الفصل الرابع: رصد اتجاهات الرقمنة في المنطقة
مع تزايد إدراك الدول العربية لأهمية الرقمنة في دفع النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، تبرز اتجاهات متعددة تعكس المسارات المختلفة لدول مجلس التعاون والدول من خارجه. وتقود هذه الاتجاهات زيادة الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والابتكار، والتطورات التكنولوجية، والتحولات في سلوك المستهلكين، وتطور البيئات التنظيمية. ونظراً لاختلاف السياقات بين المجموعتين وتباين قدرات كل منهما، يقتضي الفهم الدقيق بحث الاتجاهات الرقمية في كل مجموعة على حدة، للوصول إلى رؤى أعمق بشأن مساراتها الخاصة.
الاتجاهات المشكّلة للتحول الرقمي في دول مجلس التعاون
تشمل الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل المشهد الرقمي في دول مجلس التعاون ما يلي:
التطورات في البنية التحتية الرقمية. من أبرز التطورات الاستثمار الكبير في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك نشر شبكات الجيل الخامس وإنشاء مراكز بيانات متقدمة. فالمنطقة موطن لرواد عالميين في مجال الجيل الخامس، بما يعكس الخطط الطموحة لمشغلين مثل اتصالات وشركة الاتصالات السعودية وأوريدو، مدعومة بتنظيمات تمكينية وطلب قوي من المستهلكين على الخدمات الجديدة. وتغطي شبكات الجيل الخامس حالياً 75% أو أكثر من سكان دول المجلس، ويُتوقع أن تصل التغطية إلى 95% من السكان بحلول عام 2030. كما تشهد دول المجلس طفرة في إنشاء مراكز البيانات، إذ يقيم مشغلون رئيسيون مثل إكوينيكس وديجيتال ريالتي وغلف داتا هب منشآت لدعم الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية. وتُعد هذه المراكز حيوية لتمكين الشركات من توظيف التقنيات المتقدمة وضمان قدرات موثوقة وآمنة لتخزين البيانات ومعالجتها.
توسع خدمات الحكومة الإلكترونية. خطت دول مجلس التعاون خطوات كبيرة في توظيف منصات الحكومة الإلكترونية لتحديث حوكمة سوق العمل وتحسين تقديم الخدمات العامة. وتؤدي هذه المنصات دوراً محورياً في تبسيط إجراءات التوظيف، وتعزيز الشفافية، وتخفيف الأعباء الإدارية، وتعزيز أسواق عمل أكثر شمولاً وكفاءة. فهي تمكّن الحكومات من إدارة تصاريح العمل على نحو أفضل، ورصد معايير العمل، وتيسير المواءمة بين الباحثين عن عمل والوظائف، وتقديم خدمات الدعم لأصحاب العمل والعاملين، بمن فيهم الفئات المستضعفة كالمهاجرين ذوي المهارات المتدنية والأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أصبحت أنظمة حماية الأجور ركيزة أساسية لتنظيم سوق العمل في جميع دول المجلس، وهي مصممة لضمان صرف أجور العاملين في موعدها وبشفافية، ولا سيما في القطاعات التي توظف أعداداً كبيرة من العمال المهاجرين. وتُلزم هذه الأنظمة أصحاب العمل بصرف الأجور عبر تحويلات مصرفية تراقبها السلطات الحكومية إلكترونياً، بما يتيح رقابة آنية وتدخلاً سريعاً في حالات عدم الامتثال. ومن الأمثلة الأخرى منصة قوى في المملكة العربية السعودية، والخدمات الإلكترونية لوزارة الموارد البشرية والتوطين في الإمارات، وهيئة تنظيم سوق العمل في البحرين، ومنصة أسهل الإلكترونية في الكويت، والخدمات الإلكترونية لوزارة العمل في عُمان، وبوابة حكومي في قطر.
الاستثمار في مشاريع المدن الذكية. تُضخ استثمارات كبيرة في المدن الذكية لتحسين الحياة الحضرية وتعزيز الاستدامة. ففي الإمارات، تركز مبادرة دبي الذكية وخطط التنمية الحضرية في أبوظبي على دمج التقنيات المتقدمة في النقل وإدارة الطاقة والخدمات العامة، بما يخلق بيئات حضرية فعالة ومترابطة. وفي المملكة العربية السعودية، يهدف مشروع نيوم إلى إعادة تعريف الحياة في المدن من خلال دمج أحدث الابتكارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية الذكية، بما يجعله مركزاً عالمياً للتكنولوجيا والاستدامة. ويشكل برنامج تسمو في قطر محور جهودها في مجال المدن الذكية، إذ يوظف حلولاً قائمة على البيانات لتحسين الخدمات العامة والارتقاء بجودة حياة السكان. كما تركز مشاريع مثل مدينة لوسيل ومبادرة قطر الذكية الأوسع على التصميم الصديق للبيئة والحلول الذكية لتحسين جودة حياة السكان. وتمضي البحرين والكويت وعُمان في تنفيذ مبادرات للمدن الذكية، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولى.
