القائمة الرئيسية

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/4)

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/4)
ملخص الدراسة

يستعرض الفصل الرابع التحديات الخاصة التي تواجه المجموعات المهنية الأساسية الثماني، موضحاً أن ظروف العمل تختلف باختلاف طبيعة المهنة، لكنها تتشارك في مظاهر واسعة من انخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية والأمان الوظيفي وطول ساعات العمل ومحدودية التدريب والتمثيل الجماعي. ويبرز العاملون في النظم الغذائية بوصفهم الأكثر تعرضاً لفقر العاملين وضعف الحماية، إذ يعمل أكثر من 68% منهم لحسابهم الخاص وترتفع النسبة إلى 95% في البلدان منخفضة الدخل، كما أن 47% من المستخدمين الأساسيين في هذا القطاع منخفضو الأجر. ويواجه العاملون الصحيون مخاطر جسدية ونفسية مرتفعة، وساعات طويلة وغير منتظمة، والعنف والتحرش، بينما تتسم مهن الرعاية بتأنيث شديد وأجور منخفضة وفجوات بين الجنسين، رغم أن تنظيم العاملين نقابياً يرتبط بتحسن ظروفهم وانخفاض الوفيات في دور الرعاية. أما العاملون في التجزئة، ولا سيما في البلدان النامية، فيعتمدون بدرجة كبيرة على العمل لحسابهم الخاص، ويعاني 78% منهم تقريباً من غياب الحماية الاجتماعية عالمياً، كما يعمل نحو ثلثهم أكثر من 48 ساعة أسبوعياً. ويواجه العاملون في الأمن مخاطر مرتفعة من العنف والضغط النفسي، ويعمل 34.5% منهم أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، وترتفع النسبة إلى 57.4% في البلدان منخفضة الدخل. كما يواجه العمال اليدويون أشكالاً من الاستخدام المؤقت ونقصاً في التدريب، خاصة في البلدان منخفضة الدخل، بينما يتسم قطاع التنظيف والصرف الصحي بانتشار العقود المؤقتة والتعاقد من الباطن وانخفاض الأجور وارتفاع المخاطر المهنية. ويؤكد الفصل أن هذه المشكلات لا تنفصل عن بعضها، وأن تحسين قدرة العاملين الأساسيين والمجتمعات على الصمود يتطلب معالجة ظروف العمل الخاصة بكل مهنة، مع تعزيز الحماية العمالية والاجتماعية، والأجور اللائقة، والسلامة والصحة، والتدريب، والاستقرار الوظيفي والتمثيل الجماعي.

الفصل الرابع: التحديات الخاصة التي تواجهها المجموعات المهنية الأساسية الثماني

النتائج الرئيسية

يواجه العاملون في النظم الغذائية بانتظام مستويات مرتفعة من فقر العاملين، ويتحملون مخاطر السلامة والصحة المهنيتين، ويعانون من ضعف شمولهم بالحماية العمالية والاجتماعية قانوناً وممارسة.

يتسم عمل الرعاية بالفصل بين الجنسين وتدني الأجور وفجوات الأجور.

يعمل معظم العاملين الأساسيين في التجزئة في البلدان النامية لحسابهم الخاص، وكثيراً ما يفتقرون إلى تغطية الحماية الاجتماعية ويعملون ساعات طويلة أو غير منتظمة.

يواجه العاملون في الأمن مخاطر مرتفعة من العنف والتحرش، ويعمل أكثر من ثلثهم ساعات مفرطة.

أظهر التقييم العالمي الواسع لظروف عمل العاملين الأساسيين الوارد في الفصل الثالث بخساً لقيمة هؤلاء العاملين، سواء من حيث الدخل أو سائر ظروف العمل. فالعاملون الأساسيون يسجلون معدلات انتساب نقابي أدنى، ومعدلات أعلى من ترتيبات الاستخدام المؤقتة ومتعددة الأطراف التي تفاقم أحياناً أوجه القصور في ظروف العمل الأخرى، وساعات عمل طويلة وغير منتظمة، وأجوراً أدنى في المتوسط حتى بعد احتساب الفوارق في التحصيل التعليمي والخصائص الملاحظة الأخرى بينهم وبين غيرهم. ويميل العاملون الأساسيون أيضاً إلى تغطية أكثر محدودية بالحماية الاجتماعية، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل. وإضافة إلى ذلك، لا يتلقى التدريب سوى عدد قليل نسبياً من المستخدمين الأساسيين، وهي مشكلة أشد حدة في البلدان المنخفضة الدخل. وإجمالاً، كشف التحليل عن ترابط قوي بين ظروف العمل، بحيث تنعكس أوجه القصور في مجال على المجالات الأخرى. وتبلغ المشكلات ذروتها لدى العاملين لحسابهم الخاص والعاملين غير المنظمين الذين لا يستفيدون من أي شكل من أشكال الحماية العمالية والاجتماعية في أنحاء كثيرة من العالم.

ومع أن هذه الاستنتاجات تنطبق على العاملين الأساسيين عموماً، الذين يتشاركون بوصفهم مجموعة سمات مشتركة، منها التعرض لمخاطر كتلك الناشئة عن عملهم خلال جائحة كوفيد 19، فإن بعض أوجه انعدام الأمان مثيرة للقلق بوجه خاص لفئات معينة من العاملين الأساسيين. ولذلك يحلل هذا الفصل واقع العمل لدى العاملين الأساسيين في المجموعات المهنية الثماني المحددة على نحو واسع: النظم الغذائية، والصحة، والتجزئة، والأمن، والعمل اليدوي، والتنظيف والصرف الصحي، والنقل، والفنيين والدعم الكتابي. وضمن هذه الفئات، يُسلط الضوء على مهن أساسية مختارة أكثر تفصيلاً لتوضيح التحديات التي واجهتها وظائف بعينها خلال الجائحة. وتتقصى هذه الحالات تجارب العاملين الزراعيين والعاملين الصحيين المجتمعيين والباعة المتجولين والعاملين في المستودعات وجامعي النفايات والبحارة وعمال البريد المرتبطة بالجائحة. وهي تساعد على استخلاص استنتاجات للسياسات لتحسين ظروف العمل العامة، وكذلك لجعل العاملين، ومن ثم المجتمعات، أكثر قدرة على الصمود خلال الأزمات المقبلة.

4.1 العاملون في النظم الغذائية: بلا حماية ومنخفضو الأجر

إنتاج الغذاء وتوزيعه وتوصيله أنشطة اقتصادية يجب أن تستمر حتى في الأوقات الاستثنائية كالحروب والجوائح والكوارث الطبيعية. ونظراً إلى أهمية الزراعة وسلاسل الغذاء العالمية لبقاء المجتمعات، ليس مستغرباً أن يشكل العاملون الأساسيون في النظم الغذائية جزءاً كبيراً جداً من مجموع العاملين الأساسيين بنسبة 35%. وتتراوح هذه الحصة بين 13.2% في البلدان المرتفعة الدخل و60.4% في البلدان المنخفضة الدخل. ففي البلدان المنخفضة الدخل، الزراعة قطاع مهيمن ومصدر للعمالة، ومع أن مزارعي الكفاف يمثلون قرابة 40% من العمالة الزراعية في هذه البلدان، فإن الحصة باستبعادهم تبلغ 44%. وفي المتوسط، يعمل أكثر من 68% من العاملين الأساسيين في النظم الغذائية لحسابهم الخاص، وترتفع الحصة إلى 95% في البلدان المنخفضة الدخل، بينما يتوزع الوضع الوظيفي توزيعاً أكثر تكافؤاً في البلدان المرتفعة الدخل، إذ يعمل 52.5% مستخدمين و47.5% لحسابهم الخاص.

ومن السمات المميزة الأخرى للعاملين الأساسيين في النظم الغذائية ارتفاع حصة العاملين المهاجرين. ففي المتوسط، وُلد 7.3% من العاملين الأساسيين في النظم الغذائية في الخارج، لكن النسبة تصل إلى 63% في الأردن وأكثر من 41% في بروناي دار السلام. وفي البلدان التي تشكل فيها الزراعة حصة صغيرة من القوى العاملة، كسويسرا والولايات المتحدة، يمثل العاملون المهاجرون مصدراً مهماً لليد العاملة، بنسبة 36.3% من العاملين في النظم الغذائية في الولايات المتحدة و19% في سويسرا. ومع ذلك، ورغم أهمية العاملين الأجانب للزراعة في بلدان كثيرة، واجه العاملون المهاجرون الدوليون قيوداً على التنقل نتيجة الجائحة، إضافة إلى تدهور ظروف عملهم.

الإطار 4.1 العاملون الأساسيون في الزراعة من منظور الهجرة

في أنحاء كثيرة من العالم، ولا سيما في البلدان الصناعية، يعتمد القطاع الزراعي على العاملين المهاجرين الدوليين والداخليين. وكان لإغلاق الحدود وقيود التنقل وتعليق الأنشطة الاقتصادية نتيجة جائحة كوفيد 19 عواقب كبيرة على الإنتاج الأولي في أنحاء العالم، وكذلك على حركة العاملين الزراعيين المهاجرين الذين يفتقر كثير منهم إلى أوضاع إقامة ومواطنة مستقرة. ففي بلدان كالصين والهند، حيث الهجرة الداخلية سمة مهمة للقطاع، أحدثت القيود المحلية على التنقل اضطرابات أثرت في سبل عيش العاملين. فقد أجبر الركود الناجم عن جائحة كوفيد 19 في الهند ملايين المهاجرين الدوريين على العودة الجماعية، وفي غياب الحماية الاجتماعية، دعمتهم أسر ريفية تقودها نساء عملت شبكات أمان خلال الجائحة. وفي حالة المهاجرين الزراعيين الدوليين إلى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ثارت مخاوف بشأن نقص محتمل في اليد العاملة نتيجة قيود التنقل التي أعاقت دخول العاملين الزراعيين الأجانب، مما أطلق استثناءات للسماح بدخولهم استناداً إلى دواعي الأمن الغذائي.

ففي إسبانيا، كان لقيود الحدود تبعات خطيرة على العاملين المهاجرين المغاربة ذوي العقود القصيرة الأجل. فقد حظرت الحكومة المغربية عودة هؤلاء العاملين، ومعظمهم من النساء، فبقين عالقات في الحقول الإسبانية بلا وسيلة للعيش. وإضافة إلى ذلك، عنت الجائحة تكثيف العمل في إسبانيا، إذ احتيج إلى مزيد من الساعات لتغطية حصاد أكبر لكل شخص، مما أفضى إلى عمل إضافي وممارسات مسيئة مبلغ عنها. وشجعت الحكومة الإسبانية استقدام الشباب من مواطني البلدان الثالثة في قطاع الأغذية الزراعية عبر مرسوم ملكي صدر في أبريل 2020 مدد صلاحية تصاريح إقامة المهاجرين المقرر انتهاؤها خلال فترة الإغلاق. وإضافة إلى ذلك، سُمح لهؤلاء الشباب بالعمل في الزراعة، وأمكنهم عبر تمديدات لمدة عامين لتصاريح الإقامة والعمل أن يحصلوا على إقامة طويلة الأجل.

وفي كندا، ازدادت التحديات التي يواجهها العاملون المهاجرون في الزراعة في إطار برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة حدة بفعل الجائحة. فمن خصائص هذه البرامج قابلية الترحيل المضمنة فيها، أي إن العاملين المهاجرين يخضعون لعقود قصيرة الأجل تحدد مدة إقامتهم في البلد المضيف، وتحد من قدرتهم على إثارة الشواغل بشأن ظروف العمل خوفاً من عدم اختيارهم في المواسم المقبلة. غير أن ظروف العمل صارت أصعب بسبب الجائحة لأسباب عدة: أولاً، سعياً للحد من مخاطر العدوى، جعل استخدام الكمامات والمطهرات والقفازات والتباعد الجسدي العمل أصعب أداءً من جهة، بينما لم يكن تطبيق التدابير مضموناً دائماً من جهة أخرى. ثانياً، جعلت المخاوف من الترحيل لأسباب طبية ومن فقدان الدخل العاملين يتجنبون الفحص والمراقبة. ثالثاً، رفع الحصر في المساكن التي يوفرها صاحب العمل كلفة العزل، مع تبعات على الصحة النفسية. وأخيراً، قُيد الوصول إلى المجتمع المحلي، مما فاقم مشاعر العزلة والإقصاء. كما تبين حالة كندا كيف تنشأ ثغرات في الحماية العمالية بسبب الفوارق في الاختصاص؛ فللحكومة الاتحادية الأولوية في الهجرة والتفاوض على مذكرات التفاهم وعقود العمل النموذجية مع بلدان المنشأ، بينما للمقاطعات صلاحية سن قوانين العمل وإنفاذها، باستثناء العاملين الخاضعين للاختصاص الاتحادي. كما تتولى المقاطعات تنظيم التأمين الصحي وتوفيره، في حين يقع الإسكان وتدابير الصحة العامة ضمن اختصاص البلديات.

ومن الأبعاد المهمة الأخرى التي كشفتها الجائحة وضع السكن للعاملين المهاجرين في الزراعة، ولا سيما الخاضعين لبرامج مؤقتة والمعتمدين على أصحاب العمل في السكن. فكما في بلدان كثيرة، صُنف القطاع الزراعي في إسرائيل ضرورياً خلال الجائحة، وواصل نحو 32 ألف عامل في القطاع، معظمهم من تايلند، العمل خلال هذه الفترة. ويسكن معظم أصحاب العمل العاملين في المزارع، لكن بسبب تنظيم استخدام الأراضي في البلد، لا تُبنى المنشآت في المزارع إلا للاستخدام الزراعي كالسقائف ومخازن التبن. ومن ثم يقيم العاملون المهاجرون عادة في منشآت مؤقتة غير ملائمة للسكن الطويل الأجل، وإشكالية بوجه خاص فيما يتعلق بالوفاء بتدابير الحجر. ومع إغلاق الحدود، دفع نقص العاملين قطاع أصحاب العمل الزراعيين إلى المطالبة بدخول خاص لهؤلاء العاملين، فنشأت مشكلات مختلفة حول مكان إيوائهم للامتثال لمتطلبات الحجر. فالفنادق كانت مكلفة ولم يرغب أحد في تحمل التكاليف. وبعد مفاوضات مختلفة، أُزيلت تايلند من قائمة البلدان التي تتطلب الحجر. وفي مرحلة ما، طُرحت فكرة إيواء العاملين في منشأة احتجاز نائية، لكنها أُسقطت بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.

وتبين التجربة في بلدان مختلفة التحديات المستمرة التي يواجهها العاملون المهاجرون في تأمين الحماية العمالية في ظل البرامج المؤقتة وأوضاع الهجرة المتباينة، وأوجه انعدام الأمان والهشاشة المتكررة التي يتحملها العاملون الزراعيون المهاجرون.

