القائمة الرئيسية

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/6)

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/6)
ملخص الدراسة

يركز الفصل السادس على أن التحول الرقمي الناجح يتطلب منظومة متكاملة من المهارات تتجاوز الكفاءة الرقمية الأساسية، لتشمل مهارات القراءة والحساب، والمهارات الرقمية المتخصصة (كالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي)، بالإضافة إلى المهارات الإدراكية العليا (كالتفكير التحليلي والإبداع)، والمهارات الاجتماعية والعاطفية، والمهارات التقنية الخاصة بالوظيفة. ويكشف التحليل أن طلب أصحاب العمل في المنطقة العربية كان تاريخياً منحازاً للمهارات التقليدية، لكن هناك بوادر مشجعة لتنامي الطلب على الكفاءات الرقمية المتقدمة والمهارات الإنسانية المحورية مثل حل المشكلات، مما يعكس تقارباً مع الاتجاهات العالمية. ورغم هذا التحسن، تواجه المنطقة فجوات كبيرة في الكفاءات الرقمية، خاصة في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما يشكل عائقاً رئيسياً أمام تحول الأعمال ويزيد من مخاطر البطالة التكنولوجية. ولمعالجة هذه التحديات وضمان انتقال رقمي عادل وشامل، يوصي الفصل بسلسلة من السياسات والاستثمارات الاستباقية، منها تطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء قوى عاملة متمكنة رقمياً عبر التعلم مدى الحياة وإصلاح التعليم، وتعزيز خدمات التشغيل والحماية الاجتماعية، وتحديث نظم معلومات سوق العمل، ودعم التحول الرقمي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى تهيئة بيئة سياساتية وقانونية وتنظيمية مواتية، وتنشيط الحوار الاجتماعي والتعاون الإقليمي والدولي.

الفصل السادس: المهارات اللازمة للتحول الرقمي

يتطلب التحول الرقمي الناجح منظومة واسعة ومترابطة من المهارات تتجاوز بكثير مجرد القدرة على تشغيل الأدوات الرقمية. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، يمكن تصنيف هذه المهارات في مجموعات رئيسية عدة تشكل معاً أساس المشاركة الفعالة في الاقتصاد الرقمي. فعلى المستوى الأكثر أساسية، تُعد مهارات القراءة والكتابة والحساب ضرورية لأي تعامل مع الأدوات الرقمية، ومن دونها قد تتحول حتى الوظائف التكنولوجية البسيطة، كقراءة التعليمات أو إدخال البيانات، إلى عوائق كبيرة.

وتقوم على هذا الأساس المهارات الرقمية، التي تمتد على طيف متصل من المستوى الأساسي إلى المستوى المتقدم. ففي مستواها الأساسي، تعني الثقافة الرقمية استخدام التكنولوجيا اليومية كالهواتف الذكية والحواسيب والإنترنت، وهو ما يُطلق عليه أحياناً "معرفة الأزرار". وهذه المهارات الأساسية قابلة للنقل على نطاق واسع عبر الوظائف والحياة اليومية. وبعد هذا المستوى الأساسي، تتسع المهارات الرقمية لتشمل قدرات أكثر ارتباطاً بالوظيفة، كالتسويق الرقمي وتحليل البيانات وإدارة منصات التجارة الإلكترونية. أما المهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة فتنطوي على خبرة تقنية متخصصة كتطوير البرمجيات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتكون في العادة أقل قابلية للنقل وأوثق ارتباطاً بقطاعات أو مهن بعينها.

والأهم من ذلك أن الكفاءة الرقمية وحدها لا تكفي. فالمهارات الإدراكية العليا، كالتفكير التحليلي والقدرات البحثية والإبداع ومهارات حل المشكلات المعقدة، لا تقل أهمية، إذ تمكّن الأفراد من توظيف الأدوات الرقمية بفعالية والتكيف مع التحديات الجديدة ودفع الابتكار. وتكملها المهارات الاجتماعية والعاطفية، المعروفة كذلك بالمهارات الناعمة، ومنها التواصل والعمل الجماعي والقدرة على التكيف والذكاء العاطفي. وهذه المهارات ضرورية للتعامل مع الأبعاد الإنسانية والتعاونية لبيئات العمل الرقمية، ولمواصلة التعلم المستمر في مواجهة التغير التكنولوجي السريع. فضلاً عن ذلك، تظل المهارات التقنية الخاصة بكل مهنة مكوناً أساسياً للجاهزية للاقتصاد الرقمي، وهي القدرات المتخصصة اللازمة لأداء المهام الفريدة لوظائف بعينها، بما فيها الوظائف المؤداة في الاقتصاد الرقمي.

وخلاصة القول، يتطلب التحول الرقمي منظومة مهارات متكاملة، تشمل القدرات الأساسية، وطيفاً من الكفاءات الرقمية، ومهارات إدراكية وتواصلية متقدمة، ومهارات خاصة بالوظيفة. وتمكّن هذه المهارات مجتمعة الأفراد لا من استخدام التكنولوجيا بفعالية فحسب، بل من الابتكار والتكيف والنجاح داخل اقتصاد رقمي متطور.

اتجاهات المهارات في الدول العربية

المهارات اللازمة للتحول الرقمي: طلب متنامٍ لكنه متفاوت

أفضت الوتيرة المتفاوتة للتنمية الرقمية والاقتصادية في المنطقة العربية إلى تفاوتات كبيرة في الطلب على الكفاءات الرقمية وتنميتها. فالاقتصادات الأكثر تقدماً رقمياً تتجه نحو القطاعات كثيفة المعرفة وعالية التكنولوجيا، بينما تظل اقتصادات أخرى مرتبطة ببنى تشغيل تقليدية، مع اعتماد متواصل على المهارات التقليدية. ولفهم هذه الديناميات على نحو أفضل، يقدم مرصد المهارات التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، وهو أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تتتبع الوظائف الشاغرة عبر منصات إعلانات الوظائف الإلكترونية، رؤى آنية بشأن تطور الطلب على المهارات في المنطقة العربية.

وقد أظهر تحليل إعلانات الوظائف بين يونيو 2020 ومارس 2022، الذي شمل مهارات مطلوبة في 1.7 مليون فرصة عمل إلكترونية منشورة على أكثر من 100 منصة في 19 دولة من الدول الأعضاء في الإسكوا، أن طلبات أصحاب العمل في أنحاء المنطقة ظلت منحازة بشدة نحو الكفاءات التقليدية، على خلاف الأنماط العالمية. فالوظائف التي تتطلب مهارات رقمية متقدمة، كالحوسبة السحابية وسلسلة الكتل والتعلم الآلي والواقع المعزز أو الافتراضي، كانت نادرة. وبدلاً من ذلك، كانت المحاسبة، وهي مجال ذو إمكانات أتمتة مرتفعة، أكثر المهارات التقنية طلباً خلال تلك الفترة. وشملت المهارات التقنية الأخرى الأكثر طلباً كفاءات مرتبطة بإدارة الأعمال في مجالات المالية وتطوير الأعمال والتدقيق ورضا العملاء. وبالمثل، ظلت المهارات الناعمة الأكثر طلباً متركزة في مجالات المبيعات والإدارة والعمليات وخدمة العملاء، إلى جانب التواصل وحل المشكلات.

وأشارت هذه النتائج إلى أسواق عمل لا تزال تشكّلها القطاعات الموجهة إلى المستهلكين والتشغيل القائم على الخدمات، لا الإنتاج القائم على الابتكار أو كثيف التكنولوجيا. وحذرت الإسكوا من أن الاستمرار في هذا المسار وإيلاء الأولوية لمهارات معرضة للأتمتة سيعرّض الاقتصادات العربية لمخاطر متزايدة من البطالة التكنولوجية، وسيعطل تحولاً هيكلياً طال انتظاره.

