الفصل السادس: استثمارات قطاعية لدعم العاملين الأساسيين والمنشآت
النتائج الرئيسية
تؤتي الاستثمارات في البنية التحتية المادية والاجتماعية في القطاعات الأساسية ثمارها، إذ توجد ملايين الوظائف، بينما يستتبع عدم القيام بها تكاليف أعلى لإصلاح الأضرار الاجتماعية والاقتصادية.
في قطاعي الصحة والرعاية، يجب أن تعالج الاستثمارات أوجه القصور في الرعاية الصحية الكافية والإنفاق الصحي، وكذلك نقص اليد العاملة.
يمكن موازنة تقلب دخل العاملين الزراعيين بالأسعار الدنيا المضمونة ونظم التأمين.
يمكن للمنشآت الصغرى والصغيرة أن تصبح أكثر قدرة على الصمود وأكثر إنتاجية عبر انتقالات مدعومة إلى القطاع المنظم وتحسين حصولها على الائتمان.
لا يستطيع المزارعون والعاملون الصحيون وسائقو الشاحنات والبحارة وغيرهم من العاملين الأساسيين الذين يضمنون استمرار تقديم السلع والخدمات الأساسية في أوقات الأزمات أداء عملهم بفاعلية إن كانت البنية التحتية المادية والاجتماعية في القطاعات التي يعملون فيها ناقصة أو غير كافية. فالاستثمارات في البنية التحتية المادية والاجتماعية في القطاعات الأساسية شرط ضروري لتحسين ظروف العمل، لأن المنظمات، عامة كانت أم خاصة، ستكافح لأداء عملها دون بيئة مواتية. غير أن ظروف العمل الأفضل ليست النتيجة التلقائية لاستثمار البنية التحتية، بل يجب أن ترافق هذه الاستثمارات مؤسسات عمل معززة. وتضع هذه الشروط التمكينية مجتمعة الأسس لتحسين الإنتاجية والأداء التنظيمي وظروف العمل، ولبناء اقتصادات ومجتمعات قادرة على الصمود تملك القدرة على تحمل الصدمات والأزمات والتكيف معها والتحول في مواجهتها.
وإلى جانب الاستثمارات اللازمة في القطاعات الأساسية، بما فيها السياسات الداعمة للأعمال الأساسية، ثمة حاجة إلى نهج أكثر استباقية في إدارة الكوارث. فقد أظهرت جائحة كوفيد 19 مزايا العمليات التشاركية الواسعة للتشاور والحوار الاجتماعي في تطوير حلول عملية لإدارة آثار الأزمة، ومن ذلك الاتفاقات الثلاثية المتفاوض عليها في كينيا للتخفيف من تداعيات الجائحة، إضافة إلى اتفاقات ثنائية عديدة.
ومع أن القدرة الاجتماعية والاقتصادية على الصمود تتطلب استثمارات في جميع القطاعات الأساسية، يركز هذا الفصل على الصحة والنظم الغذائية لأنهما كانتا في صميم الاستجابة للجائحة ومحوريتان في أي أزمة. فالجوائح الماضية والحالية تبرز أهمية الرعاية الصحية والحاجة إلى حلول جماعية لضمان حصول الجميع على رعاية صحية جيدة وميسورة الكلفة. وكثير من العمل الأساسي في الزراعة، التي لا تزال المصدر الرئيسي للعمالة وكسب العيش في بلدان كثيرة منخفضة الدخل. ومع ذلك، عانى قرابة 200 مليون شخص في 53 بلداً في عام 2021 من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وتفاقمت هشاشة سلاسل الإمداد الغذائي التي عجلت بها جائحة كوفيد 19 في عام 2022 نتيجة الحرب في أوكرانيا وتقلب الطقس. ونظراً إلى التهديدات البيئية الوشيكة، ثمة حاجة إلى استثمارات مخصصة لضمان الأمن الغذائي.
ويوفر القطاع الخاص معظم السلع والخدمات الأساسية. غير أن الأعمال في كثير من أنحاء العالم النامي تعمل بصورة غير منظمة، دون البنية التحتية والموارد اللازمة للتطور والازدهار. والمنشآت تحتاج إلى الاستثمارات لكي تزدهر، كما تحتاج إلى بيئة مواتية توفر الفرص وتدعم النمو. ولما كان كثير من العاملين الأساسيين يعملون لدى شركات خاصة أو يعملون لحسابهم الخاص أو أصحاب عمل في القطاع الخاص، فإن الاستثمار في المنشآت المستدامة يتيح تحسين ظروف العمل.
ولما كانت الهشاشة أمام صدمات كجائحة كوفيد 19 تتوقف على الظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فإن الخطوة الضرورية في بناء القدرة على الصمود تحديد مواطن الضعف المحتملة ومجالات التحسين. ولذلك يعرض هذا الفصل أولاً أوجه القصور المنهجية الرئيسية التي تواجهها النظم الصحية والغذائية والمنشآت الأساسية، ثم يناقش السياسات والاستثمارات اللازمة لرعاية صحية ميسورة الكلفة ومتاحة ولأمن غذائي، والسياسات اللازمة لتهيئة بيئة مواتية للمنشآت المستدامة. ويبين أن عوائد هذه الاستثمارات تفوق تكاليفها، وأنها ليست حاسمة للعاملين والمنشآت فحسب، بل للمجتمعات القادرة على الصمود أيضاً.
6.1 الاستثمار في نظم صحية ونظم رعاية طويلة الأجل قادرة على الصمود
قال طبيب في هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة إن ما لا يحتاجه حقاً هو أن يصفق له الناس، وإن ما سيكون جميلاً هو العمل في هيئة خدمات صحية ممولة تمويلاً كافياً، يعمل فيها أناس تصغي إليهم الحكومة، وأن يرى أجوراً مناسبة للموظفين منخفضي الأجر الذين يحافظون على تماسك الخدمة، وأن يرى تقديراً لقيمة المهاجرين للهيئة، وأن تكون لديه خدمة صحية متكاملة مع خدمة رعاية اجتماعية فاعلة.
يتطلب تحسين ظروف عمل العاملين الصحيين الأساسيين استثمارات في نظم الرعاية الصحية تتيح التوظيف الكافي لضمان خدمات جيدة وحماية صحية اجتماعية للجميع، وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية، إلى جانب تمويل البنية التحتية المادية. وهذه الاستثمارات اللازمة شرط تمكيني لتحسين جودة الوظائف بين العاملين الصحيين الأساسيين، وهي إلى جانب تقوية مؤسسات العمل قادرة على تحقيق العمل اللائق.
وقد أبرزت جائحة كوفيد 19 وأوبئة كتفشي إيبولا بين عامي 2014 و2016 الحاجة إلى نظم رعاية صحية أكثر قدرة على الصمود، بما فيها الرعاية الطويلة الأجل. ففي كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تتفاقم الأمراض المعدية والأزمات الصحية بسبب نظم رعاية صحية تعاني من نقص الموارد والموظفين. ولتحسين الحصول على الرعاية الصحية دون عناء، فإن الالتزام بالحماية الصحية الاجتماعية للجميع وما يقابله من استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والقوى العاملة الصحية وظروف العمل اللائقة ضروري لضمان الاستعداد الوطني والقدرات المستدامة. وتشمل القدرات المستدامة التدريب وإدارة المعلومات الصحية والمتطلبات اللوجستية الأساسية التي تتيح للنظم الصحية التعامل مع الخدمات الأساسية الروتينية وكذلك مع الطوارئ الصحية. وينبغي أن يسعى الاستثمار إلى سد الثغرات في النظم الصحية القائمة وأن يتناول تنوع أماكن تقديم الرعاية: المستشفيات والعيادات وغيرها من مرافق الرعاية الخاصة والعامة، فضلاً عن الخدمات المقدمة في المجتمع وفي المنازل. ويغطي القطاع طيفاً من المهن، من الأطباء والممرضين والعاملين في الرعاية الشخصية إلى المساعدين وعمال التنظيف والإداريين.
أوجه القصور في الحصول على الرعاية الصحية الكافية والإنفاق الصحي
الحصول على الرعاية الصحية أبعد ما يكون عن الشمول في أنحاء العالم. فالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحديداً تسجل معدلات تغطية خدمات منخفضة، مما يحرم شرائح كبيرة من السكان من الحصول على رعاية صحية جيدة. كما ثمة فوارق كبيرة داخل البلدان، إذ تعاني المناطق الريفية من عدم كفاية الحصول على الرعاية في أنحاء كثيرة من العالم. وخلال جائحة كوفيد 19، حدّ النقص القديم في موظفي الرعاية الصحية واللوازم الصحية، كالأدوية وأجهزة التنفس ثم اللقاحات لاحقاً، من قدرة البلدان على الاستجابة الفعالة للاحتياجات الصحية لسكانها.
