الفصل الخامس: كيف نعزز مؤسسات العمل
النتائج الرئيسية
ينبغي أن تشمل لوائح السلامة والصحة الفعالة جميع فروع النشاط الاقتصادي وجميع العاملين، مع تحديد واضح للواجبات والحقوق.
تحد المساواة في المعاملة بين العاملين في ترتيبات تعاقدية مختلفة من التمييز القائم على الوضع المهني، وتدعم العمل اللائق والمنافسة العادلة.
في البلدان ذات التغطية المرتفعة للمفاوضة الجماعية، تميل فجوة الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم إلى الانخفاض.
يمكن أن يكون ضمان حصول العاملين الأساسيين على الحد الأدنى للأجور أداة فعالة لزيادة دخلهم.
سيجعل توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل جميع العاملين، بما في ذلك الحصول على الإجازة المرضية المدفوعة، العاملين والاقتصادات أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات والجوائح المقبلة.
يعني تقدير العاملين الأساسيين ضمان حصولهم على أجر كافٍ وعملهم في ظروف تتوافق مع العمل اللائق. ومع أن العمل اللائق هدف لكل عمل، فإنه بالغ الأهمية للعاملين الأساسيين الذين يقدمون الضروريات والخدمات الحيوية في أوقات الرخاء والشدة. وتقوية مؤسسات العمل، إلى جانب الاستثمار في القطاعات الأساسية كما يبين الفصل السادس، أمر محوري لبناء عالم عمل أكثر قدرة على الصمود.
ويستند هذا الفصل إلى معايير منظمة العمل الدولية وأمثلة على الممارسات الجيدة من التشريعات الإقليمية والوطنية واتفاقات المفاوضة الجماعية لتقديم توجيهات بشأن كيفية تحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية للعاملين الأساسيين. ومع أن كثيراً من اللوائح والسياسات الموصى بها تنطبق على جميع العاملين، فإن هذه الجهود، بالنظر إلى أوجه الضعف النسبية المحددة في العمل الأساسي في الفصول السابقة، خطوة ضرورية إلى الأمام لتحقيق العمل اللائق للعاملين الأساسيين.
وتضمن مؤسسات العمل الشاملة والمتينة ألا يُعامل العمل بوصفه مجرد سلعة. وتشمل مؤسسات العمل القوانين واتفاقات المفاوضة الجماعية التي تنظم سوق العمل في مجالات كالسلامة والصحة المهنيتين وعقود الاستخدام وساعات العمل والأجور والتدريب والضمان الاجتماعي، فضلاً عن المؤسسات التي تصمم حوكمة مكان العمل وتنشئها، وهي منظمات العمال وأصحاب العمل، ونظم إدارة العمل وتفتيشه، والمحاكم والهيئات القضائية. وتعالج مؤسسات العمل الجيدة الأداء عدم التماثل بين رأس المال والعمل وتعزز أداء سوق العمل والاقتصاد.
وعلى مدى المئة عام الماضية، كانت علاقة الاستخدام في صميم حوكمة سوق العمل. ويُعد تعريف الاستخدام وتصنيف علاقة العمل بوصفها علاقة استخدام أمراً محورياً لتوفير الحماية العمالية. فكثير من جوانب الحماية العمالية، كالحد الأدنى للأجور وحدود ساعات العمل والحماية من الفصل، تسري على علاقة الاستخدام. وثمة جوانب أخرى، كالحق في الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية ومناهضة التمييز والسلامة والصحة المهنيتين والحماية الاجتماعية، معترف بها دولياً بوصفها سارية على جميع العاملين، وإن كانت لا تزال مقيدة كثيراً على المستوى الوطني.
وتنبع أوجه القصور في الحماية العمالية والاجتماعية المحددة بين العاملين الأساسيين مما يلي: أولاً، الإخفاق في تغطية العاملين لوقوعهم خارج نطاق القانون، كما هو الحال كثيراً في العمل لحساب الذات وكذلك بين فئات فرعية من العاملين كالعاملين الزراعيين أو المنزليين أو العاملين في المنشآت الصغيرة؛ ثانياً، ضعف إنفاذ القانون حتى بالنسبة إلى المنشآت المشمولة به، ومن ثم عدم تطبيقه، كما في حالة العاملين المستخدمين بصورة غير منظمة؛ ثالثاً، عدم المساواة في معاملة عقود الاستخدام في القانون، كما في حالة بعض الترتيبات التعاقدية، ومنها بعض برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة.
ومن ثم يتطلب تحسين الحماية العمالية والاجتماعية بين العاملين الأساسيين إجراءات متعددة الجوانب تبعاً لسبب القصور. فبالنسبة إلى العاملين في علاقة استخدام معترف بها، يشمل ذلك ضمان المساواة في المعاملة بين العاملين في الترتيبات التعاقدية المتنوعة ليتمتعوا بالمزايا الكاملة للحماية العمالية والاجتماعية، وكذلك تحسين الامتثال للحد من الطابع غير المنظم بين المستخدمين. وفي بعض الحالات، ينبغي الاعتراف بأن العاملين في علاقة استخدام لكنهم صُنفوا خطأ عاملين لحسابهم الخاص، أي العمل لحساب الذات الزائف أو الاستخدام المقنّع. ولهذه الحالات، تتضمن توصية علاقة الاستخدام لعام 2006 (رقم 198) سلسلة من المبادئ التي يمكن أن ترشد الحكومات في وضع سياسات لمعالجة سوء تصنيف الاستخدام.
أما بالنسبة إلى العاملين الواقعين حالياً خارج نطاق القانون، فتشمل السياسات توسيع تعريف التغطية ليشمل العاملين في المهن المستبعدة تاريخياً، كالعمل الزراعي أو المنزلي، أو العاملين لحسابهم الخاص التابعين، الذين هم مستقلون قانونياً لكنهم يعتمدون اقتصادياً على عدد قليل من العملاء. ويمكن أن يكون توسيع النطاق أيضاً وسيلة لتغطية العاملين في أشكال العمل الجديدة كعاملي التوصيل عبر التطبيقات. أما العاملون لحسابهم الخاص المستقلون حقاً، فيلزم تصميم سياسات خاصة لتوفير الحماية لهم، ولا سيما فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنيتين ومناهضة التمييز والحق في الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية.
ومن الأدوات الحاسمة الأخرى لتقوية مؤسسات العمل الحوار الاجتماعي. فالحرية النقابية والمفاوضة الجماعية حقان أساسيان للعاملين يسريان على جميعهم بصرف النظر عن وضعهم التعاقدي ووضع الهجرة. غير أن كثيراً من العاملين الأساسيين لا يستطيعون عملياً ممارسة هذين الحقين، إما للأسباب المذكورة أعلاه، أو بسبب التحولات في عالم العمل التي أضعفت منظمات أصحاب العمل والعمال. وقد أضعف ذلك بدوره قدرة الانتساب النقابي والمفاوضة الجماعية على تحسين الحماية عبر التنظيم المتفاوض عليه، وكذلك الدور المهم الذي يمكن أن تؤديه المشاورات الثنائية والتمثيل في مكان العمل، بما فيه لجان الصحة والسلامة المشتركة، في ضمان الامتثال. وقد أثبت الحوار الاجتماعي قيمته خلال جائحة كوفيد 19 أداةً مرنة للاستجابة للأزمات، وإتاحته على نطاق أوسع يعزز قدرة أسواق العمل على الصمود.
5.1 أماكن عمل آمنة وصحية للجميع
مكان العمل الآمن والصحي رصيد للعاملين وأصحاب العمل والمجتمع ككل. فبالنسبة إلى أصحاب العمل، لا يحمي مكان العمل الآمن والصحي العاملين من الإصابة والمرض فحسب، بل يمكن أن يساعد أيضاً على منع النفقات الباهظة الناجمة عن الحوادث والتغيب أو الضمان الاجتماعي. وبالنسبة إلى العاملين، يعني مكان العمل الآمن والصحي تجنب العواقب الضارة لإصابات العمل وأمراضه، الجسدية منها والنفسية. فإلى جانب الألم والمعاناة اللذين قد يسببهما الحادث أو المرض، قد تكون له آثار مدمرة على مالية الأسرة والعلاقات الشخصية، بما في ذلك الإضرار بالمسيرة المهنية للعاملين. وبالنسبة إلى المجتمعات، قد تكون إصابات العمل وأمراضه مكلفة لنظم الضمان الاجتماعي وكذلك لبرامج المساعدة الاجتماعية حين تقع الأسر في ضائقة اقتصادية.
وكما بينت الفصول السابقة، كان العاملون الأساسيون أكثر تعرضاً لمخاطر مكان العمل قبل الجائحة من غيرهم، وخلال جائحة كوفيد 19 تفاقمت المخاطر الجسدية والنفسية الاجتماعية. فقد بين التحليل أن العاملين الأساسيين سجلوا معدلات وفيات أعلى خلال الجائحة. وتضرر العاملون الصحيون، الذين سجلوا أعلى معدلات التعرض، تضرراً شديداً، لكن الأدلة توحي أيضاً بأن العاملين في التجزئة والأمن والنقل كثيراً ما كان حالهم أسوأ، رغم التفاوت بين البلدان. ويشير التحليل إلى أن الإطار المؤسسي أثر في احتمال إصابة العاملين الأساسيين بالعدوى. فقد عمل العاملون المنظمون، ولا سيما في المنشآت الأكبر والمنتسبة إلى النقابات، في بيئات عمل توافرت فيها نظم سلامة وصحة أكثر متانة. وكما نوقش في الفصل الثالث، ثمة حالياً ثغرات كثيرة في التغطية، إذ كثيراً ما تقتصر نظم السلامة والصحة على العاملين في علاقة استخدام. وعلاوة على ذلك، لم تول نظم كثيرة اهتماماً كافياً للمخاطر النفسية الاجتماعية، ولا سيما العنف والتحرش.
وقد أتاحت جائحة كوفيد 19 فرصة لتحسين نظم السلامة والصحة المهنيتين في أنحاء العالم. فلمنظمة العمل الدولية أكثر من أربعين معياراً يتناول الصحة والسلامة في العمل، منها عشرون اتفاقية وبروتوكولاً محدثاً. ويتعلق معظمها بخطر محدد، كالحوادث الصناعية الكبرى أو الأسبستوس أو المواد الكيميائية، أو بقطاع محدد كالتعدين أو البناء أو الزراعة. ومع ذلك، تركز أربع اتفاقيات وبروتوكول واحد على قضايا على مستوى النظام، يرافق كلاً منها توصية، وهي: اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين لعام 1981 (رقم 155)؛ وبروتوكول عام 2002 الملحق بها؛ واتفاقية خدمات الصحة المهنية لعام 1985 (رقم 161)؛ واتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنيتين لعام 2006 (رقم 187)؛ واتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190).
وفي 10 يونيو 2022، أعلن مؤتمر العمل الدولي أن الاتفاقيتين رقم 155 ورقم 187 تُعدان اتفاقيتين أساسيتين بالمعنى الوارد في إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998 بصيغته المعدلة عام 2022.
وتوفر هذه الاتفاقيات معايير سليمة لتوجيه إصلاحات السلامة والصحة. فهي لا تشيد هيكلاً ثابتاً جامداً لتنظيم السلامة والصحة في مكان العمل، بل ترسم إطاراً ديناميكياً. وتُعنى الاتفاقيات بتصميم السياسات والنظم والبرامج لتحسين السلامة والصحة في عالم العمل، وقد صيغت في ضوء تجربة الدول الأعضاء، ومن ثم فهي ترتكز ليس على القيم التأسيسية لمنظمة العمل الدولية فحسب، بل على المعرفة العملية أيضاً. وبتوليف الاتفاقيات الأربع، ولا سيما الاتفاقيتين الأساسيتين، ثمة خمسة أبعاد رئيسية للتنظيم الفعال للسلامة والصحة: التغطية الشاملة، وثقافة الوقاية، والواجبات والحقوق الواضحة، والتعاون، والسياسات والنظم والبرامج الوطنية المتسقة. وإلى جانب هذه الأبعاد الخمسة، ثمة دعامتان مساندتان: أولاهما الامتثال، الذي يتناوله القسم 5.7، وثانيتهما التنسيق مع النظم التنظيمية الأخرى المتعلقة بالعمل، بما فيها قانون العمل والضمان الاجتماعي والتنظيم الصحي، بحيث تتعاضد الأهداف والأساليب. ويتناول هذا القسم الأبعاد الرئيسية الخمسة بهدف تقديم توجيهات في مجال السياسات لهيئات منظمة العمل الدولية الثلاثية بشأن إنشاء مؤسسات عمل أكثر قدرة على الصمود للعاملين الأساسيين وغيرهم على حد سواء.
السياسات والنظم والبرامج الوطنية المتسقة
تقوم السياسات والنظم والبرامج الوطنية المتسقة، كما تحددها الاتفاقيتان رقم 155 ورقم 187، أساساً للتنظيم الفعال للسلامة والصحة. فالإطار الوطني الشامل المتسق، الذي بُنيت مكوناته على نحو منهجي متعاضد، يحول دون أن تكون تدابير السلامة والصحة مجرد ردود أفعال، تستجيب فيها الحكومات لأزمة بارزة محددة على نحو مجزأ متشظٍّ. فخطر هذا النهج القائم على رد الفعل أن تُعتمد حلول قصيرة الأجل، فتبقى أوجه القصور الطويلة الأجل والواسعة في القانون والسياسات دون معالجة. وكما شُرح في الفصل الثالث، صارت الأشكال الأقدم لتنظيم السلامة والصحة، التي استهدفت مخاطر محددة في صناعات محددة، غير كافية أو متقادمة أو عسيرة التطبيق. كما خلقت عدم إنصاف، لأن بعض العاملين كانوا محميين من المخاطر بينما لم يكن العاملون في القطاعات غير المنظمة كذلك.
وهذا لا يعني أن تدابير الطوارئ ليست مبررة أبداً. فأحياناً تكون الاستجابة الأولية الفورية مطلوبة في مواجهة كارثة غير متوقعة، كما أوضحت جائحة كوفيد 19. لكن ثمة حاجة إلى تجاوز المؤقت وإجراء تعديلات منهجية بحيث تُتجنب المخاطر المقبلة أو يُخفف منها؛ ومن هنا تأكيد الاتفاقيات على صياغة مجموعة متسقة من السياسات والنظم والبرامج ومراجعتها بانتظام. وهذه نقطة الانطلاق للتنظيم الفعال للسلامة والصحة.
فكيف تُميز السياسات والنظم والبرامج الوطنية بعضها عن بعض، ولماذا تلزم ثلاثتها؟ يُقصد بالسياسة الوطنية هنا سياسة بشأن السلامة المهنية والصحة المهنية وبيئة العمل، هدفها منع الحوادث والأضرار الصحية الناجمة عن العمل أو المرتبطة به أو الواقعة أثناءه، بالتقليل قدر الإمكان عملياً على نحو معقول من أسباب المخاطر الملازمة لبيئة العمل.
وينبغي أن تعزز هذه السياسة المبادئ الأساسية للسلامة والصحة المهنيتين، وأن تتناول مجالات العمل الرئيسية. ويعني ذلك مراعاة العناصر المادية للعمل، كأماكن العمل والآلات والمواد البيولوجية وغيرها، وعمليات العمل التي تربط هذه العناصر المادية بالعاملين، والتدريب، والاتصال والتعاون، وحماية العاملين وممثليهم من الانتقام. وينبغي أن توضح وظائف مختلف أصحاب المصلحة ومسؤولياتهم، وأن تُراجع بانتظام. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن تمتد السياسة الوطنية إلى توفير خدمات الصحة المهنية التي تقدم المشورة لأصحاب المصلحة بشأن كيفية الوقاية من الإصابات والأمراض. ومن ثم فإن غرض السياسة الوطنية إرساء أساس متين لجميع التدخلات التنظيمية المتعلقة بالسلامة والصحة، سواء أكانت قوانين أم استراتيجيات أم تدابير تعليمية أم إنشاء هيئات إدارية وغيرها من الهيئات المرتبطة بالسلامة والصحة.
