القائمة الرئيسية

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/1)

توقعات العمالة والقضايا الاجتماعية في العالم 2023: قيمة العمل الأساسي (7/1)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الأول مفهوم العاملين الأساسيين ودورهم الحيوي في استمرار عمل المجتمعات والاقتصادات، موضحاً أن هؤلاء العاملين، الذين يشملون قطاعات النظم الغذائية والرعاية الصحية وتجارة التجزئة والأمن والحرف اليدوية والتنظيف والصرف الصحي والنقل والفنيين والموظفين الكتابيين، يمثلون نحو 52% من القوى العاملة في البلدان التسعين محل الدراسة، وتنخفض نسبتهم إلى 34% في البلدان المرتفعة الدخل. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 أهمية هذه الوظائف، لكنها أظهرت أيضاً هشاشة أوضاع العاملين فيها وبخس قيمتها الاجتماعية والاقتصادية، إذ ترتبط كثير من هذه المهن بتدني الأجور وعدم الأمان الوظيفي وضعف الحماية والتمثيل. ويعتمد التقرير تعريفاً للعاملين الأساسيين على المهن غير القابلة للعمل عن بُعد التي تضمن استمرار الخدمات الضرورية، ويصنفهم في ثماني مجموعات رئيسية، مع استبعاد التعليم من التعريف بسبب إغلاق المدارس واعتماد معظم البلدان على التعليم عن بُعد خلال الجائحة. ويبين الفصل أن 51% من العاملين الأساسيين يعملون بأجر، بينما يعمل الباقون لحسابهم الخاص، وأن العمل غير المنظم منتشر بصورة خاصة في البلدان النامية، مما يحد من حصول العاملين على حقوق العمل والحماية الاجتماعية والتدريب. كما يشكل النساء 38.3% من العاملين الأساسيين، مع ارتفاع تمثيلهن في الصحة وتجارة التجزئة وانخفاضه في الأمن والنقل، بينما يتمتع العاملون الأساسيون في المتوسط بمستوى تعليمي أقل من غير الأساسيين، ويشكل المهاجرون نسبة مهمة منهم في البلدان المرتفعة الدخل، ولا سيما في التنظيف والصرف الصحي. ويخلص الفصل إلى ضرورة إعادة تقييم العمل الأساسي بما يعكس إسهامه الاجتماعي، وتحسين ظروف العمل وتعزيز مؤسسات العمل والسلامة والصحة المهنية والحماية الاجتماعية والتمثيل الجماعي والاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الأساسية، بما يعزز قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.

الفصل الأول: من هم العاملون الأساسيون؟

النتائج الرئيسية

العاملون الأساسيون ضروريون لكي تؤدي المجتمعات وظائفها. وهم يعملون في النظم الغذائية والرعاية الصحية وتجارة التجزئة والأمن والحرف اليدوية والتنظيف والصرف الصحي والنقل، وفنيين وموظفين كتابيين.

أظهرت جائحة كوفيد 19 إلى أي حد تبخس المجتمعات قيمة معظم الوظائف الأساسية، مما يثير القلق بشأن استدامة هذه الأنشطة الضرورية، ولا سيما في ضوء الصدمات المستقبلية.

يشكل العاملون الأساسيون 52% من القوى العاملة، وتنخفض هذه النسبة في البلدان المرتفعة الدخل إلى 34% بفعل تنوع أنشطتها الاقتصادية.

تمثل النساء 38% من مجموع العاملين الأساسيين على مستوى العالم، وإن كن يشكلن الأغلبية في قطاعي الصحة وتجارة التجزئة.

نحن نعيش في عصر الأزمات. فبعد أقل من خمسة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية، عانى العالم جائحة صحية عالمية أغلقت الحدود وجلبت اليأس المالي وأودت بحياة سبعة ملايين شخص على الأقل. ومع أن عواقب جائحة كوفيد 19 لم يسبق لها مثيل، فإن تواتر الأزمات التي نشهدها ليس جديداً؛ فالاحترار العالمي والاستقطاب السياسي والحروب، فضلاً عن آفتي الفقر وعدم المساواة المستمرتين، تطبع حياتنا اليومية.

غير أن المجتمعات، في خضم المخاطر الكثيرة التي يواجهها العالم، يجب أن تواصل أداء وظائفها. فلا بد من إطعام ثمانية مليارات إنسان يسكنون الأرض وكسوتهم وإيوائهم. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تستمر أنشطة معينة توصف بأنها أساسية. ففي نهاية مارس 2020، كان 80% من سكان العالم يعيشون في بلدان فرضت إغلاق أماكن العمل. وكانت عمليات الإغلاق هذه قيداً ضرورياً للحد من انتشار الفيروس، ولا سيما في تلك المرحلة المبكرة التي كان لا يزال فيها الكثير مما يجب معرفته عن طرق انتقاله ومدى خطورته. لكن في الوقت الذي خيّم فيه الصمت على شوارع المدن والبلدات في أنحاء العالم، غادر العاملون الأساسيون أمان منازلهم متوجهين إلى أعمالهم. فقد أنتجوا الغذاء ووزعوه وباعوه، ونظفوا الشوارع والحافلات للحد من تفشي الجائحة، وحفظوا الأمن العام، ونقلوا السلع الأساسية والعاملين، ورعوا المرضى وعالجوهم. هؤلاء هم العاملون الأساسيون.

يتناول هذا التقرير هؤلاء العاملين الأساسيين: تجاربهم في العمل أثناء جائحة كوفيد 19، والمخاطر الصحية الجسدية والنفسية التي تحملوها، وظروف عملهم بوجه عام. لكنه يذهب أبعد من ذلك، إذ يسعى إلى التوعية بالأهمية الدائمة لهذه القوى العاملة الأساسية في ضوء الأزمات العديدة الحاضرة والمقبلة التي يواجهها العالم. كما يسعى إلى تشجيع الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال والمجتمع بأسره على اتخاذ الخطوات اللازمة لمنع الأزمات والاستعداد لها والتخفيف من آثارها، وذلك بتقدير هؤلاء العاملين لإسهامهم في المجتمع، والاستثمار في البنية التحتية المادية والاجتماعية التي يحتاجها العالم، وتهيئة بيئة مواتية تتيح للقطاع الخاص وعامليه، الذين يستأثرون بالكثير من النشاط الأساسي، أن يزدهروا.

ويُعد تحسين ظروف عمل العاملين الأساسيين محور هذه الجهود. فظروف العمل، كالسلامة والصحة، والصوت والتمثيل الجماعيين، والأمان الوظيفي، ووقت العمل، والدخل، والحماية الاجتماعية، والحصول على التدريب، مترابطة فيما بينها، والقصور في مجال منها يفضي إلى قصور في مجالات أخرى. وقد أبرزت جائحة كوفيد 19 أهمية السلامة والصحة المهنيتين، ومحورية مكان العمل بالنسبة إلى الصحة العامة. ففي عالم تتكرر فيه الصدمات ولا يمكن فيه للأنشطة الأساسية أن تتوقف، بات واضحاً أن السلامة والصحة في مكان العمل ليستا فائدة للفرد فحسب، بل للمنظمة التي يعمل فيها وللمجتمع ككل. وإدراكاً لذلك، أعلن مؤتمر العمل الدولي في يونيو 2022 أن اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين لعام 1981 (رقم 155) واتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنيتين لعام 2006 (رقم 187) تُعدان من الاتفاقيات الأساسية، مما يعني أن الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية ملزمة من الآن فصاعداً، بصرف النظر عن حالة تصديقها على هاتين الاتفاقيتين، بإعمال المبادئ المتصلة ببيئة عمل آمنة وصحية.

