الفصل السابع: سياسات لبناء القدرة على الصمود
النتائج الرئيسية
لم تستوعب الأسواق بمفردها على نحو كاف الإسهامات الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية للعمل الأساسي.
حين تصبح ظروف العمل الصعبة والأجور المتدنية سمة منهجية، ستنشأ مشكلات نقص اليد العاملة ودوران الموظفين، وفي نهاية المطاف القصور في تقديم الخدمات الأساسية.
يلزم إجراء تقييمات وتخطيط مشتركين عبر الحوار الاجتماعي لتقوية مؤسسات العمل وزيادة الاستثمار في القطاعات الأساسية بهدف معالجة المخاطر الكامنة التي تهدد القدرة على الصمود.
إن أبطال هذه الأزمة، الذين يحافظون على استمرار حياتنا، بالكاد يستطيعون الحفاظ على حياتهم.
أوضحت جائحة كوفيد 19 اعتمادنا على العاملين الأساسيين. فقد واصل العاملون في الرعاية الصحية وأمناء صناديق المتاجر الكبرى وعاملو التوصيل وعمال البريد والبحارة وعمال التنظيف وغيرهم ممن يوفرون الغذاء والضروريات أداء وظائفهم يوماً بعد يوم، حتى في ذروة الجائحة، وكثيراً ما كان ذلك بمخاطرة شخصية كبيرة. وعانى العاملون الأساسيون من المرض والوفاة بكوفيد 19 بمعدلات أعلى من غيرهم، وتعرضوا لسلوك اجتماعي عدائي ولمصادر أخرى للإجهاد الوظيفي.
وإدراكاً للمخاطر الصحية التي كان العاملون الأساسيون يتحملونها، صفقت المجتمعات لهم كل ليلة في أنحاء العالم ومجدتهم أبطالاً. لكن هذا التقدير العام المتزايد لقيمتهم لم يتحول في معظمه إلى ظروف عمل أفضل. فلا يزال العاملون الأساسيون في المراتب الدنيا من سلم الأجور والمكانة الاجتماعية. وباستثناء حالات قليلة من علاوة الخطر أو المكافآت لمرة واحدة الممنوحة أساساً للعاملين الصحيين، لم يُعوض العاملون الأساسيون عن هذه المخاطر الإضافية، وظل بخس قيمة عملهم على حاله خلال الجائحة.
فانعدام الأمان ومحدودية القدرة التفاوضية وعدم كفاية الأجر خصائص دائمة لوضعهم، كما فصّل الفصلان الثالث والرابع. فعلى الرغم من دورهم المحوري في سير اقتصاداتنا ومجتمعاتنا، يعاني العاملون الأساسيون من مستويات منخفضة من الأجر وظروف عمل سيئة في أنحاء العالم. ففي المتوسط، يُمثّل المستخدمون الأساسيون بأجر تمثيلاً غير متناسب في أسفل توزيع الأجور، ويكسبون أقل بنسبة 26% من غيرهم، مع بقاء ثلث فجوة الأجور غير مفسر. كما تتحمل أغلبية كبيرة من العاملين الأساسيين أوجه انعدام أمان أخرى، من العقود غير المستقرة إلى غياب الحماية الاجتماعية والتدريب. ويعمل كثيرون منهم ساعات طويلة وغير منتظمة ويواجهون مخاطر سلامة وصحة مرتفعة. وقد أوضحت جائحة كوفيد 19 مدى بخس المجتمعات قيمة معظم الوظائف الأساسية، مما يثير القلق بشأن استدامة هذه الأنشطة الضرورية، ولا سيما في ضوء الصدمات المقبلة، سواء أكانت من جوائح أخرى أو تغير المناخ أو الأزمات المالية أو الحروب.
تقدير العمل الأساسي بما يتناسب مع إسهامه الاجتماعي
إن المنافع التي يولدها العاملون الأساسيون للاقتصادات والمجتمعات أعلى من التعويض الاقتصادي والاعتراف المجتمعي اللذين يتلقونهما. فكثير من العاملين الأساسيين منخفضي الأجر يؤدون وظائف ذات عوامل خارجية إيجابية كبيرة، إذ يقدمون قيمة لا للأشخاص الذين يتلقون خدماتهم مباشرة فحسب، بل للمجتمعات التي يعيشون ويعملون فيها على نطاق أوسع، لكن ذلك لا ينعكس في أجورهم. فعلى سبيل المثال، تجد دراسات في المملكة المتحدة تقيس العائد الاجتماعي على الاستثمار أن كل جنيه إسترليني يُنفق على تدخلات الرعاية الاجتماعية يحقق عائداً يتراوح بين 1.20 و6.50 جنيه. وتجد دراسة أخرى تستخدم هذا النهج، فتدرج التكاليف والمنافع الاجتماعية والبيئية والاقتصادية في تحليلها، أن ثلاث مهن منخفضة الأجر، هي عامل تنظيف المستشفى وعامل مصنع إعادة التدوير والعامل في رعاية الأطفال، تولد قيمة اجتماعية قابلة للقياس أكثر مما تتلقاه أجراً.
والسوق بمفردها تميل إلى عدم التعويض عن قيمة هذه العوامل الخارجية. فكما أُشير في هذا التقرير، يعاني العاملون في الرعاية من عقوبات أجرية كبيرة، تعكس غياب الاعتراف بالمهارات اللازمة في عمل الرعاية. ويشير مصطلح عقوبة الرعاية إلى أجر بالساعة أدنى من المعدلات المتوقعة بناء على مؤهلات شاغلي هذه الوظائف وخبرتهم. ففي الولايات المتحدة، تُقدر عقوبة الرعاية بنحو 5% إلى 6% للنساء والرجال على السواء، وترتفع في رعاية الأطفال إلى 41% بين العاملات في الرعاية و12% بين العاملين الذكور.
