف منهجي للمخاطر المحتملة على الصحة، بما فيها العوامل البيولوجية والأمراض المعدية. ومن البديهي أن كوفيد 19 إضافة صريحة محتملة لهذه القائمة. غير أن معظم الدول الأعضاء لم تعترف به بعد مرضاً مهنياً إلا على أساس كل حالة على حدة أو بالنسبة إلى المهنيين الصحيين وحدهم. وإضافة إلى ذلك، وكما ذُكر أعلاه، لم تطور نظم كثيرة بعد معايير مناسبة بشأن الأمراض المحمولة جواً.

3.2 الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية

روت عاملة تنظيف في مستشفى في جمهورية كوريا أنه في الماضي، حين لم تكن هناك نقابة، كان الناس يُفصلون ويُعيَّنون بحسب الأهواء، أما اليوم، فبفضل النقابات صار لديهم على الأقل استقرار وظيفي؛ ففي الماضي إن تغير المقاول من الباطن انتهى أمرك، ولم يكن هناك مكان قانوني تلجأ إليه للتظلم أو الشكوى، أما الآن فقد تغيرت الأحوال وصار بإمكانك مواصلة العمل حتى لو تغير المقاول.

كان الانتساب النقابي والمفاوضة الجماعية مورداً مهماً للعاملين خلال الجائحة. فكما بيّن الفصل الثاني، امتلك العاملون الأعضاء في النقابات قنوات رسمية لعرض شواغلهم على الإدارة والتفاوض على حلول لتحسين سلامة بيئة عملهم وغيرها من القضايا المثيرة للقلق. والحرية النقابية والمفاوضة الجماعية حقان تمكينيان، إذ تستطيع النقابات وصاحب عمل أو أكثر أو منظمة أصحاب عمل عبر المفاوضة الجماعية التعبير عن مطالبهم وتبادل المعلومات وإبرام اتفاق مفاوضة جماعية ينظم ظروف العمل وشروط الاستخدام. ومن ثم فإن الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية حاسمتان في تحديد ظروف العمل التي تؤثر في جودة الوظيفة إجمالاً.

إن الحرية النقابية، أي حق العاملين في الانضمام إلى نقابة وحق أصحاب العمل في الانضمام إلى منظمة، والمفاوضة الجماعية، أي التفاوض الطوعي بين النقابات وصاحب عمل أو أكثر أو منظمتهم، مبادئ وحقوق أساسية في العمل. ومن ثم يجب على جميع الدول الأعضاء، بحكم عضويتها في منظمة العمل الدولية، احترام هذه المبادئ وتعزيزها وإعمالها على نحو شامل، بصرف النظر عن تصديقها على الاتفاقيات المعنية. وبإيجاد إطار لعلاقات العمل الجماعية المستمرة، تمكّن المفاوضة الجماعية الأطراف من تفصيل القواعد على مقاس ظروف معينة وتكييفها حين تتغير الظروف. وعلاوة على ذلك، فإن وجود الاتفاق الجماعي وتنفيذه يحسنان أيضاً الامتثال لتنظيم العمل، مما يجعل الانتساب النقابي دعامة مهمة للامتثال التنظيمي.

وفي أنحاء العالم، ينتسب إلى نقابة نحو واحد من كل ستة مستخدمين، وبين مجموع المشتغلين، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص، ينتسب إلى نقابة واحد من كل تسعة عاملين. ويمثل ذلك نحو 250 مليون عامل في القطاعين العام والخاص. ولا يزال الانتساب النقابي للعاملين لحسابهم الخاص منخفضاً عند 2.2% فقط، رغم أهميته الحاسمة لمعالجة شواغلهم الجماعية. وتتفاوت معدلات الانتساب النقابي تفاوتاً هائلاً بين البلدان، بما يعكس نظام العلاقات الصناعية القائم وكذلك التركيبة الصناعية للبلد. فهي تتراوح بين أقل من 5% في كولومبيا وباكستان وبيرو وتايلند وجمهورية فنزويلا البوليفارية، وأكثر من 60% في كوبا والدنمارك والسويد، لتبلغ 92% في آيسلندا.

ووفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية، تُنظم أجور وظروف عمل أكثر من ثلث المستخدمين في 98 بلداً عبر اتفاق جماعي واحد أو أكثر، بالمتوسط المرجح. غير أن هناك تفاوتاً كبيراً في معدل تغطية المفاوضة الجماعية بين البلدان، من أكثر من 75% في كثير من البلدان الأوروبية وأوروغواي، إلى أقل من 25% في نحو نصف البلدان التي تتوافر عنها بيانات. ويعود هذا التفاوت إلى تصميم نظام العلاقات الصناعية، ولا سيما ما إذا كانت المفاوضة مقصورة على مستوى المنشأة أم تغطي المفاوضة متعددة أصحاب العمل القطاعات والمهن؛ وما إذا كان العاملون مشمولين بنطاق الاتفاقات الجماعية بصرف النظر عن انتمائهم إلى النقابة الموقعة أو عملهم في شركات غير موقعة، أي آلية التمديد الإداري؛ وما إذا كان للموظفين العموميين الحق في المفاوضة الجماعية، وهو محظور في 17 بلداً. ففي البلدان التي تقتصر فيها المفاوضة على مستوى المنشأة، يشمل الاتفاقات الجماعية في المتوسط 15.8% من المستخدمين، بينما يبلغ متوسط معدل التغطية 71.7% حيث تجري المفاوضة في سياقات متعددة أصحاب العمل.

وبوصف المفاوضة الجماعية شكلاً من أشكال التنظيم، فإنها تؤثر في أبعاد متعددة من ظروف العمل، بما فيها الأجور والأمان الوظيفي والترتيبات التعاقدية وساعات العمل وسياسات الإجازات والوصول إلى التدريب والحماية الاجتماعية والسلامة والصحة وغيرها من القضايا التي تهم أطراف المفاوضة. ومع أن الانتساب النقابي والمفاوضة الجماعية يُحللان عادة من حيث أثرهما في الدخل، وهو موضوع يتناوله الفصل الخامس، فإن قضية تفاوضية كثيراً ما تُغفل لكنها حاسمة هي السلامة والصحة في مكان العمل، التي كانت شاغلاً رئيسياً للعاملين الأساسيين خلال الجائحة. وتبين البيانات المتعلقة بالتفاوض الجماعي والامتثال في مكان العمل أهمية المفاوضة الجماعية أداةً للاستجابة لتحديات جائحة كوفيد 19. فقد وجد تحليل أجرته منظمة العمل الدولية لاتفاقات المفاوضة الجماعية المبرمة خلال الجائحة في قطاعات الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والتعليم وتجارة التجزئة الغذائية والنقل أن معظمها تضمن التزامات بضمان توفير كافٍ لمعدات الحماية الشخصية وبروتوكولات لاستخدامها السليم، وتدابير حماية أخرى كالحواجز والمعاملات غير النقدية، والإجازات المدفوعة والتعويضات الإضافية. وعلاوة على ذلك، أدت لجان السلامة والصحة الثنائية دوراً حاسماً في تصميم بروتوكولات كوفيد 19 وتطبيقها ومراقبة الامتثال لها. وفي بعض الحالات، وسعت الاتفاقات الجماعية ولاية لجان السلامة والصحة القائمة ضمن نظم إدارة السلامة والصحة القائمة أصلاً. وفي حالات أخرى، أنشأت أطراف المفاوضة لجان أزمات مخصصة للإشراف على تطبيق تدابير السلامة والصحة المتصلة بكوفيد 19.

الإطار 3.2 المفاوضة الجماعية للعاملين الأساسيين خلال الجائحة

أثبتت اتفاقات المفاوضة الجماعية أنها أداة مفيدة لمعالجة شواغل العاملين الأساسيين خلال جائحة كوفيد 19، وتمحورت الاتفاقات حول خمسة مجالات رئيسية: حماية الصحة والسلامة، واستحقاقات الإجازات المدفوعة، والحماية الاجتماعية، وتنظيم العمل، والتعويضات الإضافية.

حماية الصحة والسلامة: ركزت الاتفاقات الجماعية للعاملين الأساسيين على الحد من تعرضهم للفيروس بضمان صحتهم وسلامتهم، ودعمهم في حال الإصابة خلال تعافيهم بالرعاية الطبية والإجازات المدفوعة. ففي قطاعات مختلفة، ساعد الحصول على معدات الحماية، المتفاوض عليه عبر الاتفاقات الجماعية، على الحد من تعرض العاملين للفيروس. ففي قطاع الرعاية الصحية في جمهورية كوريا مثلاً، ضمن اتفاق جماعي تخزين معدات الحماية الشخصية وتخصيصها للعاملين الصحيين. ووُجدت اتفاقات مماثلة تنظم حصول العاملين على هذه المعدات أيضاً في النمسا وشيلي وكولومبيا وكوستاريكا وإيطاليا وكينيا وإسبانيا والولايات المتحدة. وفي قطاعات أخرى كالتجزئة والنقل، أسفرت الاتفاقات الجماعية عن تركيب حواجز مادية تفصل العاملين عن الزبائن. ففي النرويج، ساعدت الاتفاقات الجماعية على الحد من تعرض العاملين في النقل العام عبر إدخال الدفع غير النقدي وإغلاق الأبواب الأمامية في المركبات العامة. وعلى نحو مماثل، رُكبت حواجز مادية عند صناديق الدفع في شيلي والنرويج للحد من احتكاك العاملين في التجزئة بالزبائن. كما أدخلت بلدان مختلفة ضمانات حماية جديدة في صناعة تجهيز اللحوم؛ إذ اتفقت رابطة صناعة اللحوم الأيرلندية والنقابات على بروتوكول سلامة للعاملين.

استحقاقات الإجازات المدفوعة: كانت الإجازات المدفوعة، سواء الوقائية أو في حال التعرض أو الإصابة، موضوع بعض الاتفاقات الجماعية للعاملين الأساسيين خلال الجائحة. ففي تشيكيا وفنلندا، خُصصت إجازة مدفوعة ليحصل العاملون على اللقاح. وفي حالات أخرى، ارتبطت بكشف الفيروس؛ ففي إيطاليا، ضمن الاتفاق الجماعي إجراء فحوص كوفيد 19 المتكررة لمن يتعرضون للفيروس بانتظام. وفي الأرجنتين وسري لانكا، أتاحت الاتفاقات الجماعية تدابير إجازات مرضية استثنائية للعاملين الصحيين في حال الإصابة، تضمن حصولهم على الرعاية الطبية دون خفض أجورهم. كما مُنح العاملون الأساسيون في أجزاء من قطاع التجزئة في أستراليا والولايات المتحدة، والعاملون في الرعاية في أيرلندا واسكتلندا، استحقاقات إضافية للإجازات المرضية. وفي حال التعرض لكوفيد 19 دون الإصابة بالضرورة في المملكة المتحدة، دفع بعض أصحاب العمل أجور فترات العزل الذاتي للعاملين، بينما وسع آخرون أحكام الأجر المرضي القانوني لتشمل مستخدمين لم يكونوا مؤهلين قبل الجائحة. وأُدخلت اتفاقات مماثلة في النمسا وشيلي. كما نُص عبر الاتفاقات الجماعية على دفع الأجور كاملة خلال فترات الحجر لبعض العاملين الصحيين في أستراليا والنرويج وجمهورية كوريا والولايات المتحدة.