لقد اكتسب هدف السلامة والصحة المهنيتين، المتمثل في الوقاية من الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل وحماية صحة العاملين وتعزيزها، أهمية متجددة بسبب الجائحة، وكذلك بسبب تحديات أخرى تواجه عالم العمل، مثل الإجهاد الحراري وآثار تغير المناخ عموماً. ويضع التنظيم الحديث للسلامة والصحة المهنيتين الوقاية، عبر إزالة المخاطر أو التخفيف منها، في صميم جهوده. لكن الوقاية لا تقتصر على هذا المجال، بل تنطبق على ظروف العمل الأخرى التي تشكل ركائز العمل اللائق. فمنع تدني الأجور والساعات المفرطة وانعدام الأمان الوظيفي وغياب الصوت وقصور التدريب والمسارات المهنية، عبر مؤسسات عمل متينة، يمنع الضائقة الاقتصادية وتجزؤ سوق العمل والنزاعات الصناعية وغيرها من العلل الاجتماعية.

وتقر توصية منظمة العمل الدولية بشأن العمالة والعمل اللائق من أجل السلام والقدرة على الصمود لعام 2017 (رقم 205) بأن العمل اللائق أساسي لقدرة المجتمعات على الصمود، لأنه لا يخفف من أثر الكوارث فحسب، بل يهيئ أيضاً الظروف اللازمة لتعافٍ ناجح. وقد ثبت ذلك خلال جائحة كوفيد 19، إذ كانت البلدان ذات مؤسسات العمل الأقوى، أي النظم المتينة للحوار الاجتماعي وإدارة العمل والحماية العمالية والاجتماعية، أقدر على التخفيف من الآثار الضارة للجائحة، بما في ذلك ضمان استمرارية الخدمات الأساسية وجودتها على نحو أفضل. وتنص التوصية على أنها تقدم للأعضاء توجيهات بشأن التدابير الواجب اتخاذها لتوليد العمالة والعمل اللائق لأغراض الوقاية والتعافي والسلام والقدرة على الصمود في حالات الأزمات الناجمة عن النزاعات والكوارث، وتعرّف القدرة على الصمود بأنها قدرة نظام أو مجتمع محلي أو مجتمع معرض للمخاطر على مقاومة آثار الخطر واستيعابها والتكيف معها والتحول في مواجهتها والتعافي منها في الوقت المناسب وبكفاءة. وتدعو التوصية إلى تجاوز الإغاثة الإنسانية في الكوارث والنزاعات، بحيث تقوم البلدان بالاستثمارات الأوسع في العمل اللائق اللازمة لبناء مجتمعات قادرة على الصمود.

ولسوء الحظ، وكما سيبين هذا التقرير، يقف العاملون الأساسيون إجمالاً في موقع أكثر هشاشة في سوق العمل. فعلى الرغم من أنهم يقدمون السلع والخدمات الأساسية التي تحتاجها المجتمعات لأداء وظائفها اليومية، يواجهون أوجه قصور كثيرة في العمل اللائق، وهي أوضح مما يواجهه غيرهم من العاملين. ولذلك يدعو هذا التقرير إلى إعادة تقييم العمل الأساسي بما يعكس إسهامه الاجتماعي، بوصف ذلك مسألة عدالة من جهة، ولضمان تقديم خدمات أساسية جيدة لا غنى للمجتمع عنها من جهة أخرى.

إعادة تقييم العمل الأساسي بما يعكس إسهامه الاجتماعي

كثيراً ما نغفل عمل من لا يشغلون الوظائف المهنية أو ما يسمى الوظائف الكبرى وأهميتهم. فكلما انخرط المرء في عمل يخدم الإنسانية ويسهم في بنائها، كان لعمله كرامة وقيمة، ولا بد أن يأتي يوم يدرك فيه مجتمعنا ذلك. ولا بد أن يأتي يوم يحترم فيه مجتمعنا عامل الصرف الصحي إن أراد البقاء، فالشخص الذي يجمع قمامتنا لا يقل أهمية في نهاية المطاف عن الطبيب، لأنه إن لم يؤد عمله تفشت الأمراض. مارتن لوثر كينغ الابن.

تتسم كثير من المهن الأساسية بتدني الأجور وعدم أمان ظروف العمل وتدني المكانة الاجتماعية. وعلى الرغم من دورها الحاسم في سير الاقتصادات والمجتمعات، كما تجلى خلال جائحة كوفيد 19، فإن العمل الأساسي عادة ما يُبخس قدره ولا يعكس إسهامه الاجتماعي. فتحديد الأجور عملية معقدة تعكس الطلب على السلعة أو الخدمة المقدمة وعرض اليد العاملة، لكنها تعكس أيضاً أعرافاً اجتماعية راسخة حول مكانة المهن وتراتبيتها. ونتيجة لذلك، تتأثر أجور كثير من المهن بمكانتها الاجتماعية، فتُحط بعض الوظائف رغم قيمتها الاجتماعية. ويتضح ذلك جلياً في أعمال التنظيف والصرف الصحي التي تحتل باستمرار أدنى مراتب مؤشرات المكانة المهنية. كما يصدق على المهن التي يغلب عليها العنصر النسائي، ولا سيما مهن الرعاية، التي تعاني مما يُعرف جيداً بعقوبة الرعاية في الأجور.

إن بناء الأجور على حسابات سوقية للإنتاجية الحدية للعمل يعفي المجتمع من مسؤوليته عن تقدير العمل الأساسي عبر أجور أفضل وظروف عمل أفضل، فضلاً عن شبه استحالة قياس الإنتاجية الحدية، ولا سيما في الخدمات. والواقع أن تلبية الطلب في السوق ليست بالضرورة الأمر نفسه كتقديم إسهام قيّم حقاً للمجتمع. وفي الأشهر الأولى من الجائحة، كان العاملون الأساسيون يُصفَّق لهم كل ليلة في مدن العالم ويُمجَّدون أبطالاً لما يقدمونه من خدمات، مما رفع من مكانة عملهم. والمهمة المطروحة الآن هي تحويل هذا التقدير المستجد لقيمتهم الجوهرية للاقتصادات والمجتمعات إلى ظروف عمل أفضل.

هيكل التقرير

يبدأ هذا الفصل التمهيدي بشرح تعريف العامل الأساسي المعتمد في التقرير، واستخدام مصطلح العامل الضروري من الناحية القانونية وخلال الأزمات السابقة. ثم يقدم تحليلاً وصفياً للملامح الاجتماعية والديمغرافية للعاملين الأساسيين. ومع أن ملامح العاملين الأساسيين وظروف عملهم كانت محور دراسات عديدة منذ بداية الجائحة، فإن معظمها اقتصر على بلد أو منطقة بعينها، وكثيراً ما انحصر في مهن مختارة. أما هذا التقرير، فلكونه عالمياً، يعرض نتائج تتعلق بمجموعة أكثر تنوعاً من العاملين في بلدان متباينة جداً في مستوى تنميتها الاقتصادية، ومن ثم في ملامحها الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية.

ويتناول الفصل الثاني تحديات العمل أثناء الجائحة، سواء بالنسبة إلى العاملين الأساسيين أو المنشآت التي تقدم السلع والخدمات الأساسية. ويبدأ بتحليل تجريبي للوفيات الزائدة بين العاملين الأساسيين وغيرهم، وبين الفئات المختلفة من العاملين الأساسيين، ويبيّن أهمية بروتوكولات السلامة والصحة المهنيتين في التخفيف من مخاطر السلامة والصحة في مكان العمل. ويستند القسمان الثاني والثالث من الفصل إلى مقابلات أجريت لأغراض هذا التقرير مع عاملين وأصحاب أعمال صغيرة في الأرجنتين وكندا وغانا والهند وكينيا وماليزيا والمكسيك وبيرو والفلبين وجمهورية كوريا وجنوب أفريقيا وتركيا، إضافة إلى أدبيات ثانوية. ويهدف التحليل النوعي إلى استخلاص رؤى من التجربة المعيشة للعاملين الأساسيين وأصحاب الأعمال خلال الجائحة، بإتاحة الفرصة لهم ليشرحوا بأنفسهم المتطلبات المختلفة التي واجهوها. ويوثق الفصل الضغوط الجسدية والنفسية التي عاناها العاملون الأساسيون خلال الجائحة، وكيف اختلفت تجاربهم تبعاً لظروف عملهم. ويميز تحليل المنشآت بين الشركات التي أحسنت الأداء وتلك التي لم تحسنه، والتحديات التي واجهتها في تطبيق بروتوكولات السلامة والصحة المهنيتين.

