القائمة الرئيسية

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص
ملخص الدراسة

يتناول هذا التقرير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الدول العربية، مسلطاً الضوء على التحديات القائمة في أسواق العمل الإقليمية والتفاوتات الكبيرة بين دول مجلس التعاون والدول الأخرى. ويُظهر التقرير أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يمثلان فرصة محورية لتعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة وتحسين جودتها، لا سيما من خلال تعزيز الوظائف القائمة (بنسبة 14.6% من الوظائف) بدلاً من أتمتتها بالكامل (بنسبة 2.2% فقط). ورغم التوقعات الإيجابية لصافي خلق الوظائف وزيادة الناتج المحلي الإجمالي في ظل سيناريوهات توسيع النطاق العريض ودمج الذكاء الاصطناعي، فإن هذه التقنيات تحمل أيضاً مخاطر تفاقم عدم المساواة، وتتفاوت آثارها بشكل كبير بين القطاعات والمهن والفئات العمرية والجنسين، حيث تواجه النساء وكبار السن تحديات أكبر. ويؤكد التقرير ضرورة وضع سياسات استباقية وشاملة تركز على الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتنمية المهارات مدى الحياة، وتوفير الحماية الاجتماعية، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الحوار الاجتماعي والتعاون الإقليمي، لضمان أن يكون هذا التحول عادلاً وشاملاً ويستفيد منه الجميع.

شكر وتقدير

أُعدّ هذا التقرير من قِبل المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية، في إطار التزامه المتواصل بتوليد الأدلة وتوجيه السياسات لمعالجة تحديات أسواق العمل في المنطقة، بما فيها التحديات الناشئة عن مستقبل العمل كالتحول الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي.

قادت إعداد التقرير آية جعفر، الخبيرة الاقتصادية في شؤون العمل بالمكتب الإقليمي، وشاركتها في تأليفه جوزفين كاس حنا، الاستشارية الدولية. وتعرب المؤلفتان عن تقديرهما للإسهامات القيّمة لمؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس، التي استندت جوانب رئيسية من التحليل إلى نمذجتها الاقتصادية القياسية. كما تتوجهان بشكر خاص إلى ديفيد بيسكون من إدارة الإحصاءات في المنظمة لما قدمه من دعم في البيانات المتعلقة بالتقديرات الإقليمية لإمكانات الأتمتة والتعزيز الناجمة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإلى تهمينة كريموفا من إدارة البحوث في المنظمة لملاحظاتها ومقترحاتها القيّمة.

وقد أفاد التقرير كذلك من رؤى الهيئات المكوّنة الثلاثية للمنظمة في الدول العربية ومدخلاتها. وتعرب المنظمة عن خالص امتنانها لكل من شارك في مجموعات النقاش المركزة، أو أجاب عن الاستبيانات والاستمارات، أو شارك تجاربه طوال مسار البحث. فقد كان لهذه الإسهامات، التي جمعها الاستشاري الدولي سمير نصار، دور محوري في ترسيخ نتائج التقرير في السياقات الوطنية وفي الواقع المتنوع لأسواق العمل.

ويُوجَّه الشكر كذلك إلى ديفيد كان على تحريره الدقيق للتقرير، وإلى سارة حبلي على تصميمه، وإلى سلوى كنعانة وليال أبو أنطون على دعمهما لمرحلة النشر النهائي للدراسة.

الملخص التنفيذي

لا تزال أوضاع أسواق العمل في الدول العربية صعبة؛ إذ لم يبلغ عدد المشتغلين نصف السكان في سن العمل في المنطقة عام 2024، فيما يواجه الشباب والنساء بعضاً من أعلى معدلات الإقصاء على مستوى العالم. غير أن هذا الواقع يخفي تفاوتات واسعة داخل المنطقة، تشكّلها الفوارق في الموارد ومستويات التنمية ودرجة الاستقرار السياسي. فبينما تتمتع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بقدر نسبي من المنعة الاقتصادية ومعدلات تشغيل مرتفعة، تظل أسواق العمل فيها مجزأة، متأثرة إلى حد بعيد بالحضور الكبير للعمال المهاجرين وبالاعتماد الكثيف على النفط. وتسعى هذه الدول إلى التنويع نحو قطاعات غير نفطية مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والسياحة والطاقة المتجددة، إلا أن تسريع التقدم وتوسيع الفرص المتاحة للمواطنين يتطلبان جهوداً أكبر.

وفي المقابل، تواجه معظم الدول من خارج مجلس التعاون تحديات متراكبة من النزاعات وعدم الاستقرار ومحدودية الحيز المالي، وهي عوامل تقوّض نمو القطاع الخاص وتُضعف أداء أسواق العمل، مما يفضي إلى مستويات مرتفعة من نقص استغلال اليد العاملة ومن العمل غير المنظم. كما أسهم تراجع التصنيع المبكر ومحدودية التحول الهيكلي في إعاقة خلق فرص العمل اللائق.

ويمثل التحول الرقمي للمنطقة فرصة بالغة الأهمية وخطراً متنامياً في آن واحد. فإذا أُدير على نحو شامل، أمكن أن يكون محفزاً للتنويع الاقتصادي والابتكار وخلق فرص العمل، ولا سيما للنساء والشباب والفئات المستضعفة. أما في غياب أسس متينة في البنية التحتية والمهارات والحوكمة، فقد تؤدي الرقمنة إلى ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة وتعميق تشظي أسواق العمل.