غير أن البيانات الحديثة تشير، على نحو مشجع، إلى أن هذا الوضع بدأ يتغير. فالتحديث الذي أصدرته الإسكوا عام 2024 يكشف عن بوادر مبكرة لكنها لافتة لتنامي الطلب على الكفاءات الرقمية في أنحاء المنطقة. إذ تكتسب مهارات تقنية مثل علوم الحاسوب وتحليل البيانات ولغات البرمجة زخماً متزايداً، ودخلت مهارات برمجية مثل SQL وJavaScript قائمة أكثر عشرين مهارة طلباً. كما تطورت المهارات الناعمة، إذ انتقلت مهارة حل المشكلات مثلاً من المرتبة الحادية عشرة إلى المرتبة الرابعة، مما يشير إلى تقارب أوثق مع اتجاهات سوق العمل العالمية التي تركز على القدرة على التكيف والتفكير النقدي والابتكار.

وقد استطلع أحدث تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن مستقبل الوظائف لعام 2025 آراء أصحاب العمل في المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، الذين حددوا عدداً من المهارات الجوهرية المطلوبة من العاملين. ومن بين المهارات الخمس الأولى، تبرز الثقافة التكنولوجية والكفاءات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إلى جانب مهارات ناعمة وشخصية رئيسية كالتفكير التحليلي والإبداعي، والصمود، والقدرة على التكيف، والقيادة والتأثير الاجتماعي. ويؤكد هذا المزيج تنامي الطلب لا على الكفاءة الرقمية والتكنولوجية فحسب، بل على القدرة على التعامل مع بيئات عمل معقدة وسريعة التغير أيضاً. كما يبرز القيمة التي يوليها أصحاب العمل لقوى عاملة لا تكون متمكنة تقنياً فحسب، بل مرنة ومبتكرة وقادرة على العمل التعاوني في اقتصاد تتزايد رقمنته.

ومع تسريع أصحاب العمل في المنطقة العربية لاستثماراتهم في التكنولوجيا، يُتوقع أن تنمو أهمية المهارات الرقمية بوتيرة أسرع من أي نوع آخر من المهارات. ومن بينها، تتصدر الثقافة التكنولوجية القائمة بوصفها المهارة الأسرع نمواً، تليها عن قرب مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والشبكات والأمن السيبراني. وإلى جانب هذه المهارات التقنية، يولي أصحاب العمل قيمة متزايدة لقدرات محورها الإنسان كالتفكير الإبداعي والقيادة والتأثير الاجتماعي وإدارة المواهب، بما يبرز الحاجة إلى قوى عاملة متمكنة رقمياً وقادرة في الوقت ذاته على دفع الابتكار وإدارة التغيير في بيئات تنظيمية ديناميكية.

ومع ذلك، لا يتقاسم الجميع هذا الزخم الإيجابي بالتساوي في أنحاء المنطقة، إذ يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمستوى التنمية الرقمية والاقتصادية لكل بلد. ففي اليمن مثلاً، يقيد عدم الاستقرار السياسي ومحدودية الموارد المالية الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية الأوسع، فيظل الطلب على المهارات الموجهة نحو المستقبل ضعيفاً. ويديم ذلك حلقة يفضي فيها تدني الاستثمار الرقمي إلى محدودية قدرات القوى العاملة، مما يقلص أكثر الحوافز والقدرات اللازمة للتقدم التكنولوجي.

الكفاءات الرقمية والجاهزية: التصدي لخطر اتساع فجوة المهارات

مع استثمار البلدان في اقتصاداتها الرقمية، يصبح ضمان توافر الكفاءات الكافية لدعم هذا التحول أمراً حاسماً. فعلى المستوى العالمي، يظل نقص المهارات مصدر قلق رئيسياً. وفي أحدث ندوة عالمية لمنظمي الاتصالات، التي عُقدت في يوليو 2024، حدد منظمو الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هذا النقص بوصفه أحد اثني عشر تحدياً عالمياً رئيسياً.

وفي المنطقة العربية، يُعد تقييم توافر الكفاءات الرقمية وجاهزيتها أمراً أساسياً لفهم قدرة المنطقة على دفع التحول الرقمي واستدامته. وفي هذا السياق، توفر بيانات استطلاع آراء المديرين التنفيذيين الذي يجريه المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤشرات المهارات الرقمية للاتحاد الدولي للاتصالات معايير قيّمة لفهم توافر الكفاءات وتحديد مجالات العمل السياساتي الموجه.

وتُظهر مؤشرات مختارة من هذا الاستطلاع، جُمعت على موجتين عامي 2019 و2023، أن قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تتصدر المنطقة العربية في المؤشرات الثلاثة كلها، أي المهارات الرقمية لدى السكان النشطين، والمستوى المهاري التكنولوجي للقوى العاملة، وتوافر الكفاءات اللازمة للتحول الرقمي، بينما يسجل اليمن درجات منخفضة بشكل خاص. وليست هذه الفوارق داخل المنطقة مستغربة، نظراً لتفاوت وتيرة الاعتماد الرقمي بين البلدان وتأثيرها في توافر الكفاءات.

ورغم الأداء القوي نسبياً لدول مجلس التعاون في المؤشرات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تواجه المنطقة ككل فجوات كبيرة في الكفاءات. فمعظم دول المجلس تخرّج أعداداً قليلة نسبياً في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتميل إلى أداء أدنى في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة. إضافة إلى ذلك، يظل عدد حملة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي في المنطقة منخفضاً عند نحو اثنين لكل مليون نسمة، مقارنة بمتوسط يبلغ 25 لكل مليون في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتحد هذه الفجوات من قدرة المنطقة الفرعية على تنويع اقتصاداتها تنويعاً كاملاً وتلبية متطلبات القطاعات الرقمية المتقدمة. ونتيجة لذلك، تواصل حكومات الخليج الاعتماد بكثافة على المهنيين الوافدين لسد النقص في المهارات. واللافت أن فجوات المهارات في سوق العمل تُعد العائق الأبرز أمام تحول الأعمال خلال الفترة من 2025 إلى 2030، وفقاً للمشاركين في استطلاع مستقبل الوظائف في اقتصادات خليجية مختارة. ففي المملكة العربية السعودية، أشار 79% من أصحاب العمل إلى هذا العائق بوصفه قيداً رئيسياً، تلتها الإمارات بنسبة 72% والبحرين بنسبة 67%، وجميعها أعلى بوضوح من المتوسط العالمي البالغ 63%. كما يفيد أصحاب العمل في هذه البلدان بصعوبات كبيرة في استقطاب الكفاءات، إذ حدد أكثر من 40% منهم ذلك بوصفه تحدياً، متجاوزين مجدداً المتوسط العالمي البالغ 37%. ويثير ذلك قلقاً خاصاً، إذ إن هذه البلدان من أكثر البلدان سعياً إلى التحول الرقمي في المنطقة. ويبرز ذلك أن التحديات المتعلقة بإعادة التأهيل واستقطاب الكفاءات لا تقتصر على الاقتصادات الأدنى دخلاً أو الأقل تقدماً تكنولوجياً، بل تتقاسمها أيضاً البلدان الطموحة رقمياً والغنية بالموارد.

ومما يعزز هذا القلق أن أصحاب العمل سُئلوا أيضاً عن تدخلات السياسات العامة التي يرون أنها الأكثر فعالية في تحسين النفاذ إلى الكفاءات خلال السنوات المقبلة. ففي المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، حددت الأغلبية زيادة تمويل برامج إعادة التأهيل ورفع المهارات بوصفها الأولوية القصوى، بنسب بلغت 72% و63% و62% على التوالي. ويؤكد هذا الإجماع القوي مطالبة القطاع الخاص باستثمار عام متواصل وموسع في تنمية المهارات لضمان أن تواكب قدرات القوى العاملة تطور متطلبات سوق العمل والتغير التكنولوجي.

وخارج دول مجلس التعاون، يبدو أن عدم مواءمة نظم التعليم وتنمية المهارات مع احتياجات السوق يؤثر تأثيراً كبيراً في النتائج. فنظم التعليم والتدريب كثيراً ما تقصر في إعداد المتعلمين لأسواق العمل الحديثة، ويعود ذلك أساساً إلى المناهج المتقادمة، وضعف التفاعل بين مقدمي التعليم والقطاع الخاص، وغياب نظام لمعلومات سوق العمل يوجه تصميم البرامج، وهي عوامل أكدتها مجموعات النقاش المركزة التي أُجريت لهذه الدراسة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 40% من المنشآت تعد القوى العاملة غير المؤهلة تعليمياً بالقدر الكافي عائقاً أمام النمو.