ويُقصد بالنظام الوطني البنية التحتية لتنفيذ السياسة الوطنية والبرامج الوطنية بشأن السلامة والصحة المهنيتين. ولإعمال السياسة الوطنية عملياً، تحتاج الدول الأعضاء إلى إنشاء مؤسسات مناسبة ومراجعتها بانتظام عبر آليات ثلاثية.
وتشير الاتفاقية رقم 187 إلى أربعة عناصر أساسية للنظام الوطني: القوانين وغيرها من الصكوك التنظيمية التي قد تشمل الاتفاقات الجماعية؛ وسلطة أو سلطات تنظيمية؛ وآليات الامتثال؛ وترتيبات لتعزيز التعاون بين العمال والإدارة. كما تشير الاتفاقية إلى ثماني آليات إضافية تتعلق بالصحة والسلامة في العمل يمكن أن تكمل هذه العناصر: هيئة أو هيئات ثلاثية وطنية؛ وخدمات المعلومات والمشورة؛ والتدريب؛ والخدمات الصحية؛ والبحث؛ وجمع البيانات وتحليلها؛ والتعاون مع نظم الضمان الاجتماعي؛ ودعم المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة والاقتصاد غير المنظم. وينبغي مراعاة وضع الفئات العالية الخطورة والهشة والأثر على العاملين من مختلف الأجناس في تصميم النظام. ومن المهم بوجه خاص ملاحظة أن السياسة والنظام الوطنيين ينبغي أن يتناولا ليس الحوادث والأمراض المهنية فحسب، بل الرفاه الجسدي والنفسي للعاملين أيضاً.
وينبغي تصميم النظام الوطني مع مراعاة الظروف الوطنية الخاصة، ومن ثم يُتوقع طيف واسع من التنوع المؤسسي. وسيشمل هذا التنوع في بعض الولايات القضائية، ولا سيما ذات الهياكل الدستورية الاتحادية، قوانين وسلطات تنظيمية متعددة. كما سيشمل ترتيبات إدارية مختلفة؛ فقد يكون منظم السلامة والصحة مثلاً ضمن إدارة العمل أو الصحة أو هيئة قانونية مستقلة. وقد يكون هذا التعدد إشكالياً إن لم يكن هناك تماسك كامن، ولا سيما حين تُعاش أزمة على المستوى الوطني لا على المستوى دون الوطني فحسب، كما في حالة جائحة كوفيد 19. وفي أسوأ الأحوال، قد تُتجاوز نظم السلامة والصحة تماماً أو تُنزل إلى مرتبة ثانوية، كما حدث حين صارت أوامر الصحة العامة المؤقتة الوسيلة الرئيسية للاستجابة لجائحة كوفيد 19 في مكان العمل. ومع أن ذلك مفهوم في حالة الطوارئ، فإنه يقوض الاستجابة المنهجية الطويلة الأجل لما هو تهديد مستمر لصحة مكان العمل. ولذلك تشترط الاتفاقية رقم 155 على الدول الأعضاء، بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين وغيرهم من الجهات المعنية، ضمان التنسيق اللازم بين مختلف السلطات والهيئات لضمان اتساق السياسات.
ويُقصد بالبرنامج الوطني البرامج التي تتضمن أهدافاً يُراد تحقيقها في إطار زمني محدد مسبقاً، وأولويات ووسائل عمل مصاغة لتحسين السلامة والصحة المهنيتين، وطرقاً لتقييم التقدم. ومرة أخرى، ينبغي صياغتها وتنفيذها ومراجعتها على نحو ثلاثي. وينبغي توجيه هذه البرامج إلى تعزيز ثقافة الوقاية وإزالة المخاطر أو التقليل منها. وينبغي أن تستند إلى مراجعة للوضع الوطني وأن تتضمن أهدافاً وغايات ومؤشرات للتقدم وأولويات.
وغرض البرنامج الوطني ضمان أن يعمل النظام الوطني على نحو مستجيب وديناميكي، يعزز التحسين المستمر. وكانت النية الأصلية تعزيز اعتماد خطط استراتيجية متوسطة الأجل توفر إطاراً زمنياً واقعياً لتحسينات كبيرة، كخمس سنوات مثلاً. غير أن هذا النهج إزاء الأطر الزمنية صيغ قبل الجائحة التي تطلبت في البداية أفقاً أقصر.
ومتى توافرت هذه السياسات والنظم والبرامج الوطنية المترابطة، تمكنت الدولة العضو من مقاربة تنظيم السلامة والصحة على نحو منهجي صارم، يقلل احتمال التدخلات المتناقضة والفوضوية والجزئية والمرتجلة. وتتناول الأقسام التالية الأبعاد الموضوعية لهذا الإطار. ويتعين على الدول الأعضاء في هذا الصدد صياغة سياسة وطنية متسقة للسلامة والصحة تحدد المبادئ الأساسية وتنفيذها ومراجعتها على نحو ثلاثي؛ وإنشاء نظام وطني منسق للسلامة والصحة من المؤسسات الرئيسية وصيانته وتطويره تدريجياً ومراجعته دورياً على نحو ثلاثي؛ وصياغة برنامج وطني للسلامة والصحة يتضمن استراتيجيات مستجيبة للأوضاع الوطنية ومنسقة مع البرامج الوطنية الأخرى، وتنفيذه ورصده وتقييمه ومراجعته دورياً على نحو ثلاثي.
وتطبق بعض النظم الوطنية هذا الإطار المنصوص عليه في معايير منظمة العمل الدولية صراحة. ففي اليابان مثلاً، يفرض قانون السلامة والصحة الصناعيتين تحديداً صياغة خطة. وتركز أحدث خطة، وهي الخطة الثالثة عشرة للوقاية من الحوادث المهنية التي بدأت عام 2018، تركيزاً متزايداً على الصحة النفسية ومناهضة التحرش. كما تعزز تقييمات المخاطر وتعيين أطباء صناعيين ضمن خدمات الصحة المهنية الداخلية وتحسين إدارة الصحة والسلامة داخل الشركات. وفي رواندا، وإلى جانب خطة شاملة للسلامة والصحة، ثمة استراتيجية وطنية للسلامة والصحة المهنيتين للفترة من 2019 إلى 2024 صاغتها وزارة الخدمة العامة والعمل، وتمتد الخطط في الصين وجمهورية كوريا أيضاً على خمس سنوات.
واستجابة لجائحة كوفيد 19، بدأت بلدان بتطوير إطار متسق لترسيخ الدروس المستفادة من التدابير المؤقتة. ففي أواخر عام 2021، سنت جمهورية كوريا قانون تصنيف العمل الضروري وحماية العاملين الضروريين ودعمهم. وينشئ القانون الجديد نظاماً دائماً لمساعدة العاملين الضروريين في أوقات الأزمات. ويتضمن تعريفاً عاماً للعمل الضروري بأنه العمل اللازم لحماية أرواح الناس وأجسادهم أو للحفاظ على الوظائف الاجتماعية حتى في حالة وقوع كارثة، ولجنة لتحديد الفئات الدقيقة وإجراء البحوث التجريبية والتوصية بخطط الدعم تضم ممثلاً للعمال. وبناء على مداولات اللجنة، تصوغ الوزارة المعنية، وهي وزارة العمالة والعمل، خطة دعم وتقيّمها.
التغطية الشاملة
في بلدان كثيرة، تقتصر قوانين الصحة والسلامة في العمل على المستخدمين وحدهم، وأحياناً على صناعات معينة فقط. لكن ذلك يتعارض مع أهداف اتفاقيات السلامة والصحة. فالالتزامات في اتفاقيات منظمة العمل الدولية الرئيسية تسري على جميع فروع النشاط الاقتصادي. ومع أن الاتفاقية رقم 155، المعتمدة عام 1981، تجيز للدول الأعضاء استثناء بعض فروع النشاط الاقتصادي بسبب مشكلات خاصة ذات طبيعة جوهرية، فإن هذه الاستثناءات يُقصد بها أن تكون مؤقتة وأن تتطلب توفير حماية كافية للعاملين المعنيين. كما يجب أن تكون شفافة وثلاثية وخاضعة للمساءلة بإبلاغ منظمة العمل الدولية بها.
ويتجلى تطور فهم السلامة والصحة في الاتفاقية رقم 190، إذ لا تستثني أي قطاع؛ فهي تسري على جميع القطاعات، الخاصة والعامة، في الاقتصاد المنظم وغير المنظم، وفي المناطق الحضرية والريفية، دون إمكانية استثناء فروع معينة من النشاط. وتعبر الاتفاقية بوضوح عن نهج شامل للتغطية، إذ تشير إلى حماية العاملين وغيرهم من الأشخاص في عالم العمل، وتوضح أن المشمولين ليسوا المستخدمين فحسب، بل أيضاً الأشخاص العاملون بصرف النظر عن وضعهم التعاقدي، والمتدربون، والمتطوعون وغيرهم، والأفراد الذين يمارسون سلطة صاحب العمل أو واجباته أو مسؤولياته. كما تُعرّف الالتزامات المتعلقة بعالم العمل في الاتفاقية تعريفاً واسعاً يشمل الأنشطة الخارجة عن العمل لكنها مرتبطة به، كالسفر المرتبط بالعمل والمناسبات الاجتماعية والعمل في أماكن خاصة وعبر الإنترنت والتنقل إلى العمل. ونظراً إلى النطاق الواسع للاتفاقية الذي يتجاوز مكان العمل التقليدي، يُحدد مستوى مسؤولية الكيانات التجارية بما يتناسب مع درجة سيطرتها.
غير أن شرط تغطية جميع العاملين لا يعني أن يخضع أصحاب المصلحة لقواعد تفصيلية متطابقة. فكما أُشير في الفصل الثالث، ميز نهج روبنز لتنظيم السلامة والصحة في العمل بين بيان المبادئ والحقوق والالتزامات العامة السارية على الجميع من جهة، والقواعد التفصيلية السارية على سياقات عمل محددة من جهة أخرى. ومن ثم ينبغي أن يشمل جميع العاملين، بصرف النظر عن وضعهم التعاقدي، سياسات السلامة والصحة ونظمها وبرامجها. فعلى سبيل المثال، ينبغي إلزام جميع الكيانات بأن تضمن، بقدر ما هو ممكن عملياً على نحو معقول، أن تكون أماكن العمل الخاضعة لسيطرتها آمنة وخالية من الخطر على الصحة. غير أن ما يعنيه ذلك عملياً للعاملين في النقل سيختلف عما يعنيه للعاملين الصحيين، وقد تختلف مسؤوليات صاحب العمل المباشر الوحيد في درجتها عن مسؤوليات أحد الكيانات العديدة القادرة على التأثير في سلامة العامل وصحته.
وكما نوقش في الفصل الثالث، تستبعد قوانين السلامة والصحة في ولايات قضائية كثيرة فئات معينة من العاملين، بحيث تكون التغطية جزئية فقط، فيعمل بعض المشاركين في آليات السلامة والصحة جنباً إلى جنب مع مستبعدين. وقد دفع تشظي علاقة الاستخدام عبر ترتيبات عمل مجزأة تعاقدياً، سواء انطوت على علاقة استخدام أم لا، بما فيها العمل عبر المنصات والعمل المنزلي والعمل الافتراضي، بعض البلدان إلى إعادة النظر في الأساس الذي بُنيت عليه قوانين السلامة والصحة لديها. فإن كانت هذه القوانين قائمة على علاقة الاستخدام وحدها، فإن غير المستخدمين، كالعاملين لحسابهم الخاص والمتطوعين والمتدربين، غير مشمولين. وحتى العاملون في علاقة استخدام المشمولون فنياً بالقانون، إن عملوا بترتيبات غير منتظمة كالعمل عبر الوكالات المؤقتة أو العمل العرضي، فقد يجدون أن تغطيتهم الفعلية ضئيلة أو منعدمة.
ولمعالجة هذه المسألة، أُعيدت صياغة قانون السلامة والصحة الأسترالي، الذي صار يسمى قانون الصحة والسلامة في العمل لإبراز شموله، بحيث يستبدل مصطلحي صاحب العمل والمستخدم بمصطلحات أوسع كالشخص الذي يدير عملاً تجارياً أو منشأة، والعامل. وينص القانون الأسترالي لعام 2011 في واجب الرعاية الأساسي على أن الشخص الذي يدير عملاً تجارياً أو منشأة يجب أن يضمن، بقدر ما هو ممكن عملياً على نحو معقول، صحة وسلامة العاملين الذين يشغلهم أو يتسبب في تشغيلهم، والعاملين الذين يتأثر نشاطهم في أداء العمل بتوجيهه أو تأثيره، أثناء عملهم في العمل التجاري أو المنشأة، كما يجب أن يضمن ألا تتعرض صحة الأشخاص الآخرين وسلامتهم للخطر من العمل المنفذ ضمن إدارة العمل التجاري أو المنشأة.
وفي إيطاليا، يُعرّف مصطلح العامل بأنه الشخص الذي يمارس، بصرف النظر عن نوع العقد، نشاط عمل داخل منظمة صاحب عمل عام أو خاص، بأجر أو بدونه، ولو بغرض التدريب وحده، ويُعطى مصطلح صاحب العمل معنى موسعاً. كما تتجنب الصين استخدام مصطلحي صاحب العمل والمستخدم في قانون سلامة العمل، فتشير إلى الكيانات العاملة في عمليات الإنتاج، وتستخدم مصطلحاً أوسع للعامل بدلاً من المصطلح الأقل شمولاً الوارد في قوانين العمل الأخرى. وينص القانون تحديداً على مسؤولية الكيان التجاري عن العاملين المؤقتين عبر الوكالات والعاملين عبر المنصات، وعن إبرام ترتيبات مع المقاولين من الباطن لحماية سلامة العاملين المسندين إلى جهات خارجية. غير أن هذا النهج الواسع لم يُعتمد بعد على نحو متسق في جميع تشريعات الصحة والسلامة؛ إذ يواصل قانون الوقاية من الأمراض المهنية ومكافحتها استخدام لغة علاقة الاستخدام الضيقة الواردة في قوانين العمل الأخرى، بحيث يُستبعد العاملون لحسابهم الخاص والمقاولون من الباطن مثلاً، وإن شُمل العاملون المؤقتون عبر الوكالات.
وفي جمهورية كوريا، وُسع قانون السلامة والصحة المهنيتين، الذي كان يقتصر أصلاً على المستخدمين بالتوازي مع قانون العمل العام، ليشمل أشكالاً مختلفة من ترتيبات التعاقد من الباطن المنظمة تفصيلاً في التشريع، مع توضيح مسؤولية أصحاب الأعمال في نقاط مختلفة من سلسلة التعاقد. وتشمل هذه الترتيبات مواقع البناء وبعض أشكال التصنيع الخطرة وصناعة التوصيل وبعض أشكال العمل المؤقت عبر الوكالات وعلاقات الامتياز التجاري. ومع أن قانون السلامة والصحة الياباني يبدو أنه يشمل المستخدمين أساساً، فإنه يمتد، كما في جمهورية كوريا، إلى طائفة من ترتيبات التعاقد، بما فيها مواقع البناء.
وحيث تُصاغ القوانين صياغة واسعة أو تُمد تحديداً لتشمل غير المستخدمين، كما في الأمثلة السابقة، لا تعود المسؤوليات مرتبطة بتصنيفات تعاقدية محددة، بل بالقدرة على التأثير في السلامة والصحة فعلياً. وبموجب هذا النهج، يتحمل المقاول الرئيسي في موقع بناء مثلاً التزامات تجاه جميع العاملين في ذلك الموقع، سواء أكانوا مستخدمين مباشرين أم عاملين لحسابهم الخاص أم مشغلين عبر سلسلة من العقود. وعلاوة على ذلك، قد تُمد حقوق التمثيل إلى جميع العاملين، وتُعرّف أماكن العمل تعريفاً واسعاً يشمل أي مكان يكون فيه العامل في العمل. وهذا النوع من البنية التنظيمية أقدر على دعم استجابة واسعة ومتسقة في مجال السلامة والصحة لأحداث كجائحة كوفيد 19، التي لا يتمايز أثرها في عالم العمل بحسب الأشكال التعاقدية.