وحتى الآن، جاء التقدم متفاوتاً بشكل لافت عبر المنطقة. فدول مجلس التعاون توظف التحول الرقمي بفاعلية لتقليص اعتمادها على النفط، مستندة إلى استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية ومنظومات الابتكار. وتتمتع هذه الدول بنفاذ شبه شامل إلى الإنترنت، وأنظمة متينة للأمن السيبراني، واعتماد واسع على خدمات الحكومة الإلكترونية. كما باتت التقنيات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي تسهم بصورة متزايدة في تشكيل قطاعات مثل التجارة الإلكترونية والرعاية الصحية والتعليم والتكنولوجيا المالية، وتدفع الابتكار في تطوير المدن الذكية وفي التقنيات الخضراء. ومع ذلك، تتقدم دول المجلس بوتائر مختلفة؛ فبعضها يبرز بوصفه رائداً رقمياً على المستوى العالمي، في حين يتقدم بعضها الآخر على نحو أكثر تدرجاً.

أما الدول من خارج مجلس التعاون، فتنظر إلى الرقمنة باعتبارها محركاً محتملاً للنمو والإدماج، ولا سيما من خلال دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. بيد أن معظم هذه الدول تواجه عقبات كبيرة، تتراوح بين قصور البنية التحتية وثغرات الأمن السيبراني وصولاً إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من أن مستوى الاعتماد الرقمي لا يزال محدوداً بوجه عام، ثمة نماذج واعدة، لا سيما في الأردن ولبنان، إلى جانب تطورات مشجعة في مجالات مثل التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والخدمات العامة الرقمية.

وإذا نظرنا تحديداً إلى سوق العمل، نجد أن التغير التكنولوجي أعاد تشكيل التشغيل على مر الزمن، فاستحدث وظائف جديدة وأزاح أخرى. واليوم، تعمل الرقمنة المتسارعة، المدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي بما فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الكبيرة، على تسريع هذه التحولات عالمياً. ولا تقتصر آثار هذه التحولات على عدد الوظائف، بل تمتد إلى طبيعتها وجودتها، مع تداعيات متزايدة على الدول العربية.

ورغم تباين التعريفات، يمكن فهم العمالة الرقمية عموماً بوصفها العمل الذي يعتمد على التقنيات الرقمية أو تتيحه هذه التقنيات. ووفقاً لمقاربة قائمة على القطاعات، يمكن قياسها بدرجة الكثافة الرقمية في الصناعات المختلفة. وتُظهر البيانات المتاحة من عدد من الدول العربية أن العمالة الرقمية تبلغ أعلى مستوياتها في الإمارات العربية المتحدة، في حين تسجل الدول من خارج مجلس التعاون مستويات أدنى بكثير من التشغيل في القطاعات عالية الكثافة الرقمية. واللافت أن الجزء الأكبر من القوى العاملة في أنحاء المنطقة لا يزال متركزاً في قطاعات متوسطة الكثافة الرقمية، مما يشير إلى أن التحول الرقمي ماضٍ في طريقه، لكنه يتطلب مزيداً من الجهود لتوسيع العمالة الرقمية عالية المستوى والابتعاد تدريجياً عن القطاعات منخفضة الكثافة الرقمية التي لا تزال تستحوذ على حصة كبيرة من الوظائف.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي محوراً رئيسياً في البحوث المتعلقة بمستقبل العمل. وتشير الأدلة العالمية إلى أن هذه التقنية المتقدمة، وإن كانت قد تحل محل بعض الوظائف، فإن أثرها الأبرز يكمن في تعزيز الأدوار القائمة، أي أتمتة مهام بعينها لا وظائف بأكملها، بما قد يرفع إنتاجية العاملين وكفاءتهم. وتتجلى هذه الدينامية في الدول العربية، حيث لا تتجاوز نسبة الوظائف المعرضة لمخاطر مرتفعة من الأتمتة الكاملة 2.2% من إجمالي العمالة، أي نحو 1.2 مليون وظيفة. وفي المقابل، يمكن لنسبة أكبر بكثير تبلغ 14.6%، أي قرابة 8 ملايين وظيفة، أن تستفيد من التعزيز الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يفتح آفاقاً واسعة لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الوظائف.

ومن منظور النوع الاجتماعي، يبدو أن حصة وظائف النساء المعرضة لخطر الأتمتة (5.3%) تزيد على ثلاثة أضعاف حصة وظائف الرجال (1.6%)، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى البنية المهنية للتشغيل، إذ تتركز كثير من النساء في وظائف إدارية وروتينية أكثر عرضة للأتمتة. غير أن النساء هن في الوقت ذاته الأكثر استفادة من التعزيز، إذ تتمتع 22.7% من الوظائف التي تشغلها النساء بإمكانات للتعزيز الرقمي، مقارنة بـ 13% من وظائف الرجال.