وتختلف بنية نظم الرعاية الصحية في أنحاء العالم، وينعكس ذلك في تركيبة الإنفاق الصحي. ففي المتوسط، كلما ارتفع دخل البلد ارتفعت حصة الإنفاق الصحي الحكومي العام المحلي؛ إذ تزداد من 22% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 39% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى و56% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و62% في البلدان المرتفعة الدخل. ويرتبط التمويل العام بوضوح بتناقص حصة الإنفاق من الجيب الخاص على الرعاية الصحية. وفي البلدان التي تكون فيها الرعاية الصحية الميسورة الكلفة والحماية الاجتماعية محدودة، تُترجم هيمنة القطاع الخاص على تقديم خدمات الرعاية الصحية إلى مدفوعات كبيرة من الجيب الخاص. ففي الهند، يُعد الإنفاق من الجيب الخاص من الأعلى في العالم، إذ شكل 55% من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية عام 2019. ومع أن برامج مختلفة للمساعدة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي على المستويين الاتحادي ومستوى الولايات حاولت تخفيف هذا العبء، فإن أثرها لا يزال محدوداً بفعل ثغرات التغطية. ومن البلدان الأخرى ذات الحصص المرتفعة بوجه خاص من الإنفاق من الجيب الخاص أرمينيا بنسبة 85% وبنغلاديش بنسبة 73% ونيجيريا بنسبة 71%.
ولكي يكون نظام الحماية الصحية الاجتماعية فعالاً، ينبغي معالجة الثغرات في التغطية والحماية المالية. ومع وجود قدر من الارتباط بين حصة الإنفاق العام وتوافر خدمات الرعاية الصحية الميسورة الكلفة، فإن زيادة الإنفاق العام على الصحة ليست ضماناً للحصول على الرعاية الصحية. فلا تتحقق الرعاية الشاملة الميسورة الكلفة أو المجانية إلا حين تكون تغطية الحماية الصحية الاجتماعية راسخة في القانون وتوجد استحقاقات ملموسة تتحقق عبر استثمارات الرعاية الصحية. وقد تفضي أوجه القصور في الحصول على رعاية صحية جيدة بسبب القدرة على تحمل الكلفة إلى مشكلات صحية وإلى العوز. والتغطية الصحية الشاملة، وغيرها من سياسات الحماية الاجتماعية كالإجازة المرضية المدفوعة وتأمين العجز، حواجز مهمة في وجه هذه المخاطر. ففي كل عام، تدفع النفقات من الجيب الخاص على الصحة نحو 100 مليون شخص تحت خط الفقر، ولا يطلب كثيرون الرعاية الصحية لقلة المال. وعلى المستوى العالمي، أُفيد في عام 2017 بأن نحو 996 مليون شخص أنفقوا أكثر من 10% من إجمالي دخل أسرهم السنوي أو ميزانية استهلاكها على الرعاية الصحية، مع تركز النفقات من الجيب الخاص في البلدان المتوسطة الدخل.
نقص اليد العاملة وقيود القدرة في الصحة والرعاية الطويلة الأجل
تؤثر الاستثمارات غير الكافية في الرعاية الصحية في قدرة البلدان على الاحتفاظ بالعاملين الصحيين المدربين والمؤهلين. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ثمة عجز كبير في العاملين الصحيين قياساً بالاحتياجات، كثيراً ما يتفاقم بفعل هجرة الكفاءات. ومن شأن تزايد الطلب على العاملين الصحيين في البلدان المرتفعة الدخل بسبب شيخوخة السكان أن يدفع كثيراً من العاملين الصحيين في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى الهجرة نحو وظائف صحية أعلى أجراً، مما قد يزيد العجز في الموظفين في بلدان المنشأ ويسيء من ثم إلى جودة الخدمة وظروف عمل من يبقون. ففي عام 2014، لم يحصل نحو 84% من السكان في البلدان المنخفضة الدخل و55% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى على الرعاية الصحية نتيجة نقص القوى العاملة الصحية.
ومن المتوقع أن يتجاوز نقص العاملين الصحيين 18 مليوناً بحلول عام 2030، مع أكبر عجز بين الممرضين والقابلات. وفي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تعاني البلدان ذات النظم الصحية الضعيفة من أكبر الخسائر النسبية في العاملين الصحيين. وهجرة الكفاءات قضية ملحة بوجه خاص في شرق أفريقيا والكاريبي، إذ تسبب نقصاً كبيراً في القوى العاملة الصحية. وفي أوروبا الشرقية، أُطلقت سياسات لمحاولة رفع رواتب العاملين في الرعاية الصحية وتحسين ظروفهم لوقف تدفقهم إلى أوروبا الغربية للعمل.
وفي أفريقيا، تعود أوجه القصور في الموارد المتاحة لخدمات الرعاية الصحية إلى عدم كفاية الاستثمار الحكومي في الصحة الذي يعيق قدرة العاملين الصحيين على أداء واجباتهم. فكثير من الحكومات الأفريقية عاجزة عن الوفاء بإعلان أبوجا لعام 2000 الذي تعهد فيه رؤساء دول الاتحاد الأفريقي بتخصيص 15% على الأقل من ميزانيتهم السنوية لتحسين القطاع الصحي. ولسوء الحظ، لا تزال خدمات الرعاية الصحية في أفريقيا تعاني من نقص حاد في الموارد، مع الاعتماد على المنتجات الطبية والصيدلانية المستوردة ونقص المرافق بما فيها وحدات العناية المركزة. ويعود ضعف الاستثمار في الصحة في كثير من الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل جزئياً إلى الشروط التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية على الدول المقترضة. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، فرضت شروط الإقراض كثيراً سقوفاً على الإنفاق العام أثرت في تركيبة الإنفاق على الرعاية الصحية. ففي عام 2018 مثلاً، أعلن الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا خططاً لوضع خطة إقليمية فرعية للاستثمار في القوى العاملة الصحية بهدف تعزيز العمالة في القطاع، لكن الخطة خضعت لقيود فرضتها معايير التقارب في الاتحاد من أجل الاستقرار والنمو والتضامن، بما فيها سقوف الإنفاق ومنها الإنفاق على الأجور. والجدير بالذكر أن هذه القيود، القائمة منذ عام 2015، رُفعت مع بداية جائحة كوفيد 19.
والمشكلات في الرعاية الطويلة الأجل أكبر منها في الرعاية الصحية، مع أوجه قصور في الحصول عليها وجودتها وظروف العمل فيها. فيمكن أن يقدم خدمات الرعاية الطويلة الأجل مقدمون عامون أو خاصون بدعم كامل أو جزئي من الدولة، عبر برامج قائمة على الاشتراكات أو غير قائمة عليها. ومن أشكال الدعم الأخرى برامج النقد مقابل الرعاية، التي يتلقى فيها المستفيدون تحويلات يمكن استخدامها إما للعاملين في الرعاية المنزلية أو المؤسسية أو لتعويض الخدمات غير المأجورة التي يقدمها أفراد الأسرة. ولا يعيش سوى 5.6% من سكان العالم في بلدان توفر تغطية شاملة للرعاية الطويلة الأجل، مع فجوات كبيرة بين البلدان في البنية التحتية والموارد البشرية. ففي السويد مثلاً، ثمة 23.2 سريراً للرعاية السكنية الطويلة الأجل لكل 10 آلاف شخص، بينما تبلغ النسبة 2.2 في إيطاليا و0.5 في الجمهورية الدومينيكية. ويعني العرض المحدود جداً من خدمات الرعاية الجيدة الميسورة الكلفة المقدمة عموماً أن كثيرين لا يجدون خياراً سوى الاعتماد على أفراد أسرهم غير المأجورين، ومعظمهم من النساء. ويقيد الاعتماد على أفراد الأسرة غير المأجورين في الرعاية بدوره مشاركتهن في سوق العمل وأمان دخلهن. وعلاوة على ذلك، يمكن لخدمات الرعاية غير المأجورة أن تخفي حجم الحاجة في بلد ما، ومن ثم فإن الاعتراف بالفجوات في الحاجة خطوة أولى ضرورية للابتعاد عن الاعتماد على أفراد الأسرة غير المأجورين.