وثمة أمثلة على أن الجائحة أفضت إلى توسيع التشريعات عبر التفسير القضائي. ففي المملكة المتحدة، كانت الجائحة محفزاً لتوسيع قانون السلامة والصحة الرئيسي؛ إذ وجدت المحكمة العليا في قضية متصلة بكوفيد 19 عام 2020 أن القانون البريطاني القائم لا يمتثل لتوجيهات الاتحاد الأوروبي المحتفظ بها، فوسعت الحق في الانسحاب من العمل والحصول على معدات الحماية الشخصية ليشمل جميع العاملين التابعين لا المستخدمين وحدهم.
ثقافة الوقاية
تنص الاتفاقية رقم 187 على إيلاء مبدأ الوقاية أعلى أولوية. وتفرض الاتفاقية تطوير ثقافة وطنية وقائية للسلامة والصحة، بحيث تسهم القيم والمواقف والتصورات والكفاءات والسلوكيات الفردية والجماعية في إدارة الصحة والسلامة وتطويرها على نحو ديناميكي وتدريجي.
ولإعمال مبدأ الوقاية، يُعد مفهوم تقييمات المخاطر وتطبيقها العملي أمراً جوهرياً. وكما شُرح في الفصل الثالث، ينطوي ذلك على عملية منهجية لتحديد المخاطر في العمل، والنظر في احتمال الضرر، ثم العمل على إزالة الخطر، أو التقليل منه إن تعذرت إزالته عملياً على نحو معقول. وثمة صياغات مختلفة لكيفية إجراء تقييمات المخاطر وضعتها منظمة العمل الدولية والدول الأعضاء، تنطوي عادة على تقييم المخاطر وترتيب أولوياتها بالنظر في احتمال وقوع الحدث الخطر وشدته المحتملة والتدابير المتاحة لإزالة الخطر أو التقليل منه. كما تنطوي على تحديد المسؤول عن تنفيذ التدابير والأطر الزمنية وعملية المراجعة.
ومن الولايات القضائية التي تعزز ترتيباتها في مجال السلامة والصحة ثقافة الوقاية اليابان. فلليابان نظام للأطباء الصناعيين في المنشآت وفي جهاز التفتيش. ويجب تعيين هؤلاء الأطباء في المنشآت التي تضم أكثر من خمسين مستخدماً، وهم أعضاء في لجان الصحة أو الصحة والسلامة، ويؤدون دوراً محورياً في الفحوص الدورية للصحة الجسدية والنفسية للعاملين. وخلال جائحة كوفيد 19، قدم الأطباء الصناعيون تدابير وقائية كالتطعيمات الطوعية في أماكن العمل، كما أفادوا في توفير استجابة منهجية لتحديات الصحة النفسية الناجمة عن الجائحة.
الواجبات والحقوق الواضحة
تتطلب ثقافة الوقاية الفعالة إسناد المسؤوليات إلى مختلف الجهات الفاعلة في مكان العمل وتحديد الحقوق أيضاً. فالاتفاقية رقم 155 تلزم أصحاب العمل بأن يضمنوا، بقدر ما هو ممكن عملياً على نحو معقول، أن تكون طائفة من الأمور الخاضعة لسيطرتهم آمنة وخالية من الخطر على الصحة، وهي مكان العمل عموماً والآلات والمعدات والعمليات والمواد والعوامل. وحيث لا يستطيعون إزالة الخطر أو التحكم فيه بخلاف ذلك إلى مستوى مقبول، يتعين عليهم توفير معدات حماية شخصية كافية دون كلفة على العامل. وينبغي أن تركز هذه الواجبات على القدرة على التأثير في السلامة والصحة على نحو شامل بدلاً من الاستناد إلى الوضع التعاقدي، كما تتبنى الاتفاقية رقم 190 وتطبق قوانين كالقانون الأسترالي للصحة والسلامة في العمل لعام 2011.
ومع أن المنشأة قد لا تستطيع منع وقوع كل حادث يتعلق بالسلامة والصحة، فإن عليها إجراء تقييمات للمخاطر على فترات منتظمة لتطبيق التدابير الممكنة لإزالة المخاطر، أو التقليل منها إن تعذر ذلك. فالقانون الصيني مثلاً ينص على واجبات واسعة جداً للأشخاص ذوي المسؤولية الأساسية عن الصحة والسلامة في الكيان التجاري، كإنشاء نظم داخلية للسلامة والصحة وتحسينها وتنفيذها، بما فيها تقييمات المخاطر والتدريب. وتنطوي هذه النظم على تحديد واضح للمسؤولية داخل المنشأة وميزانية واضحة.
ومن النقاط الإضافية أن المنشآت ليست وحدها صاحبة الالتزامات في نظام سلامة وصحة جيد التصميم. فالعاملون وممثلوهم ملزمون بالتعاون مع أصحاب العمل فيما يتعلق بالسلامة والصحة، ولكي يفعلوا ذلك، يجب تزويدهم بالمعلومات والتدريب المناسبين. وإلى جانب واجب التعاون، للعاملين الحق في الانسحاب من حالة عمل لديهم مبرر معقول للاعتقاد بأنها تمثل خطراً وشيكاً وجسيماً على حياتهم أو صحتهم، دون أن يتعرضوا للانتقام. ويعني ذلك أنه إن انهار التعاون، كأن يرفض مدير الإقرار بخطر جسيم قد يؤدي إلى تعليق الإنتاج، يستطيع العاملون مع ذلك التصرف لحماية أنفسهم. وفي هذه الحالات، وكذلك حين يشتكي العاملون بحسن نية من إخلال المنشأة بالتزاماتها في مجال الصحة والسلامة، ينبغي أن يحميهم القانون من الانتقام. ويتمتع المستخدمون في أستراليا والصين وجمهورية كوريا وإسبانيا والمملكة المتحدة وغيرها بهذا الحق.
التعاون الثلاثي
تنص صكوك منظمة العمل الدولية في مجال السلامة والصحة، ولا سيما الاتفاقيتان الأساسيتان رقم 155 ورقم 187، على وجوب صياغة السياسات والنظم والبرامج الوطنية المشار إليها فيهما بالتشاور مع أكثر منظمات أصحاب العمل والعمال تمثيلاً. وحيثما كان ذلك مناسباً، ينبغي إنشاء هيئة استشارية ثلاثية وطنية دائمة لمعالجة قضايا السلامة والصحة. وقد نشط كثير من هذه الهيئات في صياغة السياسات الوطنية لمعالجة كوفيد 19. ومن المؤكد أن الطابع الثلاثي للتعاون لا يستتبع استبعاد الأطراف المعنية الأخرى، كالمهنيين الصحيين، الذين يمكن إشراكهم أيضاً في المشاورات الوطنية.
كما تشترط الاتفاقية رقم 155 ترتيبات تشاور على مستوى المنشأة، وتفرض التعاون بين الإدارة والعاملين بوصفه عنصراً أساسياً في العمل على ذلك المستوى. وينبغي أن تشمل ترتيبات التعاون، حيثما كان ذلك مناسباً وضرورياً، تعيين مندوبين للعاملين في مجال السلامة، ولجاناً للعاملين أو لجاناً مشتركة للسلامة والصحة بتمثيل متساوٍ على الأقل بين العاملين والإدارة. وتحدد التوصية رقم 164 وظائف هذه الهيئات التمثيلية وحقوقها وحمايتها. وتتضمن التوصية رقم 197 ضمن النظام الوطني للسلامة والصحة أحكاماً لتعزيز إنشاء سياسات السلامة والصحة ولجان السلامة والصحة المشتركة وتعيين ممثلي العاملين في مجال السلامة والصحة على مستوى مكان العمل، وفقاً للقانون والممارسة الوطنيين. وقد أكدت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية في آخر دراستين استقصائيتين عامتين بشأن السلامة والصحة أنه بدون ترتيبات التعاون هذه بين أصحاب العمل والعاملين لا يمكن تحقيق تقدم ملموس.
ومن الأسباب المهمة لذلك على مستوى المنشأة الامتثال. فكما سنرى في القسم 5.7، يُعد الإنفاذ عبر جهاز تفتيش وسيلة مهمة لتحقيق الامتثال. لكن كما توضح لجنة خبراء منظمة العمل الدولية، لن تملك أي حكومة على الإطلاق الموارد اللازمة لإجراء عمليات التفتيش المطلوبة فعلاً لضمان عمل الناس قدر الإمكان في بيئة آمنة وصحية، ومن ثم فإن التعاون بين أصحاب العمل والعاملين في هذا المجال أساسي.
وثمة أدلة دولية مقنعة على أن المشاركة النشطة لممثلي العاملين في صياغة تدابير السلامة والصحة وتنفيذها تفضي عموماً إلى نتائج أفضل في مجال الصحة والسلامة، وهي نتيجة لوحظت أيضاً خلال الجائحة. فوجود الممثلين النقابيين يمكن أن يشجع العاملين أفراداً أو جماعات على الإبلاغ حين يصادفون مخالفة لقواعد السلامة والصحة.
وتمتد أهمية مشاركة العاملين على مستوى المنشأة إلى ما يتجاوز الامتثال للقوانين القائمة، لتشمل صياغة سياسات سلامة وصحة جديدة، والتحديد النشط للمخاطر، واعتماد تدابير جديدة لإزالة الخطر أو التخفيف منه. فالمشاركة الواسعة للعاملين تعزز الحوار ليس بشأن المشكلات القائمة فحسب، بل بشأن التغييرات المخطط لها أيضاً، وتهيئ الفرص للتحقيق في المشكلات والتواصل مع الموظفين، وتيسر توفير التدريب والمعلومات.
وتنص ولايات قضائية كثيرة على ترتيبات تشاور واسعة سواء في التشريع الرئيسي أو في اللوائح المفوضة. وعلى المستوى الوطني، لدى ولايات قضائية كثيرة ترتيبات ثلاثية راسخة لوضع معايير السلامة والصحة؛ ففي البرازيل مثلاً، يجري وضع المعايير التنظيمية بمشاركة اللجنة المشتركة الثلاثية الدائمة.
وعلى مستوى مكان العمل، تشترط بلدان كثيرة، تبعاً لحجم الشركة، إنشاء لجنة مشتركة بين العمال والإدارة اختصاصها السلامة والصحة، قد تتعايش مع هيئات تشاور أخرى تتعلق بقضايا العمل الأوسع، وقد تضم أيضاً ممثلين لعدة كيانات قانونية مختلفة تعمل في منشأة واحدة. وتنص بلدان عدة على ممثلين منتخبين للصحة والسلامة؛ وفي بعض الولايات القضائية كأستراليا والمملكة المتحدة، يتمتع هؤلاء بصلاحيات شبيهة بصلاحيات المفتشين لتفتيش مكان العمل، وفي حالة أستراليا لإيقاف العمل أو اشتراط تحسينات. كما تتمتع النقابات في ولايات قضائية كثيرة بحق مراقبة الامتثال، كما في البرازيل والصين، وإن لم يمتد ذلك في الأخيرة إلى صلاحيات إلزامية.
وينص قانون سلامة العمل الصيني أيضاً على هيئة إدارة فنية لسلامة العمل أو موظفين خبراء متفرغين في المنشآت الأكبر، وفي جميع المنشآت في بعض الصناعات الخطرة، يتولون صياغة قواعد مكان العمل ونظمه وتنفيذها ومنع الأفعال المخالفة للقواعد وتصحيحها، وثمة هيكل مواز للأمراض المهنية. غير أن هذه هيئات إدارية لا لجان مشتركة بين العمال والإدارة. ولدى اليابان ترتيبات مماثلة تشمل خبراء فنيين، لكنها تفرض أيضاً ضم ممثلين نقابيين أو ممثلين للعاملين إلى لجان السلامة ولجان الصحة التي يمكن دمجها في لجنة شاملة واحدة.
ولسوء الحظ، ليست آليات التعاون الثلاثي، ولا سيما على مستوى مكان العمل، سمة عالمية لنظم السلامة والصحة. ففي بعض الولايات القضائية، لا يوجد نص على التشاور بين العمال والإدارة، ناهيك بدور امتثالي لممثلي العاملين المنتخبين في مجال السلامة والصحة.
وحتى النظم ذات الترتيبات التعاونية القوية تحتاج إلى النظر في كيفية جعلها أكثر شمولاً لجميع فئات العاملين. فقد صعّب تطور التعاقد من الباطن واستخدام العمل المؤقت، إلى جانب انتشار الاستخدام غير المنظم في بلدان كثيرة، تحقيق ترتيبات التشاور والتعاون. فالهيئات التمثيلية التقليدية للعاملين غير شائعة نسبياً في هذه السياقات، كما يصعب إنشاء الهياكل التمثيلية في المنشآت الصغرى والصغيرة، وإن ابتكرت بلدان عدة وسائل مبتكرة لتمثيل العاملين في هذه الحالات.
وقد فاقمت جائحة كوفيد 19، بتسريعها تطورات كالعمل الافتراضي، هذه الصعوبات في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التمثيل. فثمة حاجة إلى تطوير طرق مبتكرة لضمان إسماع أصوات جميع العاملين في صياغة تدابير السلامة والصحة وتنفيذها ونشرها. ومع أن ترتيبات التعاون الثلاثي تعطلت تعطلاً شديداً بفعل جائحة كوفيد 19، فقد بدأت تعود إلى الظهور بعد الإصدار العاجل الأولي لتدابير الطوارئ. ففي إيطاليا، أُبرمت بروتوكولات وطنية لمكافحة العدوى بين منظمات أصحاب العمل والعمال والحكومة في مطلع عام 2020. وفي رواندا، تفاوضت منظمات العمال الممثلة لعمال النقل والمزارعين والمعلمين مع الحكومة بشأن مدى تدابير كوفيد 19. وفي المملكة المتحدة، أصدر مجلس موظفي هيئة الخدمات الصحية الوطنية، الذي يضم ممثلين عن الإدارة والنقابات، مواد واسعة بشأن علاقات العمل خلال الجائحة، بما فيها إدارة أعراض كوفيد 19 الطويلة الأمد عبر الإجازة المرضية وساعات العمل المرنة وحماية الأجور والترقي ومدفوعات العمل الإضافي والعودة إلى العمل.
كما استُخدمت ترتيبات التشاور في مكان العمل لتنفيذ تدابير كوفيد 19. ففي رواندا، أسهمت بعض لجان السلامة والصحة في تقييم خطر كوفيد 19 في أماكن العمل، وتثقيف العاملين بشأن الفيروس، وتعديل تنظيم العمل لتجنب الاكتظاظ، والسماح بالعمل من المنزل. وشجعت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية دوراً نشطاً للنقابات على مستوى المنشأة في قضايا كعودة المستخدمين إلى العمل وتمديد الساعات. وفي أستراليا، أنفذت المحكمة الصناعية الوطنية متطلبات التشاور في مكان العمل بشأن قضايا كإلزامية اللقاح.
ومن شأن إعلان مؤتمر العمل الدولي أن بيئة العمل الآمنة والصحية مبدأ وحق أساسي في العمل، وإدراج الاتفاقيتين رقم 155 ورقم 187 ضمن الاتفاقيات الأساسية، أن يشجع الدول الأعضاء على إجراء مراجعة منهجية لأطرها التنظيمية. ويمكن للدروس المستفادة من الجائحة أن تثري هذه المراجعات بحيث تُطبق سياسات ونظم وبرامج أكثر متانة. ولن يساعد ذلك الدول الأعضاء على أن تكون أكثر استعداداً للأمراض المعدية المقبلة فحسب، بل يفترض أيضاً أن يفضي إلى نتائج أفضل في مجال الصحة والسلامة إجمالاً، تدعمها أماكن عمل تعاونية مشبعة بثقافة الوقاية.
5.2 المساواة في المعاملة وضمانات أخرى لجميع الترتيبات التعاقدية
خلص اجتماع خبراء منظمة العمل الدولية بشأن أشكال الاستخدام غير النموذجية إلى أن هذه الأشكال ينبغي أن تلبي الاحتياجات المشروعة للعاملين وأصحاب العمل، وألا تُستخدم لتقويض حقوق العمل والعمل اللائق.