وأبرزت دراسة أحدث للإسكوا فجوات واضحة بين التعليم والطلب في سوق العمل على مستوى التعليم العالي وفي نظم التعليم والتدريب التقني والمهني. فرغم أن هذه النظم تشكل العمود الفقري لتنمية القوى العاملة، فإنها تظل ضعيفة في كثير من البلدان العربية المنخفضة والمتوسطة الدخل. إذ تعجز المناهج عن مواكبة التطورات التكنولوجية، فيتخرج الطلبة بمهارات غير كافية، ويحتاجون في الغالب إلى تدريب إضافي أو إعادة تدريب للحصول على عمل. وقد أثار ممثلو لبنان هذا الشاغل بشكل خاص خلال مجموعات النقاش، إذ أبدوا ثقة محدودة في ملاءمة نظام التعليم والتدريب التقني والمهني في بلدهم وفعاليته.

ومن المؤسف أنه في كثير من بلدان المنطقة، حتى بين الجامعات التي تدرّس هندسة الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي أو علوم البيانات، لا تزال هناك فجوات كبيرة بين المهارات التي تُدرّس وتلك التي يطلبها أصحاب العمل فعلاً. بل إن التداخل في بعض الحالات ضئيل أو معدوم بين المناهج الجامعية والكفاءات المطلوبة في سوق العمل، مما يكشف عن انفصال عميق بين نظم التعليم والواقع الاقتصادي.

ومع تقدم التقنيات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، قد تواجه القوى العاملة أزمة مهارات تزداد حدة إذا لم تُعدّ إعداداً كافياً للأدوار الناشئة في مجالات سريعة التطور كالذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والروبوتات. فضلاً عن ذلك، ستتأثر متطلبات المهارات الرقمية مستقبلاً بالاتجاه المتنامي نحو "الوظائف الخضراء"، ومنها الشبكات الذكية والنقل الذكي والمباني الذكية، التي بدأت تتبلور بالفعل في بعض البلدان العربية.

مراجعة المقاربات القائمة لتحليل المهارات واستشرافها

رغم عدم وجود نموذج واحد يلائم جميع السياقات، أثبتت مبادئ ومقاربات رئيسية عدة فعاليتها باستمرار في تقييم عدم التوافق في المهارات واستشرافه. وتتناول هذه المقاربات أعمال مشتركة لمنظمة العمل الدولية ومؤسسة التدريب الأوروبية والمركز الأوروبي لتطوير التدريب المهني، تتضمن مجموعة من الأدلة المنهجية وعمليات التنفيذ والرؤى المستخلصة من دراسات حالة قطرية في ستة مجلدات، يتناول كل منها جانباً محدداً من استشراف المهارات ومواءمتها مع الوظائف، ومنها دراسات حالة من الأردن حول استخدام معلومات سوق العمل وحول العمل على المستوى القطاعي. ووفقاً لهذه الأدلة، تشمل المقاربات الأكثر استخداماً ما يلي:

استطلاعات أصحاب العمل، أي استطلاعات المؤسسات والمنشآت.

النماذج الكمية، التي يُشار إليها بـ"التنبؤات"، ومنها النماذج الاقتصادية الكلية التي تقدم توقعات كمية للتشغيل بحسب القطاع والمهنة، كنموذج E3ME الذي يُعد أداة راسخة لتحليل الاقتصاد الأوروبي وسوق العمل الأوروبية.

الأساليب النوعية، كمجموعات النقاش المركزة والموائد المستديرة ومقابلات الخبراء والاستشراف ووضع السيناريوهات، وقد يتضمن بعضها جوانب كمية.

دراسات تتبع الخريجين من التعليم العالي أو التعليم والتدريب التقني والمهني، واستطلاعات الانتقال من المدرسة إلى العمل.

ويمكن تطبيق هذه الأساليب على المستوى الوطني، وتفصيلها على المستوى القطاعي أو الإقليمي حيثما تسمح البيانات الوطنية بذلك. ويوصى بالجمع بين المقاربتين الكمية والنوعية لتكوين فهم شامل للاتجاهات الحالية والناشئة.

وتنشأ تحديات عدة في تطوير نظم استشراف المهارات، منها ضمان توافر بيانات كافية ومتسقة، واختيار المنهجيات الأنسب، وتوافر القدرات والخبرات المؤسسية. وتبدو هذه التحديات أشد وضوحاً في الاقتصادات النامية والناشئة.

وتُجرى تقييمات احتياجات المهارات الحالية في العادة سنوياً لمعالجة متطلبات سوق العمل الفورية. وفي المقابل، تُجرى عمليات استشراف المهارات المستقبلية بوتيرة أقل، وتغطي في العادة فترة تتراوح بين خمس سنوات وعشر. ويمكن جدولة هذه العمليات بالتزامن مع تقييمات الاحتياجات الحالية أو في فترات منفصلة، بحسب التركيز والتوقيت المحددين للتحليل. وبالنسبة إلى الدول العربية، ينبغي أخذ السياق الأوسع للتحولين التوأمين، الرقمي والأخضر، وغيرهما من الاتجاهات الناشئة في الحسبان.

وفي نهاية المطاف، ينبغي لجميع تقييمات احتياجات المهارات ونظم استشرافها أن تكون مدخلات في تصميم سياسات وبرامج لتنمية المهارات استشرافية وقائمة على الأدلة. ويجب أن تُكيَّف هذه الجهود مع السياقات والأولويات الوطنية، وأن تهدف إلى بناء الكفاءات والقدرات اللازمة لدعم التحول الرقمي في المنطقة.

تقييمات احتياجات المهارات في المنطقة العربية: أمثلة مختارة

تستخدم البلدان المختلفة مقاربات متنوعة لتقييم عدم التوافق في المهارات وتحديد احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية. ومن الأساليب الشائعة الاستخدام في المنطقة استطلاعات المهارات لدى المنشآت والدراسات القطاعية للمهارات.

فاستطلاعات المهارات لدى المنشآت تجمع البيانات مباشرة من أصحاب العمل لفهم فجوات مهارات القوى العاملة وتحديات التوظيف واحتياجات التدريب. ففي عُمان، أجرت وزارة العمل، بدعم تقني من منظمة العمل الدولية وبالتعاون مع أصحاب المصلحة الوطنيين ولا سيما المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، استطلاعاً قطاعياً شاملاً للمهارات لدى المنشآت خلال عامي 2023 و2024. وهدف الاستطلاع إلى استشراف الاحتياجات المستقبلية، على أن تؤثر نتائجه في منظومة التعليم العالي وبرامجها الأكاديمية والتخصصات المطلوبة لوظائف المستقبل في سياق الثورتين الصناعيتين الرابعة والخامسة.

وفي قطر، قررت وزارة العمل كذلك إجراء أول استطلاع للمهارات لدى المنشآت في البلاد عام 2025 بدعم تقني من منظمة العمل الدولية. ويهدف الاستطلاع إلى تحديد الفجوات، واستشراف متطلبات المهارات المستقبلية، وتوجيه سياسات سوق العمل من خلال مواءمة نظم التعليم والتدريب مع المتطلبات الحالية والمستقبلية. وتعتزم الوزارة تنفيذ الاستطلاع بانتظام بدعم من المنظمة، ودمجه في نظام معلومات سوق العمل لتعزيز تخطيط القوى العاملة ووضع السياسات.

وفي المملكة العربية السعودية، اتفقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بدعم من البنك الدولي وبالتعاون مع أصحاب مصلحة ومؤسسات وطنية أخرى، على إجراء استطلاع للطلب على المهارات، يكمل مسوح القوى العاملة، ويهدف إلى رصد طلب القطاع الخاص على كفاءات محددة وتوجيه إصلاح التعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي.