الحماية الاجتماعية: إلى جانب الاعتراف بكوفيد 19 مرضاً مهنياً، أدخلت الاتفاقات الجماعية في عدة بلدان استحقاقات وحمايات غير متصلة بالأجور للعاملين في القطاع الصحي. فقد أُدخلت الرعاية المجانية في المستشفيات للعاملين المصابين بكوفيد 19 في الفلبين وسري لانكا، كما أُدخل النقل المجاني بالحافلات للعاملين الصحيين في الفلبين. وفي عام 2020، شُمل الممرضون في كينيا بالتأمين الوطني الصحي وتأمين الإصابات. وأُدخلت بنود الدعم النفسي الاجتماعي، كعلاج الصحة النفسية ودعمها، في القطاع الصحي في فنلندا وإيطاليا وجمهورية كوريا.

تنظيم العمل: هدفت التغييرات في تنظيم العمل، المدخلة عبر الاتفاقات الجماعية في عدة بلدان، إلى حماية العاملين المعرضين للخطر والاستجابة السريعة للظروف المتغيرة. ففي قطاع التجزئة في النمسا مثلاً، ضمن اتفاق قطاعي إمكانية تكليف العاملين المعرضين للخطر، كالحوامل، بمهام لا تتطلب الاحتكاك بالزبائن، أو إعفاءهم من العمل بأجر كامل. وعلى نحو مماثل، في كولومبيا، وفي ذروة الجائحة، ضمن اتفاق جماعي شمل 320 مزرعة موز ألا يضطر العاملون الأكثر عرضة للعدوى، كمن تجاوزوا 65 عاماً والحوامل ذوات الحمل العالي الخطورة وذوي الحالات الطبية السابقة، إلى العمل، ومنحهم إجازة مدفوعة. وفي القطاع الصحي في أيرلندا والنرويج، أتاحت الاتفاقات الجماعية تخفيف القيود على العمل الإضافي وتليين اللوائح التي تحكم إعادة نشر العاملين وإعادة جدولتهم بهدف ضمان قدرة الخدمات الصحية على الصمود، وقد طُبقت هذه التدابير مؤقتاً على أن تنتهي حين تنحسر الجائحة.

التعويضات الإضافية: في بلدان كثيرة، أُقرت عبر الاتفاقات الجماعية مدفوعات إضافية لمرة واحدة أو مكافآت أو بدلات خطر للعاملين الأساسيين في قطاعات الرعاية الصحية والنقل والغذاء والتجزئة ورعاية المسنين؛ ومن الشركات التي فعلت ذلك سلسلة متاجر في أستراليا وأخرى في رومانيا وثالثة في جنوب أفريقيا. وفي بعض الحالات، رفعت الاتفاقات الجماعية أجور العاملين الأساسيين على مدى عدة فترات؛ إذ ضمنت اتفاقات جماعية في ألمانيا والسويد زيادات في الأجور لمدة عامين ومكافآت للممرضين. وفي أعقاب إضراب وطني للعاملين الصحيين في كينيا في ديسمبر 2020، ضمنت عدة اتفاقات جماعية على مستوى المقاطعات حق العاملين في الأجور المتأخرة وتوفير معدات الحماية وتغطية التكاليف الطبية لمن أصيبوا بكوفيد 19. وفي بلدان أخرى، ولا سيما في القطاعات الممولة من الأموال العامة كالرعاية الصحية والأمن، حال تدهور المالية العامة دون التعويض الإضافي للعاملين الأساسيين؛ ففي كرواتيا مثلاً، أُرجئت زيادات الأجور المتفاوض عليها مسبقاً لموظفي القطاع العام.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، فإن كثيراً من العاملين، بمن فيهم كثير من العاملين الأساسيين، ليسوا أعضاء في نقابة ولا يشملهم اتفاق مفاوضة جماعية. وتكشف البيانات عن الانتساب النقابي للمستخدمين الأساسيين وغيرهم في 19 بلداً وإقليماً، وعن معدلات الانتساب بحسب المجموعة المهنية الأساسية، نتيجة رئيسية واحدة: تتفاوت معدلات الانتساب النقابي تفاوتاً كبيراً بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم، بين البلدان وداخلها. فعبر البلدان، تمتد المعدلات من صفر تقريباً في السلفادور للفئتين، إلى نحو 42% و55% على التوالي في أوكرانيا.

وداخل البلدان، تظهر فوارق كبيرة في معدلات الانتساب بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم. فبينما تفوق معدلات الانتساب لدى غير الأساسيين نظيرتها لدى الأساسيين في معظم البلدان، يزيد معدل انتساب العاملين الأساسيين في خمسة من البلدان والأقاليم التسعة عشر، هي دولة بوليفيا المتعددة القوميات وإسواتيني والأرض الفلسطينية المحتلة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع معدلات الانتساب في القطاع العام وبين العاملين في الرعاية الصحية والأمن، بمن فيهم ضباط الشرطة. ففي المملكة المتحدة مثلاً، ينتسب 47% من المستخدمين في الرعاية الصحية إلى نقابة، بينما تقل النسبة عن 25% في الفئات المهنية السبع الأخرى. وعلى نحو مماثل، في الولايات المتحدة، يُعد المستخدمون الأساسيون في الأمن، ولا سيما ضباط الشرطة ورجال الإطفاء، أكثر انتساباً نسبياً بنسبة 37% من بقية العاملين الأساسيين بأجر بنسبة 11%.

كما تتضح الفوارق الصارخة في معدلات الانتساب بين المهن الأساسية. فالانتساب بين المستخدمين في الصحة يبلغ 35.8%، يليه نحو 23% للفنيين والعاملين الكتابيين وموظفي الأمن. وفي المقابل، تقل معدلات الانتساب عن المتوسط في التنظيف والصرف الصحي والنظم الغذائية والتجزئة. فبالكاد ينتسب 6% من المستخدمين الأساسيين في التجزئة و9% في النظم الغذائية إلى نقابة، وهي نسب أدنى بكثير من المتوسط البالغ 17.6% لجميع المستخدمين.

وليس انخفاض معدلات الانتساب في النظم الغذائية والتجزئة مستغرباً بالنظر إلى العوائق الكثيرة أمام تنظيم هؤلاء العاملين. فبعض البلدان لا تزال تستثني العاملين الزراعيين من تشريعات العمل العامة، فتحرمهم من حق التنظيم. وإلى جانب ارتفاع نسبة العمل لحساب الذات، يُستخدم كثير من المستخدمين في الزراعة بصورة غير منظمة، وكثيراً ما يكون ذلك بعقود عرضية، مما يصعّب الانتساب النقابي عملياً، سواء لأن القوى العاملة متنقلة أو لأن غياب الأمان الوظيفي يجعل العاملين يخشون الانتقام بسبب الانتساب. وبالنسبة إلى المهاجرين الدوليين المستخدمين عمالاً زراعيين عبر برامج الهجرة المؤقتة، تتفاقم المشكلة لأن إقامتهم المؤقتة في البلد المضيف مرتبطة بعقد عملهم.

وخلافاً للعاملين الزراعيين، لا توجد محظورات قانونية على انتساب العاملين في التجزئة إلى النقابات ومفاوضتهم الجماعية، لكن ثمة قيوداً، ولا سيما في البلدان التي تقتصر فيها المفاوضة الجماعية على مستوى المنشأة. فبينما شهدت البلدان المرتفعة الدخل تركزاً لمتاجر التجزئة مع نمو السلاسل، بما فيها المتاجر الضخمة، فإن المفاوضة على مستوى المنشأة في بعض البلدان تقتضي أن يدير كل فرع حملة نقابية وانتخابات منفصلة، وإن نجحت فقد لا تسري نتائج اتفاق المفاوضة الجماعية إلا على ذلك الفرع. ونظراً إلى ارتفاع معدل دوران الموظفين في التجزئة والاستخدام الواسع للعقود بدوام جزئي والعقود المؤقتة، يصعب على العاملين في التجزئة إقامة التفاعلات الهادفة مع زملائهم أو ممثلي النقابة اللازمة لنجاح حملة تنظيم. وتتجلى هذه القيود في معدل انتساب العاملين الأساسيين في التجزئة، الذي لم يتجاوز 3.8% في الولايات المتحدة عام 2019. وفي البلدان الأدنى دخلاً، كثير من العمل في التجزئة غير منظم ويجري في منشآت صغرى أو صغيرة، مما يصعّب الانتساب النقابي. كما حددت بعض البلدان عتبة دنيا لحصة المستخدمين المنتسبين اللازمة للاعتراف بالنقابة وكيلاً حصرياً للمفاوضة.

وتشير الأدلة المتعلقة بالمفاوضة الجماعية خلال الجائحة إلى أن اللجوء إلى التفاوض الجماعي كثيراً ما توقف على مدى اعتماد البلد أو الصناعة أو الشركة عليه قبل كوفيد 19. وحين استُخدمت المفاوضة الجماعية، استطاعت أن تستجيب بنجاح لظروف العمل والاستخدام للعاملين الأساسيين خلال الجائحة وتحسنها.

3.3 الترتيب التعاقدي

قال موظف طبي في ماليزيا إنه مجرد موظف طبي متعاقد، وإن كونهم لا يزالون بعقود، وإنهم قد يجدون أنفسهم بلا عمل بمجرد انتهاء الجائحة، ليس بالأمر الإيجابي الذي يحمله المرء في ذهنه حين يدخل إلى العمل ويرى هذا المشهد المروع أمامه كل يوم.

يمكن أن تترتب على كون الترتيب التعاقدي للفرد بدوام جزئي أو مؤقتاً أو متعدد الأطراف، عبر وكالة استخدام خاصة أو وسيط عمالة، عواقب مهمة على الأجر والمزايا غير الأجرية التي يحصل عليها، ومن ثم على درجة الحماية العمالية التي يتمتع بها. والعاملون الأساسيون أرجح في الاستخدام بدوام جزئي أو مؤقت أو عبر ترتيبات متعددة الأطراف، سواء عملوا في القطاع الخاص أو العام. ويعمل العاملون المهاجرون بوجه خاص بعقود مؤقتة في الغالب، ولا سيما حين يُستقدمون عبر برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة التي هي مؤقتة بطبيعتها. ومن حيث المبدأ، لا ينبغي أن يكون هناك فرق في الحماية العمالية بين العاملين في هذه الترتيبات التعاقدية غير النموذجية أو المتنوعة والمستخدمين بعقود نموذجية، ولا سيما إذا فرض التنظيم المساواة في المعاملة. أما في الممارسة، فترتبط الترتيبات التعاقدية غير النموذجية بانخفاض الأجور وضعف تغطية الحماية الاجتماعية وتدني معدلات الانتساب النقابي وقلة الوصول إلى التدريب وزيادة مخاطر السلامة والصحة، فضلاً عن انعدام الأمان الوظيفي. وإضافة إلى ذلك، وجدت دراسات علاقة بين الاستخدام غير النموذجي ونتائج صحية أسوأ، بما في ذلك ارتفاع خطر العدوى بكوفيد 19.

العمل بدوام جزئي

يمكن أن يكون العمل بدوام جزئي مفيداً للتوفيق بين العمل والحياة الشخصية، مما ييسر ارتباط من لن يعملوا إطلاقاً لولاه بسوق العمل. ولما كانت معظم واجبات الرعاية تؤديها النساء، فإن العمل بدوام جزئي يقلل بهذا المعنى من أوجه عدم المساواة بين الجنسين. وخلال جائحة كوفيد 19، ثقل عبء مسؤوليات الرعاية بسبب إغلاق المدارس ومراكز الرعاية النهارية، فزاد عدد الساعات المكرسة للمسؤوليات الأسرية لدى كثيرين. غير أن العمل بدوام جزئي في بعض الحالات لا يوفر الرعاية الصحية والإجازات المرضية وغيرها من الحقوق والمزايا. ومن ثم لا تتحقق مزايا العمل بدوام جزئي ما لم تكن هناك مساواة في المعاملة بين العاملين بدوام جزئي وبدوام كامل.