وتغطية الحماية الاجتماعية منخفضة جداً بين العاملين الأساسيين في النظم الغذائية. ففي معظم البلدان التي تتوافر عنها بيانات، كثيراً ما يفتقر المستخدمون الأساسيون والعاملون لحسابهم الخاص في النظم الغذائية على السواء إلى أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية. ويميز انخفاض معدل التغطية للمستخدمين هذه المجموعة عن المجموعات المهنية الأخرى، ويكشف الاستخدام الواسع للعمل العرضي غير المنظم في الزراعة. ففي السلفادور مثلاً، يتمتع قرابة 45% من جميع المستخدمين الأساسيين بالحماية الاجتماعية، بينما لا يتمتع بها سوى 4.6% من المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية. ومع أن التغطية أفضل في عدد قليل من البلدان المرتفعة والمتوسطة الأعلى الدخل كالبوسنة والهرسك والبرازيل وبنما وصربيا وتركيا وأوروغواي، فإن المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية محميون مع ذلك بمعدلات أدنى من سائر العاملين الأساسيين. ففي أوروغواي مثلاً، يتمتع أكثر من 90% من المستخدمين الأساسيين بالحصول على معاش أو إجازة مرضية مدفوعة، لكن هذه الحصة تبلغ 77% لدى المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية.

وثمة عوائق متعددة أمام إدماج العاملين في النظم الغذائية في نظم الحماية الاجتماعية. فبداية، يُستبعد العاملون الزراعيون أحياناً قانونياً من نظم الضمان الاجتماعي؛ ففي لبنان مثلاً، تستبعد تشريعات العمل العاملين في الزراعة والحراجة وصيد الأسماك من برامج التأمين الاجتماعي. وفي حالات أخرى، تمنع القيود الإدارية وصعوبات التسجيل والمراقبة في المناطق الريفية العاملين من الحصول على المزايا. وإضافة إلى ذلك، تكون العقبات المعلوماتية والتنظيمية أكبر لدى العاملين في النظم الغذائية لأنهم يعملون ويعيشون في أماكن نائية وأقل وعياً بالسياسات أو المزايا. وفي حالة العاملين المهاجرين في إطار برامج هجرة اليد العاملة المؤقتة، ومع أن بعض الأحكام لتأمين مزايا الضمان الاجتماعي ترد في اتفاقات ثنائية، فإن الطابع المؤقت للعمل الموسمي يحول عملياً دون حصول المهاجرين الفعلي على تغطية شاملة. وللتغلب على بعض هذه العوائق، وضعت بلدان عدة كالجزائر والبرازيل تشريعات خاصة للضمان الاجتماعي للعاملين الريفيين. وفي حالات أخرى، كإكوادور، تشرف المؤسسة الرئيسية للضمان الاجتماعي على برنامج التأمين الاجتماعي للفلاحين الموجه إلى عمال المزارع الريفيين والمدعوم من الدولة.

ونسبة كبيرة من المستخدمين الأساسيين العاملين في النظم الغذائية منخفضو الأجر، أي إن أجرهم يقل عن ثلثي وسيط الأجور في البلد. ففي البلدان التي تتوافر عنها بيانات، يُدفع لنصف المستخدمين الأساسيين بأجر في المتوسط أقل من هذه العتبة، بنسبة 47%. غير أن الحصة تتفاوت كثيراً بين البلدان، إذ تبلغ مثلاً 79% و78% في سري لانكا وبنما على التوالي، بينما لا تتجاوز 13% و11% في البرتغال ومصر على التوالي.

وقد يعكس تدني الأجور التي يتلقاها المستخدمون الأساسيون في النظم الغذائية في بلدان كثيرة جزئياً تدني الإنتاجية في القطاع الزراعي، ولا سيما في المناطق التي تكون فيها الزراعة مصدراً رئيسياً للعمالة. فقد وجدت دراسة عالمية فجوة كبيرة في الإنتاجية الزراعية مقارنة بالقطاع غير الزراعي، حتى بعد مراعاة مسائل القياس المختلفة. وبالنسبة إلى الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل في آسيا تحديداً، بينت أدلة حديثة أن إنتاجية العمل غير الزراعية والزراعية لا تنموان بالوتيرة نفسها، إذ نمت الأولى أسرع خلال السنوات الخمس المدروسة، مما وسع الفجوة كثيراً بمرور الوقت. وفي هذا السياق، يتعرض المستخدمون الأساسيون في صناعة النظم الغذائية لخطر تلقي أجور أدنى من غيرهم. ويمكن للسياسات الداعمة لمكاسب الإنتاجية في الزراعة أن تساعد في التخفيف من هذا الخطر.

غير أنه لا يمكن عزو تدني أجور المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية إلى الإنتاجية وحدها، فأوجه القصور المؤسسية في عمليات تحديد الأجور تساعد أيضاً على تفسيرها. فعلى سبيل المثال، يُستبعد المستخدمون الأساسيون في النظم الغذائية إلى حد بعيد من التغطية القانونية للحد الأدنى للأجور في بلدان كثيرة. فقد وجدت مراجعة عالمية لسياسات الحد الأدنى للأجور أن 29 بلداً لديها عام 2020 حد أدنى قانوني للأجور يستبعد العاملين الزراعيين أو المنزليين أو كليهما من لوائحه. واستبعد اثنا عشر بلداً جميع العاملين الزراعيين أو بعضهم، مع احتمال شمول العاملين المنزليين. وحين لا تُستبعد هذه الفئات من العاملين بأجر، فقد تخضع مع ذلك لمعدلات حد أدنى خاصة كثيراً ما تكون أدنى من المطبقة على غيرهم. ويفسر ضعف إنفاذ لوائح الحد الأدنى للأجور، ولا سيما في المناطق الريفية النائية، أيضاً تدني دخل العاملين في النظم الغذائية. كما قد تزيد نظم الأجر بالقطعة غير المنظمة على نحو كاف خطر تلقي العاملين أجوراً غير عادلة، تقل أحياناً عن الحد الأدنى القائم. وإجمالاً، تشهد حصة المستخدمين في النظم الغذائية المدفوع لهم أقل من الحد الأدنى للأجور على ضعف حماية الحد الأدنى لهذه الفئة من العاملين؛ ففي البلدان التي يُطبق فيها حد أدنى للأجور، يُدفع لنحو 52% من المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية في المتوسط أقل من هذا الحد.

وأخيراً، يعود التفاوت بين البلدان جزئياً إلى الفوارق في الوضع الوظيفي للعاملين الزراعيين. ففي بعض البلدان، تُصنف حصص كبيرة من العاملين الزراعيين عاملين لحسابهم الخاص أو عاملين أسريين مساهمين، ومن ثم لا يُدرجون في حساب الأجور الذي لا يخص سوى المستخدمين. ففي مصر مثلاً، يعمل 15% من العاملين الأساسيين في النظم الغذائية لحسابهم الخاص و30% عاملين أسريين مساهمين. وفي بنغلاديش، يعمل أكثر من نصف العاملين الأساسيين في النظم الغذائية لحسابهم الخاص.

وفي معظم الحالات، تتلقى النساء الأجور الأدنى التي يكسبها العاملون الأساسيون في النظم الغذائية. فتبلغ الفجوة بين الجنسين في أجور المستخدمين الأساسيين في النظم الغذائية 9% في المتوسط في البلدان التي يمكن فيها تقدير هذا المؤشر. غير أن المستخدمات الأساسيات في النظم الغذائية يتلقين في المتوسط أجوراً أعلى من نظرائهن الذكور في بضعة بلدان، كإكوادور والمكسيك والفلبين وزامبيا. ومع ذلك، وكما أُبرز سابقاً، فإن متوسط الفجوة لصالح النساء لا يستبعد بالضرورة وجود فوارق في الأجور لصالح الرجال على مستوى المهن أو الأنشطة تحديداً. فقد أكدت دراسة أُجريت عام 2018 تحديداً على العاملين الزراعيين في أربعة محاصيل رئيسية في الفلبين، هي الأرز غير المقشور والذرة وجوز الهند وقصب السكر، وجود فوارق في الأجور بين العاملين الذين يؤدون النشاط الزراعي نفسه، مع تحيز في الأجور ضد النساء بنسبة 21%.

وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما تعمل النساء في قطاع النظم الغذائية دون أجر في حالات كثيرة. ففي الهند، يمثل العمل غير المأجور في المنشآت الزراعية الأسرية ثلث عمالة النساء غير المنظمة، وفي مصر يمثل نسبة مذهلة تبلغ 85%. ومع أن ذلك لا ينعكس في الأرقام المعروضة هنا، فكثيراً ما تساهم النساء في العمل الزراعي إلى جانب أداء المهام المنزلية غير المأجورة التي تضمن إنتاجية بقية أفراد الأسرة.

4.2 العاملون الصحيون: المخاطرة بالسلامة والصحة مع تمثيل جماعي محدود

قال عامل في وحدة رعاية المسنين في تركيا إنه كانت هناك أمراض معدية قبل كوفيد، وكان لديهم ذلك الخطر، وإضافة إلى ذلك فهم يذهبون إلى المنازل، ولا أحد يعرف ما الحالة النفسية للمرضى في المنازل، فبعضهم يعيش في ظروف يائسة، وبعضهم سريع الانفعال جداً، وبعضهم شديد الهياج، وهذه المخاطر طبيعية في عملهم.

في الأشهر الأولى من الجائحة، صفق الجمهور في أنحاء العالم للعاملين الصحيين اعترافاً بإسهامهم في صحة المجتمع ورفاهه وامتناناً للمخاطر التي يتحملونها. لكن رغم تقدير العاملين الصحيين لهذه اللفتة، فإنها لم تعالج كثيراً من التحديات القديمة التي يواجهونها. فمع أن ضمان حياة صحية أحد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والحصول على رعاية صحية جيدة حق أساسي من حقوق الإنسان، فإن الرعاية الصحية تعاني من نقص التمويل، ولا سيما في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل، مع عواقب كبيرة على حصة العمالة في القطاع وكذلك على ظروف العمل. ففي البلدان المرتفعة الدخل، يعمل واحد من كل خمسة عاملين أساسيين في الصحة، أما في البلدان المنخفضة الدخل، فتنخفض هذه النسبة إلى أقل من واحد من كل خمسين.

وفي أنحاء كثيرة من العالم، ينتشر ضعف الاستثمار في الرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، لم يتجاوز الإنفاق العام على الصحة في الهند عام 2017 نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت النسبة في العام نفسه قرابة 14% في الولايات المتحدة و9.6% في ألمانيا. وحتى عند احتساب جميع النفقات، بما فيها القطاع الخاص والإنفاق من الجيب الخاص، تبقى هناك فجوة كبيرة بين البلدان المنخفضة والمرتفعة الدخل. وبينما يناقش الفصل السادس بمزيد من التفصيل ضعف الاستثمار في الرعاية الصحية، يركز هذا القسم على ظروف العمل المرتبطة به.

وإلى جانب الفوارق في الميزانية المخصصة للرعاية الصحية، ثمة تفاوت أيضاً في التركيبة المهنية للعاملين الصحيين الأساسيين بين البلدان. ففي المتوسط، أكثر من 46% من العاملين الصحيين الأساسيين مهنيون صحيون، كالأطباء والمهنيين في التمريض والقبالة والمهنيين شبه الطبيين والأطباء البيطريين، بينما قرابة 38% فنيون ومساعدون في المهن نفسها. وأما النسبة الباقية البالغة 15.7% فتخص العاملين في الرعاية الشخصية، وتشمل هذه الفئة مساعدي الرعاية الصحية والعاملين الصحيين في المنازل، إلى جانب العاملين في رعاية الأطفال ومساعدي المعلمين. ولا يمثل العاملون في الرعاية الشخصية سوى نسبة صغيرة من العاملين الصحيين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل، أقل من 8%، بينما ترتفع النسبة إلى 32.3% في الاقتصادات المرتفعة الدخل، مما يعكس تزايد الطلب على عمل الرعاية في هذه البلدان. وتحديداً، وبسبب التغيرات الاجتماعية والديمغرافية، يتزايد الطلب على خدمات العاملين في الرعاية الطويلة الأجل، أي العاملين المنظمين وغير المنظمين في الرعاية الصحية الشخصية المأجورة، في المؤسسات وفي المنازل الخاصة، الذين يرعون أشخاصاً ذوي قدرات محدودة على إدارة حياتهم اليومية، وذلك في البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل على السواء. ففي اليابان مثلاً، كان هناك عام 2000 عامل رعاية طويلة الأجل واحد لكل مئة شخص فوق 65 عاماً في المنازل، ارتفع إلى 3.2 عام 2019. ويعمل العاملون في الرعاية الطويلة الأجل، الذين يُشار إليهم عادة أيضاً بمساعدي الصحة المنزلية أو العاملين في الرعاية الاجتماعية، في واحدة من أكثر المهن تأنيثاً؛ ففي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثلاً، 90% منهم نساء.

الإطار 4.2 ظروف استخدام العاملين الأساسيين في الرعاية الشخصية

مهن الرعاية الشخصية، التي تشمل الرعاية الشخصية في الخدمات الصحية ورعاية الأطفال، شديدة التأنيث، إذ تمثل النساء 76% في المتوسط عبر البلدان، وترتفع النسبة في البلدان المرتفعة الدخل إلى 85% في المتوسط.

وظروف عمل العاملين في الرعاية الشخصية متفاوتة جداً بين البلدان. ففي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يتمتع العاملون في الرعاية الشخصية في المتوسط بظروف أفضل قليلاً من حيث الأمان التعاقدي والحماية الاجتماعية مقارنة بغيرهم من العاملين الأساسيين. فعلى سبيل المثال، وبينما تتشابه حصة المستخدمين في الرعاية الشخصية ذوي العقود المؤقتة عبر البلدان مع ما يُلاحظ لدى العاملين الأساسيين الآخرين، فإن 34% من المستخدمين في الرعاية الشخصية يعملون بعقود مؤقتة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، أي أقل بست عشرة نقطة مئوية من متوسط مجموع المستخدمين الأساسيين. وإضافة إلى ذلك، يبدو المستخدمون في الرعاية الشخصية مشمولين بنظم الحماية الاجتماعية على نحو أفضل من غيرهم من العاملين الأساسيين في البلدان النامية؛ ففي المتوسط في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يتمتع 54% من المستخدمين في الرعاية الشخصية بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية، بينما يبلغ معدل تغطية مجموع العاملين الأساسيين في هذه البلدان 43%.

والوضع أقل إيجابية في البلدان المرتفعة الدخل، كما تبين البيانات عن الدخل النسبي للمستخدمين في الرعاية الشخصية في 12 بلداً مختاراً تتوافر عنها بيانات. ففي البلدان المرتفعة الدخل، تتراوح حصة المستخدمين منخفضي الأجر بين 7% في اليونان و34% في المملكة المتحدة و46% في الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، ورغم أن النساء يشغلن معظم الوظائف في هذه المهنة، يبدو أن حال العاملات في الرعاية الشخصية أسوأ من نظرائهن الذكور؛ ففي مجموعة فرعية من البلدان التي يمكن فيها تقدير هذا المؤشر، تتراوح الفجوة بين الجنسين في الأجور بين 4% في فرنسا و16% في الولايات المتحدة.

وكما نوقش في الفصل الثالث، يتعرض العاملون الصحيون لمخاطر جسدية ونفسية اجتماعية بسبب تعرضهم للمواد المعدية وحمل الأحمال الثقيلة والعمل في أوضاع مجهدة والأعباء العاطفية. وتتفاقم هذه المخاطر بساعات العمل الطويلة وغير المنتظمة، وبحالات غير متناسبة من العنف والتحرش في العمل. ولما كان العاملون الصحيون العمود الفقري لأي نظام صحي، فإن معالجة أوجه القصور هذه أمر حاسم.