أما الدراسات القطاعية للمهارات فهي تحليلات معمقة تركز على قطاعات اقتصادية بعينها لتحديد نقص المهارات وفجوات التدريب واحتياجات القوى العاملة المستقبلية. ففي لبنان، أُجريت دراسات قطاعية عدة للمهارات في قطاعات الرعاية الصحية والطباعة والتغليف والبنية التحتية العامة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية والشركاء الوطنيين، وأسهمت في تحديد احتياجات المهارات وفجواتها وقدمت توصيات لمواءمة أفضل بين الطلب على المهارات والمعروض منها.

وفي المملكة العربية السعودية، شاركت منظمة العمل الدولية كذلك في عدد من الدراسات القطاعية، إلى جانب الهيئات الوطنية المعنية كمجالس المهارات القطاعية، لتحديد عدم التوافق في المهارات والاحتياجات منها، واستشراف متطلبات المهارات المستقبلية، وتوجيه برامج التدريب الخاصة بكل قطاع.

وفي الأردن، أجرت المنظمة تقييمات لسوق العمل والمهارات تركز على قطاعات بعينها لتوجيه إصلاحات السياسات في مجالي التدريب والتعليم. وقد نُفذت دراسات عدة، منها ما يتناول قطاعي الصناعات الدوائية والصناعات الغذائية، اللذين حُددا بوصفهما قطاعين حاسمين لتعزيز التنافسية الاقتصادية والتشغيل.

الخاتمة وتوصيات السياسات

واجهت الدول العربية على مدى عقود تحديات مزمنة في أسواق العمل والتشغيل، منها ارتفاع البطالة واتساع العمل غير المنظم وضعف خلق الوظائف. واليوم، تعيد الاتجاهات الكبرى، ولا سيما الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تشكيل الاقتصادات وأسواق العمل في أنحاء العالم، حاملة فرصاً ومخاطر تكتسي أهمية بالغة بالنسبة إلى المنطقة على وجه الخصوص.

واللافت أن الدول العربية تدخل هذه الحقبة الرقمية بمستويات متفاوتة من الجاهزية. فبينما خطت بعض الدول خطوات مبهرة بفضل بنية تحتية رقمية متينة واستراتيجيات طموحة للذكاء الاصطناعي وموارد مخصصة، تتخلف دول أخرى بفعل محدودية القدرات المالية وهشاشة المؤسسات والنزاعات وقصور المنظومات الرقمية. ويزيد من حدة هذه التفاوتات الهيكلية أن نظم التعليم والتدريب كثيراً ما تعجز عن مواكبة التغير التكنولوجي المتسارع.

ورغم هذه الأوضاع الصعبة، تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن الأثر الإجمالي للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي على التشغيل في المنطقة يُرجح أن يكون إيجابياً متى ما جرى التعامل معه على نحو استراتيجي. فالأتمتة ستزيح حتماً بعض المهام والمهن، لكن أدواراً جديدة ستنشأ، وستعزز التكنولوجيا كثيراً من الوظائف القائمة. والأهم من ذلك أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي سيؤثران في جودة الوظائف لا في عددها فحسب. فهذه التقنيات قادرة على تحسين ظروف العمل ورفع الإنتاجية وتوسيع النفاذ إلى العمل اللائق، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاوف بشأن انعدام الأمان الوظيفي والتحيز الخوارزمي وتعمق عدم المساواة إذا تُركت دون تنظيم أو توزعت منافعها على نحو غير متكافئ.

ومع المزيج الملائم من السياسات، يمكن للتحول الرقمي أن يحقق آثاراً إيجابية كبيرة على كم التشغيل وجودته معاً. ويتطلب ذلك سياسات استباقية واستثمارات موجهة تسرّع الاعتماد الرقمي وتبني النضج المؤسسي والتكنولوجي اللازم لتسخير إمكانات المنطقة في التنمية الرقمية تسخيراً كاملاً. كما لا غنى عن استراتيجيات استشرافية تزود القوى العاملة بالمهارات اللازمة للنجاح في الاقتصاد الرقمي، وتخفف في الوقت ذاته من مخاطر إزاحة الوظائف واتساع عدم المساواة، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات المستضعفة كالنساء والعاملين الأكبر سناً وغير المهرة. ويُعد إطار شامل للسياسات يرتكز على العدالة الاجتماعية، ويقوم على حقوق العمل والحوار الاجتماعي، ويشمل تنمية المهارات والحماية الاجتماعية والدعم الموجه، أمراً حاسماً لضمان توزيع منافع التحول الرقمي بإنصاف، وجعل أسواق العمل أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.

ومن الأهمية بمكان التأكيد أن وجود مجموعة مشتركة من المبادئ التوجيهية يمكن أن يساعد الدول العربية على تبني استراتيجيات رقمية موجهة نحو التنمية، غير أن المقاربات الوطنية المصممة وفق المشهد الرقمي لكل بلد وقدرته الاقتصادية وظروف سوق العمل فيه لا تقل أهمية. فالنموذج الواحد الصالح للجميع لن يكون كافياً. وعلى جميع الدول أن تتحرك، وإن انطلقت من نقاط بداية مختلفة. فالدول من خارج مجلس التعاون ستحتاج إلى بذل جهود كبيرة لسد الفجوة الرقمية، في حين لم تحقق دول المجلس بعد، رغم مزاياها النسبية، الإمكانات الكاملة لطموحاتها الرقمية، ومن ثم يتعين عليها هي الأخرى مواصلة تطوير استراتيجياتها لتعزيز نتائج التشغيل والإسهام في الأهداف الاجتماعية والاقتصادية الأوسع.

وتستند التوصيات التالية إلى النتائج التي عرضها هذا التقرير، وتقدم توجيهات سياساتية لدعم انتقال رقمي شامل يعزز التشغيل المنصف والتنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة، بما يضمن ألا يتخلف أحد عن الركب.

الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتضييق الفجوة الرقمية بين البلدان وداخلها

يتطلب التحول الرقمي الشامل والفعال نفاذاً شاملاً ومنصفاً إلى البنية التحتية الرقمية. وكما بينت المؤشرات المختلفة التي عرضها هذا التقرير، توجد تفاوتات كبيرة بين الدول العربية وداخلها من حيث الاتصال وانتشار الإنترنت والنفاذ إلى الأدوات الرقمية وموثوقية الخدمات الرقمية. وتحد هذه الفجوات من قدرة البلدان المنخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات على الانخراط الكامل في التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والاستفادة منها.

ويلزم ضخ استثمارات موجهة لتقوية شبكات النطاق العريض، وتوسيع النفاذ إلى الكهرباء وإلى إنترنت عالي السرعة وميسور التكلفة، وتحسين تقديم الخدمات الرقمية في المناطق المحرومة، بما فيها المناطق الريفية والمهمشة. ولا تقل أهمية عن ذلك الاستثمارات في مراكز البيانات ومصادر الطاقة المتجددة لمعالجة عوائق رئيسية كارتفاع التكاليف وعدم موثوقية إمدادات الطاقة ومحدودية الموارد. ولن يقتصر سد هذه الفجوات على رفع الإنتاجية وتيسير النفاذ إلى الخدمات، بل سيفتح كذلك آفاقاً جديدة للتشغيل وريادة الأعمال.

ولتحقيق تحول رقمي شامل ومستدام، سيتعين على الحكومات إيلاء الأولوية للإنفاق العام على البنية التحتية الرقمية بوصفه مكوناً جوهرياً في استراتيجيات التنمية الوطنية. فالاستثمار العام قادر على سد الفجوة الرقمية، ولا سيما في المناطق الريفية والمنخفضة الدخل المحرومة من الخدمات، حيث كثيراً ما تكون حوافز السوق غير كافية. وينبغي التعامل مع الاتصال الرقمي الموثوق والميسور التكلفة بوصفه منفعة عامة، شأنه شأن البنية التحتية للتعليم والرعاية الصحية والنقل.