والأهم من ذلك أنه رغم محدودية خطر فقدان الوظائف على نطاق واسع، يُرجَّح أن تتفاوت آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي بين البلدان. إذ تشير الاتجاهات العالمية إلى أن البلدان المرتفعة الدخل أكثر تعرضاً لآثاره من البلدان الأدنى دخلاً. وبناءً على ذلك، يُتوقع أن تشهد دول مجلس التعاون، بما تتمتع به من جاهزية رقمية ومستويات دخل أعلى، آثاراً أكبر للأتمتة والتعزيز على حد سواء، في حين قد تشهد الدول من خارج المجلس اعتماداً أبطأ وآثاراً أكثر محدودية.

وبعيداً عن الآثار المحتملة للأتمتة والتعزيز، تنطوي الرقمنة والذكاء الاصطناعي على فرص عمل كبيرة تستحق الدراسة المعمقة. ولاستكشاف هذه الديناميات، أُجري تحليل اقتصادي قياسي على المستوى الكلي بالتعاون مع مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس، باستخدام نموذج E3ME لقياس الآثار الاقتصادية وآثار التشغيل المترتبة على سيناريوهات التحول الرقمي في الدول العربية خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2035. وقد جرى تقييم سيناريوهين مقارنة بسيناريو مرجعي يفترض استمرار الأوضاع على ما هي عليه. يفترض السيناريو الأول تحقيق تغطية شبه شاملة بخدمات النطاق العريض لا تقل عن 90% من السكان بحلول عام 2030 في أرجاء المنطقة، ويُطلق عليه "سيناريو توسيع النطاق العريض"، بينما يبني السيناريو الثاني على هذا الأساس بإدراج استثمارات في الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي لدراسة إمكاناتهما التحويلية، ويُطلق عليه "سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي".

ويكشف السيناريوهان عن مسارات متمايزة للنمو الاقتصادي ونمو التشغيل. ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، تبلغ المكاسب المطردة في الناتج المحلي الإجمالي 4.6 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2035، ويرتفع التشغيل تبعاً لذلك ليصل صافي الوظائف المستحدثة إلى نحو 186 ألف وظيفة بحلول العام ذاته. أما سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي فيحقق نمواً أكبر بكثير في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 14.1 مليار دولار بحلول عام 2035، بما يعكس القدرة العميقة للذكاء الاصطناعي على دفع الابتكار والتنافسية. غير أن نتائج التشغيل فيه أكثر تعقيداً؛ إذ تظهر في النموذج خسائر مبكرة في الوظائف بفعل أتمتة المهن الهشة، لكن اعتباراً من عام 2028 يقود التعزيز القائم على الذكاء الاصطناعي والتوسع القطاعي إلى مكاسب صافية في التشغيل تصل إلى قرابة 118 ألف وظيفة إضافية بحلول عام 2035.

ومن الضروري التأكيد أن التحليل يرصد اتجاهات محتملة ولا يقدم تنبؤات دقيقة. غير أن الاستنتاج العام واضح، وهو أن كلا السيناريوهين يتوقع آثاراً إيجابية على التشغيل والناتج المحلي الإجمالي. ومن ثم، لا ينبغي للمنطقة أن تخشى الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بل عليها أن تستعد لهما استعداداً استباقياً، وأن تطبق سياسات تمكينية تكفل للدول العربية اغتنام فرصة التحول الرقمي وتنويع اقتصاداتها وخلق مزيد من الوظائف ذات الجودة الأفضل.

ومن المنظور القطاعي، تُظهر النتائج أن سيناريو توسيع النطاق العريض يحقق صافي خلق مطرد وواسع التوزيع للوظائف مع خسائر قطاعية طفيفة. أما اعتماد الذكاء الاصطناعي فيُحدث، على العكس من ذلك، تحولات قطاعية عميقة، إذ تحقق بعض الصناعات مكاسب صافية كبيرة بينما تتكبد صناعات أخرى خسائر جوهرية. ويسجل قطاعا البناء والنقل والتخزين أكبر مكاسب التشغيل بحلول عام 2035، في حين تشهد قطاعات مثل الخدمات العامة والصناعات التحويلية الأساسية وتجارة التجزئة انكماشاً في الوظائف بفعل الآثار المُربكة للذكاء الاصطناعي. ويستدعي ذلك سياسات استباقية خاصة بكل قطاع لدعم انتقال القوى العاملة وتعزيز العدالة في نتائج التشغيل.

وعلى المستوى المهني، تسري اتجاهات مماثلة. فلا يُتوقع حدوث خسائر أو اضطرابات كبيرة في الوظائف في ظل سيناريو توسيع النطاق العريض، مما يشير إلى مسار نمو شبه مستقر وشامل للتشغيل. أما سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي فيفضي إلى إعادة تشكيل ديناميكية للمهن، مع خلق كبير للوظائف في الأدوار عالية الطلب ذات الطابع التقني والإداري والإنساني، يقابله فقدان جوهري للوظائف في أدوار أخرى. ويُتوقع أن تتحقق مكاسب في التشغيل لدى العاملين في الخدمات الشخصية، والمهنيين في مجال التدريس، والسائقين ومشغلي المعدات المتنقلة، فضلاً عن الوظائف في حرف البناء وما يتصل بها. ومن المرجح كذلك أن يشهد المهنيون ذوو المهارات العالية في مجالات العلوم والهندسة والإدارة نمواً بفضل نشر الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تواجه المهن التي تنطوي على مهام روتينية متكررة، مثل الكتبة العامين ومشغلي لوحات المفاتيح وعمال المبيعات وكتبة خدمة العملاء، تراجعاً كبيراً بفعل الأتمتة.

