الفصل الثاني: جاهزية الدول العربية للتحول الرقمي: أسس النمو الرقمي وفرص التشغيل
يتوقف نجاح التحول الرقمي بصورة أساسية على متانة البنية التحتية الرقمية للبلد وعلى جاهزيته العامة لاعتماد التقنيات الجديدة. فالاتصال الموثوق بالإنترنت، وإتاحة الأجهزة الرقمية، والاستثمار في النطاق العريض ونظم البيانات، تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد رقمي. وفي الوقت ذاته، يُعد رأس المال البشري والقدرات المؤسسية وبيئات السياسات التمكينية عناصر حاسمة لضمان أن تتحول التقنيات الرقمية إلى تنمية شاملة ومستدامة. ويبحث هذا الفصل المقاييس الرئيسية للبنية التحتية الرقمية والجاهزية في أنحاء المنطقة، مسلطاً الضوء على الفجوات والفرص القائمة التي ستحدد مسار الرقمنة ومدى شموليتها. ويتطرق هذا الفصل بإيجاز إلى المسائل المتصلة بالمهارات الرقمية والتنظيم، على أن تُناقش بتفصيل أكبر في الفصول اللاحقة من التقرير.
ويوفر مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذي وضعه الاتحاد الدولي للاتصالات، معياراً لقياس مدى نجاح البلدان، ومنها الدول العربية، في توسيع الاتصال الرقمي وتحسينه. ويمنح المؤشر كل بلد درجة تتراوح بين صفر ومئة، تعكس الدرجات الأعلى فيها بنية تحتية قوية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ونفاذاً مرتفعاً إلى الإنترنت، واستخداماً متكرراً وواسع النطاق لها، وخدمات ميسورة التكلفة. فالبلدان ذات الدرجات المرتفعة تمتلك منظومات رقمية أكثر نضجاً، وتكون في العادة أقدر على توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية. وعلى العكس من ذلك، تدل الدرجات المنخفضة على محدودية البنية التحتية، أو تدني النفاذ إلى الإنترنت أو استخدامه، أو ارتفاع التكاليف عموماً قياساً بالدخل. وكثيراً ما تشير الدرجات المنخفضة إلى عوائق أمام المشاركة الرقمية، وقد تعيق الجهود الأوسع نحو التحول الرقمي ونمو الإنتاجية والنفاذ المنصف إلى الفرص الناشئة.
وتكشف أحدث بيانات هذا المؤشر عن مشهد متباين. فدول مجلس التعاون تحقق أداءً قوياً يبلغ مستوى البلدان المرتفعة الدخل بل يتجاوزه أحياناً. ويؤكد النفاذ الرقمي شبه الشامل الذي حققته هذه الدول وجود بنية تحتية ناضجة قادرة على دعم خدمات واقتصادات رقمية متقدمة. ويتسق هذا الأساس مع الأهداف الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، ويضع اقتصادات المجلس في موقع المراكز الناشئة للابتكار الرقمي. وفي المقابل، لا تزال الدول من خارج المجلس تواجه تحديات جوهرية. فباستثناء الأردن، تقل درجات الدول من خارج المجلس التي تتوافر عنها بيانات عن المتوسط العالمي، مما يبرز فجوة رقمية واضحة داخل الدول العربية ككل، وتحديات كبيرة في النفاذ والقدرة على تحمل التكاليف لدى الدول من خارج المجلس. وتظهر أشد المشكلات في البلدان المتأثرة بالنزاعات، أي اليمن وسوريا ودولة فلسطين، حيث أعاق عدم الاستقرار لفترات طويلة تطوير البنية التحتية وحدّ من النفاذ الرقمي، فقلّص بذلك المنافع الاقتصادية والاجتماعية الأوسع للإدماج الرقمي.