غير أن محدودية التمويل العام، ولا سيما في الدول من خارج مجلس التعاون، تؤكد الحاجة إلى استكشاف مصادر تمويل بديلة ومتنوعة وحشدها، ومن ذلك توظيف التمويل الإنمائي الدولي عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف والجهات المانحة والتعاون فيما بين بلدان الجنوب، إذ يمكن لهذه الموارد أن تدعم مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق، ولا سيما حين تتسق مع أهداف أوسع للتشغيل وتنمية المهارات. ومن ذلك أيضاً تعزيز التعاون الإقليمي، وخاصة في البلدان الأصغر أو محدودة الموارد، من خلال الاستثمار في بنية تحتية مشتركة كمراكز البيانات الإقليمية وشبكات النطاق العريض العابرة للحدود، وفي منصات رقمية قابلة للتشغيل البيني، بما يخفض التكاليف ويوسع نطاق الوصول. ويضاف إلى ذلك اعتماد آليات تمويل مبتكرة كالتمويل المختلط الذي يجمع بين رأس المال العام والخاص، على أن يُربط بتحقيق نتائج في مجالي النفاذ الشامل وخلق الوظائف اللائقة، إذ يمكن لهذه المقاربات أن تقلل مخاطر الاستثمار في المناطق الأقل جدوى تجارياً مع ضمان أثر قابل للقياس.

بناء قوى عاملة متمكنة رقمياً وتعزيز التعلم مدى الحياة

لا يقتصر سد الفجوة الرقمية على البنية التحتية، بل يتوقف على الثقافة الرقمية وعلى ضمان امتلاك الجميع للمهارات الرقمية الأساسية. ولضمان جاهزية القوى العاملة لمتطلبات الاقتصاد الرقمي، يتعين على البلدان تبني استراتيجيات لتنمية المهارات تكون شاملة وجامعة واستشرافية. وينبغي لهذه الاستراتيجيات أن تغطي دورة التعلم بأكملها، من التعليم المبكر وصولاً إلى التعلم مدى الحياة، وأن تهدف إلى بناء قوى عاملة تمتلك قدرات رقمية أساسية ومتقدمة معاً، أي تنمية المهارات الرقمية لدى المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخبراء الرقميين ولدى القوى العاملة الأوسع على حد سواء، وأن تُنسق بين نظم التعليم وأصحاب العمل والمؤسسات العامة، وأن تتسق مع خطط التشغيل والتنمية الوطنية الأخرى.

ويجب أن يبدأ الأساس بإدماج المهارات الرقمية في مرحلة مبكرة. فينبغي تضمين الثقافة الرقمية والتفكير الحاسوبي في نظم التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي. كما يتعين تحديث المناهج لتشمل مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والبرمجة، والسلامة الرقمية، والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا. ويجب أن يدعم هذه التغييرات معلمون مدربون تدريباً جيداً، مزودون بالأدوات الرقمية اللازمة، وتتاح لهم فرص التطوير المهني المستمر.

ولا يقل عن ذلك أهمية إصلاح التعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي. إذ يتعين تكييف نظم التعليم والتدريب التقني والمهني لتقدم مهارات رقمية أساسية ومتقدمة، ولا سيما تلك المتسقة مع المهن الناشئة. وينبغي إدماج المحتوى الرقمي إدماجاً كاملاً في برامج التدريب المهني، مدعوماً باعتماد أدوات التعلم المعززة بالتكنولوجيا كأجهزة المحاكاة والمختبرات الافتراضية. كما يُعد توثيق التعاون بين الجامعات والصناعة أمراً أساسياً لضمان استجابة المناهج لاحتياجات سوق العمل. فضلاً عن ذلك، يمكن لتطوير برامج مرنة وهجينة تجمع بين التخصصات الرقمية وغير الرقمية أن يعد الخريجين على نحو أفضل لطيف واسع من المسارات المهنية المستقبلية.

ويجب كذلك دعم القوى العاملة المهيأة رقمياً من خلال تعلم مدى الحياة شامل وميسر. فينبغي للاستراتيجيات الوطنية أن تجعل التعلم مدى الحياة أولوية، مدعومة بحوافز عامة تشجع رفع المهارات وإعادة التأهيل بصورة مستمرة. ويشمل ذلك توسيع النفاذ إلى فرص التعلم غير النظامي وغير الرسمي، كالمساقات الإلكترونية المفتوحة واسعة النطاق والتدريب المجتمعي والموارد الرقمية مفتوحة المصدر. ويكتسي الاعتراف بالتعلم السابق، بما في ذلك الكفاءات الرقمية المكتسبة عبر المنصات الإلكترونية، أهمية حاسمة، ولا سيما بالنسبة إلى الأفراد من خارج نظام التعليم النظامي. وفي الوقت ذاته، تُعد معالجة التفاوتات في النفاذ إلى فرص التعلم الرقمي، وخاصة بين سكان الأرياف والنساء وغيرهم من الفئات المهمشة، أمراً جوهرياً لتعزيز الإنصاف.

وتؤدي المنشآت بدورها دوراً محورياً في بناء المهارات الرقمية. فينبغي تشجيع أصحاب العمل على الاستثمار في التدريب أثناء العمل وبرامج الإرشاد المهني وبرامج الإرشاد العكسي، التي يساعد فيها الموظفون الأصغر سناً زملاءهم الأقدم على تعلم التقنيات الجديدة. وفي سوق عمل سريعة التطور، ينبغي إيلاء الأولوية لإعادة تأهيل العاملين الحاليين بدلاً من تسريحهم، ولا سيما في القطاعات التي تشهد اضطراباً تكنولوجياً. ومن شأن مواءمة التدريب الذي يقدمه أصحاب العمل مع الأطر الوطنية للمؤهلات أن ترفع قيمة المهارات المكتسبة في مكان العمل وتعزز قابليتها للنقل.

ويُعد هذا النهج متعدد المستويات لتنمية المهارات الرقمية حاسماً لضمان أن يكون جميع العاملين، بصرف النظر عن أعمارهم أو جنسهم أو خلفياتهم الأسرية أو جنسياتهم أو إعاقتهم، وفي جميع القطاعات، لا ملمين بالثقافة الرقمية فحسب، بل قادرين أيضاً على الصمود والتكيف والازدهار في اقتصاد يتصدره العالم الرقمي.

الاستثمار في خدمات تشغيل عالية الجودة ونظم حماية اجتماعية فعالة

رغم أن إعادة التأهيل ورفع المهارات مكونان أساسيان في الانتقال العادل للعاملين المزاحين أو المتأثرين بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، فإن توفير نظم دعم شاملة تساعد هؤلاء العاملين على اجتياز مراحل الانتقال بفعالية وكرامة لا يقل أهمية. وينبغي لهذه النظم أن تخفف الآثار قصيرة الأمد لفقدان الوظائف، وأن تمكّن الأفراد في الوقت ذاته من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مستقبلهم في سوق العمل.

وتؤدي خدمات التشغيل عالية الجودة والإرشاد المهني الفعال دوراً محورياً في مساعدة العاملين على فهم فرص سوق العمل الجديدة وتحديد فرص إعادة التدريب أو التوظيف. ويجب توسيع خدمات التشغيل الفعالة وجعلها أكثر استجابة لأسواق العمل الرقمية الناشئة. ويشمل ذلك تقديم المشورة المصممة حسب الاحتياجات، وأدوات المواءمة بين الباحثين عن عمل والوظائف، ودعم الأجور، وخطط التشغيل الفردية، ولا سيما للعاملين ذوي المهارات المتدنية والعاملين في الاقتصاد غير المنظم والفئات المستضعفة. ومن خلال التعاون مع أصحاب العمل واستخدام بيانات سوق العمل، يمكن لخدمات التشغيل أن تيسر انتقالاً أكثر سلاسة إلى وظائف جديدة وأن تقلل خطر البطالة طويلة الأمد.

وفي الوقت ذاته، يساعد دعم الدخل، كإعانات البطالة أو التحويلات النقدية الموجهة، العاملين على الحفاظ على أمنهم الاقتصادي أثناء التدريب أو البحث عن عمل. وينبغي أن يكون هذا الدعم ميسراً وشاملاً وكافياً، ولا سيما في فترات اضطراب سوق العمل الناجم عن الأتمتة أو غيرها من التحولات الرقمية. وفي السياقات التي تكون فيها تغطية الحماية الاجتماعية محدودة، يمكن استحداث تدابير مؤقتة، كدعم الدخل الطارئ أو منح التدريب الممولة من القطاع العام، بوصفها جسراً إلى حين تطوير نظم شاملة.