وظروف عمل العاملين في التنظيف والصرف الصحي، الذين يشكلون قرابة 5.4% من مجموع العاملين الأساسيين في المتوسط، مثال آخر على مهنة يُبخس قدرها قياساً بالمنافع الاجتماعية التي تولدها. فيُقدر أن كل دولار يُنفق على الصرف الصحي يحقق عائداً قدره تسعة دولارات من الوفورات في العلاج وتكاليف الرعاية الصحية ومكاسب الإنتاجية. ومع ذلك نادراً ما يُعترف بإسهام هؤلاء العاملين، وظروف عملهم سيئة، وكثيراً ما يُوصمون. فخلال جائحة كوفيد 19، تعرض كثير من جامعي النفايات لأعمال عنف ومضايقة متكررة من السلطات، بما يعكس وضعهم بوصفهم ضروريين لكن يمكن الاستغناء عنهم. وإلى جانب الوصم الذي يواجهه عمال التنظيف لأدائهم العمل القذر، فإنهم يشكلون أيضاً واحدة من أدنى المجموعات المهنية أجراً.
وعلى الرغم من ضمانهم توفير الغذاء في الأوقات العادية والأزمات على السواء، يواجه العاملون في النظم الغذائية بانتظام مستويات مرتفعة من فقر العاملين، ويتحملون مخاطر السلامة والصحة، ويعانون إجمالاً من ضعف شمولهم بالحماية العمالية والاجتماعية قانوناً وممارسة. وفي بلدان الشمال، يُعد العاملون المهاجرون مصدراً أساسياً لكنه مؤقت لليد العاملة، يعوض نقص اليد العاملة المحلية. غير أن قيمتهم الاجتماعية أبعد ما تكون عن الاعتراف من حيث الأجر وترتيباتهم التعاقدية، التي ليست قصيرة الأجل فحسب، بل تقيد أيضاً تنقلهم في سوق العمل وتمنحهم حقوقاً اقتصادية واجتماعية أقل.
ولإخفاق تعويض العاملين الأساسيين عن القيمة الأوسع التي يولدونها آثار سلبية لا على من يؤدون هذه الوظائف فحسب، بل على المجتمع ككل. فقد يختار العاملون الخروج من المهن الأساسية الحيوية لسير المجتمع بالنظر إلى المكانة الاجتماعية المتدنية وظروف العمل السيئة المرتبطة بكثير من هذه الوظائف. ففي عام 2021، ذكرت أغلبية العاملين الذين تركوا عملهم في الولايات المتحدة تدني الأجر بنسبة 63%، وغياب فرص الترقي بنسبة 63%، والشعور بعدم الاحترام في العمل بنسبة 57%، من بين أسبابهم الرئيسية، وكلها تتصل ببخس قيمة العمل. وتواجه مهن أساسية كالتمريض نقصاً في بلدان كثيرة، إذ قدرت منظمة الصحة العالمية عجزاً عالمياً قدره 6 ملايين ممرض عام 2020. وقد عجل الإرهاق والعنف والتحرش والأجور غير المدفوعة وتدني الأجور، وما ينجم عنها من احتراق نفسي وترك للعمل بين طواقم التمريض، بهذا العجز. وفي كثير من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذات السكان المسنين، يعاني قطاع الرعاية الطويلة الأجل من نقص حاد في اليد العاملة، يعكس سوء ظروف العمل.
ويُدرج سائقو الشاحنات الثقيلة وعمال التنظيف والمساعدون ومساعدو الرعاية الصحية ضمن المهن ذات أكبر نقص في اليد العاملة في أوروبا. وفي الهند، أفادت مدن دلهي ومومباي وبنغالور بنقص في سائقي الحافلات بسبب تدني الأجور وثقل أعباء العمل وظروف العمل الشديدة الإجهاد. وأُبلغ عن نقص مماثل في خدمات النقل الحضري في فرنسا ونيوزيلندا، مما أدى إلى تقليص خدمة الركاب وزيادة أوقات الانتظار وتقليص الخطوط. ونتيجة للنمو المذهل في التجارة الإلكترونية الذي سببته الجائحة، زاد نقص اليد العاملة أيضاً في قطاعي النقل والخدمات اللوجستية. فقد حدد قرابة 83% من المصنعين الأمريكيين استقطاب قوى عاملة جيدة والاحتفاظ بها أكبر تحدياتهم، وقدرت التوقعات أن نقص اليد العاملة ذات الخبرة والموهبة قد يكلف تريليون دولار بحلول عام 2030.
ويؤثر النقص المستمر في اليد العاملة والدوران المرتفع للموظفين الناجمان عن بخس قيمة العاملين في الأنشطة الاقتصادية الأساسية في تقديم الخدمات الأساسية، ويزداد هذا النقص سوءاً خلال الأزمات. كما كشفت جائحة كوفيد 19 كيف فاقم غياب الاستثمار في البنية التحتية المادية والاجتماعية الآثار السلبية للجائحة، فأفضى إلى وفيات كان يمكن تجنبها، كأن لا تتوافر أجهزة تنفس أو موظفون كافون في المستشفيات. وعلى نحو مماثل، لوحظت ضائقة مالية أكبر في القطاعات والمنظمات التي لا تملك موارد أو تملك موارد قليلة لإيقاف المستخدمين مؤقتاً عن العمل أو تزويدهم بالحماية الاجتماعية من خسائر الدخل. وجعلت الجائحة الصلة بين البنية التحتية المادية والاجتماعية والعمل اللائق أوضح، وأكدت الحاجة إلى استثمارات قطاعية لدعم ظروف عمل ومعيشة أفضل.
كما أوضحت الجائحة أن الأسواق لا تستوعب على نحو كامل القيمة الاجتماعية والاقتصادية للقدرة على الصمود، على غرار إخفاقات السوق في استيعاب العوامل الخارجية البيئية. فإن أرادت البلدان تعزيز قدرتها على تحمل الصدمات الكبرى، فعليها أن تستعد لذلك عبر الاستثمارات والتدخلات في السياسات في القطاعات الأساسية، وعبر مؤسسات عمل أقوى تدعم العاملين الأساسيين.