ولفتت المعدلات المرتفعة للإصابة بكوفيد 19 والوفيات في مرافق التمريض حول العالم الانتباه إلى جودة عمل الرعاية وسلامته وإلى ثغرات تغطية الحماية الاجتماعية بين العاملين الأساسيين. ومع أن نقص الموظفين وارتفاع الدوران قضيتان قديمتان في خدمات الرعاية الطويلة الأجل، فقد أُبرزت آثارهما السلبية مع الجائحة. ففي إسرائيل، كان عدد العاملين المنظمين في الرعاية الطويلة الأجل في المنازل لكل مئة من السكان في سن 65 عاماً فأكثر 7.4 قبل الجائحة، وفي أستراليا 1.1. ومع الجائحة، صار نقص العاملين في الرعاية في بلدان مختلفة أوضح. فيُقدر مثلاً أن أستراليا ستحتاج إلى 200 ألف عامل رعاية إضافي بدوام كامل بحلول عام 2050 بسبب الشيخوخة، وقد نمت الفجوة في القوى العاملة أسرع مما كان متوقعاً بسبب الجائحة. وعلى نحو مماثل، في المملكة المتحدة، تسبب نقص العاملين في الرعاية السكنية في تأخير خروج المرضى المسنين خلال الجائحة. والأجور المتدنية وغيرها من ظروف العمل السيئة، بما فيها الجدولة غير المنتظمة وعدم الاستقرار التعاقدي والعنف والتحرش، هي الأسباب الرئيسية لترك العاملين في الرعاية وظائفهم بصورة متزايدة.
الاستثمار في الصحة والرعاية الطويلة الأجل: التزام يؤتي ثماره
لبلوغ الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، الصحة الجيدة والرفاه، وبناء مجتمعات قادرة على الصمود، تحتاج البلدان في أنحاء العالم إلى زيادة الاستثمارات في الصحة والرعاية الطويلة الأجل، فيما يتعلق بالبنية التحتية والتوظيف وتحسين ظروف العمل. فوفقاً لمنظمة العمل الدولية، يلزم 11.34 تريليون دولار أمريكي إضافي بأسعار عام 2015 لتحقيق تغطية شاملة بالخدمات الصحية وضمان حد أدنى قدره 4.45 عاملاً صحياً لكل ألف نسمة في البلدان النامية بحلول عام 2030. وتتطلب كلفة توسيع القوى العاملة في الرعاية الطويلة الأجل، وتقليص فجوة الأجور بين الممرضين والعاملين في الرعاية الشخصية إلى النصف، ورفع أجور العاملين في الرعاية الشخصية إلى الحد الأدنى القانوني، ما يقدر إجمالاً بنحو 2.35 تريليون دولار أمريكي. ومحوري لتحقيق هذه الأهداف إعمال التغطية الصحية الشاملة، بحيث تُترجم استحقاقات الحماية الصحية الاجتماعية الملموسة إلى هذه الاستثمارات اللازمة.
والواقع أن منظمة العمل الدولية تقدر أن زيادة الإنفاق لبلوغ غاية الهدف الثالث المتعلقة بالصحة ستولد 173 مليون وظيفة في قطاع الصحة والعمل الاجتماعي، وفي قطاعات أخرى عبر الروابط الخلفية. وعلى نحو مماثل، يمكن للاستثمار في تغطية خدمات الرعاية الطويلة الأجل وتحسينها أن يولد ما يصل إلى 50.9 مليون وظيفة بحلول عام 2030 على المستوى العالمي، وهو أكثر بكثير من 20.9 مليون وظيفة ستتولد لو بقيت مستويات التغطية والأجور على حالها. ويمكن كسب 13.9 مليون وظيفة إضافية في قطاعات غير الصحة والرعاية الطويلة الأجل بتوسيع الإنفاق على الرعاية الطويلة الأجل. ولما كان لعمل الرعاية بعد جنساني كبير، فإن هذه الاستثمارات ستقلص الفجوة بين الجنسين في العمالة بنحو 7.5 نقاط مئوية في جميع المناطق، إذ ستشغل النساء نحو 78% من الوظائف الجديدة. وإضافة إلى ذلك، يمكن للاستثمارات في خدمات الرعاية أن تعزز المشاركة في القوى العاملة لدى الأفراد، ولا سيما النساء، الذين كانوا سيضطرون لولاها إلى ترك العمل المأجور تماماً أو العمل ساعات أقل مما يرغبون بسبب مسؤوليات الرعاية.
وإلى جانب أثره السلبي في التوظيف، يسهم ضعف الاستثمار أيضاً في أوجه قصور في تعليم العاملين الصحيين وتدريبهم، ومن ثم في جودة الرعاية. وعلى هذا النحو، يُعد الاستثمار في التعليم والتدريب والمهارات توصية أساسية للجنة الأمم المتحدة الرفيعة المستوى المعنية بالعمالة في مجال الصحة والنمو الاقتصادي. فقد اعتمدت كندا وهولندا والولايات المتحدة مثلاً مبادرات تركز على تعزيز تدريب الممرضين على مهارات محددة لزيادة عرض مقدمي الرعاية في المستوى المتوسط. وهذا التركيز الاستراتيجي ضروري للاستجابة لاحتياجات الرعاية الصحية المتغيرة. ويمكن أن تكون الاستثمارات في التدريب والتعليم مفيدة بوجه خاص للعاملين الأساسيين في الرعاية الصحية، إذ توجد في القطاع فرص للترقي.
كما أن تحسين الحماية الاجتماعية وظروف العمل وسيلة أخرى لمنع النقص في الصحة والرعاية الطويلة الأجل. فظروف العمل والأجور الأفضل لن تزيد جاذبية هذه القطاعات فحسب، بل ستعزز الدافعية والإنتاجية وجودة الخدمة، وتسهم في نهاية المطاف في الاحتفاظ بالموظفين المؤهلين. ويؤكد ذلك أهمية ظروف العمل لضمان جودة الرعاية الصحية، لأن الظروف السيئة تفضي إلى الخروج، فتزيد جودة الرعاية تدهوراً، وتسبب خسارة للمجتمع والاقتصادات بالنظر إلى التعليم والتدريب الواسعين اللذين يتلقاهما المهنيون الصحيون.
ومع أن هذه الاستثمارات لازمة في جميع البلدان، فإن فجوات التمويل أشد حدة في البلدان المنخفضة الدخل. غير أن عدم معالجتها أكثر كلفة. فخلال وباء إيبولا مثلاً، يُقدر أن إجمالي المعونة الدولية تجاوز بكثير المبلغ الذي كان سيلزم لإنشاء رعاية صحية شاملة في البلدان الثلاثة الرئيسية المتضررة. ويبرز ذلك كلفة عدم إعطاء الأولوية لتوفير البنية التحتية المادية والاجتماعية، والفائدة الاقتصادية لهذا الاستثمار. ورغم القيود المالية، ثمة مقاربات مختلفة لتمويل الاستثمارات في الصحة والرعاية الطويلة الأجل.
الإطار 6.1 تمويل الصحة والرعاية الطويلة الأجل
سيتطلب ضمان استثمار عام كافٍ لتحقيق تغطية شاملة جيدة بخدمات الصحة والرعاية الطويلة الأجل مصادر تمويل عدة، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل. ومع ذلك، من المهم تذكر أن جزءاً من تكاليف الاستثمار يمكن استرداده عبر النمو الاقتصادي والعمالة الإضافيين اللذين تولدهما هذه الاستثمارات، مما يزيد الإيرادات الحكومية عبر الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي، فيعوض بعض التكاليف.
والمصدر الرئيسي للتمويل الإنفاق العام الممول من اشتراكات الضمان الاجتماعي والضرائب. وفي بلدان نامية كثيرة، تكون نسب الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة، مما يحد من قدرة الحكومات على القيام بالاستثمارات اللازمة. ومن ثم فإن الخطوة الأولى زيادة الإيرادات الحكومية بتوسيع قاعدة الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي وتحسين الإنفاذ ورفع معدلات الضرائب وتقليص الإعفاءات الضريبية وفرض ضرائب جديدة. وهذا الاحتمال صعب في البلدان المنخفضة الدخل ذات المستويات الكبيرة من المنشآت والعاملين غير المسجلين، لكنه قابل للتحقيق مع ذلك. وتكون السياسة الضريبية أكثر فاعلية إن كانت تصاعدية، لأن ضرائب الاستهلاك تزيد العبء على الفقراء وقد ارتبطت بنتائج صحية سلبية.