ونظراً لمواطن الضعف الواسعة في نظم الحماية الاجتماعية في أنحاء المنطقة، من الضروري ألا يقتصر الأمر على تكييف هذه النظم مع عالم العمل المتطور، بل أن تُعزز أسسها أيضاً. إذ يجب أن تقدم دعماً شاملاً على امتداد دورة الحياة لجميع العاملين، بما في ذلك خلال فترات البطالة، وأن تُوسع لضمان التغطية الشاملة. ويشمل ذلك مد الحماية إلى الجميع بصرف النظر عن نوع العقد أو وضع التشغيل، مع إيلاء اهتمام خاص للعاملين في الاقتصاد المرن وغيرهم ممن يعملون في أشكال التشغيل غير النمطية الناشئة عن الرقمنة.

وتشكل هذه التدابير، أي خدمات التشغيل ودعم الدخل وغيرها من تدابير الحماية الاجتماعية، إلى جانب التعلم مدى الحياة وإعادة التأهيل ورفع المهارات، الأساس الاجتماعي والاقتصادي الذي يتيح للعاملين المزاحين اجتياز الاضطراب دون الوقوع في الفقر أو البطالة طويلة الأمد. وينبغي إيلاء اهتمام خاص ودعم موجه للفئات المستضعفة من العاملين، ومنهم العاملون الأكبر سناً والنساء والأشخاص ذوو الإعاقة والمهاجرون واللاجئون.

الاستثمار في نظم معلومات سوق العمل وتوظيف الرؤى المستندة إلى البيانات في التخطيط الاستراتيجي

يُعد الجمع الشامل للبيانات وتحليلها في الوقت المناسب أمراً حيوياً لاتخاذ قرارات سياساتية مستنيرة. فبيانات سوق العمل الدقيقة والمتاحة تمثل حجر الزاوية في الحد من عدم التوافق الحالي والمستقبلي في المهارات، وفي صياغة سياسات اقتصادية وسياسات فعالة لسوق العمل والتشغيل. غير أن كثيراً من بلدان المنطقة تفتقر إلى نظام متين لمعلومات سوق العمل أو إلى أطر إحصائية وطنية تعمل بكامل طاقتها، مما يعيق قدرتها على الاستجابة الفعالة لاحتياجات سوق العمل سريعة التغير.

ولذلك ينبغي أن يكون الاستثمار في تطوير نظام معلومات سوق العمل وتحديثه أولوية قصوى. فالنظام المتين يمكّن الحكومات من الرصد المستمر لديناميات سوق العمل، وتحديد الطلب الناشئ على المهارات، ومواءمة نظم التعليم والتدريب تبعاً لذلك. وفي الأثناء، يمكن للبلدان توظيف استطلاعات الوظائف الشاغرة أو أدوات التنقيب في البيانات لتقييم متطلبات السوق الحالية ومعالجة عدم التوافق في المهارات. ولاستشراف احتياجات سوق العمل المستقبلية، يمكن للدراسات القطاعية والأساليب النوعية ونماذج التنبؤ الكمي أن تدعم استشراف الاتجاهات المستقبلية وتساعد على الحد من خطر اتساع فجوات المهارات في اقتصاد تتزايد رقمنته.

وتتيح الأدوات المتقدمة، كالتحليلات التنبؤية، وسيلة قوية للتنبؤ باتجاهات سوق العمل المستقبلية من خلال محاكاة سيناريوهات مختلفة تستند إلى التحولات الاقتصادية والابتكارات التكنولوجية والتغيرات الديمغرافية. ويمكّن ذلك الحكومات من توجيه استراتيجيات تنمية القوى العاملة استباقياً، وتصميم برامج تدريب تتسق مع المتطلبات المتطورة للاقتصاد الرقمي.

وبالنسبة إلى البلدان التي تمتلك نظاماً راسخاً لمعلومات سوق العمل، يمكن لهذه النظم أن تدمج تقنيات متقدمة كتحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بما يمكّن الحكومات من تحليل مجموعات بيانات ضخمة والحصول على رؤى أعمق بشأن اتجاهات التشغيل والخصائص الديمغرافية للقوى العاملة ومتطلبات الصناعات. ومن خلال توظيف هذه الأدوات، تستطيع الحكومات التنبؤ بتحولات سوق العمل، وتحديد فجوات المهارات الحرجة، وتصميم برامج تعليم وتدريب موجهة تعد القوى العاملة على نحو أفضل للاحتياجات المستقبلية. ويتيح ذلك تصميم سياسات تصحيحية ووقائية معاً تعالج تحديات سوق العمل الحالية والمستقبلية، بما يضمن أن يكون التحول الرقمي شاملاً ومستداماً ومفيداً لجميع شرائح المجتمع.

دعم التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال الرقمية

تحتل المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة موقعاً محورياً في خلق الوظائف والتنويع الاقتصادي والنمو الشامل. غير أنها كثيراً ما تواجه تحديات منهجية في اعتماد التقنيات الرقمية والاستفادة منها، ولا سيما في المنطقة العربية. ويُعد سد هذه الفجوة الرقمية أمراً أساسياً لا لرفع الإنتاجية والتنافسية فحسب، بل لضمان أن يكون الابتكار والنمو شاملين ومستدامين أيضاً.

غير أن التحول الرقمي ليس استثماراً يُنجز مرة واحدة، بل عملية ديناميكية ومستمرة تتطلب تخطيطاً استراتيجياً وتعلماً تراكمياً ودعماً متواصلاً. فالوتيرة السريعة للتغير التكنولوجي تعني أن على هذه المنشآت أن تطور قدرتها على التكيف المستمر، وأن تبني نضجها الرقمي تدريجياً بمرور الوقت. وبالنسبة إلى معظم هذه المنشآت، ولا سيما تلك التي لا تزال في المراحل الأولى أو السلبية من الرقمنة، تتمثل العوائق الرئيسية في محدودية الموارد المالية وتدني الجاهزية الرقمية وقصور القدرة على إدارة التغيير. ويمكن لهذه التحديات أن تعطل جهود التحول بل أن تحرفها عن مسارها ما لم تُواجه بدعم موجه ومتواصل من جهات خارجية، منها الحكومات وجمعيات الأعمال ومزودو التكنولوجيا.

ويوصى باتباع استراتيجية مرحلية تراعي الموارد المتاحة. فينبغي لهذه المنشآت أن تقيّم مستوى نضجها الرقمي الحالي، وأن تحدد أولويات واقعية، وأن تواءم استثماراتها الرقمية مع احتياجاتها وقدراتها. ومع تقدمها، يمكنها تجربة أدوات رقمية بسيطة ثم التوسع تدريجياً نحو تقنيات أكثر تقدماً، بما فيها الذكاء الاصطناعي. ويكتسي دور أصحاب المنشآت ومديريها أهمية بالغة في ترسيخ ثقافة الابتكار ورفع المهارات التي تتيح الدمج الناجح للحلول الرقمية وتدعم التنافسية على المدى الطويل.

ويُعد برنامج التدريب "رقمن عملك" التابع لمنظمة العمل الدولية مثالاً مهماً على أداة مصممة حسب الاحتياجات وقابلة للتوسع، تساعد أصحاب الأعمال الصغيرة على تقييم ممارساتهم الرقمية الحالية ووضع خطة واضحة لاعتماد أدوات رقمية تلائم عملياتهم. وللحكومات أيضاً دور رئيسي. فرغم أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والاتصال الميسور التكلفة يظل أساسياً، يجب أن تكمله سياسات تعزز الشمول المالي بوصفه ركيزة جوهرية للتحول الرقمي. ويُعد توسيع النفاذ إلى الائتمان والتمويل الأصغر المصممين وفق ملامح المخاطر الخاصة بهذه المنشآت أمراً أساسياً. ويمكن لآليات التمويل المختلط وضمانات القروض أن تقلل مخاطر الإقراض، في حين ينبغي تشجيع رأس المال الجريء وتمويل الملكية للشركات الناشئة والمنشآت القائمة على الابتكار. كما يمكن للإعانات العامة وقسائم الاعتماد الرقمي والحوافز الضريبية التفضيلية أن تساعد هذه المنشآت، ولا سيما المنشآت متناهية الصغر وغير المنظمة، والمنشآت التي تقودها النساء أو الشباب، وتلك العاملة في القطاعات والمناطق الريفية المحرومة من الخدمات.