وفي البلدان والأقاليم التي تتوافر عنها بيانات عن وضع الدوام الجزئي المبلغ عنه ذاتياً، يشيع العمل بدوام جزئي بين المستخدمين الأساسيين أكثر من غيرهم في جميع البلدان والأقاليم باستثناء اليونان وتركيا وزامبيا. ففي قيرغيزستان، يشغل قرابة 8% من المستخدمين الأساسيين وظائف بدوام جزئي، بينما يعمل أقل من 2% من غيرهم بدوام جزئي. وفي بلدان كليسوتو والمملكة المتحدة، حيث العمل بدوام جزئي أكثر شيوعاً، يُمثّل المستخدمون الأساسيون تمثيلاً مفرطاً في هذا العمل. فواحد من كل ثلاثة عاملين أساسيين بأجر يعمل بدوام جزئي في المملكة المتحدة، وواحد من كل خمسة في زامبيا. وكما هو الحال في العمل بدوام جزئي عموماً، يزيد تمثيل النساء فيه على الرجال؛ فبينما تعمل قرابة 12% من النساء في المتوسط بدوام جزئي في القطاعات والمهن الأساسية، تبلغ هذه الحصة 34% في المملكة المتحدة وأكثر من 19% في الولايات المتحدة. ونظراً إلى التمثيل المفرط للنساء في العمل بدوام جزئي، فإن للإطار القانوني آثاراً مهمة على المساواة بين الجنسين. ففي غياب المساواة في المعاملة، عنى ذلك خلال جائحة كوفيد 19 أن المستخدمين الأساسيين بدوام جزئي، وهم في الغالب نساء، لم يتأثروا فقط بزيادة مسؤوليات الرعاية، بل صاروا أكثر هشاشة في غياب حمايات كالإجازة المرضية المدفوعة.

ولأصحاب العمل في قطاعات مختلفة، كالنظم الغذائية والتجزئة والتنظيف والصرف الصحي، أسباب عدة لعرض العمل بدوام جزئي. ففي التجزئة، تشجع نظم إدارة المخزون في الوقت المناسب وساعات العمل الطويلة أصحاب العمل على توظيف عاملين بدوام جزئي لتغطية مناوبات مختلفة والحد من فائض اليد العاملة في أوقات انخفاض الطلب. وإضافة إلى ذلك، تبين أن العاملين بدوام جزئي يحققون معدلات إنتاجية أعلى في بعض المهام المتكررة الشائعة في التجزئة والتنظيف. وأخيراً، وتبعاً للنظام التنظيمي، قد يتمكن أصحاب العمل من إيجاد ثغرات للتهرب من المعايير القانونية أو معايير المفاوضة الجماعية المتعلقة بالأجور والمزايا الإضافية والتأمين الاجتماعي عبر العمل بدوام جزئي.

العمل المؤقت

كما هو الحال في العمل بدوام جزئي، يتوقف احتمال أن يكون العمل المؤقت مصدراً لانعدام الأمان والحرمان في سوق العمل على الإطار القانوني. ويشمل العمل المؤقت، الذي يُستخدم فيه العاملون لفترة محددة فقط، العقود المحددة المدة والعقود القائمة على مشروع أو مهمة، وكذلك العمل الموسمي أو العرضي بما فيه العمل باليومية. ومع أن بلداناً كثيرة تتيح المساواة في المعاملة بين أشكال الاستخدام المختلفة، فإن العاملين المؤقتين في البلدان التي لا مساواة فيها أرجح في الحرمان من المزايا الاجتماعية والدخل الذي يمكن أن يحميهم من مخاطر كوفيد 19، بما في ذلك الإجازة المرضية المدفوعة.

ومع أن العمل المؤقت صار شائعاً في البلدان النامية والمتقدمة على السواء، فلا تزال هناك فوارق كبيرة بين المناطق وداخلها. ففي الجمهورية الدومينيكية والمملكة المتحدة، حصة العقود المؤقتة منخفضة، إذ تبلغ 2.3% و5.4% على التوالي، بينما تصل إلى 77% في باكستان و87% في نيبال. وفي البلدان التي تتوافر عنها بيانات، تنتشر العقود المؤقتة إجمالاً بين المستخدمين الأساسيين، إذ يحمل واحد من كل ثلاثة مستخدمين في الأنشطة الاقتصادية الأساسية عقداً غير دائم، بنسبة 30.7% مقابل 27.3% لغيرهم. وتبلغ نسبة العمل المؤقت ذروتها لدى المستخدمين الأساسيين في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، إذ تصل إلى قرابة 48%، وإن كانت العقود المؤقتة منتشرة أيضاً بين غير الأساسيين في هذه البلدان بنسبة 39.2%. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والمرتفعة الدخل، تتشابه معدلات العقود المؤقتة لدى المستخدمين الأساسيين وغيرهم. وبحسب الفئة المهنية، يسجل المستخدمون الأساسيون في الرعاية الصحية أدنى معدل للعقود المؤقتة بنسبة 16%، بينما يسجل المستخدمون الأساسيون في النظم الغذائية أعلاه بنسبة 46%، وهو أمر متوقع بالنظر إلى الطابع الموسمي للعمل. وتعتمد بلدان كثيرة مرتفعة الدخل على العمالة المهاجرة لأداء العمل الزراعي، وكثيراً ما تستخدم العاملين عبر برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة.

الإطار 3.3 هجرة اليد العاملة المؤقتة: العلاقات التعاقدية وتحديات الحماية

تهدف برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة إلى استقطاب فئة معينة من المهاجرين لفترة زمنية محددة، وفي بعض الحالات لقطاعات معينة كالزراعة، لأداء العمل. ومن الأمثلة الكلاسيكية برنامج العمال الزراعيين الموسميين في كندا، وبرنامج صاحب العمل الموسمي المعترف به في نيوزيلندا، وبرنامج تنقل العمالة بين أستراليا والمحيط الهادئ. وتفتقر نقاشات السياسات والنقاشات الأكاديمية إلى تعريف مشترك لهجرة اليد العاملة المؤقتة، وتنشئ الممارسات القانونية أوضاعاً متعددة، مؤقتة في الغالب، لا تحدد فقط حق دخول الإقليم بل أيضاً طبيعة ترتيب الاستخدام. لكن المؤكد أنه في حين تستمر هذه البرامج بل وتتوسع، فإن احتياجات قطاعات معينة من القوى العاملة دائمة، كما كشفت جائحة كوفيد 19.

ويخضع العاملون المهاجرون الدوليون لمجالين من التنظيم، مع عواقب مهمة على الحماية العمالية. الأول سياسات القبول عبر تنظيم الهجرة، الذي يحدد مدة الإقامة ويشكل عقد العمل وشروطه وظروفه. والثاني قانون العمل في البلد المضيف، الذي يحدد الحماية العمالية عموماً وفي قطاع معين. وتنشأ ثغرات في حماية العاملين المهاجرين نتيجة التنافر بين هذين المجالين، ولا سيما أن بلداناً كثيرة تقيد شمول العاملين المهاجرين بقوانين العمل.

وحين تؤخذ أوضاع الهجرة والإقامة في الحسبان في النقاشات حول العلاقات التعاقدية المؤقتة، تتعايش أوضاع متنوعة. فقد يكون العاملون المهاجرون مهاجرين منذ زمن طويل يعملون بعقود مؤقتة، مع تصاريح إقامة سارية أحياناً في مناطق تنقل أوسع كالاتحاد الأوروبي، أو عاملين مهاجرين مؤقتين خاضعين لبرامج مؤقتة. وليست هذه الفوارق سطحية، إذ أظهرت الجائحة كيف حددت العلاقات التعاقدية المختلفة إمكانية الحصول على الحماية الاجتماعية وغيرها من الدعم الحكومي للتخفيف من الضائقة المالية التي فرضتها الجائحة.

ترتيبات الاستخدام متعددة الأطراف

حين لا يكون العاملون مستخدمين مباشرة لدى المنظمة التي يقدمون لها خدماتهم، يكون ترتيبهم التعاقدي متعدد الأطراف أو ثلاثياً. والشكلان البارزان للترتيبات متعددة الأطراف هما العمل المؤقت عبر الوكالات والعمل المتعاقد عليه من الباطن. ففي العمل المؤقت عبر الوكالات، يُستخدم العاملون من قبل جهة هي وكالة العمل المؤقت أو وكالة الاستخدام، ثم يُعارون أو يُكلفون بأداء عملهم لدى شركة مستخدِمة وتحت إشرافها، عادة بعقد مؤقت. ويختلف العمل المتعاقد عليه من الباطن، أو المسند إلى جهات خارجية، عن العمل المؤقت عبر الوكالات في أن المقاولين من الباطن لا يكتفون بإعارة العاملين، بل ينفذون عملاً يوفر سلعاً أو خدمة، ومن ثم يتحملون مسؤولية الإشراف على العمل. وبينما تميز الأطر القانونية في بعض الولايات القضائية بوضوح بين النوعين، قد تكون الفوارق غير واضحة في ولايات أخرى.

وكثيراً ما يُسند التنظيف والأمن إلى جهات خارجية، وتُشغل مهن أساسية أخرى بانتظام بعاملين عبر الوكالات، ولا سيما في المستودعات، وبصورة متزايدة في الرعاية الصحية. وبينما يستطيع العاملون عبر الوكالات ذوو المهارات العالية، كالمهنيين الصحيين، الحصول على علاوة مقابل خدماتهم حين يُستخدمون عبر وكالة، تشير الدراسات القائمة إلى أن العاملين عبر الوكالات والمتعاقد معهم من الباطن في المهن الأخرى لديهم توقعات مهنية أكثر محدودية ومزايا أقل ويعانون من انخفاض الأجور. كما أنهم، بحكم عدم استخدامهم لدى الشركة المستخدِمة، أقل قدرة على إسماع أصواتهم في مكان العمل، ولا تشملهم اتفاقات المفاوضة الجماعية للشركة المستخدِمة.

وطرح العمل بعقد متعدد الأطراف، ومؤقت في الغالب، خلال الجائحة تحديات خاصة. فقد كشفت دراسات الحالة القطرية عن شواغل محددة تتعلق باستحقاقات الإجازة المدفوعة والحماية الاجتماعية في حال المرض، وكذلك بتراجع القدرة على التعبير عن الشواغل لإدارة الشركة المستخدِمة. فعلى سبيل المثال، أفاد حراس أمن مسندون إلى جهات خارجية في الفلبين بأنهم لا يتمتعون بالأمان الوظيفي ولا بالحد الأدنى من أمان الدخل ولا بالحق في الإجازة المدفوعة، ومن ثم كانوا قلقين من الاحتكاك القريب بالجمهور حين يقيسون درجات الحرارة. وعلى نحو مماثل، أفاد عاملو توصيل مؤقتون في القطاعين العام والخاص في جمهورية كوريا باستبعادهم من تأمين حوادث العمل. وفي الهند، لم يشعر الممرضون المستخدمون عبر الوكالات بأنهم يستطيعون التعبير عن مطالبهم بالقدر الذي يعبر به الممرضون ذوو ترتيبات الاستخدام الدائمة والثنائية.

3.4 ساعات العمل

قال ممرض في تركيا إن ساعات العمل الإلزامية المعتادة 40 ساعة في الأسبوع، لكنهم يعملون عموماً نحو 56 ساعة.