نحو قدرة اقتصادية واجتماعية أقوى على الصمود
تضعف أوجه القصور في العمل اللائق لدى العاملين الأساسيين قدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود أمام صدمات من أنواع مختلفة. ومن أكثر المجالات المثيرة للقلق شيوعاً التي أبرزت الجائحة الأخيرة أهميتها ما يلي:
ارتفاع مخاطر السلامة والصحة المهنيتين: كانت المخاطر المادية والبيولوجية، والمخاطر النفسية الاجتماعية، أكثر شيوعاً بين العاملين الأساسيين حتى قبل الجائحة. ففي الأمن والصحة، تبين البيانات من أوروبا والولايات المتحدة أن العاملين الأساسيين تعرضوا للإساءة اللفظية بمعدل أعلى بكثير من غيرهم، أي واحد من كل خمسة قبل الجائحة. وخلال الجائحة، ارتفعت حالات الإساءة اللفظية والتهديد ارتفاعاً حاداً لدى جميع العاملين الأساسيين، وبدرجة تفوق ما شهده غيرهم، مع زيادات حادة بوجه خاص لدى العاملين في التجزئة، إذ ارتفعت في الولايات المتحدة من 2% عام 2015 إلى 12% عام 2021. وواجه العاملون الأساسيون مخاطر صحية إضافية خلال جائحة كوفيد 19 بسبب حضورهم الفعلي في أماكن العمل وتعاملهم مع العملاء. وتشير بيانات الوفيات الزائدة المتاحة بحسب المهنة إلى أن العاملين الأساسيين في النقل والأمن والتنظيف سجلوا أعلى معدلات الوفيات، فوق المعدل المرتفع أصلاً للمهنيين الطبيين، وهو ما يعكس على الأرجح تراخي ضوابط السلامة والصحة ومحدودية الحصول على الرعاية الصحية والإجازة المرضية المدفوعة في هذه المهن.
الإفراط في الاعتماد على العقود المؤقتة: يعمل قرابة واحد من كل ثلاثة مستخدمين أساسيين بعقد مؤقت، وإن كانت هناك فوارق كبيرة بين البلدان والقطاعات. ففي النظم الغذائية، يرتفع معدل العمل المؤقت بين المستخدمين الأساسيين ليبلغ 46%. لكن العمل المؤقت منتشر أيضاً في التجزئة والتنظيف والصرف الصحي والعمل اليدوي، حيث يحمل واحد من كل ثلاثة مستخدمين عقداً مؤقتاً. وكثيراً ما يُسند التنظيف والأمن إلى جهات خارجية، وتُشغل مهن أساسية أخرى بانتظام بعاملين عبر الوكالات، ولا سيما في المستودعات، وبصورة متزايدة في الرعاية الصحية.
ساعات العمل الطويلة وغير المنتظمة: يعمل أكثر من 46% من المستخدمين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل ساعات طويلة، بينما يعمل جزء كبير من العاملين الأساسيين حول العالم وفق جداول غير منتظمة أو ساعات قصيرة. وتشيع ساعات العمل الطويلة أكثر في النقل، حيث يعمل قرابة 42% من العاملين الأساسيين في أنحاء العالم أكثر من 48 ساعة أسبوعياً.
انخفاض الأجور: في المتوسط، يُعد 29% من المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر بصرف النظر عن مستوى تنمية بلدانهم، ويكسبون أقل بنسبة 26% من غيرهم، لا يُفسر منها بالتعليم والخبرة سوى 17 نقطة مئوية. وفي النظم الغذائية، تبلغ حصة المستخدمين الأساسيين منخفضي الأجر 47%، ولدى العاملين الأساسيين في التجزئة 37%. وتشغّل هذه القطاعات، ولا سيما في البلدان المرتفعة الدخل، حصة كبيرة من المهاجرين، مما يشير إلى ارتفاع معدل الأجر المنخفض بين العاملين الأساسيين المهاجرين.
ضعف التمثيل، ولا سيما في بعض القطاعات الأساسية: مع أن الانتساب النقابي وتغطية المفاوضة الجماعية محدودان لدى كثير من العاملين، فإن معدلات الانتساب في عدد من القطاعات الأساسية، ومنها النظم الغذائية بنسبة 9% والتنظيف والصرف الصحي بنسبة 13% والتجزئة بنسبة 6%، أدنى بكثير من المتوسط في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء. وهذا مؤسف، لأن التمثيل أتاح للعاملين وسيلة لمعالجة شواغلهم خلال جائحة كوفيد 19، وكانت المفاوضة الجماعية أداة فعالة ومرنة استخدمها الشركاء الاجتماعيون لتصميم تنظيم مكان العمل استجابة للاحتياجات المتغيرة.
قصور الحماية الاجتماعية: يفتقر قرابة 60% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى شكل من أشكال الحماية الاجتماعية. وفي البلدان المنخفضة الدخل، تكاد الحماية الاجتماعية تنعدم، إذ لا تشمل سوى 17% من العاملين الأساسيين. والصورة أكثر قتامة بالنسبة إلى العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في البلدان النامية، إذ يكادون يُستبعدون كلياً من الحماية الاجتماعية في معظم البلدان.
عدم كفاية التدريب: تلقى أقل من 3% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الأدنى الدخل تدريباً خلال العام السابق، وتنخفض هذه الحصة إلى 1.3% بين العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص.