وتتباين آثار التحول الرقمي على التشغيل كذلك بحسب الفئات العمرية والجنس. ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، يأتي نمو الوظائف شاملاً على نطاق واسع، إذ تستفيد جميع الفئات العمرية بصورة شبه متساوية بالقيم النسبية، فيما يحقق الأفراد في سن العمل الرئيسية، أي من 25 إلى 54 سنة، أكبر المكاسب بالقيم المطلقة. وعلى النقيض من ذلك، يصب سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي في مصلحة العاملين الأصغر سناً، أي من 15 إلى 24 سنة، الذين يستفيدون أكثر من غيرهم من الأدوار القائمة على التكنولوجيا، بينما يواجه العاملون في سن العمل الرئيسية خسائر أولية في الوظائف بسبب الأتمتة، لكنهم يتعافون ويحققون مكاسب صافية إيجابية بحلول عام 2035. أما العاملون الأكبر سناً، أي من بلغوا 55 سنة فأكثر، فيتضررون بصورة غير متناسبة في ظل اعتماد الذكاء الاصطناعي، إذ يواجهون صعوبات في التكيف مع التقنيات الجديدة ومتطلبات إعادة التأهيل المهاري، مما يستدعي سياسات محكمة التصميم لدعم مشاركتهم وتكيفهم في أسواق عمل تشهد تحولاً رقمياً.

وتبرز الفجوات بين الجنسين بوضوح في كلا السيناريوهين. فتوسيع النطاق العريض يحقق مكاسب نسبية في التشغيل للرجال والنساء على السواء، لكن الرجال يستفيدون أكثر بالقيم المطلقة بسبب أوجه عدم المساواة القائمة في سوق العمل والفصل القطاعي بين الجنسين. أما سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي فيفاقم هذه الفجوات، إذ تواجه النساء خسائر كبيرة في الوظائف الكتابية والروتينية المعرضة للأتمتة، بينما يكتسب الرجال وظائف في قطاعات يدفعها الذكاء الاصطناعي ويهيمن عليها الذكور تقليدياً، كالخدمات اللوجستية والبناء. وتؤكد هذه الاتجاهات الحاجة الملحة إلى سياسات موجهة تراعي النوع الاجتماعي، لضمان أن يفضي التحول الرقمي إلى نتائج تشغيل منصفة وشاملة.

وإلى جانب اعتبارات النوع الاجتماعي والعمر، من الضروري ضمان إشراك جميع الفئات المستضعفة، كالعمال ذوي المهارات المتدنية والأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين، في منافع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. فهذه الفئات، وإن كان بإمكانها أن تجني مكاسب كبيرة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي، تواجه أيضاً مخاطر خاصة ينبغي التصدي لها استباقياً لضمان انتقال عادل وشامل لا يترك أحداً خلف الركب.

وعلاوة على التحولات المتوقعة في التشغيل بفعل الذكاء الاصطناعي والرقمنة، بما فيها إزاحة الوظائف وتعزيزها وخلقها، لا يكمن التحدي الجوهري في العدد النهائي للوظائف فحسب، بل في جودتها أيضاً. فالتقنيات الرقمية قادرة على تحسين جودة الوظائف من خلال مزيد من المرونة والابتكار والكفاءة، لكنها تنطوي كذلك على مخاطر مثل تراجع استقلالية العاملين وتزايد المراقبة وتنامي انعدام الأمان الوظيفي. وتبرز هذه الاتجاهات الحاجة الملحة إلى نهج محوره الإنسان، يكفل أن يحقق التحول الرقمي عملاً لائقاً وشاملاً وعادلاً للجميع.

وينبغي لهذا التحول أن يعود بنفع واضح أيضاً على أصحاب العمل والمنشآت، بما فيها المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصادات الإقليمية. فرغم أن هذه التقنيات قادرة على أن تفتح أمامها أسواقاً جديدة، وتبسط عملياتها، وترفع إنتاجيتها، وتعزز قدرتها على الصمود، فإن هذه المنشآت تواجه عقبات مزمنة كمحدودية التمويل ونقص المهارات الرقمية وقصور البنية التحتية وعدم كفاية الدعم الحكومي. ومعالجة هذه التحديات أمر جوهري لضمان ألا تتخلف المنشآت الأصغر عن ركب التحول الرقمي، وأن تتاح لها فرصة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الرقمية.

ومن اللافت أنه رغم كثرة الاستشهاد برفع الإنتاجية بوصفه منفعة رئيسية للذكاء الاصطناعي والرقمنة، تشير الأدلة إلى أن هذه المكاسب لا تتحقق تلقائياً ولا تتوزع بالتساوي بين المنشآت أو القطاعات أو البلدان. فتحقيق تحسينات في الإنتاجية يتوقف على الدمج العميق للتكنولوجيا في العمليات الأساسية للأعمال، وعلى قيادة رقمية قوية وقوى عاملة مدربة، ومشاركة فاعلة من العاملين، وغيرها من العوامل التمكينية. وعلى المستويين القطاعي والاقتصادي الكلي، أسهمت التحديات الهيكلية في الدول العربية، ومنها محدودية المهارات الرقمية وقصور البنية التحتية وارتفاع مستويات العمل غير المنظم، في تقييد نمو الإنتاجية رغم تزايد الاعتماد الرقمي. ويؤكد هذا الانفصال، الذي كثيراً ما يُشار إليه بـ"مفارقة الإنتاجية"، الحاجة الملحة إلى أجندة تحول رقمي شاملة وجامعة تتسق اتساقاً وثيقاً مع السياق الاقتصادي الأوسع للمنطقة ومع واقع أسواق العمل فيها.