ترتبط ساعات العمل ارتباطاً وثيقاً بجودة الوظيفة، إذ إن قلتها وكثرتها وعدم انتظامها تولد كل منها مشكلات مختلفة. فالأفراد الذين يعملون ساعات أقل مما يرغبون معرضون لخطر عدم كسب ما يكفي، ولا سيما في المهن ذات الأجور المنخفضة بالساعة. وفي الطرف الآخر من الطيف، تخلف الساعات الطويلة جداً أثراً ضاراً على سلامة العاملين وصحتهم وقدرتهم على التوفيق بين العمل والحياة الشخصية. ففي بلدان العالم، يرتبط العمل لساعات مفرطة بارتفاع احتمال الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، عبر الإجهاد والاستجابات البيولوجية والسلوكية له. وأخيراً، تفضي ساعات العمل غير المنتظمة وغير القابلة للتنبؤ، تحديداً حين لا يقررها العاملون وأصحاب العمل بصورة مشتركة، إلى تعارضات كبيرة بين العمل والحياة وتسبب عدم أمان الدخل. ولذلك أيضاً تبعات على السلامة والصحة، إذ تسبب الإجهاد النفسي وتؤثر في جودة النوم والرفاه العام من بين آثار أخرى. كما يمكن لأوقات العمل غير المنتظمة وغير القابلة للتنبؤ أن تقلل التفاعلات بين العاملين والنقابات، مما يصعّب تنظيم العاملين وتمثيل مصالحهم جماعياً.

ومع أن التعريف الدقيق لساعات العمل النموذجية يختلف من بلد لآخر، يُقبل عادة أن ما دون 20 ساعة قصير وما فوق 48 ساعة مفرط. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، تراجع متوسط ساعات العمل في بلدان صناعية كثيرة، لكن هذا الاتجاه انعكس بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فقد وجدت دراسة عالمية شملت 194 بلداً أن التعرض لساعات العمل الطويلة، المعرّفة هنا بالعمل 55 ساعة أو أكثر أسبوعياً، زاد بنحو 10% بين عامي 2000 و2016 ليبلغ 8.9%. وفي الوقت نفسه، يعاني جزء كبير من القوى العاملة العالمية من نقص العمالة، إذ يعملون ساعات أقل مما يرغبون. وصارت ترتيبات وقت العمل كالعمل عند الطلب والعمل عن بعد وعقود الساعات الصفرية أكثر شيوعاً، ولا سيما مع نمو اقتصاد المنصات، مما زاد عدم انتظام الجداول.

وكان لجائحة كوفيد 19 أثر ملحوظ في ساعات العمل العالمية. فقد عنت عمليات الإغلاق أن كثيراً من العاملين، حتى حين احتفظوا بعملهم، اضطروا إلى خفض ساعات عملهم وواجهوا ضائقة اقتصادية، ولا سيما في السياقات ذات الحماية الاجتماعية المحدودة. وفي المقابل، زاد عبء العمل وما يرتبط به من ساعات لدى كثير من العاملين الأساسيين. ويصح ذلك بوجه خاص على العاملين الصحيين الذين اضطروا إلى الاستجابة للضغوط المتزايدة على نظام الرعاية الصحية، وكذلك العاملين في المستودعات الذين واجهوا ارتفاعاً حاداً في الطلب في التجارة الإلكترونية.

وتماشياً مع ذلك، فإن من الموضوعات المتكررة في كثير من المقابلات وصف العاملين الأساسيين لساعات عمل طويلة، عموماً وخلال الجائحة. وارتبط ذلك بضيق الوقت المتاح للأسرة والأصدقاء وأنشطة الترفيه، بل لاستراحات تناول الطعام خلال يوم العمل أحياناً. وفي بعض الحالات، أفاد المجيبون بمشاعر إنهاك شديد. وكان العاملون الأساسيون الذين تحدثوا عن ساعات العمل الطويلة يعملون في طائفة واسعة من البلدان والمهن، منهم أمناء صناديق في الأرجنتين، وعمال زراعيون في كندا، وحراس أمن في الهند، وممرضون في كينيا، وسائقو سيارات أجرة في ماليزيا، وأطباء أطفال في بيرو، وعمال تنظيف في جمهورية كوريا، وأصحاب أعمال صغيرة في تركيا.

وكانت ساعات العمل غير القابلة للتنبؤ موضوعاً آخر أبرزه عدة مجيبين. فقد تذكرت ممرضة من كينيا مثلاً كيف أن الممرضين، في سياق نقص الموظفين في مستشفاها، يعملون دواماً كاملاً حتى يوم الأحد خلال النهار قرابة إحدى عشرة ساعة، ويُوقظون دائماً في الليل لرعاية المرضى، أي إنهم يعملون طوال الوقت ما دام المرضى موجودين. وتكون جداول العمل غير قابلة للتنبؤ بوجه خاص لدى العاملين الأساسيين وغيرهم ممن يعملون بترتيبات الساعات الصفرية، حيث لا تُحدد ساعات العمل رسمياً في عقد العمل. ففي المملكة المتحدة، يعمل أكثر من نصف العاملين في الرعاية الشخصية المنزلية بعقود ساعات صفرية، وهي ممارسة ترتبط بنقص كبير في تمويل هذا القطاع. ومن ثم تضيف ساعات العمل غير القابلة للتنبؤ إلى أوجه انعدام الأمان الأخرى في سوق العمل التي يواجهها كثير من العاملين الصحيين. وتجارة التجزئة قطاع آخر تنتشر فيه الجداول غير المنتظمة.

وتبين الأدلة الكمية عبر البلدان بشأن ساعات العمل الأسبوعية القصيرة والمفرطة أن العاملين الأساسيين أرجح قليلاً من غيرهم في التأثر بالظاهرتين. فعلى المستوى العالمي، يعمل 10.6% من العاملين الأساسيين أقل من 20 ساعة أسبوعياً، مقارنة بنسبة 8.0% من غيرهم. ويبلغ هذا الفرق ذروته في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، حيث يعمل 12.2% من جميع العاملين الأساسيين ساعات قصيرة، أي أكثر بنحو أربع نقاط مئوية من غيرهم. وبوجه عام، تزداد حصة الأفراد الذين يعملون أقل من 20 ساعة أسبوعياً كلما انخفض مستوى دخل البلد. ويوحي ذلك بأن هؤلاء العاملين وأسرهم ذوو دخل شهري منخفض نسبياً. وتمس هذه المسألة العاملين الأساسيين على نحو غير متناسب، لأنهم يميلون أيضاً إلى كسب أجور أدنى بالساعة، ومن ثم قد لا يتمتعون بمستويات معيشة لائقة.

وفي الطرف الآخر، ثمة مشكلة أسابيع العمل الطويلة. فعبر البلدان، يعمل 25.3% من العاملين الأساسيين و23.3% من غيرهم أكثر من 48 ساعة أسبوعياً. ومرة أخرى، تميل هذه الحصة إلى الارتفاع كلما انخفض مستوى دخل البلد، مما يوحي بأن كثيراً من العاملين يعوضون عن العمل المنخفض الإنتاجية، ومن ثم الأجور المنخفضة بالساعة، بزيادة ساعات عملهم. أما الفجوة بين العاملين الأساسيين وغيرهم، فلا تكاد تُذكر في البلدان المرتفعة الدخل. وفي البلدان المتوسطة الدخل، يعمل العاملون الأساسيون ساعات مفرطة أكثر من غيرهم، بينما يصح العكس في البلدان المنخفضة الدخل. وأخيراً، يتأثر العاملون الأساسيون في بعض المهن بساعات العمل الطويلة بوجه خاص؛ فعلى المستوى العالمي، يعمل 33.7% من العاملين الأساسيين في التجزئة أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، وترتفع هذه الحصة لدى العاملين الأساسيين في الأمن إلى 35.4% وفي النقل إلى 41.9%.

ويضاف عمل كثير من العاملين الأساسيين أكثر من 48 ساعة أسبوعياً إلى أوجه انعدام الأمان الأخرى المعروضة في هذا الفصل. وكما سبق، فإن العمل لساعات طويلة ضروري لبعض العاملين لتعويض الأجور المنخفضة جزئياً. ففي كوت ديفوار مثلاً، يقل الأجر بالساعة للمستخدمين الأساسيين بأجر بنسبة 31% عن أجر غيرهم، ويعمل المستخدمون الأساسيون في المتوسط ساعتين إضافيتين أسبوعياً، مما يفضي إلى فجوة أصغر في الأجور الشهرية تبلغ 24%. وفي الجمهورية الدومينيكية، يعمل المستخدمون الأساسيون بأجر قرابة ثلاث ساعات أكثر من غيرهم، ويكسبون أجوراً شهرية وبالساعة أقل بنسبة 20% و25% على التوالي.

وإلى جانب انخفاض الأجور بالساعة، ثمة عامل آخر يشكل ساعات عمل العاملين الأساسيين هو ما إذا كانوا مستخدمين بأجر أم يعملون لحسابهم الخاص. ففي المتوسط، يعمل المستخدمون الأساسيون بأجر 44.8 ساعة أسبوعياً، أي أكثر بنحو ست ساعات من متوسط وقت عمل العاملين لحسابهم الخاص. وتتسع هذه الفجوة بوجه خاص في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يبلغ متوسط وقت العمل الأسبوعي 49.6 ساعة للمستخدمين الأساسيين و39.9 ساعة للعاملين الأساسيين لحسابهم الخاص. والواقع أن المستخدمين الأساسيين أرجح في العمل لساعات مفرطة بنسبة 46.2%، وأقل احتمالاً نسبياً للعمل ساعات قصيرة بنسبة 8.9%. أما لدى العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في البلدان المنخفضة الدخل، فتبلغ الحصتان 29.9% للساعات المفرطة و16.6% للساعات القصيرة. ويعكس ذلك جزئياً الفوارق في التوزيع المهني بين المستخدمين والعاملين لحسابهم الخاص. ففي البلدان المنخفضة الدخل، يُمثّل العاملون لحسابهم الخاص تمثيلاً مفرطاً بين العاملين في النظم الغذائية، وهي مهنة متوسط ساعات العمل فيها منخفض نسبياً وترتفع فيها نسبة العاملين الأساسيين ذوي الساعات القصيرة إلى 16.3% في البلدان المنخفضة الدخل، مما يعكس قضايا نقص استغلال اليد العاملة.

وفي المقابل، يعمل المستخدمون الأساسيون والعاملون لحسابهم الخاص في البلدان المرتفعة الدخل في المتوسط العدد نفسه من الساعات أسبوعياً. وتؤطر هذه الاتجاهات الحدود الأدنى المنصوص عليها في لوائح وقت العمل في البلدان المتقدمة. فالقوانين الوطنية تميل إلى تحديد ساعات العمل الأسبوعية للمستخدمين في كثير من البلدان المرتفعة الدخل، في حين يقل ذلك بالنسبة إلى المستخدمين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع العتبات القانونية، وكذلك إلى ضعف الامتثال للحدود القانونية. أما العاملون لحسابهم الخاص، فلا يخضعون للوائح وقت العمل. ونتيجة لذلك، يرجح أن يعملوا أكثر من 48 ساعة أسبوعياً في البلدان المرتفعة الدخل بنسبة 28.7% مقارنة بنسبة 10.0% للمستخدمين، وأن يعملوا أقل من 20 ساعة بنسبة 16.1% مقارنة بنسبة 6.2% للمستخدمين.

3.5 الأجور

يشكل الدخل أحد المكونات الرئيسية لظروف العمل، ويحدد على نحو مهم مستويات معيشة العاملين وأسرهم. ففي حين يؤدي العاملون الأساسيون دوراً حاسماً في استمرار عمل الخدمات الضرورية في فترات الأزمات، أوضحت الأقسام السابقة أن عملهم كثيراً ما يُبخس قدره. ومن المرجح أن تنعكس القيمة الأدنى المنسوبة إلى العمل الأساسي في الدخل الذي يتلقونه. ولذلك يقدم ما يلي معلومات عن الأجور التي يكسبها المستخدمون الأساسيون.