ويحلل الفصلان الثالث والرابع ظروف عمل العاملين الأساسيين، مع التركيز على سبعة مجالات تؤطر جودة الوظيفة، هي: السلامة والصحة، والحق في الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، والترتيبات التعاقدية، وساعات العمل، والأجور، والحماية الاجتماعية، والتدريب. ويستند التحليل إلى بيانات تمثيلية ومنسقة من مسوح القوى العاملة والأسر المعيشية في 90 بلداً، تتيح تحديد العاملين الأساسيين وفق التعريف المطروح في هذا الفصل. ويشرح الفصل الثالث أهمية كل مجال ويقيّم حجم أوجه القصور فيه لدى العاملين الأساسيين. ولما كانت جودة الوظيفة تتأثر كثيراً بطبيعة العمل الذي يؤديه المرء، يفصّل الفصل الرابع ظروف العمل في المجموعات المهنية الأساسية الثماني المحددة على نحو واسع في التقرير، مسلطاً الضوء على المخاطر الخاصة بمهن أساسية بعينها. ويبين أن كثيراً من العاملين الأساسيين دخلوا الجائحة وهم يعانون أصلاً من صعوبات، تفاقمت بفعل إجهاد العمل أثناء الجائحة.

ويتحول الفصلان الخامس والسادس إلى السياسات، فيقدمان توجيهات بشأن كيفية ضمان الاعتراف بالإسهام الحيوي للعاملين الأساسيين في السير الأساسي للاقتصادات وفي حياة الناس اليومية وتقديره حق قدره، دعماً لعالم عمل أكثر قدرة على الصمود. ويتناول الفصل الخامس مؤسسات العمل الرئيسية الواجب تقويتها لإعادة تقييم العمل الأساسي، وهي السلامة والصحة المهنيتان، وعقود الاستخدام، وساعات العمل، وسياسات الأجور، والحماية الاجتماعية، والتدريب، وتفتيش العمل، مستنداً إلى معايير منظمة العمل الدولية والممارسات الوطنية. ويشرح الفصل السادس كيف أن الاستثمار في البنية التحتية المادية والاجتماعية في القطاعات الأساسية شرط ضروري، إلى جانب تقوية مؤسسات العمل، لبناء عالم عمل أكثر قدرة على الصمود، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل حيث يكون القصور حاداً. ويتناول الفصل بالتحديد حالة الرعاية الصحية، بما فيها الرعاية الطويلة الأجل، والنظم الغذائية، والمنشآت الخاصة. فهذه الاستثمارات تضمن أن تملك المنظمات، العامة منها والخاصة، التي توفر هذه الخدمات والسلع الأساسية، الوسائل اللازمة لأداء مهمتها، كما تدر عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة.

ويعود الفصل السابع إلى الحجة المحورية القائلة بأن الوقت قد حان لإعادة تقييم العمل الأساسي عبر تحسين ظروف العمل. ويؤكد أن الاستثمارات التي دعت إليها الفصول السابقة ضرورية، ويلخص السياسات اللازمة لبناء القدرة على الصمود.

وعند الانتهاء من إعداد التقرير في خريف 2022، كانت الجائحة قد انحسرت إلى حد رُفعت معه معظم القيود في أنحاء العالم. ولذلك، ورغم استمرار تداعيات الجائحة وظهور حالات جديدة من كوفيد 19 وبقاء خطر إعادة فرض القيود، يتحدث التقرير عن الجائحة بصيغة الماضي.

1.1 تعريف العاملين الأساسيين

في بداية جائحة كوفيد 19، ألغت البلدان الفعاليات والتجمعات الكبرى، وسعت إلى الحد قدر الإمكان من الاتصال البشري غير الضروري لكبح انتشار الفيروس. وفي ذروة ذلك في أبريل 2020، كان قرابة 80% من المشتغلين في العالم يعيشون في بلدان فرضت إغلاق أماكن العمل إلزامياً، ونحو 10% آخرين في بلدان أوصت بإغلاقها. وخلال السنة الأولى من الجائحة، فرضت البلدان أكثر من 108 آلاف قيد على السفر الدولي مرتبط بكوفيد 19، إلى جانب قيود على التنقل داخلها. كما عطلت الجائحة الهجرة الدولية، فأبطأت نمو أعداد المهاجرين الدوليين بنحو مليوني شخص بحلول منتصف 2020، أي أقل بنسبة 27% من النمو المتوقع.

وعلى الرغم من هذه الاضطرابات، كان لا بد من استمرار بعض الأنشطة لتلبية الاحتياجات والوظائف الأساسية للمجتمعات. ولذلك أصدرت معظم البلدان قوائم رسمية تستثني العاملين الذين يؤدون خدمات حيوية من أوامر البقاء في المنزل، أو تمنحهم الأولوية في الفحص ثم في الحصول على اللقاحات. وهؤلاء العاملون، الذين يُشار إليهم عادة بالعاملين الضروريين أو العاملين في الخطوط الأمامية أو العاملين الأساسيين، هم موضوع هذا التقرير. وهم يغطون طيفاً واسعاً من المهن، من فنيي الطوارئ الطبية إلى عمال البريد إلى باعة الطعام، ويشملون العاملين بأجر والعاملين لحسابهم الخاص على حد سواء، بظروف عمل متباينة جداً. لكنهم يشتركون في أنهم يمارسون مهنة تخدم الاحتياجات الأساسية للمجتمعات، وأنهم واجهوا خلال الجائحة خطراً أكبر للتعرض للفيروس والإصابة بالمرض لمجرد مغادرتهم أمان منازلهم لأداء عملهم.

العاملون الأساسيون في جائحة كوفيد 19

يُستمد تعريف العاملين الأساسيين في هذا التقرير من القوائم التي أصدرتها البلدان حول العالم في بداية الجائحة. فقد أصدر ما مجموعه 126 بلداً في مارس وأبريل 2020 قوائم تحدد الأنشطة أو الخدمات التي يجب أن تستمر في العمل رغم الجائحة. ومع أن هذه القوائم تفاوتت في غرضها ونطاقها ومستوى تفصيلها، فقد كانت هناك أوجه تشابه مهمة بين البلدان في الخدمات أو الأنشطة التي عُدّت ضرورية. وصح ذلك على بلدان من مختلف مناطق العالم، أفريقيا والأمريكتين والدول العربية وآسيا وأوروبا، كما صح بين البلدان المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة الدخل. ومع ذلك وُجدت فوارق تعكس بنية كل اقتصاد وجغرافيته، وكذلك الضغوط السياسية التي مارستها بعض القطاعات لمواصلة عملياتها، ولا سيما خلال الموجات اللاحقة من الجائحة.