وبالنسبة إلى البلدان المنخفضة الدخل المثقلة بالديون، يمكن إعادة هيكلة الديون المتراكمة للدائنين الرسميين، كمصارف التنمية المتعددة الأطراف والحكومات المانحة الثنائية والمصارف التجارية الدولية، إعادة هيكلة دائمة بوصفها خطوة أولى تتيح استثمار الموارد المالية الشحيحة في الرعاية الصحية. فبالنظر إلى أن 25 بلداً منخفض الدخل كانت تخصص في عام 2019 لخدمة الدين أموالاً أكثر مما تخصصه للإنفاق الاجتماعي على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية مجتمعة، فإن تزايد المديونية بعد جائحة كوفيد 19 يعني موارد أقل للاستثمار في الخدمات الأساسية. والواقع أن الدين الخارجي للبلدان النامية، الذي كان مرتفعاً أصلاً قبل الجائحة، بلغ مستويات قياسية قدرها 11.1 تريليون دولار أمريكي عام 2021. وفي البلدان المنخفضة الدخل، لزم 9.7% من الإيرادات الحكومية للوفاء بالتزامات الدين العام الخارجي، بينما بلغت الحصة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 15%. ويوحي ذلك بأن الأموال العامة للاستثمار في الصحة والرعاية الطويلة الأجل ستكون أكثر تقييداً في السنوات المقبلة بسبب خدمة الدين، ما لم يُمنح تخفيف الدين اللازم.
وقُدمت بادرة مؤقتة لتخفيف الدين في بداية الجائحة عبر مبادرة تعليق خدمة الدين، التي أرجأت 13 مليار دولار من مدفوعات الدين في 48 بلداً معظمها منخفض الدخل. وأتاح التعليق، الذي امتد بين مايو 2020 وديسمبر 2021، للبلدان تخصيص الأموال للخدمات الأساسية، إذ التزم المقترضون باستخدام الموارد المحررة لتعزيز الحماية الاجتماعية والإنفاق الصحي. ونظراً إلى الحاجة الماسة إلى الإنفاق على البنية التحتية المادية والاجتماعية في البلدان المنخفضة الدخل، ينبغي بذل المزيد لجعل تخفيف الدين دائماً.
ومن وسائل التمويل الأخرى للاستثمار في البلدان المنخفضة الدخل إصدار حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي والتبرع بها. فمن شأن إصدار حقوق سحب خاصة بقيمة 650 مليار دولار في أغسطس 2021 أن يمكّن المجتمع الدولي من تحسين الحيز المالي للبلدان المنخفضة الدخل لتمويل الاستثمارات اللازمة. ومعظم البلدان الأغنى لا تحتاج إلى هذه السيولة الإضافية، ويمكنها التبرع بحصصها للبلدان النامية لو وُجد إطار دولي متسق لهذا الغرض.
وأخيراً، ثمة سبيل آخر لتمويل الاستثمارات العامة في الصحة والرعاية الطويلة الأجل هو الضرائب الدولية على الملاذات الضريبية. فيمكن لهذه الضرائب أن تمول صندوقاً عالمياً يُعاد توزيعه على البلدان المنخفضة الدخل لتلبية احتياجات الاستثمار في الرعاية الصحية. ويُقدر مقدار الأصول المحتفظ بها في الملاذات الضريبية والحسابات الخارجية بأكثر من 25 تريليون دولار، يملكها 0.1% فقط من أثرى الأفراد. وتدل القدرة على نقل الأصول المالية إلى الملاذات الضريبية على تهرب ضريبي هائل من الأغنياء وعلى عبء ضريبي غير متناسب يقع على المنشآت والعاملين الذين لا يملكون أصولاً متنقلة. وحتى عام 2021، كان هناك 2755 مليارديراً بإجمالي ثروة صافية قدرها 13.1 تريليون دولار، وكان 86% منهم يملكون ثروة أكثر مقارنة بما قبل الجائحة، ويحول كثيرون منهم دخلهم إلى الملاذات الضريبية. وبمجرد رفع معدل الضريبة على هؤلاء الأفراد بنسبة 1%، يمكن تحصيل 131 مليار دولار لهذه الاستثمارات العامة التي تشتد الحاجة إليها.
6.2 الاستثمار في نظم غذائية قادرة على الصمود
تتألف النظم الغذائية من طائفة معقدة من الأنشطة المترابطة من الإنتاج، أي الزراعة والحصاد، إلى التجهيز والتوزيع والإعداد، وأخيراً استهلاك الغذاء. ومع وجود تحديات على امتداد السلسلة الغذائية وعبر البلدان، فإن أكبر أوجه القصور في العمل اللائق تخص العاملين الزراعيين في البلدان المنخفضة الدخل، الذين يعانون من دخل منخفض ومتقلب، ويفتقرون عموماً إلى الحماية العمالية والاجتماعية للتخفيف من الأوقات العصيبة. ومن ثم، وإلى جانب تعزيز الحماية العمالية والاجتماعية كما عرض الفصل الخامس، يتطلب تحسين ظروف العمل في النظم الغذائية استثمارات في البنية التحتية المادية والاجتماعية قادرة على تعزيز الإنتاجية والوصول إلى الأسواق والدخل. فالعاملون في النظم الغذائية شديدو التأثر بتقلبات الدخل، سواء بسبب موسمية الإنتاج التي تسبب تفاوتاً في الدخل، أو بسبب صدمات أسعار الغذاء. فتقلبات أسعار الطاقة والكوارث المرتبطة بالطقس وغيرها من الأزمات تؤثر في تكاليف الإنتاج وفي الدخل من بيع السلع. ومن هنا أهمية التأمين في الحد من تقلب الأسعار وتثبيت الدخل وتوفير حد أدنى من دعم الدخل.
ويتراوح الإنتاج العالمي في الزراعة بين مزارع صغيرة تقل عن هكتار واحد ومزارع كبيرة قد تتجاوز ألف هكتار. فمتوسط حجم المزرعة أكبر بكثير في البلدان المرتفعة الدخل، إذ يبلغ نحو 77.5 هكتاراً، منه في البلدان المنخفضة الدخل حيث يبلغ نحو 3.3 هكتارات، وتبلغ المتوسطات 17 هكتاراً في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و4.5 هكتارات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ومع وجود هذا التفاوت في الحجم في جميع البلدان، ترتبط وحدات الإنتاج الأكبر، أي المزارع الكبيرة، بممارسات زراعية أكثر تصنيعاً تكون عادة كثيفة رأس المال. ويمكن أن يختلف نوع المخاطر وشدتها التي يواجهها صغار المزارعين عن تلك التي تواجهها المزارع والمزارع الكبيرة. غير أن تعزيز قدرة صغار المزارعين على الصمود لا يستلزم توسيع الحجم؛ فمع الاستثمارات الكافية والمؤسسات الداعمة، يمكن لصغار المزارعين أن يكونوا منتجين ويتمتعوا بظروف عمل لائقة. وفي نظم غذائية كثيرة، يتألف العمل الزراعي من عاملين لحسابهم الخاص وعاملين أسريين مساهمين وصغار ملاك، بعضهم مزارعو كفاف، وعاملين بأجر يعملون في شركات صغيرة ومتوسطة وفي مزارع صناعية كبيرة. ومع ذلك، ثمة تداخل في الوضع الوظيفي، إذ يعمل كثير من مزارعي الكفاف عمالاً زراعيين بأجر في مزارع أخرى في فترات معينة من السنة لتكميل دخلهم. وفي الوقت نفسه، قد يستخدم صغار المزارعين عمال المزارع الكبيرة المعدمين عمالاً عرضيين على نحو غير منتظم مقابل أجر أساسي.
ومن السمات المهمة للإنتاج الزراعي المؤثرة في الدخل والأجور تقلبات الأسعار الزراعية. فقد ناقش القسم 2.3 التحديات التي واجهها منتجو الهيل في الهند خلال الجائحة، إذ انخفض السعر الذي يعرضه الوسطاء إلى أكثر من النصف. وأسعار السلع متقلبة على نحو معروف، ويفضي تقلب الأسعار مقروناً بموسمية الإنتاج، ومن ثم الدخل، إلى عدم أمان الدخل لدى المنتجين الزراعيين. ثم ينتقل عدم أمان الدخل لدى المنتجين إلى العاملين بأجر عبر ممارسات كنظم الأجر بالقطعة، التي تربط الدفع بمستوى الإنتاج بدلاً من ضمان حد أدنى محدد من الدخل. والبيانات العالمية عن استخدام العمل بالقطعة شحيحة، لكنه في البلدان التي تتوافر عنها بيانات يتبين أنه منتشر؛ ففي باكستان مثلاً، تبلغ حصة المستخدمين المدفوع لهم بالقطعة في الزراعة نحو 24%، بينما تبلغ 41% في مصر.