وفوق ذلك كله، يتوقف نجاح الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في المنطقة العربية على توافر المهارات الملائمة. فالمنطقة تشهد تحولاً تدريجياً في الطلب على المهارات بفعل الرقمنة، إلا أن وتيرة هذا التحول ونطاقه لا يزالان متفاوتين. ففي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، يتزايد الطلب على المهارات الرقمية والتكنولوجية وتحليل البيانات والبرمجة والأمن السيبراني، إلى جانب المهارات الناعمة كحل المشكلات والقدرة على التكيف والقيادة. وتؤكد البيانات الآنية لسوق العمل وجود بوادر مبكرة لهذا التحول في أرجاء المنطقة.

ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، إذ تنتشر حالات عدم التوافق بين المهارات ومتطلبات سوق العمل نتيجة المناهج المتقادمة، وضعف الروابط بين التعليم والصناعة، وقصور نظم التعليم والتدريب التقني والمهني. وحتى في اقتصادات الخليج الأكثر تقدماً، تستمر الفجوات في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والنقص في المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، والاعتماد المتواصل على الكفاءات الوافدة. أما في الدول الأدنى دخلاً والهشة، كاليمن، فإن ضعف البنية التحتية ومحدودية الاستثمار يعيقان تنمية المهارات الرقمية بدرجة أكبر.

والجدير بالذكر أنه رغم تفاوت مستويات التنمية، يتعين على جميع الدول العربية، من داخل مجلس التعاون ومن خارجه على السواء، أن تعمل بجد على تحديث منظوماتها للمهارات من أجل سد الفجوات وإعداد قواها العاملة الحالية والمستقبلية لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة.

توصيات السياسات

يتيح الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فرصاً كبيرة، لكنهما يطرحان أيضاً تحديات جسيمة. ورغم وجود مخاطر، فإن هذه التقنيات قادرة على دفع خلق الوظائف وتحسين جودة العمل وزيادة الإنتاجية، متى ما دعمتها سياسات استباقية وشاملة. وينبغي تكييف الاستراتيجيات الوطنية مع السياق الأوسع لكل بلد، مع مراعاة تفاوت مراحل التنمية والتحديات داخل المنطقة. والأهم من ذلك أن بناء إطار شامل قائم على العدالة الاجتماعية والحوار، مع تركيز قوي على تنمية المهارات والحماية الاجتماعية وممارسات العمل العادلة، أمر حيوي لضمان تقاسم منافع التحول الرقمي بإنصاف، ولجعل أسواق العمل في أنحاء المنطقة أكثر قدرة على الصمود.

وفيما يلي خلاصة توصيات السياسات التي يقدمها التقرير، والرامية إلى مساعدة صناع السياسات على الاستعداد على نحو أفضل لعالم العمل الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي، بما يعظم المنافع ويحد من المخاطر المحتملة:

أولاً، الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتضييق الفجوة الرقمية بين البلدان وداخلها. تتمثل الخطوة الأولى الحاسمة نحو تحول رقمي شامل في ضمان النفاذ الشامل إلى بنية تحتية رقمية موثوقة وميسورة التكلفة. ويجب معالجة التفاوتات الكبيرة في الاتصال، ولا سيما في المناطق المنخفضة الدخل والريفية والمتأثرة بالنزاعات، من خلال استثمارات عامة موجهة في النطاق العريض والكهرباء ومراكز البيانات والطاقة المتجددة، مع التعامل مع الاتصال الرقمي بوصفه منفعة عامة. ونظراً لمحدودية الموازنات في كثير من الدول من خارج مجلس التعاون، ينبغي للحكومات أيضاً حشد مصادر تمويل متنوعة، بما فيها صناديق التنمية متعددة الأطراف، والشراكات الإقليمية في مجال البنية التحتية، وآليات التمويل المختلط المبتكرة المرتبطة بالنفاذ الشامل وخلق الوظائف.

ثانياً، بناء قوى عاملة متمكنة رقمياً وتعزيز التعلم مدى الحياة. لا يقتصر سد الفجوة الرقمية على البنية التحتية، بل يتطلب أيضاً قوى عاملة متمكنة رقمياً، تدعمها استراتيجيات مهارات شاملة واستشرافية. ويتعين على الدول العربية إدماج محو الأمية الرقمية ومواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات منذ المراحل التعليمية الأولى، وإصلاح التعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي بحيث يعكسان النطاق الكامل للمهارات التي يحتاجها الاقتصاد الرقمي، بما فيها المهارات التقنية والناعمة والقابلة للنقل. كما ينبغي إيلاء الأولوية للتعلم مدى الحياة، مع بذل جهود موجهة للوصول إلى الفئات المهمشة. ولأصحاب العمل أيضاً دور رئيسي، إذ ينبغي لهم الاستثمار في رفع المهارات وإعادة التأهيل، ولا سيما في القطاعات التي تشهد اضطراباً تكنولوجياً. وبوجه عام، يُعد النهج المنسق متعدد المستويات أساسياً لبناء اقتصاد رقمي يستطيع فيه جميع العاملين أن يزدهروا.