وكما شرح الفصل الخامس، فإن اللوائح والسياسات اللازمة لتقوية مؤسسات العمل مهمة لجميع العاملين ولعالم العمل عموماً. فعلى سبيل المثال، يستفيد العاملون والمنشآت والمجتمع جميعاً حين تُحد الساعات المفرطة على مدى فترات طويلة، لكن لما كان العاملون الأساسيون في قطاعات كالنقل والأمن معرضين بوجه خاص للساعات المفرطة، فإن هذا التدخل في السياسات يفيد العاملين الأساسيين بوجه خاص. ونظراً إلى التمثيل المفرط للعاملين الأساسيين في الاستخدام غير المستقر والعمل المنخفض الأجر الذي يوفر حماية اجتماعية غير كافية، فإن التدخلات العامة في السياسات في هذه المجالات ستحسن ظروف عمل العاملين الأساسيين وتفيد العاملين الآخرين أيضاً.
لكن هذا لا يعني أنه لا حاجة إلى سياسات محددة. بل على العكس، فكثير من أوجه القصور الرئيسية في ظروف العمل خاصة بقطاعات ومهن معينة، مما يجعل الحوار الاجتماعي، ولا سيما المفاوضة الجماعية، مثالياً لمعالجتها. فالمفاوضة الجماعية تمكّن أصحاب العمل والعاملين والأطراف الممثلة لهم من تفصيل القواعد على مقاس التحديات الفريدة للقطاع أو المهنة أو المنشأة، وتكييف القواعد حين تتغير الظروف، كما حدث خلال جائحة كوفيد 19. وتبين تجارب المفاوضة الجماعية خلال الجائحة، التي ذُكرت في الفصل الثالث وفُصلت في تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2022 بشأن الحوار الاجتماعي، فاعلية هذه الأداة في تلبية الاحتياجات الفورية لأصحاب العمل والعاملين خلال أزمة كوفيد 19.
كما تلزم سياسات محددة للعاملين المهاجرين، بالنظر إلى أن كثيراً من تحدياتهم تنشأ عن التبعات القانونية لوضع الهجرة. فقد أظهرت جائحة كوفيد 19 الدور الأساسي للعاملين المهاجرين في استدامة القطاعات الأساسية من الاقتصاد، ولا سيما الأمن الغذائي. ومن ثم ثمة حاجة إلى قوانين وسياسات قادرة على مواءمة سياسات القبول مع تشريعات العمل لضمان استفادة العاملين المهاجرين من تغطية الحماية العمالية والاجتماعية.
وفي حالات أخرى، تنبع أوجه القصور في ظروف العمل من بيئة تشغيل مقيدة تشجع أصحاب العمل، عامين كانوا أم خاصين، على خفض التكاليف على حساب ظروف العمل. ومن ثم يلزم النظر في سياسات أوسع تعالج بعض الأسباب الجذرية التي تؤثر في نهاية المطاف في ظروف العمل، كمعالجة نقص الموظفين في التمريض، الذي قد يفضي إلى ساعات مفرطة وزيادة كثافة العمل لمن يبقون في العمل، والناجم عن تخفيضات الميزانيات الحكومية. ولهذا السبب لا يستطيع صانعو السياسات فصل سياسات العمل فصلاً كاملاً عن السياسات الأوسع على المستويين الكلي والقطاعي.
وفي بلدان كثيرة، ثمة قصور كبير في الاستثمار في النظم الصحية والنظم الغذائية، بصرف النظر عن مستوى دخلها. فإن كانت المجتمعات تقدّر قدرة اقتصاداتها على توفير السلع والخدمات الضرورية للسير اليومي للحياة، فإن الشرط الأول الضروري ضمان امتلاك المنظمات، عامة كانت أم خاصة، الموارد المادية والمالية والبشرية اللازمة لأداء ذلك. وتتعلق سياسات تعزيز القدرة على الصمود بمؤسسات العمل وبالاستثمارات والسياسات الداعمة للمنظمات العامة أو الخاصة التي تقدم الخدمات أو السلع الأساسية على حد سواء.
وخلاصة القول، إن العجز في القدرة على الصمود السائد في القطاعات والأنشطة الأساسية يستدعي عملية مقصودة من التقييم والتخطيط المشتركين عبر الحوار الاجتماعي. وستستفيد الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال من الالتقاء في كل بلد لوضع خريطة طريق قابلة للتنفيذ لتحديد أوجه القصور المحددة في مؤسسات عملها وفي القدرة الإنتاجية للقطاعات الأساسية وقدرتها على الصمود ومعالجتها. ومن شأن التحسن الناتج في قدرة اقتصادها على الحفاظ على التوفير الكافي للخدمات والسلع الأساسية أن يعوض كلفته وزيادة حين تحل الأزمة التالية. وهذا من أهم دروس السياسات المستخلصة من جائحة كوفيد 19.
قائمة مرجعية للسياسات لبناء القدرة على الصمود
تتضمن عملية التقييم الثلاثي للقدرة على الصمود والتخطيط الاستباقي للسياسات أبرز الجوانب التالية:
تقوية مؤسسات العمل، وذلك بضمان بيئة عمل آمنة وصحية لجميع العاملين على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات السلامة والصحة المهنيتين الأساسية، مع معالجة المخاطر الخاصة بالعمل الأساسي؛ وتعزيز الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية لتعزيز الحوار الاجتماعي ومعالجة أوجه القصور في ظروف عمل العاملين الأساسيين؛ وسد الثغرات القانونية في الحماية العمالية، وإنهاء سوء تصنيف الاستخدام، ووضع سياسات مصممة خصيصاً لضمان حماية العاملين لحسابهم الخاص حقاً؛ وضمان المساواة في المعاملة في الترتيبات التعاقدية ووضع ضمانات أخرى تمنع إساءة استخدام العمل بدوام جزئي أو المؤقت أو عبر الوكالات أو المتعاقد عليه من الباطن؛ والحد من ساعات العمل المفرطة والجدولة غير القابلة للتنبؤ؛ والاستفادة من مزايا الحد الأدنى للأجور والمفاوضة الجماعية لضمان المكافأة الواجبة للإسهام الاجتماعي للعاملين الأساسيين؛ وتصحيح بخس قيمة المهارات الناعمة في المهن المؤنثة عبر تنظيم وسياسات موجهة؛ وضمان الحماية الاجتماعية للجميع مع اهتمام خاص بالإجازة المرضية المدفوعة؛ وتحسين الحصول على التدريب لبناء الكفاءات وتيسير الترقي المهني؛ وتحسين الامتثال لسد الفجوة بين القانون والممارسة.