تثبيت الدخل عبر نظم تأمين وتعويض كافية
تقلب الدخل خطر حاد للعاملين في النظم الغذائية، بمن فيهم أصحاب المزارع ومستخدموها. فقد ينجم فقدان الدخل غير المتوقع عن أحداث كالكوارث الطبيعية أو انخفاض سعر السلعة، وقد يضاعف المخاطر الأخرى التي يواجهها العاملون والأسر كالبطالة وإصابات العمل والعجز والأمومة والمرض والشيخوخة وفقدان المعيل. وجزئياً بسبب تغير المناخ، صار تقلب الأسعار ووقوع الكوارث الطبيعية قضيتين ملحتين بدرجة لافتة. فمن المتوقع أن تؤثر الأحداث المتطرفة الأكثر تواتراً وشدة من أنواع مختلفة في تقلب المناخ، وأن تفضي إلى زيادة مخاطر الإنتاج وخسائر الدخل في نهاية المطاف. وإضافة إلى ذلك، قد تقلص التغيرات الكبيرة غير المتوقعة في أسعار الغذاء القدرات على الاستثمارات الطويلة الأجل، بينما قد تقلل زيادات الأسعار الزراعية قدرة الأسر الأدنى دخلاً على تحقيق الأمن الغذائي وتلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى. فقد كانت الأسعار مستقرة نسبياً بين عامي 1990 و2005، بينما يبدو أن تقلب الأسعار زاد منذ عام 2005 فصاعداً، مع ذروات حادة في الأسعار بين عامي 2006 و2008 وبين عامي 2010 و2011. وفي يونيو 2022، كان مؤشر أسعار الأغذية لمنظمة الأغذية والزراعة أعلى بنسبة 64% من مستواه قبل الجائحة.
ويمكن استخدام آليات لتعزيز قدرة العاملين في النظم الغذائية على مواجهة الصدمات وتحمل التقلبات الناتجة في دخلهم، بما فيها نظم التأمين والتعويض ضد أنواع مختلفة من المخاطر. وتحديداً، يبدو أن اعتماد آليات ضد تقلب الأسعار والكوارث الطبيعية ملائم بوجه خاص لحماية المزارعين من خسائر الدخل وما يتبعها من تداعيات على موظفي المزارع وعملياتها. ولما كان العمل الزراعي أساس النظم الغذائية، فإن فوائد هذه البرامج قد تكون بعيدة المدى.
وتحسن البرامج التي تستهدف مخاطر كتقلب الأسعار والدخل أمان الدخل للمزارعين وعامليهم. فنظام المدفوعات المباشرة المقدم في إطار السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي يساعد على تثبيت دخل المزارعين بتوفير شكل من حماية الدخل يكمل إيراداتهم الأكثر تقلباً من مبيعات السوق. كما قد تساعد آليات تكميلية تُنفذ وطنياً على تسوية دخل المزارعين الأوروبيين. وخارج أوروبا، اتخذت بلدان عدة تدابير للحد من تقلب الدخل في القطاع الزراعي. ففي البرازيل، تشمل الأدوات ضد تقلب الأسعار الأسعار الدنيا المضمونة التي تغطي طيفاً واسعاً من المحاصيل وبعض المنتجات الحيوانية، ولتمكين هذه السياسة، تقدم الحكومة البرازيلية علاوات للمشترين الذين يدفعون للمزارعين أسعاراً دنيا ثابتة أو لبرامج الشراء الحكومية.
ومن جهة أخرى، يبدو أن نظم التأمين التي تغطي المخاطر الطبيعية ضرورة متزايدة في مواجهة تغير المناخ. ففي الهند، وإدراكاً لأن الزراعة قطاع رئيسي للاقتصاد ومعرض إلى حد بعيد للكوارث الطبيعية والمناخية وغيرها من المخاطر المتصلة بالمحاصيل، أطلقت الحكومة عام 2016 برنامجاً لتأمين المحاصيل لتحسين التغطية التأمينية بين المزارعين. والبرازيل مثال آخر على بلد طبق التأمين الزراعي لدعم المزارعين في حالة الكوارث الطبيعية، بما في ذلك عبر برامج محددة تغطي المزارع الأسرية الصغيرة. وفي أوروبا، لدى جميع البلدان تقريباً تأمين على المحاصيل ضد مخاطر منفردة كالبرد، ولدى بلدان كثيرة أيضاً تأمين يغطي مخاطر متعددة أو حتى جميع أنواع الأحداث الطبيعية، أي تأمين المحصول.
ومع ذلك، ثمة حاجة إلى إجراءات أكثر تخصيصاً لتشجيع المزارعين على الاستفادة وتحقيق تغطية تأمينية كافية. فعلى الرغم من انخفاض قسط التأمين على المزارعين، بقي كثير من صغار الملاك في الهند غير مشمولين ببرنامج تأمين المحاصيل، بسبب ضعف فهم المزارعين لمنتجات التأمين ودورها في تحسين قدرتهم على إدارة المخاطر، وغياب آليات التواصل المناسبة للوصول إلى صغار المزارعين. وفي هذا السياق، عززت منظمة غير حكومية للتعليم والتنمية التدريب والدعم على مستوى المجتمع للمزارعين المستبعدين، ولا سيما النساء. وفي المكسيك، أُنشئت شبكة تضامنية للتأمين الأصغر الريفي للتنسيق بين المنظمات المجتمعية ومؤسسات التأمين لتعزيز الوصول إلى المزارعين، ولا سيما صغار المنتجين، وتعزيز قدرتهم على إدارة المخاطر. ومشاركة الحكومة في تطبيق تأمين زراعي فعال حاسمة، ولا سيما لتأمين التغطية في مواجهة الخسائر الواسعة، أي المخاطر النظامية، أو لمعالجة المشكلات المعلوماتية كتلك المرتبطة بالقياس الدقيق للمخاطر ومراقبة سلوك المزارعين إزاءها.
وإلى جانب برامج التأمين، ينبغي أيضاً النظر في التدابير الرامية إلى منع وقوع المخاطر أصلاً. فالأدلة مثلاً توحي بأن تقلب أسعار السلع، بما فيها الغذاء، يرتبط جزئياً بأمولة هذه الأسواق، ومن ثم يمكن تنفيذ إصلاحات للحد من التشوهات التي قد تحدثها الأدوات المالية. وقد يشمل ذلك تحسين الشفافية والوصول إلى المعلومات المتعلقة بأسواق مشتقات السلع والأسواق المادية، وتشديد اللوائح على الأسواق المالية كوضع حدود للمراكز، وزيادة رقابة سلطات السوق. وعلاوة على ذلك، يمكن للاستثمار في التقنيات المناسبة أن يسهم أيضاً في الحد من تعرض وظائف النظم الغذائية للمخاطر؛ فاستخدام التقنيات الرقمية كالاستشعار عن بعد مثلاً قد ييسر الاستجابة الإدارية في الوقت المناسب ويساعد على التخفيف من المخاطر الزراعية.
توسيع تغطية الحماية الاجتماعية لتشمل جميع العاملين في النظم الغذائية
إلى جانب آليات مواجهة الكوارث الطبيعية وتقلب الدخل، ثمة حاجة إلى تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين في النظم الغذائية. فكما بين الفصل الرابع، يفتقر معظم المستخدمين والمزارعين في النظم الغذائية في البلدان النامية إلى الحماية الاجتماعية، ولا يحصل على شكل من أشكال الرعاية الصحية سوى 44% من سكان المناطق الريفية مقارنة بنسبة 78% في المناطق الحضرية. وإلى جانب العوائق القانونية أمام تغطية العاملين الزراعيين بالحماية الاجتماعية، يتفاقم غياب الحماية بفعل القيود الإدارية وصعوبات توفير الحماية الاجتماعية لسكان متفرقين في المناطق الريفية وانتشار الطابع غير المنظم في كثير من أجزاء النظام الغذائي العالمي. ويحتاج العاملون في الأغذية الزراعية إلى الحصول على إعانات البطالة والرعاية الصحية الشاملة ودعم الدخل للتخفيف من الصدمات المقبلة، ومن ثم ضمان استمرار عمل نظام الأغذية الزراعية.
ولذلك ثمة حاجة إلى نظم حماية اجتماعية، تشمل مزيجاً من الآليات القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها، تراعي خصوصيات العاملين في هذه المهن. فإلى جانب المخاطر الطبيعية، تُعد الموسمية مثلاً عاملاً حاسماً في الزراعة، تفضي إلى مزيد من عدم انتظام الدخل وتفاوتات موسمية في عمالة العاملين في هذا القطاع. وارتفاع انتشار العمل لحساب الذات والعاملين الأسريين المساهمين بعد مهم يجب مراعاته عند تصميم نظم حماية اجتماعية كافية، ولا سيما لتحسين المساواة بين الجنسين، إذ إن النساء أرجح في العمل عاملات أسريات مساهمات غير مأجورات، ومن ثم كثيراً ما يُغفلن في تصميم نظم الحماية الاجتماعية. وعلى نحو مماثل، يجب مراعاة النظم القانونية لحيازة الأراضي لأنها قد تنشئ ترتيبات حيازة هشة للمزارعين الذين لا يملكون أرضهم.