ويسترشد التركيز على العمل المأجور، أي المستخدمين، باعتبارات تتعلق بالبيانات، إذ إن مسوح القوى العاملة والأسر المعيشية لا تجمع عادة معلومات عن دخل العمل لحساب الذات، أو تكون المعلومات غير موثوقة، وإن كان الإطار 3.4 يبرز مع ذلك اتجاهات دخل العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص استناداً إلى ثلاثة بلدان ذات بيانات مناسبة. فمن بين المسوح الوطنية التسعين المستخدمة لتحليل العاملين الأساسيين، لم يتح سوى نصفها تحليل أجور المستخدمين الأساسيين. ومع ذلك تغطي هذه المسوح جميع المناطق وفئات دخل البلدان. وتستند التقديرات المعروضة إلى الدخل الإجمالي بالساعة لاستبعاد التفاوت الناجم عن اختلاف وقت العمل.

وتكشف التحليلات التجريبية القائمة أن المستخدمين بأجر العاملين في أنشطة عُدّت أساسية خلال جائحة كوفيد 19 كثيراً ما تلقوا أجوراً أدنى من غيرهم. غير أن الدراسات المتاحة كثيراً ما تركز على مجموعة فرعية من المهن، في البلدان المرتفعة الدخل عموماً. أما هذا التحليل، فينظر في أجور العاملين الأساسيين في أنحاء العالم على اختلاف مستويات التنمية، ويستخدم التعريف الشامل للمهن الأساسية المعتمد في التقرير بدلاً من مجموعة ضيقة من مهن محددة.

ويتركز معظم المستخدمين الأساسيين بأجر في أسفل توزيع الأجور. فعلى المستوى العالمي، كان 48% من المستخدمين الأساسيين في الخُمسين الأولين من توزيع الأجور، أي إن أجورهم بالساعة كانت أقل من أجور 60% من جميع المستخدمين. وعبر فئات دخل البلدان، يتشابه النمط ويتراوح بين 46% و50%.

ويعرّض تركز المستخدمين الأساسيين في أسفل توزيع الأجور هؤلاء لخطر الأجر المنخفض، وهو مقياس نسبي تعرّفه منظمة العمل الدولية بأنه أجر يقل عن ثلثي الوسيط للأجر بالساعة. ففي المتوسط عبر البلدان، يُعد 29% من المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر مقارنة بنسبة 20% من غيرهم. ومع أن المستخدمين الأساسيين أرجح في أن يكونوا منخفضي الأجر في جميع مستويات التنمية، فإن منخفضي الأجر يمثلون حصة أصغر من المستخدمين الأساسيين في البلدان المرتفعة الدخل مقارنة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، بنسبة 19% مقابل 32% في المتوسط.

وتتفاوت نسبة المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر تفاوتاً كبيراً بين البلدان. ففي البلدان المشمولة بالعينة، تتراوح النسبة بين 5% في البرتغال و50% في كينيا، وتحتل بلدان كأوكرانيا والولايات المتحدة وأوروغواي الموقع الوسيط بنسبة 28%. وتعكس الفوارق بين البلدان جزئياً الفوارق في مؤسسات سوق العمل وتحديد الأجور. فالمستويات العالية من إنفاذ السياسات كالحد الأدنى للأجور والامتثال لها يمكن أن تحمي أجور المستخدمين في أسفل توزيع الأجور. وقد أبرزت مراجعة حديثة لنظم الحد الأدنى للأجور في العالم تنوع الممارسات المستخدمة في تصميمها، وتفاوت درجات الإنفاذ الفعال، والتغطية غير المتكافئة لفئات المستخدمين. وإلى جانب نظم الحد الأدنى للأجور، تؤدي أبعاد أخرى لتحديد الأجور، كمكانة المفاوضة الجماعية، دوراً مهماً أيضاً.

وكما أُبرز في أقسام سابقة، يتسم العاملون الأساسيون بخصائص قد تكون حاسمة في تحديد دخلهم من العمل، منها التحصيل التعليمي والخبرة الوظيفية وساعات العمل. فضمن فئة المستخدمين بأجر، يقل المستوى التعليمي للمستخدمين الأساسيين بشكل ملحوظ؛ إذ لم يبلغ نصفهم بعد ما يعادل مستوى التعليم الثانوي، مقارنة بنحو ثلث غيرهم فقط. ويعمل جزء أكبر قليلاً من المستخدمين الأساسيين ساعات أطول، إذ يعمل 58% منهم أكثر من 40 ساعة أسبوعياً مقارنة بنسبة 52% لغيرهم. ويتناقض ذلك مع النتائج الملاحظة لمجموع العاملين الأساسيين، ويوحي بتركز غير متناسب للمستخدمين الأساسيين في مهن ذات ساعات عمل طويلة. وأخيراً، يتشابه التوزيع العمري للمستخدمين الأساسيين وغيرهم.

ولما كان التعليم والخبرة يؤثران في الأجور، فإن تقدير جزء فجوة الأجور العائد إلى هذين البعدين ضروري لتحديد السياسات اللازمة لمعالجة تدني أجور المستخدمين الأساسيين. وباستخدام التحصيل التعليمي والعمر وساعات العمل لقياس التعليم والخبرة، قُدر تفكيك اقتصادي قياسي للفجوة في كل بلد باستخدام منهجية بلايندر أواكساكا، التي تفكك فجوة الأجور إلى مكون يعود إلى الفوارق في التعليم والخبرة بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم، ومكون يعود إلى عوامل أخرى.

وعبر البلدان، يكسب المستخدمون الأساسيون بأجر في المتوسط أقل بنسبة 26% من غيرهم، يُفسر نحو ثلثيها، أي 17 نقطة مئوية، بالفوارق في الخصائص الملاحظة بين المجموعتين، بينما يبقى الثلث الباقي غير مفسر. لكن وراء هذه الصورة الإجمالية، تظهر فوارق مهمة بين البلدان. ففي كمبوديا مثلاً، الفجوة في الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم صغيرة نسبياً بنسبة 10%، ولا يبدو أنها تُفسر بفوارق في رأس المال البشري بين الفئتين. أما في مدغشقر، فالفجوة أكبر بقرابة خمس مرات بنسبة 48%، وتعكس بالكامل تقريباً الفجوة الملاحظة في التعليم والخبرة بمقدار 44 نقطة مئوية.

ومع ذلك يظهر نمط بحسب مستويات تنمية البلدان. فالفجوة المفسرة تبدو أدنى في المتوسط في البلدان المرتفعة الدخل بنسبة 11% منها في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وهي متقاربة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والأدنى بنسبة 18% و15% على التوالي، وترتفع إلى 36% في البلدان الثلاثة المنخفضة الدخل المشمولة بالعينة.

وتتسق هذه النتائج مع الأدلة التجريبية القائمة التي تبين أن عوائد التعليم أعلى ما تكون في البلدان النامية. وفي هذا السياق، يفضي تدني المستوى التعليمي للمستخدمين الأساسيين إلى أجور أدنى بكثير، ولا سيما في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وفي المقابل، تبقى الفجوة غير المفسرة مستقرة نسبياً في المتوسط عبر فئات دخل البلدان، بين 8% و12%، مما يوحي بأن تدني الأجر يعود جزئياً إلى عوامل لا ترتبط بتعليم المستخدمين وخبرتهم. وفي ثلاثة بلدان، هي الجمهورية الدومينيكية والهند والأردن، تكون الفجوة غير المفسرة سالبة، أي إن عوامل أخرى غير رأس المال البشري تقلص فجوة الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم بدلاً من توسيعها، وإن كانت الفجوة غير المفسرة صغيرة بالقيمة المطلقة في هذه البلدان الثلاثة.

ومن ثم يبدو أن حجم الفجوة غير المفسرة في الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم يعكس عوامل مختلفة لا ترتبط إلا جزئياً بمستويات تنمية البلدان. فالإطار المؤسسي لتحديد الأجور، كالتفاوض على الأجور وظروف العمل عبر عمليات المفاوضة الجماعية، قد يشكل أجور المستخدمين الأساسيين وغيرهم تشكيلاً كبيراً. ومن ثم فإن تقوية مؤسسات تحديد الأجور، إلى جانب مؤسسات العمل الأخرى، قادرة على تحسين الظروف النسبية للمستخدمين الأساسيين.

وبين المستخدمين الأساسيين أنفسهم، قد تطال أوجه عدم المساواة في الأجور مجموعات فرعية مختلفة من العاملين. فتحديداً، تكسب المستخدمات الأساسيات في بلدان كثيرة أقل من نظرائهن الذكور، كما تبين فجوة الأجور بين الجنسين. فعبر جميع البلدان، تكسب المستخدمات الأساسيات في المتوسط أقل بنحو 4% من المستخدمين الأساسيين الذكور. غير أن فجوة الأجور بين الجنسين للمستخدمين الأساسيين تتراوح بين 8% في البلدان المرتفعة الدخل وسالب 1% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. ويكشف تحليل أدق على مستوى البلدان أن الفجوة سالبة في نصف البلدان النامية، أي إن المستخدمات الأساسيات يكسبن في المتوسط أكثر من المستخدمين الأساسيين الذكور في تلك البلدان.

وقد تشير الفجوة السالبة بين الجنسين إلى أن النساء يعملن على نحو غير متناسب في مهن أعلى أجراً. فقد أبرزت بحوث سابقة أن المشاركة الانتقائية للإناث في سوق العمل، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، قد تفسر الفجوة الصغيرة أو السالبة بين الجنسين الملاحظة بين المستخدمين في بعض البلدان. وتماشياً مع ذلك، تميل المستخدمات الأساسيات في 17 بلداً تكون فيها الفجوة سالبة إلى أن يكن أعلى تعليماً من المستخدمين الأساسيين الذكور. فعلى سبيل المثال، بينما يقل التحصيل التعليمي لنحو 65% من المستخدمين الأساسيين الذكور عن المستوى الثانوي، تحمل 49% من النساء مستوى تعليمياً يعادل التعليم الثانوي. وبالمقارنة، يكون التحصيل التعليمي لغيرهم من المستخدمين أكثر تجانساً، إذ يحمل 52% من الرجال و57% من النساء المستوى الثانوي على الأقل.

ولا تتناول التقديرات السابقة سوى دخل العاملين الأساسيين قبل أزمة كوفيد 19، ولا تأخذ في الحسبان سياسات الأجور التي سُنت للمستخدمين الأساسيين خلال الجائحة. فمع بداية الجائحة، ومع تطور بيئة عمل المستخدمين الأساسيين وظروفه، طُبقت سياسات أجور محددة لتعكس زيادة كثافة العمل وارتفاع المخاطر الصحية. وتحديداً، كثيراً ما مُنحت مكافآت، ولا سيما في المنظمات الكبيرة والمنظمة والمنتسبة إلى النقابات، بما فيها المنظمات العامة كالمستشفيات.