العاملون الأساسيون ممثلون تمثيلاً مفرطاً في العمل بدوام جزئي والعمل المؤقت والعمل عبر الوكالات وغيرها من الترتيبات متعددة الأطراف. ومع أن هذه الترتيبات لا ينبغي من حيث المبدأ أن تحول دون الحصول على العمل اللائق، فإن ثمة أوجه انعدام أمان كبيرة عملياً، كما وثق الفصلان الثالث والرابع. وتعترف الهيئات الثلاثية لمنظمة العمل الدولية بالحاجة المشروعة لأصحاب العمل إلى العمل المؤقت وبدوام جزئي والعاملين المسندين إلى جهات خارجية، لكنها تعترف أيضاً بأنه ما لم يتمتع العاملون في هذه الأشكال التعاقدية بالحقوق والحمايات نفسها التي يتمتع بها العاملون في الاستخدام النموذجي، ستكون هناك أوجه قصور في العمل اللائق. وقد تفضي هذه الأوجه بدورها إلى نقص في الموظفين، وهو وضع غير قابل للاستمرار لضمان تقديم الخدمات الأساسية. ومن ثم ثمة حاجة إلى ضمان المساواة في المعاملة بصرف النظر عن الترتيب التعاقدي، إلى جانب ضمانات أخرى، وسيلةً لتجنب التمييز القائم على الوضع المهني ولدعم المنافسة العادلة لأصحاب العمل.
ويقدم النقاش التالي توجيهات، استناداً إلى معايير العمل الدولية والممارسات الحالية على المستويين الإقليمي والوطني، بشأن كيفية التخفيف من أوجه القصور في العمل اللائق في العمل بدوام جزئي والعمل المؤقت والعمل عبر الوكالات وغيرها من الترتيبات متعددة الأطراف. ويقدم معلومات تجريبية عن الحماية القانونية في أنحاء العالم بهدف الإشارة إلى أوجه القصور الواجب معالجتها. ومع أن التوجيهات تنطبق على جميع العاملين، فإن التمثيل المفرط للعاملين الأساسيين في هذه الترتيبات غير النموذجية يعني أن هذه التغييرات التنظيمية ستفيد العاملين الأساسيين وستدعم في نهاية المطاف تقديم الخدمات الأساسية.
العمل بدوام جزئي
يمكن للعمل بدوام جزئي أن يساعد العاملين على دخول سوق العمل أو البقاء فيه، إذ يتيح لهم الجمع بين العمل المأجور ومسؤوليات الرعاية أو التعليم أو التدريب أو العمل التطوعي أو غير ذلك من المساعي الشخصية. ولكي يكون العمل بدوام جزئي مفيداً، ينبغي أن يكون خياراً طوعياً، وأن يدعم التنظيم الانتقالات بين العمل بدوام جزئي وبدوام كامل. ومن السمات الحاسمة لجعل العمل بدوام جزئي جيد النوعية المساواة في المعاملة، كما تشترط اتفاقية العمل بدوام جزئي لعام 1994 (رقم 175).
وتنص الاتفاقية رقم 175 على أن يحصل العاملون بدوام جزئي على الحماية نفسها الممنوحة للعاملين المماثلين بدوام كامل فيما يتعلق بالحرية النقابية والمفاوضة الجماعية والسلامة والصحة المهنيتين والحماية من التمييز في الاستخدام والمهنة. وإضافة إلى ذلك، يجب ألا يكون أجرهم الأساسي أدنى نسبياً لمجرد أنهم يعملون بدوام جزئي. وفيما يتعلق بنظم الضمان الاجتماعي القانونية القائمة على الاستخدام وحماية الأمومة وإنهاء الاستخدام والإجازة السنوية المدفوعة والعطلات الرسمية المدفوعة والإجازة المرضية، يجب أن يتمتع العاملون بدوام جزئي بظروف معادلة لظروف نظرائهم بدوام كامل، ويجوز أن تكون الحقوق المالية متناسبة مع ساعات العمل أو الدخل وفق مبدأ التناسب الزمني. ويُجاز بعض الاستثناءات للعاملين بدوام جزئي الذين تقل ساعات عملهم أو دخلهم عن عتبات محددة، شريطة أن تكون هذه العتبات منخفضة بما يكفي لعدم استبعاد نسبة كبيرة على نحو غير مبرر من العاملين بدوام جزئي وأن تُراجع دورياً. غير أن هذا الاستثناء يخضع للإبلاغ المنتظم لمنظمة العمل الدولية والتشاور مع أكثر منظمات أصحاب العمل والعمال تمثيلاً.
وتتفاوت المساواة في المعاملة بين العاملين بدوام جزئي وبدوام كامل تفاوتاً كبيراً بين البلدان وفق مؤشر قانوني وضعه باحثون في جامعة كامبريدج. ولا تنال البلدان أعلى درجة إلا حين يعترف النظام القانوني بحق مطلق في المساواة في المعاملة، بينما ينال الحق الأكثر محدودية درجة أدنى. فبينما تنال معظم البلدان المرتفعة الدخل درجات عالية، تنال سويسرا والولايات المتحدة درجات أدنى. وبين البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، تنال البرازيل والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وتركيا درجات عالية، بينما تنال معظم البلدان الأدنى دخلاً درجات منخفضة، مع استثناءات قليلة في آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
ومن الوسائل الأخرى لضمان جودة العمل بدوام جزئي السماح للمستخدمين بالانتقال بين العمل بدوام جزئي وبدوام كامل والعكس بحسب احتياجاتهم.
وهولندا مثال على الممارسة الجيدة في العمل بدوام جزئي. ففي عام 2019، عمل 50% من المشتغلين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً بدوام جزئي، أي 75% من النساء و28% من الرجال. ومعظم المستخدمين بدوام جزئي يعملون بعقود استخدام دائمة، وفجوة متوسط الأجر بالساعة بين العاملين بدوام كامل وبدوام جزئي ضئيلة أو منعدمة. وبموجب قانون العمل المرن لعام 2015، يحق للمستخدمين الذين أمضوا ستة أشهر على الأقل لدى صاحب عمل يضم عشرة مستخدمين على الأقل طلب خفض ساعات عملهم أو زيادتها، ولا يجوز لأصحاب العمل رفض هذه الطلبات إلا لأسباب تجارية جوهرية. وقد دعمت هذه السياسة انتشار العمل بدوام جزئي في المستويات المهنية والهرمية التنظيمية الأعلى، والأهم أنها منعت تحول العمل بدوام جزئي إلى فخ للعاملين. ولما كانت النساء ممثلات تمثيلاً مفرطاً في العمل بدوام جزئي، فإن هذه السياسة أداة لتعزيز المساواة بين الجنسين.
العمل المؤقت
يشيع العمل المؤقت في القطاعات التي تقدم السلع والخدمات الأساسية، كالزراعة والتجزئة والنقل، بسبب التقلبات الموسمية. كما يستخدم أصحاب العمل العمل المؤقت لتلبية احتياجات قصيرة الأجل محددة من القوى العاملة، كاستبدال عامل غائب أو مواجهة ارتفاعات قصيرة الأجل في الطلب أو تقييم المستخدمين المعينين حديثاً قبل منحهم عقداً مفتوح المدة. وإذا أُدير العمل المؤقت على النحو الصحيح، يمكن أن يكون نقطة انطلاق إلى عقد استخدام أكثر أماناً، أو وسيلة للانخراط في العمل المأجور مع الوفاء بالتزامات شخصية أخرى. لكن حين يُستخدم وسيلةً لخفض تكاليف العمل فحسب، فقد يسهم في تجزؤ سوق العمل، بحيث يتنقل العاملون المؤقتون بين العقود المؤقتة والبطالة. كما قد يفضي إلى أوجه قصور أخرى في ظروف العمل، إذ يقل احتمال انضمام العاملين المؤقتين إلى نقابة خوفاً من الانتقام، وقد تبين أنهم يتعرضون لمخاطر سلامة وصحة أكبر نتيجة عدم تلقيهم تدريباً كافياً.
ومع أنه لا يوجد معيار دولي قائم بشأن العمل المؤقت، فإن اتفاقية إنهاء الاستخدام لعام 1982 (رقم 158) تشترط اعتماد ضمانات كافية ضد اللجوء إلى العقود المحددة المدة بهدف التهرب من الحماية الناجمة عن أحكامها. وتقدم توصية إنهاء الاستخدام لعام 1982 (رقم 166) أمثلة على هذه التدابير، كقصر اللجوء إلى العقود المحددة المدة على الحالات التي لا يمكن فيها إبرام عقود مفتوحة المدة، إما بسبب طبيعة العمل المطلوب أو الظروف التي يُؤدى فيها أو مصلحة العامل، وتحديد الحالات التي تُعد فيها العقود المحددة المدة عقوداً مفتوحة المدة. ويعترف التوجيه الأوروبي لعام 1999 بشأن العمل المحدد المدة بأن عقود الاستخدام غير المحددة المدة هي الشكل العام لعلاقات الاستخدام وتسهم في جودة حياة العاملين المعنيين وتحسن الأداء، ويشترط اعتماد تدابير لمنع التجاوزات الناشئة عن الاستخدام المتتالي للعقود المحددة المدة. ويحد نحو نصف البلدان التي تتوافر عنها معلومات من المدة التراكمية القصوى للعقود المؤقتة بين سنتين وخمس سنوات. أما البلدان الأخرى، فإما لا تضع حداً قانونياً أو تضع حداً قانونياً قدره عشر سنوات أو أكثر.
وإلى جانب وضع حدود لاستخدامه، فإن من التشريعات الداعمة الحاسمة الأخرى لضمان ألا يكون اللجوء إلى العمل المؤقت مجرد وسيلة لخفض تكاليف العمل توفير المساواة في المعاملة. وتتفاوت البلدان فيما إذا كان للعاملين بعقود محددة المدة الحق في المساواة في المعاملة مع العاملين الدائمين. فبلدان أوروبا الغربية وكندا، وكذلك البرازيل والهند واليابان وجمهورية كوريا وجنوب أفريقيا، تنال جميعها درجات عالية في هذا المؤشر، بينما تُسجل درجات منخفضة في أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، وكذلك في معظم الدول العربية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
إصلاح برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة
كما نوقش في فصول سابقة، تُستخدم برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة على نطاق واسع في أنحاء كثيرة من العالم لاستقطاب العاملين المهاجرين إلى قطاعات معينة، ولا سيما الزراعة. وتنتشر برامج العاملين الزراعيين الموسميين في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وإسرائيل. وفي مناطق كالدول العربية، تُعد هجرة اليد العاملة المؤقتة الشكل السائد للهجرة، وتغطي طيفاً واسعاً من القطاعات. وبوجه عام، تنطوي هذه البرامج على أوضاع متدرجة لأنواع مختلفة من المهاجرين المؤقتين، مع درجات متفاوتة من الحقوق المرتبطة بنظم تأشيرات معينة. ونتيجة لذلك، يُعامل العاملون معاملة مختلفة عن العاملين المحليين، وتوجد ثغرات مهمة في الحماية العمالية.
وتبلغ هذه الثغرات ذروتها حين تكون تأشيرات العاملين مرتبطة بصاحب عمل معين، مما يعني أن العاملين لا يستطيعون إنهاء الاستخدام أو الانتقال إلى صاحب عمل آخر أو تجديد تصريح عملهم أو مغادرة بلد المقصد دون موافقة صاحب العمل. وينبغي إلغاء القيود المرتبطة بكفالة صاحب العمل، لأن حرية اختيار العمل مبدأ أساسي في القانون الوطني والدولي. ومع ذلك، لا يستطيع العاملون المهاجرون في بلدان كثيرة بموجب ترتيبات التأشيرات المؤقتة العمل إلا لدى صاحب العمل الذي كفلهم. وهذا موثق جيداً في بلدان آسيا والدول العربية، لكنه موجود أيضاً في أنحاء أخرى من العالم. غير أنه يمكن تحقيق التنقل داخل سوق العمل الداخلية حتى في هذه الحالات. فعلى سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد 19، أجازت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، بوصفه إجراءً استثنائياً، تمديد تأشيرات العمل الزراعي المؤقت مع أصحاب عمل جدد ضمن الاستجابة الوطنية للطوارئ، لتأمين إمداد ثابت من العاملين الزراعيين وتجنب اضطرابات سلاسل الإمداد الغذائي.
كما ينبغي النظر في فك ارتباط برامج المهاجرين الزراعيين بالموسمية، بالنظر إلى التكاليف الإدارية الموثقة جيداً والآثار على العاملين. فمع وجود موسمية في الإنتاج الزراعي، يواصل كثير من العاملين عملياً الانخراط في الإنتاج الزراعي لمحاصيل مختلفة، مما يؤدي إلى عمل على مدار السنة ولكن ليس بالضرورة في استخدام آمن. ففي جنوب أفريقيا مثلاً، يهاجر العاملون المهاجرون في سيتروسدال وكلانويليام بين مزارع الحمضيات والتفاح وعنب المائدة في الكيب الغربية. وفي بعض الحالات، ينتهي الأمر بالعاملين في أوضاع غير نظامية بعد انتهاء تصاريحهم لكنهم يواصلون العمل. وينبغي تجنب هذه الأوضاع، بما في ذلك باتباع توصية سياسة العمالة لعام 1964 (رقم 122) التي تدعو إلى تدابير لتسوية التقلبات الموسمية في العمالة، بما فيها تدريب العاملين في المهن الموسمية على مهن مكملة. ومن شأن فك الارتباط بالموسمية أن يدعم الانتقال نحو مجتمعات أكثر شمولاً ويحل في الوقت نفسه مسألة التنقل المقيد.
العمل عبر الوكالات وغيره من الترتيبات متعددة الأطراف
في ترتيبات الاستخدام متعددة الأطراف، لا تتوافق ترتيبات العمل مع البنية الثنائية التقليدية لعلاقة الاستخدام النموذجية، إذ توزع الوظائف والصلاحيات الإدارية المتركزة تقليدياً لدى صاحب عمل واحد بين عدة كيانات. ويصح ذلك على وكالات الاستخدام الخاصة، حيث تستخدم الوكالة العاملين وتدفع لهم بينما توجه الشركات المستخدِمة عملهم، وكذلك على التعاقد من الباطن أو الامتياز التجاري. وحين يكون لأكثر من طرف دور في تحديد ظروف العمل، قد يجد العاملون صعوبة في تحديد الطرف المسؤول عن حقوقهم أو في ممارسة حقوقهم. وكما ذُكر في الفصل الثالث، يشيع التعاقد من الباطن بين العاملين الأساسيين في التنظيف والأمن، بينما ينتشر العمل عبر الوكالات في العمل اليدوي، ولا سيما في المستودعات، وبصورة متزايدة في الرعاية الصحية.
وتتضمن اتفاقية وكالات الاستخدام الخاصة لعام 1997 (رقم 181) وتوصيتها المرافقة (رقم 188) أحكاماً عدة بشأن ضمان حقوق العاملين عبر الوكالات وحمايتهم. فبداية، ولمنع التجاوزات، تشترط الاتفاقية رقم 181 الإشراف على الوكالات عبر نظام للترخيص أو الاعتماد، ما لم تكن منظمة بطريقة أخرى. وإضافة إلى ذلك، يجب اتخاذ تدابير لضمان عدم حرمان العاملين عبر الوكالات من الحق في الحرية النقابية أو المفاوضة الجماعية، وأن تعامل الوكالات العاملين دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، ودون أي شكل آخر من أشكال التمييز المشمولة بالقانون والممارسة الوطنيين كالتمييز القائم على العمر أو الإعاقة. كما تحظر اقتطاع رسوم التوظيف من أجر العامل.
وتجيز الاتفاقية للدول المصدقة، بعد التشاور مع أكثر منظمات أصحاب العمل والعمال تمثيلاً، حظر عمل وكالات الاستخدام الخاصة فيما يتعلق بفئات معينة من العاملين أو فروع النشاط الاقتصادي. وفي هذا السياق، تقيد بلدان عدة العمل عبر الوكالات أو تحظره في قطاعات معينة، كما تحد من استخدامه في الأعمال الخطرة بالنظر إلى ارتفاع مخاطر السلامة والصحة. فبعد حالات تفشٍّ في صناعة تجهيز اللحوم في ألمانيا خلال جائحة كوفيد 19، قيدت الحكومة بشدة استخدام العاملين المؤقتين عبر الوكالات والتعاقد من الباطن في ذلك القطاع. وإضافة إلى ذلك، تنص التوصية رقم 188 على ألا تضع وكالات الاستخدام الخاصة عاملين تحت تصرف منشأة مستخدِمة لاستبدال عاملي تلك المنشأة المضربين.