ودعم القطاعات والمنشآت الأساسية عبر الاستثمار في البنية التحتية المادية والاجتماعية، وذلك بضمان تمويل نظم صحية جيدة وميسورة الكلفة والحصول على الرعاية الصحية، بما فيها الرعاية الطويلة الأجل، بما يكفي للاستجابة للأزمات والصدمات وضمان الرفاه العام للمجتمع؛ ودعم المزارعين ببنية تحتية مادية تحسن وصولهم إلى الأسواق وإنتاجيتهم؛ وتطوير آليات تأمين لدعم المزارعين في مواجهة تقلب أسعار السلع الناجم عن المخاطر الطبيعية ومخاطر تغير المناخ؛ وتطوير آليات تمويل مبتكرة وإعادة هيكلة الديون السيادية لدعم استثمارات البلدان المنخفضة الدخل في الصحة والزراعة؛ وضمان كفاية البنية التحتية المادية التي تعتمد عليها المنشآت والمنظمات في عملها وازدهارها وقدرتها على الصمود؛ وتحسين الحصول على الائتمان مع اهتمام خاص باحتياجات المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة، ولا سيما في القطاعات المنتجة للسلع والخدمات الأساسية؛ ودعم الانتقال إلى الطابع المنظم عبر نهج متكامل متعدد أصحاب المصلحة؛ وإجراء تقييمات للقدرة الصناعية ووضع خطط لاستمرارية الأعمال في القطاعات الأساسية استعداداً لارتفاعات محتملة في الطلب أو قيود على العرض خلال الصدمات والأزمات.
الملحق
أولاً: منهجية استخلاص قائمة عالمية بالخدمات والعاملين الأساسيين
في بداية جائحة كوفيد 19، أصدر 126 بلداً مراسيم حكومية أو إعلانات تحدد الأنشطة أو الخدمات الضرورية. ومن بين هذه البلدان، أصدر 89 بلداً، أي 71% من العينة، قوائم تحدد الأنشطة الأساسية التي يجب أن تواصل العمل، وحدد 31 بلداً، أي 25%، الخدمات الأساسية، بينما أصدرت البلدان الستة الباقية، أي 4%، قوائم تحدد الأنشطة غير المسموح بها.
ولأغراض هذا التقرير، رُمّزت قوائم الأنشطة والخدمات الأساسية وفق قطاعات المستوى الثنائي الأرقام من التصنيف الصناعي الدولي الموحد لجميع الأنشطة الاقتصادية في تنقيحه الرابع. ثم ضُيقت القائمة المجمعة للقطاعات على المستوى الثنائي إلى القطاعات التي عدّها 90 بلداً أو أكثر ضرورية، أي ما يعادل 72% من العينة. ولاختبار صلاحية هذه العتبة، نُظر أيضاً في حدي 80 بلداً أو أكثر و100 بلد أو أكثر. فلم تسفر العتبة المنخفضة البالغة 80 إلا عن إدراج إضافي لأنشطة المنظمات والهيئات الخارجة عن الولاية الإقليمية، التي تمثل حصة ضئيلة من العمالة في غالبية البلدان. أما العتبة الأعلى البالغة 100، فأفضت إلى استبعاد قطاعات معينة في التعدين والصناعة التحويلية تشكل أجزاء حاسمة من سلاسل الإمداد وواصلت العمل خلال الجائحة. وكان سبب عدم إدراج هذه القطاعات غياب هذه الأنشطة في بعض البلدان لا الحكم بأن النشاط غير ضروري. وباستخدام عتبة التسعين بلداً، عُدّ 47 قطاعاً على المستوى الثنائي الأرقام قطاعات أساسية، مجمعة في ثلاثة عشر فئة واسعة.
وباستخدام هذه القطاعات، كانت الخطوة التالية تحديد المهن في كل منها بناء على التصنيف الدولي الموحد للمهن لعام 2008 على المستوى الثنائي الأرقام أيضاً. وأسفر ذلك عن أربعين فئة مهنية، أُزيلت منها المهن التي أمكن أداؤها عن بعد من المنزل خلال الجائحة. فمع أن هذه المهن حاسمة لسير الاقتصادات والمجتمعات، فإن القدرة على العمل من المنزل عنت أن هؤلاء العاملين لم يتعرضوا للخطر نفسه الذي تعرض له من تطلبت وظائفهم الحضور الفعلي. وكما ذُكر في المقدمة، يركز التقرير على العاملين الأساسيين المعرضين لخطر فيروس كوفيد 19 بسبب مهنهم.
وحُددت المهن القابلة للأداء عن بعد باستخدام تقديرات عالمية من منظمة العمل الدولية ومن دراسة أكاديمية أمريكية تطبق أوصاف المهن من قاعدة البيانات الأمريكية للمعلومات المهنية. ولما كانت الأخيرة قائمة على بيانات أمريكية، فقد عُدّت حداً أعلى لإمكانية العمل من المنزل؛ ومن ثم افتُرض أن أي مهنة غير قابلة للأداء عن بعد وفق المعايير الأمريكية غير قابلة لذلك أيضاً في البلدان ذات المستويات الأدنى من التنمية الاقتصادية. أما تقديرات منظمة العمل الدولية، القائمة على تقييم خبراء باستخدام مسح دلفي، فقد أسندت احتمالات إلى المهن على المستوى الثلاثي الأرقام لطائفة من البلدان المختلفة في أنحاء العالم ثم جمعت النتائج بحسب فئات دخل البلدان. واستُبعدت من قائمة المهن تلك التي أسندت إليها التقديرتان درجات عالية من قابلية الأداء عن بعد. وبعد إزالة المهن القابلة للأداء عن بعد، بقيت 25 فئة مهنية على المستوى الثنائي الأرقام.