وقدمت معظم البلدان قوائم مفصلة بالخدمات التي يجب أن تواصل العمل، وإن كانت القوائم عامة في بضعة بلدان، واقتصرت في ستة بلدان على الأنشطة غير المسموح بها. وبوجه عام، كان ثمة تداخل كبير في الأنشطة المحددة، وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى ضرورة ضمان استمرار تقديم الخدمات والسلع الأساسية. ولذلك أدرجت معظم البلدان الأنشطة التي تكفل الحصول على الغذاء والمياه والكهرباء والصرف الصحي والرعاية الصحية وحفظ النظام العام. غير أن توفير هذه السلع والخدمات استتبع إدراج أنشطة أخرى تشارك في توفيرها. فلم ينكر أي بلد على سبيل المثال أهمية إنتاج الغذاء والزراعة الحاسمة. لكن ضمان توفير الغذاء الكافي اقتضى، إلى جانب المزارعين الذين يفلحون الأرض، إدراج النقل لإيصال الغذاء إلى الأسواق، وبعض الأنشطة الصناعية كالمصانع التي تعد المواد الغذائية المصنعة، وبعض قطاعات التجزئة كالمتاجر والباعة المتجولين الذين يبيعون الغذاء الطازج والمصنع، والمطاعم التي تعد الطعام للطلبات الخارجية، وخدمات التوصيل، بما فيها العاملون عبر المنصات، الذين يوصلون الطعام إلى المستهلكين. وتنطبق شبكات مماثلة من الإنتاج والتبادل على الرعاية الصحية. وإلى جانب هذه الخدمات، وسعت معظم الحكومات قوائم الخدمات الضرورية لتشمل أنشطة المعلومات والاتصالات والأنشطة المالية والخدمات القانونية والإدارة العامة، إذ كانت هذه الخدمات لازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي وضمنت فعلاً تلبية الاحتياجات الأساسية المذكورة. وإجمالاً، ثمة ثلاثة عشر قطاعاً واسعاً تقدم خدمات عُدّت ضرورية في معظم البلدان، هي: الزراعة والحراجة وصيد الأسماك؛ والتعدين واستغلال المحاجر؛ والصناعة التحويلية؛ وإمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء؛ وإمدادات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها؛ وتجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات ذات المحركات والدراجات النارية؛ والنقل والتخزين؛ والمعلومات والاتصالات؛ والأنشطة المالية وأنشطة التأمين؛ والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية؛ والخدمات الإدارية وخدمات الدعم؛ والإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي الإلزامي؛ وأنشطة الصحة البشرية والعمل الاجتماعي.

وباستخدام القوائم القطاعية المجمعة على مستوى الرقمين من التصنيف الصناعي الدولي الموحد لجميع الأنشطة الاقتصادية، كانت الخطوة التالية تحديد المهن في كل من هذه القطاعات باستخدام التصنيف الدولي الموحد للمهن لعام 2008. وقد بلغ عدد هذه المهن أربعين مهنة على مستوى الرقمين، منها خمس عشرة مهنة عُدّت قابلة للأداء عن بعد في معظم أنحاء العالم. ومع أن كثيراً من المهن القابلة للأداء عن بعد حيوية لسير الاقتصادات والمجتمعات، فإن قدرة أصحابها على العمل من المنزل تعني أنهم لم يتعرضوا للمخاطر الصحية الناجمة عن الجائحة بالقدر نفسه الذي تعرض له من تطلبت وظائفهم الحضور الفعلي. ولما كان التقرير يركز على استخلاص الدروس من تجربة كوفيد 19 للدول الأعضاء الراغبة في تعزيز قدرة اقتصاداتها ومجتمعاتها على الصمود أمام الصدمات المقبلة، فإنه يركز على العاملين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم لأداء عملهم. ولذلك استُبعدت المهن القابلة للأداء عن بعد من التحليل، وعُدّ العاملون الأساسيون هم العاملين في المهن الخمس والعشرين غير القابلة للأداء عن بعد ضمن القطاعات المرتبطة بالخدمات الضرورية. وقد صُنفت هذه المهن في ثماني مجموعات مهنية واسعة، هي: العاملون في النظم الغذائية؛ والعاملون الصحيون؛ والعاملون في تجارة التجزئة؛ والعاملون في الأمن؛ والعمال اليدويون، بمن فيهم مشغلو المصانع والعاملون في المستودعات؛ والعاملون في التنظيف والصرف الصحي؛ والعاملون في النقل؛ والفنيون والعاملون الكتابيون.

وتغطي المجموعات المهنية الرئيسية الثماني الخدمات الرئيسية اللازمة للحفاظ على الوظائف الأساسية للاقتصاد والمجتمع، باستثناء واحد بارز هو التعليم. فالتعليم الجيد هو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وقد عُدّ منذ زمن طويل، كالصحة، ضرورياً لتلبية الاحتياجات الأساسية، لأنه وسيلة للمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع. لكن استجابة لمخاوف خبراء الصحة العامة من أن تكون المدارس مصدراً رئيسياً لانتقال فيروس كوفيد 19 في المجتمع، أغلق 188 بلداً المدارس في أبريل 2020. ولعل ذلك ما جعل 19 بلداً فقط يصنفون الخدمات التعليمية ضرورية خلال الأشهر الأولى من الجائحة. واعتمدت معظم البلدان، أي 90% منها، وسائل بديلة لضمان استمرار التعليم باستخدام تقنيات كالإنترنت والتلفزيون والإذاعة، مع انتقال المعلمين والطلاب إلى التعلم عن بعد. ولأن التعليم لم يُصنف ضرورياً إلا في عدد قليل من البلدان، ولأن كثيراً من البلدان انتقلت إلى التعلم عن بعد، لم تُدرج المهن التعليمية في تعريف العاملين الأساسيين لأغراض هذا التقرير، على الرغم من الاعتراف الواسع بدورها الجوهري في المجتمعات والاقتصادات.

مفهوم العمل الأساسي أو الضروري عبر الزمن

دخلت مصطلحات العامل الضروري والعامل في الخطوط الأمامية والعامل الأساسي المعجم اليومي مع بداية جائحة كوفيد 19 وما تبعها من عمليات إغلاق قيدت حركة الجميع أو ثبطتها، باستثناء من عُدّوا حيويين للوظائف الجوهرية للاقتصاد والمجتمع، أي العاملين الضروريين. ومع أن مفهوم العمل الضروري كان جديداً على كثيرين، فقد استُخدم في الماضي للإشارة إلى وجوب أداء مهام معينة، إما بالسماح بأنواع محددة من العمل أو بالإجبار عليها أحياناً. كما يُستخدم قانونياً في إطار القيود المفروضة على حق الإضراب للعاملين الذين يؤدون أنشطة محددة.

ومع أن مفهوم العمل الضروري يرتبط بالدولة الصناعية الحديثة، فثمة أمثلة على استخدامه في عصور ما قبل الصناعة، تعكس إدراك أن خدمات معينة يجب أن تُقدم حتى في أوقات الأزمات. فخلال موجات الطاعون الأسود المتعاقبة في أوروبا بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، فرضت حكومات مدن مختلفة الحجر الصحي وأوقفت الأنشطة الاقتصادية، ولم تمنح الإعفاءات إلا للسكان الذين يؤدون أعمالاً حيوية. وشملت الخدمات الضرورية في عصر الطاعون حفاري القبور لدفن الموتى، والحراس لفرض الحجر الصحي، والممرضات للخدمة في دور عزل المصابين، والباحثين عن الموتى. وكما هو الحال مع الخدمات الأساسية المعاصرة، كان أخطر الأعمال يؤديها أفراد في أوضاع اقتصادية هشة في أمس الحاجة إلى الدخل، كالأرامل والمتقاعدين المعتمدين على إعانات الأبرشيات. فخلال الطاعون الدبلي في لندن بين عامي 1665 و1666، أحجم كثير من الأطباء، وكانوا جميعاً من الذكور آنذاك، عن المخاطرة بفحص الجثث المعدية وفروا من المدينة الموبوءة، تاركين مهمة البحث عن الموتى الضرورية لنساء يعانين ضائقة اقتصادية. وفي بعض الحالات، اتخذت السلطات خطوات أقل قبولاً، فأجبرت بعض الفئات على أداء مهام حيوية بالغة الخطورة خلال تفشي الطاعون؛ فقد اشترى مسؤولو الصحة في مدينة مرسيليا في مطلع القرن الثامن عشر، على سبيل المثال، عبيداً من سفينة محجورة لنقل الجثث ودفنها. وحُميت أنشطة ضرورية مماثلة خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918 و1920؛ ففي جاوة، أعادت الحكومة الاستعمارية الهولندية توجيه العاملين من زراعة قصب السكر والتبغ إلى إنتاج الأرز، استجابة لنقص اليد العاملة وتزايد خطر المجاعة.