وسعت بلدان كثيرة إلى مراعاة خصوصيات العمل الزراعي عند تصميم برامج الحماية الاجتماعية. فقد سمحت كولومبيا مثلاً للمؤمن عليهم بالإفصاح عن دخلهم على مدار السنة بدلاً من فعل ذلك في يناير فقط، لمراعاة تفاوت الأنشطة الاقتصادية على مدار السنة. وفي منغوليا، أطلقت الحكومة عام 2013 نافذة موحدة تقدم خدمات تقديم جميع برامج الحماية الاجتماعية والإرشاد الوظيفي وخدمات التوثيق والخدمات المصرفية. وعبر هذه النافذة، يستطيع السكان الحصول على المعلومات والاستفادة من الخدمات والتحويلات عبر نقطة تقديم واحدة، بما فيها نافذة موحدة متنقلة تقدم الخدمات على أبواب من لا يستطيعون السفر، وهو أمر لا غنى عنه لكثير من رعاة الماشية في البلد. كما أوضحت عمليات التقديم والمطالبة وبسطتها. وتبرز هذه الأمثلة كيف يمكن وضع حلول مبتكرة لتوسيع التغطية والحصول على الحماية الاجتماعية بطرق تراعي واقع العمل في نظم الأغذية الزراعية.
وقد يؤتي الاستثمار في حماية اجتماعية جيدة التصميم وآليات لمعالجة تقلب الدخل ثماره كثيراً، إذ يمكن لهذه البرامج أن تحسن رفاه العاملين في النظم الغذائية وإنتاجيتهم. فالأدلة توحي بأن الحماية الاجتماعية يمكن أن تحسن النتائج التعليمية وتعزز الابتكار والاستثمار بين الأسر الفقيرة، ولا سيما لأن مزايا الحماية الاجتماعية تساعد على رفع قيود السيولة والحد من النفور من المخاطرة. وفيما يخص العاملين الزراعيين تحديداً، بينت بحوث استندت جزئياً إلى دراسات ميدانية أُجريت في تاميل نادو بالهند أن مزارعي قصب السكر يؤدون المهام المعرفية أداءً أفضل بعد الحصاد منه قبله، ربما لأن الهموم المرتبطة بالفقر تستهلك الموارد الذهنية. ومن ثم فإن من فوائد برامج التأمين والتدابير الحاد من التقلب الاقتصادي في الزراعة أنها تتيح موارد معرفية أكبر.
استثمارات في البنية التحتية تدعم إنتاجية النظم الغذائية واستدامتها
كثيراً ما تفتقر المناطق الريفية إلى البنية التحتية التمكينية العامة كشبكات نقل الطاقة والطرق والمياه الجارية، وكذلك إلى البنية التحتية الخاصة بالنظم الغذائية كالري ومرافق التخزين والتجهيز. والوصول إلى الري ومرافق التخزين والتجهيز مهم لتعزيز قدرة المزارعين على الصمود، والاستثمار في نظم غذائية قادرة على الصمود يُترجم إلى إنتاجية ونمو وتوليد للعمالة وأمن غذائي على المدى الطويل. وفي سياق عالمي من ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والأسمدة، يمكن تبرير الممارسات الزراعية المستدامة اقتصادياً لأنها تقلل الاعتماد على الكيماويات وغيرها من المدخلات الصناعية. وقد تفتقر كثير من المزارع الصغيرة والمتوسطة إلى المعرفة والأصول والحجم اللازمة لاعتماد ممارسات زراعية مستدامة، ويمكن في هذا الصدد حشد الموارد الخاصة والعامة، بما في ذلك لتحسين قدرة خدمات الإرشاد الزراعي. وبسبب أوجه عدم المساواة والتحيزات المنهجية بين الجنسين، كثيراً ما تكون النساء في النظم الغذائية سيئات التجهيز لمواجهة الصدمات والقيام باستثمارات لزيادة إنتاجية المزارع، ومن ثم يمكن لبرامج التواصل الموجهة إلى النساء أن تساعد على معالجة بعض أوجه عدم المساواة المستمرة بين الجنسين.
وقد قاد الاستثمار العام في البحث والتطوير التغير التكنولوجي في الزراعة تاريخياً. ومع أن الاتجاهات الحديثة توحي بأن القطاع الخاص يؤدي دوراً متزايد الأهمية، فإن استثمار القطاع الخاص في البحث والتطوير في البلدان النامية ركز أساساً على احتياجات العمليات الزراعية الكبيرة الكثيفة رأس المال التي تحاكي نظم الزراعة في البلدان الصناعية، ولم يسهم إلا قليلاً في مسارات الخروج من انعدام الأمن الغذائي والفقر. ومن ثم للقطاع الخاص دور حاسم في جعل التقنيات أكثر إتاحة وأقل كلفة للمزارعين. وللحكومات دور مهم في معالجة فجوات المعلومات التي قد تحول دون حصول المزارعين على التكنولوجيا المناسبة. وتُتبع حالياً بعض المقاربات التشاركية المتكاملة للبحث الزراعي، مما ييسر تبني الحلول التكنولوجية على المستوى المحلي.
وتمثل الحلقات الوسطى من سلاسل النظم الغذائية، كالتجهيز والتخزين والنقل والجملة والتجزئة، ما يصل إلى 40% من الإنتاج الإجمالي في سلاسل القيمة الغذائية. ومع الدعم الكافي، يستطيع المزارعون الوصول إلى أسواق محلية وعالمية أعلى قيمة مع استيفاء معايير أعلى في منتجاتهم، وتستطيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة إضافة قيمة على المستوى المحلي، كالطحن والتغليف، والاستفادة من وصول أكثر ديناميكية إلى الأسواق. ويمكن أن يكون للاستثمار في تحديث الحلقات الوسطى آثار إيجابية في الإنتاجية؛ فقد تبين مثلاً أن المزارعين في غواتيمالا الذين صدروا محاصيلهم كانت إنتاجيتهم في المتوسط أعلى بعد دخول هذه الأسواق. وفي السنغال، توحي الأدلة بأن المعايير الفنية المتزايدة المفروضة على الصادرات رفعت الدخل الريفي كثيراً وعززت الرفاه. ومع ذلك، ثمة أدلة أيضاً توحي بأن الشركات الصناعية الزراعية والشركات المتعددة الجنسيات قد تجني فوائد الاستثمارات في سلاسل النظم الغذائية على حساب صغار الملاك والمستخدمين. ومن ثم يلزم وجود المؤسسات والسياسات المرافقة الموصوفة في الفصل الخامس لتحسين ظروف عمل العاملين في النظم الغذائية ومعيشتهم.
ومن الوسائل المهمة لتوسيع الوصول إلى الأسواق، ومن ثم تحسين الدخل، الاستثمار في البنية التحتية التمكينية كمرافق التخزين المبرد. فكثير من المنتجات الزراعية يجب أن تستوفي معايير جودة معينة للاتجار بها في أسواق التصدير، وبدون التخزين المبرد سيفقد المزارعون جزءاً من محصولهم أو يضطرون إلى بيع منتجاتهم بخصم، مما يقلل دخلهم كثيراً. ويمكن لقرب التخزين المبرد أن يقلل المخاطر المالية لزراعة المنتجات القابلة للتلف ويساعد على خفض انبعاثات الميثان المرتبطة بهدر الغذاء، بينما يمكن لمرفق تجهيز محلي أن يسهم في إضافة القيمة وإيجاد الوظائف في المناطق الريفية. ففي نيجيريا، وفرت منشأة اجتماعية تخزيناً متواصلاً للمنتجات الطازجة في المزارع والأسواق، ويُقدر أنه بعد عامين من التشغيل أتاح التخزين المبرد لأكثر من 300 مزارع مضاعفة دخلهم الشهري تقريباً، وأنقذ 5800 طن من الفواكه والخضروات من التلف، وأوجد وظائف ولا سيما للنساء. وتبين أن توفير أكياس التخزين المحكمة الإغلاق في منطقتين من جمهورية تنزانيا المتحدة خفض حصة الأسر التي تعاني انعدام أمن غذائي شديداً بنسبة 20% خلال السنة، مما يوحي بأن حتى الاستثمارات التكنولوجية الزهيدة الكلفة قادرة على تعزيز الحصول على الغذاء.