نمو التكنولوجيا المالية. يمثل صعود الشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية الرقمية وتطبيقات سلسلة الكتل في دول المجلس، ولا سيما في الإمارات والبحرين، تحولاً مهماً في المشهد المالي للمنطقة. وتعمل البحرين على ترسيخ مكانتها رائدةً في التكنولوجيا المالية من خلال مبادرات مثل خليج البحرين للتكنولوجيا المالية، الذي يمثل مركز ابتكار للتعاون بين الشركات الناشئة والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا. وأنشأت الإمارات مراكز محورية مثل سوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي، التي تيسر تطوير التكنولوجيا المالية من خلال مبادرات مثل البيئات التجريبية التنظيمية وأطر الابتكار، وتتيح للشركات الوصول إلى المستثمرين ودعماً تنظيمياً مصمماً حسب احتياجاتها. وبالمثل، تحرز المملكة العربية السعودية تقدماً من خلال استراتيجيتها الوطنية للتكنولوجيا المالية 2030، الرامية إلى أن تصبح من بين أفضل عشرة مراكز عالمية للتكنولوجيا المالية، مع هدف بلوغ 500 شركة تكنولوجيا مالية نشطة بحلول ذلك العام. وقد بلغ بعض مراكز التكنولوجيا المالية في دول المجلس من الحجم ما جعلها حاضرة على الخريطة العالمية لهذا القطاع. ورغم هذا الزخم، تواجه دول المجلس تحديات في بناء منظومة مستدامة للتكنولوجيا المالية. إذ توجد فجوة حرجة في استقطاب الكفاءات ذات الخبرة، وهي ضرورية لرفع مستوى تطور خدمات التكنولوجيا المالية وتقديمها. فضلاً عن ذلك، لا تزال السوق الإقليمية مجزأة، مما يستدعي جهوداً لتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتشجيع التعاون في مختلف جوانب هذا القطاع.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. تشهد منطقة الخليج تقدماً كبيراً في الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية في قطاعات متعددة. فالبحرين تسعى إلى ترسيخ مكانتها مركزاً لتطوير الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، ولهذه الغاية تركز على تعزيز قدراتها في البحث والتطوير وتحسين قدرتها على بناء نماذج ذكاء اصطناعي تعالج التحديات في الصناعات الرئيسية والقطاع العام، سعياً في نهاية المطاف إلى تطوير حلول قابلة للتصدير إلى بلدان أخرى في المنطقة. وفي عُمان، تخطط الحكومة لبرنامج يدعم الأنشطة الاقتصادية المعززة بالذكاء الاصطناعي، مع استثمارات متوقعة في تقنياته تبلغ 250 مليون دولار أمريكي، يُنتظر أن تحسّن درجة البلاد في مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي. وتخطو قطر خطوات كبيرة في هذا المجال من خلال مبادرات مثل معهد قطر لبحوث الحوسبة ومركز قطر للذكاء الاصطناعي، اللذين يعززان التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعة والحكومة لتطوير حلول مبتكرة في الذكاء الاصطناعي. وقد خصصت الحكومة حزمة حوافز كبيرة للذكاء الاصطناعي بقيمة 2.47 مليار دولار لدعم هذه الجهود في مسيرتها نحو تحول رقمي شامل. كما كشفت المملكة العربية السعودية عن خطة لإنشاء صندوق بقيمة تقارب 40 مليار دولار للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، سعياً إلى أن تصبح لاعباً رائداً فيه. وبالمثل، بادرت الإمارات إلى تطوير الذكاء الاصطناعي من خلال إنشاء مؤسسة فالكون غير الربحية، التي تطور نماذج ذكاء اصطناعي توليدي مفتوحة المصدر وتبني منظومات مستدامة للمشاريع التكنولوجية، بتمويل يبلغ 300 مليون دولار. إضافة إلى ذلك، تستثمر شركة مايكروسوفت 1.5 مليار دولار في شركة جي 42، الشركة الرائدة في الذكاء الاصطناعي ومقرها أبوظبي، لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي وتعزيز مكانة البلاد مركزاً عالمياً له، بما يفتح فرصاً جديدة للابتكار والنمو.