ويواجه العاملون في الرعاية الطويلة الأجل تحديداً تحديات كبيرة في مجال السلامة والصحة المهنيتين. ففي بلدان الاتحاد الأوروبي مثلاً، يفيد 33% منهم بتعرضهم لسلوك عدائي، كالإساءة اللفظية والسلوك المهين والعنف الجسدي والتهديد، بينما تبلغ النسبة 16% في جميع المهن الأخرى. وفي النمسا، يفيد 68% من العاملين في الرعاية السكنية و41% من العاملين في الرعاية المنزلية بأنهم يعانون من إنهاك جسدي مستمر. وفي ألمانيا، يرجح أن يفيد العاملون المنظمون في الرعاية الطويلة الأجل بصحة أسوأ من العاملين في قطاعات أخرى. وفي كندا، يتعرض العاملون في الرعاية الطويلة الأجل لمستويات مرتفعة من العنف والتمييز العنصري من المسنين، إضافة إلى عملهم كثيراً ساعات طويلة وبعبء عمل ثقيل. والوضع أسوأ لدى العاملين في الرعاية الطويلة الأجل في كندا ذوي العقود المؤقتة ومتعددة الأطراف، الذين يفيدون أيضاً بمستويات أعلى من الإجهاد. وفاقمت المراحل الأولى من الجائحة مخاطر السلامة والصحة لدى هؤلاء العاملين، إذ عانى كثير منهم من نقص الفحوص ومعدات الحماية الشخصية.

وكما أُبرز في الفصل الثاني، شهدت أنحاء العالم احتجاجات متعددة للعاملين في الرعاية الصحية خلال الجائحة لإثارة المخاوف من نقص الموظفين وعدم كفاية التدابير المتخذة لضمان سلامة العاملين والمرضى. وتفاقمت خلال الجائحة معدلات دوران الممرضين المرتفعة، التي كانت مصدر قلق لنظم الرعاية الصحية في بلدان كثيرة قبلها. وتوحي الأدلة من بلدان كمصر وبيرو وجمهورية كوريا بأن الممرضين الذين اضطروا إلى العمل في ظروف أشد كثافة خلال الجائحة كانوا أرجح في إبداء نية ترك وظائفهم. وزيادة دوران الممرضين مكلفة لنظم الرعاية الصحية وقد تهدد جودة الخدمات الصحية. فوفقاً لتقدير لعام 2020 في الولايات المتحدة، تكلف زيادة بنسبة 1% في دوران الممرضين المستشفى المتوسط في البلد نحو 328400 دولار أمريكي. ومن ثم فإن رفاه الممرضين وغيرهم من العاملين الصحيين الأساسيين لا يفيد العاملين الأفراد فحسب، بل يفيد نظام الرعاية الصحية ككل.

ولهذه القضايا بعد جنساني مهم. أولاً، بالنظر إلى الطابع الشديد التأنيث للرعاية الطويلة الأجل والتمريض، تعكس ظروف عمل العاملين الأساسيين في هذه المهن إلى حد بعيد الوضع الذي تواجهه العاملات عموماً حول العالم، المتسم بالفصل والتجزؤ بين الجنسين وتدني الأجور وفجوات الأجور بين الجنسين. ثانياً، لهذه القضايا تبعات أوسع على المجتمع والكفاءة الاقتصادية، لأن خدمات العاملين في الرعاية الطويلة الأجل حاسمة في تمكين أفراد أسر المسنين أو ذوي الإعاقة، ولا سيما النساء، من المشاركة في سوق العمل.

وفي بلدان نامية كثيرة، تكون ظروف عمل العاملين الصحيين الأساسيين سيئة بوجه خاص، مع تدني الأجور وانعدام الأمان الوظيفي وارتفاع مخاطر السلامة والصحة في مكان العمل. وفي الهند، يثير وضع ناشطات الصحة الاجتماعية المعتمدات قلقاً خاصاً. وهؤلاء عاملات صحيات مجتمعيات معينات في إطار البعثة الصحية الوطنية، وهي برنامج أُطلق عام 2005. ويعمل أكثر من مليون امرأة في أنحاء البلد بهذه الصفة، يسددن الفجوة بين المجتمع والنظام الصحي. وهن مسؤولات عن طائفة من خدمات الرعاية الصحية العامة التي تتناول صحة الأم والطفل والأمراض السارية وغير السارية. ويتجلى الدور المهم لهؤلاء العاملات في أثرهن الإيجابي في المجتمعات، إذ ترتفع معدلات التحصين وتنخفض معدلات الوفيات في المناطق التي يعملن فيها. وخلال جائحة كوفيد 19، رفعن الوعي بالفيروس وبروتوكولات السلامة وتتبعن الحالات الإيجابية وساعدن في التطعيم، إلى جانب مسؤولياتهن المعتادة في رعاية الأمومة وتحصين الأطفال والرعاية الصحية المجتمعية. وفي عام 2022، منح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية هؤلاء العاملات لقب قادة الصحة العالمية.

الإطار 4.3 ناشطات الصحة الاجتماعية المعتمدات في الهند

هؤلاء عاملات صحيات مجتمعيات تعينهن وتدربهن البعثة الوطنية للصحة الريفية في الهند، ويُخترن من نساء المجتمع المحلي اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و45 عاماً ممن أتممن الدراسة الثانوية. ويؤدين مهام مختلفة منها تقديم الرعاية الصحية الأولية والمعلومات عن الأمراض والعداوى، ونقل المرضى إلى المستشفيات عند الضرورة. ومع أن الحكومة تعينهن، فلا يُعترف بهن مستخدمات، بل يُدفع لهن حوافز مرتبطة بتحقيق أهداف معينة. وفي أعقاب احتجاجات هؤلاء العاملات، أدخلت عدة ولايات مكوناً ثابتاً للأجر، كما زادت الحكومة المركزية الحوافز التي تساهم بها. ويبلغ متوسط أجرهن 10 آلاف روبية هندية شهرياً، أي نحو 120 دولاراً أمريكياً، ويفدن بأنهن يدفعن أحياناً تكاليف نقل المرضى الذين يحملنهم إلى المستشفيات من دخلهن الخاص، أي إن حتى المال القليل الذي يكسبنه يذهب أحياناً إلى تكاليف مرتبطة بالعمل. وعلاوة على ذلك، تفيد كثيرات منهن بتلقي مدفوعاتهن متأخرة.

وتواجه هؤلاء العاملات تحديات مهنية أخرى إلى جانب تدني المدفوعات وتأخرها، منها عبء العمل الثقيل؛ فأكثر من ثلث العاملات المجتمعيات في المناطق الريفية مسؤولات عن أكثر من ألفي شخص. والوصول إلى هذا العدد في المناطق الريفية صعب لوجستياً أيضاً، إذ تفيد كثيرات بنقص الحافلات وعربات الريكشا في المناطق التي يعملن فيها. كما يواجهن العنف والتحرش، وتفيد كثيرات بتعرضهن لاعتداءات لفظية وجسدية. ومن المشكلات الأخرى التي تبرزها هؤلاء العاملات قلة تعاون المجتمعات التي يعملن فيها وندرة الموارد كأماكن الانتظار وآلات التصوير. وإضافة إلى ذلك، لا تتوافر لهن قنوات اتصال رسمية ولا وصول إلى المشرفين لإثارة شواغلهن والبحث عن حلول. ويُحتج بأن كثيراً من هذه المشكلات يرتبط بالوضع الغامض لهؤلاء العاملات، اللواتي يُنظر إليهن عاملات متطوعات أو كنّات بدلاً من مستخدمات.

وخلال أزمة كوفيد 19، زاد عبء عمل هؤلاء العاملات زيادة كبيرة. فقد أدين دوراً حاسماً، إذ تولين تتبع المخالطين والفحص والعزل، وأجرين مسوحاً من باب إلى باب، ووزعن الأدوية وأوصلن الطعام أحياناً إلى المرضى المعزولين، ورددن على نداءات الاستغاثة ونظمن النقل إلى المستشفيات. كما كن مسؤولات عن تسجيل تقدم التطعيم وتحفيز الناس على التطعيم. وبالتوازي مع هذه المهام الجديدة الشاقة، واصلن أداء واجباتهن المعتادة في رعاية ما قبل الولادة وبعدها، بما فيها مراقبة صحة الرضع. ومع أن معظمهن زُودن بالكمامات والمعقمات، فإنها كانت كثيراً ما غير كافية كماً ونوعاً، وأفادت كثيرات بأنهن اضطررن إلى شراء معدات الحماية على نفقتهن الخاصة.

وإلى جانب مخاطر السلامة والصحة، ثمة شاغل متزايد هو تنامي استخدام الترتيبات التعاقدية البديلة والعقود المؤقتة والعاملين عبر الوكالات، الذين كثيراً ما تختلف ظروف استخدامهم. ففي المملكة المتحدة عام 2016، وُجد 17% من جميع عقود الساعات الصفرية في مهنة مساعدي الرعاية والعاملين في الرعاية الشخصية، مما يجعلها أكبر مهنة بهذا الشكل من ترتيبات الاستخدام، يُقدم كثير منها عبر وكالات خاصة. وفي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يعمل نحو 20% من العاملين في الرعاية الطويلة الأجل بعقود مؤقتة، مقارنة بنسبة 11% من العاملين في الرعاية الصحية في المستشفيات. ويعمل قرابة 45% منهم بدوام جزئي، أي ضعف المعدل المتوسط في المهن الأخرى.

والرعاية الصحية قطاع منظم نقابياً نسبياً، إذ ينتسب 35% من العاملين الصحيين الأساسيين إلى نقابة في البلدان والأقاليم التي تتوافر عنها بيانات. ومع ذلك، ثمة فوارق كبيرة بين القطاعين الخاص والعام، وبين المهن المختلفة داخل الرعاية الصحية. ففي أنغولا مثلاً، لا يتمتع بالتمثيل الجماعي عبر النقابات سوى ما يزيد قليلاً على 5% من المستخدمين الصحيين الأساسيين في القطاع الخاص، مقارنة بنحو 22% من العاملين في القطاع العام. وباستثناء ليسوتو، يقل انتساب المستخدمين الصحيين الأساسيين في القطاع الخاص بكثير عن نظرائهم في القطاع العام. ونظراً إلى الحصص المرتفعة لاستخدام القطاع الخاص في بلدان كثيرة، من 50% في البلدان المرتفعة الدخل إلى 38% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، فإن تدني الانتساب يؤثر في ظروف عمل عدد كبير من العاملين الصحيين الأساسيين. وعلاوة على ذلك، في معظم البلدان، بما فيها بلدان الاتحاد الأوروبي كألمانيا والبرتغال، كثيراً ما يكون العاملون لدى مقدمي الرعاية الخاصين غير منتسبين إلى النقابات وغير مشمولين بالاتفاقات الجماعية. وفي بعض البلدان كبولندا، لا يستطيع العاملون في الرعاية الطويلة الأجل المفاوضة الجماعية إلا على مستوى الشركة، وتتفاوت تغطية الاتفاقات الجماعية تفاوتاً كبيراً بين بلدان الاتحاد الأوروبي، إذ يشمل قرابة 100% من هؤلاء العاملين في الدنمارك وإسبانيا مقابل 5% في اليونان. وفي بلدان كثيرة كإستونيا والمملكة المتحدة، تقل تغطية الاتفاقات الجماعية للعاملين في الرعاية الطويلة الأجل عن تغطية العاملين في المستشفيات.

وتوحي النتائج السابقة بأن آليات المفاوضة لدى العاملين الصحيين الأساسيين في القطاع الخاص ضعيفة نسبياً في المتوسط بالنظر إلى تدني معدلات الانتساب، ولا سيما بين العاملين في الرعاية الطويلة الأجل. ومن الأسباب الرئيسية أن كثيراً من العاملين الصحيين الأساسيين، ولا سيما في القطاع الخاص، يعملون بترتيبات استخدام غير نموذجية، مما يصعّب عليهم المفاوضة جماعياً. وإضافة إلى ذلك، يُستخدم بعضهم متعاقدين مستقلين، مما يعني في معظم الولايات القضائية أنهم غير مستحقين لحق الانتساب النقابي والمفاوضة الجماعية. ومن الأسباب الأخرى لتدني معدلات التنظيم الجماعي وضعف القدرة التفاوضية لدى العاملين في الرعاية الطويلة الأجل الطابع الشديد التنافس لسوق هذه الرعاية وهوامش أرباحها المنخفضة نسبياً، فضلاً عن تشتتها الكبير وغياب التنسيق والإطار التنظيمي الشامل.

لكن حين ينتظم العاملون، تتحسن ظروف العمل بوضوح. فقد أظهر العاملون المنتسبون إلى النقابات في دور رعاية المسنين في الولايات المتحدة أجوراً أعلى وإنتاجية أعلى معاً، مما جعل الوضع رابحاً لكل من المستخدمين وأصحاب العمل. كما كان للانتساب النقابي أثر إيجابي خلال الجائحة، إذ كان معدل الوفيات بين المرضى في دور الرعاية المنظمة نقابياً أدنى بنحو 30% منه في غيرها. ويرجح أن يعود ذلك إلى فرص أفضل للتعبير والمشاركة، وهي أساسية لتمكين العاملين وأصحاب العمل وغيرهم من أصحاب المصلحة من الاستجابة على نحو كاف لحالات الأزمات كتفشي كوفيد 19. وكما نوقش في الفصل الثاني، استطاع العاملون المنتسبون إلى النقابات نقل مشكلات عملهم عبر نقاباتهم التي تفاوضت مع الإدارة لمعالجتها، ولا سيما ما يتصل منها بالسلامة والصحة، على نحو أسرع وأكثر فاعلية.

4.3 العاملون الأساسيون في التجزئة: حماية ضئيلة وجداول غير منتظمة

طوال الجائحة، واصل العاملون الأساسيون في التجزئة العمل خلف طاولات الصيدليات، وفي ترتيب الرفوف في ممرات متاجر البقالة، وتشغيل صناديق الدفع في المتاجر المحلية الصغيرة أو متاجر السلاسل، وبيع الطعام في الشوارع. ويُعرّف هذا الفصل العامل الأساسي في التجزئة بأنه عامل في مهن المبيعات والخدمات المرتبطة بها في الصناعات التي واصلت العمل خلال الجائحة، ومن ثم يشمل التعريف العاملين المستخدمين في منشآت التجزئة والعاملين لحسابهم الخاص الذين يبيعون الطعام في الشوارع. وعلى المستوى العالمي، يعمل قرابة 15% من جميع العاملين في التجزئة، مع حصة أعلى في البلدان الأدنى دخلاً. وعلاوة على ذلك، فإن قرابة واحد من كل خمسة عاملين أساسيين يعمل في التجزئة، مؤدياً وظائف ضرورية للوجود اليومي للمجتمع، مما يجعل التجزئة ثاني أكبر مجموعة مهنية أساسية في جميع فئات الدخل.

ومع تشابه الحصة الإجمالية للعاملين الأساسيين في التجزئة بين البلدان، ثمة فوارق كبيرة فيما يتعلق بالوضع الوظيفي للأفراد في هذه الوظائف. ففي البلدان المنخفضة الدخل، يكاد العاملون الأساسيون في التجزئة يعملون جميعاً لحسابهم الخاص؛ إذ يعمل 94% منهم في المتوسط لحسابهم الخاص، من 89% في أوغندا إلى 99% في سيراليون. وفي المقابل، يشكل المستخدمون بأجر في منشآت التجزئة المختلفة أكثر من 76% من مجموع العاملين الأساسيين في التجزئة في البلدان المرتفعة الدخل. ففي الولايات المتحدة مثلاً، 95% من العاملين الأساسيين في التجزئة مستخدمون بأجر.