ولأغراض هذا التقرير، يُعرّف العاملون الأساسيون بأنهم العاملون في المهن الخمس والعشرين غير القابلة للأداء عن بعد العاملون في القطاعات الاقتصادية الأساسية السبعة والأربعين، أي في التقاطع بين المهن الأساسية والقطاعات الأساسية. ويحدد التحليل الإحصائي في هذا التقرير العاملين في هذا التقاطع. وفي معظم المهن والقطاعات، ثمة تداخل كبير بين الفئتين؛ فبناء على متوسط البلدان والأقاليم التسعين التي تتوافر عنها بيانات على المستوى الثنائي الأرقام للمهن والقطاعات، لم يعمل في قطاعات غير أساسية سوى 11% من العاملين في النظم الغذائية، ومن أمثلة هذا الاستثناء مساعدو إعداد الطعام المستخدمون في صناعة الضيافة التي لم تُصنف ضرورية. ويتداخل العاملون في النظم الغذائية والصحة والتجزئة والأمن والنقل جميعاً تداخلاً قوياً مع القطاعات الأساسية بنسبة تزيد على 80%. أما في الفئات الأخرى، أي العمل اليدوي والتنظيف والصرف الصحي والفنيين وعاملي الدعم الآخرين، فالتداخل أضعف، إذ يتراوح بين 32% و48%، مما يعكس الوجود الكبير لهذه الفئات المهنية في مختلف القطاعات الاقتصادية.
ولما كانت قائمة العاملين الأساسيين واسعة النطاق، فإن التحليل في التقرير يُصنف أحياناً للتركيز على المجموعات المهنية الثماني، مما يتيح نقاشاً أكثر تركيزاً لتجربة فئة أكثر تحديداً من العاملين وشواغلها.
وفي القسم 4.8، اقتصر التحليل على الفنيين والعاملين الكتابيين، واستبعد العاملين في الخدمات الشخصية، لأن هذه الفئة تشمل طيفاً واسعاً من المهن الأساسية التي تنتمي إلى مجموعات مهنية أخرى، كالعاملين في النظم الغذائية ومحصلي التذاكر في النقل ومشرفي التنظيف. ولما كانت البيانات مقصورة على المستوى الثنائي الأرقام ولا يمكن إعادة توزيعها، كان من الأدق إزالة العاملين في الخدمات الشخصية من تحليل المجموعات المهنية، لكن هذه الفئة مدرجة في الأرقام الإجمالية عن العاملين الأساسيين المستخدمة في التقرير. وإجمالاً، لا يشكل العاملون في الخدمات الشخصية سوى 1.8% من العاملين الأساسيين، ومن ثم لا يؤثر استبعادهم في توزيع العاملين الأساسيين بحسب المجموعة المهنية.
تحديد العاملين الأساسيين في الهند
يختلف التصنيف الوطني للمهن لعام 2004 المستخدم في مسح القوى العاملة الدوري في الهند اختلافاً طفيفاً عن التصنيف الدولي الموحد للمهن لعام 2008. ولذلك أُعد جدول توافق بين التصنيفين لتحديد المهن غير القابلة للأداء عن بعد في بيانات المسح الهندي. ففي جدول التوافق هذا مثلاً، توجد الوظائف المصنفة ضمن مشغلي المصانع والآلات الثابتة في التصنيف الهندي تحت فئتي مشغلي المصانع الثابتة وما يرتبط بها، ومشغلي الآلات والمجمعين.
تحديد العاملين الأساسيين في الصين
بالنسبة إلى الصين، المسح المستخدم لدراسة فئة العاملين الأساسيين هو مسح الأسر الصينية المتتبعة لعام 2018. وكما في معظم مسوح الأسر المعيشية في الصين، لا يتضمن هذا المسح متغيراً تفصيلياً للصناعة قائماً على التصنيف الصناعي الدولي، بل يقدم متغيراً مجمعاً يصنف العاملين وفق التصنيف الوطني الصيني للصناعات الاقتصادية الذي يقسم الصناعات إلى عشرين فئة. ولما كانت القائمة التفصيلية للصناعات والخدمات الأساسية المستخدمة في تعريف العاملين الأساسيين غير متاحة في البيانات الصينية، كُيف التحليل بالنظر ببساطة في جميع الصناعات والخدمات باستثناء البناء، والإقامة وخدمات الطعام، والعقارات، والتعليم، والثقافة والرياضة والترفيه، والمنظمات الدولية.
وبهذه المنهجية، قد يكون بعض العاملين المشمولين بالمسح قد صُنفوا عاملين أساسيين ما كان ليصنفوا كذلك لو استُخدم التعريف الدقيق؛ فالعاملون في صناعة التبغ مثلاً ينتمون إلى الصناعة التحويلية في التصنيف الصيني، ومن ثم قد يُعدّون أساسيين لعملهم أيضاً في مهنة غير قابلة للأداء عن بعد. ولقياس المبالغة في تقدير العاملين الأساسيين في الصين التي قد تستتبعها هذه المنهجية، احتُسب متوسط حصة العاملين الإضافيين المدرجين في التكييف الصيني لتعريف العاملين الأساسيين عبر عينة من 27 اقتصاداً ذا دخل متوسط أعلى. ففي المتوسط، كان 9% من العاملين سيضافون إلى فئة العاملين الأساسيين في هذه البلدان لو طُبق التكييف الصيني. ولما كانت فئة العاملين الأساسيين في الصين مقدرة بنسبة 44%، فمن المرجح أن نحو 20% منهم صُنفوا أساسيين على نحو خاطئ. ومع أن تقديرات الصين لا تستند بدقة إلى فئة العاملين الأساسيين كما عُرّفت للبلدان الأخرى، فقد أُدرجت في النتائج، إذ تبدو متسقة إجمالاً مع النتائج المتعلقة بالبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى في مختلف الأبعاد المدروسة.