واستُخدم تصنيف الخدمات الضرورية على نحو أكثر صراحة خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين. ففي الحرب العالمية الأولى، أصدرت الحكومة البريطانية قانون التسجيل الوطني لتحديد جميع المهن التي تنتج السلع اللازمة للاستخدام المدني والعسكري، وأُعفي العاملون في هذه الوظائف من الخدمة العسكرية. وكان من بين الصناعات التي عُدّت ضرورية المعادن والتعدين والمنسوجات والأحذية والنقل والزراعة وإنتاج الإسمنت والطوب والكيماويات والجلود وطحن الدقيق والخبز والمرافق العامة والحكومة المحلية. وأعادت المملكة المتحدة العمل بقوانين تخص العمل الضروري خلال الحرب العالمية الثانية عبر أمر العمل الضروري الذي صار قانوناً عام 1941. وبموجب هذا القانون، حُظر على أصحاب العمل تسريح العاملين الذين عُدّت وظائفهم ضرورية للمجهود الحربي، كما أُعفي عدد من المستخدمين المهرة من الخدمة العسكرية إن كانوا يشغلون مهناً أساسية. ونظراً إلى نقص اليد العاملة، صار تسجيل النساء للعمل الحربي إلزامياً عام 1941، وأتيح للنساء غير المتزوجات الاختيار بين العمل في قطاع الخدمات أو الصناعة.

وفي ألمانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، أُعلنت صناعات مختلفة ضرورية لاقتصاد الحرب، منها إنتاج النفط والمعادن غير الحديدية، وبناء عربات السكك الحديدية، والصناعة الكيميائية، وصناعة البارود والمتفجرات. وعُدّ بعض العاملين المحليين، الذين كانوا في الغالب يشغلون مناصب إدارية أو متخصصين مهرة، لا غنى عنهم للاقتصاد فأُعفوا من الخدمة العسكرية. وفي الولايات المتحدة، ميزت الحكومة بين من يجب أن يعملوا في الصناعات الأساسية ومن ينبغي تجنيدهم للخدمة العسكرية، وحدد قانون التدريب والخدمة الانتقائية لعام 1940 قواعد الإعفاء من الخدمة العسكرية على أساس المهنة. وعُدّ العاملون في صناعة الدفاع والعمال في المصانع التي تقدم الإمدادات الضرورية، وكذلك العاملون في الصناعات التي تخدم المصالح الوطنية والصحة العامة، عاملين أساسيين. وبسبب كثرة الرجال المستدعين للمجهود الحربي، حدث نقص في اليد العاملة في الوظائف الأساسية، ولا سيما في بناء السفن وتخزين الذخيرة ومصانع الآلات. ومن ثم شُجع الملونون والنساء والأشخاص ذوو الإعاقة على الانضمام إلى القوى العاملة لأداء هذه المهام الحيوية.

وبعد أسبوع من الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، أصدرت وزارة الاقتصاد الأوكرانية عدة مراسيم تستثني بعض العاملين الأساسيين من التعبئة في العمليات العسكرية لمدة ستة أشهر، تلبية لاحتياجات الحكومة وعملياتها الدفاعية والسكان عموماً. وكان من بين فئات العاملين المستثنين العاملون في المجمع الصناعي العسكري، والقطاع العام بما فيه المؤسسات الحكومية، والزراعة، والمرافق، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمصارف، والتجارة، والحرف اليدوية، وتجهيز الأغذية الضرورية كالخبز، وصناعة الأدوية، إضافة إلى المهنيين الصحيين والسائقين وعمال السكك الحديدية.

التعريف القانوني للعمل الضروري

الاستخدام الآخر المعروف لمصطلح العاملين الضروريين قانوني، ويتصل بالقيود القانونية التي تفرضها بلدان كثيرة على حق الإضراب للعاملين الذين يؤدون خدمات ضرورية. فعلى الرغم من أن اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم لعام 1948 (رقم 87) تكرس حق منظمات العمال وأصحاب العمل في تنظيم إدارتها وأنشطتها وصياغة برامجها، بهدف تعزيز مصالح العمال أو أصحاب العمل والدفاع عنها، فإن البلدان قيدت مع ذلك حق الإضراب لبعض فئات العاملين الضروريين. ووفقاً للجنة الحرية النقابية التابعة لمنظمة العمل الدولية، لا تكون هذه القيود مشروعة إلا بالنسبة إلى الموظفين العموميين الذين يمارسون السلطة باسم الدولة، أو في حالة طوارئ وطنية حادة ولفترة زمنية محدودة، أو إذا كان انقطاع الخدمة قد يعرّض حياة السكان كلهم أو بعضهم أو سلامتهم الشخصية أو صحتهم للخطر.

وقد لفتت اللجنة الانتباه إلى التجاوزات التي قد تنشأ عن تعريف قانوني مفرط في الاتساع لمصطلح الخدمات الضرورية، واقترحت أن يقتصر حظر الإضرابات على الخدمات الضرورية بالمعنى الدقيق للكلمة، المعرّفة بأنها الخدمات التي قد يعرّض انقطاعها حياة السكان كلهم أو بعضهم أو سلامتهم الشخصية أو صحتهم للخطر. ويرتبط ذلك عادة بتوفير الخدمات التي تلبي الاحتياجات الأساسية، بما فيها المرافق كالمياه والكهرباء والغاز والهاتف، والسلامة العامة كالإطفاء والشرطة والقوات المسلحة والسجون، والصحة. وقد أقرت اللجنة بأن الخدمة غير الضرورية قد تصبح ضرورية إذا امتد الإضراب إلى ما بعد مدة معينة أو تجاوز نطاقاً معيناً، كما قد يحدث في خدمات الصرف الصحي على سبيل المثال.

وفي مناسبات عدة، أبدت اللجنة مواقف تنتقد التعريفات المفرطة في الاتساع للخدمات الضرورية التي تعتمدها الدول الأعضاء، ومنها ما يتعلق بخدمات الإذاعة والتلفزيون، وقطاعي المعادن والتعدين، وخدمات الحاسوب لتحصيل رسوم الإنتاج والضرائب، وخدمات الطباعة الحكومية، واحتكارات الدولة للكحول والملح والتبغ، وطياري الخطوط الجوية، وخدمات الفنادق، وصناعة السيارات، والأنشطة الزراعية بما فيها توريد المواد الغذائية وتوزيعها.

وخلال جائحة كوفيد 19، ميزت بعض البلدان بين مفهوم الخدمات الضرورية المتصل بالقيود على حق الإضراب ومفهوم الخدمات الضرورية في الجائحة. فحين فرضت الحكومة الماليزية أول أمر لمراقبة الحركة في مارس 2020، أوضحت أن قائمة القطاعات والخدمات الضرورية تختلف عن القائمة الواردة في الجدول الأول من قانون العلاقات الصناعية الماليزي لعام 1967 المتعلق بالقيود على الإغلاق والإضرابات. وبدلاً من ذلك، نُشرت قائمة القطاعات والخدمات الضرورية المسموح لها بالعمل أثناء الإغلاق في الجريدة الرسمية ضمن لوائح الوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها لعام 2020.