التحول القطاعي. تُحدث الرقمنة تحولاً كبيراً في قطاعات مختلفة في دول المجلس، فتدفع الابتكار، وتعيد تشكيل طرق تقديم الخدمات واستهلاكها، وترفع الكفاءة الإجمالية. ومن منظور سوق العمل، لا تخلق هذه التغيرات فرص عمل جديدة فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف متطلبات المهارات في مختلف القطاعات، ويُناقش بعضها فيما يلي.
فالإمارات والمملكة العربية السعودية تمتلكان بعضاً من أكثر أسواق التجارة الإلكترونية تقدماً في المنطقة، بفضل ارتفاع معدلات انتشار الإنترنت، والاستخدام الواسع للهواتف الذكية، وأنظمة الدفع الرقمي المتينة. ويغذي هذا النمو الطلب على الوظائف في مجالات مثل التسويق الرقمي والخدمات اللوجستية وتحليل البيانات وخدمة العملاء، مما يتطلب من العاملين اكتساب مهارات جديدة في المجال الرقمي والتعامل مع العملاء. كما يتيح توسع منصات التسوق الإلكتروني والأسواق الرقمية للشركات الصغيرة والعاملين لحسابهم دخول السوق بصورة متزايدة، بما يخلق ترتيبات عمل مرنة ويسهم في تنويع سوق العمل.
ويشهد قطاع الرعاية الصحية تحولاً رقمياً كبيراً، مع اتساع انتشار الطب عن بُعد والسجلات الصحية الإلكترونية والتشخيص القائم على الذكاء الاصطناعي. ويحسّن هذا التحول الجاري النفاذ إلى الخدمات الطبية، ويبسط رعاية المرضى، ويولد طلباً على مهنيين صحيين متمكنين تقنياً قادرين على إدارة الأدوات الصحية الرقمية. ولا تقتصر مبادرات مثل منصة ملفي لتبادل المعلومات الصحية في الإمارات، ومستشفى صحة الافتراضي في المملكة العربية السعودية، ومنصة نسمعك في قطر، ونظام الشفاء في عُمان، على تحسين رعاية المرضى، بل تخلق أيضاً أدواراً جديدة في تكنولوجيا المعلومات الصحية وتنسيق الصحة الرقمية والطب عن بُعد، وتشجع رفع مهارات الأدوار التقليدية لتتكيف مع سير العمل الرقمي وإدارة البيانات.
كما يعيد التحول الرقمي في التعليم بدول المجلس تشكيل بيئات التعلم التقليدية لتصبح نظماً تعليمية ذكية، بما يعزز الطلب على معلمين متمكنين من الأدوات الرقمية وتقنيات الفصول الذكية. فمبادرات مثل منصة مدرستي في المملكة العربية السعودية، ومنصة مدرسة في الإمارات، وشبكة إديونت في البحرين، وبوابة التعليم الإلكتروني في عُمان، تدمج المحتوى الرقمي والفصول الافتراضية في التعليم. ولا يقتصر هذا النهج على تحسين النفاذ إلى المعلومات، بل يؤكد كذلك أهمية الثقافة الرقمية منذ سن مبكرة، إعداداً للطلبة لمستقبل تقوده التكنولوجيا.
ويجني قطاع النقل بدوره ثمار الابتكارات الرقمية، إذ تتزايد الاستعانة بحلول التنقل الذكي والاتصال عالي السرعة لتحسين إدارة حركة المرور وتطوير أنظمة النقل العام. وقد وُضعت استراتيجيات استباقية، مثل استراتيجية النقل الذكي واستراتيجية التنقل ذاتي القيادة 2030 في الإمارات، وخطة النقل الذكي ضمن برنامج تسمو في قطر، وأنظمة النقل الذكي في المملكة العربية السعودية، لتعزيز البنية التحتية الرقمية وحلول التنقل، بما قد يولد طلباً على أدوار في تخطيط التنقل الحضري وعلوم البيانات وتشغيل المركبات ذاتية القيادة.