ثالثاً، الاستثمار في خدمات تشغيل عالية الجودة ونظم حماية اجتماعية فعالة. لضمان انتقال عادل في ظل الاضطراب الرقمي، يتعين على الدول العربية الاستثمار في خدمات تشغيل جيدة ونظم حماية اجتماعية متينة. ويشمل ذلك توسيع دعم التوظيف المستجيب للاحتياجات، والإرشاد المهني، ودعم الأجور، وغيرها من تدابير دعم التشغيل لتشمل العاملين في الاقتصاد الرقمي، بمن فيهم المتأثرون بإزاحة الوظائف. كما أن تعزيز تغطية الحماية الاجتماعية في المنطقة أمر حيوي لصون سبل العيش. وتشكل هذه التدابير، إلى جانب إعادة التأهيل والتعلم مدى الحياة، ركائز أساسية لمساعدة العاملين على التكيف، وتجنب البطالة طويلة الأمد، والحيلولة دون تعمق أوجه عدم المساواة، ولا سيما بين الفئات المستضعفة.

رابعاً، الاستثمار في نظم معلومات سوق العمل وتوظيف الرؤى المستندة إلى البيانات في التخطيط الاستراتيجي. يُعد الاستثمار في نظام متين لمعلومات سوق العمل أمراً أساسياً كي تستجيب الدول العربية بفعالية للمتطلبات المتغيرة للاقتصاد الرقمي. فالبيانات الموثوقة والآنية تمكّن الحكومات من الحد من عدم التوافق في المهارات، واستشراف الاتجاهات المستقبلية، ومواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل. كما يمكن للأدوات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية أن تعزز قدرات الاستشراف وأن تدعم صنع سياسات استباقية قائمة على البيانات. ومن شأن توظيف هذه الأدوات وتعزيز نظم معلومات سوق العمل أن يسهما في صياغة استراتيجيات فعالة وشاملة ومستدامة للتشغيل وتنمية المهارات في أرجاء المنطقة.

خامساً، دعم التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال الرقمية. كثيراً ما تواجه هذه المنشآت في المنطقة العربية صعوبات في اعتماد التقنيات الرقمية بسبب محدودية الموارد وتدني الجاهزية الرقمية وضعف منظومات الدعم. ولتمكين تحولها الرقمي، يلزم اتباع نهج مرحلي واستراتيجي على مستوى المنشأة يتلاءم مع قدراتها واحتياجاتها. كما ينبغي للحكومات ألا تقتصر في استثماراتها على البنية التحتية، بل أن تقدم دعماً موجهاً يشمل آليات التمويل وحوافز الاعتماد التكنولوجي وبرامج الابتكار، لتشجيع استخدام الأدوات الرقمية بما فيها الذكاء الاصطناعي. ويكتسي تعزيز الشمول المالي، وتيسير الحصول على ائتمان مصمم خصيصاً، ورعاية منظومات ريادة الأعمال أهمية بالغة. ولا تقل عن ذلك أهمية مبادرات التدريب ورفع المهارات القابلة للتوسع، الموجهة إلى أصحاب هذه المنشآت والعاملين فيها، لضمان قدرتها التنافسية على المدى الطويل ومشاركتها الشاملة في الاقتصاد الرقمي.

سادساً، تهيئة بيئة سياساتية مواتية لحوكمة التحول الرقمي بفعالية وضمان خلق العمل اللائق للجميع. لضمان أن يعزز التحول الرقمي العمل اللائق، يتعين على الدول العربية مواءمة استراتيجيات التشغيل مع الاستراتيجيات الرقمية من خلال مقاربات منسقة تشمل الحكومة بأكملها. وينبغي للسياسات الرقمية أن تستهدف صراحة توليد وظائف جيدة، وتعزيز الإدماج، والحد من عدم المساواة، بينما يجب أن تتناول سياسات التشغيل بوضوح أدوار الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وأن تحدد تدابير لانتقال عادل وشامل. ومن الأهمية بمكان إشراك مؤسسات العمل والشركاء الاجتماعيين إشراكاً فاعلاً، وتكييف الاستراتيجيات مع السياقات الوطنية ومراجعتها بانتظام كي تظل مستجيبة لتطور التكنولوجيا وللتغيرات في سوق العمل.

سابعاً، تعزيز الأطر القانونية والتنظيمية من أجل انتقال رقمي عادل وشامل. يتعين على الدول العربية وضع أطر قانونية وتنظيمية شاملة واستشرافية توازن بين الابتكار وحماية حقوق العاملين وتعزيز العمل اللائق. ويشمل ذلك تحديث قوانين العمل للتصدي لمخاطر العمل الرقمي، وتنظيم القرارات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي بما يكفل الشفافية والمساءلة، وتعزيز خصوصية البيانات والأمن السيبراني، ودعم السياسات الداعمة للابتكار، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية ليشمل العاملين عبر المنصات والعاملين في الاقتصاد المرن. فمثل هذه الأطر ضرورية لضمان انتقال رقمي عادل وشامل يتسق مع معايير منظمة العمل الدولية.