ثانياً: البيانات المستخدمة لتحليل تجربة العاملين الأساسيين والمنشآت خلال جائحة كوفيد 19
تحليل الوفيات بحسب المهنة
يستخدم تحليل الوفيات بحسب المهنة في القسم 2.1 الإحصاءات الحيوية المنشورة من بلدان تتضمن معلومات عن المهنة، وهي البرازيل وكولومبيا وكوستاريكا والمكسيك والولايات المتحدة. وتُجمع الإحصاءات الحيوية باستخدام شهادات الوفاة الصادرة عن المستشفيات أو الأطباء الشرعيين، وهي ليست عينات ومن ثم ليست لها أوزان عينية. ولاحتساب معدلات الوفيات المهنية، يجب قسمة عدد الوفيات في كل مهنة على عدد العاملين فيها، ويؤخذ عدد العاملين بحسب المهنة من مسوح القوى العاملة للبلدان المعنية. وحيث تعذر ذلك، استُخدمت التغيرات في عدد الوفيات بحسب المهنة.
المقابلات النوعية
اتبعت المقابلات المحللة في الفصل الثاني استبياناً عاماً مفتوح النهاية للعاملين، غطى ظروف عملهم قبل الجائحة وتجربتهم في العمل خلالها وآمالهم وتطلعاتهم للمستقبل، إضافة إلى جمع معلومات اجتماعية وديمغرافية أساسية ومعلومات عن مهنتهم ووضعهم التعاقدي ومكان عملهم. وفي المقابلات مع أصحاب الأعمال الصغيرة، بمن فيهم العاملون غير المنظمين لحسابهم الخاص، سأل الاستبيان المفتوح عن صعوبات العمل خلال الجائحة، وكيف تأثروا أو لم يتأثروا بعمليات الإغلاق، والأثر على المبيعات، وعوائق سلاسل الإمداد، وتحديات تأمين سلامة مكان عملهم وصحته بما في ذلك توفير معدات الحماية الشخصية.
وبالنظر إلى الطيف الواسع من البلدان والصناعات والمهن المشمولة، كيّف المحاورون الاستبيان مع السياق القطري والقطاعي المحدد. واختير المحاورون باستخدام العينة الهادفة، وشاركوا في مقابلات فردية أو مجموعات نقاش مركزة، مع معيار صريح هو أن يكونوا يعملون في المنصب نفسه قبل الجائحة. ويمثل الأفراد الذين أُجريت معهم المقابلات شريحة من الصناعات وترتيبات العمل، بما فيها العمل غير المنظم، في قطاعات النظم الغذائية والصحة والتجزئة والأمن والعمل اليدوي والتنظيف والصرف الصحي والنقل والعمل الفني والكتابي، إضافة إلى أصحاب أعمال صغيرة في القطاعات الأساسية. وحلل المقابلات معدو الأوراق الخلفية، وكذلك معدو هذا التقرير الذين رمّزوا عينة فرعية منها باستخدام برمجيات تحليل البيانات النوعية. وغُيرت أسماء المحاورين لحماية هويتهم.
تحليل المنشآت الأساسية
يستخدم تحليل المنشآت الأساسية خلال جائحة كوفيد 19 مسوح المنشآت التي يجريها البنك الدولي ومسوح المتابعة الخاصة بكوفيد 19. ومسوح المنشآت مجموعة بيانات ممثلة وطنياً للشركات المسجلة في القطاع الخاص التي تضم خمسة مستخدمين أو أكثر. وتتألف عينة مسوح المتابعة من منشآت شملها مسح أساسي بين عامي 2016 و2020 وأُعيدت مقابلتها. ويستخدم القسم 2.3 الجولة الأولى من بيانات المتابعة، التي تتمتع بأكبر تغطية وقابلية للمقارنة بين البلدان. وجُمعت قوائم تتراوح بين الوثائق الرسمية والصحف تتضمن تعريف القطاعات الأساسية، وتُرجمت إلى ترميز القطاعات في المسح إما عبر جداول التوافق أو بمطابقة أوصاف القطاعات مع تعريفات التصنيف الصناعي الدولي في تنقيحه الثالث المعدل. وكتب أصحاب الأعمال أو مديروها المستجيبون جملة أو عدة كلمات مفتاحية لوصف العملية الرئيسية للشركة. وبناء على قائمة القطاعات الأساسية، أُنشئ متغير يشير إلى ما إذا كانت الشركة تعمل في قطاع أساسي في البلد المعني، أو تنتج سلعة أو تقدم خدمة عُرّفت بأنها أساسية، باستثناء لبنان حيث تتضمن بيانات المسح متغيراً يشير إلى ما إذا كانت المنشأة أساسية أم لا. وتتألف العينة النهائية من 27 بلداً.
وتستبعد مسوح المنشآت الشركات في القطاع الزراعي والتعدين وعدة قطاعات خدمية كالصحة والعمل الاجتماعي والعقارات والبحث والتطوير. والقطاعات المشمولة هي الصناعة التحويلية، والبناء، وتجارة الجملة والتجزئة، والفنادق والمطاعم، والنقل والتخزين والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات. ولما كان القطاع الزراعي مستبعداً، فإن البيانات بطبيعة الحال لا تمثل جميع القطاعات الأساسية داخل البلدان.