دعم ريادة الأعمال الرقمية. يمثل دعم ريادة الأعمال الرقمية اتجاهاً رئيسياً آخر في أجندة التحول الرقمي لدول المجلس، إذ تقود منظومات الشركات الناشئة النشطة الابتكار والتنويع الاقتصادي. فمبادرات مثل مركز مسك في المملكة العربية السعودية والشركة السعودية للاستثمار الجريء توفر التمويل والإرشاد والموارد للشركات التقنية الناشئة، بما يرسخ ثقافة ريادة الأعمال والتقدم التكنولوجي. وتتصدر الإمارات هذا المجال أيضاً من خلال منصة هب 71 في أبوظبي ومنطقة 2071 في دبي، اللتين تعملان مركزين للابتكار يوفران الحاضنات والمسرعات والنفاذ إلى الشبكات العالمية للشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات الناشئة. وتركز مبادرة ستارت أب البحرين والصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الكويت بالمثل على دعم رواد الأعمال الرقميين من خلال التمويل والتدريب وفرص التشبيك.
وخلاصة القول، تتمتع دول مجلس التعاون بمزايا تنافسية عدة غذّت تحولها الرقمي، منها الاستثمار الحكومي القوي والبنية التحتية المتقدمة. وقد أسهمت هذه المقومات، مقرونة بسياسات استباقية وتنظيمات داعمة، في تسريع اعتماد التقنيات الناشئة في قطاعات متعددة. غير أن استدامة هذا التقدم تتطلب معالجة الحاجة المتنامية إلى الكفاءات المتخصصة. فبناء قاعدة متينة من المواطنين المهرة أمر أساسي للحفاظ على الميزة التنافسية للمنطقة، وتقليص الاعتماد على العمالة الوافدة، وتحقيق الهدف الأوسع المتمثل في التنويع الاقتصادي والانتقال نحو اقتصادات قائمة على المعرفة وأقل اعتماداً على النفط.
تطورات الرقمنة في الدول من خارج مجلس التعاون
يقدم مشهد الرقمنة في الدول العربية من خارج مجلس التعاون صورة مركبة تجمع بين التحديات والفرص. فرغم أن عدم الاستقرار السياسي والقيود الاقتصادية وقصور البنية التحتية تعيق التقدم، فإن الاتجاهات الرقمية الناشئة التالية تحمل إمكانات لتحويل أسواق العمل والإسهام الفعلي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية الأوسع:
نمو التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية. رغم أن التجارة الإلكترونية لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تكتسب زخماً تدريجياً في بلدان مثل الأردن ولبنان، مدفوعة بالشركات الناشئة والمنصات المحلية وتزايد طلب المستهلكين على التسوق الإلكتروني. ويدعم هذا النمو توسع حلول الدفع الرقمي، كالمحافظ الإلكترونية على الهواتف المحمولة والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، التي تتيح إجراء معاملات آمنة. ومن بين آثار هذه التطورات أنها تخلق وظائف جديدة في الخدمات اللوجستية وخدمة العملاء والتسويق الرقمي، وتولد طلباً متزايداً على مهارات إدارة المنصات الرقمية والأمن السيبراني، وتيسر توسع الأسواق أمام الأعمال، ولا سيما الصغيرة منها والوحدات الاقتصادية غير المنظمة.
اعتماد منصات التواصل الرقمي. تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الاتصال الرقمي على نطاق واسع في أنحاء المنطقة، بوصفها قنوات رئيسية لنشر المعلومات والتفاعل الاجتماعي وتسويق الأعمال. ولا تقتصر منصات مثل فيسبوك وإنستغرام على التواصل الشخصي، بل تؤدي دوراً مهماً في دعم الأعمال الصغيرة ورواد الأعمال من خلال توفير وسيلة منخفضة التكلفة للوصول إلى العملاء والترويج للمنتجات والخدمات. ويؤدي هذا الاتجاه كذلك إلى تزايد الطلب على مهارات التسويق الرقمي وصناعة المحتوى.
تطوير خدمات الحكومة الإلكترونية. في الدول من خارج المجلس، تسهم خدمات الحكومة الإلكترونية تدريجياً في تحسين تقديم الخدمات العامة والحوكمة. ومن الأمثلة على ذلك بوابات تقديم الإقرارات الضريبية وتسجيل الأعمال في الأردن، ومنصة رقمية لتقديم الإقرارات الضريبية في لبنان، وجهود رقمنة الخدمات المدنية في دولة فلسطين والعراق واليمن. ولا تساعد هذه المبادرات على تحسين الكفاءة وتعزيز الانتقال إلى الاقتصاد المنظم فحسب، بل تدفع أيضاً بصورة متزايدة الطلب على عاملين متمكنين تقنياً في الإدارة العامة.