وأفاد عاملون صحيون أُجريت معهم مقابلات في غانا والهند وكينيا وبيرو والفلبين وتركيا بتلقيهم مثل هذه المدفوعات. وكثيراً ما تفاوتت أهلية الحصول على المكافأة بحسب نوع العمل، كما إذا كان المستخدم يعمل مباشرة مع مرضى كوفيد 19، أو ما إذا كان عقده نموذجياً أو مؤقتاً. ففي غانا مثلاً، ذكر مساعد مستخدم بصورة عرضية في مستشفى عام أنه لم يتلق المكافأة المالية بينما تلقاها زملاؤه ذوو العقود المنتظمة. ونتيجة لذلك، لم يكن العاملون الذين يؤدون العمل نفسه مستحقين دائماً للمكافأة على قدم المساواة. ومع أن المدفوعات التكميلية حظيت بالتقدير لدى من تلقوها، فقد أثارت في حالات كثيرة مزيداً من الاستياء، إذ لم يكن منح الأجر الإضافي شفافاً، وشعر كثيرون بأنه غير كاف وقصير الأمد.

كما مُيّز أحياناً بين العاملين الصحيين أنفسهم. ففي بيرو مثلاً، كانت هناك مكافأة خاصة للعاملين تقديراً لجهودهم خلال الجائحة تراوحت بين نحو 250 و750 دولاراً أمريكياً. وذكر بعض من أُجريت معهم المقابلات أن المكافأة اقتصرت بعد بضعة أشهر على الأطباء العاملين مع حالات كوفيد 19، رغم صعوبة التمييز بين من يعمل معها ومن لا يعمل. وعلّق أحدهم بأنه مُنح المكافأة لكنه عُدّ لاحقاً بأثر رجعي غير مستحق لأنه يعمل في طب الأطفال، فاقتُطعت المكافأة من راتبه.

وخارج القطاع الصحي، طبقت عدة بلدان أو حكومات محلية ترتيبات علاوات على الأجور استهدفت طائفة أوسع من المهن التي يشغلها العاملون الأساسيون. وكان ذلك هو الحال في عدة ولايات في كندا كأونتاريو وكيبيك، وفي الولايات المتحدة كلويزيانا وبنسلفانيا وفيرمونت، وكذلك في فرنسا والأرجنتين. ففي أونتاريو، شمل المستحقون العاملين في الخدمات الاجتماعية والعاملين في الرعاية أو في المرافق الإصلاحية. وفي بنسلفانيا، شملت الصناعات المستحقة تصنيع الأغذية ومرافق تجزئة الأغذية والنقل العابر والنقل البري للركاب. وفي فيرمونت، شملت القائمة العمل في متاجر البقالة وجمع القمامة وإدارة النفايات. وفي الأرجنتين، قُدمت علاوة لقوات الأمن، بينما عُدلت في فرنسا مكافأة استثنائية تهدف إلى دعم القدرة الشرائية للمستخدمين طُبقت عام 2019 لتمكين أصحاب العمل من تعديلها وفق ظروف عمل المستخدمين خلال جائحة كوفيد 19.

وفي البلدان التي اعتمدت مدفوعات علاوة الأجور، قُدمت عادة دفعة واحدة للمستخدمين، وكانت في معظم الحالات مدعومة من الحكومة. فقد تمكنت بعض الولايات الأمريكية مثلاً من الاستفادة من التمويل الاتحادي لتمويل مدفوعات المكافآت، كالأموال المقدمة بموجب قانون المساعدة والإغاثة والأمن الاقتصادي في مواجهة فيروس كورونا. وفي أونتاريو، قُدم أجر الجائحة المؤقت للعاملين المستحقين عبر تحويلات من الولاية إلى أصحاب العمل. وفي فرنسا، أُعفيت المكافأة الاستثنائية الداعمة للقدرة الشرائية للمستخدمين من ضريبة الدخل والاشتراكات الاجتماعية.

ووُصف بعض هذه التدابير بأنها علاوات خطر تعكس المخاطر المتزايدة التي واجهها العاملون الأساسيون خلال جائحة كوفيد 19. ومن منظور إدارة السلامة والصحة المهنيتين، تشترط المعايير الدولية على أصحاب العمل إزالة المخاطر في مكان العمل أو التحكم فيها حين تتعذر إزالتها. ومن ثم لا يمكن لبدل مالي أو علاوة خطر أن تعفي صاحب العمل من التزاماته أو أن تعوض العاملين عن إخفاقه في الامتثال للتشريعات. غير أنه يمكن منح علاوة الخطر ميزة إضافية، إلى جانب تدابير السلامة والصحة وتشريعات العمل الإضافي المطلوبة بموجب القوانين الوطنية. وبهذا المعنى، كانت سياسات علاوة الخطر المدخلة خلال الجائحة أداة للتعويض عن جزء من بخس القيمة السائد الذي يعانيه العاملون الأساسيون.

ومع ذلك، تعرقل دخل العاملين الأساسيين في بعض البلدان خلال الجائحة بفعل الظروف الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، يوحي تحليل لتطور مستويات الحد الأدنى للأجور خلال عام 2020 بأن الجائحة دفعت بعض البلدان إلى إرجاء التعديلات المحتملة في ذلك العام. فقد اختارت بلدان كدولة بوليفيا المتعددة القوميات وموزمبيق وميانمار، التي كان يفترض أن تعدل حدها الأدنى للأجور في الربع الثاني، التأجيل أو التجميد. ولما كان المستخدمون الأساسيون ممثلين تمثيلاً مفرطاً في الوظائف المنخفضة الأجر، فمن المرجح أنهم كانوا من بين فئات العاملين الأكثر تأثراً بهذا الإرجاء.

الإطار 3.4 الدخل الشهري من العمل للعاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في أنغولا والبرازيل والأردن

في أنغولا والبرازيل والأردن، تتيح الجودة العالية لبيانات المسوح عن دخل العاملين لحسابهم الخاص مقارنة دخل العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص بغيرهم من العاملين لحسابهم الخاص. ومع أن النتائج المعروضة في هذا الإطار قد لا تنطبق مباشرة على بلدان أخرى، فإنها توضح اتجاهات في بعض البلدان المتوسطة الدخل.

يمثل العاملون لحسابهم الخاص حصة كبيرة نسبياً من العاملين الأساسيين؛ ففي أنغولا والبرازيل والأردن، يعمل 91% و45% و46% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص على التوالي. ويميل دخل العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص أيضاً إلى التركز في أسفل توزيع دخل العمل لحساب الذات. فقد كسب 43% و44% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص أقل من الخُمس الثاني في أنغولا والأردن، بينما بلغت الحصة 51% في البرازيل. وبالمقارنة، يمثَّل عدد قليل نسبياً من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في الطرف الأعلى من التوزيع؛ إذ لم يكسب سوى 14% و12% و17% منهم في أنغولا والبرازيل والأردن على التوالي دخلاً ضمن أعلى 20% من توزيع دخل العمل لحساب الذات.

ومع أن العاملين لحسابهم الخاص لا يخضعون للتشريعات التي لا تشمل إلا المستخدمين، فمن المفيد مع ذلك مقارنة دخل العمل لحساب الذات بمستوى الحد الأدنى للأجور. فالحد الأدنى للأجور، حين يُحدد على نحو مناسب وفق المعايير الدولية، يعكس التوازن بين معايير مختلفة كاحتياجات العاملين وأسرهم والعوامل الاقتصادية، ويوفر معياراً مرجعياً مفيداً لدخل العمل. وإضافة إلى ذلك، يوفر الحد الأدنى للأجور نقطة مرجعية، يشار إليها كثيراً بأثر المنارة، يسترشد بها العاملون لحسابهم الخاص في تحديد السعر الواجب دفعه لمنتجاتهم أو خدماتهم.

ولما كان العاملون الأساسيون لحسابهم الخاص ممثلين تمثيلاً مفرطاً في أسفل التوزيع، فإن حصة من يكسبون مستوى الحد الأدنى للأجور أو أقل مرتفعة أيضاً في البلدان الثلاثة. فثلث العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في الأردن ونصفهم في البرازيل يكسبون دخلاً شهرياً يساوي الحد الأدنى للأجور أو يقل عنه. وفي أنغولا، لا يكسب أكثر من الحد الأدنى للأجور سوى واحد من كل خمسة عاملين أساسيين لحسابهم الخاص، إذ يكسب 83% منهم الحد الأدنى أو أقل. وفي المقابل، تتراوح نسبة غيرهم من العاملين لحسابهم الخاص الذين يكسبون مستوى الحد الأدنى للأجور أو أقل بين 25% و41% في البلدان الثلاثة. وفي أنغولا، تعكس الحصة المرتفعة نسبياً للعاملين الأساسيين لحسابهم الخاص المدفوع لهم بمستوى الحد الأدنى أو أقل تدني دخل العاملين في النظم الغذائية، وهي فئة مهنية تمثل 71% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص، مقابل 29% و8% فقط في البرازيل والأردن.

وعلى غرار المستخدمات بأجر، تكسب العاملات لحسابهن الخاص أقل من نظرائهن الذكور. فبين العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص، تكسب النساء في البرازيل والأردن أقل من الرجال بنسبة 16% و14% على التوالي. وفي أنغولا، تتجاوز الفجوة ضعف ذلك لتبلغ 38%، ويُفسر ذلك جزئياً بتدني التحصيل التعليمي للنساء؛ إذ يقل التعليم لدى 90% من العاملات الأساسيات لحسابهن الخاص عن المستوى الثانوي، مقارنة بنسبة 85% من الرجال. وفي المقابل، في البرازيل والأردن، تكون العاملات الأساسيات لحسابهن الخاص أعلى تعليماً من الرجال؛ إذ يقل تعليم 52% و70% من الرجال عن المستوى الثانوي في البرازيل والأردن على التوالي، مقابل 35% و62% للنساء. وتنعكس هذه الاختلالات بين الجنسين أيضاً في المهن التي يشغلها العاملون. فعلى سبيل المثال، وخلافاً لأنغولا، تُمثَّل العاملات الأساسيات لحسابهن الخاص في البرازيل والأردن تمثيلاً مفرطاً في الوظائف الصحية، حيث يكون حال العاملين عادة أفضل من متوسط وظائف العمل لحساب الذات من حيث الأجر؛ إذ تبلغ نسبة العاملين الصحيين بين العاملات الأساسيات لحسابهن الخاص 9.9% في البرازيل و27.6% في الأردن، مقابل 2.2% و4.1% بين الرجال. أما بالنسبة إلى غيرهم من العاملين لحسابهم الخاص، فالفجوة بين الجنسين متقاربة نسبياً في البلدان الثلاثة، وتتراوح بين 22% و26%.

3.6 الحماية الاجتماعية

تشمل الحماية الاجتماعية السياسات والبرامج الرامية إلى تخفيف الفقر ومنعه عبر توفير الرعاية الصحية وأمان الدخل طوال حياة الناس في حالات البطالة وإصابات العمل والعجز والأمومة والمرض والشيخوخة وفقدان المعيل. وتشمل إضافة إلى ذلك المساعدة الاجتماعية كإعانات الأطفال والأسرة وغيرها من أشكال دعم الدخل. وبالنسبة إلى العاملين الذين فقدوا وظائفهم أو أُوقفوا مؤقتاً بسبب جائحة كوفيد 19، كانت تدابير دعم الدخل وسيلة حاسمة للحفاظ على سبل العيش. أما بالنسبة إلى العاملين الأساسيين، والمجتمع ككل، فكانت الإجازة المدفوعة وما يتصل بها من إعانات في حالة المرض أو الواجبات الوالدية، والحصول على الرعاية الصحية، أموراً حاسمة. وقد أوصت الهيئات الصحية في أنحاء العالم بأن يبقى الناس في المنزل إن كانوا مرضى أو ظهرت عليهم أعراض أو خالطوا مصابين، لكن مثل هذه السياسة لم تكن واقعية إلا إذا استطاع العاملون تحمل كلفة العزل. فالعاملون في وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة أقل احتمالاً لأخذ إجازة مرضية بسبب القلق من فقدان الأجر أو الخوف من الفصل. ونتيجة لذلك، كثيراً ما اضطر العاملون المفتقرون إلى حماية اجتماعية كافية وإلى إجازة مرضية مدفوعة وإعانات مرض، ولا سيما العاملون غير المنظمين، إلى مواصلة العمل رغم مرضهم لتأمين الضروريات لأنفسهم ولأسرهم.