وبوجه عام، تشير درجات المؤشر إلى أن دول مجلس التعاون ربما أولت الأولوية للخدمات الرقمية المتقدمة والتكامل الاقتصادي الرقمي، في حين تعاني الدول من خارج المجلس من محدودية الموارد ومن تحديات في الحفاظ على الأمن والاستقرار. وكثيراً ما تكافح هذه الدول لسد ثغرات أساسية في البنية التحتية ينبغي معالجتها قبل جني المنافع المحتملة للرقمنة.
والأهم من ذلك أنه رغم ما يقدمه المؤشر من رؤى حاسمة بشأن النفاذ إلى الإنترنت واستخدامه والقدرة على تحمل تكلفته، فإنه لا يرصد إلا جزءاً من الصورة الأوسع. فدرجاته تعكس متوسطات وطنية ولا تأخذ في الحسبان التفاوتات داخل البلدان، كتلك القائمة بين المناطق أو بين الفئات الديمغرافية. كما أن الدرجة المرتفعة لا تعني بالضرورة إدماجاً رقمياً شاملاً، إذ يغفل المؤشر عناصر حاسمة مثل المهارات الرقمية المتقدمة والسلامة والأمن. لذلك، يُعد بحث طيف أوسع من المؤشرات أمراً أساسياً لتقييم البنية التحتية الرقمية للبلد وجاهزيته للتحول الاقتصادي عبر الرقمنة تقييماً وافياً. فالأمن السيبراني على سبيل المثال عنصر حاسم لضمان سلامة الخدمات الرقمية وموثوقيتها، وحماية المستخدمين من التهديدات، وتعزيز الثقة في المعاملات الإلكترونية. والمهارات الرقمية لا تقل أهمية، إذ إن وجود قوى عاملة كفؤة شرط مسبق للتعامل مع التكنولوجيا ودفع الابتكار. كما تؤدي عوامل أخرى، كالجاهزية للذكاء الاصطناعي واعتماد التجارة الإلكترونية واستخدام المدفوعات الرقمية، دوراً مهماً في تشكيل المشهد الرقمي للبلد. وتكشف أحدث البيانات المتاحة عن هذه العوامل عن تفاوتات كبيرة بين البلدان وبين دول مجلس التعاون والدول من خارجه، تعكس الاتجاهات ذاتها المرصودة في البنية التحتية الرقمية الأساسية.
وتحقق دول مجلس التعاون عموماً أداءً قوياً في المؤشرات الرقمية الرئيسية، مع درجات مرتفعة في المؤشر العالمي للأمن السيبراني تعكس أطراً متينة لحماية الأصول الرقمية. غير أن تهديدات الأمن السيبراني استمرت في الكويت رغم إنشاء المركز الوطني للأمن السيبراني عام 2022 وإشراف الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات، مما دفع الحكومة إلى تكثيف جهودها لمعالجة الثغرات التنظيمية وتعزيز الوعي العام.
وتُعد المهارات الرقمية لدى السكان النشطين اقتصادياً في دول المجلس قوية نسبياً مقارنة بالمتوسطات العالمية، إذ تأتي قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضمن أفضل 15 اقتصاداً من أصل 141. ورغم أن هذه البيانات قد تكون متقادمة بعض الشيء، فإنها تقدم صورة مفيدة عن المنطقة، ومن المرجح أن هذه الدول تقدمت أكثر في السنوات الأخيرة في ظل تنامي إدراك الحكومات لأهمية تنمية المهارات الرقمية. ورغم هذه الصورة الإيجابية، تظل هناك تحديات في ضمان النفاذ المنصف إلى المهارات الرقمية للمواطنين والمهاجرين على السواء، وفي معالجة الطيف الكامل من الكفاءات اللازمة للتعامل مع مستقبل العمل المعقد والمتطور، وهو ما يتناوله الفصل السادس بمزيد من التعمق.