كما تقصر بعض اللوائح الوطنية استخدام العمل عبر الوكالات على الحالات التي توجد فيها أسباب موضوعية لذلك، كالحاجة إلى استبدال عامل غائب أو تنفيذ نشاط لا يُؤدى عادة في إطار العمل التجاري. وكثيراً ما يُحظر العمل عبر الوكالات أيضاً في أعقاب الفصل لأسباب تجارية أو الفصل الجماعي، وسيلةً لمنع فقدان الوظائف النموذجية لصالح العمل المؤقت عبر الوكالات. وتتفاوت البلدان في القيود المفروضة على العمل عبر الوكالات، إذ تقل القيود أو تنعدم في أمريكا الشمالية وأوروبا الشرقية وأستراليا وأجزاء من جنوب شرق آسيا وأفريقيا.
ويمكن أن يكون التعاقد من الباطن استراتيجية فعالة تتيح للشركات التركيز على أنشطتها الأساسية. غير أن ترتيبات التعاقد من الباطن قد تُنشأ في بعض الحالات بهدف محدد هو التخلص من المسؤوليات والالتفاف على التنظيم. وتضع ولايات قضائية كثيرة سبل انتصاف ضد هذه الترتيبات الصورية، حيث يكتفي مقاولون من الباطن غير مسجلين بوصفهم وكالات استخدام خاصة بإعارة اليد العاملة بدلاً من تقديم نوع معين من العمل أو الخدمة. لكن ثمة حاجة إلى تدابير محددة أخرى، لأن التعاقد من الباطن قد يصعّب على العاملين تحديد الكيان المسؤول عن ضمان امتثال ظروف عملهم للقانون، واتخاذ إجراء ضد جهات ليست قانونياً أصحاب عملهم.
ومن سبل الانتصاف المهمة إقرار المسؤولية المشتركة في الترتيبات التعاقدية التي تشمل أطرافاً متعددة، لأن ذلك يحفز الشركات الرئيسية على اختيار نظراء موثوقين عند الدخول في هذه الترتيبات. ويكتسب ذلك أهمية حاسمة فيما يتعلق بالسلامة والصحة، كما ذُكر في القسم 5.1، ووفقاً للاتفاقية رقم 155. وتشترط الاتفاقية رقم 181 على السلطات العامة توزيع المسؤوليات بين وكالات الاستخدام الخاصة والشركات المستخدِمة فيما يتعلق بالسلامة والصحة، وكذلك في مجالات أخرى تشمل المفاوضة الجماعية والحد الأدنى للأجور ووقت العمل وغيرها من ظروف العمل، ومزايا الضمان الاجتماعي القانونية، والحصول على التدريب، والتعويض في حالة الحوادث أو الأمراض المهنية، والتعويض في حالة الإعسار وحماية مستحقات العاملين، وحماية الأمومة ومزاياها، والحماية الوالدية ومزاياها. وتُنص المسؤولية المشتركة بين الشركة المستخدِمة ووكالة الاستخدام الخاصة في الأرجنتين وأستراليا وفرنسا والهند وإيطاليا وناميبيا وهولندا وأونتاريو بكندا وجنوب أفريقيا. ويمكن أيضاً لنظم المسؤولية المشتركة أن تعمل بالتوازي مع حوافز للشركات الرئيسية لضمان امتثال المقاولين لمعايير العمل القائمة، ومن ثم الحد من تعرضها للمسؤولية التضامنية الكاملة. ففي إسرائيل مثلاً، ساعد قانون عام 2011 لتحسين إنفاذ قوانين العمل على تأمين حقوق عمال التنظيف والأمن المستخدمين لدى المقاولين، إذ يضع مسؤولية مباشرة على العملاء لا بوصفهم أصحاب عمل بل بوصفهم ضامنين في حالات عدم امتثال المقاول نفسه؛ فإن لم يتلق العامل مثلاً مدفوعات العمل الإضافي التي يقتضيها القانون ولم تسفر المطالبة الموجهة إلى المقاول عن نتيجة، يتاح للعامل خيار مقاضاة العميل مباشرة بالمبلغ نفسه.
5.3 ساعات عمل آمنة ويمكن التنبؤ بها
لعدد ساعات العمل وطول فترات الراحة وعددها وكيفية تنظيمها في اليوم أو الأسبوع أو الشهر عواقب مهمة على الحياة اليومية للعاملين. وفيما يتعلق بساعات العمل، أبرز الفصلان الثالث والرابع شاغلين رئيسيين لدى العاملين الأساسيين: ساعات العمل المفرطة والساعات غير المستقرة.
فساعات العمل المفرطة، أي أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، تطال واحداً من كل أربعة عاملين أساسيين في المتوسط عبر البلدان، وتبرز بوجه خاص في الأمن والنقل وبين العاملين لحسابهم الخاص. وكما وثقت الفصول السابقة، يؤثر العمل لساعات مفرطة سلباً في التوازن بين العمل والحياة وقد يضر بصحة العاملين.
ومنذ تأسيس منظمة العمل الدولية، كان وقت العمل في صميم ولايتها. فديباجة دستورها تدعو إلى تحسين ظروف العمل عبر تنظيم ساعات العمل، بما في ذلك تحديد حد أقصى ليوم العمل وأسبوعه. وكانت ساعات العمل موضوع أول معيار عمل، هو اتفاقية ساعات العمل في الصناعة لعام 1919 (رقم 1)، التي تحد ساعات العمل العادية بثماني ساعات يومياً و48 ساعة أسبوعياً في الصناعة. ومنذ ذلك الحين، صدرت اتفاقيات وتوصيات عدة وبروتوكول واحد تتناول ساعات العمل وترتيبات وقت العمل، بما في ذلك اعتماد معيار الأسبوع ذي الأربعين ساعة في اتفاقية الأربعين ساعة أسبوعياً لعام 1935 (رقم 47). ومع أن المعايير تتعلق أساساً بإجمالي ساعات العمل، فإنها تتناول أيضاً جوانب أخرى من ترتيبات وقت العمل، بما فيها تنظيم العمل الإضافي من حيث الحدود والتعويض، والساعات القصوى، وفترات الراحة.
ويقيس مؤشر جامعة كامبريدج لتنظيم ساعات العمل، وهو مؤشر مركب من سبعة مؤشرات، كيفية تنظيم ساعات العمل في نظام قانوني معين. ويتناول المقياسان الأولان استحقاقات الإجازة السنوية والعطلات الرسمية. وتقيّم المجموعة التالية ما إذا كان القانون يفرض دفع علاوات العمل الإضافي، أحدها خلال أسبوع العمل والآخر في عطلة نهاية الأسبوع. وتقيّم المقاييس الثلاثة الأخيرة الحدود القانونية المفروضة على إجمالي ساعات العمل، وهي العدد الأقصى لساعات العمل الإضافي المسموح بها أسبوعياً، والمدة القصوى لأسبوع العمل العادي دون العمل الإضافي، والعدد الأقصى لساعات العمل المسموح بها في اليوم. ويُعد وقت العمل موضوعاً منظماً جيداً في معظم البلدان، لكن نيجيريا والولايات المتحدة تبرزان في هذا المجال بمستويات منخفضة استثنائياً من تنظيم وقت العمل، كما تبرز أستراليا واليابان وكينيا والفلبين وتركيا والمملكة المتحدة وزمبابوي بمستويات تنظيم منخفضة نسبياً.
ومن ثم فإن الخطوة الأولى في معالجة ساعات العمل المفرطة مراجعة التنظيم الوطني القائم لوقت العمل لضمان توافقه مع معايير منظمة العمل الدولية، بما فيها توصية خفض ساعات العمل لعام 1962 (رقم 116). وتقدم التوصية رقم 116 تدابير عملية للخفض التدريجي لساعات العمل بهدف بلوغ معيار الأسبوع ذي الأربعين ساعة دون أي خفض مقابل في أجور العاملين. لكن مع أن التنظيم خطوة مهمة في الحد من الساعات المفرطة، فإنه لا يسري إلا على العاملين في علاقة استخدام. فالعاملون لحسابهم الخاص لا يشملهم تنظيم وقت العمل المنصوص عليه في قوانين العمل، ونظراً إلى تدني الدخل المرتبط بكثير من العمل لحساب الذات في بلدان الجنوب، ولا سيما في الزراعة أو بيع الطعام، فإن ثمة حاجة إلى تدخلات إضافية في السياسات لمعالجة تدني مستويات الإنتاجية وتدني الدخل اللذين يفضيان إلى إطالة ساعات العمل، كما يبين الفصل السادس.
وفي حالات أخرى، ليس تدني الإنتاجية هو ما يسبب الساعات الطويلة، بل التحول إلى العمل لحساب الذات، وبعضه زائف. ففي أوروبا والولايات المتحدة، يثير سوء التصنيف في صناعة النقل بالشاحنات لمسافات طويلة القلق، ومن ثم فإن إعادة تصنيف هؤلاء العاملين مستخدمين خطوة أولى لمعالجة الساعات الطويلة في هذه الصناعة. كما توجد الساعات الطويلة في عمل التوصيل حول العالم، التقليدي منه والقائم على التطبيقات. وبالنظر إلى ازدهار التجارة الإلكترونية، فهذا مجال يستحق اهتماماً خاصاً. كما تشير الساعات الطويلة بين المستخدمين الأساسيين في الأمن والنقل الموثقة في الفصل الثالث إلى مشكلات في الامتثال يمكن معالجتها بمبادرات امتثال استراتيجية في هذه القطاعات، كما يبين القسم 5.7.
والقضية الأخرى المثيرة للقلق فيما يتعلق بساعات العمل هي الجداول غير المستقرة وغير القابلة للتنبؤ، وهي ممارسة تطال المستخدمين في بعض أنحاء العالم، ولا سيما في التجزئة. فكما نوقش في الفصل الثالث، حين يمكن استدعاء العاملين بحسب تقدير صاحب العمل دون ضمان حد أدنى من الساعات أو الأجر، يتضرر أمان دخلهم وتوازنهم بين العمل والحياة. وتتفاقم هذه المشكلات إذا خشي العاملون ألا يُعرض عليهم مزيد من العمل إن رفضوا عرضاً لمناوبة أو مهمة معينة، أو إذا استُدعوا وحضروا للعمل ثم أُلغيت مناوبتهم في اللحظة الأخيرة.
ومن ثم فإن التدابير الرامية إلى منح العاملين حداً أدنى من الساعات المضمونة وصوتاً في جداول عملهم، بما في ذلك الحد من تقلب ساعات العمل، أدوات حماية مهمة. غير أن بلداناً قليلة فقط حددت حداً أدنى من ساعات العمل للمستخدمين بدوام جزئي لضمان حد أدنى من الدخل لهم. ففي ألمانيا وغانا وهولندا وبابوا غينيا الجديدة والولايات المتحدة، مقتصراً في الأخيرة على ثماني مدن وولايتين، تشترط اللوائح على أصحاب العمل أن يدفعوا لعامليهم مقابل حد أدنى من الساعات حين يحضرون للعمل في مناوبة مجدولة أو يُستدعون للعمل، حتى إن أُلغي العمل أو قُصرت مدته. وكثيراً ما تتناول اتفاقات المفاوضة الجماعية الجدولة القابلة للتنبؤ، ومن ثم يرجح أن يدعم توسع الانتساب النقابي والمفاوضة الجماعية بين العاملين في التجزئة هذه الممارسة.
5.4 سياسات أجور لدعم تقدير العمل الأساسي
بين القسم 3.5 أن المستخدمين الأساسيين يكسبون في المتوسط أجوراً أدنى من غيرهم. ومع أن الفرق في الدخل بين المجموعتين يمكن تفسيره جزئياً بالفوارق في التعليم والخبرة، يبقى ثلث الفجوة غير مفسر. وتوحي هذه النتائج بأن سياسات التعليم والتدريب الرامية إلى رفع مهارات المستخدمين الأساسيين، رغم أهميتها، غير كافية، وأن ثمة حاجة إلى تدابير أكثر استهدافاً مباشراً لرفع أجور المستخدمين الأساسيين. وتوفر المفاوضة الجماعية آلية فريدة لتنظيم ظروف العمل بما فيها الأجر، إذ تتيح للعاملين الذين يملكون منفردين قوة تفاوضية أقل أن يتفاوضوا جماعياً مع صاحب العمل أو منظمة أصحاب العمل الممثلة على معايير جديدة، أو تطبيق المعايير القانونية الدنيا وتكييفها وتعزيزها. والحد الأدنى القانوني للأجور أداة أخرى يمكن استخدامها لحماية العاملين الأساسيين من الأجور المتدنية على نحو غير مبرر.
وقد أكد إعلان مئوية منظمة العمل الدولية بشأن مستقبل العمل، الذي يرسم خريطة طريق لمستقبل محوره الإنسان، دور مؤسسات تحديد الأجور هذه بالدعوة إلى حد أدنى كافٍ للأجور، قانوني أو متفاوض عليه. واعتمدت الدول الأعضاء في المنظمة صكوكاً عدة تقدم توجيهات للحكومات والشركاء الاجتماعيين بشأن وضع حد أدنى كافٍ للأجور، منها اتفاقية تحديد المستويات الدنيا للأجور لعام 1970 (رقم 131) واتفاقية المفاوضة الجماعية لعام 1981 (رقم 154). وتحدد الاتفاقية رقم 131 الإطار لنطاق تطبيق واسع للحد الأدنى للأجور، والتشاور الكامل مع الشركاء الاجتماعيين، ومستويات تراعي احتياجات العاملين وأسرهم والعوامل الاقتصادية، والتعديلات من حين لآخر، وتدابير لضمان التطبيق الفعال. وتحدد الاتفاقية رقم 154 وتوصية المفاوضة الجماعية المرافقة لها لعام 1981 (رقم 163) أطراف المفاوضة الجماعية وغرض المفاوضات، وتحدد التدابير التي يمكن اتخاذها لتعزيز المفاوضة الجماعية.
وتتفاوت ممارسات تحديد الأجور بين البلدان والقطاعات والمنشآت تبعاً لمستوى التنمية الاقتصادية والإطار المؤسسي والموقع التفاوضي النسبي للأطراف المعنية. والأجور هي الموضوع الرئيسي الذي يُنظر فيه خلال المفاوضة الجماعية؛ إذ وجدت مراجعة عالمية حديثة لمنظمة العمل الدولية أن 95% من الاتفاقات الجماعية في العينة المحللة تضمنت بنوداً بشأن الأجور. ولما كانت اتفاقات المفاوضة الجماعية تحدد عادة الأجور الأساسية لوظائف أو فئات مهنية محددة، وكذلك فروق الأجور بين فئات العاملين، فإن المفاوضة الجماعية ملائمة بوجه خاص لاستهداف أوجه عدم الإنصاف في الأجور التي يعانيها المستخدمون الأساسيون في مهن محددة. وإلى جانب الأجور الأساسية، يمكن للاتفاقات الجماعية أن تتناول مكونات أخرى للأجر كالبدلات والمزايا العينية، التي تشكل حصة كبيرة من فاتورة الأجور، وتتضمن بعض الاتفاقات مكوناً متغيراً مرتبطاً بالإنتاجية والأداء.
وفي البلدان ذات التغطية الأعلى للمفاوضة الجماعية، يميل المستخدمون الأساسيون إلى تلقي أجور مماثلة لأجور غيرهم. فبالنسبة إلى عينة فرعية من البلدان تتوافر عنها بيانات الأجور وتغطية المفاوضة الجماعية، تبين البيانات أنه كلما ارتفعت تغطية المفاوضة الجماعية في بلد ما، انخفض متوسط فجوة الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم. ويبدو أن ذلك يصح على متوسط الفجوة وعلى مكونها غير المفسر كما عُرّف في القسم 3.5، ومن ثم فهو يبين فاعلية المفاوضة الجماعية أداةً لتصحيح أوجه عدم الإنصاف في تقدير العمل الأساسي.