وإلى جانب استقرار العمل والدخل الذي تكفله الإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض، يستفيد العاملون الأفراد والمنشآت والمجتمعات أيضاً من بقاء العاملين المرضى في منازلهم. فهذه المزايا تمنع إصابة الزملاء والزبائن أو المرضى بالأمراض المعدية وتقلل خسائر الإنتاجية. وقد بينت الدراسات أن خسائر الإنتاجية الناجمة عن الحضور إلى العمل أثناء المرض قد تبلغ ثلاثة أضعاف خسائر الإنتاجية المرتبطة بالتغيب بسبب المرض. وفي اليابان، يُقدر أن الحضور الفعلي في حالة المرض يشكل قرابة 64% من جميع التكاليف غير المباشرة للرعاية الصحية. وخلال الجائحة، كانت للإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض وظيفة أخرى، هي تمكين العاملين من العزل الذاتي، ومن ثم خفض انتشار الفيروس والإسهام في تعافٍ أسرع. كما يمكن لهذه المزايا أن تخفف الضغط على إعانات البطالة وغيرها من برامج الاحتفاظ بالوظائف عبر الحفاظ على وظائف العاملين الذين يحتاجون إلى التغيب مؤقتاً عن العمل. فعلى سبيل المثال، سجلت الولايات الأمريكية التي تفتقر إلى سياسات قانونية للإجازة المرضية المدفوعة خسائر أكبر في الوظائف خلال الأشهر الأولى من الجائحة في عام 2020. ومن ثم فإن نظم الضمان الاجتماعي حاسمة لتثبيت أسواق العمل ودعم التعافي الاقتصادي. ومع ذلك، لا يشمل أي نوع من الحماية الاجتماعية قرابة 53% من سكان العالم، أي 4.1 مليار شخص، بما في ذلك البرامج القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها، ويشمل نظام حماية صحية اجتماعية أقل من ثلثي السكان.

وأوجه القصور أسوأ لدى العاملين الأساسيين. ففي هذا التقرير، تُقاس تغطية الضمان الاجتماعي بالأهلية والحصول على نوعين من الاستحقاقات: المعاشات التقاعدية والإجازة المرضية المدفوعة. وفي المتوسط في 54 بلداً منخفض ومتوسط الدخل، لا يتمتع سوى 41% من العاملين الأساسيين بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية، أي أقل بعشر نقاط مئوية من نسبة غيرهم البالغة 51%. وترتبط التغطية بمستوى التنمية، بحيث لا يستفيد من الحماية الاجتماعية في البلدان المنخفضة الدخل سوى 17% من العاملين الأساسيين و28% من العاملين في وظائف غير أساسية. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، ترتفع حصة العاملين الأساسيين وغيرهم المستحقين لنوع واحد على الأقل من المزايا الاجتماعية إلى 56% و65% على التوالي، لكن الفجوة بين المجموعتين تظل كبيرة. ولسوء الحظ، لا تُطرح أسئلة عن استحقاقات الضمان الاجتماعي في معظم مسوح القوى العاملة في البلدان المرتفعة الدخل، مما يجعل المقارنة مستحيلة. لكن في البلدان التي تتوافر عنها بيانات، ورغم أن نسبة أعلى بكثير من العاملين الأساسيين بنسبة 73% وغيرهم بنسبة 78% يتمتعون بالحماية الاجتماعية، فإن ثمة فجوة بين المجموعتين.

وفي البلدان القليلة التي تتوافر عنها بيانات جزئية عن الإجازة المرضية المدفوعة، تقل تغطية العاملين الأساسيين عن غيرهم. ففي صربيا مثلاً، يتمتع قرابة 82% من غير الأساسيين بإجازة مرضية مدفوعة مقارنة بنسبة 67.3% من العاملين الأساسيين. وعلى نحو مماثل، في بنغلاديش، تبلغ نسبة العاملين الأساسيين المستحقين لأيام مرضية مدفوعة 4.3% مقارنة بنسبة 28% لغيرهم. ومع أن 177 بلداً في العالم توفر ضمانات تشريعية للإجازة المدفوعة في حالة المرض الشخصي، فإن ثمة فوارق كبيرة في التغطية فيما يتعلق بالعاملين لحسابهم الخاص والعاملين بدوام جزئي. ففي 58% من هذه البلدان، لا يتلقى العاملون لحسابهم الخاص أي نوع من إعانات المرض، وفي 65% منها يصح الأمر نفسه على العمل بدوام جزئي. وفي الأزمات الصحية المقبلة، سيكون دعم العاملين بالإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض أساسياً للحد من انتشار العدوى والحفاظ على الإنتاجية.

وتنشأ أوجه القصور في الحماية الاجتماعية إذا كانت هناك استثناءات من التغطية أو إذا كانت معايير الأهلية الصارمة تحول دون أهلية عاملين معينين، كالعاملين بعقود مؤقتة. وكما ذُكر، تُنظم كثير من مزايا الضمان الاجتماعي، كالمعاشات والإجازات المدفوعة وتأمين البطالة، على هيئة برامج قائمة على الاشتراكات. وقد لا تكفي اشتراكات العاملين الأساسيين في العمل المؤقت والعمل بدوام جزئي لاكتساب الأهلية، وإن اكتسبوها كثيراً ما تكون مستويات مزاياهم غير كافية. وقد يحدث ذلك حين تكون مدة العقد قصيرة جداً أو ساعات العمل قليلة جداً أو حين تتكرر الانقطاعات المهنية. ففي كولومبيا وبيرو وسويسرا والمملكة المتحدة مثلاً، تقل حصة العاملين في العمل المؤقت المشتركين في نظام تأمين اجتماعي عن حصة ذوي العقود الدائمة. وعلى نحو مماثل، في بلغاريا وهنغاريا وسلوفاكيا، حيث تتحدد المعاشات إلى حد بعيد بالاشتراكات، يرجح أن يحصل العاملون في العمل المؤقت وبدوام جزئي ولحساب الذات على دخل تقاعدي أدنى.

وفي كل مستوى من مستويات التنمية الاقتصادية، يتمتع المستخدمون الأساسيون المؤقتون بتغطية حماية اجتماعية أدنى من نظرائهم الأساسيين الدائمين. فعلى سبيل المثال، بينما يتمتع 76% من المستخدمين الأساسيين ذوي الاستخدام النموذجي بتغطية حماية اجتماعية في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، لا يستحق المعاشات أو الإجازة المرضية المدفوعة سوى 45% من المستخدمين الأساسيين ذوي العقود المؤقتة. وتحدث فجوات كبيرة مماثلة في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يتمتع 15% من المستخدمين الأساسيين ذوي العقود المؤقتة بتغطية الحماية الاجتماعية مقارنة بنسبة 41% من ذوي المناصب الدائمة.

وفي 16 بلداً مختاراً، يتمتع قرابة 39% من المستخدمين الأساسيين في المتوسط بتغطية الضمان الاجتماعي، مقارنة بأقل من 10% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص. وفي بعض البلدان، كأنغولا والمكسيك، يُستبعد العاملون لحسابهم الخاص من نظام الضمان الاجتماعي. وفي بلدان أخرى، حتى إن لم يكونوا مستبعدين فنياً، تظل هناك فجوات كبيرة في حماية الضمان الاجتماعي بين المستخدمين والعاملين لحسابهم الخاص. ففي صربيا مثلاً، يستحق أكثر من 90% من المستخدمين مزايا المعاش أو المرض أو الإجازة المدفوعة أو الإجازة الوالدية، بينما لا يصح ذلك إلا على 12% من العاملين لحسابهم الخاص. وعلى نحو مماثل، في تركيا، يُسجَّل قرابة 80% من المستخدمين الأساسيين في الضمان الاجتماعي، لكن التسجيل لا يتجاوز 23% بين العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص.

ومن العوامل الأخرى المؤثرة في الحماية الاجتماعية للعاملين الأساسيين القطاع المؤسسي للاستخدام، إذ كثيراً ما يتمتع العاملون الأساسيون في القطاع العام بمزايا أخرى كمعاشات أسخى وجداول عمل منتظمة وإجازات مرضية ووالدية مدفوعة وحماية أقوى من الفصل. فقد وجدت بحوث عن المعاشات والمزايا الصحية في الولايات المتحدة أن ثمة مزايا واضحة لاستخدام القطاع العام على القطاع الخاص. وفي غانا وتركيا، تمكن موظفو القطاع العام من تلقي رواتبهم حتى حين خُفض وقت عملهم بسبب عمليات الإغلاق واللوائح الناجمة عن كوفيد 19. وعلاوة على ذلك، يستفيد هؤلاء العاملون من ساعات أكثر انتظاماً وأمان وظيفي وحصول على الحماية الاجتماعية، مما لا يرفع رفاههم المادي فحسب بل يرفع أيضاً دافعيتهم ومعنوياتهم. غير أنه مع تنامي الإسناد إلى جهات خارجية في القطاع العام، لا يحصل عادة على حزم التعويض الكاملة إلا المستخدمون مباشرة لدى الحكومة والهيئات القانونية والسلطات المحلية. ففي الهند مثلاً، لا يتلقى الممرضون في المستشفيات العامة المستخدمون عبر مقاولين الأجور نفسها ولا استحقاقات الإجازة المدفوعة نفسها. ومن ثم لا يحدد قطاع الاستخدام وحده ظروف عمل العاملين الأساسيين، بل تحددها أيضاً الترتيبات التعاقدية.

وتفاقمت المشكلات المرتبطة بنقص الحماية الاجتماعية الممنوحة للعاملين في العمل المؤقت وبدوام جزئي ولحساب الذات خلال جائحة كوفيد 19. ففي تشيكيا وإستونيا ولاتفيا والبرتغال وسلوفاكيا، كان العاملون في العمل المؤقت وبدوام جزئي ولحساب الذات أقل احتمالاً بنسبة 40% إلى 50% لتلقي أي مساعدة دخل خلال البطالة أو الإجازة المرتبطة برعاية الأطفال من العاملين في الاستخدام النموذجي. وتكون استحقاقات إعانات المرض عموماً أقصر لدى العاملين المؤقتين لأنها تتوقف على تاريخ انتهاء العقد، في حين قد يُستبعد العاملون بدوام جزئي لعدم استيفائهم عتبات الدخل الدنيا. وفي الولايات المتحدة، حيث لا تُفرض الإجازة المرضية المدفوعة اتحادياً، يقصر كثير من أصحاب العمل الإجازة المرضية المدفوعة التي يقدمونها على مستخدميهم بدوام كامل. ونتيجة لذلك، يتمتع العاملون بدوام كامل في الولايات المتحدة بتغطية للأجر المرضي تقارب ضعف تغطية العاملين بدوام جزئي. وليس مستغرباً أن يفيد واحد من كل خمسة عاملين في الولايات المتحدة بذهابه إلى العمل مريضاً منذ بداية الجائحة، بسبب غياب الإجازة المرضية أو الخوف من فقدان الوظيفة أو الخوف من غضب صاحب العمل.