ومع ذلك، سنّت بعض البلدان تدابير طوارئ واسعة لتقييد حقوق التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، بما فيها حق الإضراب، خلال جائحة كوفيد 19. ففي مارس 2020، أمرت البرتغال عمال الموانئ المضربين بالعودة إلى العمل، بحجة أن الموانئ حيوية لإنتاج السلع والخدمات الأساسية وتزويد السكان بها. وفي فبراير 2022، وعلى إثر سلسلة من الإضرابات في قطاعي الصحة والكهرباء في سري لانكا وسط أزمة اقتصادية حادة، استند الرئيس إلى قانون صادر عام 1979 يحظر التوقف عن العمل في هذين القطاعين، معلناً أن جميع الأعمال المرتبطة بهما خدمات عامة ضرورية. وسجلت بعض البلدان رسمياً تقييدات لالتزاماتها التعاهدية باحترام حرية تكوين الجمعيات، ومنها إكوادور وإستونيا فيما يخص المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وألبانيا فيما يخص المادة 11 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وبسبب ارتباط مصطلح الخدمات الضرورية بالقيود على حق الإضراب، يستخدم هذا التقرير تسمية العاملين الأساسيين.

1.2 كم عدد العاملين الأساسيين وما خصائصهم؟

يستأثر العاملون الأساسيون بحصة كبيرة من القوى العاملة في العالم. ففي البلدان التسعين التي تتوافر عنها بيانات، تتراوح حصتهم بين 87% كحد أعلى في موزمبيق و24% كحد أدنى في إسرائيل، بمتوسط قدره 52% في جميع البلدان. وبوجه عام، كلما ارتفع مستوى دخل البلد انخفضت نسبة العاملين في المهن الأساسية. وهذا غير مستغرب، إذ لا تزال الزراعة في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي ومهنة سائدة. غير أن هذه العلاقة العكسية تظل قائمة حتى بعد استبعاد العاملين الزراعيين. فمع التنمية الاقتصادية، تتنوع بنية الأنشطة الاقتصادية ويزداد عدد العاملين في قطاعات غير أساسية، كالتمويل والتأمين والعقارات أو الفنون والترفيه والتسلية، التي لا تندرج ضمن تصنيف العمل الأساسي. ونتيجة لذلك، تتراجع حصة العاملين الأساسيين إجمالاً مع ارتفاع الدخل، ويصح ذلك حتى مع استبعاد الزراعة. فتبلغ حصتهم 73.6% في البلدان المنخفضة الدخل، و58% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و47.9% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و34.2% في البلدان المرتفعة الدخل. وباستبعاد الزراعة، تنخفض الحصة إلى 40.3% على مستوى العالم.

وإلى جانب ذلك، يحدث تحول في أنواع المهن الأكثر انتشاراً في العمل الأساسي، ولا سيما نحو الرعاية الصحية، والتنظيف والصرف الصحي، والعمل اليدوي في الصناعة التحويلية والمستودعات، والعمل الفني والكتابي. فبينما يعمل أقل من 2% من العاملين الأساسيين في الرعاية الصحية في البلدان المنخفضة الدخل، تقفز النسبة إلى قرابة 20% في البلدان المرتفعة الدخل. بل إن التحول يحدث حتى داخل المجموعات المهنية نفسها. فعلى سبيل المثال، تشمل فئة النظم الغذائية سلسلة القيمة لإنتاج الغذاء، من مزارعي الكفاف وصيادي الأسماك والقناصة وجامعي الثمار، إلى العاملين المهرة في الزراعة والحراجة وصيد الأسماك والقنص الموجهين نحو السوق، والعمال، ومساعدي إعداد الطعام. ويُصنف قرابة 40% من العاملين الأساسيين في النظم الغذائية في البلدان المنخفضة الدخل مزارعي كفاف، وترتفع هذه الحصة إلى أعلى مستوياتها في أنغولا وإثيوبيا وموزمبيق ونيجيريا. أما في البلدان المرتفعة والمتوسطة الأعلى الدخل، فتزيد الحصة قليلاً على 10%. وعلى نحو مماثل، يمثل مساعدو إعداد الطعام 7% من العاملين في النظم الغذائية في البلدان المرتفعة الدخل، في حين يكاد وجودهم ينعدم في البلدان المنخفضة الدخل بنسبة 0.1%.

ومع أن زراعة الكفاف قد تبدو خارج نطاق العمل الأساسي لكونها تتعلق بإعالة الأسرة، فمن المهم أن نتذكر أن العاملين المصنفين إحصائياً مزارعي كفاف كثيراً ما يمارسون عملياً أنشطة سوقية، ولا سيما في موسم الحصاد حين يبيعون فائض إنتاجهم، فضلاً عن عملهم المتكرر عمالاً زراعيين أو عاملين منزليين في إنتاج السلع. والواقع أن دراسات من إثيوبيا ونيجيريا تبين أن هذه الأنشطة الاقتصادية الأخرى حاسمة لتأمين سبل عيشهم. ولذلك يطمس مزارعو الكفاف في العادة الحدود بين الإنتاج الزراعي للاستهلاك الذاتي والتوجه نحو السوق.

وعلاوة على ذلك، قد يتزايد عدد مزارعي الكفاف والعمال الزراعيين في أوقات الركود الاقتصادي، إذ كثيراً ما يكون القطاع ملاذاً للمهاجرين العائدين. وهذا ما حدث في الهند، حيث عاد أكثر من 11 مليون مهاجر حضري إلى الريف بعد فرض إغلاق صارم في نهاية مارس 2020. ومع أن هؤلاء العاملين لم يتجهوا جميعاً إلى العمل الزراعي، فقد اتجه إليه كثيرون منهم بسبب الحاجة إلى الحفاظ على سبل عيشهم في غياب نظم حماية اجتماعية متينة. وكانت النتيجة مماثلة بين الباعة المتجولين في قطاع التجزئة، إذ لجأ كثير ممن فقدوا وظائفهم خلال الجائحة إلى البيع في الشوارع وسيلةً لكسب العيش. ومن ثم فإن بعض المهن الأساسية، ولا سيما في بلدان الجنوب، تؤدي دوراً مزدوجاً، فهي تسهم في تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع وفي دعم سبل عيش العاملين وأسرهم في آن واحد.

وفي المتوسط، يعمل 51% من العاملين الأساسيين بأجر وراتب، بينما يعمل الباقون لحسابهم الخاص. غير أن هناك فوارق حاسمة بين فئات الدخل؛ ففي البلدان المرتفعة الدخل، يعمل معظم العاملين الأساسيين، أي 84% منهم، مستخدمين بأجر، في حين يصح العكس في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يعمل أكثر من 87% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص. وفي البلدان المرتفعة الدخل، تُعد الزراعة، وبدرجة أقل النقل، النشاطين الاقتصاديين الرئيسيين اللذين يشيع فيهما العمل لحساب الذات. أما في البلدان المنخفضة الدخل، فالعمل لحساب الذات هو النمط السائد بين العاملين الأساسيين في جميع المجموعات المهنية باستثناء الصحة والأمن.

إن التمييز في الوضع الوظيفي بين المستخدمين بأجر والعاملين لحسابهم الخاص بالغ الأهمية، إذ لا تزال علاقة الاستخدام هي المدخل إلى الحماية في مجالي العمل والحماية الاجتماعية في معظم النظم القانونية في العالم. فكثير من الحقوق والمزايا الممنوحة للعاملين تغيب حين يكون العامل يعمل لحسابه الخاص. فالعاملون لحسابهم الخاص لا تشملهم الحماية المتعلقة بساعات العمل أو الحد الأدنى للأجور، ولا يستفيدون عادة من حماية السلامة والصحة المهنيتين ولا من التدريب ولا من الحماية الاجتماعية. وحق الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، مع أن لجنة الحرية النقابية تعترف بسريانه على جميع العاملين أياً كان وضعهم، لا يُطبق هو الآخر تطبيقاً شاملاً. ولهذا السبب ثمة قلق من تنامي علاقات الاستخدام المقنّعة التي قد تلغي الحماية التي يكفلها القانون للعاملين أو تضعفها. وكان لهذا التمييز بين الأوضاع الوظيفية عواقب مهمة خلال جائحة كوفيد 19، إذ حدد مقدار الحماية التي أمكن للعاملين الاعتماد عليها للتخفيف من إجهاد عملهم بوصفهم عاملين أساسيين.