وتتسق هذه النتائج مع دراسات سابقة تبرز الصلة بين المفاوضة الجماعية وعدم المساواة الإجمالي في الأجور. فقد وجد تقييم حديث أجرته منظمة العمل الدولية أن البلدان ذات التغطية الأعلى للمفاوضة هي أيضاً ذات نسبة أدنى بين دخل أعلى 10% أي العشير التاسع ودخل أدنى 10% أي العشير الأول في توزيع الدخل. كما تتسق هذه النتائج مع الدراسات التجريبية التي توحي بأن المفاوضة الجماعية تؤثر إيجاباً في دخل العمل وتقاسم مكاسب الإنتاجية. وتحديداً، تؤثر خصائص نظم المفاوضة الجماعية في نتائج سوق العمل؛ فقد بينت دراسة قائمة على تصنيف لنظم المفاوضة الجماعية في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثلاً أن نظم المفاوضة المنسقة ترتبط بعمالة أعلى وإدماج أفضل للفئات الهشة وعدم مساواة أدنى في الأجور مقارنة بالنظم اللامركزية تماماً.
ويمكن جعل نطاق نتائج المفاوضة الجماعية أكثر شمولاً عبر التمديد، الذي يتيح لشريحة أوسع من المستخدمين الاستفادة من اتفاقات المفاوضة الجماعية. فالتمديد يتيح تمديد تغطية الاتفاق الجماعي إدارياً، وفق شروط معينة، لتشمل جميع العاملين بأجر في قطاع أو فرع أو مهنة أو منطقة جغرافية. وقد أبرزت دراسات حديثة استخدام التمديد لتيسير التغطية المرتفعة للمفاوضة الجماعية وتحفيز العضوية في منظمات أصحاب العمل. وعلاوة على ذلك، قد تكون لنتائج المفاوضة الجماعية آثار جانبية في الشركات غير المشمولة قانونياً بالاتفاقات الجماعية؛ ففي جنوب أفريقيا، تميل الشركات المستبعدة من الاتفاقات الجماعية إلى زيادة الأجور تماشياً مع ما تفرضه مجالس المفاوضة.
ويوحي الارتباط السلبي بين الفجوة غير المفسرة وتغطية المفاوضة الجماعية بأن المفاوضة الجماعية قد تساعد على تقليص أوجه عدم المساواة في الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم غير المرتبطة بالمهارات. ويتسق ذلك مع دراسات تبرز أن المفاوضة الجماعية تساعد على معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية في الأجور، كتلك الملاحظة بين المستخدمين الذكور والإناث، الناشئة عن بخس منهجي لقيمة عمل المرأة. وتنبع فاعلية المفاوضة الجماعية في معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية في الأجور جزئياً من فاعليتها في تقليص عدم المساواة الإجمالي في الأجور. وإضافة إلى ذلك، يمكن للاتفاقات الجماعية أن تقلص تحديداً فجوات الأجور الملاحظة بين فئات العاملين عبر تدابير تستهدف فئات معينة، كممارسات التوظيف والترتيبات التعاقدية وشفافية المعلومات أو زيادات الأجور.
وتحديداً، يمكن للمفاوضة الجماعية أن تساعد على سد فجوة الأجور بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم حين تستهدف مهناً أساسية معينة، كالمهن المؤنثة. ومن الأمثلة على ذلك المفاوضات الناجمة عن دعوى رفعتها عاملة رعاية أمام محكمة العمل في نيوزيلندا بحجة وجود بخس منهجي لقيمة عمل الرعاية والدعم لأنه يُؤدى أساساً من قبل النساء. وسعت الحكومة إلى حل القضية عبر مفاوضات خارج المحكمة مع النقابات، أسفرت عن قانون تسوية المساواة في الأجور للعاملين في الرعاية والدعم الصادر في يونيو 2017. وحين سرت التسوية في الأول من يوليو، تلقى العاملون زيادات في الأجور تراوحت بين 15% و50% بحسب مؤهلاتهم وخبرتهم. وتُعد تدابير كهذه مهمة لتصحيح بخس قيمة المهارات الشائع في مهن الرعاية، وكذلك في أعمال أخرى منخفضة الأجر.
الإطار 5.1 تقدير المهارات: ميدان متنازع عليه
كثيراً ما تُعرّف المهارات بالإحالة إلى اكتساب المؤهلات الرسمية، مما يترك كثيراً من المهارات غير الرسمية اللازمة لإنجاز العمل في مهنة معينة غير معترف بها وغير مقدرة. ويسهم هذا الإطار في التصور الخاطئ بأن المهارة قابلة للقياس الموضوعي. فلا يوجد مقياس موحد ومحايد للمهارات، بل إن تقدير المهارات متنازع عليه، إذ يعكس كثيراً تحيزات تتعلق بالنوع الاجتماعي والعرق، ويتطور تقدير المهارات تبعاً لمن يؤدي أي وظيفة. فكثير من العمل ينطوي على مهارات ناعمة، وإن كانت غير معترف بها في الغالب رغم دورها الحاسم في العمل وفي جودة العمل المقدم. فحتى في ذروة جائحة كوفيد 19، واصل كثير من العاملين الأساسيين تقديم الخدمات للزبائن والمرضى بصبر وعناية وتعاطف، رغم وقوعهم تحت إجهاد شديد.
ومن المفارقات الأخرى التباين بين مؤشرات المهارات القائمة ومستويات الدخل. فقد وجدت دراسات مثلاً أن مهارات كالتفكير النقدي وحل المشكلات والكفاءة الإدارية ترتبط إيجاباً بالأجور، لكن عوائد هذه المهارات أقل لدى العاملين في المهن المنخفضة الأجر رغم أن كثيرين منهم يستخدمون هذه المهارات في عملهم اليومي. وعلاوة على ذلك، وجد أن المهارات الاجتماعية، بما فيها التنسيق والتفاوض والإصغاء النشط والفطنة والتوجه الاجتماعي، ترتبط سلباً بالأجر في أسفل توزيع الأجور، رغم العلاوة التي تحققها في المهن المهنية والإدارية.
وبوجه عام، فاقمت تحولات سوق العمل في العقود الأخيرة، ولا سيما التحول إلى الخدمات، مشكلة تقدير المهارات، لأن وظائف قطاع الخدمات تتطلب مهارات اجتماعية وتقدم أشياء غير ملموسة يصعب قياسها. ومن ثم أدى تنامي أهمية المهارات الناعمة إلى إبراز التحيزات القائمة في الاعتراف بالمهارات وأدخل مزيداً من الغموض في تعريفات المهارات. ولم يُترجم التقدير المتزايد للمهارات الناعمة والعمل العاطفي مباشرة إلى تقدير لهذه المهارات.
وعدم ظهور المهارات وبخس قيمتها قضية ملحة في عدد من المهن الأساسية. فالرعاية ترتبط عادة بعمل النساء وتُعامل بوصفها قدرة أنثوية فطرية، وتنعكس في قطاع الرعاية أوجه عدم المساواة العميقة بين الجنسين في الاعتراف بالمهارات وفي الأجور. وعلى نحو مماثل، يغذي الاعتراف غير الكافي بمؤهلات المهاجرين خفض قيمة مهاراتهم ودخلهم، ولا سيما في الزراعة، وكذلك في قطاعات أخرى يكثر فيها المهاجرون كالتنظيف والصرف الصحي.
سياسات الحد الأدنى للأجور قادرة على دعم أجور العاملين الأساسيين
لما كان المستخدمون الأساسيون أرجح في الوجود في الطرف الأدنى من توزيع الأجور، فإنهم يتأثرون على نحو غير متناسب بسياسات الحد الأدنى للأجور. والواقع أنه في البلدان التي أنشأت نظاماً للحد الأدنى للأجور للقطاع الخاص، تُقدر حصة العاملين الذين يكسبون الحد الأدنى للأجور أو أقل بنسبة 40% في المتوسط للمستخدمين الأساسيين، مقارنة بنسبة 28% لغيرهم. وفي هذه التقديرات، يُعد المستخدم الذي يكسب أقل من الحد الأدنى للأجور من يتلقى أقل من 95% من قيمة الحد الأدنى، بينما يُعد المستخدم المدفوع له بمستوى الحد الأدنى من يكسب بين 95% و105% من قيمته. ومن بين البلدان المشمولة بالعينة، ترتفع نسبة المستخدمين الأساسيين المدفوع لهم بمستوى الحد الأدنى أو أقل في الاقتصادات المتوسطة والمنخفضة الدخل؛ ففي المتوسط، يكسب 42% من المستخدمين الأساسيين في البلدان المتوسطة الدخل، أي 45% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى و39% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و53% من المستخدمين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل، الحد الأدنى للأجور أو أقل. ويؤكد تعرض المستخدمين الأساسيين للحد الأدنى للأجور أن الحد الأدنى أداة فعالة لرفع دخل العاملين الأساسيين.
وفي الوقت نفسه، يكسب المستخدمون الأساسيون على نحو غير متناسب أقل من مستوى الحد الأدنى للأجور. وقد ينجم ذلك عن غياب الاستحقاقات القانونية للحد الأدنى أو عن ارتفاع معدلات عدم الامتثال للوائح الحد الأدنى للأجور فيما يخص هذه الفئة. وعلاوة على ذلك، يكون الخطر النسبي لاستبعاد المستخدمين الأساسيين من نطاق الحد الأدنى للأجور أعلى في البلدان ذات مستوى التنمية الأدنى. فحصة المستخدمين الأساسيين المدفوع لهم أقل من الحد الأدنى القائم أعلى بخمس نقاط مئوية فقط من حصة غيرهم في البلدان المرتفعة الدخل، مقابل 11 و28 نقطة مئوية في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والمنخفضة الدخل على التوالي، و8 نقاط مئوية في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى.
وفي البلدان المتوسطة والأدنى دخلاً تحديداً، قد تنشأ الحصص الأعلى من المستخدمين الأساسيين المدفوع لهم أقل من مستوى الحد الأدنى عن تمثيلهم المفرط في صناعات أو مهن مستبعدة قانونياً من الحد الأدنى للأجور في هذه البلدان. فعلى سبيل المثال، إلى جانب العاملين المنزليين، يُعد العاملون الزراعيون الفئة الأكثر استبعاداً من نظم الحد الأدنى للأجور. وفي المتوسط في العينة المستخدمة للتحليل، يمثل العاملون في النظم الغذائية 19% من المستخدمين الأساسيين، ويكسب كثير منهم أقل من الحد الأدنى للأجور. وحين يُشمل العاملون الزراعيون بنظم الحد الأدنى للأجور، قد يكون المعدل خاصاً بالقطاع. وهذا هو الحال مثلاً في بوركينا فاسو وتشاد وكوت ديفوار ومدغشقر ومالي والمغرب والسنغال وتوغو، حيث يختلف المعدل الخاص بالزراعة، أي الحد الأدنى الزراعي المضمون للأجر، عن المعدل في القطاعات الأخرى، أي الحد الأدنى المضمون للأجر بين المهن. غير أن بعض هذه البلدان، كالمغرب، خطط لتقليص الفجوة بين الحدين الأدنيين.
وحتى حين يُشمل المستخدمون الأساسيون بسياسات الأجور، فإن المعدلات المرتفعة لعدم الامتثال تقلل فاعلية الحد الأدنى للأجور. فمع أن جميع المستخدمين مشمولون بالقانون سواء أكان لديهم عقد استخدام رسمي أم لا، فإن العقود الشفهية أو عدم تسجيل العقود، أي عدم تسجيل المستخدم في نظام الضمان الاجتماعي، ترتبط عملياً بعدم الامتثال للحماية العمالية بما فيها الحد الأدنى للأجور. كما يطرح العمل لدى منشأة غير مسجلة تحديات أمام إنفاذ الحد الأدنى للأجور. ويمكن للتوجيهات الواردة في توصية منظمة العمل الدولية بشأن الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم لعام 2015 (رقم 204) بشأن توسيع الحد الأدنى للأجور ليشمل جميع العاملين في الاقتصاد غير المنظم أن تساعد على تحسين دخل العاملين الأساسيين وظروف عملهم.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات على أن بعض المستخدمين غير المنظمين يتلقون الحد الأدنى للأجور حتى حين لا يكونون مسجلين، وهي ممارسة لوحظت في أمريكا اللاتينية ويُشار إليها بأثر المنارة. ويكون هذا الأثر أقوى حين يُحدد الحد الأدنى للأجور وطنياً لجميع القطاعات والمهن وحين تكون هناك درجة عالية من الوعي القانوني لدى أصحاب العمل والعاملين. ففي هذه الظروف، يوفر الحد الأدنى للأجور معياراً مرجعياً لتحديد الأجور في الاقتصاد غير المنظم. ويمكن للحد الأدنى للأجور، عبر أثره في الطرف الأدنى من توزيع الأجور، أن يساعد أيضاً على تقليص فوارق أخرى في الدخل؛ فقد بين تحليل حديث للبرازيل مثلاً أن زيادات الحد الأدنى للأجور بين عامي 1999 و2009 أسهمت في تقليص فجوة الدخل العرقية في البرازيل.
وتبين الأدلة المتاحة أن العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص يميلون إلى تلقي دخل شهري أدنى من غيرهم من العاملين لحسابهم الخاص. ومع أن العاملين لحسابهم الخاص لا يخضعون لسياسات الحد الأدنى للأجور، فثمة سياسات يمكن أن تدعم دخلهم، إما بصورة غير مباشرة عبر الاستثمارات القطاعية في البنية التحتية المادية والاجتماعية كما يبين الفصل السادس، أو عبر إرشادات تحدد مستويات دنيا للمدفوعات للعاملين لحسابهم الخاص وتحسن شفافية الأجور. فبالنسبة إلى قطاع النقل البري، الذي ترتفع فيه حصة العاملين لحسابهم الخاص التابعين، أصدرت منظمة العمل الدولية إرشادات بشأن تعزيز العمل اللائق والسلامة على الطرق في قطاع النقل، تدعو الحكومات إلى إنشاء آليات لتحسين دخل سائقي النقل البري العاملين لحسابهم الخاص. وتشمل هذه الآليات أحكاماً لدعم استرداد التكاليف الثابتة والمتغيرة، كالوقود والإطارات بحسب الكيلومترات المقطوعة، ودفع مقابل العمل الشخصي بمعدل الحد الأدنى الوطني للأجور أو أعلى، والعائد على الاستثمار، والأجر عن أنشطة القيادة وأنشطة العمل الفرعية غير المتصلة بالقيادة.
ومن التدابير المهمة الأخرى معالجة الاستخدام المقنّع، بالنظر إلى أن علاقة الاستخدام هي المدخل إلى الحماية العمالية بما فيها تغطية الحد الأدنى للأجور. وكما ذُكر سابقاً، تقدم التوصية رقم 198 توجيهات بشأن وضع سياسات لمعالجة سوء تصنيف الاستخدام.
5.5 توسيع الحماية الاجتماعية من أجل قوى عاملة قادرة على الصمود
أبرزت تجربة العاملين الأساسيين خلال جائحة كوفيد 19 أهمية الحصول على حماية اجتماعية كافية، ولا سيما الإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض. فما يزيد قليلاً على 40% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مستحقون لشكل من أشكال الحماية الاجتماعية، مما يشير إلى ثغرات مهمة في التغطية. وإضافة إلى ذلك، تكون فئات فرعية معينة من العاملين الأساسيين، كالعاملين لحسابهم الخاص والمستخدمين بترتيبات عمل غير نموذجية، أكثر عرضة للاستبعاد الجزئي أو الكامل من الحماية الاجتماعية. وفي غياب حماية اجتماعية أوسع تمتد إلى العاملين الأساسيين، ستكون سوق العمل والمجتمع غير مجهزين لإدارة الأزمات المقبلة. وإضافة إلى ذلك، تعمل الحماية الاجتماعية عامل استقرار تلقائياً، يخفف آثار فترات الركود بتوفير دخل بديل، ومن ثم يحد من الآثار الإجمالية للأزمة. ولذلك فإن توسيع الحماية الاجتماعية استثمار في جعل العاملين والاقتصادات قادرين على الصمود أمام التحديات والأزمات المقبلة. ولهذه الغاية، أدخلت البلدان طائفة من الاستراتيجيات لتوسيع الحماية الاجتماعية.