وبالتوازي مع ذلك، يتعين على الحكومات رعاية منظومات الابتكار التي تشجع ريادة الأعمال، ولا سيما في القطاعات التكنولوجية الناشئة. ويمكن لآليات الدعم، كبرامج الاحتضان والنفاذ إلى التمويل والشراكات بين القطاعين العام والخاص، أن تسهم في بناء رافد مستمر من الشركات الرقمية الناشئة وتوسيع نطاق الابتكار عبر منظومة هذه المنشآت الأوسع في المنطقة.

ويبقى سد فجوة المهارات الرقمية أمراً بالغ الأهمية. فينبغي للحكومات وشركاء التنمية الاستثمار في برامج تدريب نمطية قابلة للتوسع تبني الثقافة الرقمية الأساسية والكفاءات الخاصة بكل قطاع على حد سواء. وفي الوقت ذاته، يضطلع أصحاب العمل بدور حاسم في رفع مهارات قواهم العاملة وإعادة تأهيلها لمواكبة التغير التكنولوجي. فتمكين المنشآت والعاملين فيها بالمهارات الملائمة لا يعزز صمود الأعمال وإنتاجيتها فحسب، بل يشجع أيضاً المشاركة الشاملة في الاقتصاد الرقمي.

تهيئة بيئة سياساتية مواتية لحوكمة التحول الرقمي بفعالية وضمان خلق العمل اللائق للجميع

مع إعادة تشكيل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي للاقتصادات وأسواق العمل ونماذج الأعمال، من الضروري أن تتبنى البلدان مقاربات سياساتية متكاملة ومتسقة. وتؤكد منظمة العمل الدولية أهمية مواءمة سياسات التشغيل الوطنية مع أجندات التحول الرقمي، مع ضمان أن تعزز الاستراتيجيات الرقمية واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي صراحة التشغيل الشامل والعمل اللائق.

فبدلاً من التعامل مع الرقمنة بوصفها استراتيجية تكنولوجية أو اقتصادية قائمة بذاتها، ينبغي إدماجها في سياسات التشغيل. ويعني ذلك أن تستشرف استراتيجيات التشغيل الوطنية آثار التغير الرقمي وتوجهها استباقياً. ومن خلال إدماج الرقمنة في تخطيط التشغيل، تستطيع البلدان إعداد قواها العاملة ومنشآتها على نحو أفضل لمتطلبات سوق العمل المتطورة، مع تعزيز انتقالات عادلة وشاملة.

وفي الوقت ذاته، يجب ألا تكون استراتيجيات التحول الرقمي مدفوعة بالنمو أو الابتكار وحدهما، بل ينبغي أن تتضمن أهدافاً واضحة للتشغيل والإدماج الاجتماعي. ويشمل ذلك تعزيز العمل اللائق في القطاعات الرقمية، وتحسين نفاذ الفئات المهمشة كالنساء والشباب والعاملين في الاقتصاد غير المنظم إلى الأدوات والفرص الرقمية، ومعالجة الأشكال الجديدة من الهشاشة وعدم المساواة التي قد تنشأ في أسواق العمل الرقمية.

ولتحقيق ذلك، يُعد اتساق السياسات والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والقطاعات أمرين أساسيين. إذ يجب إشراك مؤسسات التشغيل والعمل في تصميم استراتيجيات الاقتصاد الرقمي وتنفيذها، بينما يتعين على الجهات المعنية بالشأن الرقمي والابتكار أن تراعي انعكاسات أجنداتها على التشغيل والمهارات والإنصاف. ويضمن نهج الحكومة بأكملها أن تعزز السياسات بعضها بعضاً، بحيث تصبح سياسات التشغيل واعية بالبعد الرقمي، وتصبح الاستراتيجيات الرقمية مراعية لاعتبارات التشغيل. كما ينبغي للشركاء الاجتماعيين أن يسهموا إسهاماً كبيراً في تخطيط سياسات الانتقال الرقمي وأن يشاركوا بفاعلية في وضعها وتنفيذها. وينبغي أن تكون هذه السياسات والاستراتيجيات شاملة وقائمة على الأدلة، تراعي سياقات التشغيل وسوق العمل في البلدان وجاهزيتها الرقمية وأولوياتها الاقتصادية، وأن تدفع خلق وظائف لائقة في القطاعات الرقمية الناشئة وتضمن ألا يتخلف أحد عن الركب.

والأهم من ذلك أن السياسات الفعالة ينبغي أن تقترن بآليات رسمية لمراجعة السياسات، ولا سيما التقييمات اللاحقة التي تقيس فعاليتها بعد التنفيذ. فمن دون هذه المراجعات، تخاطر البلدان بتفويت فرص التعلم من التجربة وإجراء التعديلات في الوقت المناسب. وستساعد التقييمات المنتظمة للسياسات على ضمان بقاء هذه الاستراتيجيات ملائمة ومرنة ومستجيبة للتحديات الجديدة. ونظراً للطبيعة سريعة التطور للذكاء الاصطناعي، يجب كذلك تضمين آليات للمراجعة والتكييف المستمرين لهذه السياسات لمواكبة التقدم التكنولوجي.

تعزيز الأطر القانونية والتنظيمية من أجل انتقال رقمي عادل وشامل

في سياق الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يتعين على الدول العربية تبني أطر تنظيمية شاملة واستشرافية تدعم الابتكار وتصون الحقوق في آن واحد، وتعزز العمل اللائق، وتضمن النمو الشامل. فالتنظيم لا يعني إبطاء الابتكار، بل توجيهه نحو نتائج عادلة ومنصفة اجتماعياً.

ولهذه الغاية، يجب أن تتطور لوائح العمل والتشغيل لمعالجة المخاطر الناشئة في العصر الرقمي. وكنقطة انطلاق، ينبغي المضي في إصلاحات شاملة لقوانين العمل تعكس الطبيعة المتغيرة للعمل والتحديات الجديدة التي أفرزتها الرقمنة. وبالتوازي مع ذلك، تلزم لوائح أكثر تحديداً لمعالجة أوجه قصور بعينها في العمل اللائق.

فأولاً، يجب تكييف أطر السلامة والصحة المهنيتين لحماية العاملين في بيئات العمل التي تتيحها الرقمنة. ويشمل ذلك تنظيم ظروف العمل عن بُعد، واستحداث "الحق في الانفصال" عن العمل، ومعالجة المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالرقابة الخوارزمية والاتصال المفرط وتداخل الحدود بين العمل والحياة. والجدير بالذكر أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي والروبوتات على تحسين السلامة من خلال أتمتة المهام الخطرة، فإن استخدامها يجب أن يقترن بضمانات قوية وإشراف بشري وتدريب يكفل الدمج الآمن.

وثانياً، تلزم حماية قانونية عاجلة لتنظيم الإدارة الخوارزمية وصنع القرار القائم على الذكاء الاصطناعي في مكان العمل. ويشمل ذلك ضمان الشفافية والمساءلة وحق الطعن للعاملين الخاضعين لتوزيع المهام ورصد الأداء وقرارات الأجور بصورة خوارزمية. وتدعو منظمة العمل الدولية إلى نهج في حوكمة الذكاء الاصطناعي محوره الإنسان، تُحترم فيه حقوق العاملين، وتُخفف فيه التحيزات، ويؤدي فيه الحوار الاجتماعي دوراً محورياً في تحديد كيفية استخدام التقنيات في العمل.