ثامناً، تعزيز الحوار الاجتماعي من أجل تحول رقمي شامل ومنصف. يتطلب التحول الرقمي الفعال حواراً اجتماعياً شاملاً يضم الحكومات وأصحاب العمل والعاملين على المستويات الوطنية والقطاعية ومستوى المنشأة. فالحوار الثلاثي يساعد على استشراف التغيرات في سوق العمل، والموازنة بين الابتكار والعدالة الاجتماعية، وتصميم سياسات عادلة. أما على مستوى مكان العمل، فإن إشراك العاملين في جهود الرقمنة يعزز الثقة، ويحسن ظروف العمل، ويدعم نجاح اعتماد التكنولوجيا، بما يضمن أن تكون التحولات الرقمية عادلة ومنصفة للجميع.

تاسعاً، تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالي الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. في ظل التفاوتات الكبيرة في الجاهزية الرقمية والنمو بين الدول العربية، يُعد التعاون الإقليمي والدولي أساسياً لتحقيق تحول رقمي منصف. وينبغي للدول العربية تعزيز التنسيق عبر الهيئات الإقليمية كمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية لتبادل السياسات والممارسات الفضلى، وحشد الدعم المالي والتقني، ولا سيما للاقتصادات الأقل تقدماً. ومن شأن إيلاء الأولوية لنقل التكنولوجيا ورفع مهارات القوى العاملة والحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحقيق نمو شامل وتعزيز صمود أسواق العمل. أما على المستوى الدولي، فإن الانخراط الفاعل في الأطر العالمية، كالتحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية الذي أطلقته منظمة العمل الدولية، يمكن أن يساعد على مواءمة الاستراتيجيات وتعزيز العمل اللائق والإدماج الاجتماعي في العصر الرقمي.

المقدمة

يبرز التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي، المدفوع بالتطورات المتسارعة في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. فالتقنيات الرقمية تغذي الابتكار، وترفع الكفاءة، وتفتح آفاقاً جديدة لخلق القيمة في مختلف القطاعات. ويُتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص إسهاماً كبيراً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إذ تشير التقديرات إلى أن سوقه قد تبلغ 900 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2026، وأن تتجاوز 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030. ويُتوقع أن يرفع الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 7% خلال العقد المقبل.

وفي الوقت ذاته، يعيد دمج التقنيات الرقمية تشكيل أسواق العمل، فيتيح فرصاً للتنويع الاقتصادي وخلق الوظائف وتعزيزها، وما يرتبط بذلك من مكاسب في الإنتاجية وتحسن في ظروف العمل، لكنه يطرح في المقابل تحديات جسيمة. ومن هذه التحديات إزاحة الوظائف بفعل الأتمتة، وتفاقم عدم التوافق بين المهارات والوظائف، والعمل غير المستقر، والإقصاء الرقمي، واتساع أوجه عدم المساواة. وقد أدى الاهتمام العام المتزايد مؤخراً بالذكاء الاصطناعي التوليدي، عقب إطلاق أدوات مثل تشات جي بي تي وجيميناي، إلى تصاعد المخاوف بشأن أثر هذه التقنيات على التشغيل. وتزيد قضايا مثل التحيزات الخوارزمية في التوظيف، وتنامي المراقبة في أماكن العمل، والتهديدات التي تطال خصوصية البيانات، من تعقيد المشهد الرقمي المتطور.

وتكتسب هذه الاتجاهات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول العربية، حيث يمثل التحول الرقمي فرصة حيوية لتنويع الاقتصادات ومعالجة تحديات مزمنة في أسواق العمل، منها ارتفاع معدلات بطالة الشباب وتدني معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة. غير أنه رغم ضخامة هذه الإمكانات، تتفاوت جاهزية المنطقة لاعتماد الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الرقمية تفاوتاً كبيراً، وتواجه معظم بلدانها عقبات جسيمة. فجزء كبير من الوظائف لا يزال يعتمد على المهارات التقليدية، والاعتماد الرقمي متفاوت، والفجوات القائمة في البنية التحتية والسياسات والتنظيم تهدد بتوسيع أوجه عدم المساواة الحالية إن لم تُعالج. وفي ظل المستويات المرتفعة أصلاً من العمل غير المنظم والعمل الهش، قد تؤدي الإدارة السيئة للرقمنة واعتماد الذكاء الاصطناعي إلى مفاقمة مواطن الضعف في أسواق العمل بالمنطقة.

وفي ضوء ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى بحث اتجاهات الرقمنة في الدول العربية، وتقييم المشهد الرقمي في المنطقة وإمكاناته في تعزيز فرص التشغيل المنتج واللائق والشامل. ومن خلال تحليل السياسات والبرامج القائمة وفجوات المهارات، تهدف الدراسة إلى تقديم توصيات عملية تساعد الدول العربية على تسخير قوة الرقمنة مع ضمان ألا يتخلف أحد عن الركب.