وتعكس أهمية العمل لحساب الذات بين العاملين الأساسيين في التجزئة في البلدان النامية نقص فرص العمل المنظم وسهولة الدخول إلى المهنة. ففي أنغولا، أكثر من 32% من العاملين الأساسيين في التجزئة باعة متجولون يبيعون الطعام وسلعاً أخرى، وجميعهم يعملون لحسابهم الخاص. وتشير أدلة المسوح إلى أن الباعة المتجولين كثيراً ما يكونون المعيلين الرئيسيين لأسرهم، والعمل وسيلتهم الوحيدة للبقاء. وهذا النوع من النشاط الاقتصادي حيوي للحفاظ على سبل العيش في البلدان النامية، ولا سيما بين المهاجرين الريفيين. كما كان البيع غير المنظم في الشوارع حاجزاً مهماً في أوقات الأزمات الاقتصادية، وهو نمط عاد إلى الظهور خلال جائحة كوفيد 19، إذ واجه باعة الطعام في بلدان عدة منافسة أكبر من الداخلين الجدد مع لجوء كثيرين إلى البيع في الشوارع وسيلةً للبقاء.

الإطار 4.4 البيع في الشوارع

الركود الاقتصادي صعب على الباعة المتجولين، إذ يرفع عادة كلفة المدخلات ويخفض إنفاق المستهلكين ويدفع العاطلين الجدد إلى البيع في الشوارع، فتشتد المنافسة بين البائعين. وخلال جائحة كوفيد 19، وإلى جانب هذه المخاطر، زادت القيود التي فرضتها الحكومات ظروف الباعة المتجولين سوءاً. فنتيجة عمليات الإغلاق، انهار الطلب على سلعهم، وفي الوقت نفسه عانوا من ارتفاع تكاليف النقل ونقص المواد الخام. وحتماً ازداد دخلهم المنخفض أصلاً تدهوراً.

وتتسم ظروف عمل الباعة المتجولين بتدني الدخل وضعف الحماية الاجتماعية وطول ساعات العمل ومخاطر السلامة والصحة. فعلى سبيل المثال، يُقدر أن اثنين من كل ثلاثة من باعة الطعام في شوارع دكا ببنغلاديش يعيشون تحت خط الفقر. ولما كان معظم الباعة المتجولين غير منظمين، فإنهم لا يستطيعون الوصول إلى الأسواق المالية الرسمية ويعتمدون على قروض غير رسمية بأسعار فائدة مرتفعة. ولذلك ليس مستغرباً أن الباعة المتجولين في كولومبيا الذين يكسبون دخلاً فوق المتوسط لا يستطيعون تحسين ظروف معيشتهم بسبب ارتفاع مستويات مديونيتهم. ومن الشواغل الإضافية للباعة المتجولين تعرضهم للتلوث في الهواء الطلق والظواهر الجوية المتطرفة والمخاطر الجسدية الناجمة عن رفع البضائع الثقيلة ونقلها، فضلاً عن العنف. كما يفتقر الباعة المتجولون بصورة روتينية إلى مرافق النظافة.

وتعسف السلطات مشكلة شائعة أخرى. فتبين الأدلة من مدن عدة، منها أكرا في غانا وليما في بيرو ومومباي في الهند وناكورو في كينيا، أن كثيراً من العاملين يُجبرون على دفع رسوم غير رسمية لمسؤولين محليين أو للشرطة لمواصلة العمل. وخلال عمليات الإغلاق بسبب كوفيد 19، تعرض الباعة المتجولون أحياناً لمضايقات الشرطة رغم تصنيفهم عاملين أساسيين.

ومن بين ظروف العمل التي حللها الفصل الثالث، يعاني العاملون الأساسيون في التجزئة أكثر ما يعانون من غياب الحماية الاجتماعية ومن ساعات العمل الطويلة وغير القابلة للتنبؤ. ففي المتوسط، لا يتمتع سوى 22% من العاملين الأساسيين في التجزئة بتغطية استحقاقات الضمان الاجتماعي كالمعاشات والإجازة المرضية المدفوعة. ولا تستفيد من الحماية الاجتماعية سوى 37% من القوى العاملة الأساسية في التجزئة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، بينما تنخفض الحصة في البلدان المنخفضة الدخل جداً إلى 5% فقط. ويعود ذلك إلى المستويات المرتفعة للعمل لحساب الذات، كما نوقش أعلاه، مما يعني في معظم الحالات أن على هؤلاء العاملين الاشتراك طوعاً في النظام، وهو عبء غير واقعي في الغالب بالنظر إلى تدني مستويات دخلهم عموماً. وقد تباطأت البلدان في تطوير نظم أكثر شمولاً يمكن أن تضم العاملين لحسابهم الخاص. وحتى في بلدان كالبرازيل وتركيا، حيث سعت نظم الحماية الاجتماعية إلى إدماج العاملين لحسابهم الخاص، لا يزال 41% و33% من العاملين الأساسيين في التجزئة على التوالي بلا تغطية حماية اجتماعية.

ولسوء الحظ، لا يقتصر غياب الحماية الاجتماعية بين العاملين الأساسيين في التجزئة على البلدان النامية. ففي الولايات المتحدة عام 2020، لم يحصل قرابة 50% من العاملين في الخدمات، بمن فيهم العاملون في التجزئة، على إجازة مرضية مدفوعة، وكان أقل من نصف العاملين في الخدمات المنخفضة الأجر يتمتعون بتأمين صحي يقدمه صاحب العمل، و21% بلا تأمين صحي. وتشير هذه الأرقام إلى أن كثيراً من العاملين الأساسيين في التجزئة لا يستطيعون تحمل كلفة الإجازة المرضية، فيواصلون العمل وهم مرضى أو مصابون، مع عواقب على تعافيهم، وخلال جائحة كوفيد 19 على نشر الفيروس.

وجداول العمل الطويلة وغير القابلة للتنبؤ مصدر رئيسي آخر لانعدام الأمان لدى العاملين الأساسيين في التجزئة. فباستثناء البلدان المرتفعة الدخل، يعمل العاملون الأساسيون في التجزئة حول العالم أسابيع عمل طويلة جداً، إذ يعمل ثلثهم في المتوسط أكثر من 48 ساعة أسبوعياً، بينما تبلغ الحصة قرابة 45% في البلدان المنخفضة والمتوسطة الأدنى الدخل. وكثيراً ما يعمل الباعة المتجولون في البلدان النامية بين عشر واثنتي عشرة ساعة يومياً، لأن دخلهم يتوقف على عدد الساعات التي يعملونها. ولا يأخذ كثيرون منهم أيام راحة، ويعتمدون على أفراد أسرهم للمساهمة حين يضطرون إلى الغياب. وليست الساعات الطويلة حكراً على العاملين لحسابهم الخاص، إذ يعمل كثير من المستخدمين في البلدان النامية ساعات طويلة أيضاً. ففي بنغلاديش مثلاً، يعمل 81% من العاملين بأجر وقرابة 76% من العاملين لحسابهم الخاص في مهن التجزئة الأساسية أسابيع عمل تتجاوز 48 ساعة.

وفي مقابل الساعات الطويلة للعاملين الأساسيين في التجزئة في البلدان المنخفضة الدخل، فإن الجدولة غير المنتظمة هي الشاغل الرئيسي للعاملين في التجزئة في بعض البلدان المرتفعة الدخل. ففي المتوسط، يعمل قرابة 10% من العاملين الأساسيين في التجزئة ساعات قصيرة، أي أقل من 20 ساعة أسبوعياً، وتبلغ النسبة قرابة 13% في البلدان المرتفعة الدخل. ومع أن هذه الساعات القصيرة تكون طوعية أحياناً وتناسب الطلاب أو ذوي مسؤوليات الرعاية، فإن الممارسة تعكس عموماً اتجاه الصناعة نحو العمل بالمناوبات وتفكيك نمطية أوقات العمل. ففي الولايات المتحدة، الجدولة في الوقت المناسب ممارسة شائعة، ويتحمل المستخدمون معظم المرونة في جداول العمل. فتراقب شركات التجزئة إجمالي ساعات العمل عن كثب، وتطابق بين اليد العاملة الموجودة في المتجر وحركة الزبائن الفعلية ومتطلبات ترتيب الرفوف. وعلى نحو مماثل، فإن الجداول غير المنتظمة أو غير النموذجية ممارسات شائعة في عمل الخدمات في الولايات المتحدة، تدفع العاملين الأساسيين في التجزئة إلى الحضور في المساء وفي عطلات نهاية الأسبوع. فعلى سبيل المثال، يقدر مسح للعاملين في الخدمات في نيوجيرسي أن 28% منهم يعملون في مناوبات متغيرة، و21% في مناوبات دوارة، و18% في مناوبات ليلية ومسائية. وأدى توسع ساعات العمل في المساء وعطلات نهاية الأسبوع إلى تغيرات دائمة في أنماط التسوق ومواقف المستهلكين، وإلى توقعات متزايدة بأن يكون العاملون في التجزئة في العمل في جميع الأوقات. وتصعّب هذه الطريقة المرنة في تخصيص المناوبات على العاملين الموازنة بين متطلبات الأسرة والتعليم أو التدريب.

وفي أوروبا، لا تشيع جداول المناوبات في الوقت المناسب بالقدر نفسه، بسبب قلة الحوافز المالية المحيطة باستخدام العمل بدوام جزئي بالنظر إلى مبدأ المساواة في المعاملة المضمن في التشريعات الوطنية، وكذلك بسبب تنظيم أشد صرامة لأنماط المناوبات والعقود. ومع ذلك، تبقى جداول العمل غير المنتظمة منتشرة في بعض البلدان الأوروبية. فوفقاً للمسح الأوروبي لظروف العمل، يفيد أكثر من 15% من العاملين الأساسيين في التجزئة بأن جداول عملهم تتغير في اليوم نفسه أو في اليوم السابق للعمل. وثمة تفاوت كبير بين البلدان؛ فبينما يفيد أكثر من 28% من المستجيبين في أيرلندا بأن جداول عملهم قابلة للتغيير في اللحظة الأخيرة، تقل النسبة عن 2% في إيطاليا.

4.4 العاملون الأساسيون في الأمن: ساعات طويلة ومحفوفة بالمخاطر

يساعد العاملون في الأمن على حفظ النظام والسلامة العامة، وخلال جائحة كوفيد 19 اضطلعوا بدور مهم آخر هو إنفاذ اللوائح المرتبطة بالجائحة. وعلى المستوى العالمي، يشكل العاملون في الأمن قرابة 6.5% من مجموع العاملين الأساسيين، وإن كانت النسبة أعلى قليلاً في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 8.8% والمرتفعة الدخل بنسبة 7.7%. ومن بين العاملين الأساسيين في الأمن، يشكل ضباط الشرطة الحصة الكبرى، يليهم حراس الأمن الخاصون. وتتراوح حصة حراس الأمن بين 31.1% في باكستان و79.2% في الفلبين، وبالمقابل تتراوح حصة ضباط الشرطة بين 15.9% في الفلبين و66.9% في باكستان.

وثمة فوارق مهمة بين ظروف عمل حراس الأمن وضباط الشرطة ورجال الإطفاء. ومن السمات المميزة الرئيسية ارتفاع معدل الانتساب النقابي بين ضباط الشرطة، في حين أن حراس الأمن، الذين كثيراً ما يُستخدمون بصورة خاصة عبر مقاولين من الباطن ويتوزعون على المنشآت، غير منتسبين إلى النقابات عموماً. ويعمل ضباط الشرطة ورجال الإطفاء حصراً تقريباً في القطاع العام ويتمتعون عادة بأمان وظيفي جيد. وتميل نقابات الشرطة إلى معدلات عضوية مرتفعة وتنجح إلى حد بعيد في التفاوض على تحسين التدريب والمعدات. فعلى سبيل المثال، ضغطت نقابات الشرطة بنجاح خلال جائحة كوفيد 19 من أجل تعزيز حماية السلامة والصحة والحصول على معدات الحماية الشخصية.

أما ظروف عمل حراس الأمن، فالتعاقد من الباطن شائع فيها، وهناك مرونة عالية فيما يتعلق بعدد المستخدمين ووقت العمل والأنشطة التي يؤدونها. فقد وجدت دراسة في جنوب أفريقيا تدني معدلات الانتساب النقابي، إضافة إلى ارتفاع انتشار العقود المؤقتة وتدني الأجور وطول ساعات العمل وصعوبات التوفيق بين العمل والحياة الشخصية ومحدودية الحصول على الحماية الاجتماعية. وعلاوة على ذلك، أفاد حراس الأمن في جنوب أفريقيا بغياب الاعتراف بعملهم وبالشعور بالوصم. وتذكر دراسة في الصين أيضاً الوصمة المرتبطة بعمل حراس الأمن، وتصف كيف تستخدم المهنة على نحو غير متناسب مهاجرين ذكوراً من الريف إلى الحضر وجنوداً سابقين يميلون إلى العمل بأجور منخفضة. وفي زمبابوي، يواجه العاملون في الأمن الخاص ساعات عمل طويلة وأجوراً متدنية ونقصاً في الأجور أو عدم دفعها وفصلاً غير قانوني وظروف عمل غير صحية وتحرشاً جنسياً. كما ظهرت شركات أمن عابرة تعمل وسطاء عمالة، تقدم تدريباً غير كاف وقد لا تمتثل امتثالاً كاملاً لاحترام حقوق العاملين واستحقاقاتهم.

ومع اختلاف التمثيل الجماعي للعاملين في الأمن العام والخاص، فإنهم يتشاركون بعض أوجه انعدام الأمان، ولا سيما احتمال التعرض لمواقف عالية الخطورة ومرهقة أثناء أداء وظائفهم. فكثير من العاملين الأساسيين في الأمن يتعرضون للعنف الجسدي أثناء عملهم. فوفقاً لبيانات المسح الأوروبي لظروف العمل، تعرض قرابة 23% من العاملين الأساسيين في الأمن للعنف الجسدي في العام السابق عام 2015، مقارنة بأقل من 5% من غيرهم من العاملين الأساسيين.

وإلى جانب قضايا السلامة والصحة هذه الشائعة في الأوقات العادية، واجه العاملون الأساسيون في الأمن مخاطر أكبر خلال جائحة كوفيد 19. ففي بلدان كثيرة، استُخدم حراس الأمن الخاصون لحجر اللاجئين والمسافرين القادمين من الخارج في منشآت مؤمنة ولحفظ النظام في مراكز فحص كوفيد 19. واضطر موظفو الأمن العاملون في المستشفيات إلى التعامل مع المرضى المصابين بالفيروس. وكان العاملون الأساسيون في الأمن المتمركزون في المباني السكنية والتجارية على اتصال مباشر بكثير من الناس، وكُلفوا بمسؤولية ضمان الالتزام ببروتوكولات التباعد الاجتماعي التي فرضتها الحكومات قدر الإمكان. وأدى ذلك أحياناً إلى توترات، وصار حراس الأمن هدفاً للاعتداءات بسبب الكمامات وغيرها من البروتوكولات المتصلة بكوفيد 19.