وفي البلدان النامية، يُعد الطابع غير المنظم سمة شائعة لدى العاملين الأساسيين، ولا سيما العاملين لحسابهم الخاص. ويشمل الاقتصاد غير المنظم، وفق تعريف منظمة العمل الدولية، المستخدمين الذين يشغلون وظائف غير منظمة، والعاملين الأسريين المساهمين، والعاملين لحسابهم الخاص وأصحاب العمل وأعضاء التعاونيات العاملين في القطاع غير المنظم. وفي المتوسط، يعمل قرابة 87% من العاملين الأساسيين لحسابهم الخاص في البلدان النامية بصورة غير منظمة، وترتفع النسبة إلى 95% في البلدان المنخفضة الدخل. أما المستخدمون الأساسيون، فتوزيعهم أقل انحرافاً لكنه يبقى مقلقاً، إذ يعمل 51% منهم بصورة غير منظمة. ومرة أخرى، تسجل البلدان المنخفضة الدخل معدلات مرتفعة من الطابع غير المنظم، إذ يعمل 64% من المستخدمين الأساسيين بصورة غير منظمة، بينما تنخفض النسبة إلى 40% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، وهي نسبة لا تزال مرتفعة. ومن المهم ملاحظة أنه على الرغم من الطابع غير المنظم الغالب على الزراعة، فإن استبعادها من التحليل لا يخفض معدل الطابع غير المنظم بين المستخدمين الأساسيين إلا إلى 46% في المتوسط، مما يدل على مدى انتشار هذه الظاهرة وصعوبة معالجتها في البلدان النامية. ومع ذلك، ورغم انتشارها، واجه بعض العاملين غير المنظمين صعوبات مع السلطات حين واصلوا العمل أثناء عمليات الإغلاق. فلما كانت قوائم البلدان تتعلق بالسلع والخدمات الأساسية الواجب توفيرها لا بالمهن التي تؤديها، نشأت أحياناً منطقة رمادية في البلدان ذات الحصص الكبيرة من العاملين غير المنظمين بشأن ما إذا كان يُسمح لهم بالعمل.

الإطار 1.1 عدم الاعتراف ببعض العاملين غير المنظمين بوصفهم عاملين أساسيين

يشكل العاملون غير المنظمين نحو 60% من القوى العاملة في العالم، وترتفع النسبة في بعض أنحاء العالم النامي. ويقدم كثير من العاملين غير المنظمين سلعاً وخدمات صُنفت ضرورية خلال الجائحة، كالغذاء والصرف الصحي والرعاية والنقل، وكان ينبغي أن يتيح ذلك لجميع العاملين في هذه القطاعات أداء أعمالهم رغم القيود المفروضة. ومع ذلك، واجه العاملون غير المنظمين، مقارنة بنظرائهم المنظمين في القطاعات نفسها، عقبات واسعة فاقمت التحديات التي كانوا يواجهونها أصلاً قبل الجائحة.

وتفاوتت قوائم القطاعات الأساسية في البلدان المختلفة في درجة تحديدها. وبسبب الطبيعة غير المنظمة لعملهم، كثيراً ما وقع العاملون غير المنظمين في منطقة رمادية أغفلتها الأوامر المتعلقة بكوفيد 19. فعلى سبيل المثال، بينما صُنف العاملون غير المنظمين كالباعة المتجولين صراحة عاملين أساسيين في كثير من البلدان الأفريقية، كانت القواعد غامضة في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية. كما تفاوت الاعتراف بهم عاملين أساسيين بين القطاعات المختلفة. ونتيجة لذلك، اضطر بعض العاملين غير المنظمين إلى التنظيم والضغط من أجل تقنين وضعهم رسمياً عاملين أساسيين لضمان حقهم في العمل أثناء الجائحة. ومع أن بعضهم حصل في النهاية على هذا الاعتراف، فإن جامعي النفايات في الهند لم يكونوا قد نالوا الاعتراف بهم عاملين أساسيين حتى عام 2022.

وحتى حين اعتُرف بهم عاملين أساسيين، ظل العاملون غير المنظمين يواجهون صعوبات في العمل، لأن التنفيذ كان متروكاً لتقدير السلطات المحلية. فقد وجدت دراسة أجرتها شبكة النساء في العمالة غير المنظمة في 11 مدينة كبرى حول العالم خلال الجائحة أن بعض العاملين غير المنظمين احتاجوا إلى الحصول على تصاريح إضافية تطلبت في الغالب تعاملاً مطولاً مع السلطات المحلية. وعلاوة على ذلك، لم يشمل الإذن بأداء العمل صراحة الأنشطة الأخرى اللازمة لأدائه، كالحصول على المكونات، مما أفضى أحياناً إلى مواجهات مع الشرطة. ونتيجة لذلك، وجدت الدراسة مثلاً أن 95% من المستجيبين من باعة الطعام في جنوب أفريقيا لم يتمكنوا من مواصلة العمل في أبريل 2020 بسبب إغلاق الأسواق أو القيود على التنقل.

وحتى قبل الجائحة، كان العاملون غير المنظمين أقل حظاً من الحماية من غيرهم، وكثيراً ما واجهوا الإخلاء ومصادرة ممتلكاتهم. وقد فاقمت قيود الجائحة التوترات القائمة، فتصاعدت المضايقات التي يتعرضون لها عادة من قوات الأمن والشرطة. كما فاقمت الجائحة صعوبات أخرى قائمة يواجهها العاملون غير المنظمين؛ فلما تراجعت الدخول خلال الجائحة، قل الطلب على السلع والخدمات التي يقدمونها. وحدت القيود على التنقل من حركة الزبائن وزادت تكاليف التشغيل على العاملين غير المنظمين. وكان لتراجع التدفقات النقدية اليومية أثر أشد ضرراً عليهم، لأن حصولهم على مصادر الائتمان الرسمية، بما فيها الدعم الحكومي، أقل.

وأخيراً، يعمل العاملون الأساسيون في الغالب في القطاع الخاص. ففي المتوسط، يعمل أقل بقليل من 15% منهم في القطاع العام، مقارنة بنسبة 24% لغير الأساسيين. ومع ذلك، يتفاوت الاستخدام العام للعاملين الأساسيين تفاوتاً كبيراً بين البلدان، إذ لا يعمل في القطاع العام سوى 3% من العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل، مقارنة بنسبة 25% في البلدان المرتفعة الدخل. ويعكس هذا الوضع صغر حجم القطاع العام في البلدان المنخفضة الدخل، الذي يعكس بدوره فوارق كبيرة في حصة الإيرادات الضريبية من الدخل القومي، كما يعكس هيمنة الزراعة في هذه البلدان، حيث يكاد إنتاج الغذاء وتوزيعه يكونان خاصين بالكامل. وحتى مع استبعاد العاملين في النظم الغذائية، لا ترتفع حصة الاستخدام العام بين العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل إلا إلى 8%، وهي أدنى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 19.6%. ويترجم ضعف الاستثمار العام في الرعاية الصحية في كثير من البلدان المنخفضة الدخل إلى حصص منخفضة من العاملين الصحيين الأساسيين، إذ لا يشكل هؤلاء سوى 2% من مجموع العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل، مقارنة بنسبة 20% في البلدان المرتفعة الدخل.