ظهور مبادرات الصحة الرقمية. تكتسب الصحة الإلكترونية أهمية متزايدة، ولا سيما في المناطق التي تعاني من محدودية المرافق الطبية وفي المناطق المتأثرة بالنزاعات. ففي دولة فلسطين مثلاً، تحل الصحة الإلكترونية محل السجلات الورقية في المراكز الصحية التابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، ضمن جهود متواصلة لتحسين متابعة المرضى وإدارة البيانات، بما قد يتيح تحليلاً أدق لأنماط الأمراض واتجاهاتها. إضافة إلى ذلك، تقدم منصة الطبي، وهي من أبرز منصات الصحة الرقمية في المنطقة ومقرها الأردن وتعمل في عدة بلدان، خدمات الطب عن بُعد والمعلومات الصحية للمستخدمين في أنحاء الشرق الأوسط، بما يعزز النفاذ إلى الرعاية الصحية ويخلق وظائف في مجال الصحة الرقمية.
تطوير التعليم الإلكتروني. سرّعت جائحة كوفيد 19 تطوير التعليم الرقمي ومنصات التعلم الإلكتروني، فغيّرت طريقة تقديم التعليم. ولمعالجة الاضطرابات الناجمة عن إغلاق المدارس، أطلقت الحكومات والمنظمات دورات إلكترونية وفصولاً رقمية ومبادرات متنوعة للتعلم عن بُعد. ففي الأردن، أطلقت وزارة التربية والتعليم منصة درسك لتقديم المحتوى التعليمي. وبالمثل، تواصل منصة إدراك، وهي منصة إقليمية غير ربحية للمساقات الإلكترونية المفتوحة واسعة النطاق، تقديم دورات مجانية لطلبة المدارس والجامعات، مزودةً المتعلمين بمهارات أساسية بالتعاون مع شركاء دوليين.
ريادة الأعمال والابتكار الرقميان. تنشأ في المنطقة منظومة متنامية من رواد الأعمال الرقميين، مدفوعة بسياسات داعمة وإتاحة الحاضنات ورأس المال الجريء. ورغم التحديات، يوظف رواد الأعمال التقنيات الرقمية لابتكار حلول تحفز توليد الدخل والنمو الاقتصادي. وقد أسهم هذا الاتجاه في رعاية منظومة نشطة للشركات الناشئة، ولا سيما في قطاعات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والخدمات القائمة على التكنولوجيا. ورغم أن ريادة الأعمال والابتكار الرقميين لا يزالان في مراحلهما الأولى، فإنهما ينطويان على إمكانات كبيرة لتمكين هذه البلدان من تنويع اقتصاداتها وخلق الوظائف والارتقاء بجودة حياة مواطنيها. ففي الأردن، تعزز مبادرات مثل المركز الوطني للابتكار ومختلف الحاضنات التقنية النمو في التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والتكنولوجيا الصحية. وبالمثل، يشهد لبنان صعوداً في ريادة الأعمال الرقمية، مع شركات ناشئة عديدة تسخّر التكنولوجيا لمعالجة التحديات المحلية. كما تشهد دولة فلسطين والعراق تزايداً في المبادرات القائمة على التكنولوجيا، إذ يبتكر رواد الأعمال الشباب حلولاً للقضايا الاجتماعية والاقتصادية.
وخلاصة القول، ورغم أن الدول من خارج مجلس التعاون تشهد نمواً في اتجاهات رقمية متعددة، لا يزال هناك مجال واسع للتحسين من أجل الارتقاء بجهود التحول الرقمي. إذ تواجه هذه البلدان تحديات هيكلية تعيق انتشار الرقمنة على نطاق واسع، منها محدودية النفاذ إلى التمويل، وتخلف البنية التحتية، والعوائق التنظيمية، وضعف القدرات الحكومية مقروناً بنقص المهارات. ويزيد عدم الاستقرار السياسي والقيود الاقتصادية المشهد تعقيداً. وتحد هذه العوامل مجتمعة من قدرة هذه البلدان على بلوغ النضج اللازم لإطلاق الأثر المضاعف للرقمنة والذكاء الاصطناعي على التنمية، مما يفاقم الفجوة الرقمية بينها وبين نظيراتها الأكثر تقدماً وتمكناً رقمياً في مجلس التعاون.