ومن مسببات الإجهاد الأخرى المرتبطة بالعمل لدى العاملين في الأمن، إلى جانب التعرض للمخاطر المذكورة، الساعات الطويلة والساعات غير الاجتماعية ومناخ الخوف والتوتر والضغط المستمر والسلوك المسيء من الرؤساء وعبء العمل المفرط. وإلى جانب ذلك، يضطر العاملون في الأمن الخاص أحياناً إلى التعامل مع نقص في معدات الحماية والزي الرسمي وعدم دفع الأجور. ففي كينيا مثلاً، أفاد ضباط أمن في نيروبي وكيامبو بعدم امتلاكهم ملابس دافئة كافية ليلاً واستخدامهم أكشاك حراسة غير مدفأة. ويفيد ضباط الأمن في البلد بأن العمل الذي يؤدونه عالي الخطورة جداً، وأنهم غير مجهزين بما يكفي للشعور بالأمان في وظائفهم.

ونتيجة لمسببات الإجهاد المذكورة، يتعرض العاملون في الأمن لخطر الإصابة بمشكلات صحية جسدية. فتشير دراسات مختلفة إلى علاقة بين مسببات الإجهاد التي يعانيها العاملون في الأمن وأمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والعجز المؤقت عن العمل. كما أن العاملين الأساسيين في الأمن أكثر عرضة لصعوبات الرفاه النفسي؛ فمشكلات الصحة النفسية كالاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة واضطراب القلق العام والأفكار الانتحارية والاعتماد على الكحول والشرب الخطر أكثر انتشاراً بين موظفي الأمن.

وكثيراً ما يعمل العاملون الأساسيون في الأمن ساعات مفرطة، إذ يعمل 34.5% منهم في المتوسط أكثر من 48 ساعة أسبوعياً. وفي البلدان المنخفضة الدخل، تبلغ الحصة 57.4%. وفي بنغلاديش وأوغندا، يعمل أكثر من 73% من العاملين الأساسيين في الأمن ساعات مفرطة. وحتى في البلدان المرتفعة الدخل، حيث التنظيم أشد صرامة والإنفاذ أكثر فاعلية، يعمل أكثر من 15% من العاملين الأساسيين في الأمن أكثر من 48 ساعة. وخلال الجائحة، امتدت ساعات العمل أكثر نتيجة نقص الموظفين وزيادة الطلب لضمان الامتثال لبروتوكولات الجائحة.

4.5 العمال اليدويون: أشكال استخدام غير نموذجية وقصور في التدريب

يُقدر أن العمال اليدويين يشكلون 18.3% من مجموع العمالة على المستوى العالمي. ويعمل معظمهم في قطاعي الصناعة التحويلية والبناء. ففي الصناعة التحويلية، ينتج العمال اليدويون الملابس وغيرها من المنسوجات أو الحرف اليدوية، أو يجهزون الأغذية، أو يعملون عمالاً في التصنيع. وفي البناء، يُستخدم العمال اليدويون عمالاً في التعدين والبناء، وفي البناء السكني، أو دهانين للمنازل ومركبين ومصلحين للمعدات الكهربائية. وثمة قطاع ثالث متنام هو المستودعات.

وخلال جائحة كوفيد 19، عطلت تدابير الاحتواء الإنتاج في الصناعات التي تستخدم العمال اليدويين تعطيلاً كبيراً وأثرت سلباً في سلاسل الإمداد. وصح ذلك بوجه خاص في المراحل الأولى من الجائحة، وأدى إلى انخفاض ملحوظ في ساعات عمل العمال اليدويين وفقدان صريح للوظائف لهذه الفئة. وفي الوقت نفسه، وكما هو حال سائر العاملين الأساسيين، تعرض العمال اليدويون الذين واصلوا العمل لمخاطر صحية غير متناسبة بتفاعلهم مع الآخرين في أماكن عملهم.

ونظراً إلى عدم قدرة العمال اليدويين على العمل عن بعد، توقف تصنيفهم عاملين أساسيين أو غير أساسيين على السلع التي ينتجونها. فقد عُدّت بعض الصناعات ضرورية لسير المجتمعات خلال الجائحة، كتصنيع المنتجات الغذائية أو تصنيع الأدوية والمنتجات الكيميائية الطبية والنباتية، وهذه تستأثر بنحو ثلث العمال اليدويين على المستوى العالمي. وفي المقابل، لم يُصنف الثلثان الآخران في معظمهم منتجين لسلع ضرورية، فلم يندرجوا في فئة العاملين الأساسيين، ومن أمثلتهم العمال اليدويون في تصنيع المنسوجات أو تصنيع منتجات التبغ، وإن كانت بعض البلدان ذات صناعات الملابس المهمة، كالصين والهند وإندونيسيا، قد صنفت إنتاج الملابس ضرورياً. وبالنظر إلى الصناعات التي تستخدم العمال اليدويين الأساسيين وغير الأساسيين، لا تكون نتائج سوق العمل وظروف العمل للعمال اليدويين الأساسيين بالضرورة أقل مواتاة من غيرهم.

وتسجل البلدان المنخفضة الدخل أدنى حصة من العمال اليدويين بنسبة 13.6% إجمالاً، مقارنة بنسبة 20.8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و18.8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. وتعكس الحصة المنخفضة في البلدان المنخفضة الدخل ضعف تطور قطاعها الصناعي، وتفضي إلى انتقال العاملين من العمل الزراعي إلى خدمات حضرية ذات قدرة محدودة على تحفيز النمو الاقتصادي المستدام. وتشير الأدلة من إثيوبيا إلى أنه حين يحدث تحول ملحوظ نحو الصناعة التحويلية، كثيراً ما تكون هذه الانتقالات إلى شركات صغيرة وغير منظمة، وتستتبع غياب الحماية العمالية والاجتماعية. وفي المقابل، تعتمد الشركات الأكبر والأكثر إنتاجية في القطاع المنظم اعتماداً أكبر على رأس المال والتقنيات الموفرة للعمل التي طُورت أصلاً في البلدان الأعلى دخلاً، مما يقيد خيارات العاملين الإثيوبيين ذوي المهارات المنخفضة في الوصول إلى فرص عمل أفضل.

وفي الطرف الآخر من الطيف، شهد العمل اليدوي في البلدان المرتفعة الدخل تحولات منهجية. فالأدلة من الولايات المتحدة مثلاً تبين أن العمالة الصناعية تراجعت بسبب منافسة الواردات. وعلاوة على ذلك، حوّل التغير التكنولوجي التركيز بعيداً عن المهام اليدوية القابلة للأتمتة الروتينية، ومن ثم الأداء بالآلات، نحو الأنشطة اليدوية غير الروتينية والمعرفية والتفاعلية التي تتطلب عملاً بشرياً. وقد أثر هذا التحول سلباً في بعض وظائف الإنتاج المتوسطة المهارة تقليدياً، لأنها تعتمد على نحو غير متناسب على الأنشطة اليدوية الروتينية. ومع ذلك، ورغم هذه التغيرات، يبقى العمل اليدوي مهماً في البلدان المرتفعة الدخل، حيث يمثل 16.4% من مجموع العمالة.

وللوضع التعاقدي للعمال اليدويين تبعات مهمة على ظروف عملهم، بما فيها حصولهم على التدريب. فالعمال اليدويون أرجح من العاملين في المهن الأخرى في حمل عقود مؤقتة. ويصح ذلك على جميع العمال اليدويين، وإن كان العمال اليدويون غير الأساسيين، ولا سيما في البناء، يميلون إلى معدلات أعلى من العقود المؤقتة من العمال اليدويين الأساسيين. ففي كولومبيا، شهد العاملون في الصناعة التحويلية ارتفاعاً في العقود المؤقتة من 20% عام 2000 إلى 35% عام 2014، مع انتشار العقود المؤقتة بوجه خاص في إنتاج الملابس والجلود والمنسوجات.

ومن القضايا الأخرى للعمال اليدويين الحصول على التدريب. فمسألة أفضل السبل لتحسين مهارات العمال اليدويين مهمة، بالنظر إلى أن بعضهم يعملون في وظائف منخفضة الإنتاجية وأن التغير التكنولوجي يحول طبيعة بعض مجالات العمل اليدوي. ويُعد التعليم والتدريب التقني والمهني وغيره من أشكال التعلم القائم على العمل مهماً لتحسين مهارات العمال اليدويين. ففي البلدان المرتفعة الدخل، حضر أكثر من نصف العمال اليدويين هذا التعليم في وقت ما من حياتهم، أي بما يزيد على عشر نقاط مئوية على حصة جميع المهن مجتمعة، دون فرق يذكر بحسب الصفة الأساسية. ومع ذلك، توجد في البلدان المرتفعة الدخل أنواع أخرى من العمل اليدوي، كعمل المستودعات، لا تتطلب سوى القليل من المهارات الرسمية. ويعد العاملون في المستودعات طلبات التسليم ويجمعونها، ويحملون المركبات الناقلة لهذه الطلبات ويفرغونها، ويجمعون إلكترونياً معلومات مخزون المستودع وينظمونها. وحتى في بلد كسويسرا، ذي التقاليد العريقة في التلمذة المهنية المزدوجة، لا يحتاج العاملون في المستودعات إلى استيفاء سوى القليل من المتطلبات الرسمية، باستثناء رخص القيادة المتخصصة. ويُتوقع منهم أداء مهام شاقة جسدياً والتواصل الجيد وامتلاك مهارات أساسية في تكنولوجيا المعلومات. ونتيجة لذلك، يسهل استبدال العاملين في المستودعات ويعانون من ظروف عمل سيئة.

وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، حضر هذا التعليم 20.7% من العمال اليدويين الأساسيين، مقارنة بنسبة 12.8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وتبلغ الحصتان المقابلتان للعمال اليدويين غير الأساسيين 18.0% و15.9% على التوالي. ويبين ذلك أنه لا يزال هناك مجال كبير لزيادة أهمية هذا التعليم في البلدان المتوسطة الدخل. وهذا الاستنتاج أهم في البلدان المنخفضة الدخل، حيث لم يحضر هذا التعليم سوى 5.7% من العاملين الأساسيين و6.8% من غيرهم المستخدمين في المهن اليدوية. وهذه الحصص أدنى بكثير من معدل الحضور عبر المهن، مما يوحي بأن العمال اليدويين في البلدان المنخفضة الدخل متأخرون من حيث مؤهلاتهم وفرصهم في سوق العمل.

الإطار 4.5 العاملون في المستودعات وجائحة كوفيد 19

أدت عمليات الإغلاق المفروضة للحد من جائحة كوفيد 19 إلى إغلاق المتاجر لفترة ممتدة. وعززت هذه الإغلاقات، مقترنة بمخاوف الزبائن من العدوى عبر الاحتكاك الشخصي، التحول الجاري أصلاً نحو التجارة الإلكترونية.

فالصين مثلاً شهدت نمواً كبيراً في التجارة الإلكترونية قبل الجائحة، وتركيزاً استراتيجياً على الخدمات اللوجستية والتوصيل الفعالين ارتبط بمنافسة شديدة بين الشركات. وخلال الجائحة، اضطلعت منصات التجارة الإلكترونية بدور إضافي هو توزيع المنتجات الأساسية كالمستلزمات الطبية والغذاء. فمن نهاية يناير إلى منتصف فبراير 2020، زاد التوصيل إلى المنازل عبر إحدى المنصات الصينية الكبرى بنسبة 450% إجمالاً، وأكثر من ذلك في فئتي منتجات اللحوم والخضروات. وفي إطار عمليات إغلاق شيآن وشنغهاي، صارت منصات تجارة إلكترونية كثيرة السبيل الوحيد أمام السكان لشراء الغذاء والضروريات الأخرى. وإلى جانب زيادة طلب المستهلكين، أثرت القيود على التنقل في التخزين والتوصيل؛ فوفقاً لمسح أجراه اتحاد الصين للخدمات اللوجستية والمشتريات، أفادت 74% من الشركات المشمولة بالمسح بمواجهة تحديات كبيرة بسبب القيود على النقل. وباختصار، تُرجمت التغيرات في السياسات وزيادة طلب المستهلكين خلال الجائحة إلى زيادة في عدم القدرة على التنبؤ والضغط على المستودعات والعاملين فيها.

وفي أنحاء العالم، تميل ظروف عمل العاملين في المستودعات إلى السوء. فتبين الأدلة من فرنسا والمملكة المتحدة أن عمل المستودعات ينطوي عادة على أجر منخفض نسبياً، وانتشار مرتفع للعقود المؤقتة، ودوران مرتفع للعاملين، وتوقعات قليلة للتدريب والترقي المهني، وأماكن عمل تقع في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، وأوجه قصور في ظروف السلامة والصحة. ونتيجة لذلك، يواجه بعض أصحاب العمل نقصاً في اليد العاملة وشيخوخة في القوى العاملة. وفي الصين، تعتمد صناعة التجارة الإلكترونية بصورة متزايدة على شركات خارجية تستخدم عمالاً باليومية. وأفاد عاملون في المستودعات في منتديات إلكترونية بأنهم يعملون ساعات طويلة بالتناوب بين المناوبات النهارية والليلية، ويرفعون منتجات ثقيلة طوال الوقت، ولا يتلقون أجورهم أحياناً. وخلال إغلاقي شيآن وشنغهاي، أشادت قناة الاتصال الرسمية لإحدى كبريات شركات الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد بعامليها في المستودعات الذين اضطروا إلى العيش في مقار المستودعات لضمان سلاسة عمليات توزيع جميع السلع الأساسية، واضطر هؤلاء إلى الانتظار في الطوابير ساعات طويلة في الشتاء لإجراء فحوصهم اليومية.

وفي بعض الحالات، تجعل الابتكارات التكنولوجية وضع العاملين في المستودعات أكثر هشاشة. فتصور دراسة في الولايات المتحدة التخزين صناعة ذات هوامش ربح منخفضة وإحجام ناجم عن ذلك عن الاستثمار في التقنيات الجديدة. ومن ثم لا يُتوقع على المدى القصير والمتوسط فقدان واسع لوظائف العاملين في المستودعات، ولا تزال المستودعات المؤتمتة بالكامل، كتلك التي طورتها إحدى الشركات الصينية للخدمات اللوجستية، استثناء. ومع ذلك، يرتبط التسليم في الوقت المناسب لكثير من السلع الصغيرة أصلاً بعمليات انتقاء مؤتمتة ومحاولات أخرى لتقليل الطلب على اليد العاملة. وتُستخدم التكنولوجيا كذلك لتبسيط المهام الأكثر تعقيداً التي يؤديها العاملون حتى الآن، مما يعني أن أنشطتهم تصبح أكثر روتينية ومن ثم أقل أجراً. كما تُستخدم التكنولوجيا لمراقبة العاملين ومعاقبتهم. فيُنتقد كبار أصحاب العمل الدوليين في التجارة الإلكترونية لقياسهم المستمر لسرعة عامليهم في المستودعات وتسجيلهم أي خطأ يرتكبونه، ثم استخدام هذه المعلومات الإلكترونية لإدارة أداء موحدة، مما يخلق جواً عمل من الضغط والاغتراب.