الخصائص الاجتماعية والديمغرافية للعاملين الأساسيين

لما كان العاملون الأساسيون يشكلون نسبة كبيرة من سوق العمل، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل، فإن ثمة أوجه تشابه بين الملامح الديمغرافية للعاملين الأساسيين ككل وملامح مجموع السكان العاملين، وإن وُجدت فوارق أيضاً، ولا سيما عند التصنيف بحسب المجموعة المهنية أو مستوى دخل البلد.

على المستوى العالمي، تمثيل النساء بين العاملين الأساسيين أقل من نصيبهن، إذ يشكلن 38.3% من مجموع العاملين الأساسيين، بينما يشكلن 42% من غير الأساسيين. ويشمل هذا الرقم العاملات الأسريات المساهمات، لكنه لا يشمل أنواع العمل غير المأجور الأخرى التي تؤديها النساء. ومع ذلك، فإن تمثيل النساء في العمل الأساسي في البلدان التسعين التي تتوافر عنها بيانات أدنى إجمالاً من تمثيل الرجال، مما يعكس انخفاض مشاركة الإناث في بعض المناطق وضعف تمثيلهن في بعض المهن الأساسية. وتسجل البلدان المرتفعة الدخل حصصاً أعلى نسبياً من العاملات الأساسيات، تبلغ نحو 42%، مقارنة بالبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والمنخفضة الدخل، حيث تقل حصة عمل النساء عاملات أساسيات بأربع إلى خمس نقاط مئوية. ولأن الفصل المهني والصناعي القائم على الجنس لا يزال سمة مهمة لأسواق العمل حول العالم، فإن الأهمية النسبية للمهن التي يهيمن عليها الذكور أو الإناث في هيكل العمالة في بلد ما تؤثر في نسبة النساء في العمل الأساسي. وفي الصحة وتجارة التجزئة، تشكل النساء أغلبية العاملين الأساسيين بنسبة 66% و58% على التوالي، بينما يقل عددهن كثيراً في مجموعات مهنية كالأمن، حيث لا تتجاوز حصتهن 12.4%، والنقل، حيث لا تتجاوز نحو 3%.

ويعكس التوزيع العمري للعاملين الأساسيين التوزيع العمري لأسواق العمل حول العالم. ففي المتوسط، تتراوح أعمار أكثر من 71% من العاملين الأساسيين بين 25 و54 عاماً. وبينما يرتفع نصيب الشباب قليلاً بين العاملين الأساسيين في البلدان المنخفضة الدخل، يصح العكس في البلدان المرتفعة الدخل حيث تزيد نسبة العاملين الأكبر سناً على المتوسط. والنمط نفسه ملحوظ لدى غير الأساسيين، مما يعكس البنية الديمغرافية لهذه البلدان. ففي إثيوبيا وغواتيمالا مثلاً، حيث يبلغ متوسط عمر السكان 20 و23 عاماً على التوالي، تتراوح أعمار أكثر من 31% من جميع العاملين الأساسيين بين 15 و24 عاماً. وفي المقابل، تقل هذه النسبة عن 5% في اليونان وسلوفاكيا، حيث يبلغ متوسط العمر 46 و41 عاماً على التوالي.

ويقل متوسط المؤهلات التعليمية للعاملين الأساسيين في عينة البلدان التسعين عن نظرائهم غير الأساسيين في كل مستويات التنمية الاقتصادية. ففي المتوسط، حصل 12.5% من العاملين الأساسيين على قدر من التعليم العالي على الأقل، مقارنة بنحو 28% من غير الأساسيين. وكما يبين التحليل اللوجستي الوارد أدناه، فإن العاملين الأقل تعليماً أرجح أن يكونوا عاملين أساسيين، بصرف النظر عن مستوى دخل بلدهم. ومع ذلك، ثمة فوارق مهمة في التحصيل التعليمي بين البلدان. ففي البلدان المنخفضة الدخل، يقل المستوى التعليمي لنحو 91% من العاملين الأساسيين عن التعليم الثانوي، مقارنة بنسبة 30% فقط في البلدان المرتفعة الدخل، ويتبع التعليم العالي نمطاً مماثلاً. لكن البيانات تبين أيضاً أنه حتى في مجموعات مهنية لا تتطلب عموماً مهارات متقدمة، كتجارة التجزئة والنقل والتنظيف والصرف الصحي والعمل اليدوي، يحمل ما بين 6% و11% من العاملين الأساسيين شهادة جامعية. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، يتجاوز تعليم 258 مليون شخص حول العالم ما تتطلبه الوظائف التي يشغلونها. ويختلف مدى عدم التوافق التعليمي من بلد إلى آخر، لكن لهذا عدم التوافق آثاراً سلبية من حيث الدخل والرضا الوظيفي والاستثمار المهدور، في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

وقد أبرزت الجائحة الدور المهم للمهاجرين الدوليين في تقديم الخدمات الأساسية. فقرابة واحد من كل خمسة عاملين أساسيين في البلدان المرتفعة الدخل كان مهاجراً دولياً. ويُستمد وضع الهجرة من إجابات مسوح الأسر المعيشية عما إذا كان الفرد مولوداً في الخارج، وهو مقياس غير مثالي لكنه يتيح توحيد المعايير بين بلدان كثيرة. وفي المتوسط، تبلغ حصة العاملين الأساسيين المولودين في الخارج 8%، وإن كانت أصغر بكثير في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، إذ تبلغ 2%. وثمة أيضاً فوارق مهمة بحسب المكان؛ ففي أوروبا مثلاً، تبلغ حصة العاملين المهاجرين نحو 14%، لكنها قد تصل إلى 50% في بعض العواصم كبروكسل. كما يختلف وجود المهاجرين الدوليين بين المجموعات المهنية؛ ففي حين يقل المهاجرون في المتوسط عن 5% من العاملين في القطاعات الأساسية في مجال الأمن، تتجاوز حصتهم 10% في المتوسط في التنظيف والصرف الصحي. وفي الاقتصادات المرتفعة الدخل، تصل نسبة العاملين الأساسيين المهاجرين في التنظيف والصرف الصحي إلى 26%.

الإطار 1.2 الخصائص الاجتماعية والديمغرافية واحتمال العمل في الوظائف الأساسية

يقيس هذا التحليل احتمال العمل في المهن والقطاعات الأساسية بحسب الجنس والعمر والتعليم ووضع الهجرة، استناداً إلى عينة مجمعة من 49 بلداً.

لا ترتبط صفة الجنس بعلاقة ذات دلالة إحصائية بكون الفرد عاملاً أساسياً في العينة الكلية، غير أن الآثار تتباين بين البلدان. ففي البلدان المرتفعة والمنخفضة الدخل، يزيد كون الفرد امرأة احتمال عمله عاملاً أساسياً، في حين يكون الارتباط سلبياً لكنه غير ذي دلالة في البلدان المتوسطة الدخل. ويمكن عزو هذه النتائج المتباينة إلى حد بعيد إلى الفوارق في مشاركة الإناث في القوى العاملة وفي البنية المهنية بين البلدان. وفيما يتعلق بالعمر، لا يزيد كون الفرد في سن الذروة احتمال العمل في الوظائف الأساسية إلا في البلدان المنخفضة الدخل، بينما يكون للتقدم في السن الأثر نفسه في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. أما العاملون الأقل تعليماً، فأرجح أن يكونوا عاملين أساسيين مقارنة بحملة الشهادة الثانوية أو الجامعية، وتصح هذه العلاقة بصرف النظر عن مستوى دخل البلد. ويرتبط وضع الهجرة ارتباطاً إيجابياً بكون الفرد عاملاً أساسياً في البلدان المرتفعة الدخل، في حين يكون الارتباط سلبياً في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى.

دراسة ذات صلة