توسيع نطاق التغطية: أدخلت بلدان عدة تغييرات على الأطر القانونية لتشمل أشكال الاستخدام غير النموذجية كالعمل عبر المنصات أو العمل لحساب الذات. ففي الهند، مثّلت مدونة الضمان الاجتماعي المعتمدة عام 2020، التي دمجت تسعة تشريعات قائمة للضمان الاجتماعي، الخطوة الأولى نحو توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل جميع العاملين بصرف النظر عن علاقة استخدامهم. ووسعت البرازيل وإندونيسيا تغطية التأمين الاجتماعي الإلزامي لتشمل العاملين لحسابهم الخاص؛ فرفعت السياسة البرازيلية تغطية العاملين لحسابهم الخاص إلى 31% مقارنة بنسبة 17% عام 2009. كما وُسع تأمين إصابات العمل الإلزامي ليشمل العاملين في علاقات الاستخدام التابعة في إسبانيا.
مواءمة الوصول الإداري وتبسيطه: أدخلت بلدان أخرى تغييرات تشريعية وسياسات جديدة مصممة على مقاس ظروف العاملين لحسابهم الخاص والعاملين بترتيبات استخدام غير نموذجية. فقد كيفت البرازيل والصين مثلاً جداول الدفع ووائمت مستويات الاشتراكات على نحو أفضل مع أنماط دخل العاملين لحسابهم الخاص. وأدخلت البرازيل وجمهورية كوريا فئات اشتراك واسعة لتحسين أهلية العاملين لحسابهم الخاص ذوي الدخل المتقلب. ووضع هذان البلدان والأرجنتين سياسات لدعم اشتراكات العاملين لحسابهم الخاص منخفضي الدخل. وأخيراً، بسطت أوروغواي الاشتراكات في الضمان الاجتماعي للعاملين لحسابهم الخاص والمنشآت الصغرى والصغيرة، إذ ألزمت العاملين بدفع معدل موحد واحد يشمل الضريبة واشتراكات الضمان الاجتماعي، فيستحقون المزايا نفسها التي يستحقها المستخدمون.
الإجازة المرضية المدفوعة أساسية لأماكن عمل آمنة وصحية ومنتجة
مع أهمية الحصول على حماية اجتماعية شاملة، أبرزت الجائحة أهمية الإجازة المرضية المدفوعة والحصول على إعانات المرض للعاملين الأساسيين. فقد بينت تجربتهم تحديداً العواقب السلبية للثغرات في التغطية التشريعية على العاملين والمنشآت على حد سواء. ففي غياب حماية الدخل الكافية والإجازة المرضية المدفوعة، ذهب العاملون المرضى إلى العمل، مهددين صحتهم ومعرضين الآخرين في مكان العمل للعدوى، ومعيقين الإنتاج التجاري والتعافي الاقتصادي. وفي أنحاء العالم، يتمتع 62% من القوى العاملة بحماية قانونية في حالة فقدان الدخل أثناء المرض، من نحو 45% في أفريقيا إلى 91% في أوروبا وآسيا الوسطى. وتنشأ الثغرات في الحماية لأسباب عدة؛ ففي بعض الحالات تقيد معايير المدة والأهلية، كفترات الانتظار، الوصول، وفي حالات أخرى يُستبعد بعض العاملين كالعاملين لحسابهم الخاص أو العرضيين أو من يتقاضون أجوراً بالساعة. كما قد يسهم ضعف الوعي العام في ثغرات التنفيذ حتى إن كان العاملون مشمولين قانونياً.
وتقدم معايير عدة لمنظمة العمل الدولية توجيهات في مجال السياسات يمكن استخدامها لإزالة القصور في التغطية القانونية للإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض، وهي توصية تأمين الدخل لعام 1944 (رقم 67)، واتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا) لعام 1952 (رقم 102)، واتفاقية الرعاية الطبية وإعانات المرض لعام 1969 (رقم 130)، وتوصية الرعاية الطبية وإعانات المرض لعام 1969 (رقم 134). وتنص التوصية رقم 67 تحديداً على أن يوفر التأمين الاجتماعي الحماية، في الطوارئ التي يتعرضون لها، لجميع المستخدمين والعاملين لحسابهم الخاص ومعاليهم، ممن يكون ذلك ممكناً عملياً بالنسبة إليهم.
وإلى جانب معايير منظمة العمل الدولية، وبما يتوافق معها، برزت من الجائحة دروس عدة تتعلق بالإجازة المرضية وإعانات المرض ستساعد على ضمان تعافٍ قادر على الصمود في المجالات التالية:
توسيع الإجازة المرضية وإعانات المرض لتشمل الفئات غير المشمولة: وسعت بعض البلدان قانونياً إعانات المرض لتشمل عاملين لم يكونوا مؤهلين قبل الجائحة، كألمانيا وأيرلندا والبرتغال والمملكة المتحدة. ونظراً إلى أهمية الإجازة المرضية المدفوعة وإعانات المرض تدبيراً وقائياً للقوى العاملة بأكملها، فإن إدماج الفئات المستبعدة حاسم لبناء قوى عاملة قادرة على الصمود. ومن شأن إدراج الحق في الإجازة المرضية في التشريعات وتعميم الحصول على إعانات المرض أن يساعد على تحقيق ذلك.
إزالة العوائق الإدارية لتقليص الثغرات القانونية وثغرات التنفيذ: ألغت بلدان عدة فترات الانتظار المتعلقة بالحصول على بديل الدخل خلال الجائحة لتسريع الوصول، كأستراليا وكندا والدنمارك وأيرلندا والسويد. ومن شأن إلغاء أوقات الانتظار أو تقليصها وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية، التي تحدد ألا تتجاوز فترات انتظار إعانات المرض، حيثما وُجدت، ثلاثة أيام، أن يزيل ثغرات التغطية الناجمة عن التأخر في الوصول. كما يمكن لاستخدام التكنولوجيا الإلكترونية والمحمولة أن يحسن الوصول في الوقت المناسب إلى استحقاقات دعم الدخل بما فيها إعانات المرض؛ فقد استخدمت بلدان مختلفة، ككولومبيا وملاوي والمغرب وتايلند وتوغو، التكنولوجيا المحمولة لتقديم المدفوعات خلال الجائحة، وأثبتت فائدتها بوجه خاص في الوصول إلى العاملين في الاقتصاد غير المنظم الذين لا يملكون حسابات مصرفية.
الاعتراف بمسؤوليات الرعاية: للعاملين الأساسيين مسؤوليات رعاية. واستجابة لذلك، وسعت بعض البلدان كفرنسا نطاق إعانات المرض ليشمل العاملين في العزل الذاتي أو الذين يرعون أطفالاً. كما تعترف التوصية رقم 134 بوجوب وضع ترتيبات مناسبة لمساعدة الشخص المحمي الناشط اقتصادياً الذي يضطر إلى رعاية معال مريض.
قد تتطلب توسيعات إعانات المرض إعادة نظر في المستويات الكافية والتمويل: إن توفير إعانات المرض الممول من أصحاب العمل يلقي عبئاً هائلاً على المنشآت الفردية. فالنظم التي يتحمل فيها أصحاب العمل وحدهم الكلفة قد تحفز الشركات، ولا سيما الصغيرة ذات الموارد المالية المحدودة، على تجنب الامتثال لإعانات المرض المدفوعة لمستخدميها. وفي المستقبل، ولتوسيع التغطية توسيعاً كاملاً وكافياً ليشمل العاملين المستبعدين، قد تلزم موارد إضافية إلى جانب إعادة النظر في كيفية توليد هذه الموارد. وتوحي معايير منظمة العمل الدولية بأن التمويل الجماعي هو المصدر الأكثر إنصافاً واستدامة، القائم على تجميع واسع للمخاطر والتضامن. وتحدد اتفاقية الضمان الاجتماعي لعام 1952 (رقم 102) أن تبلغ المدفوعات 45% على الأقل من الدخل السابق، بينما تحدد اتفاقية الرعاية الطبية وإعانات المرض لعام 1969 (رقم 130) نسبة 60% على الأقل.
5.6 التدريب من أجل قوى عاملة أساسية قادرة على التكيف والاستجابة
أبرزت الأدلة التجريبية التي نوقشت في الفصول السابقة أهمية فرص التدريب للعاملين الأساسيين. فالتدريب في أثناء العمل وسيلة لإعداد العاملين للمهام التي يؤدونها، ويفترض أن يشمل كيفية أداء عملهم بأمان. ومن ثم يمكن أن يكون مفيداً للتخفيف من الأزمات أو الاستجابة لها، كما في سياق مخاطر السلامة والصحة التي أحدثتها جائحة كوفيد 19. كما يمكّن التعليم والتدريب التقني والمهني العاملين الأساسيين وأصحاب عملهم من التكيف مع التغيرات الجوهرية الطويلة الأجل في سوق العمل، ومن ثم يعد العاملين على نحو أفضل لعالم عمل متغير، بما في ذلك التغيرات التي تحدثها الأزمات، كالتحول نحو استخدام تقنيات أكثر ملاءمة للبيئة ضمن مهنة ما. وإجمالاً، للتدريب القدرة على تحسين ظروف عمل الأفراد على المدى القصير وحصولهم على عمل جيد على المدى الطويل.
وتتردد أهمية التدريب خلال الأزمات في توصية العمالة والعمل اللائق من أجل السلام والقدرة على الصمود لعام 2017 (رقم 205). ففي أوثق صلة بسياق جائحة كوفيد 19 وتجربة العاملين الأساسيين، تنص التوصية على أنه في حالات الأزمات ينبغي تكييف المناهج وتدريب المعلمين والمدربين على تعزيز التعليم بشأن مخاطر الكوارث والحد منها والوعي بها وإدارتها من أجل التعافي وإعادة الإعمار والقدرة على الصمود. وعلى نحو مماثل، ينبغي تعزيز التعايش السلمي والمصالحة من أجل بناء السلام والقدرة على الصمود عبر التدريب، وهو أمر قد ينطبق أكثر في سياق أنواع أخرى من الأزمات. وإضافة إلى ذلك، ينبغي تمكين الأفراد الذين انقطع تعليمهم وتدريبهم من الالتحاق بهما أو استئنافهما وإتمامهما. وأخيراً، يُعترف خلال الأزمات بأهمية التدريب لمعالجة احتياجات المهارات الناشئة في سوق العمل وكذلك احتياجات من فقدوا عملهم.
وثمة أربعة صكوك أخرى لمنظمة العمل الدولية ذات صلة مباشرة بالتدريب، هي اتفاقية الإجازة الدراسية المدفوعة الأجر (رقم 140) وتوصيتها (رقم 148) لعام 1974، واتفاقية تنمية الموارد البشرية لعام 1975 (رقم 142) وتوصيتها لعام 2004 (رقم 195).
وتشترط اتفاقية تنمية الموارد البشرية لعام 1975 (رقم 142) إنشاء نظم مفتوحة ومرنة ومتكاملة للتعليم العام والتقني والمهني، والإرشاد التعليمي والمهني، والتدريب المهني وتطويرها، سواء جرت هذه الأنشطة ضمن نظام التعليم الرسمي أو خارجه. وتشمل الاتفاقية طيفاً واسع التعريف من التعليم والتدريب، وتدعو إلى توسيع نظم المعلومات والإرشاد. وتشمل الأخيرة مبادرات لجعل فرص التدريب والتعليم وأوضاع العمل في المهن المختلفة شفافة أمام العاملين، بما في ذلك ظروف العمل والسلامة والنظافة في العمل، والجوانب العامة للاتفاقات الجماعية وحقوق جميع المعنيين والتزاماتهم بموجب قانون العمل. ومن ثم توجد صلة مباشرة بين الاتفاقية والجوانب الأخرى لظروف العمل التي أكد هذا التقرير محوريتها للعاملين الأساسيين.
وعلاوة على ذلك، تحدد الاتفاقية رقم 142 دوراً متعدد الأوجه للتعليم والتدريب. فلا يجوز أن تراعي هذه السياسات والبرامج احتياجات العمالة وفرصها ومشكلاتها فحسب، بل ينبغي أيضاً أن تحسن قدرة الفرد على فهم بيئة العمل والبيئة الاجتماعية والتأثير فيهما فردياً أو جماعياً. ومن ثم يوضع التعليم والتدريب في سياق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويُنظر إليهما بوصفهما معالجين لاحتياجات العمالة ومصالح العاملين والاحتياجات المجتمعية الأوسع. وقد يكون هذا التأكيد على الاحتياجات المجتمعية ذا صلة خلال الأزمات.
وعلى نحو مماثل، تتبع توصية تنمية الموارد البشرية لعام 2004 (رقم 195) فهماً واسعاً للتعليم والتدريب، رابطة إياهما بالتعلم مدى الحياة الذي يتعلق بتنمية الكفاءات والمؤهلات لدى الأفراد من جميع الأعمار. وتنص التوصية على أن الأطر الوطنية ينبغي أن تعزز تطوير آلية شفافة لتقييم المهارات وإصدار الشهادات بها والاعتراف بها وتنفيذها وتمويلها، بما فيها المهارات المكتسبة في ترتيبات التعلم غير الرسمية. ومن شأن هذه التدابير أن تعزز توقعات العاملين الأساسيين في سوق العمل بإتاحة قابلية نقل مهاراتهم بين القطاعات والصناعات والمنشآت والمؤسسات التعليمية، وهو أمر ذو صلة بوجه خاص بالعاملين المهاجرين الذين كثيراً ما لا يُعترف بمهاراتهم أو لا يُعوضون عنها وفقاً لها.
أما اتفاقية الإجازة الدراسية المدفوعة الأجر (رقم 140) وتوصيتها (رقم 148)، فتركزان على التدابير التعليمية للأفراد الذين دخلوا سوق العمل بالفعل. وتنص هذه الصكوك على أن تعزز البلدان منح إجازة دراسية مدفوعة، لفترة محددة خلال ساعات العمل مع استحقاقات مالية كافية، للتدريب على أي مستوى، والتعليم العام والاجتماعي والمدني، والتعليم النقابي. ومن ثم تؤكد هذه الصكوك أن التدريب ذو صلة طوال الحياة العملية للفرد، وأن التدريب القائم على العمل ينبغي مأسسته للعاملين الأكبر سناً.
ومؤخراً، أولي اهتمام متجدد للتلمذة المهنية، التي يُنظر إليها مجدداً وسيلةً لتيسير دخول العاملين الشباب إلى سوق العمل، ولإتاحة إعادة تأهيل العاملين الأكبر سناً ورفع مهاراتهم في أسواق العمل المعاصرة. وتتخذ التلمذة المهنية أشكالاً مختلفة وتتفاوت أهميتها بين المناطق والبلدان ذات الدرجات المتفاوتة من التنمية الاقتصادية. ويجمع النموذج الذهبي عادة بين التدريب المنهجي في أثناء العمل والتعليم في الفصول الدراسية، وله تقاليد عريقة في بلدان كالنمسا والدنمارك وألمانيا وسويسرا. وثمة صك مقترح بشأن التلمذة المهنية الجيدة مدرج على جدول أعمال الدورة الحادية عشرة بعد المئة لمؤتمر العمل الدولي عام 2023.