والاستثمار في المهارات وسيلة لتحسين وضع العاملين في المستودعات. فالتكنولوجيا الحديثة تتطلب عاملين قادرين على استخدامها، مما يستلزم بدوره مهارات معرفية واجتماعية عاطفية إلى جانب المهارات اليدوية. وقد يرتبط هذا الطلب على المهارات بإمكانات أمام العاملين في المستودعات لحضور تدريب إضافي ومن ثم الوصول إلى وظائف أعلى مهارة وأفضل حماية. وفي الوقت نفسه، ثمة أمثلة كثيرة على استخدام التكنولوجيا في التخزين لتقليل اليد العاملة وخفض متطلبات المهارات، إذ كثيراً ما تُجرى مراقبة الروبوتات وصيانتها عن بعد لا بواسطة العاملين في المستودعات أنفسهم. ولو كان العاملون في المستودعات أفضل تنظيماً للدفاع عن مصالحهم الجماعية، لاستطاعوا التفاوض على مزيد من استثمارات أصحاب العمل في مهاراتهم. ففي الدنمارك مثلاً، يعزز الاتفاق الجماعي لعمل المستودعات للفترة من 2020 إلى 2023 تنمية المهارات والتدريب بهدف تحسين مهارات العاملين في المستودعات وتنافسية أصحاب عملهم؛ إذ يساهم أصحاب العمل برسم سنوي عن كل عامل بدوام كامل في صندوق يمول أنشطة التدريب هذه.

4.6 التنظيف والصرف الصحي: مؤقتون ومنخفضو الأجر

يحافظ العاملون في التنظيف والصرف الصحي على الشوارع والمباني والأماكن المشتركة الأخرى صالحة للعيش وصحية. وهم يشملون عمال النظافة وعمال تنظيف المباني ومشغلي إدارة النفايات وجامعي النفايات ومن يفرغون الحفر وخزانات الصرف، ويمكن أن يعملوا بصورة منظمة أو غير منظمة، مستخدمين أو لحسابهم الخاص. وفي المتوسط، يمثل العاملون في التنظيف والصرف الصحي في القطاعات الاقتصادية الأساسية 5.4% من مجموع العاملين الأساسيين، وترتفع الحصة قليلاً في البلدان المرتفعة الدخل إلى 7.1%. ومن السمات المميزة لهذه المجموعة المهنية وجود العاملين المهاجرين الدوليين؛ إذ كانت حصة المهاجرين بين العاملين الأساسيين في التنظيف والصرف الصحي، بقرابة 11% في المتوسط، أعلى منها في أي مهنة أساسية أخرى. غير أن هناك تفاوتاً كبيراً بين البلدان والأقاليم، إذ تتراوح حصة العاملين المهاجرين الدوليين بين العاملين الأساسيين في التنظيف والصرف الصحي بين أقل من 1% في ليسوتو وتركيا وكوسوفو وأكثر من 50% في سويسرا والنمسا.

ومن الخصائص المميزة لقطاع التنظيف والصرف الصحي الاستخدام المرتفع للعقود المؤقتة، بما في ذلك من قبل مؤسسات عامة كالبلديات. ففي المتوسط، يحمل واحد من كل ثلاثة مستخدمين في التنظيف والصرف الصحي في الأنشطة الاقتصادية الأساسية عقداً مؤقتاً بنسبة 30.2%، وكثيراً ما يكون مستخدماً عبر مقاول من الباطن. وتنخفض حصة العمل المؤقت في البلدان المرتفعة الدخل إلى 17%، لكنها تبلغ 41% في الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأدنى. وثمة فوارق كبيرة بين البلدان في نسبة العمل المؤقت؛ فهي مثلاً أقل من 2% في جورجيا، بينما تبلغ نحو 82% في بوتسوانا.

ومع اختلاف شروط العمل المؤقت بين البلدان، فإن العقود المؤقتة، ولا سيما للأنشطة المستمرة بطبيعتها، تُستخدم في معظم الحالات وسيلةً لخفض تكاليف العمل، لأن العاملين المؤقتين كثيراً ما لا يتلقون مستوى الأجر والمزايا نفسه الذي يتلقاه العاملون بعقود مفتوحة المدة. وكما ذُكر، كثيراً ما يحدث العمل المؤقت في التنظيف والصرف الصحي عبر التعاقد من الباطن، مع اعتماد المقاولين بدورهم على اليد العاملة المؤقتة. ففي اليونان والهند مثلاً، تستخدم البلديات عاملي الصرف الصحي عبر مقاولين من الباطن، وتستخدم العقود المؤقتة وتواصل تجديدها بعد انتهاء كل عقد بدلاً من منح العاملين وظائف دائمة. وفي الهند، ورغم صدور عدة أحكام قضائية تقضي بأن تمنح البلديات عاملي الصرف الصحي وظائف دائمة بدلاً من تجديد عقودهم المؤقتة، لم تُعالج المشكلة معالجة كاملة.

ومع أن العقود المؤقتة لا تعني بالضرورة ظروف عمل سيئة ويمكن أن تكون نقطة انطلاق إلى سوق العمل، فإن لها نتائج سلبية عدة كما نوقش في الفصل الثالث. فالعمل المؤقت يرتبط عادة بانخفاض الأجور، وتكون هذه العقوبات أكبر لدى العاملين منخفضي الأجر. وفي مهن التنظيف والصرف الصحي، تُعد الهند مثالاً نموذجياً على عدم المساواة في الأجور بين العاملين المؤقتين والدائمين؛ إذ يُقدر أن أجور عمال التنظيف ذوي العقود المؤقتة في الهند أقل من نصف أجور نظرائهم الدائمين، ودون المستويات التي تكفي احتياجاتهم الأساسية. وعلى نحو مماثل، في ماليزيا، عمال تنظيف المستشفيات عاملون متعاقدون تستخدمهم شركات تتعاقد معها الحكومة من الباطن. وبوصفهم عاملين متعاقدين، لا يتلقى عمال التنظيف عادة سوى الحد الأدنى للأجر الشهري، ولا يستحقون مزايا الاستخدام كالزيادة السنوية في الأجر والعطلات الرسمية المدفوعة والمكافآت وتعويض نهاية الخدمة.

وبوجه عام، يميل العاملون في المناصب المؤقتة إلى مواجهة مخاطر أكبر على الصحة وحوادث العمل من المستخدمين بعقود دائمة. ويصح ذلك أيضاً في قطاع التنظيف والصرف الصحي بسبب نقص التدريب وبيئة العمل العالية الخطورة. فعمال التنظيف يتعرضون لحوادث صناعية من التعامل مع المواد الكيميائية كعوامل التنظيف، والتعرض للتلوث بمسببات الأمراض والغبار والغاز أثناء عملهم. وبسبب بيئة عملهم، التي يستخدمون فيها كيماويات التنظيف ويتعاملون كثيراً مع إفرازات عدد غير محدد من الناس كما في دورات المياه، فإن عمال التنظيف أرجح أيضاً في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي. وفي الهند، تقع حوادث عمل كثيرة بين العاملين المؤقتين في قطاع الصرف الصحي، ولا سيما في أعمال الصرف الصحي اليدوية. وخلال تفشي كوفيد 19 في أحد المطارات الصينية، كان موظفو التنظيف المستخدمون عبر مقاولين من الباطن بعقود مؤقتة أول المصابين وناقلي الفيروس، إذ عانوا من هشاشة في السلامة والصحة على المستويين الفردي والسياقي، بما فيها مخاطر مكان العمل وعدم كفاية التدريب على البروتوكولات المناسبة.

وتشير الأدلة من البلدان النامية إلى أن انعدام الأمان في العمل مرتفع بوجه خاص لدى جامعي النفايات الذين يفرغون النفايات والأشياء المهملة ويجمعونها. ويُعد جامعو النفايات من المصادر الرئيسية لإعادة التدوير في العالم النامي. ويُقدر أنهم يشكلون 0.7% من العمالة الحضرية في جنوب أفريقيا و0.1% في الهند. ومع أن حصتهم من مجموع العمالة صغيرة، فإنهم يمثلون أعداداً كبيرة، ولا سيما في البلدان المكتظة بالسكان؛ ففي الهند، يُقدر أنه كان هناك 2.2 مليون جامع نفايات بين عامي 2018 و2019، وهذا الرقم على الأرجح حد أدنى بالنظر إلى صعوبات جمع البيانات.

وفي بعض البلدان النامية، يُعد جمع النفايات الشكل السائد لجمع النفايات الصلبة، ويؤدي دوراً حاسماً في ضمان الصحة والسلامة العامتين والاستدامة البيئية. ومع ذلك، يعاني جامعو النفايات من ظروف عمل سيئة ومكانة اجتماعية متدنية، ولا يتلقون إلا القليل من الدعم الحكومي.

الإطار 4.6 جامعو النفايات

يعاني جامعو النفايات غير المنظمين من ظروف عمل سيئة. ففي ناكورو بكينيا، أشار 72% من جامعي النفايات الذين شملتهم دراسة إلى أن غياب الوصول إلى سوق منظمة أثر سلباً في عملهم. وحتى في البلدان التي يكون فيها جامعو النفايات مسجلين في معظمهم، كجنوب أفريقيا، يقل دخلهم كثيراً عن متوسط الدخل في البلد. ونتيجة لذلك، يفيد كثير من جامعي النفايات بأنهم يعتمدون على شبكاتهم الاجتماعية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك استهلاك الغذاء. وعلاوة على ذلك، يتعرض العاملون في جمع النفايات الصلبة لأمراض وعداوى فيروسية عديدة، بما فيها كوفيد 19. ويزيد نقص التعليم والتدريب ومحدودية الوصول إلى الصرف الصحي والنظافة والتعرض المرتفع للنفايات الملوثة من المخاطر الصحية لجامعي النفايات.

وإضافة إلى ذلك، يتعرض جامعو النفايات في بعض الحالات للتمييز والعنف، ولا سيما حين ينتمون إلى أقليات دينية أو عرقية أو إلى طبقات اجتماعية معينة. فقد أبرزت إجابات مسح حديث أُجري في أحمد آباد بالهند مثلاً أن الإقصاء الاجتماعي والعنف يميلان إلى التأثير في جامعات النفايات حين يعملن في مناطق يسكنها مقيمون وأعمال يُنظر إليها على أنها من طبقات ومكانات أعلى.

والتنظيم وسيلة لتحسين ظروف عمل جامعي النفايات. ففي بيلو هوريزونتي بالبرازيل، جامعو النفايات منظمون تنظيماً عالياً ويحققون دخلاً أعلى نسبياً من غيرهم من العاملين في وظائف القطاع غير المنظم، إذ يتلقون حصة من مكافآت إعادة التدوير الممنوحة لكل تعاونية بحسب كمية المواد القابلة لإعادة التدوير التي تجمعها. وفي بوغوتا بكولومبيا، اعترفت الحكومة البلدية رسمياً بجامعي النفايات عاملين قانونيين، ومنحتهم حق التقدم بعطاءات للعقود البلدية. وفي المقابل، في تركيا، حيث لا يُسمح لجامعي النفايات بالاندماج رسمياً في خدمات جمع النفايات وإعادة تدويرها، يواجه جامعو النفايات ظروف عمل بالغة الصعوبة ويواجه ذوو الوضع المهاجر منهم خطر الترحيل.

ومن حيث الدخل، فإن عدداً كبيراً من المستخدمين الأساسيين بأجر في التنظيف والصرف الصحي منخفضو الأجر، أي إن دخلهم يقل عن ثلثي وسيط الأجر بالساعة. ففي العينة الفرعية من البلدان التي تتوافر عنها معلومات عن الدخل بالساعة، يُعد 31% من المستخدمين الأساسيين في التنظيف والصرف الصحي منخفضي الأجر. وتتفاوت هذه الحصة قليلاً بين فئات دخل البلدان؛ إذ يُعد 29% منهم منخفضي الأجر في البلدان المرتفعة والمتوسطة الأعلى الدخل، و33% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. لكن بالنظر إلى أوضاع البلدان فرادى، تُلاحظ تفاوتات جغرافية مهمة؛ إذ تبلغ حصة منخفضي الأجر من المستخدمين الأساسيين في التنظيف والصرف الصحي 72% في الاتحاد الروسي و60% في أوكرانيا، بينما لا تتجاوز 10% و8% في السلفادور والبرتغال على التوالي.

وفي بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي التي تتوافر عنها معلومات، لا يتجاوز منخفضو الأجر في المتوسط 22% من المستخدمين الأساسيين في التنظيف والصرف الصحي. وقد يُفسر هذا المستوى المنخفض نسبياً جزئياً بالاهتمام الحديث في المنطقة بظروف عمل العاملين المنزليين، الذي أسهم بدوره ربما في رفع المعايير لفئة عمال التنظيف والمساعدين المهنية بأكملها حتى حين لا يكون مكان العمل أسرة معيشية. ففي عام 2019، كان من بين 32 بلداً صدقت على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال المنزليين لعام 2011 (رقم 189) ثمانية عشر بلداً من أمريكا اللاتينية والكاريبي. وتقدم الاتفاقية توجيهات بشأن ضمان الحقوق والحماية الاجتماعية للعاملين المنزليين، بما في ذلك ضمان تمتعهم بتغطية الحد الأدنى للأجور حيثما وُجدت، وتحديد الأجور دون تمييز على أساس الجنس. وفي هذا السياق، نفذت بلدان عدة في المنطقة إصلاحات في تشريعات العمل لديها لمواءمتها مع مبادئ الاتفاقية. ففي دولة بوليفيا المتعددة القوميات والبرازيل وإكوادور وغواتيمالا مثلاً، تساوي القوانين القائمة بين الحد الأدنى لأجور العاملين المنزليين المأجورين والحد الأدنى الوطني للأجور، كما تساوي الحد الأقصى لساعات عملهم بسائر المستخدمين بأجر. وأخيراً، ربما دعم ارتفاع الطلب في سوق العمل على المستخدمين في التنظيف والصرف الصحي في أمريكا اللاتينية أجورهم أيضاً؛ إذ إن فئة موظفي التنظيف والصيانة هي الفئة الوظيفية التي زادت فيها العمالة أكثر من غيرها بين عامي 2000 و2015 في أمريكا اللاتينية والكاريبي، في سياق تراجع العمالة في المهن اليدوية القابلة للأتمتة وتزايد الطلب على وظائف قطاع الخدمات المنخفضة المهارة.

وداخل البلدان، قد يمر المستخدمون الأساسيون بأجر في التنظيف والصرف الصحي بأوضاع مختلفة من حيث الدخل، بما في ذلك بين الجنسين. فمع أن النساء يمثلن قرابة نصف المستخدمين الأساسيين بأجر في التنظيف والصرف الصحي، بنسبة 46% في المتوسط في العينة الفرعية من البلدان التي تتوافر عنها معلومات عن دخل هذه المجموعة المهنية، فإن أجورهن بالساعة تقل عموماً عن أجور نظرائهن الذكور. ومن بين البلدان التي تتيح بياناتها تقدير الفرق في الأجور بين الذكور والإناث في هذه الفئة، لا تكون الفجوة لصالح النساء إلا في بلدان قليلة. والفلبين من الاستثناءات، إذ تكسب المستخدمات الأساسيات في التنظيف والصرف الصحي في المتوسط أكثر بنسبة 20% من المستخدمين الأساسيين الذكور في الفئة نفسها. وفي غيانا وبنما، تبلغ الفجوة 9% و15% على التوالي لصالح النساء أيضاً. وفي الطرف الآخر، يكون حال الرجال أفضل في المتوسط في مصر والولايات المتحدة، حيث تبلغ الفجوة 34% و27% على التوالي.