وبتقليل تكاليف المزارعين وتعزيز الإنتاج، تدعم استثمارات البنية التحتية إيجاد فرص العمل. فالطرق والكهرباء والاتصالات وغيرها من استثمارات البنية التحتية في المناطق الريفية تزيد الإنتاج الزراعي. ففي غرب أفريقيا مثلاً، تبين أن زيادة بنسبة 10% في الحصول على الكهرباء تفضي إلى نمو بنسبة 0.25% في العمالة الزراعية، بينما تولد زيادة بنسبة 10% في الاستثمار في البنية التحتية للنقل قرابة 6.3% من الوظائف الإضافية. وفي إندونيسيا، يحقق تحسن بمقدار انحراف معياري واحد في جودة الطرق زيادة بنحو 20% في إجمالي دخل العمل وزيادة بنسبة 5% في استهلاك الأسر، وتُرصد آثار كبيرة مماثلة في بلدان أخرى كالكاميرون ونيبال. وفيما يتعلق بإيجاد العمالة للنساء، تبين دراسات عدة أن البنية التحتية الريفية، ولا سيما النقل، زادت قدرة النساء على إيجاد عمل مأجور خارج منازلهن ومزارعهن، ووفرت لهن فرصاً لإنشاء منشآت صغيرة ومتوسطة، وزادت عدد النساء الداخلات إلى سوق العمل. ففي نيكاراغوا، وبعد بناء جسور للمشاة في مناطق ريفية مختلفة، ارتفع عدد المستخدمات بأجر بنحو 60% نتيجة زيادة المشاركة في القوى العاملة.
6.3 الاستثمار في منشآت قادرة على الصمود
يوفر القطاع الخاص كثيراً من السلع والخدمات الأساسية، ولا سيما توفير الغذاء، وكذلك التجزئة والنقل وعمل المستودعات والتنظيف. والواقع أن 85% من العاملين الأساسيين يعملون في القطاع الخاص، مستخدمين أو عاملين لحسابهم الخاص أو أصحاب عمل، من 97% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 75% في البلدان المرتفعة الدخل. والمنشآت الخاصة، صغرى كانت أم صغيرة أم متوسطة أم كبيرة، في صميم النشاط الاقتصادي في جميع البلدان تقريباً، مما يجعلها المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي والعمالة. ومع وجود معظم العمالة الأساسية في القطاع الخاص، فإن من المتطلبات الضرورية لتحقيق العمل اللائق للعاملين الأساسيين ضمان امتلاك المنشآت التي يعملون فيها الموارد والقدرات الكافية، بما في ذلك في أوقات الأزمات. ومن شأن تعزيز المؤسسات ونظم الحوكمة وضمان موارد مالية ومادية وبشرية كافية أن يساعد الأعمال على الازدهار ويحسن ظروف العمل ويسهم في قدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود. ونظراً إلى تزايد خطر الأزمات، ينبغي أيضاً إشراك القطاع الخاص بوصفه مشاركاً نشطاً في تخطيط الحكومات لإدارة الكوارث، وفي تصميم خطط استمرارية الأعمال الخاصة به أو بقطاعاته، لضمان تقديم السلع والخدمات الأساسية بمستويات مقبولة خلال الكوارث وفترات التعافي اللاحقة.
وواجهت المنشآت الأساسية تحديات مختلفة خلال جائحة كوفيد 19 بسبب عمليات الإغلاق أو تقييد الساعات وتراجع الطلب وتحديات التوظيف واضطرابات سلاسل الإمداد. وكما بين الفصل الثاني، تضاعفت الآثار السلبية للأزمة على المنشآت الصغرى والصغيرة بسبب محدودية مواردها المالية والبشرية، وضعف بنيتها التحتية الرقمية للتنويع أو انعدامها، ومحدودية حصولها على الائتمان والدعم الحكومي بسبب طابعها غير المنظم. وللتغلب على هذه العقبات وتحسين ظروف العمل، من الضروري دعم المنشآت في الانتقال إلى القطاع المنظم، فضلاً عن الاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية لزيادة الوصول إلى الأسواق وتعزيز نمو الإنتاجية. وتدعم هذه الاستثمارات منشآت القطاع الخاص الأساسية، وتيسر في الوقت نفسه تحسين ظروف عمل عامليها.
دعم الانتقال إلى الطابع المنظم
يتطلب إنشاء منشآت قادرة على الصمود، في أبسط أشكاله، مساعدة المنشآت غير المنظمة على الانتقال إلى الاقتصاد المنظم. ففي أنحاء العالم، تستأثر المنشآت الصغرى، المعرّفة بأنها الشركات التي تضم بين 2 و9 مستخدمين، بنحو 342 مليون وظيفة، ثلثاها غير منظم. ويقدم كثير من هذه المنشآت سلعاً وخدمات أساسية، ومن ثم يمكن لدعم انتقالها إلى الطابع المنظم أن يزيد الإنتاجية والوصول إلى الأسواق، ومن ثم استدامة الخدمات والسلع التي تقدمها. كما تتيح عملية تسجيل هذه الأعمال للحكومات تحديد المنشآت التي تقدم سلعاً وخدمات أساسية، وهي خطوة أولى ضرورية في أي تخطيط لإدارة الكوارث.
والطابع المنظم أيضاً شرط ضروري للحماية العمالية والاجتماعية الكافية للعاملين ووسيلة مهمة لتقدير إسهام أصحاب العمل والعاملين الأساسيين هؤلاء في المجتمع. ويستلزم دعم المنشآت غير المنظمة في انتقالها إلى الاقتصاد المنظم معالجة طائفة واسعة من الصعوبات التي تعيق نمو المنشآت: ضعف الحصول على الائتمان، ومحدودية الوصول إلى الأسواق أو انعدامه، وغياب الوصول إلى فرص المشتريات، وغياب الوصول إلى البنية التحتية العامة، وغياب الوصول إلى التكنولوجيا، وغياب الصوت والتمثيل. كما توجد دوافع أوسع للطابع غير المنظم على المستوى الكلي، منها الأطر التنظيمية غير الكافية، وقلة الحوافز على التنظيم، وضعف تطور نظم الضرائب والضمان الاجتماعي، وضعف الإنفاذ.
وتعاني المنشآت غير المنظمة من قيود شديدة بوجه خاص فيما يتعلق بالائتمان، وهو من متطلبات المنشآت المستدامة لأنه يجعلها أقدر على تحمل الصدمات في الطلب وعمليات الأعمال والإيرادات وتجاوزها. وفجوات التمويل وغياب الحصول على الائتمان الرسمي قضايا رئيسية للشركات غير المنظمة، وكثيراً ما تذكرها المنشآت الصغيرة والمتوسطة بوصفها من القيود الرئيسية أمام النمو. وكان ذلك أيضاً من التحديات الرئيسية للمنشآت خلال جائحة كوفيد 19، إذ كانت المنشآت الصغيرة والمتوسطة معرضة بوجه خاص لخطر الإفلاس. وبسبب نقص السيولة المالية، يعتمد أصحاب المنشآت غير المنظمة عادة على مدخراتهم أو التحويلات الأسرية للحفاظ على عمل أعمالهم. ونتيجة لذلك، تكون الاحتياطيات لمواجهة الصدمات ضئيلة، بحيث أجبرت عمليات الإغلاق الممتدة المفروضة في بلدان كثيرة بسبب الجائحة كثيراً من الأعمال غير المنظمة على الإغلاق. ففي الكاميرون، أغلق نحو 15% من الأعمال غير المنظمة مؤقتاً على الأقل مقارنة بنحو 5% من الشركات الكبيرة المنظمة. ويمكن لهذه الإغلاقات المؤقتة أن تفضي بسهولة إلى إغلاقات دائمة بعد استنفاد الأموال الشخصية. وفي المكسيك، أوقفت نحو 12 ألف شركة غير منظمة عملياتها نهائياً في أبريل ومايو 2020، مقارنة بعشرة آلاف شركة منظمة.
ومن العقبات الرئيسية الأخرى أمام المنشآت غير المنظمة انخفاض الإنتاجية، الذي قد ينجم عن عدم المساواة في الحصول على الخدمات العامة، أو غياب الحماية القانونية وإنفاذ العقود، أو صعوبة تأمين المدخلات. فكثيراً ما لا تملك المنشآت الصغرى والصغيرة موقعاً ثابتاً، ومن ثم يكون وصولها إلى المياه والكهرباء والإنترنت وغيرها من مرافق البنية التحتية محدوداً. وعلاوة على ذلك، يصعب على الشركات غير المنظمة إقامة علاقات طويلة الأجل جيدة مع الموردين بسبب غياب الترتيبات التعاقدية، مما قد يعيق تأمين إمداد ثابت من المدخلات اللازمة. ونتيجة لذلك، تعاني الشركات غير المنظمة، ولا سيما الأصغر منها، من انخفاض الإنتاجية. كما قد تُعاق إنتاجية المنشآت غير المنظمة التي تقدم السلع والخدمات الأساسية بظروف العمل السيئة، لأنها قد تمنع العاملين من أداء مهامهم بفاعلية وتؤثر في درجة انخراطهم.