3.7 التدريب

يمكّن التدريب الأفراد من أداء عملهم بفاعلية أكبر والتكيف مع التغيير والاستعداد للمستقبل. وبالنسبة إلى المنشآت، يمكن للتدريب أن يحسن الاحتفاظ بالموظفين ويرفع الإنتاجية. وفي أوقات الأزمات، يمكن للتدريب أن يساعد العاملين على التكيف على نحو أفضل مع الواقع الجديد. غير أن جائحة كوفيد 19 عطلت تقديم التدريب، إذ لم يفد سوى 20% من مقدمي التدريب، في مسح أجرته منظمة العمل الدولية واليونسكو والبنك الدولي عام 2020، بأنهم عدلوا عروضهم للاستجابة للاحتياجات التي أحدثتها الجائحة. ومع ذلك، تمكن هؤلاء المقدمون من تكييف تدريبهم للتوعية بالمخاطر الصحية الناجمة عن الجائحة وكيفية استخدام تدابير السلامة والصحة المهنيتين على النحو السليم. وكان تدريب كهذا مهماً بوجه خاص للعاملين الأساسيين لأنهم الأكثر تعرضاً للمخاطر المرتبطة بالعمل الناجمة عن جائحة كوفيد 19. والواقع أن الأدلة المعروضة سابقاً أظهرت أن العاملين في القطاع الصحي، حيث كانت المعرفة بالسلامة والصحة المتصلة بمخاطر العدوى أعلى، مالوا إلى المعاناة من آثار صحية سلبية أصغر من العاملين في قطاعات كانت فيها بروتوكولات السلامة والصحة والوعي بها غائبة في البداية، كالنقل. كما أبرز ما سبق كيف كان من شأن تدريب العاملين في التجزئة على أفضل السبل للتعامل مع الزبائن الغاضبين أن يفيد في تحسين تجربة العمل اليومية للعاملين الأساسيين.

لكن كم عدد المشتغلين الذين يحصلون على التدريب؟ تبين الأدلة من المسح الأوروبي لظروف العمل أن الحصة في البلدان المرتفعة الدخل مرتفعة نسبياً. فبالنظر إلى بيانات ما قبل الجائحة، شارك 53.7% من غير الأساسيين و49.5% من العاملين الأساسيين في تدريب ما خلال الأشهر الاثني عشر السابقة أثناء العمل. والعاملون الأساسيون في وضع أضعف مقارنة بغيرهم، لكن الفجوة ليست كبيرة. غير أن ذلك يتغير في البلدان ذات مستويات الدخل الأدنى. ففي بلدان مختارة ذات دخل متوسط أعلى، لم يشارك في التدريب سوى 18.4% من العاملين الأساسيين، أي أقل بعشر نقاط مئوية من حصة غيرهم البالغة 28.5%. وفي بلدان مختارة ذات دخل متوسط أدنى ومنخفضة الدخل، لم يشارك في التدريب سوى 2.8% من العاملين الأساسيين مقارنة بنسبة 9.3% من غيرهم. ويثير ذلك الشكوك حول ما إذا كانت برامج التدريب متينة بما يكفي لتحقيق التغييرات المطلوبة في الوعي والسلوك خلال الأزمات، ولا سيما بين العاملين الأساسيين.

ويُعد نوع الاستخدام بعداً آخر يشكل حصول العاملين على التدريب. فالعاملون لحسابهم الخاص أقل احتمالاً بكثير للحصول على التدريب من المستخدمين. ويسجل العاملون الأساسيون لحسابهم الخاص أدنى معدلات التدريب، من 21.1% في البلدان المرتفعة الدخل إلى 5.6% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و1.3% فقط في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والمنخفضة الدخل. ومع كون العمل لحساب الذات الشكل السائد للاستخدام بين العاملين الأساسيين في البلدان الأفقر، باستثناء العاملين في الصحة والأمن، فإن معدلات التدريب المنخفضة جداً هذه مدعاة للقلق. وترتبط هذه المعدلات المنخفضة جزئياً بأوجه القصور في العمل اللائق في القطاع الزراعي، ولا سيما التدريب على السلامة والصحة. غير أن استبعاد العاملين في النظم الغذائية لا يحسن إلا قليلاً معدلات التدريب المنخفضة للعاملين لحسابهم الخاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، إذ ترتفع إلى 1.7% في البلدان المنخفضة والمتوسطة الأدنى الدخل و8.8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. ومن ثم فإن أوجه القصور في التدريب سمة من سمات سوق العمل تتجاوز الزراعة.

وإضافة إلى ذلك، يميل العقد المؤقت إلى التأثير سلباً في حصول العاملين على التدريب. ففي بعض البلدان، ينتشر العمل المؤقت ويوجد خط فاصل واضح بين العاملين بعقود مؤقتة والعاملين بعقود دائمة، كما في بلدان منطقة الأنديز. ففي إكوادور مثلاً، كان 43.6% من المستخدمين بأجر يحملون عقوداً مؤقتة عام 2015، وكان هؤلاء المستخدمون، بعد استبعاد أثر الخصائص الملاحظة، أقل احتمالاً بمقدار 8.7 نقاط مئوية للحصول على التدريب من غيرهم. ووجدت دراسة من شيلي، وهي بلد ذو مستوى متوسط من العمل المؤقت، أن العمل المؤقت يرتبط سلباً بالحصول على التدريب أيضاً. ومثال آخر هو إسبانيا، حيث تحمل أغلبية كبيرة من العاملين الشباب حالياً عقوداً مؤقتة، مع عواقب سلبية على حصولهم على التدريب. فبعد احتساب الخصائص الشخصية، يُقدر أن العاملين الإسبان ذوي العقود المؤقتة أقل احتمالاً بمقدار 6.5 نقاط مئوية لحضور التدريب من غيرهم. وفي المقابل، يتشابه حصول العاملين المؤقتين وذوي العقود الدائمة على التدريب في أسواق العمل الأقل تجزؤاً ذات الفجوة الأصغر في تشريعات حماية الاستخدام بين المستخدمين المؤقتين والدائمين، كالسويد والمملكة المتحدة. وفي حالة أيرلندا وهولندا، انعكست فجوة التدريب لصالح العاملين المؤقتين.

ومن بين خيارات التدريب المتاحة، يؤدي التدريب القائم على العمل دوراً رئيسياً. فالتعلم والتدريب في الشركات ملائمان لتمكين العاملين والشركات من التكيف مع الواقع المتغير، بما في ذلك تبعات السلامة والصحة الناشئة خلال جائحة. وبالمقارنة، قد يكون التعلم والتدريب الجاريان بالكامل خارج الشركات أقل مرونة ومن ثم أقل قدرة على مراعاة هذه التغيرات في متطلبات العمل. وإضافة إلى ذلك، يصل التعلم والتدريب داخل الشركات إلى الأفراد من جميع الأعمار، بمن فيهم من هم في مراحل متأخرة من حياتهم العملية، الذين يقل احتمال تركهم وظائفهم لفترة معينة لتلقي التدريب.

ومن الأنواع المحددة والمنظمة رسمياً للتدريب القائم على العمل التعليم والتدريب التقني والمهني. ففي الطرف الأدنى من توزيع الأجور، حيث يتركز العاملون الأساسيون على نحو غير متناسب، تكتسب المهارات التقنية والمهنية أهمية. والاستثمار في تعزيز هذه المهارات يحسن توقعات العاملين في سوق العمل، وكذلك إنتاجية الشركات التي تستخدمهم. ويشمل هذا التعليم أشكالاً مختلفة من التعلم في المدرسة وفي العمل، ويجمع بين المعرفة الخاصة بالمهنة والمعرفة العامة. وهو أكثر صلة بالشباب الذين لم يدخلوا سوق العمل بعد، لكنه قد يكون أيضاً وسيلة للعاملين الأكبر سناً لإعادة التأهيل أو رفع المهارات لتحسين أوضاعهم في وظائفهم الحالية أو إيجاد وظائف أفضل.

وخلال الأزمات، يمكن لبرامج التعليم والتدريب التقني والمهني أن تساعد على الاستجابة للتحولات الجوهرية في الطلب على المهارات، وإن كان ذلك يتطلب توقعات تخطيط أطول من أشكال التعلم القائم على العمل الأخرى التي يمكن تطبيقها على نحو مرتجل لتلبية الاحتياجات الفورية. وخلال جائحة كوفيد 19، كُيفت بعض هذه البرامج لرفع مهارات العاملين المقدمين للخدمات الضرورية وإعادة تأهيل آخرين لسد نقص اليد العاملة في القطاعات الضرورية. كما يمكن لهذا التعليم أن يفيد خلال التعافي الاجتماعي والاقتصادي من كوفيد 19 لتلبية التغيرات الدائمة في الطلب على العمالة، كالتركيز المتزايد على المهارات الرقمية.

وعلى الرغم من أهمية التعليم والتدريب التقني والمهني خلال الأزمات، يختلف حصول العاملين الأساسيين عليه في أنحاء العالم. ففي البلدان ذات مستويات الدخل الأعلى، يكون أكثر انتشاراً عموماً. فقد حضر هذا التعليم في وقت ما من حياتهم العملية عدد أكبر من العاملين الأساسيين بنسبة 45.6% من غيرهم بنسبة 36.3% في فرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة، وهي البلدان الثلاثة المرتفعة الدخل المشمولة بالتحليل. وفي هذه البلدان، تتطلب كثير من الوظائف التي يؤديها العاملون الأساسيون رسمياً هذا التعليم. فسائقو الحافلات في سويسرا مثلاً يحضرون تدريباً نظرياً وعملياً يصل إلى اثني عشر شهراً، بينما يتم الممرضون تلمذة مهنية لمدة ثلاث سنوات تشمل التعلم في المدرسة والتدريب في مكان العمل. غير أن ذلك لا يعني أن مستويات المؤهلات الرسمية لغير الأساسيين أدنى في المتوسط، لأن كثيراً منهم يحصلون على شهادات جامعية.

وبين البلدان ذات مستويات الدخل الأدنى، يقل عدد العاملين الأساسيين الذين حضروا هذا التعليم في وقت ما من حياتهم العملية، وتنعكس الفجوة مع غيرهم فعلاً. ففي بلدان مختارة ذات دخل متوسط أعلى، حضرت حصة متساوية من العاملين الأساسيين وغيرهم هذا التعليم، بنحو 18%. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، يصح الأمر نفسه على 16.9% من غير الأساسيين مقارنة بنسبة 11.7% فقط من العاملين الأساسيين. ويصبح هذا التفاوت أوضح في البلدان المنخفضة الدخل، حيث لم يحضر هذا التعليم سوى 5.4% من العاملين الأساسيين بينما حضره 14.5% من غيرهم.

ومن ثم فإن كثيراً من العاملين الأساسيين يتعلمون في أثناء العمل فحسب، مع إمكانات محدودة لتعزيز مهاراتهم وظروف عملهم. ومن أمثلة المهن المحددة التي حظيت باهتمام متزايد خلال جائحة كوفيد 19 مهنة العاملين في المشارح. فقد كشفت دراسة في غانا أن العاملين في المشارح يُدربون في أثناء العمل، إذ يتعلمون من زملائهم الأقدم مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين. ويعرّض غياب تلمذة مهنية أكثر تنظيماً وصرامة هؤلاء العاملين لمخاطر السلامة والصحة، ولا سيما حين يتعاملون مع الأمراض المعدية أو المنتجات الكيميائية. كما سيكون التدريب المنظم مفيداً لتحسين جودة الخدمات التي يقدمها العاملون في المشارح وظروف عملهم، التي تنطوي حالياً على ارتفاع معدل الاستخدام العرضي وأجور منخفضة لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية للعاملين رغم عملهم ساعات طويلة وأدائهم مهام خطرة ومرهقة.

دراسة ذات صلة