4.7 العاملون في النقل: ساعات عمل طويلة وسلامة وصحة مهنيتان ضعيفتان

قال سائق شاحنة في الولايات المتحدة إنه لم يسمع أي ذكر لحصول سائقي الشاحنات على اللقاح، فتعجب من ذلك لأنهم في الخطوط الأمامية وفي قلبها، ولولاهم لما وصل اللقاح أصلاً.

العاملون في النقل ضروريون للمجتمع لأنهم يضمنون النقل اليومي للسلع والأشخاص. ومع صعوبة تعميم عمل النقل بوصفه نوعاً واحداً من العمل، فإن العاملين في النقل يشملون بوجه عام جميع السائقين والمشغلين المشاركين في نقل السلع أو الأشخاص أو الحيوانات، كعمال السكك الحديدية وسائقي الشاحنات والبحارة وسائقي الحافلات والعاملين في قطارات الأنفاق وسائقي الدراجات النارية والسيارات وسيارات الأجرة والشاحنات الصغيرة ومشغلي الآلات المتنقلة ومن يمارسون أشكالاً أخرى من النقل الحضري. وعلى المستوى العالمي، يبلغ متوسط حصة العاملين في النقل من العمالة 4.7%، وقد عُدّ معظمهم عاملين أساسيين خلال الجائحة.

وتبلغ حصة العاملين في النقل ذروتها في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 5.7%، تليها البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 4.6%. ويعود ذلك إلى قوة الطلب على خدمات النقل في البلدان المتوسطة الدخل، ولا سيما في المدن الكبرى، وإلى سهولة دخول العاملين إلى القطاع نسبياً. فقد كان النقل الحضري، المقدم في الغالب بصورة غير منظمة، تقليدياً مصدراً مهماً للعمالة، ولا سيما للشباب الذكور والمهاجرين الداخليين من المناطق الريفية. وفي البلدان المنخفضة الدخل، تقل حصة العمالة في النقل إلى 2.7%. وفي هذه البلدان، تتنوع علاقات العمل لتشمل المستخدمين غير المنظمين والعاملين غير المنظمين لحسابهم الخاص على السواء، ويمثل النقل الحضري غير المنظم قرابة 90% من النقل الحضري في مدن أفريقية كثيرة. وفي أوغندا، يُعد النقل بسيارات الأجرة على الدراجات الهوائية والنارية ثاني أكبر مصدر للعمالة بعد الزراعة. وفي المقابل، في البلدان المرتفعة الدخل، حيث يعمل في المتوسط 4.1% من جميع العاملين في النقل، فإن معظم العاملين في النقل سائقو حافلات وشاحنات ثقيلة.

ومن السمات المميزة لقطاع النقل ارتفاع مستوى الفصل بين الجنسين؛ إذ لا تتجاوز حصة النساء بين العاملين الأساسيين في النقل 2.7%، وهي أدنى بكثير من أي فئة أخرى من الفئات المحللة في هذا التقرير. وأقربها الأمن، حيث تبلغ حصة الإناث بين العاملين الأساسيين 12.6%. ويعمل في هذا القطاع عدد أكبر قليلاً من النساء في البلدان المرتفعة الدخل، لكن الحصة تظل منخفضة عند 5.3%. وتثني عوامل مختلفة أصحاب العمل عن توظيف النساء، من الحاجة إلى مرافق صحية إضافية إلى الصور النمطية الجنسانية الكامنة. فعلى سبيل المثال، اضطرت شركات ذات حصص كبيرة نسبياً من العاملات في النقل في جمهورية كوريا إلى تنظيم تدريب على المراعاة الجنسانية في مكان العمل للتغلب على تحيز جنساني شديد. ومن الشواغل الأخرى ارتفاع مستوى العنف والتحرش الجنسي في القطاع، مع تعرض النساء لخطر أكبر.

وساعات العمل الطويلة مشكلة شائعة في أشكال النقل المنظمة وغير المنظمة على السواء. فعلى المستوى العالمي، يعمل 63.7% من العاملين في النقل أكثر من 40 ساعة أسبوعياً، و41.8% أكثر من 48 ساعة، وهو التعريف الرسمي للساعات المفرطة. وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يعمل 61.5% من العاملين في النقل ساعات مفرطة، وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، حيث يصح ذلك على 52.4% منهم. وحتى في البلدان المرتفعة الدخل، يعمل 23.2% من العاملين في النقل أكثر من 48 ساعة أسبوعياً. وبالنظر إلى متوسط ساعات العمل للعاملين الأساسيين في النقل، فهي طويلة بوجه خاص في البلدان ذات مستويات الدخل المنخفضة؛ إذ تبلغ مثلاً 63.4 ساعة أسبوعياً في غامبيا وقرابة 61 ساعة في ليبيريا وأوغندا. والأكثر إثارة للقلق أن سائقي سيارات الأجرة والحافلات الصغيرة غير المنظمين يعملون عادة بين 60 و80 ساعة أسبوعياً في البلدان النامية. فقد أفاد سائقو الحافلات الصغيرة في لواندا بأنغولا مثلاً بأنهم يبدأون العمل نحو الخامسة صباحاً دون ساعات محددة أو حد معين.

فما أسباب ساعات العمل الطويلة للعاملين الأساسيين في النقل؟ من بينها طبيعة عمل النقل في البلدان الأفقر؛ فغياب تدابير الحماية الاجتماعية وتدني الدخل يجبران هؤلاء العاملين في الغالب على العمل ساعات طويلة. ففي أفريقيا، يستأجر معظم العاملين غير المنظمين في النقل مركباتهم من مالك، ويعمل هؤلاء العاملون لحسابهم الخاص ساعات طويلة لكسب دخل كافٍ لتغطية رسوم الإيجار المرتفعة وتكاليف التشغيل الأخرى. وحتى سائقو الريكشا في نيبال الذين يملكون مركباتهم يضطرون عادة إلى اقتراض المال لشرائها، فيعملون ساعات طويلة ليتمكنوا من سداد ديونهم وتغطية تكاليف الوقود ومع ذلك تحقيق ربح.

ويمكن إيجاد ديناميكيات مماثلة في الصناعة في بعض البلدان المرتفعة الدخل. ومن الأمثلة النقل بالشاحنات لمسافات طويلة في الولايات المتحدة، الذي شهد على مدى العقود الأخيرة اتجاهاً إلى تحويل العاملين إلى وضع المتعاقدين المستقلين. وتعني هذه الممارسة أن السائقين يعملون عادة ما يعادل وظيفتين بدوام كامل لتغطية تكاليف الإيجار وتكاليف التشغيل الإضافية، بينما يظل دخلهم دون مستوى الحد الأدنى للأجور. وليس مستغرباً أن يعاني القطاع من دوران مرتفع ونقص مزمن في اليد العاملة.

ويعمل العاملون الأساسيون في النقل القائم على التطبيقات ساعات طويلة أيضاً. فتشير الأدلة من المنتديات الإلكترونية لسائقي التطبيقات إلى أنهم بمجرد تسجيل الدخول إلى النظام لا يستطيعون رفض الزبائن، لأنهم يخاطرون بالحجب من المنصة إن فعلوا. فالتكنولوجيا مصممة لإبقاء السائقين يعملون ما دام هناك زبائن، مما يشجع على الساعات الطويلة. وتبين بيانات مسح أجرته منظمة العمل الدولية في الهند أن سائقي سيارات الأجرة عبر التطبيقات يعملون في المتوسط 82 ساعة أسبوعياً، ويعمل 41% منهم سبعة أيام في الأسبوع. وفي إندونيسيا، يفيد سائقو سيارات الأجرة على الدراجات النارية عبر التطبيقات بأنهم يعملون ساعات طويلة جداً بسبب تدني دخلهم، وتتفاقم هذه الضغوط المالية بحاجتهم إلى تغطية تكاليف التأمين الخاص بسبب وضعهم بوصفهم عاملين لحسابهم الخاص. وفي أنحاء العالم، يقع معظم سائقي التطبيقات في أوضاع مماثلة.

ويواجه جميع العاملين في النقل تقريباً مخاطر عدة على الصحة والسلامة. فسائقو الشاحنات مثلاً معرضون للحوادث، ربما بسبب ساعات العمل الطويلة. ففي عام 2019، وقع في الولايات المتحدة 123 ألف حادث اصطدام شاركت فيه شاحنات ثقيلة، منها 5 آلاف حادث مميت. وإضافة إلى ذلك، تشير الأدلة من سائقي الشاحنات الأمريكيين إلى أن العاملين الذين يقودون ساعات أطول أرجح في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وعلى نحو مماثل، تشير نتائج من كولومبيا إلى أن العاملين في النقل الذين يعانون من إجهاد مرتبط بالعمل أرجح في التورط في حادث.

وليس مستغرباً أن تكون قضايا الصحة والسلامة أسوأ لدى العاملين الأساسيين في النقل في العالم النامي، حيث يضطر هؤلاء كثيراً إلى قيادة مركبات غير آمنة على طرق غير آمنة دون تلقي أي تدريب رسمي. وتفضي بيئات العمل هذه إلى معدلات حوادث مرتفعة وترتبط بتعرض مرتفع للحرارة والغبار والضوضاء. فتشير الأدلة من الهند إلى أن كثيراً من سائقي الريكشا يفيدون بصداع مستمر وإصابات ومشكلات في العين نتيجة التعرض لظروف عمل غير صحية.

وفي هذا الصدد، يستحق البحارة الإشارة، إذ يميلون إلى مواجهة أمراض وحوادث مرتبطة بالإرهاق، وأمراض مزمنة كالاضطرابات الأيضية، ومعدلات أعلى من الاعتلال. فالبحارة يعملون في أماكن ضيقة بين عشر واثنتي عشرة ساعة يومياً، حيث يتعرضون كثيراً لمستويات عالية من الإجهاد. ويحملون عادة عقوداً تدوم بين أربعة وستة أشهر تليها فترة إجازة. ومن الشائع تنظيم العمل بالمناوبات وفق نظام الحراسة، إما بمناوبتين من أربع ساعات يومياً أو مناوبتين من ست ساعات، لضمان تشغيل السفن باستمرار. ونتيجة لذلك، يشيع الإرهاق في مكان العمل. فتشير بيانات من المملكة المتحدة إلى وقوع 1192 حادثاً عام 2019 على السفن البريطانية وحدها. ويمكن إرجاع هذه الحوادث إلى الإرهاق الناجم عن ساعات العمل الطويلة؛ فقد قُدر أن واحداً من كل أربعة بحارة يغفو أثناء الخدمة من الإنهاك. وثمة دراسات ربطت الإرهاق الطويل الأمد بأمراض كثيرة، منها السرطان. كما يستخدم القطاع بانتظام العقود المؤقتة ووكالات التوظيف من أطراف ثالثة. وقد صارت هذه الاتجاهات أوضح بمرور الوقت مع تجاوز استخدام العاملين من البلدان النامية استخدام البحارة من الاقتصادات المتقدمة.

الإطار 4.7 ظروف عمل البحارة وجائحة كوفيد 19

مع نقل أكثر من 90% من التجارة العالمية بحراً، أدى بحارة العالم البالغ عددهم مليوني بحار دوراً حاسماً خلال الجائحة. فقد ضمن عملهم التشغيل السلس المتواصل لسلاسل الإمداد، بما في ذلك نقل الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية.

ومع ذلك قلبت جائحة كوفيد 19 حياة البحارة رأساً على عقب. فقد زاد عدم القدرة على التباعد الاجتماعي على متن السفن ونقص معدات الحماية الشخصية من احتمال تعرض البحارة للفيروس. وكان البحارة أيضاً تحت رحمة قرارات السياسات المتغيرة باستمرار التي تتخذها ولايات قضائية متعددة تحكم وصولهم إلى الإعادة إلى الوطن والرعاية الطبية والإجازة البرية. ونتيجة لذلك، لم تُحترم الحمايات الممنوحة للبحارة بموجب اتفاقية العمل البحري لعام 2006 بصيغتها المعدلة فيما يتعلق بالإعادة إلى الوطن والوصول إلى الرعاية الطبية على البر والإجازة البرية. فبموجب هذه الاتفاقية، تُحدد المدة القصوى للخدمة على متن السفينة مبدئياً بأحد عشر شهراً، لضمان حماية رفاه البحارة، كما تضع الاتفاقية معايير دنيا للأجر وساعات العمل وغيرها من ظروف العمل.

وحين بدأت الجائحة، تعلقت الاحتياجات الفورية بإدارة الحالات النشطة على متن السفن، بما في ذلك استخدام معدات الحماية وتطبيق التباعد الاجتماعي للحد من انتشار الفيروس. غير أن الوصول إلى هذه المعدات كان محدوداً آنذاك والنصائح بشأن استخدامها متضاربة. فعلى سبيل المثال، تذكر بحار على سفينة سياحية كيف طلب طاقم المبيعات ارتداء الكمامات، لكن الشركة لم تسمح بذلك لسببين: أولاً، كانت الشركة تلتزم بنصائح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها التي لم تكن توصي آنذاك باستخدام الكمامات؛ وثانياً، لأن الكمامات ستؤثر في خدمة الابتسامة لدى العاملين في المبيعات. وأُبلغ أيضاً عن نقص في معدات الحماية بين البحارة، إلى جانب عدم استخدامها من قبل موظفي البر أثناء زياراتهم للسفن. وتجلت الطبيعة المعدية للفيروس، مقرونة بمحدودية القدرة على التباعد الاجتماعي، على نحو علني أكثر ما يكون على السفن السياحية. فمن بين 3711 راكباً وفرداً من الطاقم على متن إحدى السفن التي وصلت إلى اليابان في فبراير 2020، أصيب 712 شخصاً بالفيروس، أي 19%، وتوفي 13 شخصاً. وعلى سفينة أخرى وصلت إلى غرب أستراليا في مارس 2020، أصيب 85 من 1335 فرداً من الطاقم والركاب، أي 6%، وتوفي 4 أشخاص.

وكان الوصول إلى الرعاية الطبية عاملاً إضافياً فاقم أثر الجائحة في حياة البحارة. فبينما استطاع البحارة المصابون بحالات خفيفة التعافي على متن السفن، كثيراً ما واجه ذوو الحالات الأخطر صعوبات في الحصول على الرعاية الطبية على البر. كما حُرم بحارة كثيرون محتاجون إلى مساعدة عاجلة نتيجة أمراض أخرى أو مشكلات في الأسنان من الرعاية الطبية. وفي ذروة الأزمة، لم يتمكن 400 ألف بحار من مغادرة سفنهم، وبحلول يوليو 2021 انخفض هذا العدد إلى نحو 250 ألفاً. وعلى مدى الجائحة، بقي بعض البحارة على السفن أكثر من ثمانية عشر شهراً.