ومن التدخلات لتيسير الانتقال إلى الاقتصاد المنظم تبسيط إجراءات الضرائب والتسجيل والإجراءات الإدارية. فقد تكون إجراءات تسجيل الأعمال عائقاً أمام المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة حين تكون مفرطة التعقيد، فتضع هذه المنشآت في الاقتصاد غير المنظم منذ البداية. وقد تحقق تقدم في تبسيط هذه الإجراءات منذ تسعينيات القرن العشرين. ففي عدد من البلدان، منها الصين وكازاخستان ورواندا، أُعفيت المنشآت الصغرى والصغيرة من دفع عدد من الرسوم الإدارية ضمن عملية التسجيل. وفي حالات أخرى، طُبقت النوافذ الموحدة، التي تجمع تسجيل الشركات والتسجيل الضريبي ومكونات أخرى في عملية واحدة، في طائفة من البلدان منها أفغانستان وبنن وبوروندي ومصر وغواتيمالا وماليزيا ومالطة والمكسيك.
وتكون تخفيضات كلفة التنظيم أكثر فاعلية حين تقترن بسياسات تيسيرية، كمعدلات ضريبية أدنى أو إمكانية دفع ضرائب مختلفة دفعة واحدة أو حوافز نقدية. ففي نظام الضريبة الموحدة في الأرجنتين وأوروغواي مثلاً، دمجت الحكومتان الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي في ضريبة واحدة لتبسيط نظام الدفع. ومثال آخر قانون إستونيا لضريبة دخل الأعمال المبسطة، الذي يتيح لفئات معينة من العاملين لحسابهم الخاص فتح حساب مصرفي تجاري يحتسب الضريبة المستحقة تلقائياً وييسر دفعها. وفي البرازيل، زادت الشركات المسجلة عبر برنامج مبسط الاستثمار في منشآتها بعد التسجيل، ويرجح أن يعود ذلك إلى حصول أكبر على قنوات الائتمان الرسمية. وعلى نحو مماثل، في فييت نام، تبين أن التحول إلى الطابع المنظم رفع القيمة المضافة والربحية، باستثناء أصغر المنشآت. فقد تكون لهذه الشركات مستويات منخفضة جداً من رأس المال وقيود ائتمانية مفرطة تمنعها من مزيد الاستثمار وجني مكاسب التنظيم. ويبرز ذلك أهمية السياسات التيسيرية للمنشآت الصغرى غير المنظمة.
وإلى جانب الائتمان، فإن الحصول على الخدمات العامة والبنية التحتية والعلاقات التعاقدية مع الشركات الأخرى مزايا تأتي مع التنظيم. ففي البرازيل، تبين أن المنشآت الصغرى والصغيرة الحديثة الإنشاء التي اختارت التسجيل حققت مستويات أعلى من الإيرادات والأرباح والاستثمارات، ويُحتج بأن ذلك نتيجة اختيارها موقعاً دائماً. فبالعمل في موقع ثابت، تستطيع المنشآت المنظمة استخدام الخدمات العامة، مما يتيح لها العمل على نطاق أكبر وتوسيع رأس المال والعمالة. وفي فييت نام، أُفيد بعلاقة إيجابية في قطاع الصناعة التحويلية بين التنظيم وزيادة الاستثمار وتحسين الحصول على الائتمان وانخفاض حصة العاملين العرضيين. ويتعزز أداء الشركة باستخدام اليد العاملة المتعاقد معها رسمياً، مما يشير إلى أن التنظيم يحسن ظروف العمل أيضاً إلى جانب آثاره الإيجابية على أداء المنشأة.
تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية والموارد البشرية والابتكار
كما نوقش في القسمين الخاصين بالرعاية الصحية والزراعة، تُعد الاستثمارات العامة في البنية التحتية المادية شرطاً ضرورياً لكي تنمو الأعمال وتزدهر وتتكيف مع الصدمات الخارجية. فإلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية للنقل، يتيح الاتصال بالإنترنت للمنشآت التنويع نحو التجارة الإلكترونية واستخدام النقود المحمولة، مما قد يكون له آثار إيجابية في تطور المنشآت وأدائها. ففي إثيوبيا، زادت إنتاجية شركات الصناعة التحويلية بنسبة 13% بعد تركيب الإنترنت السريع. وعلى نحو مماثل، في رواندا، تبين أن ارتفاع تغطية الجيل الثالث يرتبط إيجاباً بالإنتاجية، ولا سيما في قطاع الخدمات.
وإلى جانب الاستثمار العام، تبين أن استثمارات المنشآت في مواردها البشرية تعزز أداء المستخدمين وتدعم تطور الأعمال. فقد وجدت أدلة تجريبية قائمة على بيانات مسوح المنشآت الألمانية مثلاً أن زيادات الأجور ارتبطت بانخفاض التغيب، المستخدم في الدراسة مقياساً تقريبياً لجهد العمل. ويمكن تفسير هذه النتيجة بأسباب مختلفة، كمعاملة المستخدمين الذين يتلقون أجوراً أعلى بالمثل، أو التهديد بخسائر كبيرة نسبياً للعاملين المدفوع لهم أجور أعلى إن فُصلوا.
ومع التركيز على المستخدمين في الطرف الأدنى من توزيع الأجور، أبرزت دراسات أخرى كيف يمكن لرفع الحد الأدنى للأجور أن يقلل التغيب داخل الشركات، ولا سيما بسبب المرض. ففي هذا الصدد، وجدت دراسة أمريكية عن العاملين منخفضي الأجر أن زيادة بمقدار دولار واحد في الحد الأدنى للأجور أحدثت انخفاضاً في التغيب بسبب المرض يتراوح بين 19% و32%. ومن أسباب ذلك الآثار التي قد يحدثها رفع الحد الأدنى للأجور في صحة هؤلاء العاملين، كتخفيف الضغط المالي أو زيادة الرضا الوظيفي أو زيادة الدخل التي تتيح للعاملين الاستثمار في صحتهم، كالتأمين الصحي وتحسين ظروف المعيشة. وإضافة إلى ذلك، وجدت دراسة حديثة أُجريت على شركة تجزئة أمريكية كبيرة أن رفع أجور العاملين في المستودعات وممثلي خدمة العملاء بمقدار دولار واحد زاد الإنتاجية بأكثر من دولار، مع ارتباط زيادات الأجور أيضاً بانخفاض دوران الموظفين.
وإلى جانب الأجر، تحقق الاستثمارات في التدريب فوائد مهمة للمنشآت، ولا سيما فيما يتعلق بالإنتاجية. فقد بينت دراسة لبيانات على مستوى الصناعة في المملكة المتحدة للفترة من 1983 إلى 1996 مثلاً أن زيادة بنقطة مئوية واحدة في حصة المستخدمين المدربين ارتبطت بزيادة في القيمة المضافة للساعة بنسبة 0.6% وزيادة في الأجر بالساعة بنحو 0.3%. ووجد تحليل أحدث قائم على بيانات المنشآت البلجيكية نتائج مماثلة من حيث نمو الإنتاجية، وإن كانت علاوة الإنتاجية للعامل المدرب أعلى بكثير من علاوة الأجر.
ومن المجالات المهمة الأخرى لاستثمار المنشآت الابتكار. فتشير تحليلات أداء شركات الصناعة التحويلية خلال الركود الكبير إلى أن الشركات التي استثمرت في البحث والتطوير قبل الأزمة أدت أداءً أفضل نسبياً من غيرها حين ضربت الأزمة. ومن التفسيرات المحتملة قدرة الشركات المبتكرة على التكيف مع البيئات الشديدة الديناميكية، كعرض منتجات جديدة أو محسنة، وقدرة أكبر على اغتنام الفرص الجديدة. وعلاوة على ذلك، يمكن للمقاربات التنظيمية الأكثر ديناميكية ومرونة أن تيسر تكيف المنشآت مع الصدمات الخارجية. فبين المنشآت الصغيرة تحديداً، ارتبط التجمع والتشبيك في سياقات مختلفة ارتباطاً إيجابياً بالبقاء خلال الأزمات، إذ يمكن للشركات عبر هذه الاستراتيجيات أن تتلقى الدعم من أعمال أخرى وتحسن استعدادها للأزمات المقبلة.