ثالثاً: البيانات الجزئية لتحليل الخصائص الاجتماعية والديمغرافية وظروف عمل العاملين الأساسيين
لتحليل الخصائص الاجتماعية والديمغرافية وظروف العمل، استُخدمت بيانات تمثيلية ومنسقة من مسوح القوى العاملة والأسر المعيشية في 90 بلداً، حُصل عليها من مستودع البيانات الجزئية والبيانات الجزئية المنسقة لمنظمة العمل الدولية. وتشكل هذه أساس مستودع إحصاءات المنظمة الذي يوفر معلومات شاملة، بما فيها المؤشرات، عن موضوعات سوق العمل. فإدارة الإحصاءات في المنظمة تحدد المصادر الوطنية الأولية لإحصاءات العمل وتحصل عليها وتعالجها، إضافة إلى التحقق من جودة البيانات، كما تنشئ المتغيرات والمؤشرات على نحو منسق، مما ينطوي على مطابقة البيانات الجزئية الوطنية مع التصنيفات الدولية الموحدة للمهن والصناعات على المستوى الثنائي الأرقام. ومن ثم يُعد هذا المستودع مصدراً رئيسياً لهذا التقرير. وبالنسبة إلى بضعة بلدان، استُكملت بيانات مسوح القوى العاملة والأسر المعيشية بمصادر بيانات جزئية جرى الوصول إليها عبر خبراء استشاريين وطنيين، وهذه البلدان هي أستراليا والصين والهند والاتحاد الروسي وأوكرانيا.
واستُخدمت جميع البلدان التسعين في الفصل الأول لتصنيف الفئات المهنية الأساسية وتحليل الخصائص الاجتماعية والديمغرافية للعاملين الأساسيين. أما في الفصلين الثالث والرابع، فيستند تحليل ظروف عمل المستخدمين الأساسيين إلى عينات فرعية من المسوح المتاحة. فبالنسبة إلى كل متغير، تُستبعد من التحليل الوصفي البلدان التي تفتقر إلى سؤال المسح المعني أو التي ترتفع فيها حصة القيم المفقودة.
كما استُخدمت مصادر أخرى للبيانات الجزئية للتحليل الوصفي للمخاطر الجسدية والنفسية الاجتماعية في الفصل الثالث، وهي المسح الأوروبي السادس لظروف العمل لعام 2015، والمسح الهاتفي الأوروبي لظروف العمل لعام 2021، ولوحة الحياة الأمريكية بما فيها المسح الأمريكي لظروف العمل لعام 2015 والمسح الشامل لعام 2021.
وفي جميع المسوح، يقتصر التحليل على العاملين المشتغلين. وتنتظم معظم مسوح القوى العاملة وفق التصنيف الدولي للوضع في الاستخدام لعام 1993، الذي يحدد ستة أوضاع في الاستخدام: المستخدمون، وأصحاب العمل، والعاملون لحسابهم الخاص، وأعضاء التعاونيات الإنتاجية، والعاملون الأسريون المساهمون، والعاملون غير القابلين للتصنيف بحسب الوضع. ويتبع التقرير التصنيف الذي وضعته المنظمة بحيث يُجمع الوضع في الاستخدام في فئتين: العاملون بأجر وراتب، المعروفون أيضاً بالمستخدمين، والعاملون لحسابهم الخاص، بما يشمل الفئات الفرعية للعاملين لحسابهم الخاص ذوي المستخدمين أي أصحاب العمل، والعاملين لحسابهم الخاص دون مستخدمين، وأعضاء التعاونيات الإنتاجية، والعاملين الأسريين المساهمين. ومع أن العاملين الأسريين المساهمين لا يتقاضون أجراً في الغالب، فإنهم يُعدّون مشتغلين بالنظر إلى إسهامهم في دخل الأسرة. كما يُدرج العاملون في زراعة الكفاف، الذين يُصنفون عادة في مسوح القوى العاملة عاملين لحسابهم الخاص أو عاملين أسريين مساهمين. أما الأشكال الأخرى من العمل غير المأجور، كعمل الرعاية في المنزل، فتقع خارج هذه الحدود الإحصائية، ومن ثم لا تُراعى في التحليل.
وفي جميع التقديرات عبر البلدان، يُعطى كل بلد وزناً متساوياً. ويبرز هذا الاختيار أهمية المؤسسات والسياسات الخاصة بكل بلد. أما البديل، أي ترجيح كل بلد بعدد العاملين فيه، فسيعطي ثقلاً أكبر للبلدان ذات الأعداد الأكبر من العاملين، مما سيجعل النتائج مدفوعة بالبلدان الأكثر سكاناً ويطمس التفاوت بين البلدان.
رابعاً: تحليل الفرق في الأجر بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم
لتقدير فجوة الأجور الملاحظة بين المستخدمين الأساسيين بأجر وغيرهم، طُبقت تقنية بلايندر أواكساكا الاقتصادية القياسية في كل بلد. فأولاً، قُدرت معادلات الأجور منفصلة للمستخدمين الأساسيين وغيرهم، يُفسر فيها لوغاريتم الأجر بالساعة لكل فئة بمتجه من المتغيرات يشمل حداً ثابتاً ومتغيرات وهمية تصف الخصائص الملاحظة للمستخدمين، وهي العمر والمستوى التعليمي وعدد ساعات العمل أسبوعياً، أي أقل من 20 ساعة أو بين 20 و40 أو أكثر من 40، وقطاع العمل العام أو الخاص. ثم استُخدمت المعاملات المقدرة لهذه المعادلات لتفكيك متوسط فجوة الأجور إلى جزء يفسره الفرق في الخصائص الملاحظة المأخوذة في الحسبان في المعادلات، وجزء غير مفسر.
ويُحتسب متوسط فجوة الأجور في هذا الإطار بوصفه مجموع مكونين: المكون المفسر، وهو الفرق في الأجور بالساعة بين المستخدمين الأساسيين وغيرهم العائد إلى الفوارق في تركيبة القوى العاملة من حيث العمر والمستوى التعليمي ووقت العمل وقطاع النشاط، أي إلى الفوارق في رأس المال البشري؛ والمكون غير المفسر، الذي يعود إلى عوامل غير مأخوذة في الحسبان في التفكيك، كبخس قيمة العمل الذي يؤديه العاملون الأساسيون.