ومنذ بداية الجائحة، دعت منظمة العمل الدولية، إلى جانب المنظمة البحرية الدولية ومنظمة الطيران المدني الدولي، الحكومات إلى تيسير تبديل الطواقم وتصنيف البحارة عاملين أساسيين يقدمون خدمات ضرورية. وكرر الأمين العام للأمم المتحدة هذه الدعوة لاحقاً، ووردت في قرارات مهمة اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس إدارة منظمة العمل الدولية وعدة هيئات تابعة للمنظمة البحرية الدولية. وعلى نحو مماثل، شجعت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات الحكومات بقوة على الاعتراف بالبحارة عاملين أساسيين وتطبيق عواقب هذا التصنيف عملياً، من أجل استعادة احترام حقوقهم المنصوص عليها في اتفاقية العمل البحري. ومع ذلك، وبحلول مايو 2022، لم يعترف بالبحارة عاملين أساسيين سوى 68 من 178 دولة عضواً وعضواً منتسباً في المنظمة البحرية الدولية. وأعاق غياب هذا الاعتراف في أنحاء العالم بشدة قدرة السفن على تبديل الطواقم، مما أدى إلى زيادة عدد البحارة الملزمين بالبقاء على متن السفن فترات طويلة بعد انتهاء عقودهم.

لكن كون المرء عاملاً أساسياً في النقل لا يعني بالضرورة التعرض لمخاطر الصحة والسلامة، إذ توجد آليات مفاقمة أو مخففة. فيمكن التخفيف من الإجهاد المرتبط بالعمل بلوائح تنظم وقت العمل والجداول؛ فقوانين الاتحاد الأوروبي مثلاً تضع حداً قدره تسع ساعات للحد الأقصى من الساعات التي يمكن أن يقود فيها العامل في النقل يومياً للحد من خطر الحوادث. وعلاوة على ذلك، يمكن للتدخلات التنظيمية أن تخفف الآثار السلبية للنقل على السلامة والصحة. فبالنسبة إلى العنف مثلاً، يُحتج بأن التدريب على السلامة يمكن أن يقلل العنف الذي يواجهه العاملون في النقل أو على الأقل يعلمهم كيفية التعامل مع الأفعال العنيفة. ويمكن للشركات والبلدان أيضاً أن تقلل العواقب الصحية السلبية للعمل على العاملين الأساسيين في النقل؛ فشركة في بلجيكا مثلاً تقدم التدريب والنشرات لسائقي شاحناتها الجدد لمساعدتهم على تجنب أنواع مختلفة من الأمراض العضلية أثناء القيادة.

4.8 الفنيون وعاملو الدعم الكتابي: تحديات العمل البريدي

تتألف المجموعة المهنية الثامنة والأخيرة من مهنتين متبقيتين تستخدمان حصة صغيرة من العاملين الأساسيين: المهنيون المساعدون في العلوم والهندسة، وعاملو الدعم الكتابي الآخرون. ويؤدي كثير من هؤلاء العاملين أنشطة ضرورية خلال الأزمات، ولذلك عُدّوا عاملين أساسيين خلال جائحة كوفيد 19.

ويمثل المهنيون المساعدون في العلوم والهندسة 1.5% من جميع المشتغلين عبر البلدان. وتتراجع هذه الحصة مع مستويات دخل البلدان، من 3.1% في البلدان المرتفعة الدخل إلى 0.5% في البلدان المنخفضة الدخل. وعلى المستوى العالمي، 54.8% من جميع هؤلاء المهنيين عاملون أساسيون. وعلى غرار العمال اليدويين، يتوقف تصنيف هؤلاء الفنيين عاملين أساسيين على ما إذا كانت صناعتهم تقدم خدمات عُدّت ضرورية خلال الجائحة. فكان ذلك هو الحال مثلاً إن كانوا مسؤولين عن الإشراف على أنشطة عمل ضرورية أو إصلاح المرافق الأساسية، بوصفهم مشرفين في التصنيع أو فنيين في الهندسة الكهربائية أو المدنية.

ويتمتع المهنيون المساعدون في العلوم والهندسة بمستويات تعليمية رسمية أعلى من المتوسط؛ فعبر البلدان على اختلاف مستويات دخلها، أتم 44.2% منهم التعليم الثانوي ويحمل 28.1% شهادة جامعية، أي بكالوريوس أو أعلى. وبديهي أن تبلغ هذه الحصص ذروتها في البلدان المرتفعة الدخل، حيث يحمل 72.9% منهم شهادة جامعية، وأدناها في البلدان المنخفضة الدخل، حيث لا يتجاوز معدل إتمام التعليم الجامعي 4.5%.

وتشمل فئة عاملي الدعم الكتابي الآخرين 0.4% من مجموع العمالة في المتوسط عبر البلدان، وتميل هذه النسبة أيضاً إلى الارتفاع في البلدان ذات مستويات الدخل الأعلى. وقد عُدّ معظم عاملي الدعم الكتابي، أي 72.6% منهم، عاملين أساسيين خلال الجائحة، ويعود ذلك إلى حد بعيد إلى أن عمال البريد يندرجون ضمن هذه الفئة. ونظراً إلى تجربتهم وأهميتهم للمجتمع خلال جائحة كوفيد 19، يركز ما تبقى من هذا القسم على عمال البريد.

تجربة عمال البريد خلال الجائحة

خلال جائحة كوفيد 19، كان عمال البريد محدودي القدرة على التباعد الاجتماعي بحكم أدوارهم في فرز البريد والتعامل المباشر مع الجمهور في مكاتب البريد وتوصيل البريد إلى منازل الأفراد. غير أن معاملة عمال البريد خلال الجائحة تفاوتت بين البلدان، مما أثر في درجة اضطراب الخدمات البريدية وفي تعرض العاملين للفيروس.

فقد غيرت بعض البلدان، كأستراليا وكندا وألمانيا والهند وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، عملياتها تغييراً معتدلاً خلال الجائحة. وفي هذه البلدان، أُدخلت احتياطات سلامة إضافية لحماية العاملين والحد من التعرض، لكن لم تُفرض إلا قيود محدودة على تقديم الخدمات البريدية. ففي أستراليا، أُدخلت المناوبات المجزأة والحواجز الواقية في مكاتب البريد. وزودت هيئة البريد في الولايات المتحدة الموظفين بمعدات الحماية وألزمتهم بارتداء الكمامات حين يتعذر التباعد. وفي المكسيك، وبينما أُغلقت بعض المكاتب، زُود الموظفون في المكاتب التي بقيت مفتوحة بمعقم اليدين والكمامات. وفي المقابل، تعطلت العمليات البريدية في بلدان كفرنسا وإسبانيا ونيوزيلندا تعطلاً أكبر. ففي بداية الجائحة، أغلقت فرنسا معظم مكاتب البريد وخفضت أيام التوصيل من ستة إلى ثلاثة أيام أسبوعياً، وخفضت إسبانيا أيضاً قوتها العاملة البريدية إلى ربع المستويات المعتادة، وأغلقت نيوزيلندا جميع منافذ البريد مدة ثلاثة أسابيع في مارس 2020.

وبصرف النظر عن نهج البلد، وسعت الجائحة نطاق الخدمات التي يقدمها عمال البريد، مما أبرز أهمية الشبكات البريدية ودور عمال البريد في المجتمع. ففي المكسيك مثلاً، وصف عامل بريد كيف قدّر الناس في خط سيره عمله خلال الجائحة، وكيف كان راضياً لأنه وزملاءه تمكنوا من الحفاظ على خدماتهم رغم التحديات التي فرضتها الجائحة. وفي الأرجنتين وإيطاليا وأوروغواي، ضمن عمال البريد توزيع لقاحات كوفيد 19. ونفذ عمال البريد توصيل المواد المدرسية المنزلية والحواسيب المحمولة للطلاب في الأرجنتين وفرنسا وجورجيا والولايات المتحدة. وفي أستراليا وكولومبيا والسلفادور، أوصل عمال البريد طرود الغذاء إلى الأسر المحتاجة. وفي الهند، وللحد من تعرض كبار السن للفيروس، أوصل عمال البريد المدفوعات الاجتماعية، التي تُودع عادة في الحسابات المصرفية، مباشرة إلى الأفراد. ومع أن ذلك كان يُفعل أيضاً قبل تفشي كوفيد 19، فقد تضاعف عشر مرات مع بدء الجائحة.

ولم تكشف البيانات بعد الأثر الصحي الإجمالي للجائحة على عمال البريد، لكن التقارير الإخبارية والأدلة النوعية توحي بأنهم تضرروا. ففي المقابلة المذكورة أعلاه مثلاً، أوضح عامل البريد المكسيكي أن التباعد لم يكن ممكناً في طريقه إلى العمل. وبينما كان صاحب العمل داعماً فيما يتعلق بالتدابير الصحية في مكان عمله، أي بتوفير المعدات اللازمة، لم تُقترح مبادرات العمل بالمناوبات إلا من العاملين أنفسهم، وكان يمكن إدخالها على نحو أكثر منهجية. كما كان العاملون المصابون يعزلون أنفسهم في المنزل ويواصلون تقاضي أجورهم، لكن زملاءهم الذين خالطوهم واصلوا الذهاب إلى العمل. وانطوى الوضع الإجمالي على زيادة في الإجهاد النفسي.

ويبدو أيضاً أن عمليات التفتيش على العمل المحدودة، أو الافتراضية في بعض الحالات، أسهمت في شواغل عمال البريد بشأن عدم كفاية الحماية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، وبعد اندلاع الجائحة، قدم موظفو هيئة البريد أكثر من ألف شكوى تزعم وجود مخاطر متصلة بكوفيد 19. وبعد هذه الشكاوى، وحتى يوليو 2021، لم تصدر إدارة السلامة والصحة المهنيتين سوى مخالفات بشأن أربع انتهاكات، طعنت فيها هيئة البريد جميعاً. وفي الوقت نفسه، أدخلت بلدان كثيرة التوصيل بلا تلامس، فغيرت متطلبات التوقيع وقللت تعرض العاملين للفيروس. وأدخلت بلدان أخرى كاليابان تقنيات جديدة، منها روبوتات تؤدي بعض مهام عمال البريد، استجابة لزيادة الطلب على التوصيل بلا تلامس ولمعالجة نقص اليد العاملة.

كما أثرت الجائحة في عمال البريد بتسريع تغيرات هيكلية جارية أصلاً في القطاع. فمع فرض عمليات الإغلاق، زاد المستهلكون والأعمال استخدامهم للتجارة الإلكترونية، فارتفع عدد الطرود الواجب توصيلها ارتفاعاً حاداً، وتغيرت تركيبة البريد نحو طرود أكبر وأثقل. وطرح هذا التغير الجذري تحديات لوجستية أمام المشغلين البريديين، إذ تطلبت الطرود الثقيلة خيارات نقل جديدة وأكثر كلفة. وحددت دراسة قطرية عن جمهورية كوريا تطورات مماثلة، وتبين الحالة الكورية كذلك كيف تتأثر ظروف عمل عمال البريد بترتيباتهم التعاقدية، مشيرة إلى تدهور حقوق العاملين.

الإطار 4.8 عمال البريد في جمهورية كوريا

تعمل صناعة التوصيل في جمهورية كوريا في القطاعين العام والخاص بقوى عاملة مجزأة تتألف من ثلاثة أنواع من العاملين: مستخدمون بعقود نموذجية ودائمة، ومستخدمون بعقود غير نموذجية محددة المدة، وعاملون من أنماط الاستخدام الخاصة بموجب عقود توكيل. ومع توسع صناعة التوصيل إلى جانب نمو التجارة الإلكترونية، توسعت حصة العاملين المستخدمين بموجب عقود التوكيل. وهؤلاء العاملون، المستخدمون بوصفهم متعاقدين مستقلين وكثيراً ما يكون ذلك بعقود يومية، يفتقرون إلى الضمان الاجتماعي وتأمين الحوادث وغيرها من حمايات الاستخدام التي يستحقها نظراؤهم المستخدمون.

وفاقمت الجائحة أوجه عدم المساواة القائمة بين الفئات المختلفة من العاملين مع ارتفاع الطلب على توصيل الطرود ارتفاعاً حاداً. فتوصيل الطرود لا يتطلب مركبات أكبر للنقل فحسب، بل وقتاً إضافياً لتحميل الطرود وتفريغها في مراكز التوزيع ومكاتب البريد وعناوين التسليم. وبالنسبة إلى المستخدمين، ظلت الساعات الإضافية من العمل اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على التوصيل غير مدفوعة، لأن ترتيبات تحديد أجورهم افتقرت إلى استحقاقات تعاقدية لأجر العمل الإضافي. وأسفر الطلب المتزايد على توصيل الطرود عن وفاة ستة عشر عاملاً على الأقل بسبب الإفراط في العمل، مما أدى إلى إضراب استمر ثمانية أيام.

أما العاملون بعقود التوكيل، الذين يُدفع لهم كثيراً على أساس كل عملية توصيل، فقد خفضت الجائحة دخلهم بطريقتين. أولاً، تُحدد رسوم التوصيل لهؤلاء العاملين جزئياً تبعاً لعرض اليد العاملة، ومع تعطل كثيرين خلال الجائحة لجأوا إلى العمل بعقود التوكيل في صناعة التوصيل مصدراً للدخل، فزاد عرض اليد العاملة في القطاع وانخفضت رسوم التوصيل للوحدة. ثانياً، أدت زيادة عرض اليد العاملة إلى تخصيص عدد أقل من الطرود لكل سائق. ونتيجة لذلك، انخفض دخل هؤلاء العاملين في فترة أشد الضائقة المالية.

كما زادت الجائحة تعرض عمال البريد للفيروس. ففي غياب آلية لتحديد الأسر الخاضعة للحجر الذاتي وإبلاغ عمال البريد، زاد توصيل البريد المسجل والطرود إلى أفراد في الحجر من احتمال التعرض. وفي بداية الجائحة، أسهم استبعاد عمال البريد من فئات التطعيم ذات الأولوية، وكذلك محدودية إمدادات الكمامات وتوزيعها، في زيادة التعرض. وأضاف نقص الموظفين بسبب التعرض لكوفيد 19 وغياب إجازة مرضية مدفوعة إضافية لتعويض العاملين عن مخاطرهم المهنية المتزايدة إهانة إلى الضرر، إذ اضطر العاملون إلى أخذ إجازة مرضية غير مدفوعة، مما خفض أجرهم أكثر، إن استنفدوا جميع إجازاتهم المدفوعة.

واستجابة لظروف العمل المعاكسة التي واجهها عمال البريد، ضغطت النقابات العمالية في القطاع العام من أجل التغيير، مما أدى في النهاية إلى إدخال تدابير تقلل الاحتكاك وجهاً لوجه في التوصيل المسجل وتمنح هذه المهنة أولوية التطعيم. كما أدخلت الحكومة تدابير مختلفة لحماية العاملين ودعمهم، بآثار متباينة. فعلى سبيل المثال، وُسعت تغطية تأمين حوادث العمل لتشمل عاملي التوصيل في صناعات التوزيع الإلكترونية وغير الإلكترونية. وهدف تدبير آخر إلى الحد من التوصيل في ساعات الليل المتأخرة بحجب التطبيقات ليلاً، لكن هذا التدبير أسفر عن عواقب غير مقصودة، إذ تحايل العاملون على حظر التوصيل الليلي. وأخيراً، صدر قانون تنمية صناعة خدمات التوصيل اللوجستية للحياة لسد ثغرات تشريعية قائمة منذ عام 1997. غير أنه لما كان القانون يعرّف عاملي التوصيل بأنهم المنخرطون في جمع البضائع وتوصيلها، فقد استبعد العمل غير المدفوع في الغالب الذي يؤديه عمال البريد في فرز الرسائل والطرود وتصنيفها قبل التوصيل.

دراسة ذات صلة