وثالثاً، تُعد اللوائح المتينة لحوكمة البيانات وحماية الخصوصية والأمن السيبراني ضرورية لتعزيز الثقة في النظم الرقمية. فمع انتقال مزيد من الأنشطة الاقتصادية وأنشطة التشغيل إلى الفضاء الإلكتروني، يتعين على الحكومات تطبيق قوانين شاملة لحماية البيانات، والاستثمار في البنية التحتية للأمن السيبراني، وضمان تمتع العاملين والأعمال بالثقافة الرقمية اللازمة لتجنب مخاطر مثل الاحتيال والتصيد الإلكتروني وانتحال الهوية. ويترك غياب هذه الضمانات، ولا سيما في الدول من خارج مجلس التعاون، الاقتصادات عرضة لاختراقات البيانات ويقوض الثقة في الأسواق الرقمية.

ورابعاً، يجب أن تُصمم الأطر التنظيمية أيضاً بما يدعم الابتكار. ويشمل ذلك سن سياسات للمنافسة تمنع تركز السوق والممارسات الاحتكارية في الاقتصاد الرقمي، بما يفسح المجال لازدهار المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة. ويمكن للبيئات التجريبية التنظيمية وحوافز البحث والتطوير والهياكل القانونية المرنة أن تسرّع النمو المسؤول لقطاعات ناشئة كالتكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية.

وأخيراً، يجب أن تمتد اللوائح لتشمل العاملين عبر المنصات وغيرهم من العاملين في أشكال التشغيل غير النمطية. إذ يجب توسيع نظم الحماية الاجتماعية المرنة والشاملة، بما فيها التغطية الصحية والمعاشات التقاعدية والإجازات المدفوعة الأجر، لتشمل العاملين الذين كثيراً ما يقعون خارج نطاق حماية العمل التقليدية. ويُعد الاعتراف القانوني بوضعهم وحقوقهم خطوة أساسية نحو ضمان امتثال العمل الرقمي لمعايير العمل الدولية.

تعزيز الحوار الاجتماعي من أجل تحول رقمي شامل ومنصف

يتطلب التحول الرقمي الشامل ما هو أكثر من الاستثمار التكنولوجي، إذ يستدعي انخراطاً فعلياً ومشاركة كاملة من الشركاء الاجتماعيين على جميع المستويات. فعلى المستوى الوطني، يُعد الحوار الاجتماعي الثلاثي محورياً لتحقيق انتقال رقمي عادل، إذ يمكّن الحكومات، بالتعاون مع منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال، من تشكيل التحول الرقمي على نحو يوازن بين الابتكار والإنتاجية والعدالة الاجتماعية. فسرعة التحول الرقمي ونطاقه قادران على إرباك أسواق العمل والتأثير في جودة الوظائف وظروف العمل وعلاقات التشغيل والمهارات المطلوبة. ويتيح الحوار الاجتماعي للحكومات وأصحاب العمل والعاملين استشراف هذه التغيرات معاً، وتحديد المخاطر والفرص، وتصميم استجابات سياساتية استباقية، بدلاً من رد الفعل بعد وقوع الضرر.

ويضمن إشراك الأطراف الثلاثة جميعها ألا تكون سياسات التحول الرقمي سليمة تقنياً فحسب، بل مشروعة اجتماعياً أيضاً، بحيث لا يتخلف أحد عن الركب. فمنظمات العمال وأصحاب العمل تقدم رؤى مستمدة من الواقع، تسهم في صياغة سياسات قابلة للتطبيق وعادلة في آن واحد. وتعزز هذه الملكية المشتركة القبول بالإصلاحات والامتثال لها واستدامتها على المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، يمكن للحوار الاجتماعي الشامل أن يخفف مخاطر الإزاحة التكنولوجية من خلال ضمان إدارة الانتقالات بإنصاف، وإدخال التقنيات الرقمية بطرق تدعم العاملين وتمكنهم في أدوارهم بدلاً من تهميشهم أو الاستعاضة عنهم.

وإلى جانب صنع السياسات على المستوى الوطني والحوار الاجتماعي الثلاثي، يكتسي الحوار المنظم على المستويين القطاعي ومستوى المنشأة أهمية حاسمة. إذ يجب استشارة العاملين وإشراكهم في تخطيط مبادرات الرقمنة في مكان العمل وتنفيذها. فأصواتهم ضرورية في تحديد كيفية إدخال التقنيات الجديدة، وكيفية إعادة تنظيم الوظائف، ونوع الدعم اللازم لضمان انتقال منصف وعادل. وبوصفهم الأقرب إلى الواقع اليومي لوظائفهم، يتمتع العاملون بموقع يؤهلهم للإسهام في النشر الفعال والمسؤول للتقنيات الجديدة في مكان العمل، بما يساعد على تحسين ظروف العمل والإنتاجية معاً. ويعزز تشجيع التعاون والحوار في مكان العمل الثقة، وييسر الابتكار، ويزيد احتمالات نجاح اعتماد التكنولوجيا. وتُعد آليات تبادل المعلومات والتشاور والمفاوضة الجماعية بشأن قضايا مثل استخدام البيانات والإدارة الخوارزمية وإعادة التأهيل والسلامة والصحة المهنيتين أساسية لحماية حقوق العاملين وتعزيز المنافع المشتركة.

تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالي الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

تستمر تفاوتات كبيرة في البنية التحتية الرقمية والجاهزية للذكاء الاصطناعي وقدرات القوى العاملة بين الدول العربية، ولا سيما بين البلدان المرتفعة الدخل والأدنى دخلاً، وبين دول مجلس التعاون والدول من خارجه. ولضمان أن تستفيد جميع البلدان بإنصاف من الفرص التي يتيحها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يجب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي تعزيزاً كبيراً.

فداخل المنطقة، ينبغي للدول العربية تكثيف التنسيق عبر الآليات الإقليمية القائمة، كمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، لتيسير تبادل تجارب السياسات والأطر التنظيمية والممارسات الجيدة في الحوكمة الرقمية واعتماد الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات وتعزيز العمل اللائق. ومن شأن إنشاء منصات إقليمية للحوار وتبادل المعرفة أن يمكّن البلدان من التعلم من نجاحات بعضها بعضاً، وتجنب تشتت الجهود أو تكرارها.

إضافة إلى ذلك، ينبغي حشد دعم مالي وتقني أقوى، ولا سيما من الدول العربية المرتفعة الدخل ومؤسسات التنمية الإقليمية، لمساعدة الاقتصادات الأقل تقدماً رقمياً على بناء منظومات رقمية شاملة، والاستثمار في رفع مهارات القوى العاملة، ووضع حوكمة قانونية وأخلاقية فعالة للذكاء الاصطناعي. كما ينبغي إيلاء الأولوية لنقل التكنولوجيا والشراكات الإقليمية في مجالي البحث والابتكار، لتمكين جميع البلدان من المشاركة في الاقتصاد الرقمي والإسهام فيه.

وبوجه عام، سيساعد نهج منسق إقليمياً للتحول الرقمي المنطقة العربية على إدارة مخاطر التغير التكنولوجي وتسخير منافعه على نحو جماعي، بما يدعم النمو الشامل وصمود أسواق العمل والتماسك الاجتماعي. وكما تبين التجارب العالمية، يجب أن يتضمن هذا التعاون أيضاً رصداً مستمراً ومرونة في تعديل الاستجابات السياساتية مع تطور ديناميات التكنولوجيا وسوق العمل.

أما على المستوى الدولي، فالتعاون لا يقل أهمية. إذ ينبغي للدول العربية أن تنخرط بفاعلية في الأطر والمؤسسات العالمية التي تشكل حوكمة الذكاء الاصطناعي وتطويره. وتتيح منصات مثل التحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية التابع لمنظمة العمل الدولية فرصاً قيّمة للبلدان لتبادل الدروس ومواءمة الاستراتيجيات والمضي نحو انتقال رقمي أكثر إنصافاً. ويتسق تركيز التحالف على تسخير التحول الرقمي لتعزيز العمل اللائق والإدماج الاجتماعي مع الأهداف الإقليمية، إذ يفتح مسارات لتبادل الممارسات الجيدة في تنظيم الذكاء الاصطناعي، والحماية الاجتماعية في اقتصاد المنصات، ورفع مهارات القوى العاملة.

المصدر

دراسة ذات صلة