وتتبع الدراسة منهجية مختلطة، تبدأ ببحث مكتبي موسع يستند إلى مصادر معترف بها دولياً، منها منظمة العمل الدولية والمنتدى الاقتصادي العالمي والاتحاد الدولي للاتصالات والعديد من هيئات الأمم المتحدة الأخرى. كما جرت دراسة وثائق السياسات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالتحول الاقتصادي والرقمي دراسة مستفيضة، إلى جانب دراسات أعدتها مراكز فكرية وشركات استشارية موثوقة.

واستُكمل هذا البحث المكتبي ببيانات نوعية جُمعت من خلال استبيانات ومجموعات نقاش مركزة مع الأطراف الثلاثية الرئيسية في أنحاء المنطقة، بهدف سد الثغرات في البيانات والمعلومات قدر الإمكان. كما استُخدمت تحليلات كمية، تستند إلى نمذجة أجرتها مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس لصالح منظمة العمل الدولية، لتقييم الانعكاسات الاقتصادية وانعكاسات التشغيل لسيناريوهات مختلفة للتحول الرقمي وقياسها، وبحث كيفية تأثيرها على أعداد الوظائف والتحولات القطاعية والمهنية حتى عام 2035. ورغم أن النموذج لا يقدم تقديرات دقيقة، نظراً لصعوبة الحصول على بيانات موثوقة وشاملة من المصادر الوطنية، ولا سيما بشأن الاستثمارات والمبادرات المتعلقة بالتقنيات الرقمية، فإنه يوضح الاتجاهات والتحولات المحتملة، ويقدم رؤى قيّمة تساعد صناع السياسات على استشراف فرص التحول الرقمي وتحدياته والاستجابة لها.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنه رغم الدور الكبير الذي تؤديه منصات العمل الرقمية في تشكيل أسواق العمل الحديثة، اكتفى هذا التقرير بالإشارة الموجزة إلى أثرها دون تحليل مستفيض، حفاظاً على نطاق يمكن الإحاطة به، وتركيزاً على الجوانب الأوسع للرقمنة والذكاء الاصطناعي وآثارها على التشغيل. كما أن التقرير، وإن كان يستند إلى أحدث البيانات المتاحة وأكثرها موثوقية، فإن الطبيعة سريعة التطور للرقمنة تعني أن بعض المستجدات الجارية قد لا تنعكس فيه بالكامل.

يستهل التقرير بعرض موجز للبنى الاقتصادية وبنى أسواق العمل المتنوعة في المنطقة، مسلطاً الضوء على التفاوتات الرئيسية والتحديات الهيكلية والفرص الناشئة. ومن خلال التمييز بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول من خارجه، يمهد التقرير لفهم الكيفية التي تؤثر بها المستويات المتباينة من التنمية الاقتصادية وتطور أسواق العمل في قدرة المنطقة على الاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ثم يقيّم الفصل الثاني حالة البنية التحتية الرقمية وجاهزية المنظومة الرقمية في الدول العربية. ورغم أن البيانات، حيثما وُجدت، لا يُقصد بها الإحاطة بالنطاق الكامل للنشاط الاقتصادي الرقمي، فإنها مفيدة بشكل خاص في تحديد موقع كل بلد ضمن السياق الأوسع للعوامل الرئيسية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي.

ويستعرض الفصل الثالث أطر السياسات والتنظيم التي أثرت في الرقمنة بالمنطقة، ويبحث كيف تتكيف الحكومات مع التحول الرقمي أو تقوده من خلال استراتيجيات تستجيب للتغير التكنولوجي وتدفعه في آن واحد.

ويلخص الفصل الرابع الاتجاهات الناشئة ويقارن بين مسارات دول مجلس التعاون والدول من خارجه، وهي مسارات تشكلها الفوارق في مستويات الاستثمار والاعتماد التكنولوجي وسلوك المستهلكين.

ويحلل الفصل الخامس أثر الرقمنة على التشغيل، مع التركيز على التغيرات في كم الوظائف وجودتها. فيستعرض توقعات إزاحة الوظائف وخلقها، ويحدد الفئات الأكثر عرضة للخطر، ويناقش كيف تؤثر الرقمنة في ظروف العمل وفي الإدماج في سوق العمل. ويبحث هذا الفصل كذلك فرص الاعتماد الرقمي واعتماد الذكاء الاصطناعي وتحدياتهما على مستوى المنشأة، مع التركيز على دور المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والعقبات التي تواجهها، وإمكانات منظومات ريادة الأعمال والابتكار في دفع تحول رقمي شامل وخلق فرص العمل. ويتضمن الفصل أيضاً قسماً عن أثر الرقمنة على الإنتاجية، يتناول ما يُعرف بـ"مفارقة الإنتاجية"، أي الظاهرة التي لا يفضي فيها التقدم التكنولوجي السريع بالضرورة إلى مكاسب الإنتاجية المرتقبة.

ويبحث الفصل السادس المشهد المتطور للمهارات في المنطقة، فيحدد الفجوات والتحديات الرئيسية، إلى جانب المقاربات الأساسية المستخدمة لتقييم احتياجات المهارات الحالية والمستقبلية.

وأخيراً، يقدم الفصل الختامي مجموعة متسقة من توصيات السياسات، تهدف إلى توجيه الدول العربية نحو مستقبل رقمي أكثر إنصافاً وشمولاً واستدامة يعود بالنفع على الجميع.

دراسات ذات صلة