وفيما يخص الجاهزية للذكاء الاصطناعي، تُظهر دول مجلس التعاون مستويات جاهزية تتراوح بين المتوسطة والمرتفعة. ورغم أن أياً منها لا يبلغ الفئة العليا، أي الدرجات التي تتجاوز 0.8 والتي تتصدرها سنغافورة، فقد حصلت الإمارات العربية المتحدة على 0.63، مقتربة من متوسط الاقتصادات المتقدمة البالغ 0.68. وتسجل دول المجلس الأخرى درجات تعادل متوسط الأسواق الناشئة البالغ 0.46 أو تتجاوزه، بما يكشف عن الزخم الإقليمي في إرساء الأسس لاعتماد الذكاء الاصطناعي ودمجه.
ويمتد التقدم الرقمي لدول المجلس كذلك إلى التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، إذ تعكس ترتيباتها في هذين المجالين بنية تحتية رقمية قوية، وأنظمة معاملات آمنة، وثقة متزايدة لدى المستهلكين في المنصات الإلكترونية.
وعلى النقيض من ذلك، تواجه الدول العربية من خارج مجلس التعاون تحديات أكثر حدة واستمرارية في التنمية الرقمية. إذ يسجل لبنان ودولة فلسطين واليمن درجات منخفضة بشكل لافت في الأمن السيبراني، مما يثير مخاوف بشأن هشاشتها أمام التهديدات الرقمية. وبينما يحقق الأردن ولبنان أداءً جيداً في المهارات الرقمية، إذ يحتلان المرتبتين 31 و23 على التوالي، يأتي اليمن في المرتبة 115، مما يدل على فجوة مهارات خطيرة ومحدودية في الإدماج الرقمي.
ويتسم الأداء في الجاهزية للذكاء الاصطناعي في الدول من خارج المجلس بالتفاوت كذلك. فالأردن ولبنان يُظهران مؤشرات واعدة، بدرجات تقترب من متوسط الأسواق الناشئة البالغ 0.46، مما يوحي بوجود أساس للتطور المستقبلي. أما سوريا والعراق فيتخلفان كثيراً، بفعل النزاعات ونقص الاستثمار والضعف المؤسسي، وهي عوامل تحد من قدرتهما على تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي بفعالية.
وتنعكس التفاوتات كذلك في منظومات التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية. فرغم تفوق لبنان، الذي يحتل المرتبة 64، والأردن، الذي يحتل المرتبة 76، على نظرائهما من خارج المجلس في مؤشر التجارة الإلكترونية، فإنهما لا يزالان متأخرين عن دول المجلس. كما تظل المدفوعات الرقمية في الدول من خارج المجلس محدودة بشكل واضح، إذ تقل معدلات استخدامها في جميع هذه الدول عن 40%، مما يكشف عن قصور جدي في الشمول المالي والثقة والبنية التحتية الرقمية.
وبوجه عام، تؤكد التفاوتات التي تكشفها المؤشرات المختلفة وجود تحول رقمي بسرعتين في الدول العربية. فبينما تواصل دول مجلس التعاون تقدمها في الأمن السيبراني والمهارات الرقمية والجاهزية للذكاء الاصطناعي واعتماد التجارة الإلكترونية، تواجه الدول من خارجه عقبات مستمرة تمتد جذورها إلى قيود هيكلية ومؤسسية واجتماعية واقتصادية. ومن أبرز هذه التحديات ارتفاع تكلفة البنية التحتية الحيوية كالنطاق العريض ومراكز البيانات، ومحدودية الاستثمار العام والخاص بسبب قصور الأطر التنظيمية، وعدم موثوقية إمدادات الطاقة وتكرار انقطاعها في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاعات، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي والضغوط المالية. يضاف إلى ذلك أن أسواق الاتصالات الاحتكارية أو المجزأة والاعتماد على التقنيات المستوردة يرفعان التكاليف ويعقدان مسار التقدم الرقمي.
ويتطلب سد هذه الفجوات الرقمية بين الدول العربية استثمارات موجهة، وأطر سياسات شاملة، وتعاوناً إقليمياً ودولياً معززاً، لضمان أن يصبح الاقتصاد الرقمي محركاً مشتركاً للنمو والصمود في المنطقة.