ويفصّل الصك المقترح، من بين أمور أخرى، إطاراً تنظيمياً للتلمذة المهنية يغطي مجالات كالسلامة والصحة المهنيتين، والاعتراف بالتعلم السابق الرسمي وغير النظامي وغير الرسمي، ونواتج التعلم والمناهج، والتوازن بين التدريب خارج العمل وفي أثنائه، وإجراءات تقييم الكفاءات وإصدار الشهادات بها، والمؤهلات المكتسبة. كما يُعنى المقترح بظروف عمل المتدربين، بما فيها الأجر وساعات العمل واستحقاق الإجازة المدفوعة والضمان الاجتماعي، والتدريب على السلامة والصحة المهنيتين، والتمييز، والعنف والتحرش، والوصول إلى آليات فعالة للشكاوى وتسوية النزاعات. ويعد الصك المقترح التلمذة المهنية وسيلة لتحسين الانتقالات وتوقعات العمل على المدى الطويل برفع المهارات وتعزيز قابلية الاستخدام والمساعدة على تيسير الانتقال إلى الطابع المنظم وترتيبات الاستخدام الأكثر أماناً.
وعلى هذه الخلفية، من المقلق أن كثيراً من العاملين الأساسيين يفتقرون إلى الحصول على التدريب. وكما بين القسم 3.7، تبلغ هذه المسألة ذروتها في البلدان المنخفضة والمتوسطة الأدنى الدخل. ومن شأن زيادة حصول العاملين الأساسيين على التدريب، ولا سيما في البلدان الأفقر، أن تكون وسيلة لتعزيز قدرتهم على مواجهة الصدمات الاقتصادية وتحسين ظروف عملهم وتوقعاتهم في سوق العمل. ولا يمكن أن يكون التدريب مسؤولية العامل وحده مع مجرد توقع أن يحسن العاملون مهاراتهم للبقاء قادرين على المنافسة في أسواق العمل المعاصرة. بل ينبغي، كما تعكس الأقسام الأخرى من هذا الفصل، أن يكون أحد مكونات مزيج أوسع من السياسات يعزز حقوق العاملين الأساسيين وغيرهم وظروف عملهم.
والمشاركة النشطة لمنظمات العمال وأصحاب العمل، إلى جانب الحكومات، مهمة أيضاً. ويمكن لأصحاب العمل أن يستفيدوا من هذه المشاركة بالنظر إلى قدرة التدريب على تعزيز الإنتاجية والمساعدة على ضمان تلبية طلب الشركات على المهارات. وجنوب أفريقيا مثال مثير للاهتمام، إذ تجسد مؤسساتها التزاماً بالحوار الثلاثي واتخاذ القرار في تنمية المهارات. فعلى المستوى القطاعي، تُمثل النقابات ومنظمات العمال، والحكومة حيثما كان ذلك مناسباً، في مجالس هيئات التعليم والتدريب القطاعية المختلفة. وتضع هذه الهيئات خطط المهارات بما فيها خطط التلمذة المهنية، وهي مسؤولة عن إنشاء برامج التعلم وتسجيل اتفاقات التدريب وتقديم منح التدريب، كما تؤدي دوراً في إلحاق المتعلمين بالشركات وفي ضمان جودة التدريب.
وتغطي عدة هيئات من هذه قطاعات ذات صلة خاصة بالعاملين الأساسيين، كالزراعة والصحة والرعاية الاجتماعية والسلامة والأمن والأغذية والمشروبات والصناعة التحويلية والنقل. فهيئة التعليم والتدريب في النقل مثلاً تُعنى بمهن أساسية مختلفة واجهت تحديات خلال جائحة كوفيد 19، منها العاملون في المستودعات والبحارة وسائقو الشاحنات والحافلات وسيارات الأجرة. ولتوضيح بعض أنشطتها، دُعم مالياً 620 فرداً في القطاع الفرعي لسيارات الأجرة للمشاركة في دورات تدريبية خلال الفترة 2020 و2021. ويتمثل هدف الهيئة الطويل الأجل في هذا القطاع الفرعي في تعزيز الطابع المنظم والاحترافية بين سائقي سيارات الأجرة في جنوب أفريقيا؛ واستهدفت إحدى المبادرات سائقات سيارات الأجرة، وتعلقت بتدريبهن وإعداد خطط أعمالهن وتسجيل أعمالهن.
5.7 تحويل القانون إلى ممارسة: الامتثال والإنفاذ
كثيراً ما تمتلك الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية تشريعات تتبع التوجيهات المعيارية لمعايير المنظمة، بينما تبتعد الحماية العمالية التي يتلقاها العاملون عملياً ابتعاداً هائلاً عن تلك التوجيهات. ويتوقف الفارق بين القانون والممارسة على الامتثال. فعلى المستوى العالمي، يعمل 36% من العاملين، أي نحو 550 مليون عامل، بصورة غير منظمة. ويعني وجود المرء في علاقة استخدام غير منظمة إما أن المستخدم غير مشمول بالقانون، كما هو حال بعض العاملين الزراعيين والمنزليين، أو، وهو الأرجح، أن صاحب العمل غير ممتثل للتنظيم. ومع أن أسباب الطابع غير المنظم متعددة الجوانب وتتطلب طائفة واسعة من التدخلات في السياسات، بما فيها التدخلات القطاعية كما يبين الفصل السادس، فثمة حاجة إلى معالجة الإخفاقات في الامتثال لتنظيم العمل. والواقع أن قرابة 7% من مجموع العمالة غير المنظمة، تطال نحو 140 مليون عامل، توجد في وحدات إنتاج مسجلة، أي في القطاع المنظم، ومع ذلك لا يستفيد المستخدمون من الحماية العمالية والاجتماعية.
والامتثال هو فعل الانصياع لقانون أو قاعدة معينة، والإنفاذ هو عملية التأكد من الانصياع لقانون أو قاعدة. ويمكن أن يتحقق الامتثال للقانون عبر الإنفاذ، لكنه يشمل أيضاً الإجراءات الطوعية لأصحاب العمل والعاملين دون تدخل مباشر من مفتش. فالأعراف الاجتماعية ونظم المسؤولية الاجتماعية للشركات وبرامج الحوافز، والأهم من ذلك التعاون الثلاثي ومشاركة أصحاب المصلحة، تدعم جميعها الامتثال للوائح العمل.
وستُقوَّض السياسات والنظم والبرامج المصممة لتعزيز قوانين العمل والسلامة والصحة والضمان الاجتماعي عموماً تقويضاً جذرياً إن لم تتوافر نظم إنفاذ كافية. وإنشاء تفتيش العمل توصية راسخة لمنظمة العمل الدولية تعود إلى دستورها. وتتناول معايير عدة للمنظمة تفتيش العمل تحديداً، منها اتفاقيتان من اتفاقيات الحوكمة: اتفاقية تفتيش العمل لعام 1947 (رقم 81) وبروتوكولها لعام 1995، واتفاقية تفتيش العمل في الزراعة لعام 1969 (رقم 129). كما تتضمن صكوك المنظمة المتعلقة بظروف العمل أحكاماً بشأن تفتيش العمل. وتنص الاتفاقية الأساسية رقم 155 على أن يشمل النظام الوطني نظام تفتيش كافياً ومناسباً، إلى جانب عقوبات مناسبة. وتتحمل الدول والجهات التنظيمية أيضاً مسؤوليات إعلامية مهمة فيما يتعلق بتقديم الإرشاد للمنشآت، وعلى نطاق أوسع بتوفير محتوى السلامة والصحة في برامج التعليم والتدريب.
الإطار 5.2 نهج منظمة العمل الدولية للامتثال الاستراتيجي عبر تفتيش العمل
يتسم النموذج التقليدي للإنفاذ بأنه قائم على رد الفعل، أي مدفوع بالشكاوى، وعقابي. كما أنه ليس فعالاً دائماً، جزئياً بسبب مشكلات الموارد القديمة، لكن أيضاً لأن الإنفاذ وحده لا يحقق بالضرورة الامتثال. فأصحاب العمل الخاضعون لإجراءات الإنفاذ قد يمتثلون في البداية ثم يعودون إلى عدم الامتثال، أو قد يستمرون في عدم الامتثال رغم تكرار إجراءات الإنفاذ. وإضافة إلى ذلك، فإن التغيرات في عالم العمل، كانتشار سلاسل الإمداد العالمية وأشكال الاستخدام غير النموذجية والتقنيات الجديدة، تجعل نموذج الإنفاذ التقليدي، الذي كان أنسب للمنشآت الصناعية الكبيرة، أقل فاعلية.
وتستخدم أساليب الامتثال الاستراتيجي استراتيجيات استباقية وموجهة ومصممة على المقاس، قائمة على تشخيصات مستندة إلى البيانات لمؤثرات الامتثال، تستهدف القضايا وأصحاب العمل ذوي الأولوية على نحو أكثر فاعلية، وتشرك أصحاب المصلحة داخل الحكومات وخارجها. ويجمع هذا النهج بين الروادع والحوافز والتوعية والإرشاد لتمكين العاملين من ممارسة حقوقهم وتحفيز أصحاب العمل على الوفاء بواجب الامتثال.
وفي عام 2021، عملت تسعة بلدان وأقاليم، هي بوتسوانا وكولومبيا وكوت ديفوار وإسواتيني وإندونيسيا ومدغشقر والأرض الفلسطينية المحتلة وجمهورية تنزانيا المتحدة وزامبيا، بالشراكة مع منظمة العمل الدولية على تنفيذ خطط امتثال استراتيجي في قطاعات اقتصادية مختلفة. ونتيجة لذلك، ارتفع الامتثال لقانون العمل بنسبة 39% في القطاعات المستهدفة، فتحسنت ظروف عمل نحو 108 آلاف عامل وفق التقديرات.
ومع ذلك، ورغم أهمية التفتيش، تعاني أجهزة التفتيش من نقص الموارد في أنحاء العالم، وتفيد بلدان كثيرة بتراجع طويل الأجل في الموارد المخصصة لأجهزة التفتيش. ففي الولايات المتحدة مثلاً، كان هناك في السنة المالية 2020 نحو 774 مفتش سلامة وصحة اتحادياً و1024 على مستوى الولايات لتفتيش 10.1 مليون مكان عمل، أي مفتش واحد لكل 82881 عاملاً، وهي أدنى نسبة منذ إنشاء الهيئة الاتحادية. وفي رواندا، يُنفذ تفتيش العمل على نحو لا مركزي على مستوى المقاطعات، ومع ذلك لا يعمل في المقاطعات أي متخصص في السلامة والصحة، ولا يوجد تدريب منظم على السلامة والصحة للمفتشين الجدد. ومن ثم ثمة حاجة كبيرة إلى زيادة الموظفين والموارد المالية لتفتيش العمل، بما في ذلك الاستثمار في الأدوات الرقمية القادرة على دعم أجهزة التفتيش، في البلدان على اختلاف مستويات دخلها.
وليست كفاية الموارد الجانب الوحيد للإنفاذ، فكيفية نشر الموارد حاسمة أيضاً، وهو جانب يشمل استراتيجية الإنفاذ وولايته وصلاحياته.
استراتيجية الإنفاذ: المزج بين الوظيفتين التثقيفية والعقابية هو الأفضل. فحين تقصر أجهزة التفتيش أنشطتها على الإنفاذ، تفوتها فرص تثقيف أماكن العمل بشأن أفضل السبل لتكييف أنشطتها للامتثال للقانون. وحين تعتمد على التثقيف وحده، تخفق في الاستجابة للسلوك المتمرد والانتهازي لمديرين يتجاهلون السلامة والصحة في مكان العمل عمداً أو بتهور. ووفقاً لإرشادات منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ العامة لتفتيش العمل، يمكن تحقيق أفضل النتائج من حيث الامتثال بالجمع بين جهود واسعة لتعزيز الامتثال، بما فيها توفير المعلومات والمشورة الفنية، وضوابط موجهة جيداً، والاستخدام المناسب للعقوبات الرادعة والأوامر القضائية. وإضافة إلى ذلك، ثبت أن مقاربات جديدة للتفتيش، كمنهجية الامتثال الاستراتيجي لمنظمة العمل الدولية، فعالة في تعزيز الامتثال.
ولاية الإنفاذ: يلزم شمول التغطية. فبعض نظم تفتيش العمل محدودة النطاق، إذ تستبعد العاملين المنزليين أو المتعاقدين المستقلين، أو في حالة الولايات المتحدة المزارع الصغيرة. ويلزم اختصاص أوسع لتجنب إهمال غير المستخدمين الذين كثيراً ما يكونون أكثر العاملين هشاشة. والواقع أنه وفقاً لإرشادات منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ العامة لتفتيش العمل، ينبغي أن تسري ولاية تفتيش العمل على قدم المساواة على جميع العاملين وجميع أماكن العمل في جميع القطاعات، الخاصة والعامة، في المناطق الريفية والحضرية، في الاقتصاد المنظم وغير المنظم، التي تكون فيها الأحكام القانونية المتعلقة بظروف العمل وحماية العاملين أثناء عملهم قابلة للإنفاذ من قبل مفتشي العمل.
صلاحيات الإنفاذ: الصلاحيات الواسعة أكثر فاعلية. فصلاحيات المفتشين متفاوتة. ففي أستراليا والبرازيل والصين وإيطاليا واليابان مثلاً، يتمتع المفتشون بصلاحيات واسعة لجمع الأدلة والإنفاذ، بما فيها حظر الأنشطة والأمر بالتحسينات، أو إغلاق المنشآت عند الضرورة. وفي المقابل، يتمتع مفتشو أماكن العمل في الصناعة العامة، خلافاً للتعدين، في الولايات المتحدة بصلاحيات أكثر محدودية، إذ يتعين عليهم الحصول على أوامر قضائية لإيقاف أي عمليات، وإن كان بإمكانهم جمع الأدلة والتوصية بالعقوبات والتحسينات المطلوبة. ويمكن لصلاحيات الإنفاذ الواسعة أن تعالج مخاطر السلامة والصحة أو مخالفات العمل على نحو أكثر فاعلية.
وإلى جانب هذه التوصيات العامة، ثمة حاجة أيضاً إلى أنشطة مصممة لفئات محددة كالعاملين المهاجرين. فبالنسبة إلى المهاجرين المشمولين ببرامج هجرة اليد العاملة المؤقتة، ثمة حاجة إلى جدران حماية محددة بوضوح بين هيئات إنفاذ معايير العمل وهيئات إنفاذ الهجرة. والأكثر إثارة للقلق حين تُستخدم أجهزة تفتيش العمل وسيلة لإنفاذ قانون الهجرة. ففي الدراسة الاستقصائية العامة للتقارير المتعلقة باتفاقيات وتوصيات تفتيش العمل لعام 2006، ذكّرت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات بأن الواجب الأساسي لمفتشي العمل هو حماية العاملين لا إنفاذ قانون الهجرة، وأنها لاحظت في بعض الحالات أن جزءاً كبيراً من أنشطة التفتيش يُنفق على التحقق من قانونية وضع الهجرة، وأنه لما كانت الموارد البشرية وغيرها المتاحة لأجهزة تفتيش العمل غير محدودة، فإن ذلك يبدو أنه يستتبع انخفاضاً متناسباً في التفتيش على ظروف العمل. وعلاوة على ذلك، يحتاج مفتشو العمل إلى التدريب على القضايا الخاصة بالعاملين المهاجرين، بما فيها التوظيف العادل، وينبغي إجراء عمليات التفتيش في المواقع التي يصعب الوصول إليها كالمزارع ومناطق تجهيز الصادرات.
المشتريات العامة: أداة فعالة لتعزيز الامتثال
من الأدوات الأخرى التي يمكن استخدامها لدعم الامتثال للأحكام القانونية المتعلقة بظروف العمل، بما يعود بالفائدة على العاملين الأساسيين، المشتريات العامة. فاتفاقية شروط العمل في العقود العامة (رقم 94) وتوصيتها (رقم 84) لعام 1949 تسعيان إلى إزالة تكاليف العمل بوصفها عنصراً من عناصر المنافسة بين مقدمي العطاءات للعقود العامة، ومن ثم ضمان ألا تحدث العقود العامة ضغطاً نحو خفض ظروف العمل. ويقدم توجيه المفوضية الأوروبية بشأن المشتريات العامة لعام 2014 مثالاً على تدبير للمشتريات العامة يدعم الامتثال لظروف العمل اللائقة. فالتوجيه يحدد إطاراً لتضمين متطلبات حقوق العمل في العقود العامة التي تطرحها سلطات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، عبر التزام الدول الأعضاء باتخاذ تدابير لضمان الامتثال، بما في ذلك فيما يتعلق بالمقاولين من الباطن.
